Verse. 857 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَاِذَا رَاَيْتَ الَّذِيْنَ يَخُوْضُوْنَ فِيْۗ اٰيٰتِنَا فَاَعْرِضْ عَنْہُمْ حَتّٰي يَخُوْضُوْا فِيْ حَدِيْثٍ غَيْرِہٖ۝۰ۭ وَاِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرٰي مَعَ الْقَوْمِ الظّٰلِـمِيْنَ۝۶۸
Waitha raayta allatheena yakhoodoona fee ayatina faaAArid AAanhum hatta yakhoodoo fee hadeethin ghayrihi waimma yunsiyannaka alshshaytanu fala taqAAud baAAda alththikra maAAa alqawmi alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا» القرآن بالاستهزاء «فأعرض عنهم» ولا تجالسهم «حتى يخوضوا في حديث غيره وإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «يُنسِيَنَّكَ» بسكون النون والتخفيف وفتحها والتشديد «الشيطان» فقعدت معهم «فلا تقعد بعد الذكرى» أي تذكرة «مع القوم الظالمين» فيه وضع الظاهر موضع المضمر وقال المسلمون إن قمنا كلما خاضوا لم نستطيع أن نجلس في المسجد وأن نطوف فنزل.

68

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على الرسول أن يلازمهم وأن يكون حفيظاً عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ } قيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، وقيل: الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا. ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث واللعب، قال تعالى حكاية عن الكفار: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَائِضِينَ } وإذا سئل الرجل عن قوم فقال: تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته. قال: لأن ذلك خوض في آيات الله، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية، والجواب عنه: أنا نقلنا عن المفسرين أن المراد من «الخوض» الشروع في آيات الله تعالى على سبيل الطعن والاستهزاء. وبينا أيضاً أن لفظ «الخوض» وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر {يُنسِيَنَّكَ} بالتشديد وفعل وأفعل يجريان مجرى واحد كما بينا ذلك في مواضع. وفي التنزيل {أية : فَمَهّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً }تفسير : [الطارق: 17] والاختيار قراءة العامة لقوله تعالى: {أية : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الكهف: 63] ومعنى الآية: إن نسيت وقعدت فلا تقعد بعد الذكرى، وقم إذا ذكرت. والذكرى اسم للتذكرة قاله الليث. وقال الفراء: الذكرى يكون بمعنى الذكر، وقوله: {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يعني مع المشركين. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } وهذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام عنهم ويحتمل بغيره. فلما قال بعد ذلك {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } صار ذلك دليلاً على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وههنا سؤالات: السؤال الأول: هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم؟ والجواب: الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون ذلك، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا: لأن المطلوب إظهار الإنكار، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه. السؤال الثاني: لو خاف الرسول من القيام عنهم، هل يجب عليه القيام مع ذلك؟ الجواب: كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض، لأنه إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور. المسألة الرابعة: قوله: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } يفيد أن التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف. وهذا يدل على أن تكليف مالا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت حاصلة قبل الفعل. فوجب أن لا يكون الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان. واعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام بذكر الجواب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} بالتكذيب والردّ والاستهزاء {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} والخطاب مجرّد للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. وهو صحيح؛ فإن العلة سماع الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه. وقيل: المراد به النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم، ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك؛ فأُمِر أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا ٱستهزءوا وخاضوا ليتأدّبوا بذلك ويدَعُوا الخوض والاستهزاء. والخَوْض أصله في الماء، ثم استعمل بعدُ في غَمَرات الأشياء التي هي مجاهل، تشبيهاً بغَمَرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول. وقيل: هو مأخوذ من الخلط. وكل شيء خُضْتَه فقد خلطته؛ ومنه خاض الماءَ بالعسل خلطه. فأدّب الله عز وجل نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية؛ (لأنه) كان يقعد إلى قوم من المشرِكينَ يَعِظهم ويدعوهم فيستهزءون بالقرآن؛ فأمره الله أن يُعرض عنهم إعراضَ مُنْكِر. ودلّ بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكَراً وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يُعرض عنه إعراض منكر ولا يُقبل عليه. وروى شِبْل عن ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد في قوله: «وَإِذَا رَأْيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا» قال: هم الذين يستهزءون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلاّ أن ينسى فإذا ذَكَر قام. وروى وَرْقَاء عن ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد قال: هم الذين يقولون في القرآن غير الحق. الثانية: في هذه الآية ردٌّ من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حُجَجٌ وأتباعَهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوّبوا آراءهم تَقِيّة. وذكر الطبريّ عن أبي جعفر محمد بن عليّ (رضي الله عنه) أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. قال ابن العربيّ: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحِلّ. قال ابن خُوَيْزَمَنْدَاد: من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهُجر، مؤمناً كان أو كافراً. قال: وكذلك منع أصحابنا الدخولَ إلى أرض العدوّ ودخولَ كنائسهم والبِيعَ، ومجالسةَ الكفار وأهلِ البِدَع، وألاّ تُعتقد مودّتهم ولا يُسمع كلامهم ولا مناظرتهم. وقد قال بعض أهل البِدع لأبي عِمران النَّخَعِيّ: اسمع مني كلمة؛ فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب السِّختِيانيّ. وقال الفُضيل بن عِيَاض: من أحبّ صاحبَ بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، ومن زوّج كريمته من مُبْتدِع فقد قطع رَحِمَها، ومن جلس مع صاحب بِدْعة لم يُعط الحكمة، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مُبغِض لصاحب بِدْعة رجَوْتُ أن يغفر الله له. وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من وَقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام»تفسير : . فبطل بهذا كُلِّه قولُ مَن زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم. قوله تعالى: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ} «إما» شرط، فيلزمها النون الثقيلة في الأغلب وقد لا تلزم؛ كما قال:شعر : إمّا يصِبْك عدوّ في مُناوَأة يوماً فقد كنت تَسْتَعْلِي وتنتصر تفسير : وقرأ ٱبن عباس وٱبن عامر «يُنَسِّينك» بتشديد السّين على التكثير؛ يقال: نَسَّى وَأَنْسَى بمعنى واحد لغتان؛ قال الشاعر:شعر : قالت سُلَيمَى أَتَسْرِي اليوم أم تَقِل وقد يُنَسّيك بعضَ الحاجةِ الكسلُ تفسير : وقال ٱمرؤ القيس:شعر : ...تُنَسِّنِّي إذا قمت سِرْبَالِي تفسير : المعنى: يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النَّهْي. {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} أي إذا ذكرت فلا تقعد {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} يعني المشركين. والذِّكْرَى ٱسم للتذكير. الثانية: قيل: هذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ ذهبوا إلى تبرئته عليه السلام من النسيان. وقيل: هو خاص به، والنسيان جائز عليه. قال ابن العربيّ: وإن عذَرْنا أصحابنا في قولهم إن قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} خطابٌ للأمة بٱسم النبيّ صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشِّرْك عليه، فلا عُذْر لهم في هذا لجواز النسيان عليه. قال عليه السلام: «حديث : نَسِيَ آدمُ فنَسِيت ذرِّيَّتُه»تفسير : خرّجه الترمذيّ وصحّحه. وقال مخبراً عن نفسه: «حديث : إنما أنا بشر مثلكم أَنْسَى كما تَنسَوْن فإذا نسيت فذكّروني»تفسير : . خرّجه في الصحيح، فأضاف النسيان إليه. وقال وقد سمع قراءة رجل: «لقد أذكرَني آيةَ كذا وكذا كنتُ أنسيتها». واختلفوا بعد جواز النسيان عليه؛ هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا.؟ فذهب إلى الأوّل ـ فيما ذكره القاضي عياض ـ عامّةُ العلماء والأئمةُ النُّظار؛ كما هو ظاهر القرآن والأحاديث، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبّهه على ذلك ولا يقرّه عليه. ثم اختلفوا هل مِن شرط التنبيه ٱتصاله بالحادثة على الفَوْر، وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثرِ من العلماء، أو يجوز في ذلك التَّراخِي ما لم يَنخرِم عمره وينقطع تبليغه، وإليه نحا أبو المعَالِي. ومنعت طائفة من العلماء السَّهوَ عليه في الأفعال البلاغِية والعبادات الشرعيّة؛ كما منعوه ٱتفاقاً في الأقوال البلاغِية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك؛ وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق. وشذّت الباطِنيّة وطائفة من أرباب علم القلوب فقالوا: لا يجوز النسيان عليه، وإنما يَنْسَى قصداً ويتعمّد صورةَ النسيان ليَسُنّ. ونَحَا إلى هذا عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفِرايِينِي في كتابه (الأوسط) وهو منحًى غيرُ سديد، وجمعُ الضدّ مع الضدّ مستحيل بعيد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَٰتِنَا } القرآن بالاستهزاء {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تجالسهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {يُنسِيَنَّكَ } بسكون النون والتخفيف وفتحها والتشديد [ينسّينّك]{ٱلشَّيْطَٰنُ } فقعدت معهم {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } أي تذكُّره {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ } فيه وضع الظاهر موضع المضمر.

ابن عطية

تفسير : لفظ هذا الخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، واختلف في معناه فقيل إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح، لأن علة النهي وهي سماع الخوض في آيات الله تسلهم وإياه وقيل: بل بالمعنى أيضاً إنما أريد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم وفراقه لهم على معارضته وإن لم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزؤوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء، وهذا التأويل يتركب على كلام ابن جرير يرحمه الله، والخوض أصله في الماء ثم يستعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيهاً بغمرات الماء، {وإما} شرط وتلزمها النون الثقيلة في الأغلب، وقد لا تلزم كما قال: شعر : إمَّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مُنَاوَأةٍ تفسير : إلى غير ذلك من الأمثلة، وقرأ ابن عامر وحده "ينسّنَك" بتشديد السين وفتح النون والمعنى واحد، إلا أن التشديد أكثر مبالغة، و {الذكرى} والذكر واحد في المعنى وإنما هو تأنيث لفظي، ووصفهم هنا بـ {الظالمين} متمكن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، و {أعرض} في هذه الآية بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض وأكمل وجوهه، ويدل على ذلك {فلا تقعد}. وقوله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم} الآية، والمراد بـ {الذين} هم المؤمنون. والضمير في {حسابهم} عائد على {الذين يخوضون} ومن قال إن المؤمنين داخلون في قوله: {فأعرض} قال إن النبي عليه السلام داخل في هذا القصد بـ {الذين يتقون} ، والمعنى عندهم على ما روي أن المؤمنين قالوا لما نزلت فلا تقعد معهم قالوا: إذا كنا لا نضرب المشركين ولا نسمع أقوالهم فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة في الحرم فنزلت لذلك {وما على الذين يتقون}. قال القاضي أبو محمد: فالإباحة في هذا هي في القدر الذي يحتاج إليه من التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها، وقال بعض من يقول إن النبي عليه السلام داخل في {الذين يتقون} وإن المؤمنين داخلون في الخطاب الأول أن هذه الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه، وإنما معناها لا تقعدوا ولا تقربوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأن عليكم شيئاً من حسابهم وإنما هو ذكرى لكم، ويحتمل المعنى أن يكون لهم لعلهم إذا جانبتموهم يتقون بالإمساك عن الاستهزاء، وأما من قال إن الخطاب الأول هو مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم لثقل مفارقته مغضباً على الكفار فإنه قال في هذه الآية الثانية إنها مختصة بالمؤمنين، ومعناها الإباحة، فكأنه قال فلا تقعد معهم يا محمد وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم فإن قعدوا فليذكروهم لعلهم يتقون الله في ترك ما هم فيه. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشار إليه النقاش ولم يوضحه، وفيه عندي نظر، وقال قائل هذه المقالة: إن هذه الإباحة للمؤمنين نسخت بآية النساء قوله تعالى: {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} تفسير : [النساء:140] وكذلك أيضاً من قال أولاً إلا أن الإباحة كانت بحسب العبادات يقول إن هذه الآية التي في النساء ناسخة لذلك إذ هي مدنية، والإشارة بقوله: {أية : وقد نزل} تفسير : [النساء:140] إليها بنفسها فتأمله، وإلا فيجب أن يكون الناسخ غيرها، و {ذكرى} على هذا القول يحتمل أن يكون ذكر وهم ذكرى، ويحتمل ولكن أعرضوا متى أعرضتم في غير وقت العبادة ذكرى، و {ذكرى} على كل قول يحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل أو رفع وإضمار مبتدأ، وينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدال والخوض فيه، حكى الطبري عن أبي جعفر أنه قال لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.

النسفي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَـٰتِنَا } أي القرآن يعني يخوضون فى الاستهزاء بها والطعن فيها، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تجالسهم وقم عنهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } غير القرآن مما يحل فحينئذ يجوز أن تجالسهم {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } ما نهيت عنه {يُنسِيَنَّكَ } شامي نسّي وأنسى واحد {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } بعد أن تذكر {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم } من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيباً واستهزاء {مِّن شَيْءٍ } أي وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم {وَلَـٰكِنِ } عليهم أن يذكروهم {ذِكْرِى } إذا سمعوهم يخوضون بالقيام عنهم وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم. ومحل {ذِكْرِى } نصب أي ولكن يذكرونهم ذكرى أي تذكيراً، أورفع والتقدير ولكن عليهم ذكرى؛ {ذِكْرِى } مبتدأ والخبر محذوف. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ } الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام {لَعِباً وَلَهْواً } سخروا به واستهزءوا. ومعنى {ذَرْهُمْ } أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، واللهو ما يشغل الإنسان من هوى أو طرب {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكّرْ بِهِ } وعظ بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها، وأصل الإبسال المنع {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ } ينصرها بالقوة {وَلاَ شَفِيعٌ } يدفع عنها بالمسألة. ولا وقف على {كَسَبَتْ } في الصحيح لأن قوله {لَيْسَ لَهَا } صفة لنفس والمعنى وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة ولياً وشفيعاً بكسبها {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } نصب على المصدر وإن تفد كل فداء، والعدل الفدية لأن الفادي يعدل المفدي بمثله، وفاعل {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } لا ضمير العدل لأن العدل هنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ، وأما في قوله {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [البقرة: 48] فبمعنى المفدى به فصح إسناده إليه {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المتخذين من دينهم لعباً ولهواً وهو مبتدأ والخبر {ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } وقوله {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ } أي ماء سخين حار خبر ثان لـ {أُوْلَـٰئِكَ } والتقدير: أولئك المبسلون ثابت لهم شراب من حميم أو مستأنف. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } بكفرهم. {قُلْ } لأبي بكر يقل لابنه عبد الرحمن وكان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان {أَنَدْعُواْ } أنعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ } الضار النافع {مَا لاَ يَنفَعُنَا } ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه {وَلاَ يَضُرُّنَا } إن تركنا {وَنُرَدُّ } وأنرد {عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا } راجعين إلى الشرك {بَعْدَ إِذْ هَدَٰنَا ٱللَّهُ } للإسلام وأنقذنا من عبادة الأصنام {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجن. والكاف في محل النصب على الحال من الضمير في {نُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا } أي أننكص مشبهين من استهوته الشياطين وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه {فِي ٱلأَرْضِ } في المهمه {حَيْرَانَ } حال من مفعول {ٱسْتَهْوَتْهُ } أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري كيف يصنع {لَهُ } لهذا المستهوي {أَصْحَـٰبٌ } رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } إلى أن يهدوه الطريق. سمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له {ٱئْتِنَا } وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم، وهذا مبني على ما يقال إن الجن تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } وهو الإسلام {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وحده وما وراءه ضلال {وَأُمِرْنَا } محله النصب بالعطف على محل {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } على أنهما مقولان كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا {لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ } والتقدير: وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإسلام ولإقامة الصلاة {وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يوم القيامة {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } بالحكمة أو محقاً {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } على الخبر دون الجواب {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } مبتدأ و {يَوْمَ يَقُولُ } خبره مقدماً عليه كما تقول «يوم الجمعة قولك الصدق» أي قولك الصدق كائن يوم الجمعة واليوم بمعنى الحين. والمعنى أنه خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء، قوله الحق والحكمة أي لا يكوَّن شيئاً من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ } مبتدأ وخبر {يَوْمَ يُنفَخُ } ظرف لقوله {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ } {فِي ٱلصُّورِ } هو القرن بلغة اليمن أو جمع صورة {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } هو عالم الغيب {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي السر والعلانية {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في الإفناء والإحياء {ٱلْخَبِيرُ } بالحساب والجزاء. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ } هو اسم أبيه أو لقبه لأنه لا خلاف بين النسابين أن اسم أبيه تارخ، وهو عطف بيان لأبيه وزنه فاعل {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً } استفهام توبيخ أي أتتخذها آلهة وهي لا تستحق الإلهية {إِنّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * وَكَذٰلِكَ } أي وكما أريناه قبح الشرك {نُرِي إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي نري بصيرته لطائف خلق السماوات والأرض، ونرى حكاية حال ماضية. والملكوت أبلغ من الملك لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة. قال مجاهد: فرجت له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى نظره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى ما فيهن {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } فعلنا ذلك أو ليستدل، وليكون من الموقنين عياناً كما أيقن بياناً {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } أي أظلم وهو عطف على {قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ } وقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرٰهِيمَ } جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه {رَءاَ كَوْكَباً } أي الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئاً منها ليس بإلٰه لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن لها محدثاً أحدثها ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. فلما رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه {قَالَ هَـٰذَا رَبّي } أي قال لهم هذا ربي في زعمكم، أو المراد أهذا استهزاء بهم وإنكاراً عليهم، والعرب تكتفي عن حرب الاستفهام بنغمة الصوت. والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأنه أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة {فَلَمَّا أَفَلَ } غاب {قَالَ لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك من صفات الأجسام {فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغاً } مبتدئاً في الطلوع {قَالَ هَـٰذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلّينَ } نبه قومه على أن من اتخذ القمر إلٰهاً فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال لأن الاحتجاج به أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب {فَلَمَّا رَءا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبّي } وإنما ذكره لأنه أراد الطالع، أو لأنه جعل المبتدأ مثل الخبر لأنهما شيء واحد معنى، وفيه صيانة الرب عن شبهة التأنيث ولهذا قالوا في صفات الله تعالى علام ولم يقولوا علامة وإن كان الثاني أبلغ تفادياً من علامة التأنيث {هَـٰذَا أَكْبَرُ } من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه {فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها. وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه فحكاه الله تعالى، والأول أظهر لقوله {يٰقَوْمِ إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها {حَنِيفاً } حال أي مائلاً عن الأديان كلها إلى الإسلام {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } بالله شيئاً من خلقه. {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } في توحيد الله تعالى ونفى الشركاء عنه {قَالَ أَتُحَآجُّونّي فِي ٱللَّهِ } في توحيده. {أَتُحَاجُّونّي} مدني وابن ذكوان {وَقَدْ هَدَٰنِ} إلى التوحيد، وبالياء في الوصل: أبو عمرو. ولما خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء قال { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبّي شَيْئاً } أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضر، فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعاً وفيما شاء ضراً لا الأصنام {وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } فلا يصيب عبداً شيء من ضر أو نفع إلا بعلمه {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } فتميزوا بين القادر والعاجز {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } معبوداتكم وهي مأمونة الخوف {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ } بإشراكه {عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً } حجة إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، والمعنى وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } أي فريقي الموحدين والمشركين {أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ } من العذاب {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ولم يقل «فأينا» احترازاً من تزكية نفسه، ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } بشرك عن الصديق رضي الله عنه {أُوْلَٰـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } تم كلام إبراهيم عليه السلام.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}: هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلُونَ في الخطاب معه، هذا هو الصحيحُ؛ لأنَّ علَّة النهْي، وهي سماعُ الخَوْض في آياتِ اللَّه، تَشْمَلُهُمْ وإيَّاه، فأُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو والمؤمنون أنْ ينابذُوا الكُفَّار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا وخاضوا؛ ليتأدَّبوا بذلك، ويدَعُوا الخَوْضَ والاستهزاءَ، قلْتُ: ويدلُّ علَىٰ دخولِ المؤمنينَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الخطابِ ـــ قولُهُ تعالَىٰ: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} تفسير : [النساء:140]. انتهى. والخَوْضُ: أصله في الماءِ، ثم يستعملُ بعدُ في غمرات الأشياء التي هي مجاهلُ؛ تشبيهاً بغَمَرَات الماء. {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ }: «إما»: شرط، وتلزمها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقرأ ابن عامر وحده: «يُنَسِّيَنَّكَ» ـــ بتشديدِ السينِ، وفتحِ النونِ ـــ، والمعنى واحدٌ إلا أن التشديد أكثر مبالغةً، و {ٱلذِّكْرَىٰ} والذِّكْر واحدٌ في المعنَىٰ، ووصْفُهم بـ {ٱلْظَّـٰلِمِينَ} متمكِّن؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، و {أَعْرِضْ}؛ في هذه الآية: بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكملِ وجوهه؛ ويدُلُّ على ذلك: {فَلاَ تَقْعُدْ}. وقوله سبحانه: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء}، وروي أنه لما نزلَتْ: {أية : فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} تفسير : [النساء:140] قال المؤمنون إذا كنا لا نقْرَبُ المشركين، ولا نسمع أقوالهم، فلا يمكننا طَوَافٌ ولا قضاءُ عبادةٍ في الحرمِ، فنزلَتْ لذلك: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ...} الآية. قال * ع *: فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يحتاجُ إلَيْه من التصرُّف بَيْن المشركين في عبادةٍ ونحوها، وقيل: إن هذه الآية الأخيرةَ ليْسَتْ إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تَقْعُدوا معهم، ولا تَقْرَبوهم حتَّىٰ تسمعوا ٱستهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود؛ لأنَّ عليكم شيئاً من حسابهم، وإنما هو ذكرَىٰ لكم، ويحتملُ المعنَىٰ: ولكنْ ذكرَىٰ لعلَّهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساكِ عن الاستهزاءِ، ويحتملُ المعنَىٰ: ولكن ذكِّروهم ذكرَىٰ، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ، عن أبي جعفر؛ أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ؛ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ»، وفي الحديث، عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ؛ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ؛ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه»تفسير : ، خَرَّجه أبو داود. انتهى من «الكوكب الدري»، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.

ابن عادل

تفسير : قال تعالى في الآية الأولى {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} تفسير : [الأنعام:66] فتبيَّنَ به أنه لا يجب على الرَّسُول ملازمة المكذِّبين بهذا الدِّين. وبيَّن في هذه الآية أن أولئك المكذِّبين إن ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ وتكذيبهم الاسْتِهْزَاءَ بالدَّين والطَّعْن في الرسول، فإنه يجب الإعراض عنهم، وترك مُجَالَسَتِهِم. قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} فقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره. وقيل: الخطاب لغيره، أي: إذا رأيت أيها السَّامِعُ الذين يخوضون في آياتنا. نقل الواحديُّ أنَّ المشركين كانوا إذا جالَسُوا المؤمنين وَقَعُوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن فَشَتَمُوا واستعهزءوا فأمرهم ألاَّ يقعدوا معهم حتى يَخُوضُوا في حديث غيره. والخَوْضُ في اللغة عبارة عن المُفاوضةِ على وجه اللَّعبِ والعبثِ. قال تعالى حكاية عن الكفار: {أية : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} تفسير : [المدثر:45] وإذا قال الرجل: تركت القوم يَخُوضُونَ أفاد أنهم شَرَعُوا في كَلِمَاتٍ لا ينبغي ذِكْرُهَا. قوله: "إذَا" منصوب بجوابها، وهو "فأعْرِضْ"؛ أي: فأعرض عنهم في هذا الوَقْتِ و"رأيت" هنا تحتمل أن تكون البصريَّة، وهو الظاهر، ولذلك تعدَّت لواحد. قال أبو حيَّان: "ولابُدَّ من تقدير حالٍ مَحْذُوفَةٍ، أي: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا، وهو خائضون فيها، أي: وإذا رأيتهم مُلْتَبِسينَ بالخَوْضِ فيها". انتهى. قال شهاب الدِّين: ولا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأن قوله: "يَخُوضُونَ" مُضارع، والراجح حَاليَّتُهُ وأيضاً فإن "الذينَ يَخُوضُونَ" في قُوَّةِ الخائضين، واسم الفاعل حَقيقَةٌ في الحال بلا خلاف، فيحمل هذا على حقيقته، فيُسْتَغْنَى عن حذف هذه الحال التي قدَّرها وهي حال مؤكدة. ويحتمل أن تكون علمية، وضعَّفَهُ أبو حيان بأنه يَلْزَمُ منه حذف المفعول الثاني، وحذفه إما اقْتِصَارٌ، وإما اختِصَارٌ، فإن كان الأوَّل: فممنوع اتفاقاً وإن كان الثاني: فالصحيح المَنْعُ حتى منع ذلك بعض النحويين. قوله: "غَيْرِهِ" "الهاء" فيها وجهان: أحدهما: أنها تعود على الآياتِ، وعاد مفرداً مذكراً؛ لأن الآيات في معنى الحديثِ والقرآن. وقيل: إنها تعود على الخَوْضِ، أي: المدلول عليه بالفِعْلِ كقوله: [الوافر] شعر : 2196- إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ وخَالَفَ والسَّفِيهُ إلى خلافِ تفسير : أي: جرى إلى السَّفَهِ، دَلَّ عليه الصِّفَةُ كما دَلَّ الفعل على مصدره؛ أي: حتى يخوضوا في حديث غير الخَوْضِ. وقوله: "وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ" قراءة العامّة "يُنْسِيَنَّكَ" بتخفيف السِّين من "أنْسَاهُ" كقوله: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الكهف:63] {أية : فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [يوسف:42]. وقرأ ابن عامر: بتشديدها من "نسَّاهُ"، والتعدِّي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرة، وبالتضعيف أخرى، كما تقدم في "أنْجَى" و"نَجَّى" و"أمْهَل" و"مَهَّلَ". والمفعول الثاني محذوف في القراءتين؛ تقديره: وإما يُنْسِيَنَّك الشَّيْطانُ الذِّكرَ أو الحقَّ. والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى، أي: وإما نيسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مُجَالَسَةِ الخائضين بعد تذكيرك، فلا تقعدْ بعد ذلك معهم، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلاً عليهم بصفة الظُّلْم، وجاء الشرط الأول بـ "إذا"؛ لأن خَوْضَهُمْ في الآيات مُحَقَّقٌ، وفي الشرط الثاني بـ "إن" لأن إنْسَاءَ الشيطان له ليس أمراً مُحَقَّقاً، بل قد يقع وقد لا يقع, وهو مَعْصُومٌ منه. ولم يجئ مصدر على "فِعْلَى" غير "ذِكْرَى". وقال ابن عطيَّة: "وإمَّا" شرط, ويلزمها في الأغلب النون الثقيلة، وقد لا تلزم كقوله: [البسيط] شعر : 2197- إمَّا يُصِبْكَ عَدُوُّ في مُنَاوَأةٍ .................... تفسير : وهذا الذي ذكره من لُزُوم التوكيد هو مذهب الزَّجَّاجِ، والنَّاسُ على خلافه، وأنشدوا ما أنشده ابن عطية وأبياتاً أُخَرَ منها: [الرجز] شعر : 2198- إمَّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أمَّ حَمْزِ تفسير : وقد تقدَّم طرفٌ من هذه المسألة أوَّل البقرة، إلا أن أحداً لم يَقُلْ: يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة، وإن كان ظاهر كلام ابن عطية ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوصون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسى فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} قال: يستهزئون بها، نهى محمد صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم، وذلك قول الله {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} قال: الذين يكذبون بآياتنا يعني المشركين {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى} بعد ما تذكر. قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك {ولكن ذكرى لعلهم يتقون} ذكروهم ذلك وأخبروهم أنه يشق عليكم مساءتكم، ثم أنزل الله {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب}تفسير : [النساء: 140] الآية . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزأوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} قال: كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال: أن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عي ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزأوا، فنزلت {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ....} الآية. قال فجعلوا إذا استهزأوا قام فحذروا، وقالوا: لا تستهزأوا فيقوم، فذلك قوله {لعلهم يتقون} إن يخوضوا فيقوم، ونزل {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أن تقعد معهم ولكن لا تقعد، ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم}تفسير : [النساء: 140] إلى قوله {أية : إنكم إذاً مثلهم}تفسير : [النساء: 140] نسخ قوله {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} الآية . وأخرج الفريابي وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن مجاهد في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} قال: هم أهل الكتاب، نهى أن يقعد معهم إذا سمعهم يقولون في القرآن غير الحق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها جلساءه فيسخط الله عليه، فذكر ذلك لإِبراهيم النخعي فقال: صدق، أو ليس ذلك في كتاب الله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ...} الآية . وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزأوا، فقال المسلمون: لا يصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله في ذلك {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ...} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا...} الآية. قال: نسختها هذه الآية التي في سورة النساء {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها}تفسير : [النساء: 140] الآية. ثم أنزل بعد ذلك {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج النحاس في ناسخة عن ابن عباس في قوله {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال: هذه مكية نسخت بالمدينة بقوله {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها}تفسير : [النساء: 140] الآية . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} إن قعدوا ولكن لا تقعد . وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما هاجر المسلمون إلى المدينة جعل المنافقون يجالسونهم، فإذا سمعوا القرآن خاضوا واستهزأوا كفعل المشركين بمكة، فقال المسلمون: لا حرج علينا قد رخص الله لنا في مجالستهم، وما علينا من خوضهم فنزلت بالمدينة . وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال: أتى عمر بن عبد العزيز بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم، فضربه وقال {لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} .

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}. لا توافقهم في الحالة، ولا ترد عليهم ببسط القالة. ذَرْهُم ووحشتَهم بِحُسْنِ الإعراض عنهم، والبعد عن الإصغاء إلى تهاويشهم بحُسْنِ الانقباض. قوله جلّ ذكره: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ}. أي إنْ بَدَرَ منك تغافلٌ فتداركْتَه بحسن التذكر وجميل التَّنَبُّه، فاجتهِدْ ألا (تزل) في تلك الغلطة قدمُك ثانيةً لئلا تقاسي أليمَ العقوبة مِنّا.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا رأيت الذين يخوضون فى ءاياتنا} اذا منصوب بجوابه وهو فاعرض والمراد بالخطاب النبى عليه السلام وامته. والخوض فى اللغة الشروع فى الشئ مطلقا الا انه غلب فى الشروع فى الشئ الباطل والآيات القرآن. والمعنى اذا رأيت الذين يشرعون فى القرآن بالتكذيب والاستهزاء به والطعن فيه كما هو دأب كفار قريش {فاعرض عنهم} بترك مجالستهم والقيام عنهم عند خوضهم فى الآيات {حتى يخوضوا فى حديث غيره} اى استمر على الاعراض الى ان يشرعوا فى حديث غير آياتنا فالضمير الى الآيات والتذكير باعتبار كونها حديثا او قرآنا {واما} اصله ان ما فادغمت نون ان الشرطية فى ما المزيدة {ينسينك الشيطان} اى ما امرت به من ترك مجالستهم {فلا تقعد بعد الذكرى} اى بعد ان تذكره فهو مصدر بمعنى الذكر ولم يجئ مصدر على فعلى غير ذكرى {مع القوم الظالمين} الذين وضعوا التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم وهذا الانساء محض احتمال يدل عليه كلمة ان الشرطية فلا يلزم وقوعه مع ان العلماء قد اتفقوا على جواز السهو والنسيان على الانبياء عليهم السلام والمراد بالشيطان ابليس او واحد من اكابر جنوده لان الذى هو قرينه عليه السلام اسلم فلا يأمره الا بخير بخلاف قرين كل واحد من الامة وفى الحديث "حديث : فضلت على آدم بخصلتين كان شيطانى كافرا فاعاننى الله عليه فاسلم وكان ازواجى عونا لى وكان شيطان آدم وزوجته عونا على خطيئته " .تفسير : ولما قال المسلمون لئن كنا نقوم كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطع ان نجلس فى المسجد الحرام ونطوف بالبيت لانهم يخوضون ابدا رخص الله تعالى فى مجالستهم على سبيل الوعظ والتذكير فقال.

ابن عجيبة

تفسير : { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا...} قلت: {ولكن ذكرى}: مفعول بمحذوف، أي: يذكرونهم ذكرى، أو مبتدأ، أي: عليهم ذِكرَى. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا} أي: القرآن؛ بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها {فأعرض عنهم} ولا تجالسهم، بل قُم عنهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} أي: غير القرآن، {وإما يُنسينكَ الشيطانُ} النهيَ عن مجالستهم، وجلست نسيانًا، {فلا تقعد بعد الذكرى} أي: بعد أن تذكر النهي، {مع القوم الظالمين}، ونسبة النسيان إلى الشيطان أدبًا مع الحضرة، {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ }تفسير : [النِّساء:78]، ووضع المظهر موضع المضمر، أي: معهم، للدلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم. {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي: ما على المتقين الذين يجالسونهم شيء من حسابهم، بل عقابهم على الخوض خاصٌّ بهم، {ولكن} عليهم {ذِكرَى} أي: تذكيرهم ووعظهم ومنعهم من الخوض إن قدروا، وكراهية ذلك إن لم يقدروا، فيعظونهم {لعلهم يتقون}، فَيجتَنِبُون ذلك الخوض؛ حياء أو كراهية مُساءتهم، وإنما أبيح للمؤمنين القعود مع الكفار الخائضين ومخالطتهم؛ لأن ذلك يشق عليهم، إذ لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش وفي الطواف، وغير ذلك بخلافه ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ لأن الله أغناه عنهم به، فنهاه عن مخالطة أهل الخوض مطلقًا. ثم قال له: {وذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا} أي: بنوا أمر دينهم على التشهِّي، وتدَّينوا بما لا يعود عليهم بنفع، عاجلاً وآجلاً، كعبادة الأصنام واتخاذ البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوا بالدخول فيه لعبًا ولهوًا، حيث سخروا به، أي: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ومن جعله منسوخًا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنهم، وترك التعرض لهم، {وغرتهم الحياةُ الدينا} وزخرفها، حتى نسُوا البعث وأنكروه، والعياذ بالله. الإشارة: قد تقدم مرارًا التحذير من مخالطة أهل الخوض وصحبة العوام، وكل من ليس من جنس أهل النسبة، فإن ألجأه الحال إلى صحبتهم ـ فليُذكرهم، ويعظهم، ويُنهضهم إلى الله بمقاله أو حاله ما استطاع. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالتذكير، فقال: {... وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} قلت: {تُبسل}: تُحبس وتُسلم للهلكة، وفي البخاري: " تُبسلَ: تُفضح، أُبلسوا: فُضِحُوا وأُسلموا ". يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {وذكِّر} بالقرآن الناس؛ مخافة {أن تُبسل نفس بما كسبت} أي: لئلا تُحبس كل نفس وتُرتهن بما كسبت أو تُسلم للهلكة، أو لئلا تفضح على رؤوس الأشهاد بما كسبت، {ليس لها من دون الله وليّ ولا شفيع} يدفع عنها العذاب، {وإن تَعدل كل عَدلٍ} أي: وإن تفد كل فداء {لا يُؤخذ منها} أي: لا يُقبل منها. {أولئك الذين أُبسلوا بما كسبوا} أي: أُسلموا للعذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة، أو افتضحوا بما كسبوا {لهم شراب من حميم} وهو الماء الحار، {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}، والمعنى: هم بين ماء مغَلى يتَجَرجر في بطونهم، ونار تُشعل بأبدانهم بسبب كفرهم، والعياذ بالله. الإشارة: لا ينبغي للشيخ أو الواعظ أن يمل من التذكير، ولو رأى من أصحابه غاية الصفاء، ولا ينبغي للمريد أن يمل من التصفية والتشمير، ولو بلغ من تصفية نفسه ما بلغ، أو أَظهرت له من الاستقامة ما أظهرت، قال تعالى: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها}. قال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: من لم يتَّهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه؛ والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يقول: {أية : وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } تفسير : [يوسف:53]. وقال أيضًا: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي ـ أن الله ينظر إليَّ نظر السخط، وأعمالي تدل على ذلك. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا تسكن إلى نفسك، وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك. وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: ( ما رضيت عن نفسي طرفة عين ). إلى غير ذلك من مقالاتهم التي تدل على عدم الرضى عن النفس وعدم القناعة منها بالتصفية التي آظهرت. ويُحكى عن القطب بن مشيش؛ أنه لما بلغ في تلاوته هذه الآية، تواجد وأخذه حالٌ عظيم اقتطعه عن حسه، حتى كان يتمايل، فيميل الجبل معه يمينًا وشمالاً. نفعنا الله بذكرهم آمين. فإن قلت: العارف لم تبق له نفس يتهمها؛ لفنائه في شهوده وانطوائه في وجوده؟ قلت: العارف الكامل هو الذي لا يحجبه جمعه عن فرقة، ولا فرقة عن جمعه، فإذا رجع إلى شهود فرقه، رأى نفسه عبدًا متصفًا بنقائص العبودية التي لا نهاية لها، ولذلك قالوا: للنفس من النقائص ما لله من الكمالات. فلو تطهرت كل التطهير لم يقبل منها، وإذا نظر إلى نعت جمعه رأى نفسه مجموعًا في الحضرة، متصفًا بالكمالات التي لا نهاية لها، فيغيب عن شهود عبوديته في عظمة ربوبيته، لكنه لا يحجب بجمعه عن فرقه؛ لكماله، وإلى هذا المعنى أشار في الحكم بقوله: لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالتبرؤ من الشرك مطلقاً، تشريعاً، فقال: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر {وإما ينسينك} بتشديد السين. الباقون بالتخفيف. خاطب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية، فقال له {إذا رأيت} هؤلاء الكفار {الذين يخوضون في آياتنا}. قال الحسن، وسعيد بن جبير: معنى {يخوضون} يكذبون {بآياتنا} وديننا والخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهم واليقين. ومثله قول القائل: تركت القوم يخوضون، أي ليسوا على سداد، فهم يذهبون ويجيئون من غير تحقيق ولا قصد للواجب - أمره حينئذ ان يعرض عنهم {حتى يخوضوا في حديث غيره} لان من حاج من هذه حاله وأراد التبيين له فقد وضع الشىء في غير موضعه وحط من قدر الدعاء، والبيان والحجاج. ثم قال له (صلى الله عليه وسلم) ان انساك الشيطان ذلك {فلا تقعد بعد الذكرى} - والذكرى والذكر واحد - {مع القوم الظالمين} يعني هؤلاء الذين يخوضون في ذكر الله وآياته. ثم رخص للمؤمنين بقوله: {أية : وما على الذين يتقون من حسابهم}تفسير : بأن يجالسوهم اذا كانوا مظهرين للتكبر عليهم غير خائفين منهم، ولكن ذكرى يذكرونهم أي ينبهونهم ان ذلك يسوءهم {لعلهم يتقون} ثم نسخ ذلك بقوله {أية : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها} تفسير : الى قوله: {أية : إنكم إذا مثلهم}تفسير : وبهذا قال سعيد بن جبير والسدي وجعفر بن مبشر، واختاره البلخي وقال: في أول الاسلام كان ذلك يخص النبي (صلى الله عليه وسلم) ورخص المؤمنين فيه، ثم لما عزَّ - الاسلام، وكثر المؤمنون نهوا عن مجالستهم ونسخت الآية. واستدل الجبائي بهذه الآية على انه لا يجوز على الائمة المعصومين على مذهبنا التقية. (وقال: لانهم اذا كانوا الحجة كانوا مثل النبي، وكما لا يجوز عليه التقية فكذا الامام - على مذهبكم -)! وهذا ليس بصحيح، لانا لا نجوز على الامام التقية فيما لا يعرف الا من جهته، كالنبي وانما يجوز التقية عليه فيما يكون عليه دلالة قاطعة موصلة الى العلم، لان المكلف علته مزاحة في تكليفه، وكذلك يجوز في النبي (صلى الله عليه وسلم) أن لا يبين في الحال، لامته ما يقوم منه بيان منه أومن الله أو عليه دلالة عقلية، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمر حين سأله عن الكلالة فقال "حديث : يكفيك آية الصيف" تفسير : وأحال آخر في تعرف الوضوء على الآية، فأما ما لا يعرف الا من جهته، فهو والامام فيه سواء لا يجوز فيهما التقية في شىء من الاحكام. واستدل الجبائي أيضا بالآية على ان الانبياء يجوز عليهم السهو والنسيان قال بخلاف ما يقوله الرافضة بزعمهم من أنه لا يجوز عليهم شىء من ذلك. وهذا ليس بصحيح أيضا لأنا نقول انما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله، فأما غير ذلك فانه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه مما لم يؤد ذلك إلى الاخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشى عليهم، والنوم سهو وينسون كثيرا من متصرفاتهم أيضا وما جرى لهم فيما مضى من الزمان، والذي ظنه فاسد. وقال أيضا في الآية دلالة على وجوب انكار المنكر لانه تعالى أمره بالاعراض عنهم على وجه الانكار والازدراء لفعلهم وكل أحد يجب عليه ذلك اقتداء بالنبي.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ} الخوض الامعان فى السّير فى البرّ كان او فى البحر والاكثر استعماله فى الماء والمراد به ههنا الامعان فى سير النّظر {فِيۤ آيَاتِنَا} التّدوينيّة والتّكوينيّة واعظمها الولاية، وعن الباقر (ع) فى هذه الآية قال: الكلام فى الله والجدال فى القرآن قال منه القصّاص {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ} النّهى عن القعود معهم {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} اشارة الى انّ من يخوض فى الآيات يشتغل عن نفسه ومن اشتغل عن نفسه فهو ظالم على انّ خوضه دليل عدم انقياده وهو ظلم آخر.

اطفيش

تفسير : {وإذا رأيتَ} يا محمد أو يا كل من يمكن منه أن يرى، وعلى كل حال يدخل غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن حد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحد غيره سواء، لا بدليل الخصوصية، ولقوله تعالى: {ولقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله} الآية. {الذين يخُوضُون فى آياتِنا فأعْرِض عَنْهم حتَّى يخُوضُوا فى حَديثٍ غَيرِه} المفعول الثانى لرأيت محذوف، أى إذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا يخوضون فيها، أى إذا علمتم يخوضون، لأنه من رأى إنساناً يفعل شيئا علم أنه يفعله، وباعتبار هذا صح فى كل رؤية بصر أن تجعل علمية باعتبار ما يحصل من العلم فى القلب برؤية العين، والرؤية بمعنى العلم تعم ما سمع وما أبصر، وما حكى منه أن يقال إنهم يخوضون فلا يمشى إليهم بالقعود معهم، ومعنى الخوض فى آيات الله عز وجل التكلم فيها بالباطل، كالكذب واللهو واللعب، فأصل الخوض الدخول فى الماء مع الانتقال فيه، ويستعار للشروع فى الحديث وغيره، وأكثر ما يستعار لهُ إذا كان بوجه باطل، أو كانوا إذا جلسوا خاضوا فى آيات الله بالتكذيب والاستهزاء والطعن فيها، فهذا الخوض خوض بباطل بقرينة المقام، وفى قوله: {حتى يخوضوا فى حديث غيره} مطلق الشروع فى الحديث الذى ليس بذنب، لأن الحديث الذى هو ذنب لا يجوز القعود إليه أيضاً، ويجوز أيضاً أن يراد بالخوض الأول مطلق الشروع فى ذكر آيات الله، من حيث إنه إذا تناولوها فلا بد أن يخطوا أمر الله ورسوله والمؤمنين أن يقوموا عن مجلس فيه الخوض فى آياته تعالى، بحيث لو نهوا الخائضين لم ينتهوا ليكف الخائضون عن الخوض بالقيام إذا قاموا. ومعنى الإعراض عنهم القيام عنهم، وإن كانوا قياماً أو ماشين، فالذهاب عنهم، والهاء فى غيره عائدة إلى القرآن المدلول عليه بذكر الآيات فى قوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا} ولا مانع أن يراد بالآيات مطلق الدلائل، فيفرد الضمير لأن المعنى البرهان، ولا شك أن الخوض المنهى عنه، وعن الجلوس عنده هو الخوض فى آيات الله بالباطل، وأما الدخول فى التكلم فى صفات الله كما هو شأن المتكلمين، فلا يدخل فى هذا الخوض كما زعمت الحشوية متمسكين بالآية. {وإمَّا} إن الشرطية وما التى هى صلة للتأكيد، أدغمت النون فى الميم {يُنْسينَّك الشَّيْطان} النهى عن القعود إليهم حال الخوض أو أن ما هم فيه خوض فتقعد معهم وهم يخوضون، وقرأ ابن عامر، وابن عباس بفتح النون وتشديد السين {فَلا تَقْعد بعْد الذِّكْرى} بعد تذكرك أنك نهيت عن الجلوس إليهم حال الخوض، أو بعد تذكر إنما هم فيه خوض {مَع القَوم الظَّالمِينَ} أى معهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، ليصفهم بأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم بالخوض فى آيات الله، وليصفهم بالإشراك تنبيها على أن ذلك الخوض شرك، والشرك ظلم {إن الشرك لظلم عظيم} أو ليصفهم بأنهم حمق إذ وضعوا الشئ فى غير موضعه، ومن معانى الظلم وضع الشئ فى غير موضعه، وذلك أنهم وضعوا التكذيب والاستهزاء فى موضع التصديق والاستعظام، ويجوز أن يكون المعنى: وإما ينسينك الشيطان قبح القعود عند الخوض فى الآيات، فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحة، فلا تجالسهم وقم عنهم، فإن مجالسة المستهزئ ينكرها العقل.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آياتِنَا} يتكلمون فيها بسوء كتكذيب بها واستهزاء وطعن، كقولهم أَساطير الأَولين وسحر وتعليم بشر، وقيل: المراد أَهل الكتاب، ولا بأْس بالتفسير بكل ذلك، وأَصل الخوض فى الشىء مطلق الشروع خيراً أَو شراً، وقيل: أَصله فى الماء، وقيل أَصله أَن يكون على وجه العبث واللعب {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} بالقيام عنهم حتى لا تسمعهم، أَو بالذهاب عنهم إِن لم تقعد بدليل فلا تقعد بعد الذكرى {حَتَّى يَخُوضُوا} حتى يشرعوا {فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} ما فيه لعب ولهو ولا سوء بدليل أَن الإِعراض عنهم لأَجل السوء ونحوه، فهذا الخوض الأَخير جىءَ به على أَصل اللغة، والأَول على مستعمل الشرع فى الخوض، أَو عبر به للمشاكلة، والهاء فى غيره للآيات لأَنها بمعنى القرآن أَو الوحى أَو الحديث، والقرآن يطلق على البعض كما يطلق على الكل، والآية تعم أَن القعود مع أَهل السوء فى حال عمل السوء لا يجوز ولو مع نهيهم، وإِذا خرجوا عن السوء إِلى شىء غير سوء جاز القعود معهم، ولو لم يتوبوا إِلا إِن كان القعود لضرورة لا بد منها فيجوز القعود حال السوء حتى يقضى حاجته، فيقوم وينهى عن ذلك، إِن قدر ولا دليل للحشوية فى الآية على منع الاستدلال فى ذات الله وصفاته، ولا لمن منع القياس لأنها فى منع الخوض بالسوء، بل هى دليل على الجواز لقوله {حتى يخوضوا فى حديث غيره} فلو خاضوا بغير سوء لجاز السماع إِليهم، وأَيضاً قعد صلى الله عليه وسلم إِلى قوم يتذاكرون فى التوحيد، وقال: بهذا أَمرنى ربى، وتذاكرهم لا يخلو عن استدلال ومناظرة {وَإِمَّا} إِن الشرطية وما التأكيدية {يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} يشعلك بوسوسته حتى تنسى أَنك مأْمور بالإِعراض ويضيق صدرك، أَو قعدت معهم، فالإِنساء عبارة عن ملزومه أَو سببه، وهذا كقوله: {أية : وما أَنسانيه إِلا الشيطان} تفسير : [الكهف: 63]. وقوله: {أية : فأَنساه الشيطان} تفسير : [يوسف: 42]، وفى الكلام حذف، أَى وإِما ينسينك الشيطان فى حال القعود معهم ابتداء أَو بقاء حال الخوض بالسوء إِنك مأْمور بالقيام عنهم {فَلاَ تَقْعُدْ} معهم أَى لا تلبث معهم قائماً ولا قاعداً ولا مضطجعاً، فالقعود مقيد استعمل فى المطلق {بَعْدَ الذِّكْرَى} أَى التذكر للأمر بالإِعراض {مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ} مقتضى الظاهر معهم لكن ذكرهم بخصوص أَنهم فريق ظالمون تشنيعاً عليهم بوضع التكذيب فى موضع التصديق والاستهزاء فى موضع الاستعظام، عبر أَولا بإِذا لأَنه صلى الله عليه وسلم معترف بأَنه يراهم يخوضون وثانياً بأَن لأَنه يشك أَن ينسى، والخطاب فى رأَيت وينسينك، وأَعرض، وتقعد، له صلى الله عليه وسلم لصحة تلك الرؤية منه، وإِمكان الإِنساء وقيل له والمراد غيره، وقيل لمن يصلح لذلك، والرؤية بصرية والحال محذوف، أَى إِذا رأَيت الذين يخوضون خائضين ولا يغنى عنها ذكر الذين يخوضون لأَنك قد ترى ذات الخائض ولا تدرى أَنه يخوض لبعدك أَو غفلتك، والمراد تراه بعنوان أَنه يخوض، ويضعف أَن تكون علمية حذف ثانيها للعلم، أَى: وإِذا علمتهم خائضين فى وقت حضرته معهم فأَعرض عنهم فيه، ويضعف أَن يكون المعنى إِن أَنساك الشيطان قبح مجالستهم حال الخوض لأَنه مما يعلم بالعقل قبل نزول تحريمها، فلا تقعد معهم حال الخوض بعد التذكير منا بالتحريم، فهو تأْكيد لما قبله من قوله: وإِذا رأَيت، ونحن لا نقول بالحسن والقبح العقليين بل المعتزلة، ولكن يعلمه من سائر الآيات فى مجانبة كفر الكافرين بواسطة العقل، ويجوز الجلوس معهم حال الخوض للتعليم والنهى، والنبى صلى الله عليه وسلم ينسى فى أَمر الدنيا ولا ينسى أَمر الدين قبل تبليغه إِجماعاً، فيما قيل. وقيل: لا إِجماع. وقيل: الكلام فى الجواز، ولم يقع، ولعل هذا مراد الإِجماع، وينسى بعده نسياناً لا يستمر، كما سلم من ركعتين، والممنوع منه أَن ينسى ما أُوحى اشتغالا بغيره، وأَما بدون ذلك فأَجازه بعض، وشرط التنبيه قبل الفوت، وأَجازه إِمام الحرمين مدة حياته، ومنعه بعض مطلقاً، وادعى بعض الإِجماع على منعه فيما هو قول، وأَما فى أَمر الدنيا فلا يلزم أَن يصيب فى كلامه، كما أَمرهم بترك تأبير النخل فلم تصلح ثماره، ثم قال: حديث : أَنتم أَعلم بأَحوال دنياكم، فأَبروهاتفسير : ، والصواب عدم تكليف الناسى والساهى والنائم والسكران بلا حرام، وأَما بحرام كخمر وجوزه فمكلف بكل ما فعل فى سكره مما يوجب طلاقاً أَو حدا أَو نحوها، وقيل فى نحو الساهى والناسى: مكلف بمعنى ثبوت الفعل بذمته، ولا يتم ذلك لأَنه لا يعاقب، فإِن كان حق مخلوق خرج من حسناته. ولما نزلت الآية قال المسلمون: قد تضطرنا حاجة إِلى الكون معهم حال الخوض كالطواف والجلوس فى المسجد أَو مبايعة فى سوق أَو غيره، فنزلت. {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} الله أَن يشركوا به أَو يعصوه، ومن ذلك تركهم الخوض {مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَىءٍ} مثل ما مر، والهاء للخائفين، أَى لا إِثم عليهم فى ذلك للضرورة، أَو جالسوهم للنهى فإِذا لم ينتهوا قاموا، وذكر المجالسة فى قوله {وَلَكِنْ ذِكْرَى} أَى عليهم ذكرى، أَى على الذين يتقون تذكيرهم بالوعظ، أَو ليذكروهم ذكرى بلام الأَمر، أَو ذكروهم ذكرى بالخطاب على طريق الالتفات، أَو عليكم ذكرى كذلك، وقدر بعضهم نذكرهم ذكرى بالنون، ويجوز عند بعض تقدير ولكن يذكرونهم ذكرى، أَو تذكرونهم ذكرى، أَو الذى يأمرونهم به ذكرى، أَى ذكر لدين الله، وعلى كل حال المراد إِظهار كراهة قبائحهم، ولا يعطف ذكرى على حسابهم لأَن من حسابهم قيد فى شىء لأَنه حال منه، وليس ذكرى قيداً فيه، والعطف عليه يقتضى أَن يكون قيداً فيه، فإِنك إن قلت أَكرم الله زيداً يوم الجمعة وعمراً فإِن يوم الجمعة قيد فى عمرو كما فى زيد، ولا يعطف على شىء لأَنه مثبت بلكن فلا تدخل عليه من الزائدة، فلا يعطف على ما هى فيه، وقد نصوا على أَن القيود المعتبرة فى المعطوف عليه معتبرة فى المعطوف نحو: ما جاءَ يوم الجمعة، أَو فى الدار أَو راكباً، أَو من هؤلاء القوم رجل ولكن امرأَةـ، فالمرأَة من القوم، أَو جاءَت يوم الجمعة، أَو جاءَت راكبة {لَعَلَّهُمْْ} أَى الخائفين {يَتَّقُونَ} للحياء، أَو لكراهة مساءَتهم الخوض فى الفضول، أَو لعل الذين يتقون المذكورين فى قوله "وما على الذين يتقون" إِلخ، يتقون أَى يثبتون على التقوى، أَو يزدادون منها بتذكيرهم الخائفين، ولا تنثلم تقواهم بمجالسة الخائفين، وعلى كل حال الآية رخصة للذين يتقون فى مجالستهم حال الخوض بشرط التذكير والنهى عن الخوض.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آيَـٰتِنَا} بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها كما هو دأب قريش وديدنهم في أنديتهم وهم المراد بالموصول. وعن مجاهد أهل الكتاب فإن ديدنهم ذلك أيضاً، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق، وهذا بخلاف النسيان الآتي. وأصل الخوض من خاض القوم في الحديث وتخاوضوا إذا تفاوضوا فيه، وقال الطبرسي: «الخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب وترك التفهم والتبيين»، وقال بعض المحققين: أصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور، وأكثر ما ورد في القرآن للذم. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي اتركهم ولا تجالسهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ} أي كلام {غَيْرُهُ} أي غير آياتنا. والتذكير باعتبار كونها حديثاً فإن وصف الحديث بمغايرتها مشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية، وقيل: باعتبار كونها قرآناً. والمراد بالخوض هنا التفاوض لا بقيد التكذيب والاستهزاء. وادعى بعضهم أن المعنى حتى يشتغلوا بحديث غيره وأن ذكر {يَخُوضُواْ} للمشاكلة، واستظهر عود الضمير إلى الخوض. واستدل بعض العلماء بالآية على أن {إِذَا} تفيد التكرار لحرمة القعود مع الخائض كلما خاض، ونظر فيه بأن التكرار ليس من (إذا) بل من ترتب الحكم على مأخذ الاشتقاق. واستدلال بعض الحشوية بها على النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته زاعماً أن ذلك خوض في آيات الله تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ} بأن يشغلك فتنسى الأمر بالإعراض عنهم فتجالسهم ابتداء أو بقاء، وهذا على سبيل الفرض إذ لم يقع وأنى للشيطان سبيل إلى إشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا عبر بأن الشرطية المزيدة ما بعدها. وذهب بعض المحققين أن الخطاب هنا وفيما قبل لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام والمراد غيره، وقيل: لغيره ابتداء أي إذا رأيت أيها السامع وإن أنساك أيها السامع. والمشهور عن الرافضة اختيار أن النبـي صلى الله عليه وسلم / منزه عن النسيان لقوله تعالى: { أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 6] وأن غيرهم ذهب إلى جوازه وعلى نسبة الأول إليهم نص صاحب «الاحكام» والجبائي وغيرهما. وقال الأخير: إن الآية دليل على بطلان قولهم ذلك. والذي وقفت عليه في معتبرات كتبهم أنهم لا يجوزون النسيان، وكذا السهو على النبـي صلى الله عليه وسلم وكذا على سائر الأنبياء عليهم السلام فيما يؤديه عن الله تعالى من القرآن والوحي، وأما ما سوى ذلك فيجوزون عليه عليه الصلاة والسلام أن ينساه ما لم يؤد إلى إخلال الدين. وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذي لا يكون منشؤه اشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن في استحالته على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتفصيل الكلام في ذلك على ما في معتبرات «كتبنا» أن مذهب جمهور العلماء جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع وهو ظاهر القرآن والأحاديث لكن اتفقوا على أنه عليه الصلاة والسلام لا يقر عليه بل يعلمه الله تعالى به، ثم قال الأكثرون يشترط تنبهه عليه الصلاة والسلام على الفور متصلاً بالحادثة ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته صلى الله عليه وسلم واختاره إمام الحرمين، ومنعت ذلك طائفة من العلماء في الأفعال البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه صلى الله عليه وسلم في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك. وإليه مال الأستاذ أبو إسحٰق الإسفرائيني، وصحح النووي الأول فإن ذلك لا ينافي النبوة، وإذا لم يقر عليه لم يتحصل منه مفسدة ولا ينافي الأمر بالاتباع بل يحصل منه فائدة وهو بيان أحكام الناسي وتقرر الأحكام. وذكر القاضي أنهم اختلفوا في جواز السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه فجوزه الجمهور. وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده، وأما السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فيجوزه قوم إذ لا مفسدة فيه، ثم قال: والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من قال: يمتنع ذلك على الأنبياء عليهم السلام في كل خبر من الأخبار كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمداً ولا سهواً لا في صحة ولا مرض ولا رضى ولا غضب، وحسبك في ذلك أن سِيَـره صلى الله عليه وسلم وكلامه وأفعاله مجموعة يعتنى بها على مر الزمان ويتناولها الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ولا اعتراف بوهم في كلمة ولو كان لنقل كما نقل سهوه في الصلاة ونومه عليه الصلاة والسلام عنها واستدراكه رأيه في تلقيح النخل وفي نزوله بأدنى مياه بدر إلى غير ذلك. وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على هذا المبحث عند تفسير قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] الآية. وقرأ ابن عامر {ينسينك} بتشديد السين ونسي بمعنى أنسى، وقال ابن عطية: نسي أبلغ من أنسى والنون في القراءتين مشددة وهي نون التوكيد، والمشهور أنها لازمة في الفعل الواقع بعد إن الشرطية المصحوبة بما الزائدة، وقيل: لا يلزم فيه ذلك، وعليه قول ابن دريد: شعر : إما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى تفسير : {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} أي بعد تذكر الأمر بالإعراض كما عليه جمهور المفسرين. وقال / أبو مسلم: المعنى بعد أن تذكرهم بدعائك إياهم إلى الدين ونهيك لهم عن الخوض في الآيات وليس بشيء. وجوز الزمخشري أن تكون {ٱلذّكْرَىٰ } بمعنى تذكير الله تعالى إياه وأن المعنى «وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه»، ولا يخفى أنه وجه بعيد مبني على قاعدة القبح والحسن التي هدمتها معاول أفكار العلماء الراسخين، ثم إنا لا نسلم أن مجالسة المستهزئين مما ينكره العقول مطلقاً، وذكر ابن المنير أن اللائق على ما قال ـ وإن أنساك ـ دون {إِمَّا يُنسِيَنَّكَ} على أن إنساء الشيطان إن صح فعن السمعي أيسر، وليس هذا أول خوض من الزمخشري في تأويل الآيات بل ذلك دأبه. {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي معهم فوضع المظهر موضع المضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوض ظالمون واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم راسخون في ذلك. وفي الآية ـ كما قال غير واحد ـ إيذان بعدم تكليف الناسي، وهذه من المسائل المتنازع فيها بينهم وعنونوها بمسألة تكليف الغافل وعدوا منه الناسي وللأشعري فيها قولان وصوب عدم التكليف لعدم الفائدة فيه أصلاً بخلاف التكليف بالمحال. ونقل ابن برهان في «الأوسط» عن الفقهاء القول بصحة تكليفه على معنى ثبوت الفعل بالذمة، وعن المتكلمين المنع إذ لا يتصور ذلك عندهم، وقد يظن أن الشافعي لنصه على تكليف السكران يرى تكليف الغافل وهو من بعض الظن فإنه إنما كلف السكران عقوبة له لأنه تسبب بمحرم حصل باختياره ولهذا وجب عليه الحد بخلاف الغافل. وأورد على القول بالامتناع أن العبد مكلف بمعرفة الله تعالى بدون العلم بالأمر وذلك لأن الأمر بمعرفته سبحانه وارد فلا جائز أن يكون وارداً بعد حصولها لامتناع تحصيل الحاصل فيكون وارداً قبله فيستحيل الإطلاق على هذا الأمر لأن معرفة أمره تعالى بدون معرفته سبحانه مستحيل فقد كلف معرفة الله تعالى مع غفلته عن ذلك التكليف. وأجيب: بأن المعرفة الإجمالية كافية في انتفاء الغفلة والمكلف به هو المعرفة التفصيلية أو بأن شرط التكليف إنما هو فهم المكلف له بأن يفهم الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال لا بأن يصدق بتكليفه وإلا لزم الدور وعدم تكليف الكفار وهو هنا قد فهم ذلك وإن لم يصدق به. وصاحب «المنهاج» تبعاً لصاحب «الحاصل» أجاب بأن التكليف بمعرفة الله تعالى خارج عن القاعدة بالإجماع، وتمام البحث يطلب من «كتب الأصول».

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وكذّب به قومك}تفسير : [الأنعام: 66]. والعدول عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول، فلم يقل: وإذا رأيتهم فأعرض عنهم، يدلّ على أنّ الذي يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الذين كذّبوا بالقرآن أو بالعذاب. فعُمُوم القوم أنكروا وكذّبوا دون خَوض في آيات القرآن، فأولئك قسم، والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذَى وأقذَع، وأشدّ كفراً وأشنع، وهم المتصدّون للطعن في القرآن. وهؤلاء أُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتَّى يرعُووا عن ذلك. ولو أمر الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بالإعراض عن جميع المكذّبين لتعطَّلت الدّعوة والتبليغ. ومعنى {إذا رأيتَ الذين يخوضون} إذا رأيتهم في حال خوضهم. وجاء تعريف هؤلاء بالموصولية دون أن يقال الخائضين أو قوماً خائضين لأنّ الموصول فيه إيماء إلى وجه الأمر بالإعراض لأنَّه أمر غريب، إذ شأن الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ أن يمارس الناس لعرض دعوة الدين، فأمرُ الله إيَّاه بالإعراض عن فريق منهم يحتاج إلى توجيه واستئناس. وذلك بالتعليل الذي أفاده الموصول وصلته، أي فأعرض عنهم لأنَّهم يخوضون في آياتنا. وهذه الآية أحسن ما يمثّل به، لمجيء الموصول للإيماء إلى إفادة تعليل ما بني عليه من خبر أو إنشاء، ألا ترى أنّ الأمر بالإعراض حُدّد بغاية حصول ضدّ الصلة. وهي أيضاً أعدل شاهد لصحة ما فسّر به القطب الشيرازي في «شرح المفتاح» قولَ السكاكي (أو أن توميء بذلك إلى وجه بناء الخبر) بأنّ وجه بناء الخبر هو علَّته وسببه، وإن أبى التفتزاني ذلك التفسير. والخوض حقيقته الدخول في الماء مشياً بالرّجْلين دون سباحة ثم استعير للتصرّف الذي فيه كلفة أو عنت، كما استعير التعسّف وهو المشي في الرمل لذلك. واستعير الخوض أيضاً للكلام الذي فيه تكلَّف الكذب والباطل لأنَّه يتكلَّف له قائله، قال الراغب: وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذمّ الشروع فيه، قال تعالى:{يخوضون في آياتنا}، {أية : نخوض ونلعب}تفسير : [التوبة: 65]، {أية : وخضتم كالذي خاضوا}تفسير : [التوبة: 69]، {أية : ذرهم في خوضهم يلعبون}تفسير : [الأنعام: 91]. فمعنى {يخوضون في آياتنا} يتكلَّمون فيها بالباطل والاستهزاء. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة وحكم بقية المسلمين كحكمه، كما قال في ذكر المنافقين في سورة النساء (140) {أية : فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره}.تفسير : والإعراض تقدّم تفسيره عند قوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وعِظهم}تفسير : في سورة النساء (63). والإعراض عنهم هنا هو ترك الجلوس إلى مجالسهم، وهو مجاز قريب من الحقيقة لأنَّه يلزمه الإعراض الحقيقي غالباً، فإن هم غشُوا مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام فالإعراض عنهم أن يقوم عنهم وعن ابن جريج: فجَعَل إذَا استهزأوا قام فحذِروا وقالوا لا تستهزءوا فيقومَ. وفائدة هذا الإعراض زجرهم وقطع الجدال معهم لعلَّهم يرجعون عن عنادهم. و{حتَّى} غاية للإعراض لأنَّه إعراض فيه توقيف دعوتهم زماناً أوجبه رعي مصلحة أخرى هي من قبيل الدعوة فلا يضرّ توقيف الدعوة زماناً، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة هديهم إلى أصلهم لأنَّها تمحَّضت للمصلحة. وإنَّما عبّر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض لأنَّهم لا يتحدّثون إلاّ فيما لا جدوى له من أحوال الشرك وأمور الجاهلية. و{غيرِه} صفة لِـ {حديث}. والضمير المضاف إليه عائد إلى الخوض باعتبار كونه حديثاً حسبما اقتضاه وصف {حديث} بأنَّه غيره. وقوله {وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} عطف حالة النّسيان زيادة في تأكيد الأمر بالإعراض. وأسند الإنساء إلى الشيطان فدلّنا على أنّ النسيان من آثار الخلقة التي جعل الله فيها حظّاً العلم الشيطان. كما ورد أنّ التثاؤب من الشيطان، وليس هذا من وَسْوسة الشيطان في أعمال الإنسان لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من وسوسة الشيطا في ذلك، فالنسيان من الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء في غير تبليغ ما أمروا بتبليغه، عند جمهور علماء السنّة من الأشاعرة وغيرهم. قال ابن العربي في «الأحكام»: إنّ كبار الرافضة هم الذين ذهبوا إلى تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم من النسيان اهــ. وهو قول لبعض الأشعرية وعزي إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفِرائيني فيما حكاه نور الدين الشيرازي في «شرح للقصيدة النونية» لشيخه تاج الدين السبكي. ويتعيّن أنّ مراده بذلك فيما طريقه البلاغ كما يظهر ممّا حكاه عنه القرطبي: وقد نَسي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّم من ركعتين في الصلاة الرباعية، ونسي آيات من بعض السور تذّكرها لمّا سمع قراءة رجل في صلاة الليل، كما في الصحيح. وفي الحديث الصحيح: «حديث : إنّما أنا بَشَر أنسَى كما تنسَوْن فإذا نسيتُ فذكّروني» تفسير : فذلك نسيان استحضارها بعد أن بلَّغها. وليس نظرنا في جواز ذلك وإنَّما نظرنا في إسناد ذلك إلى الشيطان فإنَّه يقتضي أنّ للشيطان حظّاً له أثر في نفس الرسول، فيجوز أن تكون بعض الأعراض البشرية التي يجوز طروّها على الأنبياء قد جعلها الله في أصل الخلقة من عمل الشياطين، كما جعل بعض الأعراض موكولة للملائكة، ويكون النسيان من جملة الأعراض الموكولة إلى الشياطين كما تكرّر إسناده إلى الشيطان في آيات كثيرة منها. وهذا مثل كون التثاؤب من الشيطان، وكوْن ذات الجَنْب من الشيطان. وقد قال أيّوب {أية : أنِّي مسَّني الشيطان بنُصب وعَذَاب}تفسير : [ص: 41]، وحينئذٍ فالوجه أنّ الأعراض البشرية الجائزة على الأنبياء التي لا تخلّ بتبليغ ولا تُوقعُ في المعصية قد يكون بعضها من أثر عمل الشيطان وأنّ الله عصمهم من الشيطان فيما عدا ذلك. ويجوز أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد خصّ من بين الأنبياء بأن لا سلطة لعمل شيطاني عليه ولو كان ذلك من الأعراض الجائزة على مقام الرسالة، فإنَّما يتعلَّق به من تلك الأعراض ما لا أثر للشيطان فيه. وقد يدلّ لهذا ما ورد في حديث شقّ الصدر: أنّ جبريل لمَّا استخرج العلقة قال: هذا حظّ الشيطان منك، يعني مركز تصرّفاته، فيكون الشيطان لا يتوصّل إلى شيء يقع في نفس نبيّنا صلى الله عليه وسلم إلاّ بواسطة تدبير شيء يشغل النبي حتَّى ينسى مثل ما ورد في حديث «الموطأ» حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووكَّل بلالاً بأن يكلأ لهم الفجر، فنام بلال حتَّى طلعت الشمس، فإنّ النبي قال: «حديث : إنّ الشيطَان أتى بلالاً فلم يزل يُهَدّئُه كما يُهَدّأ الصبيّ حتّى نام»تفسير : . فأمّا نوم النبي والمسلمين عدا بلالاً فكان نوماً معتاداً ليس من عمل الشيطان. وإلى هذا الوجه أشار عياض في «الشفاء». وقريب منه ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة القدر، فخرج ليُعلم الناس فتَلاحَى رجلان فرُفعت. فإنّ التلاحي من عمل الشيطان، ولم يكن يستطيع رفع ليلة القدر بنفسه فوسوس بالتلاحي. والحاصل أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الوسوسة، وأمّا ما دونها مثل الإنساء والنزْغ فلا يلزم أن يعصم منه. وقد يفرّق بين الأمرين: أنّ الوسوسة آثارها وجودية والإنساء والنزغ آثارهما عدمية، وهي الذهول والشغل ونحو ذلك. فالمعنى إن أنساك الشيطان الإعراض عنهم فإن تذكّرتَ فلا تقعد معهم، فهذا النسيان ينتقل به الرسول صلى الله عليه وسلم من عبادة إلى عبادة، ومن أسلوب في الدّعوة إلى أسلوب آخر، فليس إنساء الشيطان إيَّاه إيقاعاً في معصية إذ لا مفسدة في ارتكاب ذلك ولا يحصل به غرض من كيد الشيطان في الضلال، وقد رفع الله المؤاخذة بالنسيان، ولذلك قال: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}، أي بعد أن تتذكَّر الأمر بالإعراض. فالذكرى اسم للتذكّر وهو ضدّ النّسيان، فهي اسم مصدر، أي إذا أغفلت بَعد هذا فقعدت إليهم فإذا تذكَّرت فلا تقعد، وهو ضدّ فأعرض، وذلك أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه. وقرأ الجمهور: {يُنْسِيَنّك} ـــ بسكون النون وتخفيف السين ـــ. وقرأه ابن عامر ـــ بفتح النون وتشديد السين ـــ من التنسية، وهي مبالغة في أنساه. ومن العلماء من تأوّل هذه الآية بأنَّها مما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمَّته، كقوله تعالى: {أية : لئن أشركت ليحبطنّ عملك}تفسير : [الزمر: 65] قال أبو بكر بن العربي إذا عذرنا أصحابنا في قولهم ذلك في {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} لاستحالة الشرك عليه فلا عذر لهم في هذه الآية لجواز النسيان عليه. والقوم الظالمون هم الذين يخوضون في آيات الله، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لزيادة فائدة وصفهم بالظلم، فيعلم أنّ خوضهم في آيات الله ظلم، فيعلم أنَّه خوض إنكار للحقّ ومكابرة للمشاهدة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}. نهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة عن مجالسة الخائضين في آياته، ولم يبين كيفية خوضهم فيها التي هي سبب منع مجالستهم، ولم يذكر حكم مجالستهم هنا، وبين ذلك كله في موضع آخر فبين أن خوضهم فيها بالكفر والاستهزاء بقوله: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} تفسير : [النساء: 140]، الآية. وبين أن من جالسهم في وقت خوضهم فيها مثلهم في الإثم بقوله: {أية : إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} تفسير : [النساء: 140]، وبين حكم من جالسهم ناسياً، ثم تذكر بقوله هنا: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، كما تقدم في سورة النساء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يخوضون في آياتنا: يتكلمون في القرآن طعناً فيه ونقداً له ولما جاء فيه. فأعرض عنهم: قم محتجاً على صنيعهم الباطل، غير ملتفت إليهم. بعد الذكرى: أي بعد التذكر. ولكن ذكرى: أي موعظة لهم. وذر الذين: أي اترك الكافرين. لعباً ولهواً: كونه لعباً لأنه لا يجنون منه فائدة قط، وكونه لهواً لأنهم يتلهون به وشغلهم عن الدين الحق الذي يكملهم ويسعدهم. أن تبسل نفس: أي تسلم فتؤخذ فتحبس في جهنم. كل عدل: العدل هنا: الفداء. أبسلو: حبسوا في جهنم بما كسبوا من الشرك والمعاصي. من حميم: الحميم الماء الشديد الحرارة الذي لا يطاق. وعذاب أليم: أي شديد الألم والإِيجاع وهو عذاب النار. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث مع أولئك العادلين المكذبين فيقول الله تعالى لرسوله {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا} يستهزئون بالآيات القرآنية ويسخرون مما دلت عليه من التوحيد والعذاب للكافرين {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي فصد عنهم وانصرف {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} وإن أنساك الشيطان نهينا هذا فجلست ثم ذكرت فقم ولا تقعد مع القوم الظالمين، وقوله تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي وليس على المؤمنين المتقين أنت وأصحابك يا رسولنا من تبعة ولا مسئولية ولكن إذا خاضوا في الباطل فقوموا ليكون ذلك ذكرى لهم فيكفون عن الخوض في آيات الله تعالى. وهذا كان بمكة قبل قوة الإِسلام، ونزل بالمدينة النهي عن الجلوس مع الكافرين والمنافقين إذا خاضوا في آيات الله ومن جلس معهم يكون مثلهم وهو أمر عظيم قال تعالى: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}تفسير : [النساء: 140] هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية. أما الثالثة [70] فإن الله تعالى يأمر رسوله أن يترك اتخذوا دينهم الحق الذي جاءهم به رسول الحق لعباً ولهواً يلعبون به أو يسخرون منه ويستهزئون به وغرتهم الحياة الدنيا قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} اتركهم فلا يهمك أمرهم وفي هذا تهديد لهم على ما هم عليه من الكفر والسخرية والاستهزاء، وقد أخبر تعالى في سورة الحجر أنه كفاه أمرهم إذ قال {أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ}تفسير : [الحجر: 95]، وقوله تعالى {وَذَكِّرْ بِهِ} أي بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ} أي كي لا تبسل {بِمَا كَسَبَتْ} أي كي لا تسلم نفس للعذاب بما كسبت من الشرك والمعاصي. {لَيْسَ لَهَا} يوم تسلم للعذاب {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ} يتولى خلاصها، {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لها فينجيها من عذاب النار {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} أي وإن تقدم ما أمكنها حتى ولو كان ملء الأرض ذهباً فداء لها لما نفعها ذلك ولم نجت من النار، ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أبلسوا: أسْلِمُوا وأخذوا إلى جهنم بما كسبوا من الذنوب والآثام لهم في جهنم شراب من ماء حميم حار وعذاب موجع أليم. وذلك بسبب كفرهم بالله وآياته ورسوله. حيث نتج عن ذلك خبث أرواحهم فما أصبح يلائم وصفهم إلا عذاب النار قال تعالى من هذه السورة سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الجلوس في مجالس يسخر فيها من الإِسلام وشرائعه وأحكامه وأهله. 2- وجوب القيام احتجاجاً من أي مجلس يعصى فيه الله ورسوله. 3- مشروعية الإِعراض في حال الضعف عن المستهزئين بالإِسلام الذين غرتهم الحياة الدنيا من أهل القوة والسلطان وحسب المؤمن أن يعرض عنهم فلا يفرح بهم ولا يضحك لهم. 4- وجوب التذكير بالقرآن وخاصة المؤمنين الذين يرجى توبتهم. 5- من مات على كفره لم ينج من النار إذ لا يجد فداء ولا شفيعاً يخلصه من النار بحال.

القطان

تفسير : يخوضون في آياتنا: يسترسلون في الحديث بتشويه تلك الآيات. أعرِض عنهم: انصرِف عنهم. بعد الذكرى: بعد التذكير. ولكن ذكرى لعلهم يتقون: ولكن هذا تذكير لهم. ان تبسل نفس: ان تحبس بما كسبت وتمنع. السبل: حبس الشيء ومنعه بالقهر، ومنه شجاع باسل اي مانع غيره. تَعْدِل: تَفْدِ كل فداء. الحميم: الشديد الحرارة. ألِيم: شديد الألَم. بعد ان ذكر الله تعالى في الآيات السابقة تكذيب كفار قريش، وبيّن ان الرسول عليه الصلاة والسلام مبلّغ للناس عن ربّه لا خالق للايمان فيهم - جاءت هذه الآيات لتبيّن كيف يعامل المؤمنُ من يتخذ دين الله هزواً ولعبا من الكفار الذين كانوا يستهزئون بالقرآن وبالرسول والمستضعَفين من اصحابه الكرام. وكذلك كيف يعامل المؤمن أهل الأهواء والبِدع في كل زمان ومكان. والمخاطَب في هذه الآيات هو الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كان معه من المؤمنين، ثم المؤمنين في كل زمان. {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ...} الآية. اذا حضرتَ مجلس الكفار، او جاء المشركون ليستمعوا اليك، ووجدتهم يطعنون في آيات القرآن، او يستهزئون بها، فانصرِف عنهم يا محمد حتى ينتقلوا الى حديث آخر. وإن نسيتَ وجالستَهم وهم يخوضون، ثم تذكّرت أمر الله بالبعد عنهم - فلا تبقَ معهم أبداً. وسرُّ هذا النهي أن الإقبال على اولئك الخائضين والقعود معهم يغريهم في التمادي، ويدل على الرضا به والمشاركة فيه. وهذا خطر كبير لما فيه من سماع الكفر والسكوت عليه. {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ}. ثم بين الله تعالى ان المؤمنين اذا فعلوا ذلك فلن يشراكوا الخائضين في الإِثم، لكن عليهم أن يذكّروهم، لعلّهم يكّفون عن الباطل. وبعد أن أمر رسوله بالإِعراض عمن اتخذ آيات الله هزوا، أمره بترك الذين غرتهم الحياة الدنيا وزخرفها الباطل فقال: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}. واترك يا محمد، انت ومن اتبعك من المؤمنين، جميعَ الذين اتخذوا دينهم لعبا، فلقد خدعتهم الحياة الدنيا عن الآخرة، فآثروها واشتغلوا بلذائذها الفانية. {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ...}. وبعد ان امرهم بترك المستهزئين بدينهم امر بالتذكير بالقرآن فقال: ذكّر يا محمد دائما بالقرآن، وحذرهم هول يوم القيامة، يوم تُحبس فيه كل نفس بعملها. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} لا ناصر يومذاك ولا معين غير الله. {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ}. ثم أرشد الى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح الاعمال، فلا شفيع ولا وسيط، وكلُّ فِدية للنجاة من العذاب مرفوضة ولا ينفع النفسَ أي فدية تقدمها في ذلك اليوم. ثم يبين الله أن هذا الإبسال كان بسوء صَنِيعهِم، حيث اتخذوا دينهم هزواً ولعباً فحُرموا الثواب، وحُبسوا عن دار السعادة. لقد أحاطت بهم خطاياهم، فاستحقّوا ان يكون {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}، أي شراب من ماء شديد الحرارة، وعذاب شديد الألم بنار تشتعل في أبدانهم. وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن، ولا يَغتَرُّ بلقب الاسلام فقط، ويعلم ان المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنَّةَ رسوله طريقه، من اغتّر بالأماني وركن إلى شافعة الشافعين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ آيَاتِنَا} {ٱلشَّيْطَانُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (68) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِذَا سَمِعُوا اسْتَهْزَؤُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ إِذا اسْتَهْزَؤُوا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِمْ فَحَذِرُوا، وَقَالُوا لاَ تَسْتَهْزِئُوا فَيَقُومُ. وَالمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَإِذا رَأَى المُؤْمِنُ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللهِ المُنْزَّلَةِ، مِنَ الكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ، وَأَهْلِ الأَهْوَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُدَّ عَنْهُمْ بِوَجْهِهِ، وَأَنْ لاَ يَجْلِسَ مَعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ آخَرَ غَيْرِ حَديثِ الكُفْرِ وَالاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللهِ أَوْ تَأْويلِهَا بِالبَاطِلِ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَإِذَا أنسَاكَ الشَّيْطَانُ، أَيُّهَا المُؤْمِنُ، هذا النَّهْيَ، وَقَعَدْتَ مَعَهُمْ، وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، ثُمَّ ذَكَرْتَ فَقُمْ عَنْهُمْ، وَلاَ تَقْعُدْ مَعَ هؤلاءِ الظَّالِمِينَ لأَِنْفُسِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللهِ، وَالاسْتِهْزَاءِ بِهَا. يَخُوضُونَ - يَأْخُذُونَ بِالحَدِيثِ بِالاسْتِهْزَاءِ وَالطَّعْنِ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} يعني القرآن الإستهزاء والكذب {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فاتركهم ولا تجالسهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ} يدخلوا {فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} غير القرآن، وذلك إن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسبوا واستهزؤا بالقرآن، فنهى اللّه المؤمنين عن مجالستهم {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ}. قرأ ابن عباس وابن عامر: ينسونك بالتشديد {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} فقم من عندهم بعد ما ذكرت ثم قال {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الخوض {مِنْ حِسَابِهِم} من أيام الخائضين {مِّن شَيْءٍ}. قال ابن عباس: قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم فلا ننهاهم فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية. وقال ابن عباس في رواية أخرى: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون في القرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزل {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ} أي ذكروهم وعظوهم وهي في محل النصب على المصدر أي ذكروهم ذكرى والذكر والذكرى واحد ويجوز أن يكون في موضع الرفع أي هو ذكرى {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الخوض إذا وعظتموهم، وقيل: وإذا قمتم يسعهم في ذلك من الإستهزاء والخوض. وقيل: لعلهم يستحيون {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} باطلاً وفرحاً {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} وذلك أن اللّه تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه فكان قوم إتخذوا عيدهم لهواً ولعباً إلاّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة للّه. وذكرا مثل الجمعة والفطر والنحر {وَذَكِّرْ بِهِ} وعظ بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} يعني أن لا تبسل كقوله تعالى بين اللّه لكم أن تضلوا. ومعنى الآية ذكرهم ليؤمنوا فلا تبسل نفس بما كسبت. قال ابن عباس: تهلك، قتادة: تحيس. الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي: تسلم للهلكة. علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: تفضح. الضحاك: تفضح وتحرق. المؤرخ، وابن زيد: تؤخذ. قال الشاعر: شعر : وإبسالي بني بغير جرم بعونها ولا بدم مراق تفسير : العوف بن الأحوض: وكان رهن بيته وحمل عن غنى لبني قشير دم السحقية. فقالوا: لا نرضى بك، فدفعهم رهناً، وقوله بعونا أي جنيناً، والبعو الجناية. وقال الأخفش: تبسل أي تجزى. وقال الفراء: ترتهن. وأنشد النابغة الجعدي: شعر : ونحن رهناً بالأفاقة عامراً بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا تفسير : وقال عطية العوفي: يسلم في خزية جهنم. وقال أهل اللغة: أصل الإبسال التحريم، يقال: أبسلت الشيء إذا حرمته، والبسل الحرام. قال الشاعر: شعر : بكرت تلومك بعد وهن في الندى بسل عليك ملامتي وعتابي تفسير : فقال: أنشدنا بسل أي شجاع لا يقدّر موته كأنه قد حرم نفسه ثم جعل ذلك نعتاً لكل شديد. يترك، ويبقى. ويقال: شراب بسل أي متروك. قال الشنفرى: شعر : هنالك لا أرجو حياة تسرني سمير الليالي مبسلاً بالجرائر تفسير : وقوله تعالى {لَيْسَ لَهَا} أي لتلك الأنفس {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ} حميم وصديق {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لهم في الآخرة {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} تفد كل فداء، {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ}. قال أبو عبيدة: وإن يقسطه كل قسط لا يقبل منها لأن التوبة في الحياة {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ * قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر حين دعا أباه إلى الكفر فأنزل اللّه تعالى قل أندعوا من دون اللّه {مَا لاَ يَنفَعُنَا} إن عبدناه { وَلاَ يَضُرُّنَا} إن تركناه {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} إلى الشرك {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ}. وتقول العرب لكل راجع خائب لم يظفر بحاجته: ردّ على عقبيه ونكص على عقبيه فيكون مثله {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ} أي أضلته. وقال ابن عباس (رضي الله عنه): كالذي استغوته الغيلان في المهامة وأضلوه وهو حائر بائر {فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} وحيران نصب على الحال. وقرأ الأعمش، وحمزة: كالذي إستهوا به، بالباء. وقرأ طلحة: إستهواه بالألف. وقرأ الحسن: إستهوته الشياطون وفي مصحف عبد اللّه وأُبي إستهواه الشيطان على الواحد. {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا} يعني أتوا به، وقيل: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} أي لأن نسلم {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} إلى قوله {يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ}. قال أبو عبيدة: هو جمع صورة مثل سورة وسور. قال العجاج: شعر : ورب ذي سرادق محجور سرت إليه في أعالي السور تفسير : وقال آخرون: هو فرن ينفخ فيه بلغة أهل اليمن. وأنشد العجاج: شعر : نطحناهم غداة الجمعين بالضابحات في غبار النقعين نطحاً شديداً لا كنطح الصورين تفسير : يدل على هذا الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كيف أنعم صاحب القرن قد أكتم القرن [وحنى حنينه] وأصغى سمعه فنظر متى يؤمر فنفخ، ثم قال {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبهذا القول يوضح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: اعلم أن ما جئت به سيخاض فيه، ويقال مرة إنه سحر، ومرة إنه شعر، وثالثة إنه كهانة، ورابعة يتهمونك بالكذب، ولا يقول ذلك إلا المنتفعون بفساد الكون، فإذا ما جاء مصلح فسيجعلونه عدواً لهم. لذلك لا بد أن تحافظ على أمرين. . الأمر الأول: أن الذين اتبعوك - وهم ضعاف - قد لا يستطيعون مواجهة القوة الظالمة؛ لذلك لا تحملهم ما لا طاقة لهم به ولكن تَرَيَّثْ؛ فإن لكل نبأ مستقراً، والأمر الثاني: أَنك إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وبيِّن لهم الجفوة فلا تقبل عليهم، ولا توادهم، ولا تستمع إليهم، ولا يسمع إليهم أصحابك، لماذا؟ لأنهم يخوضون في آيات الله. ولكن أيستمر هذا الإعراض عنهم طوال الوقت؟، لا، فالإعراض عنهم إنما يكون في أثناء خوضهم وتكذيبهم لآيات الله، أما في غير ذلك من الأوقات فاعلم أن آذانهم في حاجة إلى سماع صيحة من الحق، لذلك انتهز به؛ لأنك إن تركتهم على ضلالهم فإن قضية الإيمان تصير بعيدة عنهم، وأنت مهمتك البلاغ، والله يريد الخير لكل خلقه. {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]. وكلمة "الخوض" هذه تشعرنا بمعنى في منتهى الدقة؛ لأن الخوض في أصله هو الدخول في الماء الكثير. والماء الكثير ساتر لما تحت قدمي الذي يخوض فيه، وما دام قد ستر ما تحت قدميه فهو لا يدري إلى أي موقع تقع قدماه، وربما وقعتا في هوّة، لكن الذي يسير في غير ماء فالطريق واضح أمامه، يضع قدميه حيث يرى فيها ثباتاً واستقراراً وعدم إيذاء. وأخذوا من ذلك المعنى وصف الكلام بالباطل، لأنه خوض بدون اهتداء. ولذلك يقول الحق: {أية : ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام: 91]. ولماذا وصف فعلهم هذا بأنه لعب؟ ذلك لأن اللعب هو شغل النفس بشيء غير مطلوب وكان في قالب الجد. ولكن إذا كان هذا الشيء يؤدي إلى نبوغ في مجال من مجالات الحياة فنحن ندرب أبناءنا عليه في فترة ما قبل البلوغ. ومثال ذلك تدريب الأبناء على السباحة والرماية. وركوب الخيل. وما إن يبلغ الإنسان فترة البلوغ حتى تصير له مهمة في الحياة، ويصبح عليه أن يتحمل المسئولية، فلا يضيع وقته في اللعب أو فيما يلهيه عن أداء الواجب. {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]. والنفس البشرية لها أغيار. وهذه الأغيار قد تنسيها بعض التوجهات. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم موعود من ربه بعدم النسيان. {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6]. فإذا كان هذا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف نفهم قول الحق هنا: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]. إننا نفهم هذا القول على أساس أنه تعليم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحينما ينزل أمر من السماء فرسول الله أولى الناس بتطبيقه، فإذا كان الرسول يُخاطَب: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ} فإذا ما نسي إنسان لغفلة من الغفلات، فليأخذ علاج الله للنسيان، وهو ألا يقعد مع هؤلاء القوم الذين يخوضون في آيات الله في أثناء خوضهم، ولكن عليه أن يتركهم ويعرض عنهم. إذن فالحق سبحانه وتعالى احترم خلقه؛ لأنه وهو العليم بهم، خلق لكل إنسان ملكة حافظة، وملكة ذاكرة، وملكة مخيلة، وكل ملكة من هذه الملكات تؤدي مهمة: فالملكة الحافظة تحفظ المعلومات، والذاكرة تأتي بالمعلومات المحفوظة القديمة لتجعلها في بؤرة الشعور. ولو لم يكن هناك نسيان لما استطاعت فكرة أن تدخل في ذهن الإنسان؛ لأن العقل لا ينشغل إلا بقضية واحدة في بؤرة الشعور. وحتى تدخل قضية أخرى في بؤرة الشعور، لا بد أن تتزحزح القضية الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور. لذلك لا بد من نسيان خاطر ما ليحل محله خاطر آخر. ولو ظل الإنسان ذاكراً لقضية من القضايا في نفسه لصار من المحال أن تدخل قضية جديدة أخرى. ولهذا خلق الله النسيان، أي انتقال قضية ما من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور. والإنسان منا يتذكر شيئاً حدث من عشرين عاماً، ثم يمر هذا الحادث بالخاطر فجأة، ويتساءل الإنسان، كيف؟ ويعرف الإنسان أن هذا الحادث كان محفوظاً ومصوناً في دوائر شعورية بعيدة. ولذلك نجد الإنسان عندما يريد استعادة معنى من المعاني فهو يترك لنفسه فرصة لاستعادة هذا الخاطر أو ذلك المعنى، ولذلك يسمون هذه المسألة "تذكر". {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]. ولماذا ينسب الحق النسيان للشيطان؟، لأن حقائق الحق في دينه هي الصدق، ولا يصح أن تغيب أبداً عن بال المؤمن، وهي لا تغيب عن بال المؤمن إلا بعمل الشيطان فالشيطان يزين الأمر الذي يحبه الإنسان ويشغله عن أمر آخر، فإذا ما نزغ الشيطان لينسى الإنسان، وتذكر الإنسان أن هذا من نزغ الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ولا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. وأنت حين تفعل ذلك وتنفر من هؤلاء القوم الظالمين فأنت تلفتهم إلى أن ما عندك من يقين إيماني هو أعز عندك مما في مجالسهم من حديث وما يكون لديهم من نفع. وبذلك تنتفع أنت بهذه التذكرة وهم أيضاً يلتفتون إلى أهمية الإيمان وأفضليته عند المؤمن على ما عداه. وما كان الحق سبحانه وتعالى ليفرض على المؤمنين مقاطعة المشركين في أثناء فترة ضعف المؤمنين في بداية الدعوة. وكان المؤمنون يلتقون في المسجد الحرام، وكان المشركون يذهبون أيضاً إلى الكعبة قبل فتح مكة، فهي مكان حجيجهم، فهل يقاطع المسلمون المسجد الحرام في بداية الدعوة الإسلامية ولا يلتقون؟ قطعاً لا. ولكن كان المسلمون يذهبون للقاء في المسجد الحرام، وإذا جاء الذين يخوضون في آيات الله فهم يعرضون عنهم. ووزر الخائضين على أنفسهم. ولذلك يقول الحق: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ}

الجيلاني

تفسير : {وَإِذَا رَأَيْتَ} يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا} يالطعن والتكذيب {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تصاحبهم، وأخرج من بينهم {حَتَّىٰ} لا تكومن سبباً لاستهزائهم و{يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي: غير القدح والطعن في القرآن {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ} الخروج بعد وقوفك بأباطيلهم {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} والتذكير البتة {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 68] الطاعنين على الله بما لا يليق بجانابه. {وَ} أن اتفق مجالسة المؤمنين معهم أحياناً {مَا} يلزم ويعود {عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} عن محارم الله {مِنْ حِسَابِهِم} الذين يحاسبون عليها و معاقبون لأجلها {مِّن شَيْءٍ} أي: بشيء من الخطر والتزلزل {وَلَـٰكِن} إن أتفق جمعهم لزمهم {ذِكْرَىٰ} والموعظة الحسنة الناشئة عن محض الحكمة {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 69] ينتهوون عما هم عليه من الاستهزاء والتكذيب تأثراً واستحياء. {وَ} إن لم يتأثروا ولم يستحوا {ذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ} الذين يدعون الهداية بسببه {لَعِباً وَلَهْواً} أي: معلبه وملهى ليس منه تأثر أصلاً بل يجرونه على طرف اللسان ويلقون على طرف التمام، وكيف يتأثرون منه ولا يلعبون معه {وَ} إذ {غَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} بحيث عموا وصموا عن الأمور الأخروية بالمرة {وَ} إن أردت أن تذكر بالقرآن {ذَكِّرْ بِهِ} على من هو على خطر من الله مخافة {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ} أي: بتسلمه وتوقعه النفس العاصية إلى الهلاك الأبدي والبوار السرمدي {بِمَا كَسَبَتْ} من العقائد الزائفة والمعاصي العائقة عن إقامة حدود الله؛ إذ {لَيْسَ لَهَا} أي: للنفس {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ} يولي أمرها وينقذها من العذاب {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لها عند الله لينجو من عذابه {وَإِن تَعْدِلْ} وتفد {كُلَّ عَدْلٍ} كل ما يفدى به من أمتعة الدنيا {لاَّ يُؤْخَذْ} ولا يقبل {مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المطرودون عن روح الله هم {ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ} سلموا نفوسهم إلى الهلاك {بِمَا كَسَبُواْ} من شؤم نفوسهم من المعاصي تهيأ {لَهُمْ} في الآخرة {شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} يحرق بطونهم عن مسرة المؤمنين {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم عن مكانتهم عند الله {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70] أي: بسبب كفرهم وخورجهم عن حدود الله، وإن ادعى المشركون حقية دينهم ويدعو المسلمين إليه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الإعراض عن الخواص بقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]، إلى قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70]. الإشارة فيها أنه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الخواص لأنه قيل أن الطبع يسرق فقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا} [الأنعام: 68]، إشارة إلى بعض أهل الطاعات يخوضون في أحوال الرجال، ولا حظ لهم منها قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]؛ يعني: من الطامات التي هي ريح في شبح {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ} [الأنعام: 68]؛ يعني: القعود منهم فقعدت معهم بالنسيان، أو من غير قصد منك وعرفت أحوالهم {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} [الأنعام: 68]؛ أي: بعد التذكر ومعرفة أحوالهم {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 68]، البطالين الذين يظلمون أنفسهم بإفساد الاستعداد، ويراؤون الناس أنهم من الطالبين الصادقين بالزي والخرق وأنهم من البطالين بالأفعال والأحوال {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 69] من الطامات والدعاوي وفي الطلب {مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 69]، من خسارة البطالين من شيء {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 69]، ولكن يحسن الاعتراض عنهم ويتركون الإصغاء إلى مجالاتهم وخيالاتهم من الطامات وحسن الانقباض بذكرهم لعلهم ينتهون ويتحرزون عن الدعاوي ويطلبون المعاني {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} [الأنعام: 70]؛ أي: دع صحة الذين يلعبون بالدين وهمهم لبس الخرقة والزي بزي الطالبين إنما هو للدنيا وقبول الخلق والنسب باللهو {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ} [الأنعام: 70]؛ أي وعظهم بالصدق والطلب وترك الخرقة فإنها تورث الزندقة {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} [الأنعام: 70]، من قبل أن تفسد نفس استعدادها للطلب بالكلية بما تكسب من الرياء والنفاق {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ} [الأنعام: 70] يتولى أمر إصلاح استعدادها {وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 70]، يشفع ليصلح الله استعدادها الفاسدة {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} [الأنعام: 70]؛ يعني: وإن تقتدي بالدنيا وما فيها لا يقبل منها ولا يفيد استعدادها بعد فسادها بالكلية {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} [الأنعام: 70]، بطلوا الاستعداد الفطري بمرائيهم لهم {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} [الأنعام: 70]، من مشرب الحسرة والندامة {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأنعام: 70]، من نار القطيعة وألم البعد {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70]، بمقامات الرجال من الوصول والوصال.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات الباطلة، والدعوة إليها، ومدح أهلها، والإعراض عن الحق، والقدح فيه وفي أهله، فأمر الله رسوله أصلا وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة كان مأمورا به، وإن كان غير ذلك، كان غير مفيد ولا مأمور به، وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق. ثم قال: { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ } أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة. { فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر، الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم، لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي: ولكن ليذكرهم، ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى. وفي هذا دليل على أنه ينبغي أن يستعمل المذكِّرُ من الكلام، ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى. وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ، مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره، إلى أن تركه هو الواجب لأنه إذا ناقض المقصود، كان تركه مقصودا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 269 : 8 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن السدي عن سعيد بن جبير وأبي مالك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ} قال، بعد ان تذكر. [الآية 68].

همام الصنعاني

تفسير : 816- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}: [الآية: 68]، قال: نهاه الله تعالى أن يَجْلِسَ مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نَسِيَ فلا يَقْعُدُ بَعْدَ الذكرى مع القوم الظالمين.