٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادراً على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة. فأما قوله: {ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بالليل} فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز كما قال جل جلاله {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مسمى} تفسير : [الزمر: 42]، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت، وههنا بحث: وهو أن النائم لا شك أنه حي ومتى كان حياً لم تكن روحه مقبوضة البتة، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن الله توفاه فلا بد ههنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلاً عن بعض الأعمال، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار، فصح إطلاق لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه. ثم قال: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة. قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ السيآت} أي اكتسبوا. وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح. ثم قال تعالى: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي يرد إليكم أرواحكم في النهار، والبعث ههنا اليقظة. ثم قال: {لّيُقْضي أَجَلٌ مُّسَمًّى } أي أعماركم المكتوبة، وهي قوله: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } والمعنى يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام، ومعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت. واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة. فقال: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} أي ينِيمكم فيقبض نفوسكم التي بها تميزون، وليس ذلك موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت. والتَّوَفِّي استيفاء الشيء. وتُوُفِّيَ الميت ٱستوفى عدد أيام عمره، والذي ينام كأنه استوفى حركاته في اليقظة. والوفاة الموت. وأوفيتك المال، وتوفيته، وٱستوفيته إذا أخذته أجمع. وقال الشاعر:شعر : إن بني الأَدْرَدِ ليسوا مِن أحدْ ولا توفّاهم قريشٌ في العَدَدْ تفسير : ويقال: إن الروح إذا خرج من البدن في المنام تبقى فيه الحياة؛ ولهذا تكون فيه الحركة والتنفس، فإذا ٱنقضى عمره خرجت روحه وتنقطع حياته، وصار ميتا لا يتحرك ولا يتنفس. وقال بعضهم. لا تخرج منه الروح، ولكن يخرج منه الذهن. ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى. وهذا أصح الأقاويل، والله أعلم. {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي في النهار؛ ويعني اليقظة. {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى} أي ليستوفي كل إنسان أجلا ضرب له. وقرأ أبو رَجاء وطلحة بن مصرِّف «ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلا مسمى» أي عنده. و {جَرَحْتُم} كسبتم. وقد تقدّم في «المائدة». وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه؛ فقدّم الأهم الذي من أجله وقع البعث في النهار. وقال ابن جُريج: «ثم يبعثكم فِيهِ» أي في المنام. ومعنى الآية: إن إمهاله تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم فإنه أحصى كل شيء عددا وعَلمه وأثبته، ولكن ليقضي أجلا مسمى من رزق وحياة، ثم يرجعون إليه فيجازيهم. وقد دلّ على الحشر والنشر بالبعث؛ لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أنّ من قدر على أحدهما فهو قادر على الآخر.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ} ينيمكم فيه ويراقبكم، استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهم من المشاركة في زوال الإِحساس والتمييز فإن أصله قبض الشيء بتمامه. {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } كسبتم فيه خص الليل بالنوم والنهار بالكسب جرياً على المعتاد. {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ } يوقظكم أطلق البعث ترشيحاً للتوفي {فِيهِ } في النهار. {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى } ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } بالموت. {ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالمجازاة عليه. وقيل الآية خطاب للكفرة والمعنى أنكم ملقون كالجيف بالليل وكاسبون للآثام بالنهار، وأنه سبحانه وتعالى مطلع على أعمالكم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} تفسير : [آل عمران: 55] وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [الزمر: 42] فذكر في هذه الآية الوفاتين: الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10] وكما قال تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} أي: في الليل، {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي: في النهار؛ كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ:10-11] ولهذا قال تعالى ههنا: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} أي: ما كسبتم من الأعمال فيه {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي: في النهار، قاله مجاهد وقتادة والسدي، وقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير، أي: في المنام، والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه بسند: عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه وُيَردّ إليه، فإن أذن الله في قبض روحه، قبضه، وإلا رد إليه» تفسير : فذلك قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ}. وقوله: {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى} يعني به: أجل كل واحد من الناس، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم} أي: فيخبركم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: ويجزيكم على ذلك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وقوله: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي: وهو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان؛ كقوله: {أية : لَهُ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11] وحفظة يحفظون عمله ويحصونه؛ كقوله: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ } تفسير : [الانفطار: 10] الآية، وكقوله: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 17 - 18]، وقوله: {أية : إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} تفسير : [ق: 17] الآية. وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي: احتضر، وحان أجله، {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} أي: ملائكة موكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} تفسير : [إبراهيم: 27] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة، وقوله: {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها، وينزلونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار، ففي عليين، وإن كان من الفجار، ففي سجين، عياذاً بالله من ذلك. وقوله: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ} قال ابن جرير: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ} يعني: الملائكة {إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ} ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة؛ فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الثاني» تفسير : هذا حديث غريب، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ} يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الواقعة:49-50] وقال: {أية : وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47] إلى قوله: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ولهذا قال: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيْلِ } يقبض أرواحكم عند النوم {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم } كسبتم {بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي النهار بردّ أرواحكم {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى } هو أجل الحياة {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } بالبعث {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } أي ينيمكم فيقبض فيه نفوسكم التي بها تميزون وليس ذلك موتاً حقيقة، فهو مثل قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] والتوفي استيفاء الشيء، وتوفيت الشيء واستوفيته: إذا أخذته أجمع، قال الشاعر:شعر : إن بني الأدرم ليسوا من أحد ولا توفاهم قريش في العدد تفسير : قيل: الروح إذا خرجت من البدن في المنام بقيت فيه الحياة، وقيل: لا تخرج منه الروح بل الذهن فقط، والأولى أن هذا أمر لا يعرفه إلا الله سبحانه. قوله: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } أي كسبتم بجوارحكم من الخير والشرّ. قوله: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي في النهار يعني اليقظة وقيل يبعثكم من القبور فيه، أي في شأن ذلك الذي قطعتم فيه أعماركم من النوم بالليل والكسب بالنهار. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه. وقيل ثم يبعثكم فيه، أي في المنام، ومعنى الآية: أن إمهاله تعالى للكفار ليس للغفلة عن كفرهم، فإنه عالم بذلك ولكن {لّيَقْضِىَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } أي معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } أي رجوعكم بعد الموت {ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قوله: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } المراد: فوقية القدرة والرتبة كما يقال: السلطان فوق الرعية، وقد تقدّم بيانه في أوّل السورة. قوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } أي ملائكة جعلهم الله حافظين لكم، ومنه قوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ } تفسير : [الإنفطار: 10] بمعنى: أنه يرسل عليكم من يحفظكم من الآفات ويحفظ أعمالكم، والحفظة جمع حافظ، مثل كتبة جمع كاتب {وَعَلَيْكُمْ } متعلق {بيرسل} لما فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمه على حفظة ليفيد العناية بشأنه، وأنه أمر حقيق بذلك. وقيل هو متعلق بحفظة. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } "حتى" يحتمل أن تكون هي الغائية، أي ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما أمروا بحفظه مما يتعلق بكم {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } ويحتمل أن تكون الابتدائية. والمراد بمجيء الموت: مجيء علاماته. وقرأ حمزة «توفاه رسلنا» وقرأ الأعمش «تتوفاه» والرسل: هم أعوان ملك الموت، ومعنى توفته: استوفت روحه: {لاَ يُفَرّطُونَ } أي لا يقصرون ويضيعون، وأصله من التقدّم، وقال أبو عبيدة: لا يتوانون. وقرأ عبيد بن عمير «لا يفرطون» بالتخفيف، أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة. قوله: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } معطوف على توفته، والضمير راجع إلى أحد لأنه في معنى الكل مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أي ردّوا بعد الحشر إلى الله، أي إلى حكمه وجزائه {مَوْلَـٰهُمُ } مالكهم الذي يلي أمورهم {ٱلْحَقّ } قرأ الجمهور بالجر صفة لاسم الله. وقرأ الحسن "ٱلْحَقّ" بالنصب على إضمار فعل، أي أعني أو أمدح، أو على المصدر {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الفكر والروية والتدبر. وقد أخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذ نفسه، فإذا أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا ردّها إليه، فذلك قوله تعالى: {يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ }"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة، في الآية قال: ما من ليلة إلا والله يقبض الأرواح كلها، فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار، ثم يدعو ملك الموت فيقول: اقبض روح هذا؛ وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في كتاب حياة الإنسان، قائل يقول ثلاثاً، وقائل يقول خمساً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: أما وفاته إياهم بالليل فمنامهم، وأما {جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } فيقول: ما اكتسبتم بالنهار {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } قال: في النهار {لّيَقْضِىَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } وهو الموت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم } قال: ما كسبتم من الإثم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } قال: هم المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: أعوان ملك الموت من الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله {وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } يقول: لا يضيعون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيلِ} يعني به النوم، لأنه يقبض الأرواح فيه عن التصرف، كما يقبضها بالموت، ومنه قول الشاعر: شعر : إنَّ بَنِي الأَدْرَدِ لَيْسوا مِن أَحَدْ وَلاَ تَوَفَّاهُم قَرَيْشٌ في العَدَدْ تفسير : أي لا تقبضهم. {وََيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} أي ما كسبتم لأنه مستفاد بعمل الجارحة، ومنه جوارح الطير لأنها كواسب بجوارحها، وجَرْحُ الشهادة هو الطَّعْن فيها لأنه مكسب الإثم، قاله الأعشى: شعر : وهوَ الدَّافِعُ عن ذي كُرْبَةٍ أيْدِي القَوْمِ إذا الْجَانِي اجْتَرَحْ تفسير : {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} يعني في النهار باليقظة، وتصرف الروح بعد قبضها بالنوم. {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمّىً} يعني استكمال العمر وانقضاء الأجل بالموت. {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} يعني بالبعث والنشور في القيامة. {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من خير وشر. قوله عز وجل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أعلى قهراً، فلذلك قال: {فَوْقَ عِبَادِهِ}. والثاني: أن الأقدر إذا استحق صفة المبالغة عبَّر عنه بمثل هذه العبارة، فقيل: هو فوقه في القدرة أي أقدر، وفوقه في العلم أي أعلم. {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} فيه وجهان: أحدهما: أنه جوارحهم التي تشهد عليهم بما كانوا يعملون. والثاني: الملائكة. ويحتمل {حَفَظَةً} وجهين: أحدهما: حفظ النفوس من الآفات. والثاني: حفظ الأعمال من خير وشر، ليكون العلم بإتيانها أزجر عن الشر، وأبعث على الخير. {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} يعني أسباب الموت، بانقضاء الأجل. فإن قيل: المتولِّي لقبض الروح مَلَك الموت، وقد بين ذلك بقوله تعالى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم} تفسير : [السجدة: 11] فكيف قال: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} والرسل جمع. قيل: لأن الله أعان مَلَك الموت بأعوان من عنده يتولون ذلك بأمره، فصار التوفِّي من فعل أعوانه، وهو مضاف إليه لمكان أمره، كما يضاف إلى السلطان فعل أعوانه من قتل، أو جلد، إذا كان عن أمره. {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} فيه وجهان: أحدهما: لا يؤخرون. الثاني: لا يُضَيِّعُونَ، قاله ابن عباس. قوله عز وجل: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُم الْحَقِّ} وفي متولِّي لرد قولان: أحدهما: أنهم الملائكة التي توفتهم. والثاني: أنه الله بالبعث والنشور. وفي ردهم إلى الله وجهان: أحدهما: معناه ردهم إلى تدبير الله وحده، لأن الله دبرهم عند خلقهم وإنشائهم، مكَّنهم من التصرف فصاروا في تدبير أنفسهم، ثم كَفَّهم عنه بالموت فصاروا في تدبير الله كالحالة الأولى، فصاروا بذلك مردودين إليه. والثاني: أنهم ردوا إلى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه إلا الله، فجعل الرد إلى ذلك الموضع رداً إليه. فإن قيل: فكيف قال: {مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} وقد قال: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم} تفسير : [محمد: 11]. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه قال هذا لأنهم دخلوا في جملة غيرهم من المؤمنين المردودين فعمَّهم اللفظ. والثاني: أن المولى قد يعبر به عن الناصر تارة وعن السيد أخرى، والله لا يكون ناصراً للكافرين، وهو سيد الكافرين والمؤمنين. و {الْحَقِّ} هنا يحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الحق هو من أسمائه تعالى. والثاني: لأنه مستحق الرد عليه. والثالث: لحُكْمِهِ فيهم بالرد. {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ} يعني القضاء بين عباده. فإن قيل: فقد جعل لغيره الحكم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن له الحكم في يوم القيامة وحده. والثاني: أن غيره يحكم بأمره فصار الحكم له. ويحتمل قوله: {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ} وجهاً ثانياً: أن له أن يحكم لنفسه فصار بهذا الحكم مختصاً. {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني سرعة الحكم بين العباد لتعجيل الفصل، وعبر عن الحكم بالحساب من تحقيق المستوفِي بهما من قليل وكثير. والثاني: وهو الظاهر أنه أراد سرعة محاسبة العباد على أعمالهم. ويحتمل مراده بسرعة حسابه وجهين. أحدهما: إظهار قدرته بتعجيل ما يعجز عنه غيره. والثاني: أنه يبين به تعجيل ما يستحق عليه من ثواب، وتعجيل ما يستحق على غيره من عقاب جمعاً بين إنصافه وانتصافه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَوَفَّاكُم} بالنوم. {جَرَحْتُم} كسبتم بجواركم، جوارح الطير: كواسبها. {يَبْعَثُكُمْ} في النهار باليقظة. {أَجَلٌ مُّسَمّىً} استكمال العمر. {مَرْجِعُكُمْ} بالبعث.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ}، يعني به: النَّوْمَ، و {يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم}، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون {جَرَحْتُم} هنا من الجرح؛ كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ: شعر : .................... وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ اليَدِ تفسير : و {يَبْعَثُكُمْ}: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في {فِيهِ} عائدٌ على النهار؛ قاله مجاهد وغيره، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ؛ قاله عبد اللَّه بن كَثير. و {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى}: المراد به آجالُ بني آدمَ، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}؛ يريدُ: بالبَعْثِ والنشورِ، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم}، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور؛ لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ علَىٰ نَحوٍ مَّا. وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل {فَوْقَ} ظرفيةً للجهةِ؛ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ {ٱلْقَاهِرُ} صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاءِ، فـ {فَوْقَ}: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن؛ على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ، والأحرارُ فَوْقَ العبيدِ، و {يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ}: معناه: يَبُثُّهم فيكم، وَ {حَفَظَةً}: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَتَعاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ»تفسير : ؛ وقال السُّدِّيُّ وقتادة، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ؛ حتى يأتي أجله، والأول أظهر. وقرأ حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ». وقوله تعالى: {رُسُلُنَا}: يريد به؛ علَىٰ ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل: ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له، {ثُمَّ رُدُّواْ}، أي: العبادُ، {إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ}، وقوله: {ٱلْحَقِّ}: نعْتٌ لـ {مَوْلَـٰهُمُ}، ومعناه: الذي لَيْسَ بباطلٍ، ولا مَجَاز، {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ}: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ}: قيل لِعَليٍّ (رضي اللَّه عنه): كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟! قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. وقوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً...} الآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إلَيْه في الشَّدَائد، ودَفْعِ الملمَّاتِ، و {ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ؛ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنَىٰ: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء، وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «وخِفْيةَ» ـــ بكسر الخاء ـــ، وقرأ الأعمشُ: «وخِيفَةً»؛ من الخَوْف. وقوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا...} الآية: سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ؛ إذْ لا محيدَ عنْه، {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ}: لفظٌ عامٌّ أيضاً، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في «الظلماتِ»، {ثُمَّ أَنتُمْ}، أي: ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحَقُّقِكُمْ له، أنْتُمْ تُشْرِكُونَ.
ابن عادل
تفسير : لمَّا بيَّن تعالى كمالَ علمهِ في الآية الأولى - بيَّنَ كمالَ قُدْرتِهِ بهذه الآية، وهو كونه قَادراً على نَقْلِ الذَّواتِ من المَوْتِ إلى الحياة، ومن النَّومِ إلى اليَقَظَةِ، واسْتِقْلاله بحفظها في جميع الأحوال، وتدبيرها على أحْسَنِ الوجوه في حَالِ النوم واليقظة. قوله: "باللَّيْلِ" متعلّق بما قبله على أنه ظَرْفٌ له، و"الباءُ" تأتي بمعنى "في"، وقَدْ تقدَّم منه جملة صالحة. وقال أبو البقاء هنا: وجاز ذلك؛ لأن "الباء" للإلْصَاقِ والمُلاصِقُ للزمان والمكان حَاصِلٌ فيهما، يعني في هذه العلاقةِ المجوزة للتَّجَوُّرِ، وعلى هذا فلا حَاجَةَ إلى أن يَنُوب حَرْفٌ مكان آخر، بل نقول: هي هنا للإلْصَاقِ مَجَازاً، نحو ما قالوه في "مررتُ بزيد"، وأسند التَّوَفِّي هنا إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، لأنه لا ينفر منه هنا، إذ المُرَادُ به الدَعَةُ والرَّاحَةُ، وأسند إلى غيره في قوله: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام:61] {أية : يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [السجدة:11] لأنه ينفر منه، إذا المُرَادُ به المَوْتُ. وهاهنا بَحْثٌ، وهو أن النائم لا شكَّ أنَّهُ حيُّ، ومتى كان حَيَّاً لم تكن رُوحُهُ مَقْبُوَضَةً ألْبَتَّةً, فلا بُدَّ ها هنا من تأويلٍ، وهو أنه حالَ النوم تَغُورُ الأرواح الحسَّاسَةُ من الظاهر في الباطن، فصارت الحواسُّ الظاهِرَةُ مُعَطَّلَةً عن أعمالها، فعند النوم صار ظَاهِرُ الجَسَدِ مُعَطَّلاً عن كُلِّ الأعمال، فحصل بين النَّوْم وبين الموت مُشَابَهَةٌ من هذه الحَيْثِيَّةِ، فلذلك صَحَّ إطلاق لفظ المَوْتِ والوفَاةِ على النوم. قوله: "مَا جَرَحْتُمْ" الظاهر أنها مَصْدَرِيَّةٌ، وإن كان كونها موصولة اسميةً أكثر ويجوز أن تكون نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بما بعدها، والعَائِدُ على كلا التقديرين الآخرين مَحْذُوفٌ، وكذا عند الأخْفَشِ وابن السّراجِ على القول الأول. و"بالنَّهَارِ" كقوله: "باللَّيْلِ" والضميرُ في "فيه" عائد على "النهار" وهذا هو الظاهر. قال أبو حيَّان: "عاد عليه لَفْظاً، والمعنى: في يوم آخر، كما تقول: عندي دِرْهَمٌ ونَصْفهُ". قال شهابُ الدين: ولا حَاجَة في الظَّاهِرِ على عَوْدِهِ على نظير المذكور، إذ عَوْدُهُ على المذكور لا مَحْذُورَ فيه. وأمَّا ما ذكره من نحو "درهم ونِصْفهُ" فلضرورة انْتِفَاءِ العِيِّ من الكلامِ، قالوا: لأنك إذا قلت: "عندي درهمٌ" أنَّ عندك نصفه ضرورة. فقولك بعد ذلك: "ونصفه" تضطَرُّ إلى عَوْدِهِ إلى نظير ما عندك، بخلاف ما نَحْنُ فيه. وقيل: يعود على اللَّيل. وقيل: يعود على التَّوَفِّي، وهو النوم أي: يوقظكم في خلالِ النوم. وقال الزمخشري: "ثم يَبْعَثكُمْ من القبور في شَأنِ الذي قطعتم به أعْمَارَكُمْ من النوم باللَّيْلِ، وكَسْب الآثام بالنهار" انتهى. وهو حَسَنٌ. وخَصَّ اللَّيْلَ بالتَّوَفِّي، والنَّهَارَ بالكَسْبِ إن كان قد يُنَامُ في هذا ويُكْسَبُ في الآخر اعتباراً بالحَالِ الأغلب. وقدَّم التَّوَفِّي بالليل؛ لأنه أبْلغُ في المِنَّةِ عليهم، ولا سيَّما عند مَنْ يَخُصُّ الجَرْحَ بكسْبِ الشَّرِّ دُون الخَيْرِ، ومعنى "جرحتم" أي: كَسَبْتُمْ من العملِ بالنهار. قال تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} تفسير : [المائدة:4] أي: الكَواسِب من الطير والسِّبَاع، واحدتها "جارحة". قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} تفسير : [الجاثية:21] أي:اكْتَسَبُوا. وبالجملة فالمُرَادُ منه أعمال الجَوَارِح. قوله: "ليُقْضَى أجَلٌ" الجمهور على "لِيُقْضَى" مبنيّاً للمفعولِ، و"أجَلٌ" رفع به، وفي الفاعل المَحْذُوفِ احتمالان: أحدهما: أنه ضمير البَارِئ تعالى. والثاني: أنه ضمير المخاطبين أي: لتقضوا آجالكم. وقرأ أبو رجاءٍ، وطلحة: "ليَقْضِي" مَبْنياً للفاعل، وهو الله تعالى، و "أجَلاً" مفعول به، و"مُسَمى" صفة، فهو مرفوع على الأوَّل، ومنصوب على الثاني وتيرتَّبُ على ذلك خلافٌ للقُرَّاءِ في إمالَةِ ألفِهِ، و"اللام" في "ليقضي" متعلّقة بما قبلها من مجموع الفِعْلَيْن، أي: يتوفاكم ثُمَّ يبعثكم لأجْلِ ذلك. والمرادُ: الأجَلُ المسمَّى، أي: عمركم المكتوب. والمعنى: يبعثكم من نومكم إلى أن تَبْلُغُوا آجَالَكُمْ. واعلم أنه - تعالى - لمَّا ذكر أنَّهُ يُنيمُهمْ أولاً، ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جَارياً مُجْرَى الإحْيَاءِ بعد الإمَاتَةِ، فلذلك اسْتَدلَّ به على صِحَّةِ البَعْثِ والقِيَامَةِ، فقال: {أية : ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الزمر:7] في ليلكم ونهاركم في جميع أحوالكم.
البقاعي
تفسير : ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه، وكان من أدلته العظمة النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر، وكان فيه مع ذلك تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم، أتبع ذلك قوله: {وهو} أي وحده {الذي يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور أصلاً، فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت، وذكر الأصل في ذلك فقال: {بالّيل ويعلم} أي والحال أنه يعلم {ما جرحتم} أي كسبتم {بالنهار} أي الذي تعقبه النوم، من الذنوب الموجبة للإهلاك، ويعاملكم فيها بالحلم بعد العلم ولا يعجل عليكم، وهو معنى {ثم يبعثكم} أي يوقظكم بعد ذلك النوم المستغرق، فيصرفكم فيما يشاء {فيه} أي في النهار الذي تعقب ذلك النوم بعد استحقاقكم للانتقام {ليقضى} أي يتم {أجل مسمى} كتبه للموتة الكبرى. ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ذلك في الموتة الكبرى، وكان فيه تقريب عظيم له قال: {ثم} يبعثكم من تلك الموتة كما بعثكم من هذه، ويكون {إليه} أي وحده {مرجعكم} أي حساً بالحشر إلى دار الجزاء، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا {ثم} بعد تلك المواقف الطوال والزلازل والأهوال، ويمكن أن تشير أداة التراخي إلى عظمة العلم بذلك، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق {ينبئكم} أي يخبركم إخباراً عظيماً جليلاً مستقصى {بما كنتم تعملون *} أي فيجازيكم عليه، ولعلمه عبر بالعمل لأن الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية العلم، فتقرر - مع كمال قدرته سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها - استقلالُه بحفظها في كل حال وتدبيرها على أحسن وجه. ولما أخبر بتمام العلم والقدرة، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها، فلو بالغ أحد في الاجتهاد في أن ينام في غير وقته ما قدر، أو أن يقوم وقت النوم لعجز، أو أن يحيي وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال: {وهو} أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء {القاهر} وصور ذلك بقوله: {فوق عباده} أي في الإحاطة بالعلم والفعل، أما قهره للعدم فبالتكوين والإيجاد، وأما قهره للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى، فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار - إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصروف الممكنات {ويرسل} ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح فقال: {عليكم} من ملائكته {حفظة} أي يحفظون عليكم كل حركة وسكون لتستحيوا منهم وتخافوا عاقبة كتابتهم. ويقوم عليكم بشهادتهم الحجة على مجاري عاداتكم، وإلا فهو سبحانه غني عنهم، لأنه العالم القادر فيحفظونكم على حسب مراده فيكم {حتى إذا جاء}. ولما كان تقديم المفعول أخوف قال: {أحدكم الموت} أي الذي لا محيد له عنه ولا محيص {توفته} أي أخذت روحه كاملة {رسلنا} من ملك الموت وأعوانه على ما لهم من العظمة بالإضافة إلينا {وهم لا يفرطون *} في نفس واحد ولا ما دونه ولا ما فوقه بالتواني عنه ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر؛ ولما أشار سبحانه إلى قوته بالجنود التي تفوت الحصر - وإن كان عنهم غنياً بصفة القهر - نبه بصيغة المجهول إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته فقال: {ثم} أي بعد حبسهم في قيد البرزخ {ردوا} أي ردهم راد منه لا يستطيعون دفاعه أصلاً {إلى الله} أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده وخدمته {مولاهم} أي مبدعهم ومدبر أمورهم كلها {الحق} أي الثابت الولاية، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة وغيرهم عدم، لأن الحفظة لا يعلمون إلا ما ظهر لهم، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى. ولما استحضر المخاطب عزته وقهره، وتصور جبروته وكبره، فتأهل قلبه وسمعه لما يلقى إليه ويتلى عليه، قال: {ألا له} أي وحده حقاً {الحكم} ولما كان الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمراً يحير الفكر، ولا يكاد يدخل تحت الوهم، قال محقراً في جنب قدرته: {وهو} أ يوحده {أسرع الحاسبين *} يفصل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح كما أنه يقسم أرزاقهم في الدنيا في مثل ذلك، لا يقدر أحد أن ينفك عن عقابه بمطاولة في الحساب ولا مغالطة في ثواب ولا عقاب، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى فكر وروية ولا عقد ولا كتابة، فلا يشغله حساب عن حساب ولا شيء عن شيء.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مع كل انسان ملك إذا نام يأخذ نفسه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليهتفسير : ، فذلك قوله {يتوفاكم بالليل}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة في قوله {وهو الذي يتوفاكم بالليل} قال: يتوفى الأنفس عند منامها، ما من ليلة الا والله يقبض الأرواح كلها فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار، ثم يدعو ملك الموت فيقول: اقبض هذا اقبض هذا، وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في كتاب حياة الناس. قائل يقول ثلاثاً، وقائل يقول خمساً". وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وهو الذي يتوفاكم بالليل ....} الآية. قال: أما وفاتهم بالليل فمنامهم، وأما ما جرحتم بالنهار فيقول: ما اكتسبتم بالنهار {ثم يبعثكم فيه} قال: في النهار. {ليقضي أجل مسمى} وهو الموت . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وهو الذي يتوفاكم بالليل} يعني بذلك نومهم {ويعلم ما جرحتم} قال: ما عملتم من الأثم بالنهار {ثم يبعثكم فيه} قال: في النهار، والبعث اليقظة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ويعلم ما جرحتم} قال: ما كسبتم من الاثم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن كثير في قوله {ليقضي أجل مسمى} قال: ليقضي الله إليهم مدتهم.
القشيري
تفسير : إنه يتوفَّى الأنفس في حال النوم وفي حال الوفاة، وكما أنه لا يعاقبك بالليل فإنه لا يعذبك - إذا توفَّاك - على ما جرحت بالنهار مع علمه بأفعالك، فبالحريِّ ألا يعذِّبَك عداً - إذا توفَّاك - على ما علمه من قبيح أحوالك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} توفيتهم فى الليل لطيران اوراحهم فى الملكوت وسيرانها فى انوار الجبروت ليزيد شوقها الى معادنها وتعرف ما يجازى به باعمال الاشباح التى كسبتها وبالنهار من الثواب والعقاب وتعلم قدرة الله بالاماتة والايحاء مباشرة ومعاينة لتجئ علهيا وقت انقطاعها من الحدثان الى مشاهدة الرحكن اشار الى هذا بتامم الأية {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وشاهد الأية ومعناها قوله تعالى بعد ذكر قهر سلطانه بوصف الاحاطة على العبد ومخافظته بالملائكة واراجاعه الى كنفه القديم وقريبة الكريم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى يتوفاكم بالليل} الخطاب عام للمؤمن والكافر اى ينيمكم فى الليل ويجعلكم كالميت فى زوال الاحساس والتمييز ومن هنا ورد (النوم اخو الموت) والتوفى فى الاصل قبض الشئ بتمامه وعن على رضى الله عنه يخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه فى الجسد فبذلك يرى الرؤيا فاذا انتبه من النوم عادت الروح الى الجسد باسرع من لحظة يعنى ان الذى يرى الرؤيا هو الروح الانسانى وانه يرى فى عالم البرزخ ما صدر عن الروح الحيوانى من القبيح والحسن وهو ظل الروح الانسانى والتعبير بالحيوانى والانسانى اصطلاح الحكماء واما اهل السلوك فيعبرون عنها بالروح وتنزله {ويعلم ما جرحتم بالنهار} اى ما كسبتم فيه وجوارح الانسان اعضاؤه التى يكسب بها الاعمال خص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على العادة {ثم يبعثكم فيه} اى يوقظكم فى النهار عطف على يتوفاكم وتوسيط قوله ويعلم بينهما لبيان ما فى بعثهم من عظيم الاحسان اليهم بالتنبية على انه بعد علم ما يكتسبونه من السيآت مع كونها موجبة لابقائهم على التوفى بل لاهلاكهم بالمرة يفيض عليهم الحياة ويمهلهم كما ينبئ عنه كلمة التراخي كأنه قيل هو الذي يتوفاكم فى جنس الليل ثم يبعثكم فى جنس النهار مع علمه بما ستجرحون فيه {ليقضى اجل مسمى} اى ليبلغ المتيقظ آخر اجله المسمى له فى الدنيا وقضاء الاجل فصل الامر على سبيل التمام فمعنى قضاء الاجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت والاجل آخر مدة الحياة {ثم اليه مرجعكم} اى رجوعكم بالموت لا الى غيره اصلا {ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} بالمجازاة باعمالكم التى كنتم تعملونها فى تلك الليالى والايام.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي يتوفاكم} أي: يقبض أرواحكم {بالليل} إذ نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي، {ويعلم ما جَرَحتم} أي: ما كسبتم من الأعمال {بالنهار}، وخص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريًا على المعتاد، {ثم إذا} توفاكم بالليل {يبعثكم فيه} أي: في النهار، {ليُقضى أجل مُسمى} أي: ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا، وهو أجل الموت، {ثم إليه مرجعكم} بالموت {ثم يُنبئُكم بما كنتم تعملون} فيعاتب المسيء ويكرم المحسن. رُوِي: أن العبد إذا قُبض عَرجت الملائكة برُوحه إلى سِدرة المنتهَى، فيُوقف به هناك، فيُعاتبه الحق تعالى على ما فرط منه حتى يَرفَضَّ عرقًا، ثم يقول له: قد غفرتُ لك، اذهبوا به ليرى مقعدَه في الجنة، ثم يُردّ إلى السؤال. {وهو القاهر فوق عباده} بالقهر والغلبة، {ويُرسل عليكم حفظةً}؛ ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه: أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتُعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر له عن المعاصي، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله {حتى إذا جاء أحدَكُم الموتُ توفتهُ رسُلنا} أي: ملك الموت وأعوانه، {وهم لا يٌفرطون} بالتواني التأخير، ولا يجاوزون ما حد لهم بالتقديم والتأخير. {ثم رُدّوا إلى الله} أي: إلى حُكمه وجزائه، أو مشاهدته وقربه، {مولاهم} الذي يتولى أمرهم، {الحقِّ} أي: المتحقق وجوده، وما سواه باطل، {ألا له الحُكم} يومئذٍ، لا حكم لغيره فيه، {وهو أسرع الحاسبين}؛ يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة، لا يشغله حساب عن حساب، ولا شأن عن شأن، سبحانه لا إله إلا هو. الإشارة: وهو الذي يتوفاكم، أي: يخلصكم بليل القبض، ويعلم ما كسبتم في نهار البسط، ثم يبعثكم من ليل القبض إلى نهار البسط، وهكذا؛ ليقضى أجل مسمى للإقامة فيهما، ثم إليه مرجعكم بالخروج عنهما؛ لتكونوا لله لا شيء دونه، وفي الحكم: "بسطك كي لا يبقيك مع القبض، وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما، كي لا تكون لشيء دونه". وقال فارس رضي الله عنه: القبض أولاً ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط؛ لأن القبض والبسط يقعان في الوجود؛ أي؛ في وجود النفس، وأما مع الفناء والبقاء فلا. هـ. أي: فلا قبض ولا بسط؛ لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه، مبسوط في قبضه، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال؛ لأنه مالك غير مملوك. والله تعالى أعلم. ومن علم أن الله قاهر فوق عباده، انسلخ من حوله وقوته، وانعزل عن تدبيره واختياره؛ لإحاطة القهرية به، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى، علم أنه لا حجاب حسي بينه وبينه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، ( وهو القاهر فوق عباده)، وإنما المحجوب: العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد. ثم أمرهم بالرجوع إليه عند الشدائد، فقال: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}.
الطوسي
تفسير : قوله: {وهو} كناية عن الله تعالى. و {الذي} صفة له {يتوفاكم بالليل} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: يقبضكم، وقال الزجاج: ينيمكم بالليل فيقبضكم الله اليه، كما قال: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها}. تفسير : وقال البلخي: واختاره الحسين بن علي المغربي {يتوفاكم} بمعنى يحصيكم عند منامكم وأستقراركم، قال الشاعر: شعر : ان بني الادرم ليسوا من أحد ليسوا من قيس وليسوا من أسد ولا توفاهم قريش في العدد تفسير : معناه لا تحصيهم في العدد. وقوله: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي كسبتم، تقول فلان جارحة أهله أي كاسبهم، ومنه قوله: {أية : وما علمتم من الجوارح مكلبين}تفسير : أي من الكواسب التي تكسب على أهلها، وهو قول مجاهد. وقوله: {ثم يبعثكم فيه} أي في النهار، فجعل أنتباههم من النوم بعثا {ليقضى أجل مسمى} ليستوفى الاجل المسمى للحياة الى حين الموت. ثم {إليه مرجعكم} يعني يوم القيامة فيحشرهم الله الى حيث لا يملك فيه الامر سواه. {ثم ينبئكم} يعني يخبركم ويعلمكم {بما كنتم تعملون} في الدنيا فيجازيكم على أعمالكم، وفيها دلالة على خزيهم وحاجتهم، واحتجاج عليهم أنه لا يستحق العبادة سواه اذ هو الفاعل لجميع ما يستحق به العبادة مما عدده والقادر عليه دون من يعبدونه من الاوثان والاصنام.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} التّوفىّ اخذ الشّيء بتمام اجزائه والمراد منه هنا مطلق الاخذ وبعد ذكر احاطة علمه اراد ان يذكر احاطة آلهيّته وربوبيّته {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم} ما كسبتم {بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} من نومكم {فِيهِ} فى النّهار {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى} ليمضى مدّة عمركم او الى ان يقضى ويختم غاية عمركم {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} يحكم فيهم ما يشاء بلا مانعٍ ولا يكتفى بقهره وتسلّطه واحاطته {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} يحفظونكم من مردة الشّياطين وهوامّ الارض وسائر الآفات ويحفظون اعمالكم بالكتب والثّبت {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} وقد مضى بيان توفىّ الله والرّسل والملائكة وملك الموت فى سورة النّساء {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} فلا يشذّ عنهم شيء من قواه وجنوده وهو تأكيد لمفهوم توفّته بحسب المعنى.
الهواري
تفسير : قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ} يعني النوم {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} أي ما عملتم بالنهار. ذكروا أن أبا موسى الأشعري قال: الذنوب جراحات. وأعظمها القتل، والإِشراك بالله مقتلة. قال: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي يبعث أحدكم في أجله حتى يستوفي أجله، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي في النَّهار. وقال: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمّىً} يعني الساعة باختلاف الليل والنهار. {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} يوم القيامة {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قوله: {وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي قهرهم بالموت وبما شاء من أمره {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} من الملائكة يحفظون أعمال العباد ويكتبونها، ويحفظونه ممّا لم يقدر له حتى يأتي القدر. ذكر بعضهم عن بعض أصحاب النبي قال: ما من آدمي إلا ومعه ملكان يحفظانه في ليله ونهاره، ونومه ويقظته، من الجن والإِنس والدوابّ والسّباع والهوامّ، وأحسبه قال: والطير، إن أراده شيء قالا له: إليك حتى يأتي القدر. وقال بعضهم: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} يحفظون عليك يا ابن آدم رزقك وعملك وأجلك، فإذا وفّيتَ ذلك قُبِضت إلى ربك. قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفْرِّطُونَ} أي في أمر الله. وبلغنا أن لملك الموت أعواناً من الملائكة هم الذين يسُلون الروح من الجسد، حتى إذا كانت عند خروجها قبضها ملك الموت، ولا يعلمون آجال العباد حتى يأتيهم علم ذلك من قِبَل الله.
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذى يتوفَّاكم باللَّيل} يأخذ أرواحكم الذى هى أرواح اليقظة وافية بالليل، فيكون النوم لزوال الإحساس والتمييز، فإن التوفى قبض الشئ وافياً بتمامه، وهذا معنى موجود فى قبض روح اليقظة كلها، وإن شيئت فاعتبر شهرة التوفى فى الإماتة حتى كأنه أصل فان فيه، فتستعير التوفى للإنامة، وتشتق منه يتوفى بمعنى ينيم، ووجه الشبه زوال الإحساس والتمييز، والخطاب للكفار، لأنهم الذين ينامون الليل كله، ولا يلزم ذلك، لأن اللفظ يصلح بمن ينام بعض الليل، لكن الخطاب قبل هذا الكفار فترجح أن يكون لهم هذا أيضاً، والباء بمعنى فى، ويجوز مرجوحاً أن يكون على أصلها لأن ظلمة الليل سبب وآلة للتوفى، والله غنى عن الآلة والسبب، لكن جاء اللفظ على ذلك. {ويعلم ما جَرحْتُم بالنَّهار} ما كسبتم فيه من الأعمال ذكر فى شأن الليل المتوفى، وفى شأن النهار الكسب لأن النوم معتاد بالليل والكسب بالنهار، ولو كان النوم يقع أيضا نهاراً وكسب الأعمال ليلا، والمراد كسب أعمال السوق، لأن الخطاب للمشركين وهم يعاقبون على صغائرهم وكبائرهم ولا ثواب لهم فى الآخرة على ما عملوا من خير، ويجوز أن يكون جرحتم من الجرح البدن كأن الذنب جرح فى الدين والعرب، تقول: شعر : جرح اللسان كجرح اليد فطب كلام المرء طيب كلامه تفسير : {ثمَّ يبعثُكُم فِيهِ} يوقظكم فى النهار من نوم الليل، وهذا مما يؤيد أن الخطاب فى يتوفاكم وما بعده للمشركين، لأنهم المعتادون للنوم إلى طلوع الشمس وما بعده، ولو كان طلوع الفجر أيضا نهاراً لكن على خلاف، وقد علمت أن الضمير فى فيه عائد إلى النهار، ويجوز عوده إلى ما جرحتم، أى يبعثكم فى شأن ما جرحتم بالنهار، أى لأجله فيجازيكم به، فالبعث بعثهم من القبور على هذا، أو أراد أنه يوقظهم فى شأن عمل النهار الآخر يعملوه، وأجاز عبد الملك بن كثير عوده على التوفى، أى يوقظكم فى التوفى، أى فى خلال التوفى، والجمهور على عوده إلى النهار، وبه قال مجاهد، ويبعث بمعنى يوقظ حقيقة لغوية، لأن البعث لغة مطلق الإنهاض، وباعتبار شهرته فى الشرع بمعنى إقامة الموتى من قبورهم يكون أصلا ثانياً، فيكون استعماله بمعنى الإيقاظ استعارة، وإذا اعتبرنا شهرة التوفى بمعنى الإماتة، وشهرة البعث فى إقامة الموتى كان البعث ترشيحا فى استعارة التوفى للإنامة. {ليُقْضى أجلٌ مسمَى} أى لتقضوا أجلا مسمى محدوداً، أى يستوفى كل منكم عمره، أو ليقضى الله أجلا مسمى، أى يوفى لكل منكم عمره، ويدل لهذا الآخر قراءة بعض ليقضى أجلا مسمى بالبناء للفاعل، ونصب أجل فإن الفاعل فى هذه القراءة ضمير الله. {ثمَّ إليه مرجِعُكم} بالموت وبالبعث، والعطف على الجملة الفعلية التى هي يبعثكم، فثم على أصلها فى تراخى النسبة، وإن عطف على يقضى أجل كانت أيضا على أصلها فى تراخى النسبة، لأن الأجل المسمى عمر كل واحد إلى الموت، وبين الموت أو الرجوع إلى الله بالبعث مدة متراخية، إلا إن عطفناه على يقضى أجل مسمى، وفسرنا المرجع بالموت والأجل المسمى أيضا بتمام العمر، كانت لتراخى الرتبة، فإن الشأن الأعظم فى كون الموت رجوعاً إلى الله، وكذا إن فسرنا الأجل المسمى بتمام اللبث فى القبور، والمجع بالبعث، ثم إذا جعلنا اللام للصيرورة فلا إشكال، وإن جعلناها للتعليل، فالأجل المسمى مدة اللبث فى القبور والبعث من القبور علة لهذه المدة. {ثم يُنبِّئكُم بما كُنتم تعْمَلون} يجازيكم عليه كأنه قيل: يخبركم بأعمالكم إخبار توقيف ومحاسبة.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِِى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} ينيمكم فى الليل، شبه الإِنامة بالإِماتة فاستعار لها ما وضع للإِماتة وهو التوفى، واشتق منه يتوفى، والجامع عدم الإِحساس، ففى الجسد روح الحياة تخرج بالموت، وروح التمييز تخرج بالنوم، وترى المنامات، أَو روح واحدة تتعلق بالظاهر والباطن حال اليقظة، وبالباطن حال النوم، إِذ هى فيه. أَو هى فى ظاهر النائم إِذ جسده حى ولا يميز بها باطنه، فيتوفاكم يقطع تعلقها بالباطن وتزول عنهما فى الموت، وقد قيل: النوم يقطع الحس الظاهر والحس الباطن، وقيل: لا يقطع الباطن، وخص الليل مع أَن النوم فى النهار أَيضاً لأَنه فى الليل أَرسخ وفيه أَصل وأَكثر {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} ما كسبتموه فى النهار، أَو كسبكم فيه، وذلك شامل للإِثم والخير، ففيه تنبيه وتهديد، ولا سيما أَنه قيل أَن المراد الإِثم كما هو قول ابن عباس، ولذلك على القولين لم يقل ينيمكم، وقيل المراد كل شىء من طاعة ومعصية وغيرهما، فيراد أَيضاً التنبيه والتهديد، ومنه تسمية اليد مثلا جارحة، والطير والسباع جوارح، لكسبها بيدها، وخص الكسب بالنهار مع أَنه يقع فى الليل لأَنه فى النهار أَرسخ وأَكثر كما أَن النوم فى الليل أَرسخ، والنهار مخلوق للحركة والليل للسكون {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} فى النهار برد أَرواحكم فيها، والعطف على يتوفاكم، ووسط يعلم ما جرحتم بالنهار لبيان ما فى يبعثكم من عظم الإِحسان إِليهم بالتنبيه على ما يكسبونه من السيئات، والبعث تشريح لملاءمته المشبه به وهو الإِماتة، فإِنه فى عرف الشرع مختص بها ولو جاز أَن يطلق حقيقة فى اللغة على الإِيقاظ من النوم وعلى كل إِنهاض، وهذا أَولى من قول بعض الإِيقاظ من النوم قيل يسمى بعثاً حقيقة، وقيل مجازاً، وحمل اللفظ على المعنى العرفى كالواجب، ,خص البعث بالنهار مع أَنه يكون ليلا أَيضاً لأَن المجعول للنوم الليل، فالبعث بعده، وكانوا لا صلاة فجر عندهم حتى أَسلموا، وأَيضاً من أَسلم يصلى ركعتين فى أَول النهار وركعتين فى آخره، ثم ينام ليله كله، وأَجاز بعضهم عود الهاء لليل، ويضعف ما قيل إِن المراد بالنهار النهار السابق على الليل المذكور، فلا دلالة فيه على تأْخير الإِيقاظ عن هذا التوفى، والواضح أَنه النهار بعد هذا الليل فصل بجملته ليتصل قوله{ثم يبعثكم فيه}بقوله {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} إِلى قوله {ثم ينبئكم} إِلى آخره، فالمراد بقوله "ويعلم ما جرحتم" بيان مجرد الكسب من غير دلالة على الإِيقاظ واليقظة، واللام يتعلق ببعث أَى يبعثكم لتتم أَيامكم فى الحياة الدنيا، وهى الأَجل المسمى، ويجوز أَن يراد بقوله يبعثكم البعث من القبور فتعود الهاء إِلى ما جرحتم أَو إِلى جرحكم أَو إِلى ذلك أَو إِلى التوفى، أَى فى شأن ذلك كله فيجازيكم، ولو كان التوفى مسنداً إِلى الله لأَن الإِنامة نعمة يجب عليهم شكرها، وأَن يتوصلوا بأَبدانهم إِلى عبادة الله عز وجل، وعليه فالأَجل المسمى مدة اللبث فى القبور، والمراد ليقضوا أَجلا مسمى، أَو ليقضى الله أَجلاً مسمى، ويدل له قراءَة ليقضى أَجلا مسمى بالبناء للفاعل، ونصب أَجل {ثُمَّ إِليْهِ} لا إِلى غيره {مَرْجِعُكُمْ} رجوعكم بالحساب أَو بالموت، على أَن قوله يبعثكم بعث من القبور، والخطاب فى ذلك كله للناس أَو الكفرة، واللائق للنائم: أَن ينام على نية التقوى على إِطاعة الله وكسب الطاعات، والكافر ينام مهملا لنفسه، أَو ينوى القوة على المعصية، ويكسب المعاصى، والتراخى بثم بين النوم واليقظة باعتبار أَول النوم وبين البعث من القبور والرجوع إِلى الموقف باعتبار الوصول {ثُمَّ يَنَبِّئُكُمْ} وهذا كناية عن الجزاء {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} من طاعة ومعصية.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ} أي ينيمكم فيه كما نقل عن الزجاج والجبائي، ففيه استعارة تبعية حيث استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال إحساس الحواس الظاهرة والتمييز، قيل: والباطنة أيضاً. وأصله قبض الشيء بتمامه، ويقال: توفيت الشيء واستوفيته بمعنى. {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} أي ما كسبتم وعملتم فيه من الإثم كما أخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة، وهو الذي يقتضيه سياق الآية فإنه للتهديد والتوبيخ، ولهذا أوثر {يَتَوَفَّـٰكُم} على ينيمكم / ونحوه و {جَرَحْتُم} على كسبتم إدخالاً للمخاطبين الكفرة في جنس جوارح الطير والسباع، وبعضهم يجعل الخطاب عاماً. والمراد من الليل والنهار الجنس المتحقق في كل فرد من أفرادهما؛ إذ بالتوفي والبعث الموجودين فيهما يتحقق قضاء الأجل المسمى المترتب عليهما، والباء في الموضعين بمعنى في كما أشرنا إليه. والمراد بعلمه سبحانه ذلك كما قيل: علمه قبل الجرح كما يلوح به تقديم ذكره على البعث أي يعلم ما تجرحون [بالنهار] وصيغة الماضي للدلالة على التحقق، وتخصيص التوفي بالليل والجرح بالنهار للجري على السنن المعتاد وإلا فقد يعكس. {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي يوقظكم في النهار، وهل هو حقيقة في هذا المعنى أو مجاز؟ فيه قولان. والمتبادر منه في عرف الشرع إحياء الموتى في الآخرة وجعلوه ترشيحاً للتوفي وهو ظاهر جداً على المتبادر في عرف الشرع لاختصاصه بالمشبه به. ويقال على غيره: إنه لا يشترط في الترشيح اختصاصه بالمشبه به بل أن يكون أخص به بوجه كما قرروه في قوله: شعر : له لبد أظفاره لم تقلم تفسير : والبعث في الموتى أقوى لأن عدم الإحساس فيه كذلك فإزالته أشد. وقد صرحوا أيضاً أن الترشيح يجوز أن يكون باقياً على حقيقته تابعاً للاستعارة لا يقصد به إلا تقويتها ويجوز أن يكون مستعاراً من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له. والجملة عطف على {يَتَوَفَّـٰكُم} وتوسيط {وَيَعْلَمَ} الخ بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيم الإحسان إليهم بالتنبيه على أن ما يكسبونه من الإثم مع كونه مما يستأهلون به إبقاءهم على التوفي بل إهلاكهم بالمرة يفيض سبحانه عليهم الحياة ويمهلهم كما ينبىء عنه كلمة التراخي كأنه قيل: هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم يبعثكم في جنس الأنهر مع علمه جل شأنه بما ترتكبون فيها. {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى } معين لكل فرد وهو أجل بقائه في الدنيا، وتكلف الزمخشري في تفسير الآية فجعل ضمير {فِيهِ } جارياً مجرى اسم الإشارة عائداً على مضمون كونهم متوفين وكاسبين و {فِى} بمعنى لام العلة كما في قولك: فيم دعوتني؟ والأجل المسمى هو الكون في القبور أي ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار ومن أجله ليقضى الأجل الذي سماه سبحانه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، وما ذكرناه هو الذي ذهب إليه الزجاج والجبائي وغالب المفسرين وهو عري عن التكلف الذي لا حاجة إليه. وزعم بعضهم أن الداعي إليه هو أن قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} دال على حال اليقظة وكسبهم فيها، وكلمة ـ ثم ـ تقتضي تأخير البعث عنها فلهذا عدل الزمخشري إلى ما عدل إليه. وقال بعض المحققين: إن قوله سبحانه: {ويعلم} الخ إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل والواو للحال ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي وأن الإيقاظ متأخر عن التوفي وأن قولنا: يفعل ذلك التوفي لتقضى مدة الحياة المقدرة كلام منتظم غاية الانتظام، ولا يخفى أن فيه تكلفاً أيضاً مع أن واو الحال لا تدخل على المضارع إلا شذوذاً أو ضرورة في المشهور ووجه سنان التراخي المفاد بثم بأن حقيقة الإماتة في الليل تتحقق في أوله والإيقاظ متراخ عنه وإن لم يتراخ عن جملته واعترض بأنه حينئذٍ لا وجه لتوسيط {ويعلم} الخ بينهما وفيه نظر يعلم مما ذكرنا {ثُمَّ إِلَيه} سبحانه لا إلى غيره أصلاً {مَرْجِعُكُمْ } أي رجوعكم ومصيركم بالموت {ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بالمجازاة / بأعمالكم التي كنتم داومتم على عملها في الدنيا.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة {وهو الذي يتوفَّاكم} على جملة {أية : وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها} تفسير : [الأنعام: 59] انتقالاً من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأنّ ذلك كلَّه من دلائل الإلهية تعليماً لأوليائه ونعياً على المشركين أعدائه. وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته. وفي هذا تقريب للبعث بعد الموت. فقوله: {وهو الذي يتوفَّاكم} صيغة قصر لتعريف جزأي الجملة، أي هو الذي يتوفَّى الأنفس دون الأصنام فإنَّها لا تملك موتاً ولا حياة. والخطاب موجه إلى المشركين كما يقتضيه السياق السابق من قوله: {أية : لَقُضي الأمر بيني وبينكم}تفسير : [الأنعام: 58] واللاحق من قوله {أية : ثم أنتم تشركون}تفسير : [الأنعام: 64] ويقتضيه طريق القصر. ولمَّا كان هذا الحال غير خاصّ بالمشركين علم منه أنّ الناس فيه سواء. والتوفّي حقيقته الإماتة، لأنَّه حقيقة في قبض الشيء مستوفى. وإطلاقه على النوم مجاز لشبه النوم بالموت في انقضاع الإدراك والعمل. ألا ترى قوله تعالى: {أية : الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمَّى}تفسير : [الزمر: 42]. وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: {أية : إذ قال الله يا عيسى إنِّي متوفِّيك}تفسير : في سورة [آل عمران: 55]. والمراد بقوله: {يتوفَّاكم} ينيمكم بقرينة قوله: {ثم يبعثكم فيه}، أي في النهار، فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه. وفائدته أنّه تقريب لكيفية البعث يوم القيامة، ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتمّ التقريب في قوله: {ثم يبعثكم فيه}. ومعنى {جرحتم} كسبتم، وأصل الجرح تمزيق جلد الحيّ بشيء محدّد مثل السكين والسيف والظُفُر والناب. وتقدّم في قوله: {أية : والجروح قصاص}تفسير : في سورة [العقود: 45]. وأطلق على كلاب الصيد وبزاته ونحوها اسمُ الجوارح لأنَّها تجرح الصيد ليُمسكه الصائد. قال تعالى: {أية : وما عَلَّمتم من الجوارح مكلِّبين}تفسير : وتقدّم في سورة [العقود: 4]. كما سمَّوها كواسب، كقول لبيد: شعر : غُضْفا كَواسبَ ما يُمَنّ طَعَامُها تفسير : فصار لفظ الجوارح مرادفاً للكواسب؛ وشاع ذلك فأطلق على الكسب اسم الجرح، وهو المراد هنا. وقال تعالى: {أية : أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [الجاثية: 21]. وجملة: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} معترضة لقصد الامتنان بنعمة الإمهال، أي ولولا فضله لما بعثكم في النهار مع علمه بأنَّكم تكتسبون في النهار عبادة غيره ويكتسب بعضكم بعض ما نهاهم عنه كالمؤمنين. ووقع الاقتصار على الإخبار بعلمه تعالى ما يكسب الناس في النهار دون الليل رعياً للغالب، لأنّ النهار هو وقت أكثر العمل والاكتساب، ففي الإخبار أنّه يعلم ما يقع فيه تحذير من اكتساب ما لا يرضَى الله باكتسابه بالنسبة للمؤمنين، وتهديد للمشركين. وجملة: {ثم يبعثكم فيه} معطوفة على {يتوفَّاكم بالليل} فتكون (ثُمّ) للمهلة الحقيقية، وهو الأظهر. ولك أن تجعل (ثم) للترتيب الرتبي فتعطف على جملة {ويعلم ما جرحتم}؛ أي وهو يعلم ما تكتسبون من المناهي ثم يردّكم ويمهلكم. وهذا بفريق المشركين أنسب. و(في) للظرفية. والضمير للنهار. والبعثُ مستعار للإفاقة من النوم لأنّ البعث شاع في إحياء الميّت وخاصّة في اصطلاح القرآن {أية : قالوا أئذا متنا وكنَّا تراباً وعظاماً أإنَّا لمبعوثون}تفسير : [المؤمنون: 82] وحسَّن هذه الاستعارة كونها مبنية على استعارة التوفِّي للنوم تقريباً لكيفية البعث التي حارت فيها عقولهم، فكلّ من الاستعارتين مرشِّح للأخرى. واللاّم في {ليقضى أجل مُسمّى} لام التعليل لأنّ من الحكم والعلل التي جعل الله لها نظام اليقظة والنوم أن يكون ذلك تجزئة لعُمُر الحي، وهو أجله الذي أجِّلت إليه حياته يومَ خلقه، كما جاء في الحديث «حديث : يؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله»تفسير : . فالأجل معدود باللأيام والليالي، وهي زمان النوم واليقظة. والعلَّةُ التي بمعنى الحكمة لا يلزم اتِّحادها فقد يكون لِفعل الله حِكَم عديدة. فلا إشكال في جَعل اللاّم للتعليل. وقضاء الأجل انتهاؤه. ومعنى كونه مُسمَّى أنَّه معيَّن محدّد. والمرجع مصدر ميمي، فيجوز أن يكون المراد الرجوع بالموت، لأنّ الأرواح تصير في قبضة الله ويبطل ما كان لها من التصرّف بإرادتها. ويجوز أن يكون المراد بالرجوع الحشر يوم القيامة، وهذا أظهر. وقوله: {ثُم يُنَبّئكم بما كنتم تعملون} أي يحاسبكم على أعمالكم بعد الموت، فالمهلة في (ثم) ظاهرة، أو بعد الحشر، فالمهلةُ لأنّ بين الحشر وبين ابتداء الحساب زمناً، كما ورد في حديث الشفاعة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أن وفاة صغرى وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى قد مات صاحبها، ولذا يمسك روحه عنده، وذلك في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الزمر: 42].
الواحدي
تفسير : {وهو الذي يتوفاكم بالليل} يقبض أرواحكم في منامكم {ويعلم ما جرحتم} ما كسبتم من العمل {بالنهار ثمَّ يبعثكم فيه} يردُّ إليكم أرواحكم في النَّهار {ليقضى أجل مسمى} يعني: أجل الحياة إلى الموت، أَيْ: لتستوفوا أعماركم المكتوبة. {وهو القاهر فوق عباده} مضى هذا {ويرسل عليكم حفظة} من الملائكة يحصون أعمالكم {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} أعوان ملك الموت {وهم لا يفرطون} لا يعجزون ولا يُضيِّعون. {ثم ردوا} يعني: العباد. يُردُّون بالموت {إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم} أَي: القضاء فيهم {وهو أسرع الحاسبين} أقدر المجازين. {قل من ينجيكم} سؤال توبيخٍ وتقريرٍ. أَيْ: إنَّ الله يفعل ذلك {من ظلمات البر والبحر} أهوالهما وشدائدهما {تدعونه تضرعاً وخفية} علانيَةً وسرَّاً {لئن أنجانا من هذه} أَيْ: من هذه الشَّدائد {لنكوننَّ من الشاكرين} من المؤمنين الطَّائعين، وكانت قريش تسافر في البر والبحر، فإذا ضلُّوا الطَّريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين فأنجاهم، وهو قوله: {قل الله ينجيكم منها...} الآية. أعلم الله سبحانه أنَّ الله الذي دعوه هو ينجِّيهم، ثمَّ هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنَّها من صَنعتهم، وأنَّها لا تضرُّ ولا تنفع. والكرب أشدُّ الغمِّ، ثمَّ أخبر أنَّه قادر على تعذيبهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَتَوَفَّاكُم} {بِٱللَّيْلِ} (60) - يَقُولُ تَعَالَى إنهُ يَتَوَفَّى أَنْفُسَ العِبَادِ فِي حَالِ نَوْمِهِمْ فِي اللَّيلِ، فَيُزِيلُ إِحْسَاسَها، وَيَمْنَعُها مِنَ التَّصَرُّفِ في الأَبْدَانِ (وَهُوَ التَّوَفِّي الأَصْغَرُ)، وَيَعْلَمُ مَا يَكْسِبُهُ العِبَادُ مِنَ الأَعْمَالِ فِي النَّهَارِ، وَهذا دَليلٌ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى بِكُلِّ شيءٍ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ فِي النَّهَارِ لِكَسْبِ أَقْوَاتِهِمْ، وَتَأْمِينِ مَعَاشِهِمْ، وَلِيَسْتَوفِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ أَجَلَهُ كَامِلاً، (لِيَقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى)، ثُمَّ يَرْجِعُ الخَلْقُ إِلى اللهِ حِينَمَا تَنْتَهِي آجَالُهُمْ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَجْزِيهِمْ عَنْ أَعْمَالِهِم الجَزَاءَ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. الجَرْح - هُوَ الكَسْبُ وَالعَمَلُ بِالجَوارِحِ - أَيِ الحَوَاسِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعلم جميعاً أن النوم ليس عملية اختيارية، وفي بعض الأحيان نرى من يسلط الله عليه الهموم فلا يعرف النوم طريقاً إلى جفونه. ونعلم أن النوم عملية قسرية يخلقها الله في الإنسان لتردعه عن الحركة بعد أن يستنفد كل قدرته على التحرك والنوم لون من الردع الذاتي. ولماذا جعل الحق النوم كالوفاة؟ يعرف البعض أن الوفاة في معناها هي فصل الروح عن الجسد. وكأن الحق يقول لنا: إياكم أن تظنوا أن وجود الروح في الجسد هو الذي يعطي للإنسان الحياة والحركة والتصرف، لا، إنني سأحتفظ بالروح في الجسد ولا أقدره على التصرف الاختياري، وذلك حتى لا تفتتنوا في الروح؛ لأن هناك أجهزة لا دخل لاختيارك فيها مثل نبض القلب والتنفس، وغير ذلك من حركات أجهزة الجسم. وضرب لنا الحق المثل بأهل الكهف الذين أنامهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا: {أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} تفسير : [الكهف: 25]. النوم - إذن - نعمة من الله جعلها في التكوين الذاتي، ولذلك إذا أردت أن تنام فليس ذلك بمقدورك ولكنه بمقدور الحق. إنه يقال عن النوم: ضيف إن طلبته عنّتك - أي أتعبك - وإن طلبك أراحك. ويأتي النوم للمتعب حتى ولو نام على حصى، وقد لا يأتي النوم لمن يتهيأ له ولو كان على فراش من حرير. والحق سبحانه يقول: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الروم: 23]. النوم - إذن - آية كاملة بمفردها، ولا يأتي النوم بالليل فقط، ولكن يأتي بالنهار أيضاً؛ لأن هناك أعمالاً تتطلبها حركة الوجود ويقوم بها أناس في أثناء الليل؛ لذلك ينامون بالنهار. ويتوفانا سبحانه بالليل ويعلم ما جرحنا في أثناء النهار، ثم يرسلنا إلى أجل يعلمه هو سبحانه، ثم يبعثنا في يوم القيامة لينبئنا بكل أعمالنا. وسمّى الحق النوم وفاة، وسمى الاستيقاظ بعثا؛ لأن الإنسان في مثل هذه الأحوال لا يملك حركته الاختيارية. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف ليعلن بعثته بعد ثلاث سنوات من الدعوة سرّاً: (حديث : (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) إنكم لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً ). حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش قالوا: مالك؟ قال أرأيتم لو أخبرتكم أن العدوّ يصبّحكم أو يمسّيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله سبحانه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} . تفسير : والحق سبحانه إما أن يشل الجوارح ويعطلها ويمنعها من الحركة، أو يأخذ الروح من الجسد، فعندما يشل الجوارح ويمنعها ينام الإنسان، وعندما يأخذ الروح ويمسكها يحدث الموت. ولذلك يجب أن نفهم أن للنوم قانوناً، ولليقظة قانوناً، وللموت قانوناً، ولكل قانون قواعده، فلا قانون اليقظة كقانون النوم، ولا قانون النوم كقانون الموت، ولا قانون البعث كقانون الموت. فهناك يقظة، ونوم، وموت وبعث، ومن الخطأ أن نأخذ قانون حالةٍ ما لنطبقه على الحالة الأخرى. إن الحق يضرب لنا المثل الواضح فينا: فالإنسان منا له حالة من اليقظة تسيطر الروح فيها على حركته الاختيارية، وعندما ينام تعجز الروح عن الحركة الاختيارية وتبقى الحركات الاضطرارية. فعندما ينام الإنسان قد يرى بعضاً من الرؤى والأحلام يقابل فلانا ويراه مرتدياً زياً معيناً بألوان معينة، فبأي شيء أدرك الألوان وعيونه مغمضة؟، إذن فهناك وسائل إدراك غير العين. وكذلك الزمن يأخذ حظه في أثناء اليقظة، لكن في أثناء النوم يرى الإنسان حلماً في سبع ثوان ويحكيه في نصف ساعة. وقد ينام اثنان في فراش واحد، أحدهما يحلم بأنه التقى بالأحباب والأصحاب ويأكل ويشرب ويسعد ويأنس، والآخر يحلم بأنه التقى بأعدائه وعانى منهم ومن عراكه معهم، إذن فالزمن اختلف وكذلك المعيّة. وهكذا اختلف قانون النوم عن قانون اليقظة. وكذلك يختلف قانون الموت عن قانون الحياة. {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60]. والجارحة كما قلنا هي التي تعمل ليكسب الإنسان. إذن فقد جاء لنا الحق بكل حالات اليقظة والنوم والموت والبعث. ولكل حالة قانونها، ونحن نعرف قانون اليقظة وقانون النوم لأننا نتعرض لهما، فإذا قيل لنا: إن هناك قانوناً للموت فنحن نقيس ذلك على ترقي القوانين من اليقظة إلى النوم، وعندما يقال لنا: إن هناك بعثاً فنحن نصدق أيضاً. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} معناهُ كَسَبْتُم.
الأندلسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ} الآية، مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر استئثاره بالعلم التام للكليات والجزئيات ذكر استئثاره بالقدرة التامة تنبيهاً على ما تختص به الإِلهية ذكر شيئاً محسوساً قاهراً للأنام وهو التوفي بالليل والبعث بالنهار، وكلاهما ليس للإِنسان فيه قدرة؛ بل هو أمر يوقعه الله تعالى بالإِنسان. والتوفي عبارة في العرف عن الموت، وهنا المعنى به النوم على سبيل المجاز للعلاقة التي بينه وبين الموت وهي زوال إحساسه ومعرفته وفكره. و{جَرَحْتُم} كسبتم. ومنه جوارح الطير أي كواسبها. واجترحوا السيئات: اكتسبوها. والمراد منه أعمال الجوارح. ومنه قيل: للأعضاء جوارح. والضمير في فيه عائد على النهار، وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها. و{مُّسَمًّى} أي في علم الله تعالى. {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} وهو المرجع إلى موقف الحساب. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ} الآية، تقدم الكلام عليها. {وَيُرْسِلُ} ظاهره أن يكون معطوفاً على وهو القاهر عطف جملة فعلية على جملة إسمية وهي من آثار القهر. و{عَلَيْكُم} ظاهره أنه متعلق بيرسل كقوله تعالى: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ}تفسير : [الرحمن: 35]. ولفظة عليكم مشعرة بالعلو والاستيلاء لتمكنهم منا جعلوا كان ذلك علينا، وجوزوا أن يكون متعلقاً بحفظة أي حافظين عليكم. وحفظة: جمع حافظ، وهو قياس مطرد في فاعل كقولهم: بارّ وبررة. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي أسباب الموت. {تَوَفَّتْهُ} قبضت روحه. {رُسُلُنَا} جاء جمعاً فعني به ملك الموت وأعوانه. والظاهر أن الرسل هنا غير الحفظة ولا تعارض بين قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا}تفسير : [الزمر: 42] وبين قوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [السجدة: 11] وبين قوله: توفته رسلنا، لأن نسبة ذلك إلى الله تعالى بالحقيقة ولغيره بالمباشرة. {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} جملة حالية. والعامل فيها توفته أو استئنافية أخبر عنهم بأنهم لا يفرطون في شىء مما أمروا به من الحفظ والتوفي. {ثُمَّ رُدُّوۤاْ} الظاهر عود الضمير على العباد وانتقل من ضمير الخطاب في عليكم إلى ضمير الغيبة في ردّوا. وفاعل الردّ المحذوف هو الله تعالى كان الأصل ثم ردّهم الله. وقرىء: ردّوا بكسر الراء أصله رددوا، أتبعت حركة الراء لحركة الدال ثم سكنت الدال للإِدغام، فقيل: ردوا، كما قرىء ردّت إلينا في سورة يوسف. وظاهر الأخبار بالرد إلى الله أنه يزاد به البعث والرجوع إلى حكم الله وجزائه يوم القيامة، ويدل عليه آخر الآية. ومولاهم: فيه اشعار بإِحسانه تعالى إليهم إذ مولاهم هو سيدهم وهم عبيده، ووصفه تعالى بالحق معناه العدل أي الذي لا يحكم إلا بالحق. {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} تنبيه منه تعالى عباده بأن أنواع التصرفات جميعها له. {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} تقدم الكلام عليه في سرعة حسابه تعالى في قوله: {أية : وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [البقرة: 202، النور: 39]. {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ} الآية، لما تقدم ذكره تعالى دلائل على ألوهيته من العلم التام والقدرة الكاملة، ذكر نوعاً من أثرهما وهو الإِنجاء من الشدائد، وهو استفهام يراد به التقرير والإِنكار والتوبيخ والتوقيف على سوء معتقد من عبد الأصنام وترك الذي ينجي من الشدائد ويلجأ إليه في كشفها. والظلمات: أريد بها حقيقة الظلمة، وجمعت باعتبار مواردها ففي البر والبحر ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الصواعق، وفي البر أيضاً ظلمة الغبار وظلمة الغيم وظلمة الريح، وفي البحر أيضاً ظلمة الأمواج، ويكون ذلك على حذف مضاف التقدير من مهالك ظلمة البر والبحر ومخاوفهما. وأكثر المفسرين على أن الظلمات مجاز عن شدائد البر والبحر ومخاوفهما وأهوالهما. والعرب تقول: يوم أسود، ويوم مظلم، ويوم ذو كواكب. و{تَدْعُونَهُ} جملة حالية. وذو الحال ضمير الخطاب أي تنادونه مظهري الحاجة إليه ومخفيها. والتضرع وصف باد على الإِنسان. والخفية: الإِخفاء. وقال الحسن: تضرعاً: علانية. وخفية أي نية، وانتصبا على المصدر أي تتضرعون تضرعاً وتخفون خفية. {لَّئِنْ أَنجَانَا} قبله قسم محذوف، واللام هي الموطئة لجواب القسم وهو لنكونن. والإِشارة بهذه إلى الظلمات. وأن شرطية بعد اللام وجوابها محذوف لدلالة جواب القسم عليه. {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا} الضمير في منها عائد على ما أشير إليه بقوله: من هذه، ومن كل معطوف على الضمير المجرور وأعيد معه الخافض، وأمره تعالى بالمسابقة إلى الجواب ليكون هو صلى الله عليه وسلم أسبق إلى الخير وإلى الاعتراف بالحق. ثم ذكر أنه تعالى ينجي من هذه الشدائد التي حضرتهم. {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} فعم بعد التحضيض ثم ذكر قبح ما يأتون به بعد ذلك وبعد إفراده بالدعاء والتضرع ووعدهم إياه بالشكر من إشراكهم معه في العبادة غيره. قال ابن عطية: وعطف بثم للمهلة التي تبين قبح فعلهم أي ثم بعد معرفتكم بهذا كله، وتحققه أنتم تشركون. "انتهى".
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف يخرج عن حيطة علمه شيء من الكائنات والفاسدات؛ ذ {هُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم} أي: يغيب استعداداتكم {بِٱلَّيلِ} أي: في مقر البطون والغيب {وَ} في تلك المرتبة {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا جَرَحْتُم} أي شيء كسبتم واكتسبتم باستعداداتكم {بِٱلنَّهَارِ} أي: في قضاء الظهور والشهادة من المعارف والحقائق المقتضية للظهور والإظهار لو ظهرتم فيه {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} ويظهركم {فِيهِ} أي: في فضاء الظهور والشهادة {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى} عنده لاكتسابكم ما في استعدادكم {ثُمَّ} بعد انقطاع الأجل المسمى {إِلَيْهِ} لا إلى غيره {مَرْجِعُكُمْ} رجوع الظل إلى ذير الظل {ثُمَّ} بعدما رجعتم إليه {يُنَبِّئُكُم} يخبركم ويحاسبكم {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60] وتكسبون في نشأة ظهوركم وشهادتكم من الأعمال الصالحة للقبول، والفاسدة الموجبة للرد: {وَ} عليكم أيها الأطفال الهالكة ألا تغفلوا عن مقتضيات توحيد الله، ولا تخرجوا عن امتثال أحكامه الجارية على ألسنة رسله؛ إذ {هُوَ ٱلْقَاهِرُ} القادر الغالب {فَوْقَ عِبَادِهِ} الرقيب المحافظ لهم يحفظهم عما لا يعنيهم {وَ} من حفظه أنه {يُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} من الملائكة يكتبون ويحصرون ما صدر عنكم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي: الوقت الذي قدره الله لانقضاء الأجل المسمى {تَوَفَّتْهُ} أي: وفى عليه حسابه {رُسُلُنَا} أي: الموكلون عليكم {وَهُمْ} أي: الرسل {لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] ولا يفرطون أصلاً فيما صدر عنكم. {ثُمَّ} بعدما وفى الرسل حسابكم {رُدُّوۤاْ} للجزاء {إِلَىٰ ٱللَّهِ} الذي هو {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} العدل القائم بالقسط، العالم بجميع أحوال عباده؛ ليجازي كلاً على مقتضى علمه وخبرته {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} والأمر والجزاء {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]؛ إذ لا يغيب عن حفظه شيء من أعمالهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا كله، تقرير لألوهيته، واحتجاج على المشركين به، وبيان أنه تعالى المستحق للحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، فأخبر أنه وحده، المتفرد بتدبير عباده، في يقظتهم ومنامهم، وأنه يتوفاهم بالليل، وفاة النوم، فتهدأ حركاتهم، وتستريح أبدانهم، ويبعثهم في اليقظة من نومهم، ليتصرفوا في مصالحهم الدينية والدنيوية وهو -تعالى- يعلم ما جرحوا وما كسبوا من تلك الأعمال. ثم لا يزال تعالى هكذا، يتصرف فيهم، حتى يستوفوا آجالهم. فيقضى بهذا التدبير، أجل مسمى، وهو: أجل الحياة، وأجل آخر فيما بعد ذلك، وهو البعث بعد الموت، ولهذا قال: { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } لا إلى غيره { ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر. { وَهُوَ } تعالى { الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } ينفذ فيهم إرادته الشاملة، ومشيئته العامة، فليسوا يملكون من الأمر شيئا، ولا يتحركون ولا يسكنون إلا بإذنه، ومع ذلك، فقد وكل بالعباد حفظةً من الملائكة، يحفظون العبد ويحفظون عليه ما عمل، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } {أية : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير : فهذا حفظه لهم في حال الحياة. { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } أي الملائكة الموكلون بقبض الأرواح { وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ } في ذلك فلا يزيدون ساعة مما قدره الله وقضاه ولا ينقصون ولا ينفذون من ذلك إلا بحسب المراسيم الإلهية والتقادير الربانية. { ثُمَّ } بعد الموت والحياة البرزخية وما فيها من الخير والشر { رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ } أي الذي تولاهم بحكمه القدري فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير ثم تولاهم بأمره ونهيه وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات ويعاقبهم على الشرور والسيئات وَلهذا قال { أَلا لَهُ الْحُكْمُ } وحده لا شريك له { وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } لكمال علمه وحفظه لأعمالهم بما أثبتته في اللوح المحفوظ ثم أثبته ملائكته في الكتاب الذي بأيديهم فإذا كان تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير وهو القاهر فوق عباده وقد اعتنى بهم كل الاعتناء في جميع أحوالهم وهو الذي له الحكم القدري والحكم الشرعي والحكم الجزائي فأين للمشركين العدولُ عن من هذا وصفه ونعته إلى عبادة من ليس له من الأمر شيء ولا عنده مثقال ذرة من النفع ولا له قدرة وإرادة؟! أما والله لو علموا حلم الله عليهم وعفوه ورحمته بهم وهم يبارزونه بالشرك والكفران ويتجرءون على عظمته بالإفك والبهتان وهو يعافيهم ويرزقهم لانجذبت دواعيهم إلى معرفته وذهلت عقولهم في حبه ولمقتوا أنفسهم أشد المقت حيث انقادوا لداعي الشيطان الموجب للخزي والخسران ولكنهم قوم لا يعقلون.
همام الصنعاني
تفسير : 802- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ}: [ألآية: 60]، قال: ما عملتم بالنهار، {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} في النهار، والبعث: اليقظة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):