Verse. 858 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمَا عَلَي الَّذِيْنَ يَتَّقُوْنَ مِنْ حِسَابِہِمْ مِّنْ شَيْءٍ وَّلٰكِنْ ذِكْرٰي لَعَلَّہُمْ يَتَّقُوْنَ۝۶۹
Wama AAala allatheena yattaqoona min hisabihim min shayin walakin thikra laAAallahum yattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما على الذين يتقون» الله «من حسابهم» أي الخائضين «من» زائدة «شيء» إذا جالسوهم «ولكن عليهم «ذكرى» تذكرة لهم وموعظة «لعلهم يتقون» الخوض.

69

Tafseer

الرازي

تفسير : قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم. قال ومعنى الآية: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك والكبائر والفواحش {مِنْ حِسَابِهِم } من آثامهم {مّن شَىْء وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ } قال الزجاج: قوله {ذِكْرَى } يجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب. أما كونه في موضع رفع فمن وجهين: الأول: ولكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في موضع النصب، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون. والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول. قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أوْلـَٰئكَ ٱلذينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمُ شَرَابٌ مِنْ حَميمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كانواْ يَكفُرُونَ} اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله: {ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا } ومعنى {ذَرْهُمْ } أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده: {وَذَكّرْ بِهِ } ونظيره قوله تعالى: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم. واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفاً بصفتين: الصفة الأولى: أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وفي تفسيره وجوه: الأول: المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤوا به. الثاني: اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم. الثالث: أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني، مثل تحريم السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله تعالى عنهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً. والرابع: قال ابن عباس جعل الله لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى. ثم إن الناس أكثرهم من المشركين، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهواً ولعباً غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى. والخامس: وهو الأقرب، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب. فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو. فالمراد من قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه. وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة. والله أعلم. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعباً ولهواً لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا. فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا. إذا عرفت هذا، فقوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } معناه أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزناً {وَذَكّرْ بِهِ } واختلفوا في أن الضمير في قوله: {بِهِ } إلى ماذا يعود؟ قيل: وذكر بالقرآن وقيل أنه تعالى قال: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته. فقوله: {وَذَكّرْ بِهِ } أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور. والدين أقرب المذكور، فوجب عود الضمير إليه. أما قوله {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } فقال صاحب «الكشاف»: أصل الإبسال المنع ومنه، هذا عليك بسل أي حرام محظور، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه، أو لأنه شديد البسور، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه، وإذا زاد قالوا بسل، والعابس منقبض الوجه. إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: {تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا. وقال الحسن ومجاهد: تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل. وقال قتادة: تحبس في جهنم، وعن ابن عباس {تُبْسَلَ } تفضح و {أُبْسِلُواْ } فضحوا، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون. ثم قال تعالى: {لَيْسَ لَهَا } أي ليس للنفس {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } أي وإن تفذ كل فداء، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها. قال صاحب «الكشاف»: فاعل يؤخذ ليس هو قوله: {عَدْلٍ } لأن العدل ههنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ. وأما في قوله: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} فبمعنى المفدى به، فصح إسناده إليه. فنقول: الأخذ بمعنى القبول وارد. قال تعالى: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ } أي يقبلها. وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ ههنا على القبول، ويزول السؤال. والله أعلم. والمقصود من هذه الآية: بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور، ولا شفيع يشفع فيها، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع. فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام، فليس لها ألبتة دافع من عذاب الله تعالى، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى. ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين، فقال {لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } وذلك هو النهاية في صفة الإيلام. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قال ابن عباس: لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطّواف؛ فنزلت هذه الآية. {وَلَكِنْ ذِكْرَى} أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكّروهم. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} اللَّهَ في ترك ما هم فيه. ثم قيل: نسخ هذا بقوله: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}تفسير : [النساء: 140]. وإنما كانت الرُّخْصَة قبل الفتح وكان الوقت وقت تَقِيّة. وأشار بقوله: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ» إلى قوله: «وذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً». قال القُشَيْرِيّ: والأظهر أن الآية ليست منسوخة. والمعنى: ما عليكم شيء من حساب المشركين، فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوْا فحسابهم على الله. و{ذِكْرَى} في موضع نصب على المصدر، ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ أي ولكن الذي يفعلونه ذكرى، أي ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسِائِيّ: المعنى ولكن هذه ذكرى.

المحلي و السيوطي

تفسير : وقال المسلمون إن قمنا كلما خاضوا لم نستطع أن نجلس في المسجد وأن نطوف، فنزل {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الله {مِنْ حِسَابِهِم } أي الخائضين {مِنْ } زائدة {شَىْءٍ } إذا جالسوهم {وَلَٰكِنِ } عليهم {ذِكْرَى } تذكرة لهم وموعظة {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الخوض.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} الله في أمره ونهيه من حساب استهزاء الكفار وتكذيبهم مأثم لكن عليهم تذكرهم بالله وآياته لعلهم يتقون الاستهزاء والتكذيب، أو ما على الذين يتّقون من تشديد الحساب والغلظة ما على الكفار، لأن محاسبتهم ذكرى وتخفيف، ومحاسبة الكفار غلظة وتشديد، لعلهم يتقون إذا علموا ذلك، أو ما على الذين يتّقون فيما فعلوه من ردّ وصد حساب ولكن اعدلوا إلى تذكيرهم بالقول قبل الفعل لعلهم يتقون.

ابن عادل

تفسير : يجوز أن تقدر" ما" حجازية، فيكون "مِنْ شيءٍ" اسمها، و"من" مزيدة فيه لتأكيد الاستغراقِ، و {عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} خبرها عند من يُجيزُ إعمالها مقدمة الخبر مطلقاً، أو يرى ذلك في الظَّرْفِ وعديلِهِ. و "مِنْ حِسَابِهِمْ" حالٌ من "شيء" لأنه لو تأخَّر لكان صِفَةً، ويجوز أن تكون مُهْمَلةً إما على لُغَةِ "تميم" وإما على لغة "الحجاز" لِفَواتِ شرطٍ، وهو تقديم خبرها وإن كان ظرفاً، وتحقيق ذلك مما تقدَّم في قوله: {أية : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام:52] قوله: "ولَكِنْ ذِكْرَى" فيه أربعة أوجه: أحدها: أنها مَنْصُوبَةٌ على المَصْدَرِ بفعلٍ مُضْمَرٍ، فَقَدَّرهُ بعضهم أمراً؛ أي: ولكن ذكِّروهم ذِكْرَى، وبعضهم قدَّرَهُ خبراً؛ أي: ولكن يذكرونهم ذكرى. الثاني: أنه مبتدأ خَبَرُهُ محذوف؛ أي: ولكن عليهم ذكرى؛ أو عليكم ذكرى؛ أي: تذكيرهم. الثالث: أنه خبر امبتدأ محذوف؛ أي هو ذكرى؛ أي: النهي عن مُجَالَسَتِهِمْ والامتناع منها ذكرى. الرابع: أنه عطفٌ على موضع "شيء" المجرور بـ "مِنْ"؛ أي: ما على المُتَّقين من حسابهم شيء، ولكن عليهم ذكرى، فيكون من عَطْفِ المفردات، وأما على الأوجه السَّابقة فمن عطف الجُمَلِ. وقد رَدَّ الزمخشري هذا الوَجْهَ الرابع، ورَدَّهُ عليه أبو حيان. فأما رَدّ الزمخشري فقال: "ولا يجوز أن يكون عَطْفاً على مَحَلِّ من شيء؛ كقولك: "ما في الدار من أحد ولكن زيد"؛ لأن قوله: "مِنْ حِسَابِهِمْ" يأبَى ذلك". قال أبو حيَّان: كأنه تَخَيَّلَ أن في العَطْفِ يلزم القَيْدُ الذي في المعطوف عليه، وهو "مِنْ حِسَابِهِم" فهو قيد في "شيء" فلا يجوز عنده أن يكون من عَطْفِ المفردات عطفاً على "من شيء" على الموضع؛ لأنه يصير التقدير عنده: ولكن ذكرى من حسابهم، وليس المعنى على هذا، وهذا الذي تَخَيَّلَهُ ليس بشيء، ولا يلزم في العطف بـ "لكن" ما ذكر؛ تقول: ما عندنا رَجُلُ سُوءٍ ولكن رَجُلُ صِدْقٍ، وما عندما رَجُلٌ من تميم ولكن رَجُلٌ من قريش، وما قام من رَجُلٍ عالم ولكن رَجُل جاهل، فعلى هذا الذي قَرَّرْناهُ يجوز أن يكون من عطف الجمل كما تقدم، وأن يكون من عَطْفِ المفرادات والعطف بالواو، ولكن جيء بها للاستدراك. قال شهابُ الدِّين: قوله: "تقول: ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق" إلى آخر الأمثلة التي ذكرها لا يَرُدُّ على الزمخشري؛ لأن الزمخشري وغيره من أهْلِ اللِّسانِ والأصوليين يقولون: إنَّ العطف ظَاهِرٌ في التشريك، فإن كان في المعطوف عليه قَيْدٌ فالظَّاهِرُ تقييد المعطوف بذلك القَيْد؛ إلاَّ أن تجيء قرينَةٌ صارِفَةٌ، فيُحَالٌ الأمر عليها. فإذا قلت: ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً، فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في الضَّربِ مقيداً بيوم الجمعة، فإن قلت: وعمراً يوم السبت لم يشاركه في قَيْدِهِ، والآية الكريمة من قَبِيلِ النوع الأول؛ أي: لم يؤت مع المعطوف بقرينه تُخْرِجُهُ، فالظاهر مُشَاركَتُهُ للأول في قيده، ولو شاركه في قيده لزم منه ما ذكر الزمخشري، وأما الأمثلة التي أوْرَدَهَا فالمعطوف مُقَيَّدٌ بغير القيد الذي قيد به الأوَّل، وإنما كان نبغي أن يُمَثِّلَ بقوله: "ما عندنا رجل سوء ولكن امرأة وما عندنا رجل من تميم ولكن صبي"، فالظاهر من هذا أن المعنى: ولكن امرأة سوء، ولكن صبي من قريش. وقول الزمخشري: "عَطْفاً على محل: من شيء" ولم يقل: عطفاً على لفظه لفائدة حَسَنَةٍ يَعْسُرُ مَعْرفَتُهَا، وهو أن "لكن" حرف إيجاب، فلو عطفت ما بعدها على المجرور بـ "مِنْ" لَفْظاً لزم زيادة "من" في الواجب، وجمهور البصريين على عدم زيادتها فيه، ويَدُلُّ على اعتبار الإيجاب في "لكن" أنهم إذا عَطَفُوا بعد خبر "ما" الحجازية أبْطَلُوا النَّصْبَ؛ لأنها لا تعمل في المنتقض النفي، و"بل" كـ "لكن" فيما ذكرنا. فصل في النزول روى عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: لما نزلت هذه الآية {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام:68] قال المسلمون: لئن كُنَّا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، وخاضوا فيه قُمنا عَنْهُم لما قَدَرْنَا على أن نجلس في المسجد الحرامِ، وأن نطوف بالبيت، وهم يخوضون أبداً. وفي رواية: قال المسلمون: فإنا نَخَافُ الإثم حين نتركهم، ولا ننهاهم، فأنزل الله {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم} أي: من آثَامِ الخائفين من شيء "ولَكِنْ ذِكُرَى" أي: ذكِّروهم وعِظُوهم بالقرآن، والذِّكْرُ والذِّكْرَى واحد، يريد ذكروهم ذكرى لَعَلَّهم يتقون الخوض إذا وعَظْتُمُوهُمْ، فرخص في مجالستهم على الوَعْظِ لعلَّهم يمنعهم ذلك من الخوض. وقيل: لعلَّهم يستحيون.

التستري

تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}[69] قال: إن الله تعالى أخذ على أوليائه التذكرة لعباده، كما أخذ التبليغ على أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين. فعلى أولياء الله أن يدلوا عليه، فمتى قعدوا عن ذلك كانوا مقصرين. قيل له: فقد رأينا كثيراً منهم قعدوا عن ذلك. فقال: إنهم لم يقعدوا عنه إلاَّ عند عدم الاحتياج إليه، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد كان عندنا رجل بالبصرة له منزلة رفيعة، لزمه فرض من ذلك في وقت من الأوقات، فبادر نحوه، فلقيه رجل آخر وقال له: إن الله تعالى أمرني بما عزمت عليه، وكفاك إياه، فرجع إلى منزله، وحمد الله تعالى على حسن الكفاية، والله أعلم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} [الآية: 69]. قال أبو صالح بن حمدون: الطريق إلى الله التقوى، والتقوى أكل الحلال وحفظ الجوارح وزمها عن الشبهات. وقيل: ما على التاركين الاعتماد على الوسائط والآخذين من الحق حظوظهم حساب.

القشيري

تفسير : أي من كان نقيَّ (الثوب) عن ارتكاب الإجرام يُعْزَل يوم نشره عن ملاقاة تلك الآلام.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} وصف رعايته تعالى اهل حضرته الذين خرجوا بنعت التجرين من انفسهم ومن الاكوان جميعا ان لاي يطرا عليهم من طوارق القهر التى استاصلت اعداء الله بماسة قهرها اى لا يرجع شر الاعداء الى الاولياء فى الدنيا والأخرة لانهم يصونون بكلاية الله وحفظه اياهم ووصفهم بتمام الأية بقوله تعالى {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} اى اذا كنتم مصونين بحفظى عن شر الاشرار ذكرهم اوصاف عظمتى وجلالى كى يتقوا من عذابى ويرجعوا الى بابى نادمين من زلاتهم لان الوعظ التذكير من شان اهل التمكين والاستقام فى المعرفة والطريقة فانهم ثواب الاولياء والرسل قيل ما على التاركين الاعتماد على الوسائط والاخذ من الحق حظوظهم حساب قال سهل اخذ الله تعالى على اوليائه بالتذكير لعباده كما اخذ التبليغ على انبيائه فعلى اوليائه ان تذكروا به وان يدلو عليه اذا كان الله عز وجل ذلك عليهم وتى قعد وعن ذلك كانوا مقصرين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ} الضمير فى حسابهم للخائضين ومن زائدة وشئ فى محل الرفع على انه مبتدأ للخبر المقدم وهو على الذين اى وما على المؤمنين الذين يجتنبون عن قبائح اعمال الخائضين واقوالهم شئ مما يحاسبون عليه من الجرائم والآثام {ولكن ذكرى} اى ولكن عليهم ان يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح بما امكن من العظة والتذكير ويظهروا لهم الكراهة والتنكيرفنصب ذكرى على المصدرية والواو للعطف. ولكن خالص للاستدراك فلا يلزم الجمع بين حرفى العطف كما ان اللام مع سوف تخرج عن كونها للحال وتخلص للتأكيد {لعلهم يتقون} اى يجتنبون الخوض حياء وكراهة لمساءتهم.

الطوسي

تفسير : فية تأويلان: أحدهما - قال الجبائي والزجاج واكثر المفسرين ان المراد ليس على المتقين من حساب الكافرين وما يخوض فيه المشركون، ولا من مكروه عاقبته شىء {ولكن ذكرى} أي نهوا عن مجالستهم ليزدادوا تقى وأمروا ان يذكروهم وينبهوهم على خطأهم لكي يتقي المشركون اذا رأوا أعراض هؤلاء المؤمنين عنهم، وتركهم مجالستهم فلا يعودون لذلك. والثاني - قال البلخي: ليس على المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه ولا تبعة ولكنه أعلمهم بأنهم محاسبون وحكم بذلك عليهم لكي يعلموا أن الله يحاسبهم، فيتقوا فعلى الاول الهاء والميم كناية عن الكفار وعلى الثاني عن المؤمنين. و {ذكرى} يحتمل ان يكون في موضع رفع ونصب، فالنصب على تقدير ذكرهم ذكرى والرفع على وجهين: احدهما - ولكن عليكم ان تذكروهم، كما قال: {أية : إن عليك إلا البلاغ}تفسير : والثاني - على تقدير ولكن الذي يأمرونهم به ذكرى ليتقوا عذاب الله. وقال أبو جعفر (ع): لما نزلت {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} قال المسلمون كيف نصنع ان كان كلما استهزء المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل اذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام، فأنزل الله تعالى {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} وامرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما أستطاعوا.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الخوض فى الآيات وان اتّفق جلوسهم نسياناً معهم {مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} ممّا يحاسبون عليه من قبائح اعمالهم {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ} ولكن عليهم ان يذكّروهم قبح الخوض ويمنعوهم منه بقدر ما يمكنهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الخوض، فلا يذكروا الآيات بما فيه ازدراء ولا يقعوا فى ضلالته وعقوبته، عن الباقر (ع) فلمّا نزلت فلا تقعد بعد الذّكرى مع القوم الظّالمين قال المسلمون: كيف نصنع ان كان كلّما استهزء المشركون قمنا وتركناهم فلا ندخل اذاً المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام...!؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} امر بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا.

الهواري

تفسير : قال: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} يعني المؤمنين {مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} أي من حساب المشركين من شيء. قال مجاهد: أي إن قعدوا معهم، ولكن لا تقعد معهم. قال: {وَلَكِن ذِكْرَى} أي: يذكرونهم بالقرآن {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي فيؤمنوا. وقال الكلبي: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا} أي: يستهزءون بها {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}؛ إن أصحاب رسول الله قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بكتاب الله قمنا وتركناهم لا ندخل المسجد ولا نطوف بالبيت، فرخّص الله للمؤمنين فقال: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، فكان على المؤمنين أن يذكروهم ما استطاعوا. قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} قال بعضهم: نسختها آية القتال. قال: {وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ} أي بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ}. قال مجاهد: أن تسلم نفس {بِمَا كَسَبَتْ} أي بما عملت، أي تسلم في النار. قال: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ} يمنعها منه {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لها عنده، وهذا الكافر. قال: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} أي إن تفتد بكل فدية {لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا} أي لا يقبل منها. قال الله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا} أي أسلموا في النار {بِمَا كَسَبُوا} بما عملوا {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} والحميم الحار الذي قد انتهى حره. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} أي يعملون.

اطفيش

تفسير : {ومَا عَلى الَّذينَ يتَّقُون مِنْ حِسابِهِم مِنْ شَئٍ} ما على الذين اتقوا المعاصى والخوض شئ من حساب هؤلاء الخائضين على معاصيهم وخوضهم، قيل: لما نزل: {وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا} الآية قال المؤمنون: إذا كنا لا نقرب المشركين ولا نسمع أقوالهم، فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة فى الحرم، فنزل: {وما على الذين يتقون} الآية، وفى رواية عن ابن عباس: لما نزل: {وإذا رأيت الذين} الآية قال المسلمون: كيف نقعد فى المسجد الحرام أو نطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً؟ وفى رواية: قال المسلمون: إنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم، فأنزل الله هذه الآية، وما على الذين يتقون لا يصح عطف ذكرى على حساب، أو على شئ إلا أن لكن لا تعطف بعد الواو، وإذا كانت الواو قبلها فهى العاطفة للجملة ولا للمفرد، وليست لكن عاطفة، وأيضا لو عطف على شئ لزم تسلط من الزيادة، على مثبت، لأن ما بعد لكن مثبت ولزم تقييده بقوله: {من حسابهم} لأن من شئ مقيد به، وسواء العطف على لفظ شئ أو تقديره، إلا أن العطف على تقديره يضعف، فيكون من لا تكون زائدة فى الإثبات، وقد يجوز ذلك كله بناء على جواز زيادة من فى الإثبات. ولظهور أن من حسابهم لا يكون قيداً فى ذكرى ولو كان قيداً فى شئ. {ولكنْ ذِكْرى} ولكن عليهم ذكرى أى تذكيرهم بالنهى عن الخوض والاستهزاء، فذكرى اسم مصدر بمعنى تذكير مبتدأ خبره محذوف كما رأيت، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقاً، أى ولكن ذكروهم ذكرى أى تذكيراً، ويجوز أن يكون خبر المحذوف، أى ولكن نهيهم تذكير لهم عن موافقة الخائضين والسكون لهم، أو ولكن نهيهم تذكير للخائضين لعلهم يتركون الخوض بالنهى عن القعود إليهم. {لعلَّهم يتَّقُون} أى لعل الخائضين يتقون الخوض بتذكيرنا إياكم على القعود إليهم عند الخوض، أو لعل الخائضين يتقون الخوض بتذكير الذين يتقون إياهم، وتركهم الخوض لعله يكون بأن يؤمنون أو يستحيوا من الذين يتقون إذا نهوهم، ويكرهوا مساءتهم، ويجوز عود الضميرين إلى الذين يتقون أى لعل الذين يتقون يزيدون التقوى أو يدومون عليها، ولا يفسخونها بمجالسة الخائضين. واختلفوا فى قوله: {وما على الذين يتقون} الآية، فقيل: ترخيص ونسخ للنهى عن القعود مع الخائضين بشرط النهى، وقيل: إن النهى ورد أولا مطلقا، وقيده فى هذه الآية، وهو أنه يجوز القعود مع النهى، ويحتمل أن الأولى فيمن كان منظوراً إليه، فينهى وإن لم ينتهوا قام، والثانية فى غير المنظور إليه بنهى إن قدر، وإن لم ينتهوا قعد منكراً لذلك، أى ولكن ذكروهم إن قدرتم، وكذلك هذه الآية قيل لقوله تعالى: {أية : ولقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر} تفسير : الآية، فإنه مطلق، ويقيد بهذه الآية أى ولقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا تقعدوا معهم إلا أن تذكروهم، هذا مذهب الجمهور وهو أصح. وقال سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: هذه الآية نسخت بقوله: {أية : ولقد نزل عليكم فى الكتاب} تفسير : الآية، ثم إنه قيل: الآية مختصة بالمسجد وفى شأنه نزلت، من قدر على الإنكار فى المسجد فلينكر، ومن لم يقدر قعد بلا إنكار، ومن أنكر ولم يقبل عنه قعد، وقال بعض: السوق كالمسجد للحاجة، وقيل: كل من أنكر بلسانه جاز لهُ القعود إذا دعته حاجة مهمة، ولا يحسن هذا إلا لضرورة.

الالوسي

تفسير : {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} قال أبو جعفر عليه الرحمة: لما نزلت { أية : فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 68] الخ قال المسلمون لئن كنا نقوم كلما استهزأ المشركون بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت فنزلت، أي وما يلزم الذين يتقون قبائح أعمال الخائضين وأحوالهم. {مِنْ حِسَابِهِم} أي مما يحاسب الخائضون الظالمون عليه من الجرائر {مِن شَيْءٍ} أي شيء ما على أن (من) زائدة للاستغراق و {شَىْء } في محل الرفع مبتدأ و(ما) تميمية أو اسم لها وهي حجازية و {مِنْ حِسَابِهِم} كما قال أبو البقاء حال منه لأن نعت النكرة إذا قدم عليها أعرب حالاً. وليست {مِنْ} بمعنى الأجل خلافاً لمن تكلفه. و {عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} متعلق بمحذوف مرفوع وقع خبراً للمبتدأ أو لما الحجازية على رأي من لا يجيز إعمالها في الخبر المقدم مطلقاً أو منصوب وقع خبراً لما على رأي من يجوز إعمالها في الخبر المقدم عند كونه ظرفاً أو حرف جر. / {وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ} استدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم أن يذكروهم ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير ويظهروا لهم الكراهة والنكير. ومحل {ذِكْرِى} عند كثير من المحققين إما النصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكروهم تذكيراً أو الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي ولكن عليهم ذكرى، وجوز أبو البقاء النصب والرفع أيضاً لكن قدر في الأول نذكرهم ذكرى بنون العظمة، وفي الثاني هذه ذكرى، وإلى ذلك يشير كلام البلخي، ولم يجوز الزمخشري عطفه على محل {مِن شَيْءٍ} لأن (من حسابهم) يأباه إذ يصير المعنى: ولكن ذكرى من حسابهم وهو كما ترى. واعترض بأنه لا يلزم من العطف على مقيد اعتبار ذلك القيد في المعطوف، والعلامة الثاني يقول: إنه إذا عطف مفرد على مفرد لا سيما بحرف الاستدراك فالقيود المعتبرة في المعطوف عليه السابقة في الذكر عليه معتبرة في المعطوف البتة بحكم الاستعمال تقول: ما جاءني يوم الجمعة أو في الدار أو راكباً أو من هؤلاء القوم رجل ولكن امرأة فيلزم مجيء المرأة في يوم الجمعة وفي الدار وبصفة الركوب وتكون من القوم البتة ولم يجيء الاستعمال بخلافه ولا يفهم من الكلام سواه بخلاف ما جاءني رجل من العرب ولكن امرأة فإنه لا يبعد كون المرأة من غير العرب، قالوا: والسر فيه أن تقدم القيود يدل على أنها أمر مسلم مفروغ عنه وأنها قيد للعامل منسحب على جميع معمولاته وأن هذه القاعدة مخصوصة بالمفرد لذلك، وأما في الجمل فالقيد إن جعل جزءاً من المعطوف عليه وإن سبق لم يشاركه فيه المعطوف كما في قوله تعالى: { أية : إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [يونس: 49] على ما في «شرح المفتاح»، وهذا إذا لم تقم القرينة على خلافه كما في قولك: جاءني من تميم رجل وامرأة من قريش. وتخصيص هذه القاعدة بتقدم القيد وادعاء اطرادها كما ذكره بعض المحققين مما يقتضيه الذوق، ومنهم من عمها كما قال الحلبي: إن أهل اللسان والأصوليين يقولون: إن العطف للتشريك في الظاهر فإذا كان في المعطوف عليه قيد فالظاهر تقييد المعطوف بذلك القيد إلا أن تجيء قرينة صارفة فيحال الأمر عليها فإذا قلت: ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً فالظاهر اشتراك زيد وعمرو في الضرب مقيداً بيوم الجمعة، وإذا قلت: وعمراً يوم السبت لم يشاركه في قيده والآية من القبيل الأول فالظاهر مشاركته في قيده ويكفي في المنع وبحث فيه السفاقنسي وغيره فتدبر. ومن منع العطف على محل {مِن شَيْءٍ} لما تقدم منع العطف على {شَيْءٍ} لذلك أيضاً ولأن (من) لا تقدر عاملة بعد الإثبات لأنها إذا عملت كانت في قوة المذكورة المزيدة وهي لا تزاد في الإثبات في غير الظروف أو مطلقاً عند الجمهور. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم. وجوز أن يكون الضمير للذين يتقون أي لكن يذكر المتقون الخائضين ليثبت المتقون على تقواهم ولا يأثموا بترك ما وجب عليهم من النهي عن المنكر أو ليزدادوا تقوى بذلك. وهذه الآية ـ كما أخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبو الشيخ عن السدي وابن جبير ـ منسوخة بقوله تعالى النازل في المدينة { أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا } تفسير : [النساء: 140] الخ وإليه ذهب البلخي والجبائي وفي «الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ» أنه لا نسخ / عند أهل التحقيق في ذلك لأن قوله سبحانه: {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ} الخ خبر ولا نسخ في الأخبار فافهم.

ابن عاشور

تفسير : لمَّا كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتْبع الله النهي السابق بالعفو عمَّا تتلقَّفه أسماع المؤمنين من ذلك عَفْواً، فتكون الآية عذراً لما يطرق أسماعَ المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين. والمراد بـ {الَّذين يتَّقون} المؤمنون، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أوّل المتَّقين، فالموصول كتعريف الجنس فيكون شاملاً لجميع المسلمين كما كان قوله {أية : فأعرض عنهم}تفسير : [الأنعام: 68] حكمه شاملاً لبقية المسلمين بحكم التبع. وقال جمع من المفسّرين: كانت آية {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم}تفسير : [الأنعام: 68] خاصّة بالنبي صلى الله عليه وسلم وجاء قوله تعالى: {وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء} رخصة لغير النبي من المسلمين في الحضور في تلك المجالس لأنّ المشركين كان يغضبهم قيام النبي من مجالسهم. ونسب هذا إلى ابن عبَّاس، والسديّ، وابن جبير، فيكون عموم الموصول في قوله: {الذين يتَّقون} مخصوصاً بما اقتضته الآية التي قبلها. وروى البغوي عن ابن عبَّاس قال: لمَّا نزلت {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم}تفسير : [الأنعام: 68] قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً. فأنزل الله عزّ وجلّ {وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء} يعني إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعةُ ما يقولون في حال مجانبتكم إيَّاهم إذ ليس عليكم جرى ذلك وما عليهم أن يمنعوهم. وقوله: {وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء} تقدّم تفسير نظيره آنفاً، وهو قوله: {أية : ما عليك من حسابهم من شيء}تفسير : [الأنعام: 68]. ثمّ الحساب هنا مصدر مضاف إلى ضمير الذين يخوضون في الآيات. فهذا المصدر بمنزلة الفعل المبني للمجهول فيحتمل أن يكون فاعله {الذين يتَّقون} على وزان ما تقدّم في قوله: {أية : ما عليك من حسابهم من شيء}تفسير : [الأنعام: 52]، أي ما على الذين يتَّقون أن يحاسِبُوا الخائضين، أي أن يمنعوهم من الخوض إذ لم يكلّفهم الله بذلك لأنَّهم لا يستطيعون زجر المشركين، ويحتمل أن يكون فاعله الله تعالى كقوله: {أية : ثمّ إنّ علينا حسابهم}تفسير : [الغاشية: 26] أي ما على الذين يتَّقون تبعة حساب المشركين، أي ما عليهم نصيب من إثم ذلك الخوض إذا سمعوه. وقوله: {ولكن ذكرى} عطفت الواو الاستدراكَ على النفي، أي ما عليهم شيء من حسابهم ولكن عليهم الذكرى. والذكرى اسم مصدر ذكَّر ـــ بالتشديد ـــ بمعنى وعظ، كقوله تعالى: {أية : تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب}تفسير : [ق: 8]، أي عليهم إن سمعُوهم يستهزئون أن يعظُوهم ويُخوّفوهم غضب الله فيجوز أن يكون {ذكرى} منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله. والتقدير: ولكن يُذكّرونهم ذكرى. ويجوز أن يكون ذكرى مرفوعاً على الابتداء، والتقدير: ولكن عليهم ذكرى. وضمير {لعلَّهم يتَّقون} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {حسابهم} أي لعلّ الذين يخوضون في الآيات يتَّقون، أي يتركون الخوض. وعلى هذا فالتقوى مستعملة في معناها اللغوي دون الشرعي. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى {الذين يتَّقون}، أي ولكن عليهم الذكرى لعلَّهم يتَّقون بتحصيل واجب النهي عن المنكر أو لعلَّهم يستمرّون على تقواهم. وعن الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، أي قوله: {أية : وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}تفسير : [الأنعام: 68] تذكرة لك وليست مؤاخذة بالنسيان، إذ ليس على المتَّقين تبعة سماع استهزاء المستهزئين ولكنّا ذكَّرناهم بالإعراض عنهم لعلَّهم يتَّقون سماعهم. والجمهور على أنّ هذه الآية ليست بمنسوخة. وعن ابن عبَّاس والسدّي أنَّها منسوخة بقوله تعالى في سورة [النساء: 140] {أية : وقد نزّل عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتم آيات الله يُكْفَرُ بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخُوضُوا في حديث غيره إنَّكم إذن مثلهم} تفسير : بناء على رأيهم أنّ قوله: {أية : وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء}تفسير : [النساء: 140] أباح للمؤمنين القعود ولم يمنعه إلاّ على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم}تفسير : [الأنعام: 68] كما تقدّم آنفاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 69- وليس على الذين يتقون الله شئ من إثم هؤلاء الظالمين، إذا استمروا على ضلالهم، ولكن يجب أن يُذكِّروهم، لعلهم يخشون عذاب الله ويكفون عن الباطل. 70- واترك - أيها النبى - الذين اتخذوا شريعتهم اللهو واللعب، وخدعتهم الحياة الدنيا عن الآخرة، وذَكِّر دائماً بالقرآن، وحذرهم هول يوم تحبس فيه كل نفس بعملها، حيث لا ناصر ولا معين غير الله، وإن كل فدية للنجاة من العذاب لا تقبل. أولئك الكافرون الذين حبسوا فى العذاب بسبب ما عملوا من شر، لهم فى جهنم شراب من ماء شديد الحرارة، وعذاب شديد الألم بسبب كفرهم. 71- قل لأولاء الكفار توبيخاً لهم، هل يصح أن يعبد غير الله مما لا يملك جلب نفع، ولا دفع ضر، وننتكس فى الشرك بعد أن وفقنا الله إلى الإيمان، ونكون كالذى غررت به الشياطين وأضلته فى الأرض، فصار فى حيرة لا يهتدى معها إلى الطريق المستقيم، وله رفقة مهتدون يحاولون تخليصه من الضلال، قائلين له: ارجع إلى طريقنا السوى، فلا يستجيب لهم. قل - أيها النبى -: إن الإسلام هو الهدى والرشاد، وما عداه ضلال، وقد أمرنا الله بالانقياد له، فهو خالق العالمين ورازقهم ومدبر أمورهم. 72- أعرضوا عن المشركين بعد أن تدعوهم إلى الهدى، وانصرفوا إلى عبادة ربكم، وأدوا الصلاة على أكمل وجه من الخضوع، وخافوا الله، وأدوا أوامره، فإنه هو الذى تجمعون عنده.

د. أسعد حومد

تفسير : (69) - وَلَيْسَ عَلَى المُؤْمنينَ المُتَّقِينَ شَيءٌ مِنْ حِسَابِ الخَائِضِينَ فِي آيَاتِ اللهِ، فَلا يُحَاسَبُونَ عَلَى خَوْضِهِمْ فِيها، وَلاَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَعَمْالِهِمْ، إذْ هُمْ تَجَنَّبُوهُمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُمْ، كَمَا أُمِرُوا. وَلكِنْ عَلَى المُؤْمِنينَ أَنْ يُعْرِضُوا عَنْ هَؤُلاءِ الخَائِضِينَ امْتَثَالاً لأَِمْرِ اللهِ، وَتَذْكِيراً لِهؤُلاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَيَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَيَاءً أَوْ كَرَاهَةً لِمَسَاءَتِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي أنك إذا كنت معهم وخاضوا في الحديث فقمت من مجلسهم أو نسيت وقعدت ثم تذكرت فقمت، فأنت تلفتهم إلى أنّ ما أقامك من مجلسهم هو شيء أكثر أهمية من هذا المجلس، إنه احترام تكليف الله فيما أمرك به ونهاك عنه، وليس عليك ولا على الذين يتقون الله من أوزار هؤلاء الظالمين من شيء، وليس عليكم من حسابهم من شيء، ومجرد قيامكم من مجلسهم هو تذكرة لهم لعلهم يتفكرون في منطق الحق ويخشون الله ويبعدون أنفسهم عن الوقوع في الباطل حتى يكونوا في وقاية من عذاب الله وسخطه. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ...}

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 270 : 9 : 2 - سفين عن السدي عن سعيد بن جبير وأبي مالك {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} قال مسآتهم. [الآية 69]. 271 : 10 : 3 - سفين عن السدي عن سعيد بن جبير وأبي مالك قالا، ثم نزلت {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}تفسير : . الآية [النساء: 140].