Verse. 854 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ ہُوَالْقَادِرُ عَلٰۗي اَنْ يَّبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّنْ فَوْقِكُمْ اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ اَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَّيُذِيْقَ بَعْضَكُمْ بَاْسَ بَعْضٍ۝۰ۭ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّہُمْ يَفْقَہُوْنَ۝۶۵
Qul huwa alqadiru AAala an yabAAatha AAalaykum AAathaban min fawqikum aw min tahti arjulikum aw yalbisakum shiyaAAan wayutheeqa baAAdakum basa baAAdin onthur kayfa nusarrifu alayati laAAallahum yafqahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(قل هو القادر) على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) من السماء كالحجارة والصيحة (أو من تحت أرجلكم) كالخسف (أو يلبسكم) يخلطكم (شيعا) فرقا مختلفة الأهواء (ويذيق بعضكم بأس بعض) بالقتال، قال صلى الله عليه وسلم: لما نزلت (هذا أهون وأيسر) ولما نزل ما قبله:، (أعوذ بوجهك رواه البخاري وروى مسلم حديث "" سألت ربي ألا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها "" وفي حديث "" لما نزلت قال أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد "" (أنظر كيف نصرف) نبين لهم (الآيات) الدلالات على قدرتنا (لعلهم يفقهون) يعلمون أن ما هم عليه باطل.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة، وأما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم، وتارة من تحت أرجلهم ففيه قولان: الأول: حمل اللفظ على حقيقته فنقول: العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق، كما في قصة نوح والصاعقة النازلة عليهم من فوق. وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق. كما حصب قوم لوط، وكما رمى أصحاب الفيل، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم. فمثل الرجفة، ومثل خسف قارون. وقيل: هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق، وظهورها من أسفل. القول الثاني: أن يحمل هذا اللفظ على مجازه. قال ابن عباس: في رواية عن عكرمة عذاباً من فوقكم أي من الأمراء، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة. أما قوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } فاعلم أن الشيع جمع الشيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة والجمع شيع وأشياع. قال تعالى: {أية : كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مّن قَبْلُ } تفسير : [سبأ: 54] وأصله من الشيع وهو التبع، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً. قال الزجاج قوله: {يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقاً ولا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضاً وهو معنى قوله: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «حديث : ما بقاء أمتي إن عوملوا بذلك» تفسير : فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك، فسأل ربه أن لا يفعل بهم ذلك. فقال جبريل: إن الله قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذاباً من فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط، ولا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون ولم يجرهم من أن يلبسهم شيعاً بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض بالسيف. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة الناجية فرقة» تفسير : وفي رواية أخرى كلهم في الجنة إلا الزنادقة. المسألة الثانية: ظاهر قوله: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } هو أنه تعالى يحملهم على الأهواء المختلفة والمذاهب المتنافية. وظاهر أن الحق منها ليس إلا الواحد، وما سواه فهو باطل فهذا يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على الاعتقاد الباطل وقوله: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } لا شك أن أكثرها ظلم ومعصية، فهذا يدل على كونه تعالى خالقاً للخير والشر، أجاب الخصم عنه بأن الآية تدل على أن الله تعالى قادر عليه وعندنا الله قادر على القبيح. إنما النزاع في أنه تعالى هل يفعل ذلك أم لا؟ والجواب: أن وجه التمسك بالآية شيء آخر فإنه قال: {هُوَ ٱلْقَادِرُ } على ذلك وهذا يفيد الحصر فوجب أن يكون غير الله غير قادر على ذلك وهذا الاختلاف بين الناس حاصل وثبت بمقتضى الحصر المذكور أن لا يكون ذلك صادراً عن غير الله فوجب أن يكون صادراً عن الله وذلك يفيد المطلوب. المسألة الثالثة: قالت المقلدة والحشوية: هذه الآية من أدل الدلائل على المنع من النظر والاستدلال، وذلك لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف والمنازعة في الأديان وتفرق الخلق إلى المذاهب والأديان وذلك مذموم بحكم هذه الآية، والمفضي إلى المذموم مذموم، فوجب أن يكون فتح باب النظر والاستدلال في الدين مذموماً وجوابه سهل والله أعلم. ثم قال تعالى في آخر الآية: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } قال القاضي: هذا يدل على أنه تعالى أراد بتصريف هذه الآيات وتقرير هذه البينات، أن يفهم الكل تلك الدلائل ويفقه الكل تلك البينات. وجوابنا: بل ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : أي القادر على إنجائكم من الكرب، قادر على تعذيبكم. ومعنى {مِّن فَوْقِكُمْ} الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح؛ كما فعل بعادٍ وثمودَ وقومِ شعيبٍ وقومِ لوطٍ وقومِ نوحٍ؛ عن مجاهد وابن جُبير وغيرِهما. {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} الخسْف والرّجفة؛ كما فعل بقارون وأصحاب مَدْين. وقيل: «من فوقكم» يعني الأمراء الظلمة، «ومن تحت أرجلكم» يعني السّفِلة وعَبيد السّوء؛ عن ابن عباس ومجاهد أيضاً. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} وروي عن أبي عبد الله المدنِيّ «أو يُلبسكم» بضم الياء، أي يجلّلكم العذاب ويعمّكم به، وهذا من اللُّبس بضم الأوّل، وقراءة الفتح من اللَّبْس. وهو موضع مشكِل والأعراب يبيّنه. أي يَلبس عليكم أمركم، فحذف أحد المفعولين وحرف الجر؛ كما قال: {أية : وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ}تفسير : [المطففين: 3] وهذا اللَّبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلِفي الأهواء؛ عن ابن عباس. وقيل: معنى «يلبسكم شيعاً» يقوّي عدوّكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبِسكم. {شِيَعاً} معناه فِرقاً. وقيل يجعلكم فرقاً يقاتل بعضكم بعضاً؛ وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم على طلب الدنيا. وهو معنى قوله {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أي بالحرب والقتل في الفتنة؛ عن مجاهد. والآية عامّة في المسلمين والكفار. وقيل هي في الكفار خاصّةً. وقال الحسن: هي في أهل الصلاة. قلت: وهو الصحيح؛ فإنه المشاهد في الوجود، فقد لَبِسنا العدوّ في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضاً وٱستباحة بعضنا أموال بعض. نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وعن الحسن أيضاً أنه تأوّل ذلك فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم. روى مسلم عن ثَوْبَانَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله زوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنّ أمتي سيبلغ مُلْكها ما زُوِي لِي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمّتي ألا يهلكها بسنَة عامّة وألاّ يسلّط عليهم عدوًّا مِن سِوَى أنفسِهم فيستبيحَ بَيْضَتهم وإنّ ربّي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُردّ وإني قد أعطيتك لأمتك ألاّ أهلكهم بسنَة عامّة وألا أسلط عليهم عدوّاً من سِوَى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو ٱجتمع عليهم من بإقطارها ـ أو قال من بين أقطارها ـ حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً ويَسْبِي بعضهم بعضاً»تفسير : . وروى النسائيّ حديث : عن خَبّاب بن الأَرَتّ، وكان قد شهِد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلةَ كلّها حتى كان مع الفجر، فلما سلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته جاءه خَبّاب فقال: يا رسول الله، بأبِي أنت وأميٰ لقد صليتَ الليلة صلاة ما رأيتك صَليتَ نحوها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجَلْ إنها صلاة رَغَب ورَهَب سألتُ الله عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل ألا يُهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يظهر علينا عدوًّا مِن غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يُلبسنا شِيَعاً فمنعنِيها»تفسير : . وقد أتينا على هذه الأخبار في كتاب (التذكرة) والحمد لله. حديث : وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لجبريل: «يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك»؟ فقال له جبريل: «إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك» فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى وأحسن الصلاة، ثم دعا فنزل جبريل وقال: «يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم». فقال: «يا جبريل ما بقاء أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض»؟ فنزل جبريل بهذه الآية: {الۤـمۤ} {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا} الآيةتفسير : . وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجه الله» فلما نزلت {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: «هاتان أهون»تفسير : . وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: «حديث : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسِي وحين يصبح: اللَّهُمَّ إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللَّهُمَّ إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. اللَّهُمَّ ٱستر عوراتي وآمن رَوْعاتي واحفظني من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال مِن تحتي»تفسير : . قال وكِيع: يعني الخَسْف. قوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي نبين لهم الحجج والدلالات {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} يريد بطلان ما هم عليه من الشِّرْك والمعاصي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ } من السماء كالحجارة والصيحة {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } كالخسف {أَوْ يَلْبِسَكُمْ } يخلطكم {شِيَعاً } فرقاً مختلفة الأهواء {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } بالقتال، قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت « حديث : هذه أهون وأيسر » تفسير : ولما نزل ما قبله: « حديث : أعوذ بوجهك » تفسير : رواه البخاري وروى مسلم حديث « حديث : سألت ربي أن لا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها » تفسير : وفي حديث: لما نزلت قال حديث : « أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ } نبين لهم {الأَيَٰتِ } الدلالات على قدرتنا {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } يعلمون أنّ ما هم عليه باطل.

ابن عطية

تفسير : هذا إخبار يتضمن الوعيد، والأظهر من نسق الآيات أن هذا الخطاب للكفار الذين تقدم ذكرهم وهو مذهب الطبري، وقال أبيّ بن كعب وأبو العالية وجماعة معهما: هي للمؤمنين وهم المراد، قال أبي بن كعب: هي أربع خلال وكلهن عذاب وكلهن واقع قبل يوم القيامة فمضت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ثم لبسوا شيعاً وأذيق بعضهم بأس بعض، واثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم، وقال الحسن بن أبي الحسن: بعضها للكفار وبعضها للمؤمنين بعث العذاب من فوق وتحت للكفار وسائرها للمؤمنين، وهذا الاختلاف إنما هو بحسب ما يظهر من أن الآية تتناول معانيها المشركين والمؤمنين، وروي من حديث جابر وخالد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت {أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال أعوذ بوجهك فلما نزلت {أو من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك فلما نزلت {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال هذه أهون أو هذه أيسر، فاحتج بهذا من قال إنها نزلت في المؤمنين، وقال الطبري: وغير ممتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ لأمته من هذه الأشياء التي توعد بها الكفار، وهون الثالثة لأنها بالمعنى هي التي دعا بها فمنع حسب حديث الموطأ وغيره، وقد قال ابن مسعود: إنها أسوأ الثلاث، وهذا عندي على جهة الإغلاظ في الموعظة، والحق أنها أيسرها كما قال عليه السلام، و {من فوقكم ومن تحت أرجلكم} لفظ عام للمنطبقين على الإنسان وقال السدي عن أبي مالك {من فوقكم} الرجم {ومن تحت أرجلكم} الخسف وقاله سعيد بن جبير ومجاهد، وقال ابن عباس رضي الله عنه: {من فوقكم} ولاة الجور {ومن تحت أرجلكم} سفلة السوء وخدمة السوء. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه كلها أمثلة لا أنها هي المقصود، إذ هذه وغيرها من القحوط والغرق وغير ذلك داخل في عموم اللفظ و {يلبسكم} على قراءة الستة معناه يخلطكم شيعاً فرقاً بتشيع بعضها لبعض، واللبس الخلط، وقال المفسرون هو افتراق الأهواء والقتال بين الأمة، وقرأ أبو عبد الله المدني "يُلبسكم" بضم الياء من ألبس فهوعلى هذه استعارة من اللباس، فالمعنى أو يلبسكم الفتنة شيعاً و {شيعاً} منصوب على الحال وقد قال الشاعر [النابغة الجعدي]: [المتقارب] شعر : لبِسْت أُناساً فأفْنَيْتهم تفسير : فهذه عبارة عن الخلطة والمقاساة، والبأس القتل وما أشبهه من المكاره، {ويذيق} استعارة إذ هي من أجل حواس الاختبار، وهي استعارة مستعملة في كثير من كلام العرب وفي القرآن، وقرأ الأعمش "ونذيق" بنون الجماعة، وهي نون العظمة في جهة الله عز وجل، وتقول أذقت فلاناً العلقم تريد كراهية شيء صنعته به ونحو هذا، وفي قوله تعالى {انظر كيف نصرف} الآية، استرجاع لهم وإن كان لفظها لفظ تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم فمضمنها أن هذه الآيات والدلائل إنما هي لاستصرافهم عن طريق غيهم، و "الفقه" الفهم، والضمير في {به} عائد على القرآن الذي فيه جاء تصريف الآيات، قاله السدي وهذا هو الظاهر، وقيل يعود على النبي عليه السلام وهذا بعيد لقرب مخاطبته بعد ذلك بالكاف في قوله: {قومك} ويحتمل أن يعود الضمير على الوعيد الذي تضمنته الآية ونحا إليه الطبري، وقرأ ابن أبي عبلة "وكذبك قومك" بزيادة تاء، و {بوكيل} معناه بمدفوع إلى أخذكم بالإيمان والهدى، والوكيل بمعنى الحفيظ، وهذا كان قبل نزول الجهاد والأمر بالقتال ثم نسخ، وقيل لا نسخ في هذا إذ هو خبر. قال القاضي أبو محمد: والنسخ فيه متوجه لأن اللازم من اللفظ لست الآن، وليس فيه أنه لا يكون في المستأنف وقوله: {لكل نبأ مستقر} أي غاية يعرف عندها صدقه من كذبه {وسوف تعلمون} تهديد محض ووعيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّن فَوْقِكُمْ} أئمة السوء {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} عبيد السوء قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو من فوقهم: الرجم، ومن تحتهم: الخسف، أو من فوقهم: الطوفان، ومن تحتهم: الريح. {يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} الأهواء المختلفة، أو الفتن والاختلاف. {بَأْسَ بَعْضٍ} بالحروب والقتل، نزلت في المشركين، أو في المسلمين وشق نزولها على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : إني سألت ربي أن يجيرني من أربع فأجارني من خصلتين، ولم يجرني من خصلتين، سألته أن لا يهلك أمتي بعذاب من فوقهم كما فعل بقوم نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبقوم لوط، فأجابني، وسألته أن لا يهلك أمتي بعذاب من تحت أرجلهم كما فعل بقارون فأجابني، وسألته أن لا يفرقهم شيعاً فلم يجبني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يجبني"تفسير : ، ونزل {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} تفسير : [العنكبوت: 1، 2].

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ...} الآية: هذا إخبارٌ يتضمَّن الوعيدَ، والأظهرُ مِنْ نَسَقِ الآياتِ: أنَّ هذا الخطابَ للكفَّار الذين تَقَدَّم ذكرهم، وهو مَذْهَبُ الطبريِّ. وقال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وجماعة: هو للمؤمِنِينَ، وهم المرادُ. وهذا الاختلافُ إنما هو بحَسَبِ ما يَظْهَرُ منْ أنَّ الآية تتناوَلُ معانِيهَا المشركِينَ والمؤمنينَ؛ وفي «البخاريِّ» وغيره مِنْ حَدِيثِ جابرٍ وغيره: «حديث : أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لما نزلَتِ الآيةُ: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ}، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: هذه أهونُ أو أيَسر»تفسير : ؛ فٱحتجَّ بهذا الحديثِ مَنْ قال: إنَّها نَزَلَتْ فِي المؤمنينَ، قال الطَّبريُّ وغيره: مُمْتَنِعٌ أنْ يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعوَّذ لأمَّته مِنْ هذه الأشياءِ الَّتي توعَّد بها الكُفَّار، وهَوَّنَ الثالثةَ؛ لأنَّها بالمعنَىٰ هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديثِ «المُوطَّإ» وغيره، و {مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: لفظٌ عامٌّ للمنطبقِينَ علَىَ الإنسان، وقال السُّدِّيُّ، عن أبي مالِكٍ: {مِّن فَوْقِكُمْ}: الرَّجْم، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: الخَسْف؛ وقاله سعيدُ بن جُبَيْر ومجاهد. وقوله سبحانه: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}: معناه: يخلِّطكم فِرَقاً، والبأْسُ: القَتْل، وما أشبهه من المَكَارِهِ، وفي قوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلأَيَـٰتِ}: استرجاعٌ لهم، وإنْ كان لفظها لَفْظَ تعجيب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فمضمَّنها أنَّ هذه الآياتِ والدلائلَ؛ إنما هي لاستصرافهم عن طريقِ غَيِّهم، والفِقْهُ: الفَهْمُ. وقوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ}، الضمير في {بِهِ} عائدٌ على القُرآن الذي فيه جاءَ تصريفُ الآياتِ؛ قاله السُّدِّيُّ، وهذا هو الظاهرُ، ويحتملُ أنْ يعود الضميرُ على الوَعِيدِ الذي تضمَّنَتْه الآيةُ، ونحا إليه الطبريُّ، وقوله: {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}: معناه: لسْتُ بمدفوعٍ إلى أخْذكم بالإيمان والهُدَىٰ، وهذا كان قَبْلَ نزول آياتِ الجهادِ والأمْرِ بالقتالِ، ثم نُسِخَ. وقوله سبحانه: {لّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ}: أيْ: غايةٌ يعرف عنْدَها صِدْقُه من كَذبِه، و {سَوْفَ تَعْلَمُونَ }: تهديدٌ محْضٌ ووعيدٌ.

ابن عادل

تفسير : وهذا نوع آخر من دلائلِ التوحيد مَمْزُوجٌ بالتخويف فبين كونه - تعالى - قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطُّرُقِ المختلفة تارة من فوقهم، وتارةً من تحت أرجلهم، فقيل: هذا حقيقة. فأما العذابُ من فوقهم كالمطرِ النازل عليهم في قِصَّةِ نوح، والصَّاعقةِ، والرِّيحِ، والصَّيْحةِ، ورَمْي أصحاب الفيل. وأما الذي من تحت أرجلهم: كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ، وقيل: حبس المطر والنبات. وقيل: هذا مجاز. قال مجاهد وابن عباس في رواية عكرمة: "مِنْ فَوْقِكُمْ" أي: من الأمراء، أو من تحت أرجلكم من العبيد والسَّفلةِ. قوله: {عَذَاباً مِنْ فَوقكُم} يجوز أن يكون الظَّرْفُ معلِّقاً بـ "نبعث" وأن يكون متعلّقاً بمحذوف على أنه صفةٌ لـ "عذاباً" أي: عذاباً كائناً من هاتين الجِهَتين. قوله: {أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} عطف على "يبعث". والجمهور على فتح الياء من "يَلْبِسَكُمْ" وفيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى يخلطكم فِرقاً مختلفين على أهْوَاء شَتَّى كل فرقة مُشَايعة لإمام، ومعنى خَلْطِهِم: إنْشابُ القتالِ بينهم، فيختلطون في ملاحم القتال كقول الحماسي: [الكامل] شعر : 2190- وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتيبَةٍ حَتَّى إَذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يِدِي فَتَرَكْتُهُمْ تَقِصُ الرِّمَاحُ ظُهُورَهُمْ مَا بَيْنَ مُنْعَفِرٍ وَآخَرَ مُسْنَدِ تفسير : وهذه عبارة الزمخشري: فجعله من اللَّبْسِ الذي هو الخَلْطُ، وبهذا التفسير الحسن ظهر تعدِّي "يلبس" إلى المفعول، و"شِيَعاً" نصب على الحال، وهي جمع "شِيْعة" كـ "سِدْرَة" و "سِدَر". وقيل: "شِيعاً" منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول, أي: إنه مصدر على غير الصدر كقعدت جلوساً. قال أبو حيَّان: "ويحتاج في جعله مصدراً إلى نقل من اللغة". ويجوز على هذا أيضاً أن يكون حالاً كـ "أتَيْتُهُ رَكْضاً" أي: راكضاً، أو ذا ركض. وقال أبو البقاء: والجمهور على فتح الياء، أي: يَلْبِسُ عليكم أموركم، فحذف حرف الجر والمفعول، والأجود أن يكون التقدير: أو يَلْبِسُ أموركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. فصل في معنى الآية قال المُفَسِّرُونَ: معناه: أن يجعلكم فرقاً، ويثبت فيكم الأهواء المختلفة. وروى عمرو بن دينار عن جابرٍ، قال:حديث : لما نزلت هذه الآية {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ" قال: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ". قال: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أهْوَنُ أوْ هَذَا أيْسَرُ"تفسير : وعن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه قال:حديث : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني مُعاويةَ، فدخل وصلَّى ركعتين، وصلينا معه فناجى ربه طويلاً، ثم قال: "سَألْتُ ربِّي ثلاثاً: ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي فأعْطَانِيها، وسَألْتُهُ ألاَّ يُهْلِكَ أمَّتِي بالسَّنَةِ فأعْطَانيها، وسَألْتُهُ ألاَّ يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمنَعَنِيهَا" تفسير : وعن ابن عُمَرَ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد، فسأله الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين، ومنعه واحدة، سأله ألاَّ يُسَلِّطَ على أمته عدواً من غيرهم يظهر عليهم، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يهلكهم بالسِّنين، فأعطاه ذلك، وسأله ألاَّ يجعل بَأسَ بعضهم على بَعْضٍ فمنعه ذلك. فصل في مزيد بيان عن الآية ظاهر قوله تعالى: {أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا} أنه يجعلهم على الأهْوَاءِ المختلفة، والمذاهب المُتنافيةِ، والحق منها ليس إلا لواحدٍ، وما سواه فهو باطل، وهذا يقتضي أنه - تعالى - قد يحمل المُكَلَّف على اعتقاد الباطِلِ. وقوله: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض} لا شَكَّ أن أكثرها ظُلم ومعصية، وهذا يدل على كونه - تعالى - خالقاً للخير والشر. وأجاب الخَصْمُ عنه بأن الآية تَدُلُّ على أنه - تعالى - قادر عليه، وعندنا أن الله - تعالى - قَادِرُ على القُبْحِ، إنما النزاع في أنه - تعالى - هل يفعل ذلك أم لا؟ وأجيب بأن وَجْهَ التَّمَسُّكِ بالآية شيء آخر، فإنه قال: "هُوَ القادرُ" على ذلك، وهذا يفيد الحَصْرَ، فوجب أن يكون غَيْرُ الله غَيْرَ قادر على ذلك، وقد حصل الاختلافُ بين الناس، فثبت بِمُقْتَضَى الحَصْرِ المذكور ألاَّ يكون ذلك صَادِراً عن غير الله، فوجب أن يكون صادراً عن الله، وهو المطلوب. فصل في إثبات النظر والاستدلال قالت المعتزلة والحَشَويَّة: هذه الآية من أدَلِّ الدلائل على المَنْعِ من النظر والاستدلال؛ لأن فَتْحَ تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف، والمُنازعة في الأديان، وتفريق الخلائقِ إلى هذه المذاهبِ والأديان، وذلك مَذْمُومٌ بهذه الآية، والمُفْضِي إلى المذموم مَذْمُومٌ، فوجب أن يكون فتح باب النظر والاستدلال مَذْمُوماً. وأجيبوا بالآيات الدالة على وجوب النَّظَرِ والاستدلال كما تقدَّم مِرَاراً. فصل في قراءة "يلبسكم" قرأ أبو عبد الله المدني: "يُلْبِسَكُمْ" بضم الياء من "ألْبَسَ" رباعياً، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المفعول الثَّاني مَحْذُوفاً، تقديره أو يُلْبِسكم الفِتْنَةَ، و"شيعاً" على هذا حالٌ، أي: يلبسكم الفِتْنَةَ في حال تفرُّقِكُمْ وشَتَاتِكُمْ. الثاني: أن يكون "شيعاً" هو المفعول الثاني، كأنه جعل النَّاس يلبسون بعضهم مجازاً كقوله: [المتقارب] شعر : 2191- لَبِسْتُ أنَاساً فَأفْنَيْتُهُمْ وأفْنَيْتُ بَعْدَ أنَاسٍ أنَاسَا تفسير : والشِّيعَةُ: من يَتَقوَّى بهم الإنسان، والجمع: "شِيع" كما تقدم، و "أشْيَاع"، كذا قاله الراغب، والظاهر أن "أشْيَاعاً" جمع "شِيعَ" كـ "عنب" و "أعْنَاب"، و "ضِلَع" و "أضْلاع" و"شيع" جمع "شِيْعَة" فهو جمع الجمع. قوله: "ويُذيْقَ" نَسَقٌ على "يَبْعَث"، والإذاقَةُ اسْتِعَارةٌ، وهي فاشية: {أية : ذُوقُواْ مَسَّ سَقَر} تفسير : [القمر:48] {أية : ذُقْ إِنَّكَ} تفسير : [الدخان:49]، {أية : فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ} تفسير : [الأنعام:30]. وقال: [الوافر] شعر : 2192- أذَقْنَاهُمْ كُئُوسَ المَوْتِ صِرْفاً وَذَاقُوا مِنْ أسِنَّتِنَا كُئُوسَا تفسير : وقرأ الأعمش: "ونُذِيِقَ" بنون العظمة، وهو الْتِفَاتٌ، فائدته تعظيم الأمر، والتحذير من سطوَتِهِ. قوله: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون}. قال القاضي: هذا يَدُلُّ على أنه - تعالى - أراد بتصريف الآيات، وتقرير هذه البيِّنات أن يفهم الكل تلك الدلائل، ويفقه الكل تلك البيِّنات. وأجيب بأن ظاهِرَ الآية يَدُلُّ على أنه - تعالى - ما صرَّف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعْرَضَ وتمرَّدَ فهو تعالى ما صرَّف هذه الآيات لهم. قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} قوله: "وكذَّبَ بِهِ" "الهاء" في "به" تعود على العذاب المُتقدِّمِ في قوله: {عذاباً مِنْ فَوقِكُمْ} قاله الزمخشري. وقيل: تعود على القُرْآنِ. وقيل: تعود على الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة. وقيل: على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا بعيد؛ لأنه خُوطبَ بالكاف عقِيبَهُ، فلو كان كذلك لقال: وكذب به قومك، وادِّعاءُ الالتفات فيه أبْعَدُ. وقيل: لا بد من حَذْفِ صِفَةٍ هنا، أي: وكذب به قومك المُعَانِدُونَ، أو الكافرون؛ لأن قومه كلهم لم يُكَذِّبُوهُ، كقوله: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [هود:46] أي الناجين، وحذف الصفة وبقاء الموصوف قليل جداً، بخلاف العكس. وقرأ ابن أبي عبلة: "وكذَّبت" بتاء التأنيث، كقوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} تفسير : [الشعراء:105] {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} تفسير : [الشعراء:160] باعتبار الجماعة. قوله: {وهُوَ الحقُّ} في هذه الجملة وجهان: الظاهر منهما: أنها استئناف. والثاني: أنها حالٌ من "الهاء" في "به"، أي: كذبوا به في حالِ كونه حقَّا، وهو أعظم في القبح. والمعنى أن الضمير في "به" للعذاب، فمعنى كونه حقَّا لا بد أن ينزل بهم، وإن عاد إلى القرآن، فمعنى كونه حقّاً، أي: كتاب منزل من عند الله، وإن عاد إلى تصريف الآيات أي: أنهم كذَّبوا كون هذه الأشياءِ دلالاتٍ، وهو حق. قوله: "عَلَيْكُمْ" مُتعلِّقٌ بما بعده، وهو توكيد، وقدم لأجل الفواصِلِ، ويجوز أن يكون حالاً من قوله: "بِوَكِيلٍ"؛ لأنه لو تَأخَّرَ لجاز أن يكون صفة له، وهذا عند من يُجِيزُ تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف، وهو اختيار جماعةٍ، وأنشدوا عليه: [الخفيف] شعر : 2193- غَافِلاً تَعْرُضُ المَنِيَّةُ لِلْمَرْ ءِ فَيُدْعَى وَلاتَ حينَ إبَاءُ تفسير : فقدم "غافلاً" على صاحبها، وهو "المرء"، وعلى عاملها وهو "تَعْرُضُ" فهذا أوْلَى. ومنه [الطويل] شعر : 2194- لَئِنْ كَانَ بَرْدُ المَاءِ هَيْمَانَ صَادِياً إليَّ حَبِيباً إنَّهَا لَحَبِيبُ تفسير : أي: إليَّ هيمان صادِياً، ومثله: [الطويل] شعر : 2195- فَإن يَكُ أذْوَادٌ أصِبْنَ ونِسْوَةٌ فَلَنْ يَذْهَبُوا فَرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ تفسير : "فَرْغاً" حال من "يقتل"، و "حبال" بالمهملة اسم رَجُلٍ مع أن حرف الجر هنا زائد، فجوازه أوْلَى مما ذكرناه. فصل في المراد بالآية معنى الآية: قل لهم يا محمد: لست عليكم برَقيبٍ, وقيل: بمُسَلّط ألزمكم الإيمان شئتم أو أبيتم، وأجازيكُمْ على تَكْذِيبكُمْ، وإعراضكم عن قَبُولِ الدلائل، إنما أنا رسول ومُنْذِرٌ، والله المُجَازِي لكم بأعمالكم. قال ابن عبَّاس والمفسرون: نسختها آية القتال، وهو بعيد. قوله: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} [الأنعام:67] يجوز رفع "نبأ" بالابتدائية، وخبره الجَارُّ قَبلهُ، وبالفاعلية عند الأخفش بالجار قبله، ويجوز أن يكون "مستقر" اسم مصدر أي: استقرار [مكان، أو زمان؛] لأن ما زاد على الثُّلاثيَّ كان المصدر منه على زنةِ اسم المفعول؛ نحو: "المدخل" و "المخرج" بمعنى "الإدخال" و "الإخراج"، والمعنى أن لك وعْد ووعيد من الله استقرار، ولا بد وأن يعلموا [أن الأمر كما أخبر الله تعالى] ويجوز أن يكون مكان الاستقرار أو زمانه [وأن] لكل خبر يخبره الله وقتاً أو مكاناً يحصل فيه من غير خُلْفٍ ولا تأخير، وهذا الذي خَوَّفَ الكفار به يجوز أن يكون المُرَادُ به عذابَ الآخرة، ويجوز أن يكون المراد منه الاستيلاء عليهم بالحَرْبِ والقَتْلِ في الدُّنيا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: يعني من أمرائكم {أو من تحت أرجلكم} يعني سفلتكم {أو يلبسكم شيعاً} يعني بالشيع الأهواء المختلفة {ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عباس في قوله {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: أئمة السوء {أو من تحت أرجلكم} قال: خدم السوء. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {عذاباً من فوقكم} قال: من قبل أمرائكم وأشرافكم {أو من تحت أرجلكم} قال: من قبل سفلتكم وعبيدكم. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مالك {عذاباً من فوقكم} قال: القذف {أو من تحت أرجلكم} قال: الخسف. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: الصيحة والحجارة والريح {أو من تحت أرجلكم} قال: الرجفة والخسف وهما عذاب أهل التكذيب {ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: عذاب أهل الاقرار.؟ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {عذاباً من فوقكم} قال: الحجارة {أو من تحت أرجلكم} قال: الخسف {أو يلبسكم شيعاً} قال: الاختلاف والاهواء المفترقة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: عذاب هذه الأمة أهل الاقرار بالسيف {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} وعذاب أهل التكذيب الصيحة والزلزلة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال:حديث : لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: هذا أهون أو أيسر " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: حديث : لما نزلت {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من ذلك {أو يلبسكم شيعاً} قال: هذا أيسر ولو استعاذه لأعاذه " . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : في هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله {قل هو القادر ...} الآية. قال: هن أربع وكلهن عذاب، وكلهن واقع لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة، الخسف والرجم . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر} قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم قال "اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعاً، ولا تذق بعضهم بأس بعض، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوت ربي أن يدفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الرجم والغرق، وأبى أن يرفع القتل والهرج " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن خزيمة وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "تحدثون من آخركم وفاة؟ قلنا: أجل. قال: فإني من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفناداً يهلك بعضكم بعضاً، ثم نزع هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} حتى بلغ {لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون}" . تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار وابن حبان والحاكم وصححه واللفظ له وابن مردويه عن ثوبان "حديث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ربي روي لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها، وقال: يا محمد إني إذاً قضيت قضاء لم يرد، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة، ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً، وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، وأنه قال: كلها يوجد في مائة سنة، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي الله، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي، ولن يزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله. قال وزعم أنه لا ينزع رجل من أهل الجنة شيئاً من ثمرها إلا أخلف الله مكانها مثلها، وأنه قال: ليس دينار ينفقه رجل بأعظم أجراً من دينار ينفقه على عياله، ثم دينار ينفقه على فرسه في سبيل الله، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله. قال: وزعم أن نبي الله عظم شأن المسألة وأنه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا امر. فيقول: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيأخذ مواثيقهم على ذلك فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها، فينطلقون حتى إذا جاءوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً فهابوا، فرجعوا إلى ربهم فقالوا: ربنا فرقنا منها. فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعن، اعمدوا إليها فادخلوا. فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا، فيقول: ادخلوها داخرين. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أوّل مرة كان عليهم برداً وسلاماً " . تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمرو في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار، فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا؟ قلت: نعم. وأشرت له إلى ناحية منه فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؟ قلت: نعم. فقال أخبرني بهن. قلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فاعطيها، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها. قال: صدقت لا يزال الهرج إلى يوم القيامة. وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه عن أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال." حديث : سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " . تفسير : وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن أنس قال: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات، فلما انصرف قال "إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليها عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً فأبى عليّ" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن حذيفة بن اليمان قال "حديث : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية، واتبعث أثره حتى ظهر عليها فصلى الضحى ثمان ركعات، فأطال فيهن ثم التفت إلي فقال: إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوّاً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنين ففعل، وسألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً لها ففعل، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بعضها ببعض فمنعنيها " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : صليت صلاة رغباً ورهباً ودعوت دعاء رغباً ورهباً حتى فرج لي عن الجنة، فرأيت عناقيدها فهويت أن أتناول منها شيئاً فخوفت بالنار، فسألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين وكف عني الثالثة، سألته أن لا يظهر على أمتي عدوها ففعل، وسألته أن لا يهلكها بالسنين ففعل، وسألته أن لا يلبسها شيعاً ولا يذيق بعضها بأس بعض فكفها عني " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن شداد قال: حديث : فقد معاذ بن جبل أو سعد بن معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قائماً يصلي في الحرة، فأتاه فتنحنح، فلما انصرف قال: يا رسول الله رأيتك صليت صلاة لم تصل مثلها؟ قال "صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي جوعاً ففعل، ثم قرأ {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين...} [الأعراف: 130] الآية. وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم ففعل، ثم قرأ {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} [الفتح: 28] إلى آخر الآية، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، ثم قرأ {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} إلى آخر الآية، ثم قال: لا يزال هذا الدين ظاهراً على من ناوأهم" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن خباب بن الأرت في قوله {أو يلبسكم شيعاً} قال: حديث : راقب خباب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، حتى إذا كان في الصبح قال له: يا نبي الله لقد رأيتك تصلي هذه الليلة صلاة ما رأيتك تصلي مثلها؟ قال "أجل إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلكنا بما أهلكت به الأمم قبلكم فأعطاني، وسألته أن لا يسلط علينا عدواً من غيرنا فأعطاني، وسألته أن لا يلبسنا شيعاً فمنعني" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: قد كانت صلاة رغبة ورهبة، فسألت الله فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين وبقي واحدة، سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها " . تفسير : وأخرج الطبراني عن خالد الخزاعي وكان من أصحاب الشجرة قال: حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة فأخف وجلس فأطال الجلوس، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلت الجلوس في صلاتك؟ قال: "إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يسحتكم بعذاب أصاب من كان قبلكم فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط على بيضتكم عدواً فيجتاحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها" تفسير : وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن ضرار بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : في قوله {أو يلبسكم شيعاً} قال: أربع فتن: تأتي فتنة الأولى يستحل فيها الدماء، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر، تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي أن لا يهلك قومي بسنة عامة، وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض. فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً ، وبعضهم يسبي بعضاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن المنذر واللفظ له وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطال قيامها وركوعها وسجودها، فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد أطلت اليوم الصلاة؟ فقال "إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً من سواهم فيهلكهم عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم سنة فتهلكهم عامة فأعطانيها، ولفظ أحمد، وابن ماجة، وسألته أن لا يهلكهم غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم فأعطانيها، وسألته لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " . تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال " حديث : لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً} قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، ولا يلبس أمته شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل، فهبط إليه جبريل فقال: يا محمد إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك إثنتين ومنعك إثنتين، لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها، ولكنهم يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض وهذان عذابان لأهل الإِقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء ولكن يعذبون بذنوبهم، وأوحى الله إليه {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون} [الزخرف: 41] يقول: من أمتك، أو نرينك الذي وعدناهم من العذاب وأنت حي فإنا عليهم مقتدرون . فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه فقال: أي مصيبة أشد من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضاً، وأوحى إليه {آلمَ، أحسب الناس أن يتركوا} [العنكبوت: 1-2] الآيتين. فأعلمه أن أمته لم تخص دون الأمم بالفتن، وأنها ستبتلى كما ابتليت الأمم، ثم أنزل عليه {قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين} [المؤمنون: 93] فتعوذ نبي الله فأعاذه الله لم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة، ثم أنزل عليه آية حذر فيها أصحاب الفتنة، فأخبره أنه إنما يخص بنها ناس منهم من دون ناس فقال {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25] فخص بها أقواماً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده، وعصم بها أقواماً " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: حديث : لما نزلت {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً} الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف، فقالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله؟ قال: نعم. فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبداً، فأنزل الله {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون، وكذب به قومك وهو الحق} إلى قوله {وسوف تعلمون}" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قولة {عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال: هذا للمشركين {أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: هذا للمسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه عن ابن إسحق عن عبد الله بن أبي بكر قال: قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} فقال: أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فهمت منها إذ ذاك ما فهمت اليوم لقد كنت إذ ذاك أسلمت . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وكذب به قومك} يقول: كذبت قريش بالقرآن {وهو الحق} وأما الوكيل: فالحفيظ. وأما {لكل نبإٍ مستقر} فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب . وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله {قل لست عليكم بوكيل} قال: نسخ هذه الآية، آية السيف {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [الزخرف: 41] . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لكل نبأ مستقر} يقول: حقيقة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قرأ {لكل نبإٍ مستقر} قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها . وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون} يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان في الآخرة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون} قال: لكل نبأ حقيقة، أما في الدنيا فسوف ترونه، وأما في الآخرة فسوف يبدو لكم.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان أنه تعالى هو القادرُ على إلقائهم في المهالك إثرَ بـيانِ أنه هو المُنْجي لهم منها، وفيه وعيدٌ ضمنيٌّ بالعذاب لإشراكهم المذكورِ على طريقة قولِه عز وجل: {أية : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ }تفسير : [الإسراء، الآية 68 ] إلى قوله تعالى: {أية : أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [الإسراء، الآية 69] ، و(عليكم) متعلقٌ (بـيبعثَ) وتقديمُه على مفعوله الصريح للاعتناء به والمسارعةِ إلى بـيان كون المبعوثِ مما يضرُّهم، ولتهويل أمْرِ المؤخرِ. وقوله تعالى: {مّن فَوْقِكُمْ} متعلقٌ به أيضاً أو بمحذوف وقع صفةً لعذاباً أي عذاباً كائناً من جهة الفوق كما فَعَل بمن فَعَل من قوم لوطٍ وأصحابِ الفيل وأضرابِهم {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} أو من جهة السُفلِ كما فعل بفِرْعونَ وقارونَ، وقيل: (مِنْ فوقكم) أكابِرُكم ورؤسائِكم و(من تحت أرجلِكم) سفلتُكم وعبـيدُكم، وكلمة أو لمنع الخُلوّ دون الجمع، فلا منْعَ لما كان من الجهتين معاً، كما فُعل بقوم نوحٍ {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أي يخلطَكم فِرَقاً متحزّبـين على أهواءَ شتّى، كلُّ فرقةٍ مشايعةٌ لإمامٍ فينشَبُ بـينكم القتالُ فتختلطوا في الملاحم كقول الحَماسي: [الكامل] شعر : وكتيبةٍ لبَّستُها بكتيبة حتى إذا التَبَسَتْ نفضْتُ لها يدي تفسير : {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} عطفٌ على (يبعثَ) وقرىء بنون العظمة على طريقة الالتفات لتهويل الأمرِ والمبالغةِ في التحذير، والبعضُ الأولُ الكفارُ والآخَرُ المؤمنون ففيه وعدٌ ووعيد. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه قال عند قوله تعالى: {عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ}: «أعوذُ بوجهك». وعند قوله تعالى: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}: «أعوذ بوجهك». وعند قوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}: هذا أهونُ أو هذا أيسرُ»). وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سألت ربـي أن لا يبعثَ على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلِهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعلَ بأسهم بـينهم فمنعني ذلك» تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} من حال إلى حال {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} كي يفقَهوا ويقِفوا على جلية الأمرِ فيرجِعوا عماهم عليه من المكابرة والعِناد. {وَكَذَّبَ بِهِ} أي بالعذاب الموعود أو القرآنِ المجيد الناطقِ بمجيئه، {قَوْمِكَ} أي المعاندون منهم، ولعل إيرادَهم بهذا العنوان للإيذان بكمالِ سوءِ حالِهم، فإن تكذيبَهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مما يقضي بغاية عَتُوِّهم ومكابرتهم، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مراراً من إظهار الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر، وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} حال من الضمير المجرورِ أي كذبوا به والحال أنه الواقعُ لا محالة، أو أنه الكتابُ الصادقُ في كل ما نطقَ به، وقيل: هو استئنافٌ، وأياً ما كان ففيه دلالةٌ على عِظَم جنايتِهم ونهاية قُبْحِها {قُلْ} لهم منبِّهاً على ما يؤول إليه أمرُهم وعلى أنك قد أديتَ ما عليك من وظائف الرسالة {لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بحفيظٍ وُكِّلَ إليَّ أمرُكم لأمنَعَكم من التكذيب وأُجبِرَكم على التصديق، إنما أنا منذرٌ وقد خرجتُ عن العُهدة حيث أخبرتُكم بما سترَونه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} [الآية: 65]. قال القاسم: عذابًا من فوقكم اللهو والنظر إلى المحرمات والنطق بالفواحش، أو من تحت أرجلكم: المشى إلى الملاهى وأبواب السلاطين وهتك أستار المحرمات، أو يلبسكم شيعًا يرفع عما بينكم الألفة، ويذيق بعضكم بأس بعض بتكفير أهل الأهواء بعضهم بعضًا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}. إذا أراد الله هلاك قومٍ أمر البلاء حتى يحيط بهم سرادقه كما يحيط بالكفار غداً إذا أدركتهم العقوبة، وخرج بعضهم على بعض؛ حتى يتبرأ التابع من المتبوع، والمتبوع من التابع. قوله جلّ ذكره: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}. لا طعمَ أردأ للإنسان من طعم الإنسان: إن شِئْتَ من الولاية والمحبة، وإن شئت في العداوة والبغضة؛ فَمَنْ مُنِي بالبغضة مع أشكاله تنغَّصَ عليه عَيْشُه في الدنيا، ومَنْ مُنِيَ بمحبة أمثاله تكدَّر عليه حالُه مع المولى، ومن صانَه عن الخلق فهو المحفوظ (المعاني).

اسماعيل حقي

تفسير : {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا} لاجل اشراككم {من فوقكم} اى عذابا كائنا من جهة الفوق كما فعل بقوم نوح عليه السلام بحيث اهلكهم بان ارسل عليهم الطوفان والصاعقة والريح والصيحة واهلك قوم لوط واصحاب الفيل بان امطر عليهم حجارة {او من تحت ارجلكم} اى من جهة السفل كما اغرق فرعون وخسف بقارون. وقيل من فوقكم ملوككم واكابركم ورؤسائكم ومن تحت ارجلكم عبيدكم السوء وسفلتكم وسفهائكم وكلمة او لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين معا كما فعل بقوم نوح {أو يلبسكم} من لبست عليه الامر اى خلطته من باب ضرب واما لبست الثوب فمن باب علم ومصدر الاول اللبس بالفتح والثانى بالضم والمعنى او يخلطكم {شيعا} منصوب على انه حال من مفعول يلبسكم وهو جمع شيعة كسدة وسدر. والشعية كل قوم اجتمعوا عى امر اى يخلطكم حال كونكم فرقا متجزئين على اهواء شتى ومذاهب مختلفة كل فرقة مشايعة لامام فينشب بينكم القتال اى يهيج ويظهر فهذا الخلط هو خلط اضراب لا خلط اتفاق {ويذيق بعضكم بأس بعض} يقاتل بعضكم بعضا ومن سنة الله تعالى ان يذيق الكافرين بأس المؤمنين وبالعكس وان يذيق بعض الكافرين بأس بعض وبعض المؤمنين بأس بعضهم كما هو فى اكثر الازمان والاعصار على حسب التربية المبنية على جماله وجلاله تعالى وفى الحديث "حديث : سألت ربى ثلاثا فاعطانى اثنتين ومنعنى واحدة سألت ربى ان لا يهلك امتى بالسنة فاعطانيها فسألته ان لا يهلك امتى بالغرق فاعطانيها وسألته ان لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " .تفسير : اراد بالسنة قحطا يعم امته وبالغرق بفتح الراء ما يكون على سبيل العموم كطوفان نوح عليه السلام قال حضرة الشيخ الشهير فافتاده افندى البروسوى تأثير طوفان نوح عليه السلام يظهر فى كل ثلاثين سنة مرة واحدة لكن على الخفة فيقع مطر كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السيل اهـ كلامه واراد عليه السلام بالبأس الحرب والفتن وفى الحديث "حديث : فناء امتى بالطعن والطاعون " .تفسير : وفى آخر "حديث : اذا وضع السيف فى امتى لم يرفع منها الى يوم القيامة " .تفسير : وفيه معجزة للنبى عليه السلام حيث كان الامر كما اخبره. والبأس الشدة فى الحرب وسبب دخول البأس عدم حكم الاثمة بكتاب الله تعالى وسبب تسلط العدو نقض عهد الله وعهد رسوله كما جاء فى بعض الاحاديث {انظر} يا محمد {كيف نصرف} لهم {الآيات} القرآنية من حال الى حال بالوعد والوعيد اى نبين لهم آية على اثر آية ونوردها على وجوه مختلفة من اول السورة الى هنا {لعلهم يفقهون} كى يفقهوا ويقفوا على جلية ا لامر فيرجعوا عما هم عليه من المكابرة والعناد.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم}، كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل، {أو من تحت أرجُلِكُم}، كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: من فوقكم: بتسليط أكابركم وحكامكم عليكم، ومن تحت أرجلكم: سفلتكم وعبيدكم، {أو يَلبسكم} أي: يَخلطكم {شيعًا} أي: فِرَقًا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم، {ويُذيق بعضكم بأس بعض}، بقتال بعضكم بعضًا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لما نزلت: {أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم} قال: " حديث : أعُوذُ بِوَجهِكَ "تفسير : ، ولما نزلت: {أو من تحت أرجلكم} قال أيضًا: "حديث : أعُوذُ بِوَجهِكَ "تفسير : ولما نزلت: {أو يلبسكم شيعًا} قال: " حديث : هذَا أهوَنُ "تفسير : ، فقضى الله على هذه الأمة بالقتل والقتال إلى يوم القيامة، نعوذ بالله من الفتن. قال تعالى: {انظر كيف نُصرف الآيات} أي: نُقبلها بورود الوعد والوعيد {لعلهم يفقهون} ما نزل إليهم. {وكذَّب به قومك} أي: بالعذاب، أو بالقرآن، {وهو الحق} أي: الواقع لا محالة، أو الصدق في أخباره وأحكامه، {قل لست عليكم بوكيل} أي: وكُل إليَّ أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم، إنما أنا منذر، والله هو الحفيظ. {لكل نبأ} أي: خبرٍ بعذاب أو إيعاد به، {مستقر} أي: وقت استقراره ووقوعه، يعرف ـ عند انقضائه ـ صدقة من كذبه، {وسوف تعلمون} ما يحل بكم عند وقوعه في الدنيا والآخرة. الإشارة: الخطاب للمريدين السائرين، أو الواصلين. خوفهم بأن يحول بينهم وبين شهود عظمته الفوقية والتحتية، فينزل عليهم عذاب الفرق من جهة العلو أو السُّفل، فلا يشهدون إلا الأكوان محيطة بهم، أو يخالف بين وجوههم ويلبسهم شيعًا، فإذا تفرقت الوجوه تفرقت القلوب غالبًا، والعياذ بالله، لأن الفتح والنصر مرتب على الجمع، قال تعالى: {أية : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ } تفسير : [سَبَأ:26]. قال القشيري: فيه إشارة إلى أن الجمع مُؤذِن بالفتح. هـ. فينبغي للمريد أن يشهد الصفاء في الجميع، ويتودد إلى الجميع، حتى لا يبقى معه فرق. والله تعالى أعلم. ثم حذَّر من صحبة أهل الخوض، فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا}.

الطوسي

تفسير : هذا أمر من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء الكفار: ان الله قادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم نحو الحجارة التي أمطرها على قوم لوط، والطوفان الذي غرق به قوم نوح {أو من تحت أرجلكم} نحو الخسف الذي نال قارون ومن خسف به {أو يلبسكم شيعا} معنى يلبسكم يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق يقال: لبست عليه الامر ألبسه اذا لم تبينه، وخلطت بعضه ببعض، ومنه قوله {أية : وللبسنا عليهم ما يلبسون}تفسير : ويقال لبست الثوب ألبسه. ومعنى {شيعا} أي يجعلكم فرقا لا تكونون شيعة واحدة فاذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله {ويذيق بعضكم بأس بعض} وانما يلبسهم الله شيعا بأن يكلهم الى أنفسهم ولا يلطف لهم اللطف الذي يؤمنون عنده ويخليهم من ألطافه بذنوبهم السالفة، فيلبس عند ذلك عليهم أمرهم، فيختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض. ثم أكد الاحتجاج عليهم، فقال: {أنظر كيف نصرف الآيات} لتفقهوا. وقال الحسن: الآية متناولة، لاهل الكتابين في التهديد بالخسف، وانزال العذاب {أو يلبسكم شيعا} يتناول أهل الصلاة. وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "حديث : سألت ربي أن لا يظهر على أمتي أهل دين غيرهم فأعطاني، وسألته ألا يهلكم جوعا فأعطاني، وسألته أن لا يجمعهم على ضلالة، فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعا، فمنعني ذلك ". تفسير : وفي الآية دلالة على أنه تعالى أراد من الكفار الايمان، لانه قال: فعلت هذا بهم {لعلهم يفقهون} ومعناه لكي يفقهوا، لان معنى الشك لا يجوز عليه تعالى. واذا ثبت أنها دخلت للغرض ثبت أنه أراد ان يؤمنوا به ويوحدوه، ويفقهوا أدلته ويعرفوها. وروي عن ابي عبد الله (ع) أنه قال معنى {عذابا من فوقكم} السلطان الجائر {ومن تحت أرجلكم} السفلة، ومن لا خير فيه {أو يلبسكم شيعا} قال: العصبية {ويذيق بعضكم بأس بعض} قال سوء الجوار، ويكون معنى البعث على هذا الوجه التمكين ورفع الحيلولة دون أن يفعل ذلك أو يأمر به، يتعالى الله عن ذلك.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ}. ذكروا أن جابر بن عبد الله قال: حديث : لما نزلت {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهم إني أعوذ بوجهك تفسير : . قال: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} قال: هو ما كان بعد النبي عليه السلام من الفرقة والاختلاف. ذكروا عن الحسن حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوماً صلاة فأطالها فقيل: يا رسول الله: قد رأيناك اليوم تصلي صلاة ما رأيناك تصليها قال: إنها صلاة رغبة ورهبة، وإني سألت ربي فيها ثلاثاً، فأعطاني منها اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته ألا يسلّط على أمتى عدواً من غيرها، فأعطانيها، وسألته ألا يسلط على أمتي السَّنَةَ فيهلكهم، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فَمنعنيها . تفسير : ذكروا أن رسول الله قال: حديث : استقيموا ونِعِمَّا إن استقمتم، وخير أعمالكم الصلاة، ولن تجوعوا ولن تُعلَو ولا أخاف عليكم إلا أنفسكم . تفسير : وفي تفسير عمرو عن الحسن في قوله: {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} أي فيحصبكم بالحجارة كما حصب قوم لوط أو ببعض ما ينزل من العذاب، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} أي بخسفة أو برجفة، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أي اختلافاً يخالف بعضكم بعضاً {وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} أي فيقتل بعضكم بعضاً. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : سألت ربي ألا يظهر على أمتى أهل دين غيرهم فأعطاني ذلك، وسألته ألا يهلكهم جوعاً فأعطاني ذلك، وسألته ألا يجمعهم على ضلالة فأعطاني ذلك، وسألته ألا يلبسهم شيعاً فمنعني ذلك . تفسير : قوله: {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} أي كيف نبيّن الآيات {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي لكي يفقهوا.

اطفيش

تفسير : {قلْ هُو القادِرُ عَلى أن يبْعَث عليكم عذاباً مِن فَوقِكم} كإرسال الماء من السماء على قوم نوح، والريح على عاد، والصيحة على ثمود، والحجارة على أصحاب الفيل، وعلى قوم لوط بعد أن قلبهم {أوْ مِنْ تَحْت أرجُلِكم} كما خسف قوم شعيب، وكما أرسلت الأرض ماءها لهلاك قوم نوح إرسال السماء، وكما قلبت الأرض على قوم لوط، فإنها تحت أرجلهم، ثم رفعت فكانت عليهم، وكما أغرق فرعون فإن الماء المستقر فى الأرض مما يوصف بأنه تحت الأرجل، إذ يدخل فيه بالأرجل فى الجملة، وإذ هو فى الأرض التى تحت الأرجل. وعن السدى، عن أبى مالك: من فوقكم الرجم، ومن تحت أرجلكم الخسف، وهو أيضا مروى عن مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك، وعن مجاهد وابن عباس: من فوقكم السلاطين الظلمة، وحكام الجور، ومن تحت أرجلكم العبيد والسفلة، وقيل: من فوقكم حبس المطر، ومن تحتكم منع النبات، والظاهر أن الخطاب للمشركين فى قوله: {على أن يبعث عليكم} إلخ كما هو لهم فى قوله: {قل الله ينجيكم ثم أنتم تشركون} وما قبله، وقال أبىّ بن كعب وجملة: هو للمؤمنين، قال جابر بن عبد الله وغيره، عن النبى صلى الله عليه وسلم: لما نزل {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال: "أعوذ بوجهك" ولما نزل: {أو من تحت أرجلكم} قال: "أعوذ بوجهك" ولما نزل: {أو يلبسكم شِيعاً ويذيق بَعضُكم بأسَ بَعضٍ} قال: "هذه أيسر وأهون"، استدل بهذا الحديث من قال الخطاب للمؤمنين وهو ضعيف، لبعد أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم تعوذ لأمته من هذه الأشياء التى توعد بها الكفار وهون الثالثة، وقد رجح أبو عبد الله محمد بن جرير الطبرى أنه ليس للمؤمنين، وقال: إنه للمؤمنين جماعة منهم ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، وابن العالية، وأبى بن كعب قالوا جميعا: معنى {يلبسكم شيعاً} الأهواء المختلفة، ومعنى {يذيق بعضكم بأس بعض} القتال الذى وقع بين الصحابة وسفك الدماء، فهاتان اثنتان وقعتا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وبقيت اثنتان: بعث العذاب من فوق، وبعثه من تحت، وهما لا بد واقعتان عندهم بعد ذلك، قال أبو العالية: الخسف والمسخ، وقال أبى: الخسف والرجم. قال سعد بن أبى وقاص: "حديث : أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بنى معاوية، دخل فركع فيه ركعتين فصلينا معه، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال: "سألت ربى ثلاثا أعطانى ثنتين ومنعنى واحدة، سألت ربى أن لا يهلك أمتى بالسَّنة أى بالجوع فأعطانيها أى أعطانى مسألتى، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فأعطانيها، وسألت ربى أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" تفسير : وهذا الحديث يفيد أن الخطاب للمؤمنين، ويجاب بأن المراد سألت ربى أن لا يفعل بأمتى ما قال فى الآية إنهُ قادر على فعله بالمشركين، من لبسهم شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض. ويروى: "حديث : سألت ربى أن لا يظهر على أمتى أهل دين غيرهم فأعطانى ذلك" تفسير : والمعنى أن لا يقطع بهم دينهم قبل تمام علوه، وقد كان ذلك، فإنه ما غلب النصارى المسلمين إلا بعد بلوغ الإسلام أطراف الأرض وعلوه كل علو، وخمود غيره كل خمود "حديث : وسألته ألا يلبسهم شيعاً فمنعنى ذلك" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : استقيموا ونعما إن استقمتم وخير أعمالكم الصلاة، ولن تخترموا، ولن تقتلوا، ولا أخاف عليكم إلا أنفسكم" تفسير : وعن الحسن، وعن خباب بن الأرتّ: "حديث : أنهُ صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة فأطالها، فقيل: يا رسول الله قد رأيناك اليوم تصلى صلاة ما رأيناك تصليها؟ قال: "إنها صلاة رغبة ورهبة، وإنى سألت ربى ثلاثا فأعطانى اثنتين ومنعنى واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتى عدوّاً من غيرها فأعطانيها، وسألتهُ أن لا يسلط على أمتى السَّنة الشديدة فتهلكهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" تفسير : ومعنى يلبسكم شيعاً يخلطكم فرقاً متحزبين على أهواء شتى، فشيعا حال من الكاف جمع شيعة بعضهم فيه بعضاً أى يتبع، فإذا كان الناس شيعاً كل شيعة على أمر غير أمر الأخرى، وذلك مفتاح القتال، ويذيق متعدى لاثنتين نصب بعضكم بواسطة همزة أذاق وهو المفعول الأول، وذلك لأنه الفاعل فى المعنى، وبأس مفعول ثان تعدى إليه بنفسه ثلاثية أى يصير الله بعضكم ذائقا بأس بعض. {انظُر كيفَ نُصرِّف الآيات} نكررها بالوعد والوعيد، ووجوه مختلفة ليعلم المشركون بطلان مذاهبهم وتناقضها، ونبينها آيات القرآن أو الدلائل {لعلَّهم يفْقَهون} يعلمون أنهم على باطل.

اطفيش

تفسير : {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} حصر للقدرة على أَنواع الهلاك فى الله بعد حصرها على الإِنجاء من المهالك فيه، والعذاب من فوق كالحجارة التى نزلت على أَصحاب الفيل، والحجارة التى نزلت على قوم لوط، وكالطوفان على قوم نوح النازل من السماء، والصاعقة والريح، وكالريح النازلة على قوم هود، والصيحة النازلة على قوم صالح وعلى قوم شعيب، ونمرود وقومه، والظلة عليهم والعذاب من تحت الأرجل كالطوفان: الخارج من الأرض لقوم نوح، وكالخسف لقارون، وكإغراق فرعون وقومه ببحر القلزم وهو فى الأَرض، ولا يضرُّكَوْنُ ذلك من تحتهم وعلو الماء عليهم، وعلو الأَرض على قارون لأَن البدءَ من أَسفل، أَو يعد العلو من فوقهم والبدء من تحت الأَرجل، قيل كما روى عن ابن عباس: ويجوز أَن يكون الفوقية والتحتية معقولتين غير محسوستين، مجازاً بأَن يكون الفوقية استعلاءً أَكابرهم عليهم فيضرونهم، والتحتية تسفل شأن عبيدهم وأَراذلهم وعامتهم فيضرونهم، وتضر العامة أَيضاً بعضهم بعضاً، واللبس الخلط، وشيعاً حال، أَو ضمن معنى التصيير فشيعاً مفعول ثان بمعنى فرق مختلفة بالأَهواء كل واحدة تتبع إِمامها، أَو اللبس الخلط بانتشاب القتال بينهم، والمفرد شيعة، كسدرة وسدر، وهو من يتقوى به الإِنسان وأَتباعه وأَنصاره وقد اجتمعوا على أَمر، ويطلق الشيعة على المفرد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، ويذيق بعضكم بأْس بعض بالقتال، والبأس الأَلم، أَو يذيق بعضكم قتال بعض، وسبب ذلك تفرق الأَهواء عن الحكم الشرعى فتخطىءَ الشيع، وقد يكون بعض على الهدى وعدوه على الضلال، وروى حديث : أَنه صلى الله عليه وسلم قال عند قوله {عذاباً من فوقكم}: أَعوذ بوجهك، وعند قوله {أَو من تحت أَرجلكم}: أَعوذ بوجهك. وعند قوله {أَو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأْس بعض}: هذا أَهون وهذا أَيسرتفسير : ، وفى مسلم: حديث : سأَلت ربى أَلاَّ يجعل بأْس أُمتى بينهم فمنعنيهاتفسير : ، أَى لم يجب دعوتى. وبدؤه من خلافة عثمان بعد مضى ست سنين منها. وقال الترمذى: وعن خباب بن الأَرت: أَطال صلى الله عليه وسلم صلاة فقيل له: صليت صلاة لم تكن تصليها، فقال: "حديث : أَجل إِنها صلاة رغبة ورهبة، إِنى سأَلت ربى فيها ثلاثاً فأَعطانى اثنتين ومنعنى واحدة، سأَلته أَلا يهلك أَمتى بالجدب فأَعطانيها، فسأَلته أَلا يسلط عليهم عدوا من غيرها فأَعطانيها، وسأَلته أَلا يذيق بعضهم بأْس بعض كما فعل ببنى إِسرائيل فمنعنيها"تفسير : . ويروى: حديث : زويت لى الأَرض، فقيل لى عن الله: ستملك ما رأَيت، وسأَلت ربى أَلا يستأصل أُمتى بقحط، وأَلا يستأصلهم عدو فأَعطانيها، وأَلا يلبسهم شيعاً، ولا يذيق بعضهم بأس بعضتفسير : . فالاثنتان الممنوعتان فى رواية سأَلت ربى أَربعاً فأَعطانى اثنتين ومنعنى اثنتين اللبس شيعاً، وإِذاقة بعض بأس بعض، والثالثة هى كلتاهما فى رواية سأَلته ثلاثاً فأَعطانى اثنتين ومنعنى الثالثة، ووجهه أَن الإِذاقة من توابع اللبس شيعاً، وكذا فيما يروى: سأَلت ربى أَربعاً فأَعطانى ثلاثاً، أَلاَّ تجتمع أُمتى على ضلالة، وأَلا يظهر عليهم عدو من سواهم، أَى فيستأصلهم، وأَلا يهلكهم بالقحط فأَعطانيهن، وسأَلته أَلا يلبسهم شيعاً، ولا يذيق بعضاً بأس بعض فمنعنيها، ويروى أَنه قال لما نزلت الآية: أَما أَنها الأَربعة كائنة أَى بدون استئصال، وأَحاديث عدم الكون بمعنى أَنها لا تكون باسستئصال، فلا منافاة ولم يأْت تأويلها بعد، وعن أَبى العالية: وقعت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعاً وأذيق بعضهم بأْس بعض، وبقيت اثنتان الخسف والمسخ، والتأويل والماصدق الذى ترجع إليه وتفسر به تفضل الله عز وجل بتأخير المسخ والخسف إِلى قرب الساعة جداً، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : سأَلت الله أَلا يبعث على أمتى عذاباً من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فأعطانى ذلك، وسأَلته أَلا يجعل بأْسهم بينهم فمنعنيهاتفسير : ، {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ} نكرر مع بيان {الآيَاتِ} التى تتلى أَو الدلالات بها، وذلك فى التوحيد والشرك والوعد والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهونَ} يعلمون أَنك على الحق وأَنهم على الباطل.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لهؤلاء الكفار {هُوَ ٱلْقَادِرُ } لا غيره سبحانه {عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ } أي يرسل {عَلَيْكُمْ } متعلق بيبعث. وتقديمه على المفعول الصريح وهو قوله سبحانه: {عَذَاباً } للاعتناء به والمسارعة إلى بيان كون المبعوث مما يضرهم ولتهويل أمر المؤخر. والكلام استئناف مسوق لبيان أنه تعالى هو القادر على إلقائهم في المهالك إثر بيان أنه سبحانه هو المنجى لهم منها، وفيه وعيد ضمني بالعذاب لإشراكهم المذكور. والتنوين للتفخيم أي عذاباً عظيماً. {مّن فَوْقِكُمْ } أي من جهة العلو كالصيحة والحجارة والريح وإرسال السماء {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } أي من جهة السفل كالرجفة والخسف والإغراق، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من فوقكم أي من قبل أمرائكم وأشرافكم ومن تحت أرجلكم أي من قبل سفلتكم وعبيدكم. وفي رواية أخرى عنه تفسير الأول بأئمة السوء والثاني بخدم السوء والمتبادر ما قدمنا وهو المروي عن غير واحد من المفسرين. والجار والمجرور متعلق بيبعث أيضاً، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لعذاب. و (أو) لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين معاً كما فعل بقوم نوح عليه الصلاة والسلام. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ } أي يخلط أمركم عليكم ففي الكلام مقدر، وخلط أمرهم عليهم بجعلهم مختلفي الأهواء، وقيل: المراد اختلاط الناس في القتال بعضهم ببعض فلا تقدير، وعليه قول السلمي: شعر : وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي تفسير : وقرىء {يَلْبِسَكُمْ} بضم الياء وهو عطف على {يَبْعَثَ} وقوله تعالى: {شِيَعاً} جمع شيعة كسدرة وسدر وهم كل قوم اجتمعوا على أمر نصب على الحال، وقيل: إنه مصدر منصوب بيلبسكم من غير لفظه، وجوز على هذا أن يكون حالاً أيضاً أي مختلفين. وقوله سبحانه: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } عطف على {يَبْعَثَ } كما نقل عن السمين، ويفهم من كلام البعض أنه عطف على يلبس وهو من قبيل عطف التفسير أو من عطف المسبب على السبب. وقرىء {نذيق} بنون العظمة على طريق الالتفات لتهويل الأمر والمبالغة في التحذير. والبعض الأول على ما قيل الكفار والثاني المؤمنون ففيه حينئذ وعد ووعيد، وقيل: كلا البعضين من الكفار أي نذيق كلاً بأس الآخر؛ وقيل البعضان من المؤمنين فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال في قوله سبحانه: {عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } هذا للمشركين وفي قوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ } الخ هذا للمسلمين ولا يخفى أنه تفكيك للنظم الكريم، ولعل مراد الحسن أن هذا يكون للمسلمين ويقع فيهم دون الأول، وأخرج ابن جرير عنه أيضاً أنه قال: «حديث : لما نزلت هذه / الآية قام النبـي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فسأل ربه عز وجل أن لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم ولا يلبس أمته شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل فهبط إليه صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك اثنتين ومنعك اثنتين لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم فإنهما عذابان لكل أمة استجمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها ولكنهم يلبسون شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء عليهم السلام» تفسير : . وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه واللفظ له عن ثوبان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن ربـي زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وإني سألت ربـي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها وقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لم يرد إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم عامة ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبـي بعضاً » تفسير : الحديث. وأخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن أبـي بصرة الغفاري عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : سألت ربـي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة سألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلكت الأمم فأعطانيها وسألت الله تعالى أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها » تفسير : والأخبار في هذا المعنى كثيرة. وفي بعضها دلالة على عد اللبس والإذاقة أمراً واحداً وفي بعضها دلالة على عد ذلك أمرين، ومن هنا نشأ الاختلاف السابق في العطف، وأيد بعضهم العطف على يلبس لا على {يَبْعَثَ} بكونه بالواو دون أو. ولا يعارض ما روي عن الحسن من عدم وقوع الأولين في هذه الأمة ما أخرجه أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبـي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: أما أنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد، وكذا ما أخرج الأول في «مسنده» من طريق أبـي العالية عن ابن كعب أنه قال في الآية: هن أربع وكلهن واقع لا محالة لجواز أن يراد بالوقوع وقوع لا على وجه الاستئصال وبعدم الوقوع عدمه على وجه الاستئصال وكلام الحسن كالصريح في هذا فافهم. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } أي نُحَوِّلها من نوع آخر من أنواع الكلام تقريراً للمعنى وتقريباً إلى الفهم أو نصرفها بالوعد والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} أي كي يعلموا جلية الأمر فيرجعوا عما هم عليه من المكابرة والعناد. واستدل بعض أهل السنة بالآية على أن الله تعالى خالق للخير والشر، «وقال بعض الحشوية والمقلدة: إنها من أدل الدلائل على المنع من النظر والاستدلال لما أن في ذلك فتح باب التفرق والاختلاف المذموم بحكم الآية» وليس بشيء كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}. استئناف ابتدائي عُقّب به ذكرُ النعمة التي في قوله: {قل من يُنجّيكم} بذكر القدرة على الانتقام، تخويفاً للمشركين. وإعادة فعل الأمر بالقول مثل إعادته في نظائره للاهتمام المبيَّن عند قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : [الأنعام: 40]. والمعنى قل للمشركين، فالمخاطب بضمائر الخطاب هم المشركون. والمقصود من الكلام ليس الإعلام بقدرة الله تعالى فإنَّها معلومة، ولكن المقصود التهديد بتذكيرهم بأنّ القادر من شأنه أن يُخاف بأسُه فالخبر مستعمل في التعريض مجازاً مرسلاً مركّباً، أو كناية تركيبية. وهذا تهديد لهم، لقولهم {أية : لولا أنزل عليه آية من ربِّه}تفسير : [يونس: 20]. وتعريف المسند والمسند إليه أفاد القصر، فأفاد اختصاصه تعالى بالقدرة على بعث العذاب عليهم وأنّ غيره لا يقدر على ذلك فلا ينبغي لهم أن يخشوا الأصنام، ولو أرادوا الخير لأنفسهم لخافوا الله تعالى وأفردوه بالعبادة لمرضاته، فالقصر المستفاد إضافي. والتعريف في {القادر} تعريف الجنس، إذ لا يقدر غيره تعالى على مثل هذا العذاب. والعذاب الذي من فوق مثل الصواعق والريح، والذي من تحت الأرجل مثل الزلازل والخسف والطوفان. و{يلبسكم} مُضارع لَبَسَه ـــ بالتحريك ـــ أي خلطه، وتعدية فعل {يلبسكم} إلى ضمير الأشخاص بتقدير اختلاط أمرهم واضطرابه ومَرجه، أي اضطراب شؤونهم، فإنّ استقامة الأمور تشبه انتظام السلك ولذلك سمَّيت استقامة أمور الناس نظاماً. وبعكس ذلك اختلال الأمور والفوضى تشبه اختلاط الأشياء، ولذلك سمّي مَرَجاً ولَبْساً. وذلك بزوال الأمن ودخول الفساد في أمور الأمّة، ولذلك يقرن الهَرْج وهو القتل بالمَرْج، وهو الخلط فيقال: هم في هَرْج ومَرْج، فسكون الراء في الثاني للمزاوجة. وانتصب {شِيَعاً} على الحال من الضمير المنصوب في {يَلْبِسَكم}. والشيَع جمع شيعة ـــ بكسر الشين ـــ وهي الجماعة المتَّحدة في غرض أو عقيدة أو هوى فهم متّفقون عليه، قال تعالى: {أية : إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيَعاً لست منهم في شيء}تفسير : [الأنعام: 159]. وشيعة الرجل أتباعه والمقتدون به قال تعالى: {أية : وإنّ من شيعته لإبراهيم}تفسير : [الصافات: 83] أي من شيعة نوح. وتشتّت الشيع وتعدّد الآراء أشدّ في اللبس والخلط، لأنّ اللبس الواقع كذلك لبس لا يرجى بعده انتظام. وعطف عليه {ويذيق بعضَكم بأس بعض} لأنّ من عواقب ذلك اللبس التقاتل. فالبأس هو القتل والشرّ، قال تعالى: {أية : وسرابيل تقيكم بأسكم}تفسير : [النحل: 81]. والإذاقة استعارة للألم. وهذا تهديد للمشركين كما قلنا بطريق المجاز أو الكناية. وقد وقع منه الأخير فإنّ المشركين ذاقوا بأس المسلمين يومَ بدر وفي غزوات كثيرة. في «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله قال: «حديث : لما نزلتْ {قُلْ هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال رسول صلى الله عليه وسلم أعوذُ بوجهك. قال: {أوْ من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك قال: {أو يلبِسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول الله: هذا أهون، أو هذا أيسر»تفسير : . اهــ. واستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك خشية أن يعمّ العذاب إذا نزل على الكافرين مَن هو بجوارهم من المسلمين لقوله تعالى: {أية : واتَّقُوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة}تفسير : [الأنفال: 25] وفي الحديث قالوا: «حديث : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث»تفسير : وفي الحديث الآخر «حديث : ثم يُحْشَرُون على نيّاتهم»تفسير : . ومعنى قوله: هذه أهون، أنّ القتل إذا حلّ بالمشركين فهو بيد المسلمين فيلحق المسلمين منه أذى عظيم لكنَّه أهون لأنَّه ليس فيه استئصال وانقطاع كلمة الدين، فهو عذاب للمشركين وشهادة وتأييد للمسلمين. وفي الحديث: «حديث : لا تتمنَّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية»تفسير : . وبعض العلماء فسّر الحديث بأنَّه استعاذ أن يقع مثل ذلك بين المسلمين. ويتَّجه عليه أن يقال: لماذا لم يستعذ الرسول صلى الله عليه وسلم من وقوع ذلك بين المسلمين، فلعلّه لأنه أوحي إليه أنّ ذلك يقع في المسلمين، ولكن الله وعده أن لا يسلِّط عليهم عدوّاً من غير أنفسهم. وليست استعاذته بدالة على أنّ الآية مراد بها خطاب المسلمين كما ذهب إليه بعض المفسّرين، ولا أنَّها تهديد للمشركين والمؤمنين، كما ذهب إليه بعض السلف؛ إلاّ على معنى أنّ مفادها غيرَ الصريح صالح للفريقين لأنّ قدرة الله على ذلك صالحة للفريقين، ولكن المعنى التهديدي غير مناسب للمسلمين هنا. وهذا الوجه يناسب أن يكون الخبر مستعملاً في أصل الإخبار وفي لازمه فيكون صريحاً وكناية ولا يناسب المجاز المركّب المتقدّم بيانه. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}. استئناف وردَ بعد الاستفهامين السابقين. وفي الأمر بالنظر تنزيل للمعقول منزلة المحسوس لقصد التعجيب منه، وقد مضى في تفسير قوله تعالى: {أية : انظر كيف يفترون على الله الكذب}تفسير : في سورة [النساء: 50]. وتصريف الآيات تنويعها بالترغيب تارة والترهيب أخرى. فالمراد بالآيات آيات القرآن. وتقدّم معنى التصريف عند قوله تعالى: {أية : انظر كيف نصرّف الآيات ثم هم يصدفون}تفسير : في هذه السورة (46). {ولعلّهم يفقهون} استئناف بياني جواب لسؤال سائل عن فائدة تصريف الآيات، وذلك رجاء حصول فهمهم لأنَّهم لعنادهم كانوا في حاجة إلى إحاطة البيان بأفهامهم لعلَّها تتذكَّر وترعوي. وتقدّم القول في معنى (لعلّ) عند قوله تعالى: {أية : لعلّكم تتّقون}تفسير : في سورة [البقرة: 21]. وتقدّم معنى الفقه عند قوله تعالى:{أية : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً }تفسير : في سورة [النساء: 78].

الواحدي

تفسير : {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} كالصَّيحة، والحجارة، والماء {أو من تحت أرجلكم} كالخسف والزَّلزلة {أو يلبسكم شيعاً} يخلطكم فرقاً بأن يبثَّ فيكم الأهواء المختلفة، فتخالفون وتقاتلون، وهو معنى قوله: {ويذيق بعضكم بأس بعض. انظر كيف نصرِّف} نُبيِّن لهم {الآيات} في القرآن {لعلهم يفقهون} لكي يعلموا. {وكذَّب به} بالقرآن {قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل} [بمسلَّط] أَيْ: إنَّما أدعوكم إلى الله، ولم أُومر بحربكم، ولا أَخْذكم بالإِيمان، وهذا منسوخٌ بآية القتال. {لكلِّ نبأ مستقر} لكلِّ خبرٍ يخبره الله وقتٌ ومكانٌ يقع فيه من غير خلف {وسوف تعلمون} ما كان منه في الدُّنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم. يعني: العذاب الذي كان يعدهم في الدُّنيا والآخرة. {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} بالتَّكذيب والاستهزاء {فأعرض عنهم} أمر الله تعالى رسوله عليه السَّلام فقال: إذا رأيت المشركين يُكذِّبون بالقرآن، وبك، ويستهزئون فاترك مجالستهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} حتى يكون خوضهم في غير القرآن {وإمَّا ينسينَّك الشيطان} إنْ نسيت فقعدت {فلا تقعد بعد الذكرى} فقم إذا ذكرت، فقال المسلمون: لئن كنَّا كلَّما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف بالبيت، فرخَّص للمؤمنين في القعود معهم يُذكِّرونهم فقال: {وما على الذين يتقون} الشِّرك والكبائر {من حسابهم} آثامهم {من شيء ولكن ذكرى} يقول: ذكِّروهم بالقرآن وبمحمَّد، فرخَّص لهم بالقعود بشرط التَّذكير والموعظة {لعلَّهم يتقون} لِيُرجى منهم التَّقوى.

القطان

تفسير : الشيع: واحدها شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر. او يلبسكم شيعا: يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقاً مختلفة. بأس: شدة نصرف الآيات: نحولها من نوع الى آخر من فنون الكلام. يفقهون: يفهمون. مستقر: وقت استقرار ووقوع. بعد ان بيّن تعالى الدلائل على كمال القدرة الآلهية، ونهاية الرحة بعباده، ذكر هنا قدرته على تعذيبهم إن عصوَه، وأبان ان عاقبة كفران النعم زوالها. قل ايها الرسول لقومك الذين لا يشكرون نعمة الله ويشركون معه غيره في العبادة: ان الله وحده هو الذي يقدر على أن يرسل عليكم عذاباً يأتيكم من أعلاكم او من أسفلكم، او يجعل بعضكم لبعض عدوّاً، وتكونون طوائف مختلفة الاهواء متناكرة، يقتل بعضكم بعضا. انظر ايها الرسول كيف دلّت الدلائل على قدرتنا واستحقاقنا وحدنا للعبادة، ومع هذا لا يؤمن قومك بذلك!! لا شك ان هذه الآية من معجزات القرآن الذي لاتفنى عجائبه، فإن فيها نبأ مَن كان قبل الإسلام، ومن كان زمن التنزيل، ومن سيأتي بعدهم. فهذه الحروب التي تشبّ في عصرنا فيها من الأهوال ما لم يسبق له نظير، فقد ارسل الله على تلك الأمم المحاربة عذاباً من فوقها تقذفه الطائرات والصواريخ وعذاباً من تحتها تقذفه الغواصات من اعماق البحار، وتهلك به مختلف السفن، كما جعل امم اوروبا شيعاً متعادية، ذاق بعضُها بأس بعض فحلّ بها من القتل والدمار والتخريب ما يشيب له الاطفال. واذا نظرنا في احوالنا نحن العرب والمسلمين، نجد أننا يعادي بعضنا بعضا ونحترب، فيما العدو مترّبص بنا ينتظر لينقضّ علينا ويلتهم ما يستطيع من أراضينا وبلادنا. وما ذلك إلا لأننا بعُدنا عن ديننا، وغرّتْنا الحياة الدنيا، فاصبحنا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون. روى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "قُلْ هو القادِرُ الخ..." قال: أما إِنّها كائنةٌ ولَمْ يَأتِ تأويلُها بعد.... " تفسير : {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ...}. ثم ذكر الله تعالى ان قوم الرسول الكريم قد كذبوا بالقرآن على ما فيه من الآيات الواضحة البينة، وهو الحق الثابت، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم امر رسوله أن يبلغهم أن لا سبل له في اجبارهم على الايمان به فقال: "حديث : قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل"، تفسير : لا أنا حفيظ ولا رقيب، وإنما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربي، ولا أملك القدرة على اجبار الناس ان يؤمنوا. ثم هددهم وتوعدهم على التكذيب به فقال: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} لك خبر جاءَ به القرآن وقت يتحقق فيه، وسوف تعلمون صدق هذه الاخبار عند وقوعها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآيَاتِ} (65) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ، الذِينَ يُشْرِكُونَ مَعَ اللهِ سِواهُ، وَلاَ يَشْكُرُونَهُ عَلَى النِّعَمِ الوَفِيرَةِ التِي أَسْدَاهَا إِلَيْهِمْ: إِنَّ اللهَ هُوَ القِادِرُ عَلَى أنْ يَصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذَابَ مِنْ فَوْقِكُمْ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمُ العَذَابَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، فَيَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ، أَوْ يُزَلْزِلَهَا تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، أَوْ يَخْلِطَ الأَمْرَ عَلَيْكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ، وَيَجْعَلَكُمْ مُلْتَبِسِينَ شِيَعاً وَفِرَقاً، مُتَخَالِفينَ فِي الأَهْوَاءِ وَالمَشَارِبِ، وَيُسَلِّطَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالعَذَابِ وَالقَتْلِ. انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ الآيَاتِ وَنُوَضِّحُها لَعَلَّ هَؤُلاَءِ يَفْهَمُونَهَا وَيَتَدَبَّرُونَهَا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مِنْ فَوْقِكُمْ) أَيْ مِنْ حُكَّامِكُمْ وَأُمَرَائِكُمْ، وَإِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) أَيْ مِنْ عَبِيدِكُمْ وَسِفْلَتِكُمْ). نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُهَا بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ. يَلْبِسَكُمْ - يَخْلِطَكُمْ فِي مَلاَحِمِ القِتَالِ. شِيَعاً - فِرَقاً مُخْتَلِفَةَ الأَهْوَاءِ. بَأْسَ بَعْضٍ - شِدَّةَ بَعْضٍ فِي القِتَالِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "قادر" تعني تمام التمكن وأنه لا قدرة ولا حيلة لأحد حيال قدرة الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يملي للقوم الظالمين ويمد لهم الأمر ثم يأخذهم بغتة بالعذاب، وقد يأتي العذاب من فوقهم كما جاء لقوم أبرهة الذين أرادوا هدم الكعبة، فسلط عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، جعلتهم كعصف مأكول، وهناك من أخذهم الحق بالصيحة، وهناك من أهلكتهم بريح صرصر عاتية، وكل ذلك عذاب جاء من فوق تلك الأقوام. أما قارون فقد خسف الله به وبداره الأرض، وكذلك قوم فرعون أغرقتهم المياه، وهذه هي التحتية. فالعذاب قد يأتي من فوق أو من تحت الأرجل حسّياً، وقد يأتي أيضاً من فوقيّة أو تحتيّة معنوية، ومثال ذلك العذاب الذي يسلطه الله على الطغاة الكبار المستبدين، وقد يأتي العذاب من الفئات الفقيرة التي تعيش أسفل السلم الاجتماعي. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65]. والمقصود بلبس الأمر أي خلطه بصورة لا يتبينها الرائي. و "شيعاً" هي جمع "شيعة". والشيعة هم: المتعاونون على أمر ولو كان باطلا، ويجمعهم عليه كلمة واحدة وحركة واحدة وغاية واحدة. والمقصود بقوله الحق: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} أي أن كل جماعة منكم تتفرق ويكون لكل منهم أمير، وتختلط الأمور بين الاختلافات المذهبية التي تختفي وراء الأهواء، وبذلك يذيق الله الناس بأس بعضهم بعضاً. ولماذا كل ذلك؟ لأن الناس ما دامت فد انفرطت عن منهج الله نجد الحق يترك بعضهم لبعض ويتولى كل قوم إذاقة غيرهم العذاب. ولكن أُغيّر ذلك في ملك الله ونواميسه الثابتة من شيء؟ أبداً، فالسماء هي السماء، والأرض بعناصرها هي الأرض، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، والنجوم هي النجوم، والمطر هو المطر. إن الذي يحدث فقط هو أن يذيق الله الناس بعضهم بأس بعض، ويصير كل بعض من الناس ظالماً للبعض الآخر. وعندما نرى الناس تشكو، نعلم أن الناس كلها مذنبة، ومادام الكل قد أذنب وخرج عن منهج الله فلا بد أن يسلط الحق بعضنا على بعض حتى يعرف الجميع أنهم قد انفلتوا عن منهج الله لذلك يلقون المتاعب، ولن يرتاحوا إلا إذا عادوا إلى أحضان منهج الله؛ لأن منهج الله يمنع أن يتكبر إنسان مؤمن على أخيه المؤمن. والكل يسجد لإله واحد. ولهذا وضع الحق لنا العبادات الجماعية حتى يرى الضعيف في سلطان الدنيا القوي في السلطان وهو يشترك معه في السجود للإله الواحد. مثال ذلك ما نراه من طواف الناس حول الكعبة في ملابس الإحرام، إن من بين الذين يطوفون قوما من وجهاء الناس وأصحاب الرتب العالية والمنازل الرفيعة، ومن بين هؤلاء أيضاً نجد الذين لا يحتلون إلا المكانة الضئيلة، ويرى الضعيف نفسه مساوياً لمن في المركز الاجتماعي القوي. الكل يقف أمام ربّه وهو ذليل ويمسك بأستار الكعبة باكياً. ويريد سبحانه بذلك استطراق الغرور بين المؤمنين ويكون الناس جميعا أمام الله وفي بيته على سواء. {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65]. وها نحن أولاء نرى كيف أن الحق يلبس الناس شيعاً، إننا نرى المنسوبين إلى الإسلام يذبح بعضهم بعضاً لسنوات طويلة. وإذا كان هؤلاء وأولئك طائفتين مؤمنتين تتقاتلان فأين الطائفة الثالثة التي تفصل بين الطائفتين مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [الحجرات: 9]. ها هوذا الدم المنسوب إلى الإسلام يسيل، ويزداد عدد الضحايا، ومن العجيب أن الآخرين يقفون موقف المتفرج، أو يمدون كل طائفة بأدوات الدمار. وذلك يدل على أن المسألة طامة وعامة. والقاعدة التي قلناها من قبل لا تتغير، القاعدة أنه لا يوجد صراع بين حقين؛ لأنه لا يوجد في الأمر الواحد إلا حق واحد. ولا يطول أبداً الصراع بين الحق والباطل؛ لأن الباطل زهوق وزائل. ولكن الصراع إنما يطول بين باطلين؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر بأن ينصره الله. ومثال آخر كنا نراه في بلد كلبنان - إبان الحرب الأهلية - وكان الصراع الدائر هناك يكاد يوضح لنا أن كل فرد صار طائفة بمفرده، وكل إنسان منهم له هواه، وكل إنسان يذيق غيره العذاب ويذوق من غيره العذاب. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65]. وينوع سبحانه الحجج والبراهين ويأتي لهم بالأحداث والنوازل حتى يتبين للجميع أنه لا راحة أبداً في الانفلات عن منهج الله حتى يفقهوا. والفقه هو شدة الفهم. والمقصود أن نأخذ ونتفهم العظة من كل الآيات التي يجريها الحق أمامنا عسانا نرجع إلى مراد الله. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} معناهُ أَو يَخْلِطكُمْ شِيعاً أي فِرقاً واحدُهَا شِيعَةٌ.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ} الآية، لما نزلت استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في الثالثة: هذه أهون أو أيسر. والظاهر أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآية متضمنة للوعيد. {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} كما فعل بقوم لوط وكما فعل بأصحاب الفيل أرسل عليهما حجارة من سجيل. {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كما فعل بقارون وبداره. قال تعالى: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ}تفسير : [القصص: 81]. ويذيق بعضكم كما جرى في حرب صفين بين علي رضي الله عنه ومعاوية، وكما جرى بين علي والخوارج، وكل هؤلاء مسلمون مؤمنون. {أَوْ يَلْبِسَكُمْ} أي يخلطكم. {شِيَعاً} جمع شيعة. وانتصب على الحال أي يخلطكم متشايعين فرقاً مختلفة. والبأس: الشدة. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} هذه استرجاع لهم ولفظة تعجب له عليه السلام. والمعنى أنا نسلك في مجيء الآيات أنواعاً رجاء أن يفقهوا ويفهموا عن الله لأن في اختلاف الآيات ما يقتضي الفهم إن عزبت آية كم تعزب أخرى. {وَكَذَّبَ بِهِ} الضمير عائد على القرآن. ويدل عليه ذكر الآيات قبله. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} جملة استئناف أخبر بأن القرآن هو الحق، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في به وهو أشنع عليهم في التكذيب بشىء هو الحق. {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي لست بقائم عليكم لأكرهكم على التوحيد. {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} أي لكل شىء ينبأ به وقت استقرار وحصول لا بد منه. {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} مبالغة في التهديد والوعيد. {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ} الآية، هذا خطاب له صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه المؤمنون لأن علة النهي وهو سماع الخوض في آيات الله يشمله وإياهم. ورأيت هنا بصرية ولذلك تعدت إلى واحد ولا بد من تقدير حال محذوفة، أي وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا وهو خائضون فيها والخوض أصله في الماء شبه تنقلهم في آيات الله بالخوض في الماء وتنقلهم قولهم في الآيات: هذا سحر هذا افتراء هذه أساطير الأولين. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أمر له عليه السلام بالإِعراض عنهم وهو تركهم بالنية والجلوس معهم ببيّنة قوله تعالى: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء: 140]، الآية، {أية : فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ}تفسير : [النساء: 140]. {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ} أي يشغلك عن النهي عن مجالستهم. {فَلاَ تَقْعُدْ} معهم. {بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} أي ذكرك النهي. وما أحسن مجيء الشرط الأول بإِذا التي هي للتحقق لأن كونهم يخوضون في الآيات محقق، ومجيء الشرط الثاني بأن لأن أن لغير المحقق، وجاء مع القوم الظالمين تنبيهاً على علة الخوض في الآيات والطعن فيها، وأن سبب ذلك ظلمهم وهو مجاوزة الحد. وما زائدة بعد أن الشرطية والفعل قد لحقته النون الشديدة وكثر ذلك في القرآن. قال تعالى: {أية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} تفسير : [الزخرف: 41] {أية : وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ} تفسير : [الأعراف: 200، فصلت: 36]، ويجوز حذف ما في غير القرآن، وحذف نون التوكيد، وحذف إيهما شئت فتقول: ان ما تقم أقم، وان تقومن أقم، نص على ذلك سيبويه. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول. فلا تقعد بعد الذكرى أي بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم. "انتهى". وهذا خلاف ظاهر الشرط لأنه قد نهى عن القعود معهم قبل. ثم عطف على الشرط السابق هذا الشرط وكله مستقبل. {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} هم المؤمنون. والضمير في حسابهم عائد على المستهزئين الخائضين في الآيات روي أن المؤمنين قالوا لما نزلت: فلا تقعدوا معهم. قالوا: لا يمكننا طواف ولا عبادة في الحرم. فنزلت: {مِّن شَيْءٍ} من: زائدة. وشىء: مبتدأ خبره على الذين. وذكرى يحتمل أن تكون في موضع نصب أي ولكن يذكرونهم ذكرى أو ذكروهم أو في موضع رفع أي ولكن عليهم ذكرى. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الوعيد بتذكيركم إياهم. قال الزمخشري: ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل من شىء كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيد، لأن قوله: من حسابهم، يأبى ذلك. "انتهى". كأنه تخيل أن في العطف يلزم القيد الذي في المعطوف عليه وهو من حسابهم لأنه قيد في شىء فلا يجوز عنده أن يكون من عطف المفردات عطفاً على من شىء على الموضع لأنه يصير التقدير عنده، ولكن ذكرى من حسابهم. وليس المعنى على هذا وهذا الذي تخيله ليس بشىء. لأنه لا يلزم في العطف بولكن ما ذكر تقول: ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق، وما عندنا رجل من تميم ولكن رجل من قريش، وما قام من رجل عالم ولكن رجل جاهل. فعلى هذا الذي قررناه يجوز أن يكون من قبيل عطف الجمل كما تقدم، ويجوز أن يكون من عطف المفردات والعطف إنما هو للواو ودخلت لكن للإِستدراك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب إليكم من كل جهة. { مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ } أي: يخلطكم { شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } أي: في الفتنة، وقتل بعضكم بعضا. فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك. ولكن من رحمته، أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب، ونحوه، ومن تحت أرجلهم بالخسف. ولكن عاقب من عاقب منهم، بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض، عقوبة عاجلة يراها المعتبرون، ويشعر بها العالمون. { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } أي: ننوعها، ونأتي بها على أوجه كثيرة وكلها دالة على الحق. { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } أي: يفهمون ما خلقوا من أجله، ويفقهون الحقائق الشرعية، والمطالب الإلهية. { وَكَذَّبَ بِهِ } أي: بالقرآن { قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ } الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه. { قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، وإنما أنا منذر ومبلغ. { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ } أي: وقت يستقر فيه، وزمان لا يتقدم عنه ولا يتأخر. { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما توعدون به من العذاب.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ / عَلَيْكُمْ عَذَاباً} [65] 184- أنا محمد بن النضر، ويحيى بن حبيب بن عربي، وقتيبة بن سعيد، عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: حديث : لما نزلت {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذُ بوجهك" [قال: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذُ بوجهك"] {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أيسر ". تفسير : اللفظ لقتيبة. 185- أنا محمد بن رافع، نا عبد الرزاق، نا معمر، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابراً قال: حديث : لما نزلت {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذُ بوجهك" {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذُ بوجهك" {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أهون ". تفسير : - قال أبو عبد الرحمن: بعض حروف {أَوْ يَلْبِسَكُمْ} لم تصح عن محمد.

همام الصنعاني

تفسير : 813- حَدَّثَنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبد الله بن الحارث بن نَوْفَل، عن عَبْدِ الله بن خباب، في قوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}: [الآية: 65]، قال: راقَب خباب بن الأرت - وكان بدرياً - ليلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، حتى إذا كان في الصبح: قالَ له: يا نبيَّ اللهِ! لقد رأيتك الليلة تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها. قال: "حديث : أجل، إنَّها صَلاَةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألت رَبِّي فيهَا ثلاث خصلات: فأعطاني اثنين. ومنعني واحدة. سألته أن لا يُهْلِكَنا بما أهْلَكَ به الأمم. فأعطاني وسألته: أن لاَ يُسَلَّطَ علينا عدونا فأعطاني: وسألته أن لا يُلْبِسَنا شيعاً فَمَنَعِني ". تفسير : 814- عبد الرزاق، عَن مَعْمَر، قال: أخبرني أيُّوبُ، عَنْ أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسْمَاءَ الرحبي، عن ثوبان: وكان معمر يقول، عن أبي أسماء عن شَدَّاد بنِ أَوْس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله زَوَى لي الأرض حتى رأيتُ مشارِقَها ومَغَارِبَهَا، وإن مُلْكَ أمَّتِي سيبلغُ، ما زُوِيَ لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيضَ والأحمرَ، إني سَألتُ ربي أن لا يهلك أُمَّتي بسَنَةٍ عَامَّةٍ، ولا يُسَلِّط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، ولا يلبسهم شيعاً، ولا يذيق بعضهم بأس بعض. فقال: يا محمد: إني إذا قضيت قَضَاءً، فإنه لا يرد. وإني أعطيتك لأمتك، أن لا أهلكهم بسَنَةٍ عامة، ولا أسلِّطَ عليهم عدواً من سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يُهْلِكُ بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبضعهم يسبي بعضاً قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لا أخاف عَلَى أُمَّتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمَّتي لم يرفع عنهم إلى يَوْم القيامةِ".تفسير : قال عبد الرزاق: وسمعت غير معمر يقول: عن أبي أسماء، عن ثوبان وكان معمر يقول عن أبي أسماء، عن شداد بن أوس. 815- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، وابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: لما نَزَلَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم {هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} [الآية: 65] قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بوجْهِكَ": {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بوجهك". {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً}، قال: "هذه أهْوَنُ ".