٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، وكمال الرحمة والفضل والإحسان. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ } بالتشديد في الكلمتين، والباقون بالتخفيف. قال الواحدي: والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمزة، وإن شئت نقلت بتضعيف العين: مثل: أفرحته وفرحته، وأغرمته وغرمته، وفي القرآن {أية : فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ }تفسير : [الأعراف: 72] وفي آية أخرى {أية : وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [فصلت: 18] ولما جاء التنزيل باللغتين معاً ظهر استواء القراءتين في الحسن، غير أن الاختيار التشديد، لأن ذلك من الله كان غير مرة، وأيضاً قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء والباقون بالضم، وهما لغتان، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف، وعن الأخفش في خفية وخفية أنهما لغتان، وأيضاً الخفية من الإخفاء، والخيفة من الرهب، وأيضاً {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} من هذه. قرأ عاصم وحمزة والكسائي {لَّئِنْ أَنجَـٰنَا} على المغايبة، والباقون {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا} على الخطاب، فأما الأولون: وهم الذين قرؤا على المغايبة، فقد اختلفوا. قرأ عاصم بالتفخيم، والباقون بالإمالة، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ، وما بعده مذكور بلفظ المغايبة، فأما ما قبله فقوله: {تَدْعُونَهُ } وأما ما بعده فقوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا} وأيضاً فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الإضمار، والتقدير: يقولون لئن أنجيتنا، والإضمار خلاف الأصل. وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ}. المسألة الثانية: {ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما. يقال: لليوم الشديد يوم مظلم. ويوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت كالليل، وحقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه، ويشتبه عليه كيفية الخروج، ويظلم عليه طريق الخلاص، ومنهم من حمله على حقيقته فقال: أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل، وظلمة البحر وظلمة السحاب، ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم الخوف، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم الأعداء، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب، والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى، وهذا الرجوع يحصل ظاهراً وباطناً، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى، وهو المراد من قوله: {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات، لكنه ليس كذلك، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة. يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية، ويقدم على الشرك، ومن المفسرين من يقول: المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان، وأنا أقول: التعلق بشيء مما سوى الله في طريق العبودية يقرب من أن يكون تعلقاً بالوثن، فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي، ولفظ الآية يدل على أن عند حصول هذه الشدائد يأتي الإنسان بأمور: أحدها: الدعاء. وثانيها: التضرع. وثالثها: الإخلاص بالقلب، وهو المراد من قوله: {وَخُفْيَةً } ورابعها: التزام الاشتغال بالشكر، وهو المراد من قوله: {لَئِنْ أَنجَـيتنا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } ثم بين تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف، ومن سائر موجبات الخوف والكرب. ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك، ونظير هذه الآية قوله: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } وقوله {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ } وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك. إذا شاهدوا الأمر الهائل أخصلوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي شدائدهما؛ يقال: يوم مظلم أي شديد. قال النحاس: والعرب تقول: يومٌ مظلِم إذا كان شديداً، فإن عظّمَتْ ذلك قالت: يوم ذو كواكب؛ وأنشد سيبويه:شعر : بَنِي أسدٍ هل تعلمون بلاءنا إذا كان يومٌ ذو كواكِب أشْنَعَا تفسير : وجمع «الظلمات» على أنه يعني ظلمة البرّ وظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة الغَيْم، أي إذا أخطأتم الطريق وخِفتم الهلاك دعوتموه {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ} أي من هذه الشدائد {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي من الطائعين. فوبّخهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ}. وقرأ الأعمش «وخِيفَة» من الخوف، وقرأ أبو بكر عن عاصم «خِفية» بكسر الخاء، والباقون بضمها، لغتان. وزاد الفراء خُفْوة وخِفْوة. قال: ونظيره حُبْية وحِبْية وحُبْوة وحِبْوة. وقراءة الأعمش بعيدة؛ لأن معنى «تضرُّعاً» أن تظهروا التذلل و«خفية» أن تُبطِنوا مثل ذلك. وقرأ الكوفيون «لئن أنجانا» وٱتساق المعنى بالتاء؛ كما قرأ أهل المدينة وأهل الشام. قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} وقرأ الكوفيون «يُنَجِّيكُمْ» بالتشديد، الباقون بالتخفيف. قيل: معناهما واحد مثل نجا وأنجيته ونجّيته. وقيل: التشديد للتكثير. والكرب: الغم يأخذ بالنفس؛ يقال منه: رجل مكروب. قال عنترة:شعر : ومكروبٍ كشفتُ الكرب عنه بطعنةِ فَيْصَلٍ لما دعانِي تفسير : والكُرْبة مشتقة من ذلك. قوله تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} تقريع وتوبيخ؛ مثل قوله في أوّل السورة {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ}. لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلاً منه وهو الإشراك؛ فحسُن أن يُقرَّعوا ويُوَبَّخُوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ممتناً على عباده؛ في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر، أي: الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له؛ كقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] الآية، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} تفسير : [يونس: 22] الآية، وقوله: {أية : أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ تَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النمل: 63] وقال في هذه الآية الكريمة {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} أي: جهراً وسراً {لَّئِنْ أَنجَـٰنَا} أي: من هذه الضائقة {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: بعدها، قال الله { قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ} أي بعد ذلك {تُشْرِكُونَ} أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى. وقوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} لما قال: ثم أنتم تشركون، عقبه بقوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً} أي: بعد إنجائه إياكم؛ كقوله في سورة سبحان: {أية : رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } تفسير : [الإسراء: 66 - 69] قال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هارون الأعور، عن جعفر بن سليمان، عن الحسن في قوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: هذه للمشركين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، ونذكر هنا الأحاديث، الواردة في ذلك والآثار، وبالله المستعان، وعليه التكلان وبه الثقة. قال البخاري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: { قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} يلبسكم: يخلطكم؛ من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا شيعاً فرقاً، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعوذ بوجهك» تفسير : {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: «حديث : أعوذ بوجهك» تفسير : {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذه أهون - أو: أيسر» تفسير : وهكذا رواه أيضاً في كتاب التوحيد، عن قتيبة عن حماد به، ورواه النسائي أيضاً في التفسير عن قتيبة، ومحمد بن النضر بن مساور، ويحيى بن حبيب بن عربي، أربعتهم عن حماد بن زيد، به، وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابراً، عن النبي صلى الله عليه وسلم به. ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة به، ورواه ابن جرير في تفسيره، عن أحمد بن الوليد القرشي، وسعيد بن الربيع، وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به، ورواه أبو بكر بن مردويه، من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد، وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به، ورواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، كلاهما عن عمرو بن دينار به. [طريق آخر] قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا مقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعوذ بالله من ذلك» تفسير : {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعوذ بالله من ذلك» تفسير : {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} قال: «حديث : هذا أيسر» تفسير : ولو استعاذه، لأعاذه. ويتعلق بهذه الآية، أحاديث كثيرة (أحدها): قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر، يعني: ابن أبي مريم، عن راشد، هو ابن سعد المقرئي، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} فقال: «حديث : أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد» تفسير : وأخرجه الترمذي عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم به، ثم قال: هذا حديث غريب. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، هو ابن عبيد، حدثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه عز وجل طويلاً، ثم قال: «حديث : سألت ربي ثلاثاً: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها»تفسير : انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن عبد الله بن نمير، وعن محمد بن يحيى بن أبي عمرو، عن مروان بن معاوية، كلاهما عن عثمان بن حكيم به. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عتيك: أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت: نعم، فقال: أخبرني بهن، فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، قال: صدقت، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة. ليس هو في شيء من الكتب الستة، إسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة. [حديث آخر] - قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن عباد، عن خصيف، عن عبادة بن حنيف، عن علي ابن عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات، فأطال فيهن، ثم التفت إلي، فقال: «حديث : حبستك يا حذيفة» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : إني سألت الله ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدواً من غيرهم، فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق، فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني»تفسير : ، رواه ابن مردويه من حديث محمد بن إسحاق. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: حدثنا عبيدة ابن حميد، حدثني سليمان بن الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لي: خرج قبل، قال: فجعلت لا أمر بأحد إلا قال: مرّ قبل، حتى مررت فوجدته قائماً يصلي، قال: فجئت حتى قمت خلفه، قال: فأطال الصلاة، فلما قضى صلاته، قلت: يا رسول الله قد صليت صلاة طويلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني صليت صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله عز وجل ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي غرقاً، فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فردها علي» تفسير : ورواه ابن ماجه في الفتن عن محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش به، ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، أو نحوه. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج: أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أنس بن مالك: أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف، قال: «حديث : إني صليت صلاة رغبة ورهبة، وسألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين، ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم، ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً، فأبى علي»تفسير : ، ورواه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب به. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال الزهري: حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب، عن أبيه خباب بن الأرت مولى بني زهرة، وكان قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: وافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة صلاها كلها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، فقلت: يا رسول الله لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أجل إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يلبسنا شيعاً، فمنعنيها»تفسير : ورواه النسائي: من حديث شعيب بن أبي حمزة به، ومن وجه آخر. وابن حبان في صحيحه بإسناديهما، عن صالح بن كيسان. والترمذي، في الفتن، من حديث النعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري به، وقال: حسن صحيح. [حديث آخر] - قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره: حدثني زياد بن عبد الله المزني، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا أبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: «حديث : قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله عز وجل فيها ثلاثاً، أعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم، فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها» تفسير : قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمع هذا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم، أنه سمعها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال معمر: أخبرني أيوب عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عز وجل أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً ممن سواهم، فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً»تفسير : ، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة» تفسير : ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن زيد، وعباد بن منصور، وقتادة، ثلاثتهم عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، والله أعلم. [حديث آخر] - قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي، قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه، قال: وكان أبوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أصحاب الشجرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى والناس حوله، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، قال: فجلس يوماً، فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض: أن اسكتوا؛ إنه ينزل عليه، فلما فرغ، قال له بعض القوم: يا رسول الله لقد أطلت الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنه ينزل عليك، قال: «حديث : لا، ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم، فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدواً يستبيحها، فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً، وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها» تفسير : قال: قلت له: أبوك سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد أصابعي هذه عشر أصابع. [حديث آخر] - قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، هو ابن محمد المؤدب، حدثنا ليث، هو ابن سعد، عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سألت ربي عز وجل أربعاً، فأعطاني ثلاثاً، ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم، فأعطانيها، وسألت الله عز وجل أن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها» تفسير : لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. [حديث آخر] - قال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السوائي، عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، فقلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعاً، فقال: هذه لك، قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم، يعني: أهل الشرك، فيجتاحهم، قال: ذلك لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم - قال: - فمنعني هذه»تفسير : [حديث آخر] قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد ابن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دعوت ربي عز وجل أن يرفع عن أمتي أربعاً، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبى عليّ أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج»تفسير : [طريق أخرى] عن ابن عباس أيضاً، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد، حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن منير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عمرو بن قيس، عن رجل، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم قال: «حديث : اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعاً، ولا تذق بعضهم بأس بعض» تفسير : قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله قد أجار أمتك، أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم. [حديث آخر] - قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزار، حدثنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا أسباط عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سألت ربي لأمتي أربع خصال، فأعطاني ثلاثاً، ومنعني واحدة: سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة، فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، عن عمرو بن محمد العنقزي به نحوه. [طريق أخرى] - وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني، حدثني الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدواً من غيرهم، فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بالسنين، فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعني» تفسير : ثم رواه ابن مردويه بإسناده، عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ورواه البزار من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. [أثر آخر] قال سفيان الثوري: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: أربعة في هذه الأمة، قد مضت اثنتان، وبقيت اثنتان، {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال: الرجم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: الخسف {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال سفيان: يعني: الرجم والخسف، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: فهي أربع خلال، منها اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعاً، وذاق بعضهم بأس بعض. وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان، الرجم والخسف، ورواه أحمد عن وكيع، عن أبي جعفر. ورواه ابن أبي حاتم؛ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب عن الحسن في قوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ} الآية، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها، أرسلت عقوبتها، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك، والسدي، وابن زيد، وغير واحد في قوله: {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} يعني: الرجم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} يعني: الخسف، وهذا هو اختيار ابن جرير، وروى ابن جرير: عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: كان عبد الله بن مسعود يصيح، وهو في المسجد أو على المنبر، يقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} لو جاءكم عذاب السماء، لم يبق منكم أحداً، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} لو خسف بكم الأرض، أهلككم، ولم يبق منكم أحداً، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. [قول ثان] - قال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، سمعت خلاد بن سليمان يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ}: فأئمة السوء، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: فخدم السوء، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} يعني: أمراءكم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} يعني: عبيدكم وسفلتكم، وحكى ابن أبي حاتم عن أبي سنان وعمير بن هانىء، نحو ذلك. قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح، لكن الأول أظهر وأقوى، وهو كما قال ابن جرير رحمه الله، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: { أية : أَءَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } تفسير : [الملك:16-17] وفي الحديث: «حديث : ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ» تفسير : وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وقوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} يعني: يجعلكم متلبسين شيعاً فرقاً متخالفين. وقال الوالبي عن ابن عباس: يعني: الأهواء، وكذا قال مجاهد وغير واحد، وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» تفسير : وقوله تعالى: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال ابن عباس وغير واحد: يعني: يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل. وقوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي: نبينها ونوضحها مرة ونفسرها، {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه. قال زيد بن أسلم: لما نزلت: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف» تفسير : قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : فقال بعضهم: لا يكون هذا أبداً أن يقتل بعضنا بعضاً ونحن مسلمون، فنزلت: { ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } يا محمد لأهل مكة {مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } أهوالهما في أسفاركم حين {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً } علانية {وَخُفْيَةً } سراً تقولون {لَئِنْ } لام قسم {أَنْجَيْتَنَا } وفي قراءة «أنجانا» أي الله {مِنْ هَٰذِهِ } الظلمات والشدائد {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ } المؤمنين.
الشوكاني
. تفسير : قيل: المراد بظلمات البرّ والبحر: شدائدهما. قال النحاس: والعرب تقول يوم مظلم إذا كان شديداً، فإذا عظمت ذلك قالت: يوم ذو كوكب، أي يحتاجون فيه لشدّة ظلمته إلى كوكب، وأنشد سيبويه:شعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا تفسير : والاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي من ينجيكم من شدائدهما العظيمة؟ قرأ أبو بكر عن عاصم "خفية" بكسر الخاء. وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ الأعمش "وَخِيفَةً" من الخوف. وجملة {تَدْعُونَهُ } في محل نصب على الحال، أي من ينجيكم من ذلك حال دعائكم له دعاء تضرّع وخفية، أو متضرّعين ومخفين. والمراد بالتضرّع هنا: دعاء الجهر. قوله: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا } كذا قرأ أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ الكوفيون "لَّئِنْ أَنجَـٰنَا" والجملة في محل نصب على تقدير القول، أي قائلين لئن أنجيتنا من هذه الشدّة التي نزلت بنا، وهي الظلمات المذكورة {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لك على ما أنعمت به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد. قوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ } قرأ الكوفيون وهشام "يُنَجّيكُمْ" بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، وقراءة التشديد تفيد التكثير. وقيل: معناهما واحد، والضمير في {مِنْهَا } راجع إلى الظلمات. والكرب: الغم يأخذ بالنفس، ومنه رجل مكروب. قال عنترة:شعر : ومكروب كشفت الكرب عنه بطعنة فيصل لما دعاني تفسير : {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } بالله سبحانه بعد أن أحسَن إليكم بالخلوص من الشدائد، وذهاب الكروب، شركاء لا ينفعونكم ولا يضرّونكم، ولا يقدرون على تخليصكم من كل ما ينزل بكم، فكيف وضعتم هذا الشرك موضع ما وعدتم به من أنفسكم من الشكر؟ ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم: {هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً} أي الذي قدر على إنجائكم من تلك الشدائد، ودفع عنكم تلك الكروب، قادر على أن يعيدكم في شدّة ومحنة وكرب، يبعث عذابه عليكم من كل جانب. فالعذاب المبعوث من جهة الفوق: ما ينزل من السماء من المطر والصواعق. والمبعوث من تحت الأرجل: الخسف والزلازل والغرق. وقيل: {مّن فَوْقِكُمْ } يعني الأمراء الظلمة {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } يعني السفلة، وعبيد السوء. قوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } قرأ الجمهور بفتح التحتية، من لبس الأمر: إذا خلطه. وقرأ أبو عبد الله المديني بضمها، أي يجعل ذلك لباساً لكم. قيل والأصل: أو يلبس عليكم أمركم، فحذف أحد المفعولين مع حرف الجرّ كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ}تفسير : [المطففين: 3]. والمعنى: يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي النحل متفرقي الآراء. وقيل: يجعلكم فرقاً يقاتل بعضكم بعضاً. والشيع: الفرق، أي يخلطكم فرقاً. قوله: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } أي يصيب بعضكم بشدّة بعض من قتل وأسر ونهب {وَيُذِيقَ } معطوف على {يَبْعَثَ }، وقرىء "نذيق" بالنون {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلأيَـٰتِ } نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } الحقيقة فيعودون إلى الحق الذي بيناه لهم بيانات متنوّعة. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } يقول: من كرب البرّ والبحر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسير الآية عن ابن عباس قال: يقول إذا أضلّ الرجل الطريق دعا الله لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } قال: يعني من أمرائكم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } يعني سفلتكم {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } يعني بالشيع: الأهواء المختلفة {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه من وجه آخر في تفسير الآية قال: {عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } أئمة السوء {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: خدم السوء. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً من وجه آخر قال: {مّن فَوْقِكُمْ } من قبل أمرائكم وأشرافكم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: من قبل سفلتكم وعبيدكم. وأخرج عبد ابن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي مالك {عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } قال: القذف {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: الخسف. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد أيضاً {مّن فَوْقِكُمْ } قال: الصيحة والحجارة والريح {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: الرجفة والخسف، وهما عذاب أهل التكذيب {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال: عذاب أهل الإقرار. وأخرج البخاري وغيره، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعوذ بوجهك"تفسير : {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: "حديث : أعوذ بوجهك" تفسير : {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال: "حديث : هذا أهون و أيسر». تفسير : وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم، من حديث طويل عن ثوبان، وفيه: «حديث : وسألته أن لا يسلط عليهم عدوّاً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها»تفسير : . وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال: حديث : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيهما، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها»تفسير : . وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، من حديث جابر بن عتيك نحوه. وأخرج نحوه أيضاً ابن مردويه، من حديث أبي هريرة. وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة وابن مردويه، من حديث حذيفة بن اليمان نحوه. وأخرج أحمد والنسائي، وابن مردويه، عن أنس نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي في هذه الآية: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } فقال النبي: "حديث : أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد"تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والضياء في المختارة، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال: هنّ أربع وكلهنّ عذاب وكلهنّ واقع لا محالة. فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً، وذاق بعضهم بأس بعض؛ وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قَلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العذاب الذي من فوقهم الرجم، والذي من تحت أرجلهم الخسف، قاله ابن جبير، ومجاهد، وأبو مالك. والثاني: أن العذاب الذي من فوقهم أئمة السوء، والعذاب الذي من تحت أرجلهم عبيد السوء، قاله ابن عباس. والثالث: أن الذي من فوقهم الطوفان، والذي من تحت أرجلهم الريح، حكاه علي بن عيسى. ويحتمل أن العذاب الذي من فوقهم طوارق السماء التي ليست من أفعال العباد لأنها فوقهم، والتي من تحت أرجلهم ما كان من أفعال العباد لأن الأرض تحت أرجل جميعهم. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} فيه تأويلان: أحدهما: أنها الأهواء المُخْتَلَقَة، قاله ابن عباس. والثاني: أنها الفتن والاختلاف، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أي يسلط عليكم أتباعكم الذين كانوا أشياعكم، فيصيروا لكم أعداء بعدما كانوا أولياء، وهذا من أشد الانتقام أن يستعلي الأصاغر على الأكابر. روي أن موسى بن عمران عليه السلام دعا ربه على قوم فأوحى الله إليه: أو ليس هذا هو العذاب العاجل الأليم. هذا قول المفسرين من أهل الظاهر، وَتَأَوَّلَ بعض المتعمقين في غوامض المعاني {عَذَاباً مِن فَوقِكُمْ} معاصي السمع والبصر واللسان {أَوْمِن تَحْتِ أَرْجلِكُمْ} المشي إلى المعاصي حتى يواقعوها، وما بينهما يأخذ بالأقرب منهما {أَوَيَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} يرفع من بينكم الأُلفة. {وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} تكفير أهل الأهوال بعضهم بعضاً، وقول الجمهور: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} يعني بالحروب والقتل حتى يفني بعضهم بعضاً، لأنه لم يجعل الظفر لبعضهم فيبقى. {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ} يحتمل وجهين: أحدهما: نفصل آيات العذاب وأنواع الانتقام. والثاني: نصرف كل نوع من الآيات إلى قوم ولا يعجزنا أن نجمعها على قوم. {لَعَلَّهُم يَفْقَهُونَ} أي يتعظون فينزجرون. واختلف أهل التأويل في نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها في أهل الصلاة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأن نزولها شق على النبي صلى الله عليه وسلم، [فقام] فصلى صلاة الضحى وأطالها فقيل له: ما أطلت صلاة كاليوم، فقال: "حديث : إِنَّهَا صَلاَةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُجِيرَنِي مِنْ أَرْبعٍ فَأَجَارَنِي مِنْ خَصْلَتِينِ وَلَمْ يُجِرْنِي مِنْ خَصْلَتَينِ: سَأَلْتُهُ أَلاَّ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذَابٍ مِنْ فَوقِهِم كَمَا فَعَلَ بِقَومِ نُوْحٍ، وَبِقَومِ لُوطٍ فَأَجَارَنِي، وَسَأَلْتُهُ أَلاَّ يَهْلِكَ أُمَّتِي بعذَاب مِنْ تَحْتِ أَرْجلِهِم كَمَا فَعَلَ بِقَارُونَ فَأَجَارنِي، وَسَأَلْتُهُ أََلاَّ يُفَرِّقَهُمْ شِيَعاً فَلَمْ يُجِرْنِي، وَسَأَلْتُهُ أَلاَّ يُذِيقَ بَعْضَهُم بَأْسَ بَعْضٍ فَلَمْ يُجِرْنِي" تفسير : وَنَزَلَ عَلَيهِ قَولُه تعالى: {أية : الم أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 221] والقول الثاني: أنها نزلت في المشركين، قاله بعض المتأخرين.
ابن عطية
تفسير : هذا تماد في توبيخ العادلين بالله الأوثان، وتوقيفهم على سوء الفعل في عبادتهم الأصنام وتركهم الذي ينجي من المهلكات ويلجأ إليه في الشدائد، و {من} استفهام رفع بالابتداء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "من ينَجّيكم قل الله يَنجّيكم" بتشديد الجيم وفتح النون، وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر عنه وحميد بن قيس ويعقوب "ينْجِيكم" فيها بتخفيف الجيم وسكون النون، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد في الأولى والتخفيف في الثانية فجمعوا بين التعدية بالألف والتعدية بالتضعيف كما جاء ذلك في قوله تعالى: {أية : فمهِّل الكافرين أمْهِلهم رويداً} تفسير : [الطارق:17] و {ظلمات البر والبحر} يراد به شدائدهما، فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد بظلمة حقيقية وما كان بغير ظلمة، والعرب تقول عام أسود ويوم مظلم ويوم ذو كواكب ونحو هذا يريدون به الشدة، قال قتادة: المعنى من كرب البر والبحر، وقاله الزجّاج و {تدعونه} في موضع الحال و {تضرعاً} نصب على المصدر والعامل فيه {تدعونه} ، والتضرع صفة بادية على الإنسان، {وخفية} معناه الاختفاء والسر، فكأن نسق القول: تدعونه جهراً وسراً هذه العبارة بمعان زائدة، وقرأ الجميع غير عاصم: "وخُفية" بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "وخِفية" بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: "وخيفة" من الخوف وقرأ الحجازيون وأهل الشام: "أنجيتنا"، وقرأ الكوفيون "أنجانا" على ذكر الغائب، وأمال حمزة والكسائي الجيم، و {من الشاكرين} أي على الحقيقة، والشكر على الحقيقة يتضمن الإيمان، وحكى الطبري في قوله {ظلمات} أنه ضلال الطرق في الظلمات ونحوه المهدوي أنه ظلام الليل والغيم والبحر. قال القاضي أبومحمد: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو لفظ عام لأنواع الشدائد في المعنى، وخص لفظ "الظلمات" بالذكر لما تقرر في النفوس من هول الظلمة، وقوله تعالى: {قل الله ينجيكم} الآية: سبق في المجادلة إلى الجواب، إذ لا محيد عنه، {ومن كل كرب} لفظ عام أيضاً ليتضح العموم الذي في الظمات، ويصح أن يتأول من قوله {ومن كل كرب} تخصيص الظلمات قبل، ونص عليها لهولها، وعطف في هذا الموضع بـ {ثم} للمهلة التي تبين قبح فعلهم، أي ثم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققكم به أنتم تشركون.
ابن عادل
تفسير : وهذا نوع آخر من الدلالة على كمالِ القُدرةِ الإلهية، وكمال الرحمة والفَضْلِ والإحسان. وقرأ السبعة هذه مشدّدة: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم} [الأنعام:64] قرأها الكوفيون وهشام بن عامر عن ابن عامر مشددة كالأولى. وقرأ الثِّنْتينِ بالتخفيف من "أنْجَى" حُمَيْدُ بن قيس، ويعقوب، وعلي بن نَصْرٍ عن أبي عمرو، وتحصَّل من ذلك أن الكوفيين وهشاماً يثقلون في الموضعين، وأن حميداً ومن مَعَهُ يُخَفِّفُونَ فيهما، وأن نافعاً، وابن كثير، وأبا عمرو، وابن ذكوان عن ابن عامرٍ يُثَقِّلُون الأولى، ويُخَفِّفُون الثانية، والقراءات واضحة، فإنها من: نجَّى وأنْجى، فالتضعيف والهمزة كلاهما للتَّعديَةِ. فالكوفيون وهشام التَزَمُوا التَّعْديةَ بالتضعيف، وحميد وجماعته التَزَمُوهَا بالهمزة. والباقون جمعوا بين التَّعديتين جمعاً بين اللُّغَتَيْنِ كقوله تعالى: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق:17]. والاستفهام للتقرير والتَّوْبيخ، وفي الكلام حَذفُ مضاف، أي: مِنْ مهالِكِ ظُلُمات، أو من مخاوفها، والظلمات كِنَايةٌ عن الشدائد والأهوال إذا سافروا في البرِّ والبَحْرِ. قوله: "تَدْعُونَهُ" في مَحَلِّ نصب على الحال، إما من مفعول "ينجيكم"، وهو الظاهر، أي: ينجيكم داعين إيَّاه، وإما من فاعله، أي: مدعُوَّاً من جهتكم. قوله: {تَضَرُّعاً وخُفْيَةٌ} يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنهما مصدران في موضع الحالِ، أي: تدعونه مُتَضَرِّعين ومُخْفِينَ. والثاني: أنها مصدارن من معنى العامل لا من لفظه كقولك: قعدت جُلُوساً. وقرأ الجمهور: "خُفْيَةً" بضم الخاء، وقرأ أبو بكر بكسرها، وهما لغتانِ، كالعُدْوِةِ والعِدْوةِ، والأسْوَة والإسْوَة. وقرأ الأعمش: "وخيفة" كالتي في "الأعراف" وهي من الخَوْفِ، قُلِبَتْ "الواو" ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون مفعولاً من أجله لولا ما يَأبَاهُ "تَضرُّعاً" من المعنى. قوله: "لَئِنْ أنْجَيْتَنَا" الظاهر أن هذه الجملة القسميَّةَ تفسير للدُّعاءِ قبلها ويجوز أن تكون مَنْصُوبَةً المَحلِّ على إضمار القول، ويكون ذلك القول في محلِّ نصب على الحال من فاعل "تدعونه" أي: تدعونه قائلين ذلك، وقد عرف مما تقدَّم غير مرَّةٍ كيفية اجتماع الشرط والقسم. وقرأ الكوفيون "أنْجَانَا" بلفظ الغَيْبَةِ مُرَاعَاةً لقوله "تَدْعُونَهُ" والباقون "أنجيتَنَا" بالخطاب حكاية لخطابِهِمْ في حالة الدعاء، وقد قرأ كُلٌّ بما رسم في مصحفه، فإن في مصاحف "الكوفة": أنْجَانَا"، وفي غيرها: "أنْجَيْتَنَا". قوله: "مِنْ هَذِهِ" متعلِّقٌ بالفعل قَبْلَهُ، و"مِنْ" لابتداء الغاية، و"هذه" اشارةٌ إلى الظُّلماتِ، لأنها تجري مجرى المؤنثة الواحدة، وكذلك في "منها" تعود على الظلمات. وقوله: {ومِنْ كُلِّ كَرْبٍ} عطف على الضمير المجرور بإعادةِ حرف الجر، وهو واجب عند البصريين، وقد تقدَّم. و"الكَرْبُ" غاية الغَمِّ الذي يأخذ النَّفْسَ. قوله: "ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ" يريد أنهم يُقِرُّونَ أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي يُنَجِّيهم، ثم يشركون معه الأصنامَ التي علموا أنها لا تضر ولا تنفع.
البقاعي
تفسير : ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته، ذكرهم أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها، فكانوا كمن طلب من شخص شيئاً وأكد له الميثاق على الشكر، فلما أحسن إليه بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر، وذلك عندهم في غاية من القبائح لا توصف فقال: {قل} أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال {من ينجيكم} أي كثيراً وعظيماً {من ظلمات البر والبحر} أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا جبل ولا غيرهما، أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن صاحبها يكون كأنه في أشد ظلام، فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة بنوع وسيلة {تدعونه} أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل شرك وشريك لزوال الحظوظ عند إحاطة الرعب واستيلائه على مجامع القلب، فلا يبقى إلا الفطرة السليمة؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: {تضرعاً} أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر، وحقيقته الخشوع {و} قوله: {خفية} أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون؛ قال شمر: يقال: ضرع له وهو ضارع بيّن الضراعة، وهؤلاء قوم ضرع، أي أذلاء، وهم ضرعة أي متضرعون، والتضرع إلى الله: التخشع إليه والتذلل، وإذا كان الرجل مختل الجسم قلت: إنه لضارع الجسم بيّن الضروع، وفي الذل بين الضراعة - انتهى. ولما بين وصفهم وقت الدعاء، بين قولهم إذ ذاك فقال: {لئن أنجانا من هذه} فأكدوا وخصوا وبينوا غاية البيان {لنكونن من الشاكرين *} أي العريقين في الشكر؛ ولما كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله، ولكنهم يكفرون نعمته، عدوا منكرين فأمره بالجواب غير منتظر لجوابهم بقوله: {قل الله} أي الذي له جميع العظمة {ينجيكم منها} أي من تلك الشدة {ومن كل كرب} أي وقعتم فيه، وما أعظم موقع قولُه: {ثم أنتم} مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ومع التزام الشكر {تشركون *} مشيراً إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي مع ما فيه من الجِناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون. ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء، فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال: {قل هو} أي وحده {القادر} ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص، على أن التعريف يفيد به المبالغة {على أن يبعث} أي في أيّ وقت يريده {عليكم} أي في كل حالة {عذاباً من فوقكم} بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم {أو من تحت أرجلكم} أي بالخسف أو إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع لبعض من سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم {أو يلبسكم} أي يخلط بينكم حال كونكم {شيعاً} أي متفرقين، كل شيعة على هوى، فيكون ذلك سبباً للسيف {ويذيق بعضكم} أي بعض تلك الشيع {بأس بعض} فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه، فكيف بملك الملوك علام الغيوب! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. وقال: حسن غريب، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان {أية : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك} تفسير : [الفرقان: 10]. ولما كان هذا بياناً عظيماً، أشار إلى عظمه بقوله: {انظر} وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال {كيف نصرف الآيات} أي أي نكررها موجهة في جميع الوجوه البديعة النافعة البليغة {لعلهم يفقهون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به، كان هذا {و} الحال أنه {كذب به} أي هذا العذاب أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب المبينة للخلق جميع ما ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه {قومك} أي الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسروا بسيادتك، فإن القبيلة إذا ساد أحدها عزت به، فإن عزه عزها وشرفه شرفها، ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة، وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها فإن عاره لاحق بها، فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع، وزاد ذلك بقوله: {وهو} أي والحال أنه {الحق} أي الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله. ولما كان الإنسان ربما حصل له اللوم بسبب قومه, كان صلى الله عليه وسلم في هذا المقام بمعرض أن يخاف عاقبة ذلك ويقول: فماذا أصنع بهم؟ فقال تعالى معلماً أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم: {قل لست} وقدم الجار والمجرور للاهتمام به معبراً بالأداة الدالة على القهر والغلبة فقال: {عليكم بوكيل *} أي حفيظ ورقيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} يقول: من كرب البر والبحر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية} يقول: إذا أضل الرجل الطريق دعا الله {لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين}.
القشيري
تفسير : تذكير النعمة يوجب الزيادة في المحبة، فإنه إذا عرف جميلاً أسداه تمكَّن من قلبه الحبُّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد لاهل مكة {من} استفهام {ينجيكم} اى يخلصكم ويعطى لكم نجاة {من ظلمات البر والبحر} من شدائدهما واهوالهما فى اسفاركم استعيرت الظلمة للمشقة لمشاركتهما فى الهول وابطال الابصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب اى اشتدت ظلمته حتى صار كالليل فى ظلمته بناء على ان الليل اذا لم يستنر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب {تدعونه تضرعا وخفية} اى معلنين ومسرين على ان يكون تضرعا وخفية مصدرين فى موضع الحال من فاعل تدعونه وتدعون حال من فاعل ينجيكم اى داعين اياه تعالى والتضرع اظهار الضراعة وهى شدة الفقر والحاجة الى الشئ {لئن أنجٰنا} حال من فاعل تدعون ايضا على ارادة القول اى تدعونه قائلين والله لئن خلصنا {من هذه} الظلمات والشدائد {لنكونن من الشاكرين} اى الراسخين فى الشكر المداومين عليه لاجل هذه النعمة. والشكر الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها وحق نعمة الله ان يطاع منعها ولا يعصى فضلا عن اين يشرك به ما لا يقدر على شئ اصلا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل من ينجيكم} أي: يُخلصكم {من ظلمات البر والبحر} أي: من شدائدهما، استعير الظلمة للشدة، لمشاركتهما في الهول، فقيل لليوم الشديد: يوم مظلم، أو: من الخسف في البر والغرق في البحر، حال كونكم {تدعونه تضرعًا وخُفية} أي: جهرًا وسرًا، قائلين: {لئن أنجيتنا من هذه} الظلمة، أي: الشدة، {لنكونن من الشاكرين} بإقرارنا بوحدانيتك، {قل الله يُنجيكم منها ومن كل كرب} أي: غم سواها، {ثم أنتم تُشركون} أي: تعودون إلى الشرك ولا تُوفون بالعهد، وهذا شأن النفس اللئيمة؛ في وقت الشدة ترجع إلى الحق وتوحده، وفي وقت السعة تنساه وتشرك معه، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مًّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } تفسير : [الرُّوم:33]. الإشارة: ظلمات البر هو ما يخوض القلب ويظلمه؛ من أجل ما يدخل عليه من حس الظاهر، الذي هو بر الشريعة، وظلمات البحر هو ما يدهش الروح ويحيرها من أجل ما يدهمها من علم الحقائق، عند الاستشراف عليها، أو ما يشكل عليها في علم التوحيد، فإذا رجع إلى الله فيهما، وتمسك بشيخ كامل في علم الحقائق ـ أنجاه الله منهما، فإذا شكر الله وأفرد النعمة إليه دامت نجاته، وإن التفت إلى غيره خيف عليه العوُد إلى ما كان عليه. وبالله التوفيق. ثم هدد أهل الشرك، أو: هُم مع غيرهم، فقال: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً}.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب {قل من ينجيكم} مخففا. الباقون بالتشديد. وقرأ أبو بكر {وخفية} بكسر الخاء - ها هنا -، وفي الاعراف. وقرأ اهل الكوفة الا ابن شاهي "أنجانا" على لفظ الاخبار عن الواحد الغائب، وأماله حمزة والكسائي وخلف. الباقون "أنجيتنا" على وجه الخطاب. وقرأ اهل الكوفة الا العبسى وهشام وأبو جعفر {قل الله ينجيكم} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. يقال: نجا زيد ينجو، قال الشاعر: شعر : نجا سالم والنفس منه لشدقه تفسير : فاذا نقلت الفعل حسن أن تنقله بالهمزة فتقول انجيته، ويجوز أن ننقله بتضعيف العين، فتقول نجيته، ومثله فرحته وأفرحته وعرضَّته وأعرضته، قال الله تعالى {أية : فأنجاه الله من النار} {أية : فأنجيناه والذين معه}تفسير : وقال {أية : ونجينا الذين}تفسير : فلما أستوت اللغتان وجاء التنزيل بهما تساوت القراءتان. ووجه قراءة من قرأ {لئن أنجانا} أنه حمله على الغيبة كقوله {تدعونه... لئن أنجانا}، وكذلك ما بعده {قل الله ينجيكم} {قل هو القادر} فهذا كله أسماء غيبة فـ (أنجانا) أولى من (انجيتنا) لكونه على ما قبله، وما بعده من لفظ الغيبة، وموضع (يدعونه) نصب على الحال، وتقديره قل من ينجيكم داعين وقائلين {لئن أنجيتنا}. ومن قرأ من الكوفيين {لئن أنجانا} طلب المشاكلة. ومن قرأ بالتاء واجه بالخطاب ولم يراع المشاكلة. ويقوي ذلك قوله في أخرى {لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم} فجاء انجيتنا على الخطاب وبعده اسم غيبة. وأما إِمالة حمزة والكسائي فحسنة، لان هذا النحو من الفعل اذا كان على أربعة أحرف أستمرت فيه الامالة، لانقلاب الالف ياء في المضارع. ومن قرأ {خفية} بكسر الخاء، فلأن أبا عبيدة قال {خفية} تخفون في أنفسكم وخفي غيره خفية، وخفية لغتان، وحكي خفوة وخفوة بالواو، كما قالوا حل حبوته وحبيته، ولا يقرأ بذلك. فأما قوله {تضرعا وخيفة} ففعلة من الخوف. وانقلبت الواو، للكسرة. والمعنى أدعوا خائفين خافيين، قال الشاعر: شعر : فلا تقعدن على زخة وتضمر في القلب وجدا وخيفا تفسير : يريد جمع خيفة. أمر الله تعالى نبيه ان يخاطب الخلق ويقول لهم على وجه التقريع لمن يعبد الاصنام منهم - {من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} ومعناه شدائد البر والبحر، تقول العرب لليوم الذي يلقى فيه الشدة: يوم مظلم حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب أي قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، قال الشاعر: شعر : ابني أسد هل تعلمون بلاءنا اذا كان يوم ذو كواكب أشهب تفسير : وقال آخر: شعر : فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي اذا كان يوم ذو كواكب أشهب تفسير : فمعنا ظلمات البر والبحر شدائدهما. وقوله: {تدعونه.. وخفية} أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر الى الشىء والحاجة و {تدعونه.. خفيه} أي تدعونه في أنفسكم بما تضمرون من حاجاتكم اليه كما تظهرون. وقوله {لئن أنجيتنا من هذه} أي في شدة وقعوا فيها، يقولون {لئن أنجيتنا من هذه} لنشكرنك، فأمر الله ان يسألهم على وجه التوبيخ لهم والتقرير بأنه ينجيهم وأنه القادر على نفعهم وضرهم. ثم أعلمهم ان الله الذي أقروا بأنه ينجيهم هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الاصنام التي قد علموا أنها من صنعهم وأنها لا تضر ولا تنفع وأنه تعالى على تعذيبهم قادر.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} لعبدت الأصنام {مَنْ يُنجِّيكُم مِن ظُلماتِ البرِّ والبحْرِ} قيل: ظلمات البر والبحر ظلمة الليل بلا سحاب، وظلمته بسحاب، وقيل: ظلماتهما الضلالة عن الطريق فيهما ليلا أو نهارا فى ظلمة ِأو ضوء، فذلك استعارة للفظ الظلمات لخطأ السبيل فيهما بجامع الهلاك، والأولى أن يقال: هى شدائد البر والبحر كلها من ضلالة الطريق، لظلمة الليل والسحاب أو غيرهما، ومن الخسف، ومن الريح العاصف، والموج الهائل، وضرب السفينة للجبل، ودخول طرفها فى الدردور، وانكسارها، والغرق، وملاقاة العدو فى البر والبحر، وهجومه، والسبع والمضار كلها على الاستعارة، كما يقال: يوم مظلم قال الشاعر: شعر : *لكن لكم يوم من الشر مظلم* تفسير : ويقال: يوم ذو كواكب، وقرأ يعقوب بإسكان نون ينجيكم وتخفيف جميعه، والاستفهام للتوبيخ والنفى، أى لا مخلوف ينجيكم وهو إلزام وتبكيت لهم. {تدْعُونَه تضرُّعاً وخُفْيةً} لينجيكم من تلك الظلمات، والتضرع والخفية مفعولان مطلقان، فإن التضرع الجهر، والخفية الإسرار، وهما الدعاء، والدعاء هما، أى يدعون دعاء جهيراً أو دعاء خفيا، أو يجهرون فى دعائهم جهراً، ويستخفون فيه خفاء أو يقدر مضاف أى تدعونه، دعاء تضرع ودعاء خفية، أو حالان، أى ذوى تضرع وذوى خفية، أو متضرعين ومخفين، وقرئ بكسر الخاء وهو لغة فى خفية بضمها، والجمهور على الضم، ونسب بعضهم الكسر إلى عاصم فى رواية أبى بكر عنه، وهو على كل حال من الخفاء وقرأ الأعمش خفية بالكسر من الخوف، وجملة تدعونه حال من الكاف. {لئن أنْجيتَنا مِنْ هذهِ} مفعول لحال محذوفه، أى قائلين لئن أنجينا من هذه الظلمات، ومحكى لتدعونه، لأن فيه معنى القول مع زيادة المعنى الذى تعدى به إلى الهاء، والإشارة إلى الظلمات، وأفرد اللفظ بتأويل الجماعة، أو الجملة، أو وجه قصد معنى الجمع أنه كلما وقع قوم أو فرد فى ظلمة دعوا الله فى الخلاص منها قائلين: لئن أنجيتنا من هذه الظلمة، فتجتمع منهم ظلمات، وقد تكرر من قوم واحدة ظلمات كل على حدة أو بمرة فجمعها، ويجوز عود الإشارة إلى الظلمة الواحدة على الأصل، ووجه هذا القصد أن يذكر الله حقيقة دعوة كل واحد وكل قوم عند الظلمة، الواحد على العموم البدلى، وقرئ: لئن نجيتنا بالشديد فتح النون وإسقاط الهمزة، وقرئ: لئن أنجانا بالألف. {لنكونَنَّ مِنَ الشَّاكِرين} لنعمتك بالإيمان بجميع ما يجب الإيمان به، وعبادتك وحدك، وفى معنى ذلك، أو يقال من الشاكرين بمعنى من المؤمنين، والمراد شكر نعمتى الانجاء وغيره أن المضطر يعد من نفسه ما لا يفرح به ويغتبط أحقر أحواله من قبل ما دام مضطراً.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} لأهل مكة توبيخاً على عبادة مالا يدفع ضراً ولا يجلب نفعاً {مَنْ يُنْجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ} فى أَسفاركم وأَحضاركم من شدائدهما، كالخسف فى البر واللدغ وأَكل السباع والضلال عن الطريق، وكالغرق فى البحر والضلال فيه والأَمواج والرياح العاصفة وبلع الحوت الكبير، وتعرضه للسفينة، أَو ذلك والظلمة الحقيقية الحاصلة بالليل والسحاب على عموم المجاز، أَو الجمع بينه وبين الحقيقة، وهو مطلق الهول الشديد الشبيه بالظلمة بجامع الهول، فإِن الشدة تذهل العقل حتى يمر بك شىء فلا تراه، يقال: يوم مظلم، ويوم ذو كواكب، وهول الظلمة شبيه بالظلمة نفسها فليس فى ذلك تشبيه الشىء بنفسه، {تَدْعُونَهُ} حال من الكاف، أَى داعين، أَو من ضمير ينجى، أَو مدعوا، أَو مستأنف {تَضُرُّعاً} ذوى تضرع برفع صوت، أَو متضرعين {وَخُفْيَةً} وذوى خفاء دعاء، أَو خفية اسم مصدر، أَى وذوى إِخفاء، أَو مخفين، أَو تدعونه دعاءَ تضرع ودعاءَ خفية، أَو ضمن تدعون معنى تعلنون وتخفون كقعدت جلوساً {لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ} أَى من هذه الظلمات، وجملة القسم وجوابه محكى بتدعونه تعدى لواحد بنفسه، والآخر بتضمنه معنى تقولون، أَو يقدر له قول هو حال، أَى قائلين والله إِن أَنجيتنا من هذه {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} المؤمنين الشاكرين لنعمك بالتوحيد والعبادات، والمشركون لا يخافون وقوع الخسف فلا يدخل فى قوله لئن أَنجيتنا من هذه لأَنهم لا يرون أَثره كما يرون موج البحر ورياح البحر، ولا يكفى جواباً اعتباره فى ظلمات البر باعتبار مشارفته لا وقوعه، لأَنهم أَيضاً لا يعترفون بمشارفته. اللهم إِلا أَن يتخيلوه حين ظلمة الليل فى البر مع الريح.
الالوسي
تفسير : {قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} أي قل لهم تقريراً بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلٰهية. والمراد من ظلمات البر والبحر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما شدائدهما وأهوالهما التي تبطل الحواس وتدهش العقول. والعرب ـ كما قال الزجاج ـ تقول لليوم الذي يلقى فيه شدة يوم مظلم حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب أي أنه يوم قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وأنشد: شعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوم ذو كواكب أشهب تفسير : ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب ظهراً أي أظلم عليه يومه لاشتداد الأمر فيه حتى كأنه أبصر النجم نهاراً، ومن ذلك قول طرفة: شعر : إن تنوله فقد تمنعه وتريه النجم يجري بالظهر تفسير : وقيل: المراد ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة البحر، وقيل: ظلمة البر بالخسف فيه وظلمة البحر بالغرق فيه، والظلمات على الأول: ـ كما قيل ـ استعارة وعلى الأخيرين حقيقة. ومنهم من جعلها كناية عن الخسف والغرق والكلام في الكناية معلوم. ومن جوز جمع الحقيقة والمجاز فسر الظلمات بظلمة الليل والغيم والبحر والتيه والخوف وقرأ يعقوب وسهل {ينجيكم} بالتخفيف من الإنجاء والمعنى واحد. وقوله تعالى: {تَدْعُونَهُ } في موضع الحال من مفعول {ينجيكم} كما قال أبو البقاء، والضمير لمن أي من ينجيكم منها حال كونكم داعين له. وجوز أن يكون حالاً من فاعله أي من ينجيكم منها حال كونه مدعواً من جهتكم {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي إعلاناً وإسراراً كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن فنصبهما على المصدرية، وقيل: بنزع الخافض، والإعلان والاسرار يحتمل أن يراد بهما ما باللسان ويحتمل أن يراد بهما ما باللسان والقلب، وجوز أن يكونا منصوبين على الحال من فاعل {تَدْعُونَ } أي معلنين ومسرين. وقرأ أبو بكر عن عاصم {خفية} بكسر الخاء وهو لغة فيه كالأسوة والإسوة. وقوله سبحانه: {لَّئِنْ أَنجَـٰنَا} في محل النصب على المفعولية لقول مقدر وقع حالاً من فاعل (تدعون) أيضاً أي قائلين: لئن أنجيتنا، والكوفيون يحكون بما يدل على معنى القول كتدعون من غير تقدير والصحيح التقدير، وقيل: إن الجملة القسمية تفسير للدعاء فلا محل لها. وقرأ أهل الكوفة {أَنجَـٰنَا } بلفظ الغيبة مراعاة لتدعونه دون حكاية خطابهم في حالة الدعاء غير أن عاصماً قرأ بالتفخيم والباقون بالإمالة. وقوله سبحانه: {مِنْ هَـٰذِهِ} إشارة إلى ما هم فيها المعبر عنها بالظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمة الجليلة أو جميع النعم التي هذه من جملتها.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي. ولمَّا كان هذا الكلام تهديداً وافتتح بالاستفهام التقريري تعيَّن أنّ المقصود بضمائر الخطاب المشركون دون المسلمين. وأصرح من ذلك قوله: {ثم أنتم تشركون}. وإعادة الأمر بالقول للاهتمام، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتِكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40] الآية. والاستفهام مستعمل في التقرير والإلجاء، لكون ذلك لا ينازعون فيه بحسب عقائد الشرك. والظلمات قيل على حقيقتها، فيتعيَّن تقدير مضاف، أي من إضرار ظلمات البرّ والبحر، فظلمات البرّ ظلمة الليل التي يلتبس فيها الطريق للسائر والتي يخشى فيها العدوّ للسائر وللقاطن، أي ما يحصل في ظلمات البرّ من الآفات. وظلمات البحر يخشى فيها الغرق والضلال والعدوّ. وقيل: أطلقت الظلمات مجازاً على المخاوف الحاصلة في البرّ والبحر، كما يقال: يوم مُظلم إذا حصلت فيه شدائد. ومن أمثال العرب (رأى الكواكب مُظْهِراً)، أي أظلم عليه يومه إظلاماً في عينيه لما لاقاه من الشدائد حتَّى صار كأنَّه ليل يرى فيه الكواكب. والجمع على الوجهين روعي فيه تعدّد أنواع ما يعرض من الظلمات، على أنَّنا قدّمنا في أوّل السورة أنّ الجمع في لفظ الظلمات جَرى على قانون الفصاحة. وجملة: {تدعونه} حال من الضمير المنصوب في {يُنَجِّكُمْ}. وقرىء {من ينجِّيكم} ـــ بالتشديد ـــ لنافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف. وقرأه يعقوب ـــ بالتخفيف ـــ. والتضرّع: التذلّل، كما تقدّم في قوله: {أية : لعلَّهم يتضرّعون}تفسير : في هذه السورة (42). وهو منصوب على الحال مؤوّلاً باسم الفاعل. والخفية بضم الخاء وكسرها ضد الجهر. وقرأه الجمهور بضم الخاء. وقرأه أبو بكر عن عاصم بكسر الخاء وهو لغة مثل أسوة وإسوة. وعطف {خفية} على {تضرّعاً} إمَّا عطف الحال على الحال كما تعطف الأوصاف فيكون مصدراً مؤوّلاً باسم الفاعل، وإما أن يكون عطف المفعول المطلق على الحال على أنَّه مبيّن لنوع الدعاء، أي تدعونه في الظلمات مخفين أصواتكم خشية انتباه العدوّ من النّاس أو الوحوش. وجملة {لئِن أنجيتنا} في محلّ نصب بقول محذوف، أي قائلين. وحذف القول كثير في القرآن إذا دلَّت عليه قرينة الكلام. واللام في {لئن} الموّطئة للقسم، واللام في {لَنكوننّ} لام جواب القسم. وجيء بضمير الجمع إمَّا لأنّ المقصود حكاية اجتماعهم على الدعاء بحيث يدعو كلّ واحد عن نفسه وعن رفاقه. وإمَّا أريد التعبير عن الجمع باعتبار التوزيع مثل: ركِبَ القوم خَيْلَهم، وإنَّما ركب كلّ واحد فَرَساً. وقرأ الجمهور {أنجيتنا} ـــ بمثناة تحتية بعد الجيم ومثناة فوقية بعد التحتية ـــ. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي وخلف {أنجانا} ـــ بألف بعد الجيم ـــ والضمير عائد إلى {مَنْ} في قوله: {قل من ينجيّكم}. والإشارة بـ {هذه} إلى الظلمة المشاهدة للمتكلِّم باعتبار ما ينشأ عنها، أو باعتبار المعنى المجازي وهو الشدّة، أو إلى حالة يعبّر عنها بلفظ مؤنّث مثل الشدّة أو الورطة أو الربْقة. والشاكر هو الذي يراعي نعمة المنعم فيحسن معاملته كلّما وجد لذلك سبيلاً. وقد كان العرب يرون الشكر حقَّاً عظيماً ويعيّرون من يكفر النعمة. وقولهم: {من الشاكرين} أبلغ من أن يقال: لنكوننَّ شاكرين، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين}تفسير : [الأنعام: 56]. وجملة: {قل الله ينجيكم منها} تلقين لجواب الاستفهام من قوله: {مَنْ يُنجّيكم} أن يُجيب عن المسؤولين، ولذلك فصلت جملة {قل} لأنَّها جارية مجرى القول في المحاورة، كما تقدّم في هذه السورة. وتولَّى الجواب عنهم لأنّ هذا الجواب لا يسعهم إلاّ الاعتراف به. وقدّم المسند إليه على الخبر الفعلي لإفادة الاختصاص، أي الله ينجيكم لا غيره، ولأجل ذلك صرّح بالفعل المستفهم عنه. ولولا هذا لاقتصر على {قل الله}. والضمير في {منها} للظلمات أو للحادثة. وزاد {مِنْ كلّ كرب} لإفادة التعميم، وأنّ الاقتصار على ظلمات البرّ والبحر بالمعنيين لمجرّد المثال. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وهشام عن ابن عامر، ويعقوب {يُنجيكم} ـــ بسكون النون وتخفيف الجيم ـــ على أنَّه من أنجاه، فتكون الآية جمعت بين الاستعمالين. وهذا من التفنّن لتجنّب الإعادة. ونظيره {أية : فمهِّل الكافرين أمْهِلْهُم}تفسير : [الطارق: 17]. وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر، وخلف، وعاصم، وحمزة، والكسائي {يُنجِّيكم} ـــ بالتشديد ـــ مثل الأولى. و{ثم} من قوله: {ثم أنتم تشركون} للترتيب الرتبي لأنّ المقصود أنّ إشراكهم مع اعترافهم بأنَّهم لا يلجأون إلاّ إلى الله في الشدائد أمر عجيب، فليس المقصود المهلة. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لمجرّد الاهتمام بخبر إسناد الشرك إليهم، أي أنتم الذين تتضرّعون إلى الله باعترافكم تُشركون به من قَبل ومن بعد، من باب {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 85]، ومن باب: لو غيرُك قالها، ولو ذاتُ سِوار لَطَمَتْنِي. وجيء بالمسند فعلاً مضارعاً لإفادة تجدّد شركهم وأنّ ذلك التجدّد والدوامَ عليه أعجب. والمعنى أنّ الله أنجاكم فوعدتم أن تكونوا من الشاكرين فإذا أنتم تشركون. وبيْن {الشاكرين} و{تشركون} الجناس المحرّف.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 63- قل - أيها النبى - للمشركين: من الذى ينقذكم من أهوال البر والبحر، إذا حلت بكم، فلجأتم إليه تدعونه فى خضوع ظاهر وباطن قائلين: نقسم لئن أنقذتنا من هذه الأهوال لنكونن من المقرين بفضلك، القائمين بشكرك. 64- قل: الله - وحده - هو الذى ينقذكم من هذه الأهوال، ومن كل شدة أخرى، ثم أنتم مع ذلك تشركون معه فى العبادة غيره مما لا يدفع شراً ولا يجلب خيراً. 65- قل: إن الله - وحده - هو الذى يقدر على أن يرسل عليكم عذاباً يأتيكم من أعلاكم أو من أسفلكم. أو يجعل بعضكم لبعض عدواً. وتكونون طوائف مختلفة الأهواء متناكرة، يعذب بعضكم بعضا عذاباً شديداً!! انظر كيف دلت الدلائل على قدرتنا واستحقاقنا وحدنا للعبادة، لعلهم يتأملونها ويفهمون الحق! 66- وكذب قومك بالقرآن، وهو الحق الذى لا موضع فيه لتكذيب قل أيها النبى لهم: لست موكلا بحفظكم، وإحصاء أعمالكم ومجازاتكم عليها. بل أمركم فيها إلى الله. 67- لكل خبر جاء به القرآن وقت يتحقق فيه. وسوف تعلمون - صِدْق - هذه الأخبار عند وقوعها. 68- وإذا حضرت مجلس الكفار، ووجدتهم يطعنون فى آيات القرآن، أو يستهزئون بها، فانصرف عنهم حتى ينتقلوا إلى حديث آخر. وإن نسيت وجالستهم فى أثناء حديثهم الباطل. ثم تذكرت أمر الله بالبعد عنهم. فلا تجلس بعد التذكر مع القوم الظالمين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ينجيكم: يخلصكم مما تخافون. تضرعاً وخفية: التضرع: الدعاء بتذلل وخفية بدون جهر بالدعاء. من هذه: أي الهلكة. من الشاكرين: المعترفين بفضلك الحامدين لك على فعلك. كرب: الكرب: الشدّة الموجبة للحزن وألم الجسم والنفس. تشركون: أي به تعالى بدعائهم أصنامهم وتقربهم إليها بالذبائح. من فوقكم: كالصواعق ونحوها. من تحت أرجلكم: كالزلزال والخسف ونحوهما. أو يلبسكم شيعاً: أي يخلط عليكم أمركم فتختلفون شيعاً وأحزاباً. ويذيق بعضكم بأس بعض: أي يقتل بعضكم بعضاً فتذيق كل طائفة الأخرى ألم الحرب. يفقهون: معاني ما نقول لهم. وكذب به قومك: أي قريش. الوكيل: من يوكل إليه الشيء أو الأمر يدبره. لكل نبأ مستقر: المستقر: موضع الاستقرار والنبأ: الخبر العظيم. معنى الآيات: ما زال السياق مع المشركين العادلين بربهم فيقول الله تعالى لرسوله قل لهم: {مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} إذا ضل أحدكم طريقه في الصحراء ودخل عليه ظلام الليل، أو ركب البحر فغشيته ظلمة السحاب والليل والبحر واضطربت نفسه من الخوف يدعو من؟ إنه يدعو الله وحده لعلمه أنه لا ينجيه إلا هو يدعوه ويتضرع إليه جهراً وسراً قائلا وعزتك لئن أنجيتنا من هذه الهلكة التي حاقت بنا لنكونن من الشاكرين لك. ثم إذا نجاكم استجابة لدعائكم وأمنتم المخاوف عدتم فجأة إلى الشرك به بدعاء غيره. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [63] {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ}، وفي الآية الثانية [64] يأمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم جواباً لقوله من ينجيكم: {ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا} أي من تلك الحالة التي اضطربت لها نفوسكم وخشيتم فيها الهلاك وينجيكم أيضاً من كل كرب، ثم مع هذا يا للعجب أنتم تشركون به تعالى أصنامكم. قل لهم يا رسولنا أن الله الذي ينجيكم من كل كرب هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من السماء فوقكم، أو من الأرض تحتكم، أو يخلط عليكم أمركم فتتنازعوا فتختلفوا فتصبحوا شيعاً وطوائف وفرقاً متعادية يقتل بعضكم بعضا، فيذيق بعضكم بأس بعض، ثم قال الله تعالى لرسوله انظر يا رسولنا كيف نفصل الآيات بتنويع الكلام وتوضيح معانيه رجاء أن يفقهوا معنى ما نقول لهم فيهتدوا إلى الحق فيؤمنوا بالله وحده ويؤمنوا بلقائه وبرسوله وما جاء به فيكملوا ويسعدوا وفي الآية [65] يخبر تعالى بواقع القوم: أنهم كذبوا بهذا القرآن وما أخبرهم به من الوعيد الشديد وهو الحق الذي ليس بباطل ولا يأتيه الباطل، ويأمر رسوله أن يقول لهم بعد تكذيبهم له {لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} فأخاف من تبعة عدم إيمانكم وتوحيدكم {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} وقد أنبأتكم بالعذاب على تكذيبكم وشرككم {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ذلك يوم يحل بكم وقد استقر نبأه يوم بدر والحمد لله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا برهان أعظم على بطلان الشرك من أن المشركين يخلصون الدعاء لله تعالى في الشدة. 2- لا منجي من الشدائد ولا منقذ من الكروب إلا الله سبحانه وتعالى. 3- التحذير من الاختلاف المفضي إلى الانقسام والتكتل. 4- {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ}. أجري مجرى المثل، وكذا {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
القطان
تفسير : ظلمات البر والبحر: حسيّة، كظلمة الليل وظلمة السحاب، ومعنوية، كظلمة الجهل بالمسالك، وظلمة الشدائد والاخطار. والعرب تقول لليوم الذي فيه شدة: يوم مظلم، ويوم ذو كواكب. وفي المثَل، رأى نجوم الظهر. التضرع: المبالغة في الدعاء. والخفية: بضم الخاء وكسرها، الخفاء والاستتار. الكرب: الغم الشديد. بعد أن أبان تعالى لعباده إحاطة علمه، وشمول قدرته، وانه القاهرة فوق عباده - ذكّرهم هنا بالدلائل الدالة على كمال قدرته الإلهية. فأمر رسوله ان يَسأل المشركين الغافلين عن انفسهم: من ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه فتحيّرتم أين تذهبون، ومن ظلمات البحر اذا ركبتموه فأظلم عليكم فلم تهتدوا؟ من يفعل ذلك غير الله الذي تلجأون إليه في خضوع، معلنين الدعاء تارة ومخفين إياه أخرى، مقْسِمين: لئن أنجيتَنا من هذه المخاطر لنكونن من الشاكرين لفضلك بالعبادة لك. {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}. ان الله وحده هو الذي ينقذكم من هذه الاهوال، ومن كل شدة اخرى، ومع ذلك فسرعان ما تَحنِثون بأقسامكم وتشركون معه في العبادة غيره. قراءات: قرأ يعقوب "قل من ينجيكم" بدون تشديد، والباقون "ينجيكم" بتشديد الجيم. وقرأ أبو بكر: "وخفية" بكسر الخاء والباقون بضمها وقرأ أهل الكوفة "انجانا" وأماله حمزة والكسائي وخلف. وقرأ الباقون "لئن أنجيتنا" وقرأ أهل الكوفة: "قل الله ينجيكم" بالتشديد، والباقون بالخفيف.
د. أسعد حومد
تفسير : {ظُلُمَاتِ} {لَّئِنْ} {أَنْجَانَا} {ٱلشَّاكِرِينَ} (63) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ الغَافِلِينَ عَنْ آيَاتِ اللهِ، التِي نَصَبَهَا فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ: مِنْ غَيْرُ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْجِيَكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ البَرِّ إِذا ضَلَلْتُمْ فَتَحَيَّرْتُمْ، وَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمُ الطُّرُقُ؟ وَمَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ البَحْرِ، إِذا رَكِبْتُمُوهُ فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ فِيهِ السُّبُلُ فَلَمْ تَهْتَدُوا؟ وَهَلْ هُنَاكَ غَيْرُ اللهِ مَنْ تَضْرَعُونَ إِليهِ، وَتَفْزَعُونَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَتَقْولُونَ لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هذِهِ المَخَاطِرِ الشَّدِيدَةِ التِي نَحْنُ فِيهَا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ المُخْلِصِينَ فِي العِبَادَةِ. تَضَرُّعاً - مُعْلِنينَ الضَّرَاعَةَ وَالتَّذَلُّلَ. خُفْيَةً - مُسِرِّينَ بِالدُّعَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المتعب للخلق أن تأتي الظلمة وتكون في مهمة النور، وأن يأتي النور في مهمة الظلمة، فلكل من الظلمات والنور ودور مهمة في الحياة. ولذلك قلنا في أول السورة حين تكلم الحق سبحانه وتعالى قائلاً: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ...} تفسير : [الأنعام: 1]. لقد ظن البعض أن المفترض أن يقول سبحانه: وجعل النور والظلمات، ولكن لنتلمس القول الحق، ولنعترف أن مهمة الظلمة تتساوى مع مهمة النور، وعلى الإنسان أن يعي مهمة الظلمة، وكلنا يعرف مهمة النور الذي يعيننا على السعي على أمور حياتنا، ويتطلب السعي طاقة، ولا يمكن أن تأتي الطاقة إلا بعد سكون وهدوء واطمئنان وراحة؛ لذلك فالراحة تحتاج إلى ظلمة لينام الإنسان ويستريح، إذن فالظلمة نعمة من نعم الله، والذي يتعب الإنسان أن يغير ويبدل فيجعل النور مكان الظلمة، ويجعل الظلمة مكان النور، وهذا خروج عن مهمة كل متقابلين. وحين ينشئ الحق المتقابلات لا ينشئها على أنها تتضاد، أو على أنها تتعاند، ولكنه - سبحانه - يريد متكاملا يعين متكاملا، فلا شيء يهدم شيئا مقابلاً له، بل كل متكامل يساعد الآخر. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-2]. وقد جاء سبحانه بالليل أولاً، والنهار ثانياً، ولكل منهما مهمة، ولا يمكن أن تؤدي مهمة النهار على حقيقتها إلا إن جاءت مهمة الليل فأُدّيَت على حقيقتها. وهات إنساناً لم يأخذ من الليل الراحة والسكون والهدوء، وعانى من قرص ولسْع الناموس أو البراغيث، أو من ضجيج وخلافه، ولم ينم، ثم في الصبح تجده نصف نائم، نصف مرهق، غير قادر على التركيز أو كما يقولون "مذهول". إذن فمن أجل حركة الضوء لا بد أن توجد الظلمة: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-2] الليل والنهار - إذن نعمتان، وكل نعمة تساوي الأخرى، وإياك أن تقول هذه ضد تلك، أو أنها جاءت لتعاندها، لا. لقد جاءت كل منهما لتساند الأخرى. وفي سورة الليل يتابع الحق: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [الليل: 3] لقد جاء سبحانه أيضاً بمتقابلين، وإياك أن تظن أنهما متعاندان فقد جعلهما الله متكاملين لتنجح الحياة. وإن تعاندا تفسد الحياة. وما دام الليل له مهمة والنهار له مهمة، إذن فالذكر له مهمة، والأنثى لها مهمة. وإن خَلَطت المهمتين ينتج الفساد. {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4] ويقول الحق هنا: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] والظلمة - إذن - هي عدم النور. ولم يقل الحق إن طلب النجاة يكون من ظلمة واحدة، وإنما طلب النجاة من ظلمات متعددة، وهي ظلمات متراكمة؛ لأن الظلمة إذا ما غُشيت بظلمة ثانية، ثم بظلمة ثالثة، حينئذ تصير ظلمات مركبة بعضها فوق بعض. والحق سبحانه قال: {ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، وحتى نعرف أهي ظلمات حسّية أم ظلمات معنوية لا بد لنا أن نعرف الظلمة في معناها الحسي، إنها ما يؤدي إلى عدم الاهتداء إلى الحركة المنجية، إذن فكل أمر يؤدي إلى عدم الاهتداء - حسّياً أو معنوياً - هو ظلمة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يسير في أموره بغير اهتداء، والأحداث والكوارث التي يصعب على الناس أن يعرفوا طريق النجاة منها تُعتبر ظلمة، سواء أكانت ظلمة حسّية أَمْ معنوية. والحق سبحانه وتعالى يقرب لنا المعنويات بالأمور الحسّية، والمراد بالظلمات هنا هي الأحداث والكوراث والنوازل التي تضيق أسباب البشر عن النجاة منها. والإنسان حريص دائماً على نفع نفسه. وتظهر التناقضات في أفعال إنسان عن أفعال إنسان آخر لاختلاف كل منهما في تقييم وتقدير النفعية. والمثال على ذلك واضح ونضربه دائماً هو: مثال التلميذ الذي يذهب صباحاً مبكراً إلى مدرسته، وينتبه إلى أساتذته، ويعود إلى منزله ليؤدي واجبه، ويخرج من لذيذ الكسل ليجد لذة في العمل، إنَّه بذلك يحب نفسه ويريد النفع لها. أما التلميذ الذي ينام يوقظه أهله فلا يستيقظ، وإذا أيقظوه فهو يخرج من البيت ليتسكع في الطريق، مثل هذا التلميذ يحب نفسه حباً أحمق لأنه يريد اللذة العاجلة التي تعقبها سلسلة من الآلام الآجلة. إنه ينتظر مستقبلاً لا كرامة له فيه عكس التلميذ المجد الذي يتبوأ المكانة اللائقة به. والمثال الواضح أيضاً في الريف هو الفلاح الذي يقضي وقته على المقهى ويسهر الليل أمام التلفيزيون ويترك الأرض بلا حرث ولا رى ولا تسميد، ولا يمكن أن تنتج الأرض التي يفلحها محصولاً مساوياً لأرض الفلاح الذي يأخذ بأسباب الله فيحرث الأرض وينتظم في ريها في المواعيد المحددة، ويضع السماد المقرر لها؛ لأن الذي أخذ بأسباب الله وتعب وبذل جهداً لا بد أن يعطيه الحقُّ الرزقَ الوفيرَ. أما الذي يكسل عن أداء عمله فقد أحب نفسه حباً أحمق قصير الأجل، وأما الذي أخذ بأسباب الله وأقبل على عمله بحب وتقدير فقدد أحب نفسه حباً أعمق، فيه نفع له ولغيره. إن كل حركة يصنعها الإنسان في الحياة إنما يريد بها نفع نفسه، ولكنْ هناك اختلاف في تقدير النفعية بين إنسان وآخر، والعاقل من يرى النفعية الآجلة المجدية ويعمل لها. وهاهوذا المتنبي الشاعر العربي يقول: شعر : أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه حريصا عليها مستهامًا بها صبّاً فحب الجبان النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا تفسير : حب الشجاع لنفسه - إذن - جعله طموحاً إلى الحياة الخالدة كشهيد في سبيل الله، وحب الجبان لنفسه جعله أسير الخوف على الحياة الفانية. فإذا ما صُدم الإنسان بأحداث ونوازل وكوارث نرى نفعيته وهي تحركه إلى البحث عن أسباب للنجاة، ويعتمد على أسبابه أو أسباب من هو قريب منه، أما إذا عزّت أسباب البشر. وكان غافلاً عن الله، فإن الأحداث والمصائب والكوارث تعيده وتذكره بخالقه فيقول: "يارب"، وبذلك لا يبيع نفسه رخيصاً. لكن إن خدع مثل هذا الإنسان نفسه من البداية وأعرض عن الله تمرد على ربّه ووجد نفسه أمام الكوارث فهو يسلم أمره لله في وقت الشدة، فإن انجاب وانكشف عنه الضر عاد إلى كفره وتمرده. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 67] ونجد الذين يقابلون الأهوال وتنتهي أسبابهم لا يكذبون على أنفسهم. بل يتجهون فطرياً إلى الحق القادر على الأخذ بأيديهم. فلحظة أن تضطرب سفينة وتحيطها عواصف الموج والرياح، وتختل آلاتها لا تجد إلا كلمة: يارب، يارب. يارب على ألسنة كل ركابها بداية من "القبطان" والقائد إلى أصغر راكب بها، وتجد من يتمتم بآيات القرآن توسلاً إلى الله للنجاة. وكذلك لحظة أن تضطرب طائرة في الجو، ولا يعرف قائدها طريقاً للنجاة لا يقفز إلى أذهان الركاب وطاقم الطائرة إلا نداء التضرع إلى الله. ولهذا يقول لنا الحق سبحانه: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} ودعوة الإنسان ربّه ومولاه هي الوسيلة الأولى من وسائل اليقين، ونعلم أن أحداث الحياة تتراوح ما بين أمرين؛ أمر يبسط ويسعد الإنسان، وأمر يقبض ويضيق على الإنسان ويشقى به، فأما الذي يبسط ويسعد فهو إدراك الجمال، والنعمة والراحة، والسعادة، والإحساس بالرضى. وأما الذي يضيِّق على الإنسان ويشقيه فهو يريد أن يفلت منه وينجو. ولنا العبرة الكاملة من الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فالإنسان بفطرته إن رأى ما يسعده، لا يجد تعبيراً أقوى من أن يقول: "الله". وهي صيحة التقدير والتقديس لله الذي أعطاه موهبة إتقان العمل. وتتجلى العبرة الكاملة أيضاً عندما يدهم الإنسان الخطر فيقول بفطرته: "يارب". إذن فلا ملجأ إلا إلى الله. {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}؟ ويتضمن السؤال الحقيقة التي لا بد أن يقررها السامع لهذا السؤال وهي: إن الله هو المنجي من ظلمات البر والبحر. وحين يأمر الحق رسوله أن يقول هذا التساؤل للكافرين فهو سبحانه عليم بأن إجابة الفطرة هي التي ستغلب على ألسنة الكافرين ويعترفون به سبحانه وحده بأنه هو المنجي من ظلمات البر والبحر. والكون - كما نعلم - إما بر وإمّا بحر. ولقائل أن يقول: ولكن هناك كوارث جديدة في عصرنا هي كوارث الجو.؟ ونقول: يجب أن تفهم أن كل جو يأخذ حكم مكانه. فجو البر من البر، وجو البحر من البحر، ومثال ذلك ما نراه عند الصلاة في المسجد الحرام؛ فنحن نرى المصلين يؤدون الصلاة حول الكعبة أو في الدور والطابق الأول أو الثاني أو الثالث من المباني المقامة كمسجد حول الكعبة. ونلحظ أن ارتفاع الكعبة لا يزيد على ارتفاع دور واحد من أدوار المباني التي حولها. والمصلون يتجهون في صلواتهم في تلك الأدوار إلى جو الكعبة، ذلك أن جو المكان المقدس هو مقدس أيضاً، وجو الحرم من الحرم. ومثال آخر هو السعي بين الصفا والمروة؛ فالمسلم يسعى بين الصفا والمروة في الدور الأرضي، وهناك الآن دور ثان أقيم للسعي. وهكذا نرى أن جو المسعى مسعى أيضاً. وقديماً كان محرّماً على الطائرات أن تطير في جو مكة أو المدينة. حدث ذلك أيام أن كان الطيارون من غير المسلمين، وذلك حتى لا يطير غير المسلم في الجو المقدس. أما الآن فقد صار مسموحاً للطيارين المسلمين أن يقودوا طائراتهم في أجواء مكة والمدينة المنورة. فالجو له حكم المكان سواء أكان المكان براً أم بحراً. {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} إن الدعاء بالفطرة يتجه إلى الله، والدعاء هو طلب لشيء. والطلب يقتضي طالباً، ومطلوباً، ومطلوباً منه. والطالب هو من يدعو. والمطلوب منه هو من ندعوه ونسأله. والمطلوب هو الشيء الذي نتضرع بالدعاء رجاء أن يحدث. والطلب لون من الأمر، لكن إذا ما جاء الطلب من الأدنى إلى الأعلى فلا تقل إنه أمر، بل هو دعاء. وفي اللغة عندما نسأل الطالب أن يقوم بإعراب "رب اغفرلي"، نجد الذي استذكر دروسه دون تفقه يقول: "اغفر فعل أمر"، أما الطالب المتفقه في فهم دينه مع إجادة لدراسته فيقول بأدب الإيمان: اغفر هي فعل دعاء؛ لأن الطلب إن صدر من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن صدر من المساوى للمساوى فهو التماس، وإن صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر. وحين ننظر إلى الحالة النفسية لمن تحيطه الكوارث والأحداث والنوازل وتضغط عليه الظروف ولا يجد من ينقذه، هل مثل هذا الإنسان يأمر أو يدعو إنه يدعو بطبيعة الحال، ويدعو بتذلل وامتثال وخضوع، وهذا معنى الدعاء... إنه السؤال بتضرع وخضوع، والتضرع يقتضي قولاً، ويقتضي فعلاً ويكون التضرع بالوجدانيات والسلوكيات. ويخطئ من يظن أن هناك تضرعاً بالقول دون أن يربط ذلك بفعل، فعندما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن تتفضل عليه بشيء، فهذا منه تضرع بالقول. لكن عندما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن يفعل لك أمراً، فهذا تضرع بالقول والفعل. وفي لحظة الخطر يدعو الإنسان ربه ولا يمكن أن يكون في قلبه ذرة من نفاق؛ لأن الحق يقول: {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}. والتضرع خفية يكون بالقلب أيضاً. وليس في ذلك رياء؛ لأن القلب لا اطلاع لأحد عليه إلاّ الخالق البارئ، والمثال على ذلك ما فعلته امرأة أوربية قرأت تاريخ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلت في قراءتها إلى أسباب نزول قوله الحق: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. ووجدت أن هذا القول الكريم قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نائماً بعد ليلة من السهر، فقالت له عائشة رضي الله عنها: ألا من رجل صالح يحرسنا الليلة؟ وبينما هي تقول ذلك حتى سمعت صوت السلاح، وكان ذلك إعلانا عن مقدم سعد وحذيفة وقالا: جئنا نحرسك يا رسول الله. ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت سيدتنا عائشة غطيطه، ثم نزل عليه الوحي بهذا القرآن الكريم: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من النوم وقال: حديث : انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله . تفسير : وعندما قرأت المرأة الأوربية هذه الحكاية في تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم وأحسنت الفهم لها أعلنت إسلامها على الفور قائلة: لو كان محمد يخدع الناس جميعاً ما خدع نفسه في حياته. لقد أدركت هذه المرأة بالفطنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليصرف عنه الحرس لو لم يثق تمام الثقة في أن الله يحميه، وأنه سبحانه قادر على أن يحفظه. والإنسان لحظة الخطر إنما يدعو الله تضرعاً وخفية. والدعاء - كما علمنا - يحتاج إلى قول وفعل ووجدان. وهذه الأركان الثلاثة تتوافر في قوله الحق: {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63]. فكلمة (تدعونه): قول و (تضرعا): فعل لأنه خشوع وخضوع - و(خفية): انكسار القلب وخشيته و"أنجانا" تدل على التعدد؛ لأن الفعل للتجدد والحدوث وأيضاً قوله: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ} يدل على التكثير، أي أنه لا ينجِّي مرة واحدة ولكنه ينجِّي لمرات كثيرة. ويأتي لنا سبحانه بصور كثيرة لقدرته على أن ينجِّينا إما بتكرار النجاة أو بتعدي النجاة من موقف لموقف. وتكرار النجاة هو أن يكون الحدث واحداً وينجي الحق فيه أفراداً كثيرين، أو يكون الحدث واحداً والطالب للنجاة منه فرداً واحداً، ويكرر الله نجاته من هذا الحدث. إن الحق سبحانه ينجِّي الفرد أو الجماعة من الأحداث أو الكوارث المختلفة. وسبحانه القائل: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12]. إن الإنسان إذا ما أصابه الضر في نفسه أو ماله أو نحو ذلك، أحس بضعفه ودعا ربه في أي حالة من حالاته - سواء أكان مضطجعاً أم قاعداً أم قائماً - حتى يكشف الله عنه هذا البلاء، وعندما يستجيب الله لدعاء هذا الإنسان ينسى هذا الإنسان فضل الله عليه كأنه لم يدع الله أن يزيل عنه الضر. والحق سبحانه يقول: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} تفسير : [الإسراء: 67]. وسبحانه - هنا - يُذكِّر المشركين ومن كان على شاكلتهم أنهم عندما يصيبهم الضر في البحر يغيب عنهم كل من كانوا يدعونه سواء من الأصنام أو غيرها ولا يلجأون إلا الله حتى ينجيهم من الغرق ويخرجهم إلى البر، ومن بعد ذلك يعودون إلى الشرك بالله والجحود بنعمته سبحانه. وكذلك هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63]. لقد دعوا الله بالتضرع والتذلل أن ينِّجيهم من ظلمات البر والبحر، ووعدوا أن يكونوا من الشاكرين، ولكن ماذا كان موقفهم بعد أن أنجاهم الله؟ يقول الحق سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ ...}
الجيلاني
تفسير : {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي: شدائدها وأهوالها حين {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً} متضرعين معلنين {وَخُفْيَةً} مناجين مسرين قائلين: {لَّئِنْ أَنجَانَا} الله بلطفه {مِنْ هَـٰذِهِ} الأهوال والمخاوف {لَنَكُونَنَّ} لنعمه الصارفين لها إلى مقتضى ما امره الحق ورضي عنه {مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63]. {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} هم وغم {ثُمَّ} بعدما أنجاكم الله {أَنتُمْ} أيها المنهمكون في بحر الضلال {تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 64] به ما لا وجود له من التماثيل، وتكفرون نعمة العقل المفاض من عنده لتتنبهوا إلى توحيده. {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ} المقتدر {عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً} نازلاً {مِّن فَوْقِكُمْ} مثل الرعد والبرق والصواعق الكائنة في الجو {أَوْ} حادثاً {مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} مثل الزلزلة والغرق وغير ذلك {أَوْ يَلْبِسَكُمْ} ويخلط عليكم أهواءكم ويجعلكم {شِيَعاً} فرقاً متخالفة متقابلة {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} بالقتل والسبي والإجلاء {ٱنْظُرْ} أيها الرائي {كَيْفَ نُصَرِّفُ} نجدد ونكرر لهم {ٱلآيَاتِ} أي: دلائل توحيدنا وشواهده {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} الأنعام: 65] رجاء أن يتفطنوا إلى سر توحيدنا وسريان هويتنا في مظاهرنا، ومع ذلك لم ينتبهوا. {وَ} من عدم تفطنهم وتنبههم {كَذَّبَ بِهِ} أي: بما جاء من عندنا إليك من الكتاب الجامع للكتب السالفة {قَوْمُكَ} يعني: قريشاً، ونسبوه لا ما لا يليق بجنابنا {وَ} الحال أنه {هُوَ ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع نزوله منا إليك {قُل} لهم في مقابلة تكذيبهم: {لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66] موكل لحفظكم ليحفظكم عما يضركم بل ما علي إلا البلاغ والحفظ والوقاية بيد الله.ط واعلموا أن {لِّكُلِّ نَبَإٍ} خبر وآيات نازلة من الله {مُّسْتَقَرٌّ} مقر ومورد {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 67] حين تقرره ونزوله في مورده في الدنيا والآخرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي { قُلْ } للمشركين بالله، الداعين معه آلهة أخرى، ملزما لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، على ما أنكروا من توحيد الإلهية { مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } أي: شدائدهما ومشقاتهما، وحين يتعذر أو يتعسر عليكم وجه الحيلة، فتدْعون ربكم تضرعا بقلب خاضع، ولسان لا يزال يلهج بحاجته في الدعاء، وتقولون وأنتم في تلك الحال: { لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ } الشدة التي وقعنا فيها { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } لله، أي المعترفين بنعمته، الواضعين لها في طاعة ربهم، الذين حفظوها عن أن يبذلوها في معصيته. { قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ } أي: من هذه الشدة الخاصة، ومن جميع الكروب العامة. { ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } لا تفون لله بما قلتم، وتنسون نعمه عليكم، فأي برهان أوضح من هذا على بطلان الشرك، وصحة التوحيد؟!
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):