٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ رُدُّواْ } أي الخلق {إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَٰهُمُ } مالكهم {ٱلْحَقِّ } الثابت العدل ليجازيهم {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ } القضاء النافذ فيهم {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ } يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {رُدُّواْ} ردتهم الملائكة الذين يتوفونهم، أو ردّهم الله بالبعث والنشور، أي ردّهم إلى تدبيره وحده، لأنه دبرهم عند النشأة وحده، ثم مكنهم من التصرف فدبروا أنفسهم، ثم ردّهم إلى تدبيره وحده بموتهم، فكان ذلك ردّاً إلى الحالة الأولى، أو ردّوا إلى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه إلا الله. {أَلا لَهُ الْحُكْمُ} بين عباده يوم القيامة وحده، أو له الحكم مطلقاً لأن من سواه يحكم بأمره فصار حكماً له.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّواْ} عطفٌ على توفته، والضمير للكلِّ المدلول عليه بأحدكم، وهو السرُّ في مجيئه بطريق الالتفات تغليباً، والإفرادُ أولاً والجمعُ آخِراً لوقوع التوفِّي على الانفراد والردِّ على الاجتماع أي ثم ردوا بعد البعث بالحشر {إِلَى ٱللَّهِ} أي إلى حكمه وجزائه في موقف الحساب {مَوْلَـٰهُمُ} أي مالكُهم الذي يلي أمورَهم على الإطلاق لا ناصرُهم كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد، الآية 11] {ٱلْحَقّ} الذي لا يقضي إلا بالعدل، وقرىء بالنصب على المدح {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} يومئذ صورةً ومعنى لا لأحد غيرِه بوجه من الوجوه {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ} يحاسب جميعَ الخلائق في أسرعِ زمانٍ وأقصره لا يشغَله حسابٌ ولا شأنٌ عن شأنٍ، وفي الحديث «حديث : إن الله تعالى يحاسب الكلَّ في مقدار حلْبِ شاة"تفسير : . {قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} أي قل تقريراً لهم بانحطاط شركائِهم عن رتبةِ الإلٰهيةِ مَنْ ينجِّيكم من شدائدهما الهائلةِ التي تُبطل الحواسَّ وتَدْحَض العقولَ، ولذلك استُعير لها الظلماتُ المبطلةُ لحاسةِ البصَر، يقال لليوم الشديد: يومٌ مظلم ويومٌ ذو كواكبَ أو من الخسف في البر والغرقِ في البحر، وقرىء ينْجيكم من الإنجاء والمعنى واحد وقوله تعالى: {تَدْعُونَهُ} نصبٌ على الحالية من مفعول (ينجِّيكم) والضميرُ (لمن) أي مَن ينجّيكم منها حال كونكم داعين له، أو من فاعله أي مَنْ ينجِّيكم منها حال كونه مدعواً من جهتكم وقوله تعالى: {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} إما حالٌ من فاعل تدعونه أو مصدرٌ مؤكِّد له، أي تدعونه متضرعين جِهاراً ومُسِرِّين أو تدعونه دعاءَ إعلانٍ وإخفاء، وقرىء (خِفية) بكسر الخاء وقوله تعالى: {لَّئِنْ أَنجَـٰنَا} حال من الفاعل أيضاً على تقدير القول أي تدعونه قائلين: لئن أنجيتنا {مِنْ هَـٰذِهِ} الشدة والورطة التي عبر عنها بالظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمةِ أو جميع النعماءِ التي من جملتها هذه، وقرىء لئن أنجانا مراعاة لقوله تعالى: {تَدْعُونَهُ} {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ} أُمر صلى الله عليه وسلم بتقرير الجواب مع كونه من وظائفهم للإيذان بأنه متعيِّنٌ عندهم، ولبناءِ قولِه تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} عليه، أي الله تعالى وحده ينجيكم مما تدعونه إلى كشفه من الشدائد المذكورةِ وغيرِها من الغموم والكُرَبِ ثم أنتم بعد ما تشاهدون هذه النعمَ الجليلةَ تشركون بعبادته تعالى غيرَه، وقرىء يُنْجيكم بالتخفيف.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} [الآية: 62]. قال بعضهم: هى أرجا آية فى كتاب الله، لأنه لا مرد للعبد أعز من أن يكون مرده إلى مولاه.
القشيري
تفسير : ردَّهم إلى نفسه. وما غابوا عن القبضة.
البقلي
تفسير : { ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} من شرفه وكرامته لا يتقيه فى سجن الدنيا وبليتها وابدى الملائكة الكاتبين علريه اعماله غيره على وليه لئى يطلع عليه غيره وفى الأية رجاء المذنبين وذلك تلطفه بهم حيث قال مولاهم الحق لو قال ثم ردوا الى الله ولم يقل مولاهم الحق لذابوا من عظمته وقهر كبريائه ولكن تعطف على عباده باضافة مولويته اليهم ولو قال هم موالى لكان عظيما خص ان قال مولاهم الحق اى حبيبهم وناصرهم الحق اذهب الامر من مقام الهيبة الى مقام الزلفة من قوله ردوا الى الله ثم قال مولاهم الحق قال بعضهم هى ارجى أية فى كتاب الله لانه لامر للعدب اعز من ان يكون مرده الى مولاه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم ردوا} عطف على توفته والضمير للكل المدلول عليه باحدكم اى ردوهم الملائكة بعد البعث {الى الله} اى الى حكمه وجزائه فى موقف الحساب فالرد الى الله ليس على ظاهره لكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة بل هو عبارة عن جعلهم منقادين لحكم الله تعالى مطيعين لقضائه بان يساقوا الى حيث لا مالك ولا حاكم فيه سواه {موليهم} اى مالكهم الذى يملك امورهم على الاطلاق واما قوله تعالى {أية : وأن الكافرين لا مولى لهم} تفسير : [محمد: 11]. فالمولى فيه بمعنى الناصر فلا تناقض وهو بدل من الجلالة {الحق} الذى لا يقضى الا بالعدل وهو صفة للمولى {الا} اى اعلموا وتنبهوا {له الحكم} اى القضاء بين العباد يومئذ لا حكم لغيره فيه بوجه من الوجوه {وهو أسرع الحاسبين} يحاسب جميع الخلائق فى اسرع زمان واقصره لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن لا يتكلم بآلة ولا يحتاج الى فكرة وروية وعقديد ومعنى المحاسبة تعريف كل واحد ما يستحقه من ثواب وعقاب. قال بعض العلماء المحاسبة لتقدير الاعمال والوزن لاظهار مقاديرها فيقدم الحساب على الميزان ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنة بلا حساب. واعلم ان الحشر والحساب لا يكون على وجه الارض وانما يكون فى الارض المبدلة وهى ارض بيضاء كالفضة لم يسفك فيهادم ولم يظلم عليها احد فاذا ثبت الحشر والحساب وان الله تعالى هو المحاسب وجب على العاقل ان يحاسب نفسه قبل ان يناقش فى الحساب لانه هو التاجر فى طريق الآخرة وبضاعته عمره وربحه صرف عمره فى الطاعات والعبادات وخسرانه صرفه فى المعاصى والسيآت ونفسه شريكه فى هذه التجارة وهى وان كانت تصلح للخير والشر لكنها اميل واقبل الى المعاصى والشهوات فلا بد له من مراقبتها ومحاسبتها: قال السعدى قدس سره شعر : توغافل درانديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بايمال
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} كما جاؤا منه {مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} يومئذٍ او مطلقاً {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} يعنى الزمهم الاقرار {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً} جهراً {وَخُفْيَةً} سرّاً قائلين {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ} تهديداً لهم {هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} كما بعث على قوم لوط بامطار الاحجار {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كغرق فرعون وقومه وخسف قارون {أَوْ يَلْبِسَكُمْ} يخلطكم {شِيَعاً} فرقاً مختلفى المسلك متخالفى الاهواء كلّ فرقة مشايعة لامام {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} بالمقاتلة والمدافعة والسّرقة وقطع الطّريق {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} آيات قدرتنا على التّفضّل على المؤمنين والانتقام من الكافرين عن الصّادق (ع) من فوقكم من السّلاطين الظّلمة ومن تحت ارجلكم العبيد السّوء ومن لا خير فيه، ويلبسكم شيعاً يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة والعصبيّة ويذيق بعضكم بأس بعضٍ هو سوء الجوار، وامثال هذا الخبر تريك طريق التّعميم فى الآيات وفى الالفاظ بما امكن ووسع اللّفظ.
الهواري
تفسير : قال: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ} يعني مالكهم، والحق اسم من أسماء {أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ}. ذكر بعضهم قال: يفرغ الله من القضاء بين الخلق [إذا أخذ في حسابهم] في قدر نصف يوم من أيام الدنيا. وفي تفسير الحسن: إذا أراد الله أن يعذّب قوماً في الدنيا كان حسابه إياهم، أي عذابه إياهم، أسرع من لمح البصر. قوله: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ} أي من كروب البر والبحر {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} أما التضرع فالخضوع، والخفية السّرّ بالتضرع {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ} الشدة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} يعني المؤمنين. قوله: {قُلِ اللهُ يُنْجِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} أي لا ينجي من الكرب إلا هو؛ أي كل كرب نجوتم منه فهو الذي أنجاكم منه. قال: {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}
اطفيش
تفسير : {ثم رُدُّوا إلى الله} إلى حكمه وجزائه أى ردهم الله إلى حكم الله وجزائه، أوردهم الملائكة إلى حكم الله وجزائه، وذلك بالبعث والسوق إلى موضع الحساب، والعطف على توفته رسلنا {مولاهم الحقّ} نعت لمولاهم، والحق اسم الله، أى مولاهم الثابت الذى ليس بباطل، أو مولاهم الذى يحكم بالعدل، وقد كانوا فى الدنيا يردون إلى حكام المبطلين، ويجازى به، وقرئ بنصب على المدح، كقولك: الحمد لله الحميد بنصب الحميد، ولا منافاة بين قوله تعالى: {مولاهم} أى مولى الكفار والمؤمنين، أو مولى الكفار، وقوله: {وإن الكافرين لا مولى لهم} لأن ما هنا بمعنى أنه تولى أمر الكافرين، أو الكافرين والمؤمنين بالجزاء، ومعنى لا مولى لهم لا ناصر لهم. {ألا لهُ الحُكْم} لا لغيره حين ردوا إليه جل وعلا {وهُو أسْرعُ الحاسِبينَ} أسرع من يحسب، لأنه لا يحتاج إلى فكر ولا عقد أصبع ونحوها، ويحاسب الخلق فى مقدار حلب شاة، ولو شاء لكان أقل لكمال علمه تعالى، ولا يشغله حساب عن حساب لكمال قدرته تعالى، قيل لعلى: كيف يحاسب الله العباد على كثرتهم؟ فقال: كما يزرقهم على كثرتهم، وقيل: كيف يحاسب الله العباد فى يوم واحد؟ فقال: كما يرزقهم فى الدنيا فى يوم واحد، والمراد باليوم الواحد فى الآخرة مقدار يوم من أيام الدنيا.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ رُدُّوا} للجزاء {إِلَى اللهِ} مقتضى الظاهر ثم رددتم إِلى الله بالخطاب الذى فى قوله أَحدكم، لكن ذكر بالغيبة تلويحاً باستحقاقهم الهجر، وكان بالجمع لأَن الرد إِلى الله بالجملة، ومجئ الموت والتوفى على الانفراد، والرد إِلى الله ردهم إِلى حكمه منقادين، أَو ردهم إِلى موضع لا حاكم فيه سواه تعالى عنه وسائر المواضع {مْوَلاَهُمُ} الذى يتولى أَمرهم بالعقاب، وأَما قوله عز وجل "أية : لا مولى لهم" تفسير : [محمد: 11] فمعناه لا ناصر لهم، وقيل: الضمير فى ردوا ومولاهم للناس كلهم، وهو مالكهم وخالقهم، يتولاهم بالثواب والعقاب، أَو خالقهم، أَو مالكهم، وزعم بعض أَن الضمير للرسل ملائكة الموت يموتون كما مات بنو آدم، وهو خلاف الظاهر، والموت لا بد لهم منه بيد ملك الموت، أَو مع أَعوانه ويأْمر الله تعالى ملك الموت بعد موت ذوات الأَرواح بالكون بين الجنة والنار، فيكون بينهما فيميته الله عز وجل، ويقبض الله أَرواح الحور والولدان بدون ملك، أَو بتوسط ملك الموت {الْحَقِّ} الثابت، أَو الذى لا يتصف بالباطل {أَلاَ لَهُ} لا لغيره {الحُكْمُ} يومئذ ظاهراً وحقيقة بخلاف الدنيا فقد يكون الحكم الظاهر فيها لغيره {وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ} يحساب الخلق فى أَقل من لحظة، لأَنه ليس يحاسبهم بفكر أَو عد أو عقد الأَصابع، تعالى عن ذلك، وما جاءَ من أَنه يحاسب الخلق فى مقدار حلب شاة تمثيل للقلة، َو شاءَ ذلك وهو قادر على أَقل، كما خلق السماوات والأَرض فى ستة أَيام وهو قادر على أَقل منها، ويدل للتمثيل ما جاءَ من أَنه يحاسبهم فى مقدار نصف نهار من أَيام الدنيا، وقيل: لكل أَحد ملك يحاسبه، وقيل: المؤمنون يحاسبهم الله، والكفار يحاسبهم الملائكة، لقوله تعالى: "أية : ولا يكلمهم الله" تفسير : [آل عمران: 77] ويرده أَن المعنى لا يكلمهم بما ينفعهم، أَلا ترى إِلى قوله: "أية : ثم نقول للذين أَشركوا"تفسير : [الأنعام: 22] وقوله: "أية : قال أَليس هذا بالحق"تفسير : [الأنعام: 30] إِلخ..
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ رُدُّواْ} عطف على { أية : تَوَفَّتْهُ } تفسير : [الأنعام: 61] والضمير ـ كما قيل ـ للكل المدلول عليه بأحد وهو السر في مجيئه بطريق الالتفات، والإفراد أولاً والجمع آخراً لوقوع التوفي على الانفراد والرد على الاجتماع. وذهب بعض المحققين أن فيه التفاتاً من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأن الرد يناسبه الغيبة بلا شبهة وإن لم يكن الرد حقيقة لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه سبحانه طرفة عين. ونقل الإمام القول بعود الضمير على الرسل أي أنهم يموتون كما يموت بنو آدم، والأول هو الذي عليه غالب المفسرين. والمراد: ثم ردوا بعد البعث والحشر أو من البرزخ {إِلَى ٱللَّهِ} أي إلى حكمه وجزائه أو إلى موضع العرض والسؤال {مَوْلَـٰهُمُ } أي مالكهم الذي يلي أمورهم على الإطلاق ولا ينافي ذلك قوله تعالى: { أية : وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 11] لأن المولى فيه بمعنى الناصر {ٱلْحَقّ} أي العدل أو مظهر الحق أو الصادق الوعد. وذكر حجة الإسلام قدس سره أن الحق مقابل الباطل وكل ما يخبر عنه فإما باطل مطلقاً وإما حق مطلقاً وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقاً والواجب بذاته هو الحق مطلقاً والممكن بذاته الواجب بغيره حق من وجه باطل من وجه، فمن حيث ذاته لا وجود له فهو باطل ومن جهة غيره مستفيد للوجود فهو حق من الوجه الذي يلي مفيد الوجود، فمعنى الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته الذي منه يؤخذ كل حقيقة وليس ذلك إلا الله تعالى، وهذا هو مراد القائل إن الحق هو الثابت الباقي الذي لا فناء له. وفي «التفسير الكبير» «أن لفظ المولى والولي مشتقان من [الوَلْيُ: أي] القرب وهو سبحانه القريب [البعيد...] ويطلق المولى أيضاً على المعتق وذلك كالمشعر بأنه جل شأنه أعتقهم من العذاب وهو المراد من قوله سبحانه «سبقت رحمتي غضبـي» وأيضاً أضاف نفسه إلى العبيد وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة، وأيضاً قال عز اسمه: {مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال سبحانه: { أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة وانتقل إلى تصرف المولى الحق» انتهى. وهو كما ترى. وادعى «أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية لأن صريحها يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله تعالى والميت مع كونه ميتاً لا يمكن أن يرد إلى الله تعالى لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة لتعاليه سبحانه عنهما بل يجب أن يكون مفسراً بكونه منقاداً لحكم الله تعالى مطيعاً لقضائه وما لم يكن حياً لا يصح هذا المعنى فيه فثبت أنه حصل هٰهنا موت وحياة أما الموت / فنصيب البدن فتبقى الحياة نصيب الروح ولما قال سبحانه: {رُدُّواْ} وثبت أن المردود هو الروح ثبت أن الإنسان ليس إلا هي وهو المطلوب، وكذا تشعر بكون الروح موجودة قبل التعلق بالبدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون لو كانت موجودة كذلك، ونظيره قوله سبحانه { أية : ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } تفسير : [الفجر: 28] وقوله تعالى: { أية : ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } تفسير : »[الأنعام: 60] ولا يخفى ما في ذلك فتدبر. وقرىء {ٱلْحَقّ} بالنصب على المدح. وجوز أن يكون على أنه صفة للمفعول المطلق أي الرد الحق فلا يكون حينئذ المراد به الله عز وجل والأول أظهر. {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} يومئذ صورة ومعنى لا لغيره بوجه من الوجوه. واستدل بذلك على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله تعالى حكم وهو أخذ الثواب وهو ينافي ما دلت عليه الآية من الحصر {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } يحاسب جميع الخلائق بنفسه في أسرع زمان وأقصره، ويلزم هذا أن لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن. وفي الحديث«حديث : أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة»تفسير : . وفي بعض الأخبار « حديث : في مقدار نصف يوم » تفسير : . وذهب بعضهم إلى أنه تعالى لا يحاسب الخلق بنفسه بل يأمر سبحانه الملائكة عليهم السلام فيحاسب كل واحد منهم واحداً من العباد. وذهب آخرون إلى أنه عز وجل إنما يحاسب المؤمنين بنفسه وأما الكفار فتحاسبهم الملائكة لأنه تعالى لو حاسبهم لتكلم معهم وذلك باطل لقوله تعالى في صفتهم: { أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } تفسير : [البقرة: 174] وأجاب الأولون عن هذا بأن المراد أنه تعالى لا يكلمهم بما ينفعهم فإن ظواهر الآيات ومنها ما تقدم في هذه السورة من قوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [الأنعام: 22] وقوله سبحانه: { أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } تفسير : [الأنعام: 30] تدل على تكليمه تعالى لهم في ذلك اليوم، ثم إن كيفية ذلك الحساب مما لا تحيط بتفصيلها عقول البشر من طريق الفكر أصلاً وليس لنا إلا الايمان به مع تفويض الكيفية وتفصيلها إلى عالم الغيب والشهادة. «وادعى الفلاسفة أن كثرة الأفعال وتكررها يوجب حدوث الملكات الراسخة وأنه يجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة بل يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في ذلك وحينئذ يقال: إن الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل فتكون الأيدي والأرجل شاهدة على الإنسان بمعنى أن تلك الآثار النفسانية إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح فكان ذلك الصدور جارياً مجرى الشهادة بحصول تلك الآثار في جواهر النفس. وأما الحساب فالمقصود منه استعلام ما بقي من الدخل والخرج، ولما كان لكل ذرة من الأعمال أثر حسن أو قبيح حسب حسن العمل وقبحه ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة فلا جرم كان بعضها معارضاً بالبعض وبعد حصول المعارضة يبقى في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد وقدر آخر من الذميم فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك وهو إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم وهو الآن الذي فيه فيقطع فيه تعلق النفس من البدن فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب». وزعم من نقل هذا عنهم أنه من تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية، وأنا أقول: شعر : راحت مشرقة ورحت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
د. أسعد حومد
تفسير : {مَوْلاَهُمُ} {ٱلْحَاسِبِينَ} (62) - ثُمَّ يُرَدُّ العِبَادُ، الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ، إِلَى اللهِ جَمِيعاً، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ تَعَالَى مَوْلاَهُمُ الحَقُّ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِعَدْلِهِ، وَهُوَ يَومْئَذٍ صَاحِبُ الحُكْمِ وَالقَوْلِ الفَصْلِ، وَهُوَ تَعَالَى أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "ردوا" تفيدا أن كان لهم التقاء به أولا، وبعد ذلك سوف يرجعون، كيف؟ لقد كانوا منه إيجاداً ثم ردوا إليه حسابا ثوابا وعقابا؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ...} تفسير : [طه: 55]. {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} وكلمة "مولى" تعني أنه هو الذي يليك، ولا يليك إلا من هو قريب منك. وهذا القريب قد يكون منْجدا لك إن حدث لك ما يفزعك وهو الذي يُعينك، وهكذا أخذت كلمة "مولى" معنى القريب، والناصر والمعين الذي تفزع إليه في شدائدك، وقد يوجد لك مولى في الدنيا وهو من الأغيار. ومن الجائز أن يتغير قلبه عليك، ومن الجائز أن تنالك الأحداث التي هي فوق قدرته وطاقته، ومن الجائز أن يكون لك مولى تنشده وتطلبه لنصرتك فيرفض؛ لأن خصْمك له بهذا المولى ولاء أقوى وأشد فيقف بجانب خصمك وقد يوهمك أنه معك لكن قلبه ليس معك. لكن هناك في الآخرة مولى حق واحد {رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} وتطلق كلمة "موْلى" على السيد حين يعتق عبده. وحين يعتقنا ربنا من النار أليس في ذلك أعظم ولاية؟. إنه المولى الحق، فلا توجد قوة أعلى منه وهو لا يتغير؛ لأن الأغيار من طبيعة الخلق. وحين يطلب منك الحق أن تُعمل عقلك لأنك حين تعتمد على واحد ينفعك في أمورك فأنت تتوكل عليه، وتطلب مساعدته، وهنا يأمرك الحق بأن تتوكل على الحي الذي لا يموت، ولا تتكل على واحد من الأغيار فقد يصبح الصباح فتجده قد خلا بك وتخلىّ عنك. أما إذا كان مولاك هو الحق فلن يخذلك. {ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ}. ولماذا جاء بكلمة "الحكم" هنا؟؛ لأننا في دنيا الأغيار قد يسند سبحانه بعض الأحكام إلى بعض خلقه؛ فهذا يحكم، وذلك يتصرف، وآخر يصدر قراراً بالتعيينات، وكلها أحكام، أما في الآخرة فالحق يقول: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وأنت في الدنيا تملك، ويكون رزق ابنك - على سبيل المثال - من يدك، وتملك أن تصدر قراراً بترقية من هو أقل منك، وتملك أن تخيط الثوب لغيرك إن كانت تلك مهنتك، ففي الدنيا كل منا يملك بعضاً من أسباب الآخر. لكن في الآخرة لا يوجد شيء من هذا: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وساعة تسمع "ألا له الحكم" فـ "ألا" في اللغة أداة تنبيه لما يأتي بعدها، ولماذا تأتي أداة التنبيه هنا؟ لأن الحكم القادم بعدها حكم مهم. والكلام - كما نعرف - واسطة بين متكلم ومستمع؛ لأن المتكلم ينقل أفكاره وخواطره توجد في خياله نسبة ذهنية، أي أنه يعايش مشروع الكلام ويتدبره قبل أن يتكلم، أما السامع فهو يفاجأ، وعندما تريد أن تقول أمراً مُهمٍّا فأنت تحاول أن تضمن انتباه السامع حتى لا تفلت منه أية جزئية من كلامك، فتقول: "ألا" لتشد انتباه السامع تماما. والحق هنا يقول: "ألا" ليأخذ انتباه السامع، ويأتي بعدها قوله: {لَهُ ٱلْحُكْمُ}. إذن: ساعة تسمع "ألا" فاعرف أن فيها تنبيهاً لأمر قادم {لَهُ ٱلْحُكْمُ}. والحكم: هو الفصل بين أمرين، ويختلف الفصل بين أمرين باختلاف الحاكم؛ فإن كان الحاكم له هوى فالحكم يميل، لكن الفصل بين الأمرين يجب أن يكون بلا هوى، فالحكم بالميزان يقتضي أن تكون له كفة هنا وكفة تقابلها، وساعة ما نضبط الميزان نحاول أن نوازن الكفتين لنفصل بين مسألتين ملتحمتين، وما دمنا نريد التساوي فنحن نسمي ذلك: الإنصاف، أي أن نقف في النصف دون ميل أو حيْف. {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ} وساعة يسمع إنسان {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ} فالواحد منا يعلم أنه سبحانه يحكم بين الخلق بداية من آدم إلى أن تنتهي الدنيا، وكل واحد منا تتشابك مسائله مع غيره، وما دام الله الحكم فليس لغيره معه حكم، ويحكم بين الخلق جميعاً وفعله لا يحتاج إلى زمن، ونتذكر هنا الإمام عليّا - كَرمّ الله وجهه - حين قالوا له: كيف يحاسب ربنا الناس جميعا في وقت واحد، وبمقدار حلب شاة كما قال بعضهم؟ فقال الإمام عليّ: "كما يرزقهم في وقت واحد يحاسبهم في وقت واحد"، وهذه مسألة سهلة ليس فيها أدنى صعوبة أبداً. وقديماً عندما كانوا ينيرون الطرقات كانوا يشعلون المسارج: هنا مسرجة، وهناك مسرجة، وعلى البعد مسرجة ثالثة، وكان الوقاد يمشي ليشعل المسارج.. إلخ، وارتقى العقل البشري المخلوق لله واستطاع أن ينير الطرقات بالطاقة الكهربائية أو الطاقة الشمسية وفي وقت واحد. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} معناهُ إِلى رَبِّهمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):