٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
61
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته. وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً. وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول: إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد، والثاني: أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى. فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات. والثالث: أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور، والنهار بالليل والليل بالنهار. وتمام تقريره في قوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء }تفسير : [آل عمران: 26]. وإذا عرفت منهج الكلام. فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد، فالفوق ضده التحت، والماضي ضده المستقبل، والنور ضده الظلمة، والحياة ضدها الموت، والقدرة ضدها العجز. وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبراً قادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند، مقدساً عن الشبيه والشكل. كما قال: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } والرابع: أن هذا البدن مؤلف من الطبائع الأربع. وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع. فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى، كما قال: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة. ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر. فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية، والمعارف الإلهية، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع، كما قال {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض. فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى، كما قال: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ }. وأما قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى: {أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد: 11] وقوله: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير : [قۤ: 18] وقوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ } تفسير : [الانفطار: 10، 11] واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال. ثم اختلفوا فمنهم من يقول: إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى: {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49] وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها، فإن لم يتب كتب عليه. والقول الأول: أقوى لأن قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } يفيد حفظة الكل من غير تخصيص. والبحث الثاني: أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها. أما في الأقوال، فلقوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }تفسير : وأما في الأعمال فلقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }تفسير : [الانفطار: 10-12] فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها. البحث الثالث: ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوهاً: الأول: أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح. الثاني: يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف فممكن. الثالث: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه: الوجه الأول: قال المتأخرون منهم: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } تلك النفوس والقوى، فإنها هى التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها. والوجه الثاني: وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا، وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادىء من عالم الأفلاك، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادىء تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير. والقول الثالث: النفس المتعلقة بهذا الجسد. لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضاً تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلاً والله أعلم. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } فههنا بحثان: البحث الأول: أنه تعالى قال: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] وقال: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] فهذا النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى. ثم قال: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [السجدة: 11] وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت. ثم قال في هذه الآية: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة. والجواب: أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى، وهو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب، وله أعوان وخدم وأنصار، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة والله أعلم. البحث الثاني: من الناس من قال: هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله، وعند مجيء الموت يتوفونهم، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني، وأيضاً فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة والريحان، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادىء الكرب والغم والأحزان. البحث الثالث: الظاهر من قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية: أتباعه، وأشياعه عن مجاهد: جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة. والبحث الرابع: قرأ حمزة: توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء، فالأول لتقديم الفعل، ولأن الجمع قد يذكر، والثاني على تأنيث الجمع. أما قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } أي لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به. وقوله في صفة ملائكة النار: {لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ } يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق. أما قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } ففيه مباحث: الأول: قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضاً أولئك الملائكة. وقيل: بل المردودون البشر، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى الله. واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله، والميت مع كونه ميتاً لا يمكن أن يرد إلى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة، لكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسراً بكونه منقاداً لحكم الله مطيعاً لقضاء الله، وما لم يكن حياً لم يصح هذا المعنى فيه، فثبت أنه حصل ههنا موت وحياة أما الموت، فنصيب البدن: فبقي أن تكون الحياة نصيباً للنفس والروح ولما قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ } وثبت أن المرد وهو النفس والروح، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح، وهو المطلوب. واعلم أن قوله: {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ } مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال: إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } تفسير : [الفجر: 28] وقوله: {أية : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً }تفسير : [يونس: 4] ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» تفسير : وحجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفها في «الكتب العقلية». البحث الثاني: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغاية فقوله إلى الله يشعر بإثبات المكان والجهة لله تعالى وذلك باطل فوجب حمله على أنهم ردوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه. البحث الثالث: أنه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين: أحدهما المولى، وقد عرفت أن لفظ المولى، ولفظ الولي مشتقان من الولي: أي القرب، وهو سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن لقوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [ق: 16] وقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } تفسير : [المجادلة: 7] وأيضاً المعتق يسمى بالمولى، وذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب، وهو المراد من قوله: «سبقت رحمتي غضبي» وأيضاً أضاف نفسه إلى العبد فقال: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة، وأيضاً قال: مولاهم الحق، والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة، وانتقل إلى تصرفات المولى الحق. والاسم الثاني الحق: واختلفوا هل هو من أسماء الله تعالى، فقيل: الحق مصدر. وهو نقيض الباطل، وأسماء المصادر لا تجري على الفاعلين إلا مجازاً كقولنا فلان عدل ورجاء وغياث وكرم وفضل، ويمكن أن يقال: الحق هو الموجود وأحق الأشياء بالموجودية هو الله سبحانه لكونه واجباً لذاته، فكان أحق الأشياء بكونه حقاً هو هو، واعلم أنه قرىء الحق بالنصب على المدح كقولك: الحمد لله الحق. أما قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ } معناه أنه لا حكم إلا لله. ويتأكد ذلك بقوله: {إن الحكم إلا لله، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على شيء إلا الله، وذلك يوجب أن الخير والشر كله يحكم الله وقضائه، فلولا أن الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة، وإلا لما حصل ذلك. المسألة الثانية: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم، وهو أخذ الثواب، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله. المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى. قال لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة. الآن: وقبل خلقه، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم، فإنه تعالى كان قبل الخلق عالماً بأنه سيوجد، وبعد وجوده صار عالماً بأنه قبل ذلك وجد، فلم يلزم منه تغير العلم، فلم لا يجوز مثله في الكلام. والله أعلم. المسألة الرابعة: اختلفوا في كيفية هذا الحساب، فمنهم من قال: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة، لا يشغله كلام عن كلام، ومنهم من قال بل يأمر الملائكة حتى أن كل واحد من الملائكة يحاسب واحداً من العباد، لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم، وذلك باطل لقوله تعالى في صفة الكفار، {أية : ولا يكلمهم} تفسير : [آل عمران: 77]، وأما الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب، وهو أنه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين. فالمقدمة الأولى: أن كثرة الأفعال وتكررها توجب حدوث الملكات الراسخة القوية الثابتة والاستقراء التام يكشف عن صحة ما ذكرناه. ألا ترى أن كل من كانت مواظبته على عمل من الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك العمل منه فيه أقوى. المقدمة الثانية: إنه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملكة الراسخة، وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة، بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة، والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة. المثال الأول: أنا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف من فإنها تغوص في الماء بقدر شبر واحد، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من الحنطة، فهذا القدر من إلقاء الجسم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل، وإن قلت وبلغت في القلة إلى حيث لا يدركها الحس ولا يضبطها الخيال. المثال الثاني: أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط أشكالها الطبيعية كرات فسطح الماء يجب أن يكون كرة والقسى المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة، فإن تحدب القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة الصغرى وإذا كان الأمر كذلك فالكوز إذا ملىء من الماء، ووضع تحت الجبل كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته عندما يوضع الكوز فوق الجبل، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر كان احتمال الماء بالكوز أكثر، فهذا يوجب أن احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل، إلا أن هذا القدر من التفاوت بحيث لا يفي بإدراكه الحس والخيال لكونه في غاية القلة. والمثال الثالث: إن الإنسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر، فإن رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما، لأن الأجرام الثقيلة تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، إلا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي بإدراكه الحس والخيال. فإذا عرفت هذه الأمثلة: وعرفت أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات فنقول: لا فعل من أفعال الخير والشر بقليل ولا كثير، إلا ويفيد حصول أثر في النفس. إما في السعادة، وإما في الشقاوة، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8] ولما ثبت أن الأفعال توجب حصول الملكات والأفعال الصادرة من اليد، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة، وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل، فلا جرم تكون الأيدي والأرجل شاهدة يوم القيامة على الإنسان، بمعنى أن تلك الآثار النفسانية، إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح، فكان صدور تلك الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جارياً مجرى الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النفس، وأما الحساب: فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدخل والخرج، ولما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير والشر أثراً في حصول هيئة من هذه الهيئات في جوهر النفس، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات المذمومة الخسيسة، ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة. فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض، وبعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد، وقدر آخر من الخلق الذميم، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد، ومقدار ذلك الخلق الذميم، وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم، وهو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية، والله العالم بحقائق الأمور.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} يعني فوقية المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة، على ما تقدّم بيانه أوّل السورة. {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} أي من الملائكة. والإرسال حقيقته إطلاق الشيء بما حمل من الرسالة؛ فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا به، كما قال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } أي ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات. والحَفَظة جمع حافظ، مثل الكَتَبة والكاتب. ويقال: إنهما مَلَكان بالليل ومَلَكان بالنهار، يكتب أحدهما الخير والآخر الشر، وإذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين يديه والآخر وراءه، وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله؛ لقوله تعالى: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} الآية. ويقال: لكل إنسان خمسة من الملائكة: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا. والله أعلم. وقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه):شعر : ومن الناس مَن يعيش شقِيّاً جاهلَ القلب غافل اليقظَهْ فإذا كان ذا وفاء ورأيٍ حذِر الموتَ وٱتقى الحفظه إنما الناس راحل ومقيم فالذي بَانَ للمقيم عِظه تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} يريد أسبابه؛ كما تقدّم في «البقرة». {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} على تأنيث الجماعة؛ كما قال: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَاتِ} و {كُذِّبَتْ رُسُلٌ}. وقرأ حمزة «تَوفّاه رسلُنا» على تذكير الجمع. وقرأ الأعمش «تتوفاه رسلنا» بزيادة تاء والتذكير. والمراد أعوان ملك الموت؛ قاله ابن عباس وغيره. ويروى أنهم يَسُلُّون الروح من الجسد حتى إذا كان عند قبضها قبضها ملك الموت. وقال الكَلْبيّ: يقبِض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب؛ فإذا قبض نفساً مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء وإذا قبض نفساً كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب بالعذاب ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عِلّييّن. والتوفي تارة يضاف إلى ملك الموت؛ كما قال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ}. وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك؛ كما في هذه الآية وغيرها. وتارة إلى الله وهو المُتَوَفِّي على الحقيقة؛ كما قال: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}. فكل مأمورٍ من الملائكة فإنما يفعل ما أمر به. {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} أي لا يضيّعون ولا يقصّرون، أي يطيعون أمر الله. وأصله من التقدّم، كما تقدّم. فمعنى فرّط قدّم العَجز. وقال أبو عبيدة: لا يتوانون. وقرأ عبيد بن عمير «لا يُفْرِطون» بالتخفيف، أي لا يجاوزون الحدّ فيما أمروا به من الإكرام والإهانة. {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} أي ردّهم الله بالبعث للحساب. {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} أي خالقهم ورازقهم وباعثهم ومالكهم. «الحقِّ» بالخفض قراءة الجمهور، على النعت والصفة لاسم الله تعالى. وقرأ الحسن «الحقَّ» بالنصب على إضمار أعني، أو على المصدر، أي حقًّا. {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} أي ٱعلموا وقولوا:: له الحكم وحده يوم القيامة، أي القضاء والفصل. {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} أي لا يحتاج إلى فِكرة ورويّة ولا عَقْد يدٍ. وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} ملائكة تحفظ أعملكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان أزجر عن المعاصي، وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } ملك الموت وأعوانه. وقرأ حمزة «توفاه» بالألف ممالة. {وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } بالتواني والتأخير. وقرىء بالتخفيف، والمعنى: لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو نقصان. {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} إلى حكمه وجزائه. {مَوْلَـٰهُمُ} الذي يتولى أمرهم. {ٱلْحَقّ} العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وقرىء بالنصب على المدح. {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} يومئذ لا حكم لغيره فيه. {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة لا يشغله حساب عن حساب. {قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} من شدائدهما، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في الهول وإبطال الإِبصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب، أو من الخسف في البر والغرق في البحر. وقرأ يعقوب {يُنَجّيكُمْ} بالتخفيف والمعنى واحد. {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } معلنين ومسرين، أو إعلاناً وإسراراً وقرأ أبو بكر هنا وفي «الأعراف» {وَخُفْيَةً} بالكسر وقرىء {خِيفَةً }. {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} على إرادة القول أي تقولون لئن أنجيتنا. وقرأ الكوفيون «لئن أنجانا» ليوافق قوله {تَدْعُونَهُ } وهذه إشارة إلى الظلمة. {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا} شدده الكوفيون وهشام وخففه الباقون. {وَمِن كُلّ كَرْبٍ} غم سواها. {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد، وإنما وضع تشركون موضع لا تشكرون تنبيهاً على أن من أشرك بعبادة الله سبحانه وتعالى فكأنه لم يعبده رأساً. {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ} كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل. {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كما أغرق فرعون، وخسف بقارون. وقيل من فوقكم أكابركم وحكامكم ومن تحت أرجلكم سفلتكم وعبيدكم. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ} يخلطكم. {شِيَعاً} فرقا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم قال:شعر : وَكَتِيبَهٌ لَبسْتُهَا بِكَتِيبَة حَتَّى إِذَا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدَي تفسير : {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} يقاتل بعضكم بعضاً. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} بالوعد والوعيد. {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}. {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أي بالعذاب أو بالقرآن. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} الواقع لا محالة أو الصدق. {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بحفيظ وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم إنما أنا منذر والله الحفيظ. {لّكُلّ نَبَإٍ} خبر يريد به إما بالعذاب أو الإِيعاد به. {مُّسْتَقِرٌّ} وقت استقرار ووقوع. {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عند وقوعه في الدنيا والآخرة. {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا} بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلا تجالسهم وقم عنهم. {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أعاد الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن. {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي. وقرأ ابن عامر {يُنسِيَنَّكَ } بالتشديد. {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } بعد أن تذكره. {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي معهم، فوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام. {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وما يلزم المتقين من قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم. {مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء} شيء مما يحاسبون عليه. {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ} ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وهو يحتمل النصب على المصدر والرفع ولكن عليهم ذكرى، ولا يجوز عطفه على محل من شيء لأن من حسابهم يأباه ولا على شيء لذلك ولأن من لا تزاد في الإِثبات. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يجتنبون ذلك حياء أو كراهة لمساءتهم، ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى: لعلهم يثبتون على تقواهم ولا تنثلم بمجالستهم. روي: أن المسلمين قالوا لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ونطوف، فنزلت. {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} أي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلاً وآجلاً، كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه لعباً ولهواً حيث سخروا به، أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لهو ولعب. والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم، ويجوز أن يكون تهديداً لهم كقوله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} حتى أنكروا البعث. {وَذَكّرْ بِهِ } أي بالقرآن. {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها. وأصل الأبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام. {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} يدفع عنها العذاب. {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي وها هنا الفداء وكل نصب على المصدرية. {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} الفعل مسند إلى منها لا إلى ضميره بخلاف قوله: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ }تفسير : [البقرة: 48] فإنه المفدى به. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} أي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة. {لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} تأكيد وتفصيل لذلك، والمعنى هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ } مستعلياً {فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } ملائكة تحصي أعمالكم {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ } وفي قراءة «توفاه» {رُسُلُنَا } الملائكة الموكلون بقبض الأرواح {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } يقصِّرون فيما يؤمرون به.
ابن عطية
تفسير : {القاهر} إن أخذ صفة فعل أي مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب فيصح أن يجعل {فوق} ظرفية للجهة لأن هذه الأشياء إنما تعاهدها العباد من فوقهم، وإن أخذ {القاهر} صفة ذات بمعنى القدرة والاستيلاء فـ {فوق} لا يجوز أن تكون للجهة، وإنما هي لعلو القدر والشأن على حد ما تقول: الياقوت فوق الحديد، {ويرسل عليكم} معناه يبثهم فيكم، و {حفظة} جمع حافظ مثل كاتب وكتبة، والمراد بذلك الملائكة الموكلون بكتب الأعمال، وروي أنهم الملائكة الذين قال فيهم النبي عليه السلام "تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" وقاله السدي وقتادة، وقال بعض المفسرين {حفظة} يحفظون الإنسان من كل شيء حتى يأتي أجله، والأول أظهر، وكلهم غير حمزة قرأ "توفيه رسلنا" على تأنيث لفظ الجمع. كقوله عز وجل: {أية : ولقد كذبت رسل من قبلك} تفسير : [الأنعام:34] وقرأ حمزة "توفاه رسلنا" وحجته أن التأنيث غير حقيقي، وظاهر الفعل أنه ماضٍ كقوله تعالى: {أية : وقال نسوة} تفسير : [يوسف:30] ويحتمل أن يكون بمعنى تتوفاه فتكون العلامة مؤنثة، وأمال حمزة من حيث خط المصحف بغير ألف فكأنها إنما كتبت على الإمالة، وقرأ الأعمش "يتوفيه رسلنا" بزيادة ياء في أوله والتذكير، وقوله تعالى: {رسلنا} يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له، وقرأ جمهور الناس "لا يفرّطون" بالتشديد، وقرأ الأعرج "يفرطون" بالتخفيف، ومعناه يجاوزون الحد مما أمروا به، قال أبو الفتح: فكما أن المعنى في قراءة العامة لا يقصرون فكذلك هو في هذه لا يزيدون على أمروا به، ورجح اللفظ في قوله {ردوا} من الخطاب إلى الغيبة، والضمير في {ردوا} عائد على المتقدم ذكرهم، ويظهر أن يعود على العباد فهو إعلام برد الكل، وجاءت المخاطبة بالكاف في قوله {عليكم} تقريباً للموعظة من نفوس السامعين، و {مولاهم} لفظ عام لأنواع الولاية التي تكون بين الله وبين عبيده من الرزّق والنصرة والمحاسبة والملك وغير ذلك، وقوله {الحق} نعت لـ {مولاهم} ، ومعناه الذي ليس بباطل ولا مجاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والأعمش "الحقَّ" بالنصب، وهو على المدح، ويصح على المصدر، {ألا له الحكم} ابتداء كلام مضمنه التنبيه وهز نفس السامع، "الحكم" تعريفه للجنس أي جميع أنواع التصرفات في العباد و {أسرع الحاسبين} متوجه على أن الله عز وجل حسابه لعبيده صادر عن علمه بهم فلا يحتاج في ذلك إلى إعداد ولا تكلف سبحانه لا رب غيره، وقيل لعلي بن أبي طالب كيف يحاسب الله العباد في حال واحدة؟ قال: كما يرزقهم في حال واحدة في الدنيا.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقَاهِرُ} الأقدر، فوقهم: في القهر كما يقال فوقه في العلم إذا كان أعلم، أو علا بقهره. {حَفَظَةً} الملائكة. {لا يُفَرِّطُونَ} لا يؤخرون، أو لا يضيعون.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} يعني وهو العالي عليهم بقدرته لأن كل من قهر شيئاً وغلبه فهو مستعلٍ عليه بالقهر والقدرة. فهو كما يقال: أمرُ فلانٍ فوقَ أمرِ فلانٍ، يعني: أنه أقدر منه. وأغلب هذا مذهب أهل التأويل في معنى لفظة فوق في قوله: {وهو القاهر فوق عباده} وأما مذهب السلف. فيها: فإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا إطلاق على جهة والقاهر هو الغالب لغيره المذلل له والله تعالى هو القاهر لخلقه وقهر كل شيء بضده فقهر الحياة بالموت والإيجاد بالإعدام والغنى بالفقر والنور بالظلمة. وقوله تعالى: {ويرسل عليكم حفظة} يعني أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم والمراد بالحفظة الملائكة الذي يحفظون أعمال بني آدم من الخير والشر والطاعة والمعصية وغير ذلك من الأقوال والأفعال قيل إن مع كل إنسان ملكين ملكاً عن يمينه وملكاً عن شماله فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال اصبر عليه لعله يتوب منها فإن لم يتب منها كتبها عليه صاحب الشمال. وفائدة جعل الملائكة موكلين بالإنسان أنه إذا علم أن له حافظاً من الملائكة موكلاً به يحفظ عليه أقواله وأفعاله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد كان ذلك زاجراً له عن فعل القبيح وترك المعاصي. وقيل: المراد بقوله ويرسل عليكم حفظة، هم الملائكة الذين يحفظون بني آدم ويحفظون أجسادهم. قال قتادة: حَفَظَةُ يحفظون على ابن آدم رزقه وأجله وعمله {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} يعني أعوان ملك الموت الموكلين بقبض أرواح البشر. فإن قلت قال الله تعالى في أية:{أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها}تفسير : [الزمر: 42] وقال في آية أخرى:{أية : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم}تفسير : [السجده: 11] وقال هنا توفته رسلنا فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ قلت وجه الجمع بين هذه الآيات أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه فحصل الجمع بين الآيات. وقيل: المراد من قوله توفته رسلنا ملك الموت وحده وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيماً له. وقال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت مثل اطشت يتناول من حيث شاء وجعلت له أعوان ينزعون الأنفس ثم يقبضها منهم وقال أيضاً: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين. وقيل: إن الأرواح إذا كثرت عليه يدعوها فتستجيب له وقوله: {وهم لا يفرطون} يعني الرسل لا يقصرون فيما أمروا به ولا يضيعونه. قوله عز وجل: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} يعني ثم رد العباد بالموت إلى الله في الآخرة وإنما قال مولاهم الحق لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي موال بالباطل والله مولاهم وسيدهم ومالكهم بالحق {ألا له الحكم} يعني لا حكم إلا له {وهو أسرع الحاسبين} يعني أنه تعالى أسرع من حسب لأنه لا يحتاج إلى فكر وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض. قوله تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} يعني يا محمد، قل لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام من دون الله من ذا الذي ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه وتحيرتم وأظلمت عليكم الطرق ومن ذا الذي ينجيكم من ظلمات البحر إذا ركبتم فيه فأخطأتم الطريق وأظلمت عليكم السبل فلم تهتدوا وقيل: ظلمات البر والبحر مجاز عما فيهما من الشدائد والأهوال وقيل الحل على الحقيقة أولى. فظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضاً الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك فالمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله سبحانه وتعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: {تدعونه تضرعاً وخفية} يعني فإذا اشتد بكم الأمر تخلصون له الدعاء تضرعاً منكم إليه واستكانة. جهراً وخفية: يعني سراً وحالاً {لئن أنجانا من هذه} قائلين في حال الدعاء والتضرع لئن أنجيتنا من هذه الظلمات وخلصتنا من الهلاك {لنكونن من الشاكرين} يعني لك على هذه النعمة والشكر وهو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {توفته} و {استهوته} ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث {قل من ينجيكم} من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس. الباقون: بالتشديد {وخفية} بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد. الباقون: بالضم {أنجانا} ممالة: حمزة وعلي وخلف {أنجانا} بدون الإمالة: عاصم. الباقون {أنجيتنا} {قل الله ينجيكم} بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام. الباقون: بالتخفيف {بعضٍ انظر} وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان {ينسينك} بالتشديد: ابن عامر. الوقوف: {حفظة} ط {لا يفرطون} ه {الحق} ط {الحاسبين} ه {وخفية} ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في {تدعونه} أصح {الشاكرين} ه {تشركون} ه {بأس بعض} ط {يفقهون} ه {وهو الحق} ط {بوكيل} ه {مستقر} ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى {يعلمون} ه {غيره} ج {الظالمين} ه {يتقون} ه {ولا شفيع} ط للشرط مع العطف {بما كسبوا} لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون {الذين} صفة {أولئك} وقوله {لهم شراب} خبر {الهدى ائتنا} ج {هو الهدى} ط {العالمين} لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة {واتقوه} ط {تحشرون} ه {بالحق} ط {فيكون} ط {في الصور} ط {والشهادة} ط {الخبير} ه. التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله {وهو القاهر فوق عباده} والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً. ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله {أية : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} تفسير : [ق: 18] وعلى أفعالهم بقوله {أية : يعلمون ما تفعلون} تفسير : [الانفطار: 12] وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها. وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه. قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح. ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن. ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك. وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها. وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى. فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير. وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها {حتى إذا جاء أحدكم الموت} أي وقته أو أماراته {توفته رسلنا} أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله تعالى كما قال الله {أية : يتوفى الأنفس حين موتها} تفسير : [الزمر: 42]. وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله {أية : يتوفاكم ملك الموت} تفسير : [السجدة: 11] وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون. وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين. {وهم لا يفرطون} لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به وفيه مدح لهم بالعصمة {ثم ردوا إلى الله} أي إلى حكمه وجزائه {مولاهم الحق} صفتان والضمير في {ردوا} إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله تعالى والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق. وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه تعالى. وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] {ألا له الحكم} كقوله: {أية : إن الحكم إلا لله} تفسير : [الأنعام: 57] {وهو أسرع الحاسبين} حساباً قيل: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام. وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله {أية : ولا يكلمهم الله} تفسير : [البقرة: 174] وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده. وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال. قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم. وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم. ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة. وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء. {تدعونه} في موضع الحال {تضرعاً وخفية} مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص. والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء. الثاني التضرع. والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله {وخفية} ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله {لئن أنجيتنا من هذه} الظلم والشدة {لنكونن من الشاكرين} فبين الله سبحانه أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات. ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى. وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا. ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال {قل هو القادر} واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة {على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل {أو من تحت أرجلكم} كما أغرق فرعون وخسف بقارون. وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم. وقيل: هو حبس المطر والنبات {أو يلبسكم شيعاً} هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني" "وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف"تفسير : قالت الأشاعرة: في قوله {أو يلبسكم شيعاً} دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله تعالى وفي قوله {ويذيق بعضكم بأس بعض} إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله تعالى وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟ وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة {انظر كيف نصرف الآيات} نقرر الدلائل الواضحات. وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها {لعلهم يفقهون} {وكذب به} أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة {قومك} يعني قريشاً ومن دان بدينهم {وهو الحق} أي لا بد أن ينزل بهم. وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله. وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات. {قل لست عليكم بوكيل} أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر. {لكل نبأ لكل} خبره يخبره الله تعالى {مستقر} أي استقرار أو موضع استقرار. والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله تعالى أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير {وسوف تعلمون} فيه من التهديد ما فيه. ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال {وإذا رأيت} أيها السامع {الذين يخوضون في آياتنا} والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك {فأعرض عنهم} بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك {فلا تقعد بعد الذكرى} وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة. نعم كل ما أوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها {وإما ينسينك الشيطان} أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم {فلا تقعد بعد الذكرى} بعد أن تذكر النهي {مع القوم الظالمين} أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم. قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة. وقال الفراء: هي الذكر. قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم. قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان. قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله {وما على الذين يتقون} أي الشرك والكبائر والفواحش {من حسابهم} من ذنوبهم التي يحاسبون عليها {من شيء ولكن ذكرى} أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى. ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل {من شيء} كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله {من حسابهم} يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين. ثم أكد الإعراض عنهم بقوله {وذر الذين} والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله {أية : فأعرض عنهم وعظهم} تفسير : [النساء: 63] وصفهم بوصفين الأوّل أنهم {اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى. قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه. ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله {وغرتهم الحياة الدنيا} كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا {وذكر به} أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة {أن تبسل نفس} قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه. وقال قتادة: تحبس في جهنم. وعن ابن عباس: تفتضح {ليس لها} أي النفس {من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل} إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله {لا يؤخذ منها} قال في الكشاف: فاعل {يؤخذ} قوله {منها} لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ. وأما في قوله {ولا يؤخذ منها عدل} فبمعنى المفدى به فصح إسناده. قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله {أية : ويأخذ الصدقات} تفسير : [التوبة: 104] ارتفع الفرق. {أولئك} المتخذون {هم الذين أبسلوا بما كسبوا} ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله {لهم شراب من حميم} ثم رد على عبدة الأصنام بقوله {قل أندعوا من دون الله} النافع الضار {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} أي لا يقدر على النفع والضر {ونرد} داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله تعالى منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله {أية : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً} تفسير : [النحل: 78] {كالذي استهوته} محله النصب على الحال من الضمير في {نرد} أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: {أية : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} تفسير : [الحج: 31] وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و{حيران} حال أخرى لكن من الضمير في {استهوته} وكذا الجملة بعده. ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه. ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء. {له} أي لهذا المستهوي {أصحاب} رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً. وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له {ائتنا} أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم. وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى. وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان {قل إن هدى الله} وهو الإسلام {هو} الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال {وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا} قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر. وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك. والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله {لنسلم} ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله {وأن أقيموا} ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله {واتقوه} ثم قال {وهو الذي إليه تحشرون} ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر. ثم دل على وجود الحاشر بقوله {وهو الذي خلق السموات والأرض} قائما أو ملتبساً {بالحق} بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق {يوم يقول كن فيكون قوله الحق} فقوله فاعل {يكون} و {يوم} مفعول {خلق} والمعنى أنه تعالى خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله {الحق} مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله {الحق} مبتدأ و {يوم يقول} ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة. والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث {ويوم ينفخ} ظرف لقوله {وله الملك} كقوله {أية : لمن الملك اليوم} تفسير : [غافر: 16] والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع. والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن {أية : ونفخ في الصور فصعق} تفسير : [الزمر: 68] ففزع {أية : فإذا نقر في الناقور} تفسير : [المدثر: 8] وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة. وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله {أية : فأحسن صوركم} تفسير : [غافر: 64] ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه تعالى لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [ص: 72] {أية : فنفخنا فيها من روحنا} تفسير : [الأنبياء: 91] {أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر} تفسير : [المؤمنون: 14] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله {عالم الغيب والشهادة} أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات {وهو الحكيم} المصيب في أقواله وأفعاله {الخبير} النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق. التأويل: {وهو القاهر} بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء. {ويرسل عليكم حفظة} من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة {حتى إذا جاء أحدكم الموت} يعني الفناء عن أوصاف الوجود {توفته} رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف {ثم ردوا} إلى البقاء بالله {قل الله ينجيكم من ظلمات} بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية. {تدعونه تضرعا} بالجسم {وخفية} بالروح {ومن كل كرب} آفة وفتنة {ثم أنتم تشركون} حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني {عذاباً من فوقكم} بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم {أو من تحت أرجلكم} حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم {أو يلبسكم شيعاً} بجعل الخلق فيكم فرقاً. فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون {ويذيق بعضكم بأس بعض} بالقتل والصلب وقطع الأطراف {انظر كيف نصرف} آيات المصارف للسائرين إلى الله {لعلهم يفقهون} لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود {وكذب} بهذا المقام {قومك} المنكرون {وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال {لكل نبأ مستقر} أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد {وإذا رأيت الذين يخوضون} في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها {فأعرض عنهم} ولا تجالسهم {حتى يخوضوا في حديث} غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح. {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق {أن تبسل نفس} أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية {بما كانوا يكفرون} بمقامات الرجال من الوصول والوصال {قل أندعوا من دون الله} أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار. والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه. {ونرد على أعقابنا} إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى {حيران} من إغوائهم. {وأمرنا لنسلم} بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء {وأن أقيموا الصلاة} بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني. {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب {وهو الحكيم} فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات {الخبير} بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.
ابن عادل
تفسير : قد تقدَّم الكلامُ على هذه الآية أوَّل السورة. قوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَة}: فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه عَطْفٌ على اسم الفاعل الواقع صِلَةً لـ "أل"؛ لأنه في معنى يَفْعَل، والتقدير: وهو الذي يقهر عبادَةُ ويرسل، فعطف الفعل على الاسم؛ لأنه في تأويله، ومثله عند بعضهم: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ} تفسير : [الحديد:18] [قالوا]: "أقْرَضُوا" عطف على "مُصَّدِّقِين" الواقع صِلَةً لـ "أل"؛ لأنه في معنى: إنَّ الذين صَدَّقُوا وأقْرَضُوا، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم من ذلك الفَصْلُ بين أبْعَاضِ الصِّلةِ بأجنبي، وذلك أن "وأقْرَضُوا" من تمام صِلَةِ "أل" في "المُصَّدِّقين"، وقد عطف على الموصُولِ قوله "المُصَّدِّقات" وهو أجنبي، وقد تقرَّر غير مرَّةِ أنه لا يتبع الموصول إلاَّ بعد تمام صلته. وأمَّا قوله تعالى {أية : فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} تفسير : [الملك:19] فـ "يَقْبِضْنَ" في تأويل اسم، أي: وقابضات. ومن عطف الاسم على الفعل لكونه في تأويل الاسم قوله تعالى: {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ} تفسير : [الأنعام:95]. وقوله: [الطويل] شعر : 2189- فَألْفَيْتُهُ يَوْماً [يُبِيرُ] عَدُوَّهُ [ومُجْرٍ] عَطَاءً يِسْتَخِفُّ المعَابِرَا تفسير : والثاني: أنها جملة فعلية على جملة اسمية وهي قوله: "وهُوَ القَاهِرُ". والثالث: أنها مَعْطُوفَةٌ على الصِّلَةِ، وما عطف عليها، وهو قوله: "يَتَوَفَّاكُمْ" و"يَعْلَم" وما بعده، أي: وهو الذي يتوفاكم ويرسل. الرابع: أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أنه الضمير المُسْتَكِنُّ في "القَاهِرِ". والثاني: أنها حالٌ من الضمير المُسْتَكِنَّ في الظرف، هكذا قال أبو البقاء، ونقله عنه أبُو حيَّان قال: "وهذا الوجهُ أضعفُ الأعاريبِ". وقولهما: "الضمير الذي في الظرف" ليس هنا ظَرْفٌ يُتَوَهَّمُ كون هذه الحال من ضمير فيه، إلاَّ قوله: "فَوْقَ عِبَادِهِ"، ولكن بأيِّ طريق يتحمَّلُ هذا الظرف ضميراً؟ والجوابُ: أنه قد تقدَّم في الآية المشبهة لهذه أن "فَوْقَ عِبَادِهِ" فيه خمسة أوجه: ثلاثة منها تتحمَّلُ فيها ضَمِيراً، وهي: كونه خبراً ثانياً، أو بَدَلاً من الخبرِ، أو حالاً، وإنما اضْطررْنَا إلى تقدير مبتدأ قَبْلَ "يُرْسِلُ"؛ لأن المضارع المثبت إذا وقع حالاً لم يقترن بالواو كما تقدَّم إيضاحه. والخامس: أنها مُسْتَأنَفَةٌ سيقت للإخبار بذلك، وهذا الوجه هو في المعنى كالثاني. قوله: "عليكم" يحتملُ ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه متعلّق بـ "يرسل" ومنه {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن:35] {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ} تفسير : [الأعراف:133] {أية : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً} تفسير : [الفيل:3] إلى غير ذلك. والثاني: أنه متعلّق بـ "حَفَظَة"، يقال: حفظت عليه عمله، فالتقدير: ويرسل حَفَظَةً عليْكُمْ. قال أبو حيَّان: أي: يحفظون عليكم أعمالكم، كما قال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} تفسير : [الانفطار:10] كما تقول: حفظت عليك ما تعمل فقوله كما قال تشبيه من حيث المعنى، لا أن "عَلَيْكُمْ" تعلَّقَ بـ "حافظين"؛ لأن "عَلَيْكُمْ" هو الخبر لـ "أنَّ"، فيتعلق بمحذوف. والثالث: أنه مُتَعلِّقٌ بمحذوف على أنه حالٌ من "حَفَظَة"، إذ لو تأخَّر لجاز أن يكون صِفَةً لها. قال أبو البقاء: "عَلَيْكُمْ" فيه وجهان: أحدهما: هو مُتعلّق بـ "يرسل". والثاني: أن يكون في نِيَّةِ التَّأخير، وفيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بنفس "حَفَظَة", والمفعول محذوف، أي: يرسل عليكم من يحفظ أعمالكم. والثاني: أن يكون صفة لـ "حفظة" قدمت فصارت حالاً. قوله: والمفعول محذوف يعني: مفعول "حفظة"، إلاَّ أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ تقدير المفعول خاصُّ بالوجه الذي ذكره، وليس كذلك، بل لا بُدَّ من تقديره على كُلِّ وجْهِ، و"حَفَظَة" إنما عمل في ذلك المقدَّر لكونه صِفَةً لمحذوفٍ تقديره: ويرسل عليكم ملائكة حَفَظَةً؛ لأنه لا يعمل إلاَّ بشروطٍ هذا منها، أعني كونه معتمداً على موصوف، و"حفظة" جمعُ "حافظ"، وهو مُنْقَاسٌ في كُلِّ وصْفٍ على فاعلٍ صحيح "اللام" لعقلٍ مذكرٍ، كـ "بارِّ" و"بَررَة"، و"فاجر" و "فَجَرة"، و"كاملٍ" و "كَمَلَه"، وينقل في غير العاقل، كقوله: "غُرابٌ نَاعقٌ" و"غِرْبَانٌ نعقة". فصل في معنى الحفظة هؤلاء الحفظةُ هم المذكورون في قوله تعالى: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد:11]. وقوله: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} تفسير : [ق:18] وقوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار:10، 11]. والمقصود بهؤلاء الحفَظةِ ضَبْطُ الأعمال ثم اختلفوا فقيل: إنهم يكتبون الطَّاعات والمعاصي والمُباحَات بأسْرِهَا لقوله تعالى: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف:49]. وعن ابن عبَّاسٍ أنَّ مع كُلِّ إنْسَان ملكيْنِ؛ أحدهما: عن يمينه، والآخرُ عن يسارِهِ، فإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةٍ كتبها [من] على اليمين، وإذا تكلَّمَ بسيئة قال مَنْ على اليمين للذي على اليَسَارِ: انتظره لَعلَّهُ يتوب منها، فإن لم يَتُبْ كتبت عليه. والأوَّلُ أقوى؛ لأن قوله: "يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً" يفيد حفظة الكل من غير تخصيص. والثاني: أنَّ ظاهِرَ هذه الآية يَدُلُّ على اطِّلاعِ هؤلاء الحَفَظةِ على الاقْوالِ والأفْعَالِ أمَّا على صفاتِ القلوب، وهو العِلْمُ والجَهْلُ، فليس في هذه الآيات ما يَدُلُّ على اطِّلاعِهِمْ عليها. أمَّا في الأقوال، فلقوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} تفسير : [ق:18]. وأمَّا في الأفعال، فلقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الانفطار:10-12]. وأمَّا الإيمان والكُفْرُ، والإخلاصُ والإشراك فلم يَدُلَّ دليل على اطِّلاعِ الملائكة عليها. فصل في فائدة توكيل الملائكة علينا وفي فائدة جَعْلِ الملائكة مُوَكّلين على بين آدم وجوه: أحدها: أنَّ المُكَلَّفَ إذا علم أن الملائِكَة مُوَكلين به يُحْصُون عليه عمله، ويكتبونه في صَحِيفَةٍ تُعْرَضُ على رءوس الاشهاد في مواقف القِيَامَةِ كان ذلك أزْجَرَ له عن القَبَائِحِ. والثاني: يحتمل أن تكون الكِتابةُ لفائدة وَزْنِ تلك الصَّحائِفِ يوم القيامة؛ لأن وَزْنَ الأعمال غير مُمْكِنٍ، أمَّا وزنُ الصحائف ممكن. وثالثها: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يشَاءُ، ويحكم ما يريد، ويجب علينا الإيمانُ بكل ما ورد به الشرع، سواءَ عقلناه أم لم نعقله. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} تقدَّم مثله. وقوله: "تَوَفَّتْهُ" قرأ الجمهور "تَوَفَّتْهُ"، ماضياً بتاء التأنيث لتأنيث الجمع. وقرأ حمزة: "تَوَفَّاهُ" من غير تاء تأنيث، وهي تحتمل وجهين. أظهرهما: أنه ماضٍ، وإنما حذفَ تاء التأنيث لوجهين: أحدهما: كونه تأنيثاً مجازياً. والثاني: الفَصْلُ بين الفِعْلِ وفاعله بالمفعول. والثاني: أنه مضارع، وأصله: تَتَوَفَّاهُ بتاءين، فحذفت إحداهما على خلافٍ في أيَّتهما كـ "تَنَزَّلُ" وبابه، وحمزة على بابه في إمالة مثل هذه الألف. وقرأ الأعمش: "يَتَوَفَّاهُ" مُضارعاً بياء الغَيْبَةِ اعتباراً بكونه مؤنثاً مجازياً، أوْ للفَصْلِ، فهو كقراءة حَمْزَةَ في الوجْهِ الأوَّل من حيث تذكير الفعلِ وكقراءته فغي الوَجْهِ الثاني من حيث إنه أتى به مُضَارعاً. وقال أبو البقاء: "وقرئ شاذاً" "تَتَوفَّاهُ" على الاسْتِقْبَالِ، ولم يذكر بياء ولا تاء. فصل في بيان أن الوفاة من الله قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر:42] وقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [تبارك:2] وهذان النَّصانِ يَدُلاَّنِ على أنَّ توفي الأرواح ليس إلاَّ من اللَّهِ. وقال تعالى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} تفسير : [السجدة:11] وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصلُ إلاَّ من ملك الموت. وقال في هذه الآية: "تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا"، فهذه النصوص الثلاثة كالمُتَنَاقضة. والجوابُ: أن التَّوَفِّي في الحقيقة إنما حَصَلَ بِقُدْرَةِ الله تعالى، وهو في الظاهر مُفَوَّضٌ إلى مَلَكِ الموت، وهو الرئيس المُطْلَق في هذا الباب، وله أعْوَانٌ وخدمٌ فَحَسُنَتْ إضافة التَّوَفِّي إلى هذه الثلاثة بحسبِ الاعتبارات الثلاثة. وقيل: أراد بالرُّسُلِ ملك الموت وحده، وذكر الواحد بلفظ الجمع. وجاء في الأخبار أنَّ اللَّه - تعالى - جعل الدُّنْيَا بين يدي مَلَكِ الموت كالمائدةِ الصَّغيرة، فَيَقْبِضُ من هاهنا، ومن هاهنا، فإذا كَثُرَت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له. فصل في بيان أن الحفظة لا شأن لهم بالموت قال بعضهم: هؤلاء الرُّسُلُ الذين يَتَوفَّون الخلْقَ هم الحفظةُ يحفظونه في مُدَّةِ الحياة، وعند مجيء الموْتِ يِتوفَّوْنَهُ، والأكثرون على أنَّ الحفظةَ غير الذين يَتَولَّونَ الوفاة. قوله: {وهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} هذه الجملة تحتمل وجهين: أظهرهما: أنها حالٌ من "رسلنا". والثاني: أنها اسْتِئْنَافِيَّةٌ سيقت للإخبار عنهم بهذه الصِّفة، والجمهور على التشديد في "يُفَرِّطُون"، ومعناه: لا يُقَصِّرُون. وقرأ عمرو بن عُبيد والأعرج "يُفْرطُون" مخففاً من "أفرط"، وفيها تأويلان: أحدهما: أنها بمعنى: لا يجاوزون الحَدَّ فيما أمِرُوا به. قال الزمخشري: "فالتفريط: التَّوَاني والتأخير عن الحَدِّ، والإفراطُ مُجَاوَزَةُ الحدِّ أي: لاينقصون مما أمروا بِهِ، ولا يزيدون". والثاني: أنَّ معناه لا يتقدَّمُون على أمْرِ الله، وهذا يحتاج إلى نَقْلِ أنَّ "أفْرَطَ" بمعنى "فَرَّط"، أي: تقدَّم. قال الجَاحِظُ قريباً من هذا فإنه قال: "معنى لا يُفْرِطون: لا يدعون أحَداً يَفْرُط عنهم، أي: يَسْبِقُهُمْ ويفوتهم". وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتخفيف، أي: لا يزيدون على ما أمِرُوا به، وهو قريبٌ مما تقدَّم. قوله: {ثُمَّ رُدُّوا إلى الله}. قيل: المردود: هم الملائكة يعني كما يَمُوتُ ابن آدم تموت أيضاً الملائكة. وقيل: المراد: البَشَرُ يعني: أنهم بعد موتهم يُرَدُّون إلى اللَّهِ تعالى. وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الإنسانَ ليس مُجَرَّدَ هذه البنية؛ لأن صريح هذه الآية يَدُلُّ على حُصُولِ الموْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ على أنه بعد الموْتِ يُردُّ إلى اللَّهِ، والميِّتُ مع كونه مَيِّتاً لا يمكن أن يرد إلى اللَّهِ؛ لأن ذلك الرَّدَّ ليس بالمكان والجهة لكونه - تعالى- مُتَعَالياً عن المكان والجهة، فوجب أن يكون ذلك الرَّدُّ مُفَسَّراً بكونه مُنْقَاداً لِحُكْمِ اللَّهِ. وما لم يكن حَيَّاً لم يَصِحَّ هذا المعنى فيه. وقد ثبت أنَّ هاهنا مَوْتاً وحياة، أما الموت فنصيب البدنِ، فبقى أن تكون الحياةُ نَصِيبَ النَّفْسِ والروح، فلمَّا قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّه} ثبت أنَّ المَرْدُودَ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، وثبت أن الإنسان ليس إلاَّ النَّفْسُ والروح، وهو المطلوب. فصل في عموم الآية الآية في المؤمنين والكافرين جميعاً، وقد قال في آية أخرى {أية : وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} تفسير : [محمد:11] فكيف وجه الجمع؟ فقيل: المَوْلَى في تلك الآية بمعنى النَّاصر، ولا نَاصِرَ لِلْكُفَّارِ، والمولَى هاهنا بمعنى الملكِ الذي يتولَّى أمُورَهُمْ، والله - عزَّ وجلَّ - مَالِكُ الكُلِّ ومُتولِّي أمورهم. وقيل: المراد - هاهنا - المؤمنين خاصَّة يُرَدُّونَ إلى مَولاهُمْ، والكُفَّارُ فيه تَبَعٌ. قوله: "مَوْلاهُمُ الحَقُّ" صِفتانِ لِلَّهِ عزَّ وجلَّ. وقرأ الحسنُ، والأعمش: "الحقَّ" نَصْباً، وفيه تأويلان: أظهرهما: أنه نَعْتٌ مقطوع. والثاني: أنه نَعْت مَصْدر محذوف، أي: رَدُّوا الرَّدَّ الحقَّ لا الباطل، وقرئ رِدُّوا بكسر الرَّاء، وتقدَّم تخريجها. والضميرُ في "مَوْلاهم" فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أنه للعباد قوله: "فَوْقَ عِبَادِهِ" فقوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} التِفَاتٌ؛ إذ الأصل: ويرسل عليهم، وفائدة هذا الالتِفَاتِ والتَّنْبِيهُ والايقَاظُ. والثاني: أنه يعود على الملائكة المعنيّين بقوله: "رسلنا" يعني انهم يموتون كما يموت بَنُو آدَمَ، ويُرَدُّون إلى ربِّهِمْ كما تقدَّم. والثالث: أنه يعود على "أحدٍ" في قوله: {جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} [الأنعام:61]؛ إذ المراد به الجَمْعُ لا الإفراد. قوله: {ألاَ لَهُ الحُكْمُ}، أي: لا حُكْمَ إلاَّ لِلَّهِ؛ لقوله: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} تفسير : [يوسف:40]، والمراد بالحُكْمِ القضاء {وهُوَ أسْرَعُ الحَاسِبينَ}، أي: حسابه يرفع لا يحتاج إلى فِكْرٍ ورويَّةٍ، واختلفوا في كيفية هذا الحساب، فقيل: إنه - تعالى - يحاسب الخَلْقَ بنفسه دفعة واحدةً لا يشغله كلامٌ عن كلامٍ. وقيل: بل يأمر اللَّهُ الملائكة أن يحاسب كُلُّ واحدٍ منهم واحداً من العبادِ؛ لأنه - تعالى - لو حاسبَ الكُفَّار بنفسه لتكلَّم معهم، وذلك بَاطِلٌ؛ لقوله تعالى في صِفَةِ الكُفَّارٍ: {أية : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [البقرة:174]. فصل في رد شبهة حدوث الكلام احْتَجَّ الجُبَّائي بهذه الآيةِ على حُدُوثِ كلام اللَّهِ. قال: لو كان كلامُهُ قديماً لوجب أن يكُون مُتَكلماً بالمُحَاسَبَةِ الآن، وقبل خلقه، وذلك مَحَالٌ؛ لأن المُحَاسَبَة تقتضي حكاية عمل تقدَّم. وأجيب بالمُعَارَضَةِ بالعِلْمِ، فإنه تعالى كان قبل المَعْلومِ عالماً بأنه سَيُوجد، وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد قبل ذلك، ولم يَلْزَمْ منه تَغَيُّرُ العلم، فَلِمَ لا يجوز مثله في الكلام. والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {ويرسل عليكم حفظة} قال: هم المعقبات من الملائكة، يحفظونه ويحفظون عمله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ويرسل عليكم حفظة} يقول: حفظة يا ابن آدم عليك عملك ورزقك وأجلك، فإذا توفيت ذلك قبضت إلى ربك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {توفته رسلنا} قال: اعوان ملك الموت من الملائكة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله {توفته رسلنا} قال: الملائكة تقبض الأنفس، ثم يذهب بها ملك الموت. وفي لفظ: ثم يقبضها منهم ملك الموت بعد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء، وجعلت له أعوان يتوفون الأنفس ثم يقبضها منهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله {توفته رسلنا} قال: إن ملك الموت له رسل، فيلي قبضها الرسل، ثم يدفعونها إلى ملك الموت. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن الكلبي قال: إن ملك الموت هو الذي يلي ذلك، فيدفعه إن كان مؤمناً إلى ملائكة الرحمة وإن كافراً إلى ملائكة العذاب. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس. أنه سئل عن ملك الموت أهو وحده الذي يقبض الأرواح؟ قال: هو الذي يلي أمر الأرواح وله أعوان على ذلك، ألا تسمع إلى قوله تعالى { أية : حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم}تفسير : [الأعراف: 37] وقال: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} غير أن ملك الموت هو الرئيس، وكل خطوة منه من المشرق إلى المغرب. قيل: أين تكون أرواح المؤمنين؟ قال: عند السدرة في الجنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وهم لا يفرطون} يقول: لا يضيعون . وأخرج ابن أبي حاتم عن قيس قال: دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود فقال: كيف تجدك؟ قال: مردود إلى مولاي الحق. فقال: طبت والله أعلم .
ابو السعود
تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي هو المتصرِّفُ في أمورهم لا غيرُه يفعل بهم ما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً إلى غير ذلك {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم} خاصة أيها المكلفون {حَفَظَةً} من الملائكة وهم الكرام الكاتبون و(عليكم) متعلقٌ بـيُرسل لما فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمُه على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدَّم والتشويق إلى المؤخر، وقيل: متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من (حفظة) إذ لو تأخر لكان صفةً أي كائنين عليكم، وقيل: متعلق بحفظةً والمحفوظُ محذوفٌ على كل حال أي يرسل عليكم ملائكةً يحفظون أعمالَكم كائنةً ما كانت، وفي ذلك حكمةٌ جميلةٌ ونعمةٌ جليلة لما أن المكلفَ إذا عَلم أن أعماله تُحفظ عليه وتُعرض على رؤوس الأشهادِ كان ذلك أزجرَ له عن تعاطي المعاصي والقبائحِ وأن العبد إذا وثِقَ بلُطف سيّدِه واعتمد على عفوه وسَترِه لم يحتشمه احتشامه من خدمه الواقفين على أحواله و(حتى) في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تَجعلُ ما بعدها من الجملة الشرطية غايةً لما قبلها كأنه قيل: ويُرسلُ عليكم حفظة يحفَظون أعمالَكم مدةَ حياتكم حتى إذا انتهت مدةُ أحدِكم كائناً مَنْ كان وجاءه أسبابُ الموت ومباديه {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} الآخرون المفوَّضُ إليهم ذلك، وهم ملكُ الموتِ وأعوانُه وانتهى هناك حِفظُ الحفظة، وقرىء توفاه ماضياً أو مضارعاً بطرح إحدى التاءين {وَهُمْ} أي الرسل {لاَ يُفَرّطُونَ} أي بالتواني والتأخير، وقرىء مخففاً من الإفراط أي لا يجاوزون ما حُدّ لهم بزيادة أو نقصان، والجملة حال من (رسلنا) وقيل: مستأنَفةٌ سيقت لبـيان اعتنائِهم بما أُمروا به.
القشيري
تفسير : فوق عباده بالقهر والرفعة، وفوقهم بالقدرة على أن يُعَذِّبهم من فوقهم بإنزال العقوبة عليهم والسخطة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو القاهر} مستعليا {فوق عباده} اى المتصرف فى امورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء ايجادا واعداما واحياء واماتة وتعذيبا واثابة الى غير ذلك ويجوز ان يكون فوق خبرا بعد خبر وليس معنى فوق معنى المكان لاستحالة اضافة الاماكن الى الله تعالى وانما معناه الغلبة والقدرة ونظيره فلان فوق فلان فى العلم اى اعلم منه: وفى المثنوى شعر : دست شدبالاى دست اين تاكجا تابيزدان كه اليه المنتهى كان يكى درياست بى غوردو كران جمله درياها جوسيلى بيش آن حيلها وجارها كر ازدهاست بيش الا الله آنها جمله لاست تفسير : {ويرسل عليكم حفظة} عطف على الجملة الاسمية قبلها اى يرسل عليكم خاصة ايها المكلفون ملائكة تحفظ اعمالكم وهم الكرام الكاتبون والحكمة فيه ان المكلف اذا علم ان اعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الاشهاد كان ازجر عن المعاصى وان العبد اذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه: قال الكاشفى شعر : له اندريشى ازان روزيكه دروى جكرها خون ودلها ريش بينى دهندت نامه اعمال وكويند بخوان تاكردهاى خويش بينى مكن ورميكنى بارى دران كوش كه اندر نامه نيكى بيش بينى تفسير : ورد فى الخبر ان على كل واحد منا ملكين بالليل وملكين بالنهار يكتب احدهما الحسنات والآخر السيآت وصاحب اليمين امير على صاحب الشمال فاذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر امثالها واذا عمل سيئة فاراد صاحب الشمال ان يكتب قال له صاحب اليمين امسك فيمسك عنه ست ساعات او سبع ساعات فان هو استغفر الله لم يكتب عليه وان لم يستغفر كتب سيئة واحدة فان قلت هل تعرف هؤلاء الملائكة العزم الباطن كما يعرفون الفعل الظاهر. قلت نعم لان الحفظة تنتسخ من السفرة وهى من الخزنة التى وكلت باللوح وقد كتب فيه احوال العوالم واهاليها من السرائر والظواهر فبعد وقوفهم على ذلك يكتبون ثانيا من اول اليوم الى آخره ومن اول الليل الى آخره حسبما يصدر عن الانسان. وقيل اذا همّ العبد بحسنة فاح من فيه رائحة المسك فيعلمون بهذه العلامة فيكتبونها واذا هم بسيئة فاح منه ريح النتن. فان قلت والملائكة التى ترفع عمل العبد فى اليوم أهم الذين يأتون عدا ام غيرهم. قلت قال بعض العلماء الظاهر انهم هم وان ملكى الانسان لا يتغيران عليه ما دام حيا. وقال بعض المشايخ من جاء منهم لا يرجع ابدا مرة اخرى ويجيئ آخرون مكانهم الى نفاد العمر واختلف فى موضع جلوس الملكين وفى الخبر النبوى "حديث : نقوا افواهكم بالخلال فانها مجلس الملكين الكريمين الحافظين وان مدادهما الريق وقلمهما اللسان وليس عليهما شئ امر من بقايا الطعام بين الاسنان " .تفسير : ولا يبعد ان يوكل بالعبد ملائكة سوى هذين الملكين كل منهم يحفظه من اذى كما جاء فى الروايات {حتى اذا جاء احدكم الموت} حتى هى التى يبتدأ بها الكلام وهى مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها كأنه قيل ويرسل عليكم حفظة يحفظون اعمالكم مدة حياتكم حتى اذا انتهت مدة احدكم كائنا من كان وجاءه اسباب الموت ومباديه {توفته رسلنا} الآخرون المفوض اليهم ذلك وهم ملك الموت واعوانه وانتهى هناك حفظ الحفظة {وهم} اى الرسل {لا يفرطون} اى لا يقصرون فيما يؤمرون بالتوانى والتأخير طرفة عين. واعلم ان القابض لا رواح جميع الخلق هو الله تعالى حقيقة وان ملك الموت واعوانه وسائط ولذلك اضيف التوفى اليهم وقد يكون التوفى بدون وساطتهم كما نقل فى وفاة فاطمة الزهراء رضى الله عنها وغيرها واعوان ملك الموت اربعة عشر ملكا سبعة منها ملائكة الرحمة واليهم يسلم روح المؤمن بعد القبض وسبعة منهم ملائكة العذاب واليهم يسلم روح الكافر بعد الوفاة. قال مجاهد قد جعلت الارض لملك الموت كالطشت يتناول من حيث يشاء. يقول الفقير ليس على ملك الموت صعوبة فى قبض الارواح وان كثرت وكانت فى امكنة مختلفة وكيفية لا تعرف بهذا العقل الجزئى كما لا تعرف كيفية وسوسة الشيطان فى قلوب جميع اهل الدنيا ـ روى ـ فى الحبر ان رسول الله دخل على مريض يعوده فرأى ملك الموت عند رأسه فقال (يا ملك الموت ارفق به فإنه مؤمن) فقال ملك الموت يا محمد ابشر وطب نفسا وقر عينا فانى بكل مؤمن رفيق انى لاقبض روح المؤمن فيصرخ اهله فاعتزل فى جانب الدار فأقول ما لى من ذنب وانى مأمور وان لى لعودة فالحذر الحذر وما من اهل بيت مدر ولا وبر فى بر وبحر الا وانا اتصفحهم فى كل يوم خمس مرات حتى انى لا علم بصغيرهم وكبيرهم منهم بانفسهم والله لو ادرت ان اقبض روح بعوضة لما قدرت عليها حتى يأمرنى الله تعالى بقبضها. قال العلماء الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وانما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبذل حال وانتقال من دار الى دار ولما خلق الله الموت على صورة كبش املح قال له اذهب الى صفوف الملائكة على هيئتك هذه فلم يبق ملك الاغشى عليه الفى عام ثم افاقوا فقالوا يا ربنا ما هذا قال الموت قالوا لمن ذلك قال على كل نفس قالوا لم خلقت الدنيا قال ليسكنها بنوا آدم قالوا لم خلقت النساء قال ليكون النسل قالوا من يسلط عليه هذا هل يشتغل بالنساء والدنيا قال ان طول الامل ينسيهم الموت حتى يكون منهم اخذ الدنيا وشهوة النساء ولذلك قيل الموت من اعظم المصائب واعظم منه الغفلة عنه.
الطوسي
تفسير : كلهم قرأ {توفته رسلنا} بالتاء الا حمزة فانه قرأ "توفاه". وحجة من قرأ بالتاء قوله {أية : كذبت رسل من قبلك}تفسير : وقوله {أية : إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم}تفسير : و {أية : جاءتهم رسلهم بالبينات}تفسير : و {أية : قالت رسلهم}تفسير : وحجة حمزة انه فعل متقدم مسند الى مؤنث غير حقيقي. وانما التأنيث للجمع، فهو مثل قوله {أية : وقال نسوة في المدينة}تفسير : وما أشبه ذلك مما يأتيه تأنيث الجمع، قال وليس ذلك خلافا للمصحف، لان الالف الممالة تكتب ياء. وقوله {وهو القاهر} معناه والله المتقدر المستعلي على عباده الذين هو فوقهم لا على أنه في مكان مرتفع فوقهم وفوق مكانهم، لان ذلك لا يجوز عليه، لانه صفة للاجسام. ومثله في اللغة أمر فلان فوق أمر فلان، يراد به أنه أعلى امرا، وانفذ قولا. ومثله قوله تعالى {أية : يد الله فوق أيديهم}تفسير : والمراد أنه أقوى واقدر منهم وانه القاهر لهم. وقوله: {ويرسل عليكم حفظة} يعني يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم ويكتبونها ليعلموا بذلك أن عليهم رقيبا من عند الله ومحصيا عليهم فينزجروا عن المعاصي. وبين ان هؤلاء الحفظة هم شهداء عليكم بهذه الاعمال يوم القيامة. وقوله {حتى إذا جاء أحدكم الموت} يعني وقت الموت {توفته رسلنا} يعني قبضت الملائكة روح المتوفى، وهم رسل الله الذين عناهم الله بهذه الآية. وقال الحسن: {توفته رسلنا} قال هو ملك الموت وأعوانه وأنهم لا يعلمون آجال العباد حتى يأتيهم علم ذلك من قبل الله بقبض أرواح العباد. وقوله: {توفته رسلنا} أي تقبضه، والتوفى هو القبض على مابيناه. ثم إن هؤلاء الرسل {لا يفرطون} أي لا يقصرون - في قول الزجاج - ولا يغفلون، ولا يتوانون. وقال الجبائي: لا يأخذون روحه قبل أجله ويبادرون الى ما أمروا به عن غير تقصير، ولا تفريط. والمعنى في التوفي ان يعلم العباد أنهم يحصون اذا ماتوا فلا يرون أنهم يهملون اذا ماتوا وأن احداً منهم لا يثبت ذكره ليجزى بعمله. ثم بين ان هؤلاء الذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة الى الله فيردهم الى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه الا الله ولا يملك نفعهم ولا ضرهم سواه فجعل ردهم الى ذلك الموضع ردا الى الله، وبين أنه هو {مولاهم الحق} لانه خالقهم ومالكهم، والقاهر عليهم القادر على نفعهم وضرهم، ولا يجوز ان يوصف بهذه الصفة سواه، فلذلك كان مولاهم الحق. وقال البلخي: (الحق) اسم من اسماء الله وهو خفض، لانه نعت لله، ويجوز الرفع على معنى الله مولاهم الحق، ويجوز ان ينصب على معنى يعني مولاهم، والقراءة بالخفض. وقوله: {ألا له الحكم} معناه ألا يعلمون أو ألا يقرون ان الحكم يوم القيامة هو له وحده؟، ولا يملك الحكم في ذلك اليوم سواه، كما قد يملك الحكم في الدنيا غيره بتمليك الله اياه. وقوله: {وهو أسرع الحاسبين} روي أنه تعالى يحاسب عباده على مقدار حلب شاة، وذلك يدل على أنه لا يحتاج ان يكلفهم مشقة وآلة على ما يقوله المشبهة، لانه لو كان كذلك لاحتاج ان يتطاول زمان محاسبته أو أنه يشغله محاسبته عن محاسبة غيره. وروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له: كيف يحاسب الله الخلق وهم لا يرونه؟ قال: كما يرزقهم ولا يرونه. والمعنى في الآية أنه تعالى أحصى الحاسبين لما أحصى الملائكة وتوفوا من الانفس لا يخفى عليه من ذلك خافية ولا يحتاج في عده الى فكر ونظر.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} بالقدرة {ويرسل عليكم حفظة} يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا} يعني هم أعوان ملك الموت يقبضونه ثم يدفعونه إلى ملك الموت رواه في الثعلبي {وهم لا يفرطون} لا يقصرون ولا يضيعون وقرئ: لا يفرطون بالتخفيف يعني لا يجاوزن الحدّ {ثم ردوا إلى الله} يعني الملائكة وقيل: العباد {ألا له الحكم} يومئذ لا حكم فيه لغيره {وهو أسرع الحاسبين} لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، روي أنه يحاسب جميع خلقه يوم القيامة بمقدار حلب شاة {قل} يا محمد {من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما، وقيل: أراد بالظلمات الشدائد والأهوال {تدعونه تضرعاً وخفية} قرئ برفع الخاء وكسره وهما لغتان (تقولون لئن أنجيتنا من هذه الظلمات لنكونن من الشاكرين)، قوله تعالى: {قل الله ينجيكم منها} أي ينعم عليكم بالنجاة والفرح ويخلصكم من تلك الظلمات {ومن كل كرب} ومن كل غم {ثم أنتم تشركون} {قل} يا محمد {هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم}، قيل: الذي من فوقكم هو الرجم كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، وأرسل على قوم نوح الطوفان والرياح، كما أرسل على قوم عاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط {أو من تحت أرجلكم} كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: من فوقكم من قبل أكابركم وسلاطينكم، أو من تحت أرجلكم من قبل سفلتكم وعبيدكم {أو يلبسكم شيعاً} يعني أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتّى، واللبس اختلاط الأمر، يقال: لبست عليه الأمر خالطته والشيع: الفرق {ويذيق بعضكم بأس بعض} بأن يقتل بعضكم بعضاً يعني بالسيوف المختلفة، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" تفسير : {أنظر} يا محمد أو أيها السامع {كيف نصرف الآيات} نردد ونظهر مرة بعد أخرى {لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق}، قيل: القرآن، وقيل: العذاب {قل} يا محمد {لست عليكم بوكيل} أي بحافظ لأعمالكم لأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله المجازي {لكل نبأ مستقر} أي لكل خبرٍ وقتٌ وحينٌ، وقيل: وقت استقرار وحصول لا بد منه {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} في الاستهزاء بها والطعن فيها، وكانت قريش يفعلون ذلك والآية نزلت فيهم وكانوا يستهزئون بالقرآن {فأعرض عنهم} أي اتركهم ولا تجالسهم على سبيل الإنكار {حتى يخوضوا في حديث غيره}، قيل: يدخلون في حديث غير القرآن والاستهزاء به {واما ينسينَّكَ الشيطان} يعني يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم {فلا تقعد بعد الذكرى} يعني بعد أن تذكر النهي عنه {مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي ليس على المؤمنين الذين اتقوا معاصي الله تعالى شيء من حساب الكفرة {ولكن ذكرى}، قيل: لكن ليلزمهم القيام عنهم ليصير ذلك معوضة، وقيل: لكن عليهم أن يذكروهم وعد الله ووعيده ويأمرونهم بذلك وينهوهم عن المنكر والآية تدل على النهي عن مجالسة الظلمة والفسقة إذا أظهروا المنكر.
اطفيش
تفسير : {وهُو القاهِرُ فَوقَ عِبادهِ} القاهر لخلقه بما شاء بعد وجودهم، والقاهر لهم بالإيجاد قيل الوجود، بمعنى أنهم لا متنازع لهم عن الوجود إذا أراده، وفوق حال مؤكدة لعاملها، لأن القاهر للشئ يكون فوقه بالشأن والعظمة، ويجوز أن يكون الحال غيره مؤكدة، لأن القاهر قد يكون خبيثاً لا شرف له، فتكون الحال مؤكدة، لأن القهر فى الجملة قد يكون بلا شرف.. وأريد بالفوقية عظمة الشأن والشرف، وزعم سلف الأشعرية أن الفوقية فى صفة الله يجب الإيمان بها، ويوكل علمها إلى الله ولا يؤولونها بعظمة الشأن، وذلك خطأ منهم، ثم إن القهر على أقسام: منها قهر المخلوق على إيجاده بمعنى يوجده، ولا يتعاصى عن الوجود، وسواء للأجسام والأعراض، ولا جسم بلا عرض، ومنها قهر المخلوق على ما يكره، ولا يستطيع دفعه، ودخل فى القسم الأول فهو الظلمة بالنور، والفقر بالغنى، والضعف بالقوة، والمرض بالصحة، والليل بالنهار، ونحو ذلك من الأضداد والمتناقضات، كالذل بالعز، وعكوس ذلك، والحياة بالموت، والعدم بالوجود، ودخل قهر المتنافيات بالجمع كالروح مع البدن، فالبدن جسم يفسد لا يبقى، ليس فيه نور فهم ومعرفة، كثيف سفلى ظلمانى، ومع ذلك اجتمع مع الروح الذى ليس يفسد، وهو نورانى ذو فهم ومعرفة، لطيف وعلوى. {ويُرسل عَليْكم حَفظةً} ملائكة يحفظون أعمالكم وهم الكرام الكاتبون {أية : وإنّ عليكم لحافظين * كراماً كاتبين} تفسير : وحكمة إرسال الحفظة مع أن الله قادر على ابن آدم أن يحفظه عن الجن بدونهم، إظهار شرف بنى آدم على الجن والملائكة إذا استخدم لهم الملائكة، وحكمة إرسال الحفظة لحفظ الأعمال، مع أن الله عالم بها أن يستحى ابن آدم منهم، فلا يعصى الله، لأن الله قد أخبرنا أن معكم ملائكة يحفظون أعمالكم، ولو لم يرسل الملائكة لحفظ الأعمال لزدت يا ابن آدم جراءة على المعاصى. شعر : لعلمك إن الله عاف وستار أقل عثراتى فابن يوسف معثار تفسير : وأيضا إذ علمت أن أعمالك تكتب وتقرأ على رءوس الأشهاد قرب ما انزجرت، قيل: مع كل إنسان ملكان: كانت الحسنات عن يمينه إذا قعد أو قام، وكاتب السيئات عن يساره، وإن اضطجع فكاتب الحسنات عند رأسه، وكاتب السيئات عند رجليه، وإن مشى فكانت الحسنات أمامه وكاتب السيئات خلفه، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، إذا فعل سيئة وأراد أن يكتبها قال له أمهل لعله يتوب، فيهمل خمس ساعات، وقيل: سبعاً، وقيل: تسعا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: مع كل مؤمن خمسة من الحفظة: واحد عن يمينه يكتب الحسنات، وواحد عن يساره يكتب السيئات، وواحد أمامه يلقنه الخيرات، وواحد خلفه يدفع عنه الآفات، وواحد على ناصيته يكتب صلاته على النبى صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه، وقيل: مع كل مؤمن أربعة: اثنان ليلا واثنان نهاراً وقيل: ستون، وقيل: مائة وستون، وقيل غير ذلك كما شهر فى شروح الحديث والفقه، يدفعون عنه الشياطين، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين. روى أن الأصمعى كان ينتقل فى قبائل العرب يكتب ما يسمع، فقال له أعرابى: ما أنت إلا كالحفظة، تكتب لفظ اللفظة. وروى أن أبا حاتم السجستانى كان يكتب عن الأصمعى كل شئ يتلفظ من فوائد العلم، فقال له الأصمعى: أنت شبه الحفظة تكتب لفظ اللفظة، فقال له أبو حاتم: وهذا أيضا مما يكتب، واختلفوا فى الحفظة فى الآية فقيل: الذين يكتبون الأعمال، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" تفسير : وبه قال السدى وغيره، واستظهره بعض، وقال بعض المفسرين: المراد يحفظون الإنسان من كل سوء حتى يأتى أجله، والعطف على قوله: {هو القاهر} وأل فى القاهر اسم موصول بصورة حرف التعريف، وهو فى نفسه بمعنى الذى، وقاهر بمنزلة يقهر فيجوز عطف يرسل على قاهر، لأن الفاصل ليس أجنبيا، لأن قوله: {فوق} متعلق بمحذوف حال، وصاحب الحال ضمير قاهر، وعامله قاهر ولا سيما أنه ظرف. {حتَّى إذا جاء أحدَكم الموتُ} وقت الموت. {توفَّته رُسُلنا} ملك الموت وأعوانه، أى استوفوا روحه، قال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست، يتناول كل من شاء أن يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم فى كل يوم مرتين، والآية دليل على أن قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت} بمعنى يتوفاكم ملك الموت وأعوانه أو تنزعها الملائكة حتى إذا وصلت فى الحلقوم أخذها ملك الموت، ومعنى قوله تعالى: {أية : الله يتوفى الأنفس} تفسير : أنه خلق توفى الملائكة أو أمرهم بتوفيها، وقيل: إن الدنيا بين يديه كالمائدة الصغيرة، يتناول من هاهنا ومن هاهنا، وقيل: إذا كثرت الأروح على ملك الموت دعاها فتستجيب لهُ، وقيل: المراد بالرسل ملك الموت جمع تعظيما، قيل: ينزعها الملائكة، فإذا وصلت الحلقوم قبضها ملك الموت وأصحابنا رحمهم الله لا يجيزون أن يقال: قبض الملك أو الملائكة أو ملك الموت الروح، ولا يجيزون أن إسناد قبضها إلا إلى الله تعالى، وقالوا: من قال يقبضها ملك الموت أو الملك أو الملائكة أشرك، وهو مشكل لوروده، وقرأ حمزة توفاه رسلنا بألف ممالة، وهو فعل ماض ويجوز أن يكون مضارعاً حذفت إحدى تاءيه، وأصل الأول إذ لا دليل للثانى، ولا داعى إليه إذ فيه الحذف. {وهُم لا يُفرِّطُون} لا يتأخرون عن توفيه إذا حضر موته، ولا يقدمونه إذا لم يحضر، ولا يتعدون ما حد لهم فى التسهيل والتشديد، وعن على، "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال صلى الله عليه وسلم: "أرفق بصاحبى فإنه مؤمن" فقال: أبشر يا محمد فإنى بكل مؤمن رفيق، وإنى لأقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخ من أهله قلت: ما هذا إلا الصراخ، فوالله ما ظلمناه ولا استبقينا من أجله فما لنا فى قبضه ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله تعالى تؤجروا، وإن تسخطوا أو تجزعوا تأثموا، وما لكم عندنا من عتبة، وإن لنا عليكم لبغتة وعودة، فالحذر الحذر، وما من أهل بيت شعر ولا مدر، فى بر ولا فى بحر، إلا وأنا أتصفح فى وجوههم فى كل يوم وليلة خمس مرات حتى إنى لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أنى أردت أن أقبض بعوضة ما قدرت ذلك حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها" تفسير : . وفى الحديث إسناد القبض إلى ملك الموت.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ القَاهِرُ} الفاعل ما يشاء ولو كره الفعل كاره {فَوْقَ عِبَادِهِ} حال من المستتر فى قاهر، فوقيه علو شأْن وتنزه عن النقائص ومنها أَن يرد عليه فعل أَو قول حاشاه، يفعل ما يشاء من تصحيح وإِعلال، وإِغناء وإِفقار وإِعزاز وإِذلال وإِيجاد وإِعدام وإِحياء وإِماتة وإِثابة وتعذيب فهو غالب لا يغلب {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} ملائكة يحفظون أَعمالكم من خير وشر، وقيل: ومباح ومَا لا ثواب فيه ولا عقاب. لكل أَحد ملكان، ملك عن اليمين إِذا عمل حسنة كتبها عشرة أَو أَكثر، وملك عن شماله إِذا عمل سيئة زجره ملك اليمين عن أَن يكتبها لعله يتوب حتى تمض خمس ساعات أَو سبع، وإِذا مشى فأَحدهما أَمامه وهو ملك الحسنات والآخر خلفه، وإِذا نام فصاحب الحسنات عند رأسه وصاحب السيئات عند رجليه، وعن ابن عباس مع كل مؤمن خمسة: واحد عن يمينه يكتب حسناته والآخر عن شماله يكتب سيئاته، وواحد أَمامه يلقنه الخير، وواحد خلفه يدفع عنه الآفات، وواحد على ناصيته يكتب صلاته على النبى صلى الله عليه وسلم، ويقال: مع كل مؤمن ستون ملكاً، وفيه: مائة وستون يذبون عنه الشياطين، وذكر بعض أَن أَحد الملكين على كتف والآخر على كتف وهو المشهور. وقيل: هما على الذقن، وقيل فى الفم يمينه ويساره، ولا معرفة لهم على ما فى القلب، كما جاءَ فى الحديث أَنهم يزكون عمل العبد فيقول الله عز وجل لهم: أَنا الرقيب على ما فى قلبه لم يردنى به. فقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا هم العبد بحسنة فلم يعملها كتبت له" تفسير : بمعنى أَن الله سبحان وتعالى يحفظها له ويثيبه عليها ولا يكتبها الملك. وقيل: يطلعون على ما فى القلب بإِذن الله إِلا الرياءَ كما روى أَن المرائين يقربون من الجنة حتى إِذا رأَوها واستنشقوا ريحها ردوا فيقولون لو لم نرها ولو لم نستنشق ريحها كان خيراً لنا، فيجيبهم بأَن ذلك لعظم مبارزتي بالمعاصى وإِظهار الطاعة لغيرى. ولعل الحديث لم يصح لأَن الشقى لا يريح ريح الجنة، وتتجدد ملائكة الليل وملائكة النهار، وقيل: لا بل تطلع ملائكة الليل وترجع فى الليل الآخر، وتطلع ملائكة النهار فترجع للنهار الاخر، وقيل: يتجدد ملائكة الحسنات، وقيل: لا يحصر عدد ملائكة الحسنات، لقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : يبتدرون أَيهم يكتبها أَولاتفسير : ، قلت: لا دليل فيه أَن هؤلاء المبتدرين ليسوا ملائكة حسنات العبد، بل ملائكة يرغبون فى الخير كطالب العلم، أَلا ترى أَنهم كلهم يكتبونها لا واحد فقط، إِلى قوله: أَولا، وحكمة إِرسال الملائكة والإِخبار بهم أَن يعلم الإِنسان أَن الملائكة تكتب قبائحه وتقرأ عليه بحضرة الخلائق ومسمعهم: فينزجر عنها ويستحيى منهم، أَو المراد ملائكة يحفظون ابن آدم ورزقه وأَجله وعمله وهم المذكورون فى قوله تعالى: "أية : وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين"تفسير : [الإنفطار: 10 - 11] أَو المعقبات، كما قال الله تعالى: {أية : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أَمر الله} تفسير : [الرعد: 11]، وقيل: المراد هؤلاء كلهم وغيرهم، والعطف على قاهر كقوله تعالى: {أية : صافات ويقبضن} تفسير : [الملك: 19]، أَو على هو القاهر، أَو على يتوفاكم، أَو على ما جرحتم بالنهار {حَتَّى إِذا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} حتى تفريعية، وهى حرف ابتداء كالغاية لقوله يرسل لكن باعتبار تعلقه بالحفظة وإِلا فلا، أَو لقوله حفظة، أَى يرسل عليكم ملائكة تحفظ أَعمالكم، أَو أَن يجيئكم الموت فيميتكم كما قال {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} ملك الموت وأَعوانه، وهنا كقوله تعالى: {أية : قل يتوفاكم ملك الموت} تفسير : [السجدة: 11]، وذلك عصر الأَرواح من الأَجساد فإِذا بلغت الحلقوم قبضها الله، فهذا كقوله تعالى: {أية : يتوفى الأَنفس حين موتها} تفسير : [الزمر: 42]، وهذا مذهبنا، وذهب بعض الصوفية أَن القابض الله أَو ملك الموت أَو أَعوانه بحسب مقام العبد، وقال بعض قومنا: تعصرها الملائكة ويقبضها ملك الموت من الحلقوم إِذا وصلته، أَو رسلنا ملك الموت عظم بلفظ الجمع لقوة عمله، ويقال: إِذا كثرت عليه الأَرواح دعاها فتجيئه، وله أَعوان تقبضها ويجيئه بها، والأَحياء كلها فى البر والبحر كشىء فى طست، ويقال: كل من جاءَ أَجله سقطت إِليه ورقته، ويقال: صحيفة فيها موته من تحت العرش، ويأْمر أَعوانه بالتصرف، ويطوف كل يوم بكل مسكن مرتين، وقيل: خمسة ويقال: يقبض روح المؤمن ويسلمها لملائكة الرحمة ويبشرونها بالثواب، ويصعدون بها، وهم سبعة. وروح الكافر ويسلمها لملائكة العذاب وهم سبعة ويبشرونها بالعذاب، وترد من السماء إِلى سجين، ورأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكاً عند رجل من الأَنصار، فقال: حديث : ارفق بصاحبى فإِنه مؤمن، فقال: إِنى بكل مؤمن رفيق، وإِنى لأَقبض روح ابن آدم فإِذا صرخ صارخ من أَهله قلت: ما هذا الصراخ؟ فوالله ما ظلمناه، ولا استبقينا من أَجله فما لنا فى قبضه من ذنب، فإِن ترضوا بما صنع الله تؤجروا، وإِن تسخطوا تأْثموا، وإِن لنا لعودة بغتة، فالحذر الحذر، إِنى لأَعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم، فإِنى أَتصفح وجوههم كل يوم وليلة خمس مرات، والله يا محمد لو أَردت قبض بعوضة ما قدرت حتى يكون الله هو الآمر بقبضهاتفسير : . وإِذا مات العبد رجعوا إِلى معابدهم. وقيل: يقومون على قبره يترحمون عليه أَو يلعنونه {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} لا يتعدون ما حد لهم من وقت القبض وتشديده وتسهيله ومكانه، وكيفيته ومقابلة المحتضر بوجه طلق أَو عبوس أَو نحو ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} فلا يعجزه أحد منهم ولا يحول بينه سبحانه وبين ما يريده فيهم، و {فَوْقَ } نصب على الظرفية حال أو خبر بعد خبر، وقد تقدم الكلام مبسوطاً فيما للعلماء في هذه الآية {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} من الملائكة وهم الكرام الكاتبون المذكورون في قوله تعالى: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ } تفسير : [الانفطار: 10-11] أو المعقبات المذكورة في قوله سبحانه: { أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد: 11]، وقيل: المراد ما يشمل الصنفين، ويقدر المحفوظ الأعمال والأنفس والأعم. وعن قتادة يحفظون العمل والرزق والأجل. والذي ذهب إليه أكثر المفسرين المعنى الأول في الحفظة. وهم عند بعض يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها كما يشعر بذلك { أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49] وجاء في الأثر تفسير الصغيرة بالتبسم والكبيرة بالضحك و { أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير : [قۤ: 18] وقال آخرون: لا يكتبون المباحات إذ لا يترتب عليها شيء. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مع كل إنسان ملكين أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: لتنتظره لعله يتوب منها فإن لم يتب كتب عليه والمشهور أنهما على الكتفين، وقيل: على الذقن، وقيل: في الفم يمينه ويساره. واللازم الإيمان بهما دون تعيين محلهما والبحث عن كيفية كتابتهما، وظواهر الآيات تدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال كقوله تعالى: { أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } تفسير : [قۤ: 18] الخ، وقوله سبحانه: { أية : يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } تفسير : [الانفطار: 12] وأما على صفات القلوب كالإيمان والكفر مثلاً فليس في الظواهر ما يدل على اطلاعهم عليها، والأخبار بعضها يدل على الاطلاع كخبر « حديث : إذا هم العبد بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة » تفسير : فإن الهم من أعمال القلب كالإيمان والكفر، وبعضها يدل على عدم الاطلاع كخبر « حديث : إذا كان يوم القيامة يجاء بالأعمال في صحف محكمة فيقول الله تعالى اقبلوا هذا وردوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما كتبنا إلا ما عمل فيقول سبحانه: إن عمله كان لغيري وإني لا أقبل اليوم إلا ما كان لوجهي » تفسير : وفي رواية مرسلة لابن المبارك « حديث : إن الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد الله تعالى فيستكثرونه ويزكونه حتى يبلغوا به حيث شاء الله تعالى من سلطانه فيوحي الله تعالى إليهم إنكم حفظة عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا لم يخلص في عمله فاجعلوه في سجين » تفسير : الحديث. والقائل بأنهم لا يكتبون إلا الأعمال الظاهرة يقول: معنى ـ كتبت ـ في حديث الهم بالحسنة ثبتت عندنا وتحققت لا كتبت في صحف الملائكة. والقائل بأنهم يكتبون الأعمال القلبية يقول باستثناء الرياء فيكتبون العمل دونه ويخفيه الله تعالى عنهم ليبطل سبحانه به عمل المرائي بعد كتابته إما في الآخرة أو في الدنيا زيادة في تنكيله وتفظيع حاله، ولعل هذا كما يفعل به يوم القيامة من رده إلى النار بعد تقريبه من الجنة. فقد روى أبو نعيم والبيهقي وابن عساكر وابن النجار أنه «يؤمر بناس يوم القيامة إلى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها فيقولون: ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا قال: ذلك أردت بكم يا أشقياء / كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما تعطوني من قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلوني وتركتم للناس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتم من الثواب» والكل عندي محتمل ولا قطع فتدبر. واختلفوا في أن الحفظة هل يتجددون كل يوم وليلة أم لا؟ فقيل: إنهم يتجددون وملائكة الليل غير ملائكة النهار دائماً إلى الموت، وقيل: إن ملائكة الليل يذهبون فتأتي ملائكة النهار ثم إذا جاء الليل ذهبوا ونزل ملائكة الليل الأولون لا غيرهم وهكذا، وقيل: إن ملائكة الحسنات يتجددون دون ملائكة السيئات وهو الذي يقتضيه حسن الظن بالله تعالى. واختلف في مقرهم بعد موت المكلف فقيل: يرجعون مطلقاً إلى معابدهم في السماء، وقيل: يبقون حذاء قبر المؤمن يستغفرون له حتى يقوم من قبره. وصحح غير واحد أن كاتب الحسنات لا ينحصر في واحد لحديث « حديث : رأيت كذا وكذا يبتدرونها أيهم يكتبها أول » تفسير : والحكمة في هؤلاء الحفظة «أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح» وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على ستره وعفوه لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه، وقول الإمام: «يحتمل أن تكون الفائدة في الكتابة أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن» بخلاف وزن الصحائف فإنه ممكن ليس بشيء كما لا يخفى، والقول بوزن الصحائف أنفسها قول لبعضهم. هذا {وَيُرْسِلُ } إما مستأنف أو عطف على {ٱلْقَاهِرُ } لأنه بمعنى الذي يقهر، وعطفه كما زعم أبو البقاء على {يَتَوَفَّـٰكُم } وما بعده من الأفعال المضارعة ليس بشيء كاحتمال جعله حالاً من الضمير في {ٱلْقَاهِرُ } أو في الظرف لأن الواو الحالية كما أشرنا إليه آنفاً لا تدخل على المضارع، وتقدير المبتدأ لا يخرجه عن الشذوذ على الصحيح. و {عَلَيْكُمْ } متعلق بيرسل لما فيه من معنى الاستيلاء، وتقديمه على المفعول الصريح لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقيل: هو متعلق بمحذوف وقع حالاً من {حَفَظَةً } إذ لو تأخر لكان صفة أي كائنين عليكم. وقيل: متعلق بحفظة وهو جمع حافظ ككتبة وكاتب. و {حَتَّىٰ } في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } هي التي يبتدأ بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها كأنه قيل: ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما يحفظون منكم مدة حياتكم حتى إذا انتهت مدة أحدكم وجاء أسباب الموت ومباديه {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } الآخرون المفوض إليهم ذلك وانتهى هناك حفظ الحفظة؛ والمراد بالرسل على ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أعوان ملك الموت، ونحوه ما أخرجاه عن قتادة قال: إن ملك الموت له رسل يباشرون قبض الأرواح ثم يدفعونها إلى ملك الملك. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبـي أن ملك الموت هو الذي يلي ذلك ثم يدفع الروح إن كانت مؤمنة إلى ملائكة الرحمة وإن كانت كافرة إلى ملائكة العذاب. والأكثرون على أن المباشر ملك الموت وله أعوان من الملائكة، وإسناد الفعل إلى المباشر والمعاون معاً مجاز كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم، وقد جاء إسناد الفعل إلى ملك الموت فقط باعتبار أنه المباشر وإلى الله تعالى باعتبار أنه سبحانه الآمر الحقيقي. وقد أشرنا فيما تقدم أن بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم قال: إن المتوفي تارة يكون / هو الله تعالى بلا واسطة وتارة الملك وتارة الرسل وغيره وذلك حسب اختلاف أحوال المتوفى. وعن الزجاج وهو غريب أن المراد بالرسل هنا الحفظة فيكون المعنى يرسلهم للحفظ في الحياة والتوفي عند مجىء الممات. وقرأ حمزة «توفاه» بألف ممالة. وقرىء في الشواذ "تتوفاه". {وَهُمْ } أي الرسل {لاَ يُفَرِّطُونَ} بالتواني والتأخير. وقرأ الأعرج {يفرطون} بالتخفيف من الإفراط وهو مجاوزة الحد وتكون بالزيادة والنقصان أي لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو نقصان. والجملة حال من {رُسُلُنَا} وقيل: مستأنفة سيقت لبيان اعتنائهم بما أمروا به.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وهو الذي يتوفَّاكم}تفسير : [الأنعام: 60]، وتقدّم تفسير نظيره آنفاً. والمناسبة هنا أنّ النوم والموت خلقهما الله فغلبا شِدّة الإنسان كيفما بلغت فبيَّن عقب ذكرهما أنّ الله هو القادر الغالب دون الأصنام. فالنوم قهر، لأنّ الإنسان قد يريد أن لا ينام فيغلبه النوم، والموت قهر وهو أظهر، ومن الكلم الحق: سبحان من قهر العباد بالموت. {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}. {ويرسل} عطف على {القاهر}، فيعتبر المسند إليه مقدّماً على الخبر الفعلي، فيدلّ على التخصيص أيضاً بقرينة المقام، أي هو الذي يرسل عليكم حفظة دون غيره. والقصر هنا حقيقي، فلا يستدعي ردّ اعتقاد مُخالف. والمقصود الإعلام بهذا الخبر الحقّ ليحذر السامعون من ارتكاب المعاصي. ومعنى (على) في قوله {عليكم} الاستعلاء المجازي، أي إرسال قهر وإلزام، كقوله: {أية : بعثنا عليكم عباداً لنا}تفسير : [الإسراء: 5]، لأنّ سياق الكلام خطاب للمشركين كما علمتَ، ومثله قوله تعالى: {أية : كلاّ بل تكذّبون بالدِّين وإنّ عليكم لحافظين}تفسير : [الإنفطار: 9، 10]. و{عليكم} متعلِّق بِـ {يرسل} فعلم، أنّ المراد بحفظ الحفظة الإحصاء والضبط من قولهم: حفظتُ عليه فعله كذا. وهو ضدّ نسيَ. ومنه قوله تعالى: {أية : وعندنا كتاب حفيظ}تفسير : [ق: 4]. وليس هو من حفظ الرعاية والتعهّد مثل قوله تعالى: {أية : حافظات للغيب بما حفظ الله}تفسير : [النساء: 34]. فالحفظة ملائكة وظيفتهم إحصاء أعمال العباد من خير وشرّ. وورد في الحديث الصحيح:«حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار»تفسير : الحديث. وقوله: {إذا جاء أحدَكم الموت} غاية لما دلّ عليه اسم الحفظة من معنى الإحصاء، أي فينتهي الإحصاء بالموت، فإذا جاء الوقت الذي ينتهي إليه أجل الحياة توفَّاه الملائكة المرسلون لقبض الأرواح. فقوله: {رسلُنا} في قوّة النكرة لأنّ المضاف مشتقّ فهو بمعنى اسم المفعول فلا تفيده الإضافة تعريفاً، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوفَّى رسلٌ غيرُ الحفظة المرسلين على العباد، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة أنّ الثانية غيرُ الأولى. وظاهر قوله: {توفّته رُسُلنا} أنّ عدداً من الملائكة يتولّى توفّي الواحد من الناس. وفي الآية الأخرى {أية : قل يَتوفَّاكم مَلَك الموت الذي وُكِّل بكم}تفسير : [السجدة: 11]، وسمِّي في الآثار عزرائيلَ، ونقل عن ابن عباس: أنّ لِملك الموت أعواناً. فالجمع بين الآيتين ظاهر. وعُلِّق فعل التوفِّي بضمير {أحدكم} الذي هو في معنى الذات. والمقصود تعليق الفعل بحال من أحوال أحدكم المناسب للتَّوفي، وهو الحياة، أي توفَّت حياتَه وختمتْها، وذلك بقبض روحه. وقرأ الجمهور {توفَّته} ـــ بمثناة فوقية بعد الفاء ـــ. وقرأ حمزة وحده {توفّاه رسلنا} وهي في المصحف مرسومة ـــ بنتْأة بعد الفاء ـــ فتصلح لأن تكون مثناة فوقية وأن تكون مثناة تحتية على لغة الإمالة. وهي التي يرسم بها الألفات المنقلبة عن الياءات. والوجهان جائزان في إسناد الفعل إلى جمع التكسير. وجملة: {وهم لا يفرّطون} حال. والتفريط: التقصير في العمل والإضاعة في الذوات. والمعنى أنَّهم لا يتركون أحداً قد تمّ أجله ولا يؤخّرون توفّيَه. والضمير في قوله: {رُدّوا} عائد إلى {أحد} باعتبار تنكيره الصادق بكلّ أحد، أي ثمّ يُردّ المتوفَّوْن إلى الله. والمراد رجوع الناس إلى أمر الله يوم القيامة، أي ردّوا إلى حكمه من نعيم وعذاب، فليس في الضمير التفات. والمولى هنا بمعنى السيد، وهو اسم مشترك يطلق على السيد وعلى العبد. و{الحقّ} ـــ بالجرّ ـــ صفة لـ {مولاهم}، لما في {مولاهم} من معنى مالكهم، أي مالكهم الحقّ الذي لا يشوب مِلكه باطلٌ يُوهن ملكه. وأصل الحقّ أنَّه الأمر الثابت فإن كلّ ملك غير ملك الخالقية فهو مشوب باستقلال مملوكه عنه استقلالاً تفاوتاً، وذلك يُوهن المِلك ويضعف حقّيّته. وجملة: {ألا لَهُ الحكمُ وهو أسرع الحاسبين} تذييل ولذلك ابتدىء بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر. والعرب يجعلون التذييلات مشتملة على اهتمام أو عموم أو كلام جامع. وقدّم المجرور في قوله {له الحكم} للاختصاص، أي له لا لغيره، فإن كان المراد من الحكم جنس الحكم فقصره على الله إمَّا حقيقي للمبالغة لعدم الاعتداد بحكم غيره، وإمَّا إضافي للردّ على المشركين، أي ليس لأصنامكم حكم معه، وإن كان المراد من الحكم الحساب، أي الحكم المعهود يوم القيامة، فالقصر حقيقي. وربَّما ترجَّح هذا الاحتمال بقوله عقبه: {وهو أسرع الحاسبين} أي ألاَ له الحساب، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخَّر جزاؤه. وهذا يتضمَّن وعداً ووعيداً لأنَّه لمَّا أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدّمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنَّهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة؛ فالصالحون لا يحبّون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعُجِّلت المسرّة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله: {وهو أسرع الحاسبين}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} الآية. لم يبين هنا ماذا يحفظون وبينه في مواضع أخر فذكر أن مما يحفظونه بدن الإنسان بقوله: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11]، وذكر أن مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر، بقوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الانفطار: 10-12]، وقوله: {أية : إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 17-18]، وقوله: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} تفسير : [الزخرف: 80].
د. أسعد حومد
تفسير : (61) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الغَالِبُ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ عَلَى العِبَادِ، يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِمْ ليْلاً وَنَهَاراً، يَحْفَظُونَ أَعْمَالَهُمْ، وَيُحْصُونَها، مَا دَامُوا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، وَلا يُفَرِّطُونَ فِي شَيءٍ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ أَجَلُهُ، تَوَفَّتْهُ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ المُوكَلُونَ بِذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لاَ يُقَصِّرُونَ فِيمَا يُوَكَّلُ إِلَيْهِمْ. لاَ يُفَرِّطُونَ - لاَ يَتَوَانَوْنَ وَلاَ يُقَصِّرُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والقاهر هو المتحكم بقدرة فائقة محيطة مستوعبة. ولقائل أن يقول: ما دام الحق هو القاهر فكيف يكفر الكافر وكيف يعصي العاصي؟. ونقول: إن الكافر يكفر بما خلق الله فيه من اختيار وكذلك تكون معصية العاصي. ولكن الحق أوجد في الإنسان اضطراريات وقهريات تدلنا على أنه سبحانه فعال لما يريد. ولا أحد من المتمردين على منهج الله يجرؤ أن يسحب هذا التمرد على ما يجريه الله عليه من مرض أو موت. والمتمرد أو الكافر إنما يختار من باطن الاختيار الذي خلقه الله فيه، والله هو الحاكم للميلاد والموت ولا شيء للإنسان فيهما، وكذلك هو سبحانه له تصريف أمور الغنى والفقر ولا يجرؤ متمرد على أن يتمرد على المصائب التي تحدث له وإن تمرد على منهج الله؛ لأن التمرد هو من باطن خلق الله للاختيار الذي أودعه في الإنسان. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]. وحين يتكلم الحق سبحانه عن ذاته ونفسه، قد يتكلم بضمير المتكلم. فيقول: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [طه: 14]. وقد يقول سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ومرة يتكلم عن ذاته بما نسميه نحن ضمير الغيبة مثل قوله هنا: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 61]. لأن ضمير المتكلم معه دليله، إنّ المتكلم يقول: أنا، ويخاطبك فيقول: أنت. لكن الذي يتكلم بضمير الغيبة لا بد أن يعود الضمير على مرجع لهذا الضمير. وحين يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه - سبحانه - يريد أن يبين لنا أنه في أجلىَ مجال المشاهدة والحضور؛ فكأنه إذا قال "هو" لا تنصرف إلا إلى ذاته العليا؛ فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو، ولذلك يقول: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1]. وسبحانه يقول: "هو" قبل أن يذكر المرجع، وهو "الله"؛ مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم، ولكنه يقول: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] فكأنه إذا أُطلِق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته. وحين يتكلم بضمير المتكلم نراه يتكلم عن ذاته بضمير الإفراد فيقول: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [طه: 14]. ويقول مرة أخرى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. لماذا؟. إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه، لأنه يتطلب علماً بما يتكلم به، ويتطلب قدرة لإبرازه، ويتطلب حكمة، ويتطلب صفات كثيرة، فإذا قال سبحانه: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. فالتنزيل فعل، والفعل يقتضي صفات متعددة. فلا بد أن يأتي بضمير التعظيم وهو الجمع؛ لأن كل صفات الكمال متجلية في التنزيل. ولكن إن تكلم عن الذات في التوحيد لا يأتي بضمير الجمع أبداً؛ لأنه يريد أن تنفي عن ذاته أنه متعدد؛ لأنه هو الواحد الذي لا شريك له، فحين يتكلم عن الذات يقول: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ ...} تفسير : [طه: 14]. وحين يتكلم عن الذكر يقول: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ...} تفسير : [الحجر: 9]. ففي مجال التعظيم والتنزيل الذي يتطلب تجلي كثير من صفاته - جل شأنه - يأتي بضمير الجمع، وفي التوحيد والتفرد ونفي الشريك يأتي بضمير الإفراد. هنا يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ...} [الأنعام: 61]. وكلمة "قاهر" إذا سمعتها تتطلب مقهوراً. وما دام هناك قاهر ومقهور ففي ذلك ميزانان بين مجالين. وما دام هو قاهراً ففي أي مجال وبأية طريقة سيكون الطرف الثاني مقهوراً له؟ إننا نعلم أن كل شيء في الكون مقهور له، فقد قهر العدم فأوجد، وقهر الوجود فأعدم. وقهر الغنى فأفقر، وقهر الفقر فأغنى. وقهر الصحة فأمرض، وقهر المرض فأصح. إذن فكل شيء في الوجود مقهور لله حتى الروح التي جعلها الله مصدر الحس والحركة للإنسان يقهرها سبحانه. فإذا جاء إنسان وقتل إنساناً آخر بأن ضربه على المكان الذي لا توجد عند عدمه وفقده حياة بأن أذهب صلاحيته للبقاء تنسحب الروح. وهذا يوضح لنا أن الروح في الجسم هي المسيطرة، لكن من ينقض البنية التي تسكنها الروح يُذْهبُ الروح ويخرجها من الجسم. ومرة يقهر المادة بالروح، فيأخذ الروح من غير آفة ومن غير أية إصابة ويتحول الجسم إلى رمّة. إذن فسبحانه يقهر الروح، ويقهر المادة، ولا توجد متقابلات في الوجود عالية ومتأبية ومتمردة عليه - سبحانه -: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 61]. والقاهر هو المتحكم بقدرة شاملة على المقهور. وانظر أي تقابل في الحياة تجده مديناً وخاضعا لصفة القهر. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} وكلمة "فوق" تقتضي مكانية. ولكن المكانية تحديد، وما دام القهر يتطلب قدرة فهل يعني ذلك أن القادر لا بد أن يكون في مكان أعلى؟ لأننا نجد - على سبيل المثال ولله المثل الأعلى - من يضع قنبلة تحت العمارة العالية ويقهر من فيها. إذن فالقهر لا يقتضي الفوقية المكانية، إذن فالفوقية المرادة هي فوقية الاستعلاء، ونحن عندما تكلمنا عن الحق سبحانه وتعالى أوضحنا أن نلتزم بإطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهو ذات لا ككل الذوات. وصفاته ليست ككل الصفات، وكذلك نأتي ونقول في فعله، وعلى سبيل المثال نجد خلق الله يحتاجون إلى زمن ويحتاجون إلى علاج، وكل جزئية من الفعل تحتاج إلى جزئية من الزمن، لكن هو سبحانه إذا فعل أيحتاج فعله إلى زمن؟ لا؛ لأنه لا يفعل بعلاج، ولا يجلس ليباشر العملية، إنما يفعل سبحانه بـ "كن"، إذن القهر في قوله: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} هو قهر الاستعلاء. ولذلك يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة لآخر رمضان ". تفسير : ففي آية ليلة ينزل فيها الله؟ ليلتك أم ليلة المقابل لك؟ أم الليلة التي تشرق الشمس فيها في مكان، وتغيب عن مكان آخر؟ إذن، فكل واحد من المليون من الثانية ينشأ ليل وينشأ نهار، وهكذا نعلم أن الله معك ومع غيرك، باسطا لك ولغيرك يده. {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} تفسير : [المائدة: 64]. لذلك لا تفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". تفسير : لا تفهم ذلك بتخصيص ليل معين أو نهار معين؛ لأن يده مبسوطة في كل زمان وفي كل مكان وليس كمثله شيء. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}. وعباده من مادة العين والباء والدال، ومفردها "عَبْد"، وجمعها يكون مرة "عبيداً" وأخرى "عِبادا". و"العباد" هم المقهورون لله فيما لا اختيار لهم فيه، وهم أيضاً المنقادون لحكم الله فيما لهم فيه اختيار؛ لأن الإنسان مقهور في بعض الأمور ولا تصرف له فيها: لا تصرف له في نَفَسه، ولا تصرف له في نبضات قلبه، ولا تصرف له في حركة المعدة، ولا تصرف له في حركة الأمعاء، ولا تصرف له في حركة الحالبين، ولا تصرف له في حركة الكُلْيَة، وكلها مسائل تشمل المؤمن والكافر، والكل مقهور فيها. إن من رحمة الله أننا مقهورون فيها ولا رأى لنا؛ لأنه لو كان لنا رأي في مثل هذه الأمور لكان لنا أن نسأل: كيف ننظم عملية تنفسنا في أثناء النوم؟. إذن فمن رحمة الله أن منع عنا الاختيار في بعض الأمور التي تمس حياتنا. ومن رحمة الله أن كلاًّ منا مقهور فيها، فمن يستطيع أن يقول لمعدته: اهضمي الطعام؟ ومن يستطيع أن يأمر الكلى بالعمل؟!!. إذن فكل أمر مقهور فيه الإنسان، هو فيه منقاد لله ولا اختيار له. أما الأمر الذي لك فيه اختيار فهو مناط التكليف. ولذلك لا يقول لك المنهج: "افعل" إلا وأنت صالح ألا تفعل، ولا يقول لك "لا تفعل" إلا وأنت صالح أن تفعل. إذن الأمور الاختيارية هي التي وردت فيها "افعل" و "لا تفعل". وهي الأمور التي فيها التكليف. ومن يطع ربنا في منهج التكليف يصبح وكأنه مقهور للحكم، ويكون ممن يسميهم الله "عباداً"، فكأنهم تنازلوا عن اختيارهم في الأحكام التكليفية، وقالوا: يارب لن نفعل إلا ما يريده منهجك. وكل منهم ينفذ حكم الله فيما له اختيار ألا ينفذه. أما العبيد فهم من يتمردون على التكليف، فالمؤمنون بالله هم عباده. ولذلك يقول الحق: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً...} تفسير : [الزمر: 53]. ويوضح سبحانه سمات هؤلاء العباد فيقول: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]. هؤلاء هم العباد الذين تنازلوا عن اختيارهم في الفعل، وقبلوا أن يكونوا مأمورين ومطيعين لله فيما كلفَّ به، وهم في الأمور التي لا اختيار لهم فيها يكونون مثل بقية الكائنات، فكل الخلق والكون عبيد الله، فيما لا اختيار لهم فيه أما المؤمنون به فهم عباد الله. ولكن آية واحدَة في القرآن وهي التي تثير بعض الجدل في مثل هذا الموضوع. ساعة يقول الحق سبحانه وتعالى عما يحدث في الآخرة: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ...} تفسير : [الفرقان: 17]. وكأن "عبادي" هنا أطلقت على الضالين، ويقول: نعم؛ لأن الكل في الآخرة عباد؛ إذ لا اختيار لأحد هناك. لكن في الدنيا فالمؤمنون فقط هم العباد، والكافرون عبيد لأنهم متمردون في الاختيارات. {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: 61]. ومع مجيء معنى القهر يرسل الحق حفظة، وإذا كان القهر يعني الغلبة والتملك والسيطرة والقدرة، فهو قهار على عباده وأيضاً يرسل عليهم حفظة. ويقول في موقع آخر: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ} تفسير : [الرعد: 11]. وهكذا يكون قهر الله لنا، لمصلحتنا نحن؛ لأن الضعيف حين يقهره جبار، يمكنه أن يقول: الله هو القهار الأعلى، وفي هذا تذكير للقوى نسبياً أن هناك قهاراً فوق كل الكائنات، فالله قهار فوق الجميع، وبذلك يرتدع القوي عن قهره، فيمتنع عن الذنب، وتمتنع عنه العقوبة، وفي ذلك رحمة له. {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: 61]. وجاء معنى "الحفظة" في القرآن في قوله الحق: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. فكل لفظ له رقيب عتيد، حفظة أي ملائكة يحفظون ويحصون أعمالكم ويسجلونها وهم الكرام الكاتبون، وكلما تقدم العلم أعطانا فهماً للمعاني الغيبية، وإن كانت المعاني الغيبية التي نستقبلها عن الله دليلنا فيها السماع، ففيه رقيب وعتيد يكتبان فقط، هكذا قال ربنا فآمنا بما قال وانتهت المسألة، وهذا هو المطلوب. ولذلك قال الحق: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3]. لأن الإيمان لو كان بالمشهد فما الفرق - إذن - بين الناس؟ إن الإيمان في كماله وقمته هو الإيمان بالغيب، فإذا قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. فهذا خبر عن الملائكة الذين يكتبون الحسنات، ويكتبون السيئات. وحين ننظر إلى البشر، نجدهم يتفاوتون ويرتفع بعض منهم على بعض في صفات وقدرات، وكلما تقدّم الزمن عرف الإنسان سِراً من أسرار الله يترقى به. وقديماً عندما صنعوا جهاز التسجيل كان حجمه كبيراً ثم تقدم العلم حتى صغر حجم المسجل، إذن كلما تقدمت الصنعة صغرت الآلة، لدرجة أنهم صنعوا مسجلاً يشبه الحبوب، وينثرونها في أي مكان عندما يريدون التقاط أسرار جماعة أو أسرار مجلس، إذن كلما قويت قدرة الصانع دقت الصنعة. فإذا نسبتها لله، فأين دقة الذي صنعته أنت بجانب دقة صنعة الله؟ فإذا كان واحد من البشر قد استطاع أن يأتي بمسجلات غير مرئية مع أن قدرته محدودة، وحكمته في الصنعة محدودة، فإذا قال ربك: إن هناك ملائكة لن تراهم وستحصى عليك أعمالك وهم غيب فقل على العين والرأس، وسبحانه القائل: {أية : كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 11]. وهنا يقول الحق: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} [الأنعام: 61]. وعندما أراد العلماء أن يعرِّفوا الموت قالوا: الموت سهم أرسل، وعمُرك بقدر سفره إليك، هو إذن سهم قد انطلق، لكن عمرك يُقدِّر بمقدار سفره إليك، وحين يقول الحق: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} فهو ينسب الموت لمن؟. لقد أبهم الله زمانه، وأبهم مكانه، وأبهم سببه، وأبهم قدره، وهذا الإبهام هو أشد أنواع البيان؛ لأنه ما دام قد أبهمه في كل هذه الأمور يجب أن نستعد للقائه في كل زمان، وفي كل مكان، وبأي سبب. وإياك أن تتعجب لأنه يحدث في أي سن، فإبهام الحق له هو أكبر بيان؛ لأنه سبحانه لو حدده زماناً أو سنّاً أو سبباً؛ لكان على الإنسان أن ينتظر الموت، لكن شاء هذا الابهام وهو أقوى أنواع البيان، ليلفتك ويحثك على أن تنتظره في أي زمان وفي أي مكان وبأي سبب وفي أي سن، وبهذا يكون الموت واضحاً أمامنا جميعاً، ولذلك تخشى ارتكاب أي ذنب حتى لا تقبض روحك وأنت على الذنب؛ لأنك لا تحب أن تلقى الله وأنت عاصٍ. وعندما يؤذن لصلاة الظهر ولم تصلِّه، قد تقول: إن وقته ممتد، وتجد من يقول لك: اضمن لي انك ستعيش إلى أن ينتهي وقت الظهر. حديث : ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: عندما سأله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قائلا: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيُّ؟ قال: بّر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" . تفسير : إنك لا تضمن من عمرك أن تعيش إلى آخر الوقت. ولذلك عندما نقول: إن الإبهامات من أقوى أنواع البيان فيجب أن نصدق ذلك؛ لأن البعض يقول: لماذا لم يبين الله لنا ذلك؟ ودائماً أقول: لقد أوضح الله ما أبهم، فإن الإبهام هو أقوى بيان، ألم نر إنساناً ذهب لطبيب ليعالجه في مسألة فكان الطبيب سبب موته؟ لقد رأينا ذلك. لقد أخذ هذا الإنسان بالأسباب ولم يمنع ذلك أن قدر الله قد نفذ فيه. ولذلك قال شوقي - رحمة الله عليه - : شعر : أسد لعمرك من يموت بظفره عند اللقاء كمن يموت بنابه إن نام عنك فكل طب نافع أو لم ينم فالطب من أذنابه تفسير : فقد يخطئ الطبيب - مثلاً - في إعطاء حقنة - فتنتهي الحياة ويقولون: خطأ الطبيب إصابة الأقدار. مصداقاً لقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61]. وعندما تأتي كلمة "توفّى" تجدها في القرآن دائرة على ثلاثة ألوان: اللون الأول هو قول الحق: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42]. وقوله سبحانه: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [السجدة: 11]. ومرة يقول الحق سبحانه: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61]. سبحانه - إذن - ينسب الموت له ولملك الموت، ولرسله. وهل الرسل يأخذون الأرواح ويقبضونها إلا بإذن من ملك الموت؟ إنهم جنوده، فلا أحد يميت دون إذن من الله، فأخذ الأرواح وقبضها إلى الله أمراً، وإلى ملك الموت وسيلة وواسطة، وإلى الرسل تنفيذاً. {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] من أين يأتي التفريط؟ لقد تقدم في هذه الآية شيئان اثنان: حفظة يحفظون عليك تصرفاتك وفعالك، وهم يأخذون الروح أيضاً. وهؤلاء الملائكة لا يفرطون في هذه المهمة أو تلك. وحين ننظر في مادة الـ "فاء"، والـ "الراء" والـ "الطاء" نجدها تأتي مرة "فرّط"، ومرة "أفرط". ومن العجيب أنها تأتي للمتقابلين؛ ففرَّط في الشيء أي أهمله، وأفرط في الشيء أي جاوز الحد والقدر في الحدث. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} أي لا يهملون ولا يقصرون. وفي إحدى قراءات القرآن نجد من يقرأ: "لا يفرطون" بالتخفيف، والمقصود أنهم لا يتجاوزون الحد. ولذلك نجد الحق يقول: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34]. ويقول الحق من بعد ذلك: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} معناهُ لا يَخَلُونَ شَيئاً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 267 : 6 : 7 - سفين عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم في قوله {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} قال، ملك الموت. [الآية 61]. 268 : 7 : 8 - سفين عن منصور عن إبراهيم قال، أعوان ملك الموت - ثم يقبضها ملك الموت منهم بعد.
همام الصنعاني
تفسير : 807- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ قتادةَ، في قوله تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}: [الآية: 61]، قال، تلي قبْضَتَها الرسلُ، ثم ترفعها إليْهِ. يقول: إلى ملك الموْتِ. 808- حدثنا عبد الرزاق، قال مَعْمَر، وقال الكلبي: إنَّ مَلك الموت هُوَ الذي يَلِي ذلك فيرفعه إن كان مؤمناً إلى ملائكة الرحمة، وإن كان كافراً إلى ملائكة العذاب. 809- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}: [الآية: 61]، قال: تَتَوَفّاه الرسل. ويقبض منهم ملك الموت الأنفس. 810- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، قال: وأخبرني الحسن بن عبد الله، عن إبراهيم، قال: هم أعوان ملك الموت. 811- حدثنا عبد الرزاق، قال الثوري، وأخبرين رجُل عن مجاهد قال: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطِسْتِ يتناول من حيث يشَاء وجعلت له أعوان يتوفون الأنْفُسَ ثم يَقبُضُها منهم. 812- حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرني مُحَمَّدُ بن مُسْلِمٍ، عَنْ إبرَاهيمَ بْنِ مَيْسَرة، عن مجاهد قال: مَا مِنْ أهْلِ بَيْتِ شعرٍ وَلاَ مَدَرٍ إلاَّ وملك الموت يَطُوفُ بهم كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):