٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
الرازي
تفسير : الضمير في قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ } إلى ماذا يرجع فيه أقوال: الأول: أنه راجع إلى العذاب المذكور في الآية السابقة {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } أي لا بد وأن ينزل بهم. الثاني: الضمير في «به» للقرآن وهو الحق أي في كونه كتاباً منزلاً من عند الله. الثالث: يعود إلى تصريف الآيات وهو الحق لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات، ثم قال: {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل. إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم بأعمالكم قال ابن عباس والمفسرون: نسختها آية القتال وهو بعيد، ثم قال تعالى: {لّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } والمستقر يجوز أن يكون موضع الاستقرار، ويجوز أن يكون نفس الاستقرار لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج، والمعنى: أن لكل خبر يخبره الله تعالى وقتاً أو مكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير وإن جعلت المستقر بمعنى الاستقرار، كان المعنى لكل وعد ووعيد من الله تعالى استقرار ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله تعالى عنه عند ظهوره ونزوله. وهذا الذي خوف الكفار به، يجوز أن يكون المراد منه عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون المراد منه استيلاء المسلمين على الكفار بالحرب والقتل والقهر في الدنيا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أي بالقرآن. وقرأ ٱبن أبي عَبْلَة «وكذبت». بالتاء {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} أي القصص الحق. {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} قال الحسن: لست بحافظ أعمالكم حتى أجازيكم عليها، إنما أنا مُنْذِر وقد بلّغت؛ نظيره {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي أحفظ عليكم أعمالكم. ثم قيل: هذا منسوخ بآية القتال. وقيل: ليس بمنسوخ، إذ لم يكن في وُسعه إيمانهم. {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} لكل خبرٍ حقيقة، أي لكلّ شيء وقتٌ يقع فيه من غير تقدّم وتأخر. وقيل: أي لكل عمل جزاء. قال الحسن: هذا وعيد من الله تعالى للكفار؛ لأنهم كانوا لا يُقِرّون بالبعث. الزجّاج: يجوز أن يكون وعيداً بما ينزل بهم في الدنيا. (قال) السُّدِّي: ٱستقر يومَ بَدْر ما كان يَعِدُهم به من العذاب. وذكر الثَّعْلَبي أنه رأى في بعض التفاسير أن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع على السِّنّ.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ} أي: بالقرآن الذي جئتهم به، والهدى والبيان، {قَوْمُكَ} يعني: قريشاً {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} أي: الذي ليس وراءه حق {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم؛ كقوله: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] أي: إنما عليّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني، سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني، فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} قال ابن عباس وغير واحد: أي: لكل نبأ حقيقة، أي: لكل خبر وقوع، ولو بعد حين، كما قال: {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } تفسير : [ص: 88]، وقال: {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} تفسير : [الرعد: 38] وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا} أي: بالتكذيب والاستهزاء، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ} والمراد بذلك كل فرد، من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسياً، {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} بعد التذكر {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} ولهذا ورد في الحديث: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»تفسير : . وقال السدي: عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ} قال: إن نسيت، فذكرت، {فَلاَ تَقْعُدْ} معهم، وكذا قال مقاتل بن حيان، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} تفسير : [النساء: 14] الآية، أي: إنكم إذا جلستم معهم، وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم فيما هم فيه، وقوله: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ} أي: إذا تجنبوهم، فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن سعيد بن جبير، قوله: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ} قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم، وأعرضت عنهم، وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: {أية : إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} تفسير : [النساء: 14] قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون قوله: {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيراً لهم عما هم فيه؛ لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذَّبَ بِهِ } بالقرآن {قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ } الصدق {قُلْ } لهم {لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فأجازيكم إنما أنا منذر وأمْرُكم إلى الله، وهذا قبل الأمر بالقتال.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } الضمير راجع إلى القرآن، أو إلى العذاب. وقومه المكذبون: هم قريش. وقيل: كل معاند، وجملة: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } في محل نصب على الحال، أي كذبوا بالقرآن، أو العذاب، والحال أنه حق. وقرأ ابن أبي عبلة "وكذبت" بالتاء {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي لست بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها. وقيل: وهذه الآية منسوخة بآية القتال. وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم في وسعه. قوله: {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } أي لكل شيء وقت يقع فيه. والنبأ: الشيء الذي ينبأ عنه. وقيل المعنى: لكل عمل جزاء. قال الزجاج: يجوز أن يكون وعيداً لهم بما ينزل بهم في الدنيا. وقال الحسن: هذا وعيد من الله للكفار، لأنهم كانوا لا يقرّون بالبعث {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ذلك بحصوله ونزوله بهم، كما علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوعدهم به. قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له. والخوض: أصله في الماء ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها بغمرات الماء، فاستعير من المحسوس للمعقول. وقيل: هو مأخوذ من الخلط، وكل شيء خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل: خلطه. والمعنى: إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء فدعهم، ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في حديث مغاير له، أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله إلى غاية هي الخوض في غير ذلك. وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة، الذين يحرّفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردّون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإن إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقلّ الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزّهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر. وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه، وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها، علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرّمات، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه، فيعمل بذلك مدّة عمره ويلقى الله به معتقداً أنه من الحق، وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر. قوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } «إما» هذه هي الشرطية وتلزمها غالباً نون التأكيد ولا تلزمها نادراً، ومنه قول الشاعر:شعر : إما يصبك عدوّ في منازلة يوماً فقل كيف يستعلي وينتصر تفسير : وقرأ ابن عباس «ينسينك» بتشديد السين، ومثله قول الشاعر:شعر : وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل تفسير : والمعنى: إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد بعد الذكرى إذا ذكرت {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي الذين ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها. قيل: وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد التعريض لأمته لتنزّهه عن أن ينسيه الشيطان. وقيل: لا وجه لهذا، فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة «حديث : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» تفسير : ونحو ذلك. قوله: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } أي ما على الذين يتقون مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء. وقيل المعنى: ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شيء، وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين من المؤمنين في مجالسة الكفار إذا اضطروا إلى ذلك كما سيأتي عند ذكر السبب. قيل: وهذا الترخيص كان في أوّل الإسلام، وكان الوقت وقت تقية، ثم نزل قوله تعالى: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِه} تفسير : [النساء: 140] فنسخ ذلك، قوله: {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ } "ذكرى" في موضع نصب على المصدر، أو رفع على أنها مبتدأ، وخبرها محذوف، أي ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، والمعنى على الاستدراك من النفي السابق: أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز. أما على التفسير الأوّل: فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما على التفسير الثاني: فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الخوض في آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم. وأما جعل الضمير للمتقين فبعيد جدّاً. قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه لعباً ولهواً، ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت، وإن كنت مأموراً بإبلاغهم الحجة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. وقيل المعنى: أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعباً ولهواً، كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها. وقيل: المراد بالدين هنا العيد، أي اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً، وجملة: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } معطوفة على {ٱتَّخَذُواْ } أي غرّتهم حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } تفسير : [المؤمنون: 37]. قوله: {وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } الضمير في"بِهِ" للقرآن أو للحساب. والإبسال: تسليم المرء نفسه للهلاك، ومنه أبسلت ولدي، أي رهنته في الدم، لأن عاقبة ذلك الهلاك. قال النابغة:شعر : ونحن رهناً بالأُفاقة عامراً بما كان في الدرداء رهناً فأبسلا تفسير : أي فهلك، والدرداء: كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم، فالمعنى: وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت، أي ترتهن وتسلم للهلكة، وأصل الإبسال: المنع، ومنه شجاع باسل، أي ممتنع من قرنه. قوله: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } العدل هنا: الفدية. والمعنى: وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك، وفاعل {يُؤْخَذْ } ضمير يرجع إلى العدل، لأنه بمعنى المفدى به كما في قوله: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } تفسير : [البقرة: 48]. وقيل: فاعله {منها}، لأن العدل هنا مصدر لا يسند إليه الفعل. وكل عدل منصوب على المصدر، أي عدلاً كل عدل، والإشارة بقوله {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتخذين دينهم لعباً ولهواً، وحبره {الذين أبسلوا بما كسبوا} أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً هم الذين سلموا للهلاك بما كسبوا، و{لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } جواب سؤال مقدّر كأنه قيل: كيف حال هؤلاء؟ فقيل: لهم شراب من حميم، وهو الماء الحارّ، ومثله قوله تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ } تفسير : [الحح: 19] وهو هنا: شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم. قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } أمره الله سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة، والاستفهام للتوبيخ، أي كيف ندعوا من دون الله أصناماً لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن إردنا منها نفعاً، ولا نخشى ضرّها بوجه من الوجوه، ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا } عطف على {ندعوا}. والأعقاب: جمع عقب، أي كيف ندعو من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها. قال أبو عبيدة: يقال لمن ردّ عن حاجته ولم يظفر بها: قد ردّ على عقبيه. وقال المبرّد:شعر : تعقب بالشر بعد الخير تفسير : وأصله من المعاقبة والعقبى، وهما ما كان تالياً للشيء واجباً أن يتبعه، ومنه {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الأعراف: 128]، ومنه عقب الرجل، ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب. قوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأرْضِ } هوى يهوى إلى الشيء أسرع إليه. وقال الزجاج: هو من هوى النفس، أي زين له الشيطان هواه، و{ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } هوت به، والكاف في {كَٱلَّذِى } إما نعت مصدر محذوف، أي نردّ على أعقابنا ردّاً كالذي، أو في محل نصب على الحال من فاعل نردّ، أي نردّ حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين، أي ذهبت به مردة الجنّ بعد أن كان بين الإنس. قرأ الجمهور «استهوته» وقرأ حمزة {استهواه} على تذكير الجمع. وقرأ ابن مسعود والحسن "استهواه ٱلشَّيْطَـٰنِ" وهو كذلك في قراءة أبيّ، و{حَيْرَانَ } حال، أي حال كونه متحيراً تائهاً لا يدري كيف يصنع؟ والحيران: هو الذي لا يهتدي لجهة، قود حار يحار حيرة وحيرورة: إذا تردّد، وبه سمى الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائراً. قوله: {لَهُ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } صفة لحيران، أو حالية، أي له رفقة يدعونه إلى الهدى يقولون له: ائتنا فلا يجيبهم ولا يهتدي بهديهم. قوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } أمره الله سبحانه بأن يقول لهم: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } أي دينه الذي ارتضاه لعباده {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وما عداه باطل {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } تفسير : [آل عمران: 85]. {وَأُمِرْنَا } معطوف على الجملة الإسمية، أي من جملة ما أمره الله بأن يقوله، واللام في {لِنُسْلِمَ } هي لام العلة، والمعلل هو الأمر، أي أمرنا لأجل نسلم لربّ العالمين. وقال الفراء: المعنى أمرنا بأن نسلم، لأن العرب تقول أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنى. وقال النحاس: سمعت ابن كيسان يقول هي لام الخفض. قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ } معطوف على {لنسلم} على معنى وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا، ويجوز أن يكون عطفاً على {يدعونه} على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى، ويدعونه أن أقيموا {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فكيف تخالفون أمره {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } خلقاً {بِٱلْحَقّ } أو حال كون الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة؟ قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } أي واذكر يوم يقول "كن فيكون"، أو واتقوا يوم يقول: كن فيكون. وقيل: هو عطف على الهاء في {وَٱتَّقُوهُ }. وقيل: إن {يوم} ظرف لمضمون جملة {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } والمعنى: وأمره المتعلق بالأشياء الحق، أي المشهود له بأنه حق. وقيل: {قوله} مبتدأ، و{الحق} صفة له و{يَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } خبره مقدّماً عليه، والمعنى: قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول كن فيكون. وقيل: إن {قوله} مرتفع {بيكون}، و{الحق} صفته، أي يوم يقول كن يكون قوله الحق. وقرأ ابن عامر "فَنَكُونَ" بالنون، وهو إشارة إلى سرعة الحساب. وقرأ الباقون بالياء التحتية وهو الصواب. قوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } الظرف منصوب بما قبله، أي له الملك في هذا اليوم. وقيل: هو بدل من اليوم الأوّل، والصور: قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء، والثانية للإنشاء، وكذا قال الجوهري: إن الصور القرن، قال الراجز:شعر : لقد نطحناهم غداة الجمعين نطحاً شديداً لا كنطح الصَّورَيْن تفسير : والصور بفتح الصاد وبكسرها لغة، وحكي عن عمرو بن عبيد أنه قرأ "يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ" بتحريك الواو، جمع صورة، والمراد: الخلق. قال أبو عبيدة: وهذا وإن كان محتملاً يردّ بما في الكتاب والسنة. وقال الفراء: كن فيكون، يقال: إنه للصور خاصة، أي ويوم يقول للصور كن فيكون. قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } رفع {عالم} على أنه صفة للذي خلق السموات والأرض، ويجوز أن يرتفع على إضمار مبتدأ، أي هو عالم الغيب والشهادة، وروي عن بعضهم أنه قرأ «ينفخ» بالبناء للفاعل، فيجوز على هذه القراءة أن يكون الفاعل {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } ويجوز أن يرتفع بفعل مقدّر كما أنشد سيبويه:شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : أي يبكيه مختبط. وقرأ الحسن والأعمش "عَـٰلِم" بالخفض على البدل من الهاء في {لَهُ ٱلْمُلْكُ }. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في جميع ما يصدر عنه {ٱلْخَبِيرُ } بكل شيء. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } يقول: كذبت قريش بالقرآن {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } وأما الوكيل فالحفيظ، وأما {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } فكان نبأ القوم استقرّ يوم بدر بما كان بعدهم من العذاب. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } قال: نسخ هذه الآية آية السيف {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة 5]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } قال: فعل وحقيقة ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا } قال: يستهزئون بها، نهى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم وذلك قول الله: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن سيرين أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم في الحلية، عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن محمد بن علي قال: إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج أبو الشيخ، عن مقاتل قال: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزءوا، فقال المسلمون: لا تصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ أيضاً عن السديّ أنه قال: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } قال: نسخت هذه الآية المكية بالآية المدنية، وهي قوله: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا }تفسير : الآية [النساء: 140]. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن مجاهد {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } إن قعدوا ولكن لا يقعدوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، عن عمر بن عبد العزيز، أنه أتى بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال: لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } قال: هو مثل قوله: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً }تفسير : [المدثر: 11] يعني أنه للتهديد. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، عن قتادة، في هذه الآية قال: نسختها آية السيف. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه في قوله: {لَعِباً وَلَهْواً } قال: أكلاً وشرباً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أَن تُبْسَلَ } قال: أن تفضح، وفي قوله: {أُبْسِلُواْ } قال: فضحوا وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه في قوله: {أَن تُبْسَلَ } قال: تسلم، وفي قوله: {أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } قال: أسلموا بجرائرهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله. وقوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأرْضِ } يقول: أضلته، وهم الغيلان يدعونه باسمه، واسم أبيه، وجدّه، فيتبعها ويرى أنه في شيء فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشاً. فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } قال: هو الرجل لا يستجيب لهدى الله، وهو الرجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق وضلّ عنه، و {لَهُ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس يقول: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } والضلالة ما تدعو إليه الجن. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال: «حديث : قرن ينفخ فيه»تفسير : والأحاديث الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ها هنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } يعني: إِن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} وفيما كذَّبوا به قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله الحسن، والسدي. والثاني: تصريف الآيات، قاله بعض المتأخرين. {وَهُوَ الْحَقُّ} يعني ما كذَّبوا به، والفرق بين الحق والصواب أن الحق قد يُدْرَكُ بغير طلب، والصواب لا يُدْرَكُ إلا بطلب. {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه لست عليكم بحفيظ لأعمالكم لأجازيكم عليها، وإنما أنا منذر، قاله الحسن. والثاني: لست عليكم بحفيظ أمنعكم من أن تكفروا، كما يمنع الوكيل على الشيء من إلحاق الضرر به، قاله بعض المتأخرين. والثالث: معناه لست آخذكم بالإِيمان اضطراراً وإجباراً، كما يأخذ الوكيل بالشيء، قاله الزجاج. {لِّكُلِ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: معناه أن لكل خَبَرٍ أَخْبَرَ الله تعالى به من وعد أو وعيد مستقراً في مستقبل الوقت أو ماضيه أو حاضره في الدنيا وفي الآخرة، وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه وعيد من الله للكافرين في الآخرة لأنهم لا يقرون بالبعث، قاله الحسن. والثالث: أنه وعيد لهم بما ينزل بهم في الدنيا، قاله الزجاج. قوله عز وجل: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وما على الذين يتقون الله في أوامره ونواهيه من حساب الكفار فيما فعلوه من الاستهزاء والتكذيب مآثم يؤاخذون بها، ولكن عليهم أن يذكروهم بالله وآياته لعلهم يتقون ما هم عليه من الاستهزاء والتكذيب، قاله الكلبي. والثاني: وما على الذين يتقون الله من الحساب يوم القيامة ما على الكفار في الحساب من التشديد والتغليظ لأن محاسبة المتقين ذكرى وتخفيف، ومحاسبة الكفار تشديد وتغليظ لعلهم يتقون إذا علموا ذلك. والثالث: وما على الذين يتقون الله فيما فعلوه من رد وصد حساب، ولكن اعدلوا إلى الذكرى لهم بالقول قبل الفعل، لعلهم يتقون إذا علموا. ويحتمل هذا التأويل وجهين: أحدهما: يتقون الاستهزاء والتكذيب. والثاني: يتقون الوعيد والتهديد.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَكَذَّبَ بِهِ} بالقرآن، أو بتصريف الآيات. {وَهُوَ الْحَقُّ} أي ما كذبوا به، والفرق بينه وبين الصواب: أنّ الصواب لا يدرك إلا بطلب، والحق قد يدرك بغير طلب. {بِوَكِيلٍ} بحفيظ أمنعكم من الكفر، أو بحفيظ لأعمالكم حتى أجازيكم عليها، أو لا آخذكم بالإيمان إجباراً كما يأخذ الوكيل بالشيء.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وكذب به قومك} يعني بالقرآن {وهو الحق} يعني في كونه كتاباً منزلاً من عند الله وقيل الضمير في به يرجع إلى العذاب وهو الحق يعني أنه نازل بهم أن أقاموا على كفرهم وتكذيبهم. وقيل: الضمير يرجع إلى تصريف الآيات وهو الحق لأنهم كذبوا كونها من عند الله {قلت لست عليكم بوكيل}. أي: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الحق بل إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم على أعمالكم وقيل معناه إنما أدعوكم إلى الله وإلى الإيمان به ولم أومر بحربكم، فعلى هذا القول، تكون الآية منسوخة بآية السيف. وقيل في معنى الآية: قل لست عليكم بوكيل، يعني حفيظاً إنما أطالبكم بالظاهر من الإقرار والعلم لا بما تحويه الضمائر والأسرار فعلى هذا تكون الآية محكمة {لكل نبأ مستقر} أي لكل خبر من أخبار القرآن حقيقة ومنتهى ينتهي إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقيل لكل خبر يخبر الله به وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير فكان ما وعدهم به من العذاب في الدنيا وقع يوم بدر {وسوف تعلمون} يعني صحة هذا الخبر إما في الدنيا وإما في الآخرة. قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} الخطاب في وإذا رأيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى وإذا رأيت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يخوضون في آياتنا يعني القرآن الذي أنزلناه إليك والخوض في اللغة هو الشروع في الماء والعبور فيه، ويستعار للأخذ في الحديث والشروع فيه. يقال: تخاوضوا في الحديث وتفاوضوا فيه، لكن أكثر ما يستعمل الخوض في الحديث على وجه اللعب والعبث وما يذم عليه ومنه قوله {أية : وكنا نخوض مع الخائضين}تفسير : [المدثر: 45] وقيل: الخطاب في وإذا رأيت لكل فرد من الناس. والمعنى: وإذا رأيت أيها الإنسان الذين يخوضون في آياتنا وذلك أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في الاستهزاء بالقرآن وبمن أنزله وبمن أنزل عليه، فنهاهم الله أن يقعدوا معهم في وقت الاستهزاء بقوله {فأعرض عنهم} يعني فاتركهم ولا تجالسهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} يعني حتى يكون خوضهم في غير القرآن والاستهزاء به {وإما ينسينك الشيطان} يعني فقعدت معهم {فلا تقعد بعد الذكرى} يعني إذا ذكرت فقم عنهم ولا تقعد {مع القوم الظالمين} يعني المشركين قوله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً؟ وفي رواية، قال المسلمون، إنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم فأنزل الله هذه الآية {وما على الذين يتقون} يعني يتقون الشرك والاستهزاء من حسابهم من حساب المشركين من شيء يعني ليس عليهم شيء من حسابهم ولا آثامهم {ولكن ذكرى} يعني ولكن ذكروهم ذكرى. وقيل: معناه ولكن عليكم أن تذكروهم {لعلهم يتقون} يعني لعل تلك الذكرى تمنعهم من الخوض والاستهزاء. (فصل) قال سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي قوله تعالى:{أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم أيات الله يكفر بها ويستهزأ بها}تفسير : [النساء: 140] وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ لأنها إنما دلت على أن كل إنسان إنما يختص بحساب نفسه لا بحساب غيره، وقيل: إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكير والموعظة فلا تكون منسوخة.
القشيري
تفسير : يعني قل لهم إنما على تبليغ الرسالة، فأمَّا تحقيق الوصلة بالوجود والحال فَمِنْ خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذب به} اى بالعذاب الموعود او القرآن المجيد الناطق بمجيئه {قومك} اى المعاندون منهم {وهو الحق} اى والحال ان ذلك العذاب واقع لا محالة او انه الكتاب الصادق فى كل ما نطق {قل} لهم {لست عليكم بوكيل} بحفيظ وكل الى امركم لا منعكم من التكذيب واجبركم على التصديق انما انا منذر وقد حرجت من العهدة حيث اخبرتكم بما سترونه.
الطوسي
تفسير : آية في المدنيين والبصري وآيتان في الكوفي، آخر الاولى {بوكيل}. قوله تعالى {وكذب به قومك} أي بما صرف من الآيات التي ذكرها في الآية الاولى - في قول البلخي والجبائي - وقال الازهري: الهاء راجعة الى القرآن. ثم أخبر تعالى، فقال {وهو الحق} وأمره أن يقول لقومه {لست عليكم بوكيل} أي لم أؤمر بمنعكم من التكذيب بآيات الله وان أحفظكم من ذلك وان أحول بينكم وبينه، لان الوكيل على الشىء هو القائم بحفظه، والذي يدفع الضرر عنه. وقال البلخي: هذه نزلت بمكة قبل أن يؤمر بالقتال، ثم امر فيما بعد ذلك. وأمره ان يخبرهم ان {لكل نباء} يخبرهم به {مستقر} وهو وقته الذي يعلمون فيه صحة ما وعدهم به وحقيقته، وذلك عند كون مخبره، اما في الدنيا، واما في الآخرة {وسوف تعلمون} فيه تهديد لهم بكون ما أخبرهم به من العذاب النازل بهم في الدنيا والآخرة، ووقت كون هذا العذاب هو مستقر الخبر. وقال بعضهم: أنبأه الله بالوقت الذي يظفره فيه بهم. وقال الزجاج يجوز أن يكون اراد وقت الاذن في محاربتهم حتى يدخلوا في الاسلام أو يقبلوا الجزية ان كانوا أهل كتاب. وقوله: {وكذب به قومك} المراد به الخصوص، لان في قومه جماعة صدقوا به، وهو كما يقول القائل: هؤلاء عشيرتي، يشير الى جماعة وان لم يكونوا جميع عشيرته.
الجنابذي
تفسير : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} اى بكونه قادراً او بعلىّ (ع) او بالعذاب او بالقرآن الّذى فيه ذكره {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} المتحقّق {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} حتّى امنعكم من التّكذيب وانّما علىّ التّبليغ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أي بالقرآن {وَهُوَ الحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} أي: بحفيظ لأعمالكم حتى أجازيكم بها. إنما أنا منذر، والله المجازي لكم بأعمالكم. قوله: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ}. قال الحسن: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها. فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وفي تفسير عمرو عن الحسن: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ}: عند الله خيره وشره، حتى يجازيكم به. {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي يوم القيامة. وهذا وعيد من الله للكفار. لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث. قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا} أي يكذبون بآياتنا. وقال مجاهد: يستهزءون بآياتنا {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} كان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم، وهو يومئذ بمكة، ثم أمر بعد بقتالهم. قال: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال مجاهد: "حديث : نهى [نبي الله صلى الله عليه وسلم] أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم"تفسير : ، وذلك قوله: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وكذَّب بهِ قوْمك} أى بالعذاب المذكور فى قوله: {أن يبعث عليكم عذاباً} أو بالبأس فى قوله: {بأس بعض} وبالقرآن لدلالة الآيات عليه، وهن إما القرآن وإما الدلائل، والقرآن من الدلائل أو بالتصريف المعلوم من نصرف. {وهُو الحقُّ} أى العذاب هو الحق، أى واقع لا محالة إن أصروا على التكذيب، أو البأس هو الحق واقع لا محالة، والقرآن هو الحق النازل من عند الله أو التصريف هو الحق، لا يجوز التكذيب به، ويجوز كون الحق بمعنى الصدق، والواو للحال، وصاحب الحال هاء به. {قُل لَستُ عليْكم بوَكيلٍ} بحفيظ، وكل الله إلى أمركم فأمنعكم من التكذيب حتى أكون يعاقبنى الله إن لم تخرجوا من الشرك، أو لست بحفيظ على قلوبكم، بل أطالبكم بالتوحيد والطاعة بحسب الظاهر، وسركم إلى الله أو لست حفيظا عليكم أجازيكم إن لم تتوبوا، وإنما الجزاء من الله ما على إلا البلاغ، وقيل: لم أوكل على حربكم، فعلى هذا القول ينسخ هذا بآية السيف.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَّبَ بِهِ} بالقرآن المدلول عليه بقوله نصرف الآيات وبالمقام كما تعين فى قوله "أية : وذكر به" تفسير : [الأنعام: 70] وقيل: وكذب بالعذاب المذكور فى قوله "أية : أَن يبعث عليكم عذاباً"تفسير : [الأنعام: 65] وعليه الأَكثر، وفيه أَن العذاب مذكور بالإِمكان لا بالوعيد جزماً إِلا بتأويل أَنهم كذبوا بإِمكانه وبالتلويح به أَنه لا يتم، كما قيل أَن الهاءَ عائدة على الوعيد المضمَّن فى هؤلاء الآيات، وفيه أَن ما هو بطريق الإِمكان لا يقال فيه أَنه الحق إِلا بتأويل، وقد قال: وهو الحق، وقيل بالتصريف، وقيل: كذب بالنبى صلى الله عليه وسلم، وفيه أَنه لو كان كذلك لقال وكذب بك لقوله {قَوْمُكَ} بالخطاب، ولم يجر له صلى الله عليه وسلم ذكراً بالغيبة، ودعوى الالتفات أَبعد لعدم نكتة هنا فيه، والقوم قريش، وقيل: العرب {وَهُوَ الْحَقُّ} حال من هاء به والتكذيب به مع أَنه الحق الكامل أَو الذى كأَنه لا حق سواه مبالغة ومعنى كونه حقاً أَنه صادق أَو واقع لا محالة لأَنه من الله عز وجل {قُلْ} لهم أَى لقومك {لَسْتُ عَلَيْكُمْ} متعلق بوكيل، والواو لا تمنع من ذلك لأَنها صلة والمعنى على ذلك لا على الحالية لتبادره، وأَما الباء فلا تمنع من تقديم الحال لأَنها صلة، وقدم على طريق الاهتمام بمن بقيت الوكالة عليهم من حيث الوكالة وللفاصلة على أَن الآية تمت فى قوله {بِوَكيلٍ} ولو لم يختم بالنون كنظائره، وفيه الردف بالياء كالردف فيها بالواو، والمعنى لست حفيظاً عليكم أَوفقكم إِلى الإِيمان، أَو أعاقبكم بعذاب، ليس ذلك فى طاقتى، ولا وكل إِلىَّ، وإِنما أَنا منذر والموفق والخاذل والمجازى هو الله، وهذا صحيح قبل القتال ومعه وبعده، ولا حاجة إِلى دعوى أَن المراد كما قيل عن ابن عباس، لم أُومر بقتالكم، فضلا عن أَن يقال نسخ بآية القتال.
الالوسي
تفسير : {وَكَذَّبَ بِهِ} أي القرآن كما قال الأزهري وروي ذلك عن الحسن، وقيل: الضمير لتصريف الآيات، واختاره الجبائي والبلخي. وقيل: هو للعذاب واختاره غالب المفسرين {قومك} أي قريش، وقيل: هم وسائر العرب، وأياً ما كان فالمراد المعاندون منهم، قيل: / ولعل إيرادهم بهذا العنوان للإيذان بكمال سوء حالهم فإن تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مما يقضي بغاية عتوهم ومكابرتهم. وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مراراً. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } أي الكتاب الصادق في كل ما نطق به لا ريب فيه أو المتحقق الدلالة أو الواقع لا محالة. والواو حالية والجملة بعدها في موضع الحال من الضمير المجرور، وقيل: الواو استئنافية وبعدها مستأنفة. وأياً ما كان ففيه دلالة على عظم جنايتهم ونهاية قبحها. {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي (بموكل فوض أمركم إلى أحفظ أعمالكم لأجازيكم بها) إنما أنا منذر ولم آل جهداً في الإنذار والله سبحانه هو المجازي قاله الحسن. وقال الزجاج: المراد إني لم أومر بحربكم ومنعكم عن التكذيب وفي معناه ما نقل عن الجبائي. والآية على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منسوخة بآية القتال ولا بعد في ذلك على المعنى الثاني.
سيد قطب
تفسير : إنها جولة لتقرير المفاصلة التي انتهت بها الموجة السابقة؛ فقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - هم الذين كذبوا بما جاءهم به - وهو الحق - ومن ثم انفصل ما بينه وبين قومه وانبتَّ؛ وأُمر أن يفاصلهم فيعلن إليهم أنه ليس عليهم بوكيل، وأنه يتركهم لمصيرهم الذي لا بد آتٍ، وأمر أن يعرض عنهم فلا يجالسهم متى رآهم يخوضون في الدين، ويتخذونه لعباً ولهواً، ولا يوقرونه التوقير الواجب للدين، وأمر - مع ذلك - أن يذكرهم ويحذرهم ويبلغهم وينذرهم، ولكن على أنه وإياهم - وهم قومه - فريقان مختلفان، وأمتان متميزتان.. فلا قوم ولا جنس ولا عشيرة ولا أهل في الإسلام.. إنما هو الدين الذي يربط ما بين الناس أو يفصم.. وإنما هي العقيدة التي تجمع بين الناس أو تفرق. وحين يوجد أساس الدين توجد تلك الروابط الأخرى. وحين تنفصم هذه العروة تفصم الروابط والصلات. وهذه هي الخلاصة المجملة لهذه الموجة من السياق. {وكذب به قومك - وهو الحق - قل: لست عليكم بوكيل. لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون}.. والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيه، ويعطي المؤمنين من ورائه، الثقة التي تملأ القلب بالطمأنينة. الثقة بالحق - ولو كذب به قومه وأصروا على التكذيب - فما هم بالحكم في هذا الأمر، إنما كلمة الفصل فيه لله سبحانه. وهو يقرر أنه الحق. وأن لا قيمة ولا وزن لتكذيب القوم! ثم يأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من قومه وينفض منهم يده، وأن يعلنهم بهذه المفاصلة، ويعلمهم أنه لا يملك لهم شيئاً؛ وأنه ليس حارساً عليهم ولا موكلاً بهم بعد البلاغ، ولا مكلفاً أن يهدي قلوبهم - فليس هذا من شأن الرسول - ومتى أبلغهم ما معه من الحق، فقد انتهى بينه وبينهم الأمر؛ وأنه يخلي بينهم وبين المصير الذي لا بد أن ينتهي إليه أمرهم. فإن لكل نبأ مستقراً ينتهي إليه ويستقر عنده. وعندئذ يعلمون ما سيكون! {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون}.. وفي هذا الإجمال من التهديد ما يزلزل القلوب.. إنها الطمأنينة الواثقة بالحق؛ الواثقة بنهاية الباطل مهما تبجح، الواثقة بأخذ الله للمكذبين في الأجل المرسوم، الواثقة من أن كل نبأ إلى مستقر؛ وكل حاضر إلى مصير. وما أحوج أصحاب الدعوة إلى الله - في مواجهة التكذيب من قومهم، والجفوة من عشيرتهم، والغربة في أهلهم، والأذى والشدة والتعب واللأواء.. ما أحوجهم إلى هذه الطمأنينة الواثقة التي يسكبها القرآن الكريم في القلوب! فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ، وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة.. فإنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات الله بغير توقير؛ ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة؛ ويجعلون الدين موضعاً للعب واللهو؛ بالقول أو بالفعل؛ حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه؛ أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه. فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم، ثم تذكر، قام من فوره وفارق مجلسهم: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}.. ولقد كان هذا الأمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويمكن في حدود النص أن يكون أمراً لمن وراءه من المسلمين.. كان هذا الأمر في مكة. حيث كان عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقف عند حدود الدعوة. وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة. وحيث كان الاتجاه واضحاً لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن.. فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجالس المشركين؛ متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير، والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه. وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات.. والقوم الظالمون، المقصود بهم هنا القوم المشركون. كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم.. فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة، فكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - شأن آخر مع المشركين. وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. حيث لا يجترىء أحد على الخوض في آيات الله! ثم يكرر السياق المفاصلة بين المؤمنين والمشركين، كما قررها من قبل بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين. ويقرر اختلاف التبعة واختلاف المصير: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء، ولكن ذكرى لعلهم يتقون}.. فليست هنالك تبعة مشتركة بين المتقين والمشركين. فهما أمتان مختلفتان - وإن اتحدتا في الجنس والقوم فهذه لا وزن لها في ميزان الله، ولا في اعتبار الإسلام.. إنما المتقون أمة، والظالمون (أي المشركون) أمة، وليس على المتقين شيء من تبعة الظالمين وحسابهم. ولكنهم إنما يقومون بتذكيرهم رجاء أن يتقوا مثلهم، وينضموا إليهم.. وإلا فلا مشاركة في شيء، إذا لم تكن مشاركة في عقيدة! هذا دين الله وقوله.. ولمن شاء أن يقول غيره. ولكن ليعلم أنه يخرج من دين الله كله إذ يقول ما يقول! ويستمر السياق في تقرير هذه المفاصلة؛ وفي بيان الحدود التي تكون فيها المعاملة: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرّتهم الحياة الدنيا، وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع، وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها. أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا، لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.. ونقف من الآية أمام عدة أمور: أولها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم - وينسحب الأمر على كل مسلم - مأمور أن يهمل شأن الذين يتخذون دينهم لعباً ولهواً.. وهذا يتم بالقول كما يتم بالفعل.. فالذي لا يجعل لدينه وقاره واحترامه باتخاذه قاعدة حياته اعتقاداً وعبادة، وخلقاً وسلوكاً، وشريعة وقانوناً، إنما يتخذ دينه لعباً ولهواً.. والذي يتحدث عن مبادئ هذا الدين وشرائعه فيصفها أوصافاً تدعو إلى اللعب واللهو. كالذين يتحدثون عن "الغيب" - وهو أصل من أصول العقيدة - حديث الاستهزاء. والذين يتحدثون عن "الزكاة" وهي ركن من أركان الدين حديث الاستصغار. والذين يتحدثون عن الحياء والخلق والعفة - وهي من مبادىء هذا الدين - بوصفها من أخلاق المجتمعات الزراعية، أو الإقطاعية، أو "البرجوازية" الزائلة! والذين يتحدثون عن قواعد الحياة الزوجية المقررة في الإسلام حديث إنكار أو استنكار. والذين يصفون الضمانات التي جعلها الله للمرأة لتحفظ عفتها بأنها "أغلال!".. وقبل كل شيء وبعد كل شيء.. الذين ينكرون حاكمية الله المطلقة في حياة الناس الواقعية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية.. ويقولون: إن للبشر أن يزاولوا هذا الاختصاص دون التقيد بشريعة الله.. أولئك جميعاً من المعنيين في هذه الآيات بأنهم يتخذون دينهم لعباً ولهواً. وبأن المسلم مأمور بمفاصلتهم ومقاطعتهم إلا للذكرى. وبأنهم الظالمون - أي المشركون - والكافرون الذين أبسلوا بما كسبوا، فلهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون.. وثانيها: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينسحب الأمر على كل مسلم - مأمور بعد إهمال شأن هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا - أن يقوم بتذكيرهم وتخويفهم من أن ترتهن نفوسهم بما كسبوا، وأن يلاقوا الله ليس لهم من دونه ولي ينصرهم، ولا شفيع يشفع لهم؛ كما أنه لا يقبل منهم فدية لتطلق نفوسهم بعد ارتهانها بما كسبت. وللتعبير القرآني جماله وعمقه وهو يقول: {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع، وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها}.. فكل نفس على حدة تبسل (أي ترتهن وتؤخذ) بما كسبت، حالة أن ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع، ولا يقبل منها عدل تفتدى به وتفك الربقة! فأما أولئك الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا فهؤلاء قد ارتهنوا بما كسبوا؛ وحق عليهم ما سبق في الآية؛ وكتب عليهم هذا المصير: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا، لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.. لقد أخذوا بما فعلوا؛ وهذا جزاؤهم: شراب ساخن يشوي الحلوق والبطون؛ وعذاب أليم بسبب كفرهم، الذي دل عليه استهزاؤهم بدينهم.. وثالثها: قول الله تعالى في المشركين: {الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً}.. فهل هو دينهم؟.. إن النص ينطبق على من دخل في الإسلام، ثم اتخذ دينه هذا لعباً ولهواً.. وقد وجد هذا الصنف من الناس وعرف باسم المنافقين.. ولكن هذا كان في المدينة.. فهل هو ينطبق على المشركين الذين لم يدخلوا في الإسلام؟ إن الإسلام هو الدين.. هو دين البشرية جميعاً.. سواء من آمن به ومن لم يؤمن.. فالذي رفضه إنما رفض دينه.. باعتبار أنه الدين الوحيد الذي يعده الله ديناً ويقبله من الناس بعد بعثة خاتم النبيين. ولهذه الإضافة دلالتها في قوله: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً}.. فهي - والله أعلم - إشارة إلى هذا المعنى الذي أسلفناه، من اعتبار الإسلام ديناً للبشرية كافة. فمن اتخذه لعباً ولهواً، فإنما يتخذ دينه كذلك.. ولو كان من المشركين.. ولا نزال نجدنا في حاجة إلى تقرير من هم المشركون؟ إنهم الذين يشركون بالله أحداً في خصائص الألوهية. سواء في الاعتقاد بألوهية أحد مع الله. أو بتقديم الشعائر التعبدية لأحد مع الله. أو بقبول الحاكمية والشريعة من أحد مع الله. ومن باب أولى من يدعون لأنفسهم واحدة من هذه، مهما تسمَّوا بأسماء المسلمين! فلنكن من أمر ديننا على يقين! ورابعها: حدود مجالسة الظالمين - أي المشركين - والذين يتخذون دينهم لعباً ولهواً.. وقد سبق القول بأنها لمجرد التذكير والتحذير. فليست لشيء وراء ذلك - متى سمع الخوض في آيات الله؛ أو ظهر اتخاذها لعباً ولهواً بالعمل بأية صورة مما ذكرنا أو مثلها.. وقد جاء في قول القرطبي في كتابه: الجامع لأحكام القرآن بصدد هذه الآية: "في هذه الآية ردٌّ من كتاب الله عز وجل،على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم، لهم أن يخالطوا الفاسقين، ويصوّبوا آراءهم تَقيةً.." ونحن نقول: إن المخالطة بقصد الموعظة والتذكير وتصحيح الفاسد والمنحرف من آراء الفاسقين تبيحها الآية في الحدود التي بينتها. أما مخالطة الفاسقين والسكوت عما يبدونه من فاسد القول والفعل من باب التقية فهو المحظور. لأنه - في ظاهره - إقرار للباطل، وشهادة ضد الحق. وفيه تلبيس على الناس، ومهانة لدين الله وللقائمين على دين الله. وفي هذه الحالة يكون النهي والمفارقة. كذلك روى القرطبي في كتابه هذه الأقوال: "قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر - مؤمناً كان أو كافراً - قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو، ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع؛ وألا تعتقد مودتهم، ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم. وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة. فأعرض عنه، وقال: ولا نصف كلمة!. ومثله عن أيوب السختياني. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها؛ ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له. وروى أبو عبدالله الحاكم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "حديث : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ".. تفسير : فهذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله.. وكله لا يبلغ مدى من يدعي خصائص الألوهية بمزاولته للحاكمية؛ ومن يقره على هذا الادعاء.. فليس هذا بدعة مبتدع؛ ولكنه كفر كافر، أو شرك مشرك. مما لم يتعرض له السلف لأنه لم يكن في زمانهم. فمنذ أن قام الإسلام في الأرض لم يبلغ من أحد أن يدعي هذه الدعوى، وهو يزعم الإسلام. ولم يقع شيء من ذلك إلا بعد الحملة الفرنسية التي خرج بعدها الناس من إطار الإسلام - إلا من عصم الله - وكذلك لم يعد في قول هؤلاء السلف ما ينطبق على هذا الذي كان! فقد تجاوز كل ما تحدثوا عنه بمثل هذه الأحكام..
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : انظر كيف نُصَرّفُ الآيات}تفسير : [الأنعام: 65]، أي لعلَّهم يفقهون فلم يفقهوا وكذّبوا. وضمير {به} عائد إلى العذاب في قوله {أية : على أن يبعث عليكم عَذَاباً}تفسير : [الأنعام: 65]، وتكذيبهم به معناه تكذيبهم بأنّ الله يعذّبهم لأجل إعراضهم. والتعبير عنهم بـ{قومك} تسجيل عليهم بسوء معاملتهم لمن هو من أنفسهم، كقوله تعالى: {أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُرْبى}تفسير : [الشورى: 23]، وقال طرفة: شعر : وظُلْمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً على المرْء من وقْع الحُسام المهنّدِ تفسير : وتقدّم وجه تعدية فعل (كذّب) بالباء عند قوله تعالى: {أية : وكذّبتم به}تفسير : في هذه السورة (57). وجملة {وهو الحقّ} معترضة لقصد تحقيق القدرة على أن يبعث عليهم عذاباً الخ. وقد تحقّق بعض ذلك بعذاببٍ من فوقهم وهو عذاب القحط، وبإذاقتهم بأس المسلمين يوم بدر. ويجوز أن يكون ضمير به عائداً إلى القرآن، فيكون قوله: {وكذّب به} رجوعاً بالكلام إلى قوله {أية : قل إنِّي على بيِّنة من ربِّي وكذّبتم به} تفسير : [الأنعام: 57]، أي كذّبتم بالقرآن، على وجه جعل (مِنْ) في قوله: {أية : من ربِّي}تفسير : [الأنعام: 57] ابتدائية كما تقدّم، أي كذّبتم بآية القرآن وسألتم نزولَ العذاب تصديقاً لرسالتي وذلك ليس بيدي. ثم اعتُرض بجمل كثيرة. أولاها: {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : [الأنعام: 59]، ثم ما بعده من التعريض بالوعيد، ثم بنى عليه قوله: {وكذّب به قومك وهو الحقّ} فكأنّه قيل: قل إنّي على بيّنة من ربّي وكذّبتم به وهو الحقّ قُل لست عليكم بوكيل. وقوله: {قل لست عليكم بوكيل} إرغام لهم لأنَّهم يُرُونَه أنَّهم لمَّا كذّبوه وأعرضوا عن دعوته قد أغاظوه، فأعلمهم الله أنَّه لا يغيظه ذلك وأنّ عليه الدعوة فإذا كانوا يُغيظون فلا يغيظون إلاّ أنفسهم. والوكيل هنا بمعنى المدافع الناصر، وهو الحفيظ. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبُنا الله ونعم الوكيل}تفسير : في سورة [آل عمران: 173]. وتعديته ب(على) لتضمنّه معنى الغلبة والسلطة، أي لست بقيِّم عليكم يمنعكم من التكذيب، كقوله تعالى:{أية : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلاّ البلاغ}تفسير : [الشورى: 48]. وجملة {لكلّ نبأ مستقرّ} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله {وهو الحق} يثير سؤالهم أن يقولوا: فمتى ينزل العذاب. فأجيبوا بقوله: {لكلّ نبأ مستقرّ}. والنبأ: الخبر المهم، وتقدّم في هذه السورة. فيجوز أن يكون على حقيقته، أي لكلّ خبر من أخبار القرآن، ويجوز أن يكون أطلق المصدر على اسم المفعول، أي لكلّ مخبَر به، أي ما أخبِروا به من قوله: {أية : أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم}تفسير : [الأنعام: 65] الآية. والمستقرّ وقت الاستقرار، فهو اسم زمانِه، ولذلك صيغ بوزن اسم المفعول، كما هو قياس صوغ اسم الزمان المشتقّ من غير الثلاثي. والاستقرار بمعنى الحصول، أي لكلّ موعود به وقت يحصل فيه. وهذا تحقيق للوعيد وتفويض زمانه إلى علم الله تعالى. وقد يكون المستقرّ هنا مستعملاً في الانتهاء والغاية مجازاً، كقوله تعالى: {أية : والشمس تجري لمستقرّ لها}تفسير : [يس: 38]، وهو شامل لوعيد الآخرة ووعيد الدنيا ولكلَ مستقرّ. وعن السّدّي: استقرّ يوم بدر ما كان يَعِدهم به من العذاب. وعطف {سوف تعلمون} على جملة {لكلّ نبأ مستقرّ} أي تعلمونه، أي هو الآن غير معلوم وتعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم. وهذا أظهر في وعيد العذاب في الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : (66) - وَكَذَّبَ قَوْمُكَ بِالقُرْآنِ الذِي جِئْتَهُمْ بِهِ، وَهُوَ حَقٌ ثَابِتٌ لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ أُبْلِغُكُمْ مَا جَاءَنِي مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلَسْتُ عَلَيْكُمْ بِحَافِظٍ، وَلا بِمُوَكَّلٍ بِكُمْ. بِوَكِيلٍ - بِحَفِيظٍ، وُكِّلَ إِلَيَّ أَمْرُكُمْ فَأُجَازِيكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما الذي كذب به القوم؟ المقصود هو القرآن أو المنهج عامة؛ لأن المنهج الإيماني يشمل القرآن ويشمل ما آتى به الرسول عليه الصلاة والسلام. فالقرآن معجزة مشتملة على الأصول. وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالسنُّة ليبين ويشرِّع. ولذلك نرد على هؤلاء الذين يطلبون كل حكم من الأحكام من القرآن ونقول: إن القرآن جاء معجزة تتكلم عن أصول العقيدة، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالتشريعات التي تكمل المنهج، ومثال ذلك عدد الصلوات في كل فرض من الفروض الخمسة وعدد ركعات كل فرض من فروض الصلوات الخمس. إن القرآن لم يذكرها، ولكن أوضحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو القائل في حديث شريف: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي". تفسير : والرسول صلى الله عليه وسلم مفوض بالتشريع بنص القرآن الكريم: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. ونحن نصلي كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونزكي بنصاب الزكاة الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحج إلى بيت الله الحرام كما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل سبحانه القرآن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من طبق القرآن والسنة. {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 44]. أي أن هناك من الأمور العقدية التي أنزلها الحق مجملة في القرآن وفصلها للمؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكليف من الحق. وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة بنص القرآن وهي ضمن طاعة الحق سبحانه وتعالى، فالحق يقول مرة: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} تفسير : [آل عمران: 32]. وهنا طاعة الرسول غير مكررة إنها ضمن طاعة الله. ويقول سبحانه مرة أخرى: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النور: 54]. أي أن هناك أمراً بإطاعة الله وأمراً بإطاعة الرسول. ومرة ثالثة يقول سبحانه: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. وكل ذلك حتى نستوعب الأحكام التي التقت السنة فيها بكتاب الله. وحين قال الحق: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59]. فهو سبحانه لم يأت بطاعة مستقلة لأولي الأمر ولكنه جعلها طاعة من باطن طاعتين هما: طاعة الله، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ونعود إلى معنى الآية التي نحن بصددها: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66]. إذن فالذي كذب بوجود الله وكذب بالقرآن هو مكذب للمنهج أيضا. فالمكَذَّب به هنا هو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وفي حياتنا اليومية تحدث واقعة ما ويأتي أكثر من شاهد عِيان لها فلا نجدهم يختلفون في رواية الواقعة لأنهم يستوحون واقعاً، لكن إن كان بعض من الشهود لم يروْا الواقعة التي يشهدون عليها الوقائع من أفواه الشهود؛ لأن الحق قد يختفي قليلا وراء بعضٍ من الضباب لكن لا يدوم اختفاؤه طويلاً بل يظهر جلياً ناصعاً. والحق يضرب لنا المثل فيقول سبحانه: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. الماء - إذن - ينزل بأمر الله من السماء فتستمر به حياة النبات والحيوان والإنسان، ويأخذ كل وادٍ على قدر حاجته. وعندما ينزل السيل فهو يصحب معه بعضاً من الشوائب التي تطفو على المياه، ومثل تلك الشوائب يَطفو - أيضاً - عندما يُصهر الذهب أو أي معدن ويُسمى الخبث. وهكذا يطفو الباطل كالزَّبَدِ ويذهب جُفاء مطروحا ومرميا به بعيداً أو ينزل على جوانبه، أما الحق الذي ينفع الناس فهو يبقى في الأرض. وتكذيب القوم للحق من الله وللقرآن وللمنهج الإيماني هو البهتان، والرسول صلى الله عليه وسلم ليس بوكيل على المكذبين ولا يلزمهم أن يصدقوا، فالوكيل هو الله الحق الذي يعاقب كل مكذِّب له، ومهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي البلاغ. "وكذّب به قومك"، وكلمة "قومك" هذه هي تقريع فظيع لهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء منهم، وعرفوه صادقاً أميناً مدة أربعين عاماً قبل الرسالة، وما جرّبوا عليه كذباً ، ومقتضى مكثه معهم هذا التاريخ الطويل كان يفرض عليهم أن يتساءلوا من فور بلاغهم بالرسالة: إنه لم يكذب علينا قط ونحن من الخلق، أيكذب على الخالق؟. ولكن الهوى أعمى بصيرتهم، ولذلك يقول الحق عن هذا البلاغ: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. أي قل لهم يا محمد: لو أراد الله ألا ينزل قرآنا عليّ من لدنه وألاَّ أبلغكم وأعلمكم به ما أنزله وما تلوته عليكم، ولكنه أنزله وأرسلني به إليكم. وعندما يمتن الله على الذين أرسل إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم فهو يقول سبحانه: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. وبرغم تكبر وعناد وتكذيب المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ترك علياً بمكة ليسلم للناس أماناتهم. فهل هناك حمق أكثر من حمق هؤلاء الذين كذبوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. أيكون أمينا معهم ولا يكون أمينا مع ربه؟ ويقول الحق من بعد ذلك: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):