٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
القرطبي
تفسير : أي لا تعلّق قلبك بهم فإنهم أهل تَعنُّت وإن كنت مأموراً بوَعْظِهم. قال قتادة: هذا منسوخ، نسخه {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]. ومعنى {لَعِباً وَلَهْواً} أي استهزاءً بالدين الذي دعوتهم إليه. وقيل: استهزءوا بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به. والاستهزاء ليس مُسَوَّغاً في دين. وقيل: «لَعِباً وَلَهْواً» باطلاً وفرحاً، وقد تقدّم هذا. وجاء اللّعب مقدّماً في أربعة مواضع، وقد نُظمت:شعر : إذا أتى لعب ولهو وكم من موضع هو في القُران فحرف في الحديد وفي القتال وفي الأنعام منها موضعان تفسير : وقيل: المراد بالدِّين هنا العِيدُ. قال الكلبيّ: إن الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلّون فيه لله تعالى، وكل قوم اتّخذوا عيدهم لعباً ولهواً إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم اتخذوه صلاة وذكراً وحضوراً بالصدقة، مثل الجمعة والفطر والنحر. قوله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا. قوله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ} أي بالقرآن أو بالحساب. {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي تُرْتَهن وتُسلم للْهَلَكة؛ عن مجاهد وقتادة والحسن وعِكْرمة والسُّدِّي. والإبسال: تسليم المرء للهلاك؛ هذا هو المعروف في اللغة. أبْسلتُ ولدي أرهنته؛ قال عَوْف بن الأحوص بن جعفر:شعر : وإبْسالِي بَنِيَّ بغيْر جُرْمٍ بَعَوْناه ولا بِدَمٍ مُرَاقِ تفسير : «بَعَوْناه» بالعين المهملة معناه جنيْناه. والبَعْوُ الجِناية. وكان حَمَل عن غَنِيٍّ لبني قُشيرٍ دَمَ ٱبني السُّجَيْفَة فقالوا: لا نرضى بك؛ فرهنَهم بَنِيّه طلباً للصلح. وأنشد النابغة الجعدي:شعر : ونحن رَهنّا بالأُفاقة عامراً بما كان في الدَّرْدَاء رَهْناً فأُبسِلاَ تفسير : الدرداء: كتيبة كانت لهم. {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} تقدّم معناه. قوله تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} الآية. العدل الفدْية، وقد تقدم في «البقرة». والحَمِيم الماء الحارّ؛ وفي التنزيل {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} تفسير : [الحج: 19] الآية. {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } تفسير : [الرحمن: 44]. والآية منسوخة بآية القتال. وقيل: ليست بمنسوخة؛ لأن قوله: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُوا دِينَهُمْ} تهديد؛ كقوله: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ}تفسير : [الحجر: 3]. ومعناه لا تحزن عليهم؛ فإنما عليك التبليغ والتذكير بإبسال النفوس. فمن أبسل فقد أسلم وٱرتُهن. وقيل: أصله التحريم، من قولهم: هذا بَسْلٌ عليك أي حرام؛ فكأنهم حُرِموا الجنة وحُرِّمت عليهم الجنة. قال الشاعر:شعر : أجارتْكُم بَسْلٌ علينا مُحَرّمٌ وجارتنا حِلٌّ لكم وحَلِيلُها تفسير : والإبسال: التحريم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي: دعهم، وأعرض عنهم، وأمهلهم قليلاً؛ فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال: وذكر به، أي: ذكر الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة، وقوله تعالى {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي: لئلا تبسل، قال الضحاك عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والحسن والسدي: تبسل: تسلم، وقال الوالبي عن ابن عباس: تفتضح. وقال قتادة: تحبس، وقال مرة وابن زيد: تؤاخذ، وقال الكلبي: تجزى، وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها: الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب؛ كقوله: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [المدثر: 38 - 39] وقوله: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} أي لا قريب، ولا أحد يشفع فيها، كقوله: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [البقرة: 254] وقوله: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} أي: ولو بذلت كل مبذول، ما قبل منها؛ كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا} تفسير : [آل عمران: 91] الآية، وكذا قال ههنا: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَذَرِ } اترك {الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ } الذي كلفوه {لَعِباً وَلَهْواً } باستهزائهم به {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } فلا تتعرض لهم، وهذا قبل الأمر بالقتال {وَذَكِّرْ } عِظْ {به } بالقرآن الناس ل {أن} لا {تُبْسَلَ نَفْسٌ } تُسْلَم إلى الهلاك {بِمَا كَسَبَتْ } عملت {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {وَلِيُّ } ناصر {وَلاَ شَفِيعٍ } يمنع عنها العذاب {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } تفدِ كُلَّ فِدَاءٍ {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } ما تفدي به {أُوْلَٱئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } ماء بالغ نهاية الحرارة {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } بكفرهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} فيهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار الذين يستهزئون بآيات الله إذا سمعوها، قاله علي بن عيسى. والثاني: أنه ليس قوم لهم عيد يلهون فيه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير، قاله الفراء. {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} يحتمل وجهين: أحدهما: معناه وغرتهم الحياة الدنيا بالسلامة فيها، ونيل المطلوب منها. والثاني: معناه وغرتهم الدنيا بالحياة والسلامة منها، فيكون الغرور على الوجه الأول بالحياة، وعلى الثاني بالدنيا. {وَذَكَّرَ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} قيل معناه أن لا تبسل كما قال تعالى: {أية : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] بمعنى أن لا تضلوا. وفي قوله: {أَن تُبْسَلَ} ستة أوجه: أحدها: أن تسلم، قاله الحسن، وعكرمة، ومجاهد، والسدي. والثاني: أن تُحْبَس، قاله قتادة. والثالث: أن تُفْضح، قاله ابن عباس. والرابع: أن تُؤْخَذ بما كسبت، قاله ابن زيد. والخامس: أن تُجْزَى، قاله الكلبي. والسادس: أن تُرْتَهن، قاله الفراء، من قولهم أسد باسل لأن فريسته مُرْتَهَنَة معه لا تَفْلِت منه، ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي: شعر : وإبسالي بني بغير جرم بعوناه ولا بدم مراق تفسير : وقوله: بعوناه أي جنيناه، وأصل الإبسال التحريم من قولهم: شراب بَسْل اي حرام، قال الشاعر: شعر : بَكَرت تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ في النَّدى بسلٌ عليكِ مَلاَمَتِي وَعِتَابي تفسير : أي حرام عليك. وفي قوله تعالى: {...وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} تأويلان: أحدهما: معناه وإن تفد كل فدية من جهة المال والثروة، قاله قتادة، والسدي، وابن زيد. والثاني: من جهة الإِسلام والتوبة، قاله الحسن. واختلف في نسخها على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُم} تفسير : [التوبة: 5] قاله قتادة. والثاني: أنها ثابتة على جهة التهديد كقوله تعالى: {أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} تفسير : [المدثر: 11]، قاله مجاهد.
ابن عطية
تفسير : هذا أمر بالمشاركة وكان ذلك بحسب قلة أتباع الإسلام حينئذ، قال قتادة: ثم نسخ ذلك وما جرى مجراه بالقتال، وقال مجاهد: الآية إنما هي للتهديد والوعيد فهي كقوله تعالى: {أية : ذرني ومن خلقت وحيدأ} تفسير : [المدثر:11] وليس فيها نسخ لأنها متضمنة خبراً وهو التهديد، وقوله {لعباً ولهواً} يريد إذ يعتقدون أن لا بعث فهم يتصرفون بشهواتهم تصرف اللاعب اللاهي، {وغرتهم الحياة الدنيا} أي خدعتهم من الغرور وهو الإطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله ورزقه وإمهاله وطمعهم ذلك فيما لا يتحصل من رحمته. قال القاضي أبو محمد: ويتخرج في {غرتهم} هنا وجه آخر من الغَرور بفتح العين أي ملأت أفواههم وأشبعتهم، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ولما التَقَيْنَا بالحَنِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْروفِهِ حتّى خَرَجتُ أُفَوِّقُ تفسير : ومنه غر الطائر فرخه، ولا يتجه هذا المعنى في تفسير "غر" وفي كل موضع وأضاف الدين إليهم على معنى أنهم جعلوا اللعب واللهو ديناً، ويحتمل أن يكون المعنى اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعباً ولهواً، والضمير في {به} عائد على الدين، وقيل: على القرآن، و {أن تبسل} في موضع المفعول أي لئلا تبسل أو كراهية أن تبسل، ومعناه تسلم، قال الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تحبس وترتهن، وقال ابن عباس: تفضي وقال الكلبي وابن زيد: تجزى، وهذه كلها متقاربة بالمعنى، ومنه قول الشنفرى: [الطويل] شعر : هنالك لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي سَمِيرَ اللَّيالي مُبْسَلاً بالجَرَائِرِ تفسير : وقال بعض الناس هو مأخوذ من البَسَل أي من الحرام كما قال الشاعر [ضمرة النهشاني]: [الكامل] شعر : بَكَرَتْ تَلُومُكَ بِعْدَ وَهْنٍ في النَّدَى بَسل عَلَيْك مَلامَتِي وعِتابي تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، و {نفس} تدل على الجنس، ومعنى الآية وذكر بالقرآن والدين وادع إليه لئلا تبسل نفس التارك للإيمان بما كسبت من الكفر وآثرته من رفض الإسلام، وقوله تعالى: {ليس لها من دون الله} في موضع الحال، و {من} لابتداء الغاية ويجوز أن تكون زائدة و {دون} ظرف مكان وهي لفظة تقال باشتراك، وهي في هذه الآية الدالة على زوال من أضيفت إليه من نازلة القول كما في المثل: شعر : وأمر دون عبيدة الودم تفسير : والولي والشفيع هما طريقا الحماية والغوث في جميع الأمور {وإن تعدل كل عدل} أي وإن تعط كل فدية، وإن عظمت فتجعلها عدلاً لها لا يقبل منها، وحكى الطبري عن قائل ان المعنى وإن تعدل من العدل المضاد للجور، ورد عليه وضعّفه بالإجماع على أن توبة الكافر مقبولة. قال القاضي أبو محمد: ولا يلزم هذا الرد لأن الأمر إنما هو يوم القيامة ولا تقبل فيه توبة ولا عمل، والقول نص لأبي عبيدة، و "العدل" في اللغة مماثل الشيء من غير جنسه، وقبل: العِدل بالكسر المثل والعَدل بالفتح القيمة، و {أولئك} إشارة إلى الجنس المدلول عليه بقوله {تبسل نفس} ، و {ابسلوا} معناه أسلموا بما اجترحوه من الكفر، و "الحميم" الماء الحار، ومنه الحمام والحمة ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] شعر : إلا الحَميمَ فإنَّه يَتَبَصَّعُ تفسير : "وأليم" فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَذَرِ الَّذِينَ} منسوخة، أو محكمة على جهة التهديد، كقوله {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ}تفسير : [المدثر: 11]. {دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} استهزاؤهم بالقرآن إذا سمعوه، أو لكل قوم عيد يلهون فيه إلا المسلمون فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبرّ وخير. {أَن تُبْسَلَ} تُسْلَم، أو تُحبس، أو تُفضح، أو تؤخذ بما كسبت أو تجزى، أو ترتهن، أسد باسل: يرتهن الفريسة بحيث لا تفلت، وأصل الإبسال: التحريم، شراب بسيل: حرام. قال: شعر : بَكَرت تلومك بَعْدَ وَهنٍ في الندى بَسْلٌ عليكِ ملامتي وعتابي تفسير : {وَإِن تَعْدِلْ} تفتدِ بكل مال، أو بالإسلام والتوبة.
الخازن
تفسير : {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} الخطاب للنبي. يعني: وذر يا محمد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً وذلك حيث سخروا به واستهزؤوا به وقيل إنهم اتخذوا عبادة الأصنام لعباً ولهواً. وقيل: إن الكفار كانوا إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه. وقيل إن الله جعل لكل قوم عيداً فاتخذ كل قوم دينهم يعني عيدهم لعباً ولهواً يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة وتكبيراً وفعل الخير فيه مثل عيد الفطر وعيد النحر ويوم الجمعة {وغرتهم الحياة الدنيا} يعني أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين الحق واتخذوا دينهم لعباً ولهواً ومعنى الآية: وذرْ يا محمد الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً واتركهم ولا تبالِ بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف وهو قول قتادة والسدي. وقيل: إنه خرج مخرج التهديد فهو كقوله {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] وهذا قول مجاهد فعلى هذا تكون الآية محكمة. وقيل: المراد بالإعراض عنهم: ترك معاشرتهم ومخالطتهم لا ترك الإنذار والتخويف ويدل عليه قوله: {وذكر به} يعني وذكر بالقرآن وعِظْ به هؤلاء المشركين {أن تبسل نفس بما كسبت} أي لئلا تبسل نفس وأصل البسل في اللغة: التحريم وضم الشيء ومنعه. وهذا عليك بسل: أي حرام ممنوع. فمعنى تبسل نفس بما كسبت: ترتهن وتحبس في جهنم وتحرم من الثواب بسب بما كسبت من الآثام. وقال ابن عباس: تبسل تهلك. وقال قتادة: تحبس يعني في جهنم. وقال الضحاك: تحرق بالنار. وقال ابن زيد: تؤخذ يعني بما كسبت. وقيل: تفضح. والمعنى: وذكرهم بالقرآن ومواعظه وعرفهم الشرائع لكي لا تهلك نفس وترتهن في جنهم بسبب الجنايات التي اكتسبت في الدنيا وتحرم الثواب في الآخرة {ليس لها} يعني لتلك النفس التي هلكت {من دون الله ولي} أي قريب يلي أمرها {ولا شفيع} يعني يشفع لها في الآخرة {وإن تعدل كل عدل} يعني وإن تفتد بكل فداء والعدل الفداء {لا يؤخذ منها} يعني العدل وتلك الفدية {أولئك الذين} إشارة إلى الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا {أبسلوا بما كسبوا} يعني أسلموا إلى الهلاك بسبب ما اكتسبوا {لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} ذلك لهم بسبب كفرهم. قوله تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائك أندعو يعني أنعبد من دون الله يعني الأصنام التي لا تنفع من عبدها ولا تضر من ترك عبادتها {ونرد على أعقابنا} يعني ونرد إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} يعني إلى دين الإسلام والتوحيد {كالذي استهوته الشياطين في الأرض} يعني كالذي ذهبت به الشياطين فألقته في هوية من الأرض وأصله من الهوى وهو النزول من أعلى إلى أسفل {حيران} يقال: حارَ فلان في الأمر، إذا تردد فيه فلم يهتد إلى الصواب ولا المخرج منه {له أصحاب يدعونه إلى الهدى} يعني لهذا المتحير الذي استهوته الشياطين أصحاب على الطريق المستقيم {ائتنا} يعني يقولون له ائتنا وهذا مثل ضربه الله لمن يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولمن يدعو إلى عبادة الله عز وجل الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقة ضل به الغول والشيطان عن الطريق المستقيم فجعل أصحابه ورفقته يدعونه إليهم يقولون: هلم إلى الطريق المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم {قل إن هدى الله هو الهدى} يعني أن طريق الله الذي أوضحه لعباده ودينه الذي شرعه لهم هو الهدى والنور والاستقامة لا عبادة الأصنام ففيه زجر عن عبادتها كأنه يقول لا تفعل ذلك فإن هدى الله هو الهدى لا هدى غيره {وأمرنا لنسلم} أي وأمرنا أن نسلم ونخلص العبادة {لرب العالمين} لأنه هو الذي يستحق العبادة لا غيره.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً}: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جَرَىٰ مجراه بالقتَالِ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: {أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} تفسير : [المدثر:11]، وليس فيها نَسْخٌ؛ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا}، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فٱغترُّوا بنعم اللَّه وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، وٱعْلَمْ أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا؛ كما ٱغترَّ بها الحمقَىٰ، بل جعل همَّهُ واحداً؛ هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه؛ وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً؛ هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ؛ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ»تفسير : . انتهى من «الكوكب الدريِّ». وقوله سبحانه: {وَذَكِّرْ بِهِ}: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في {بِهِ} به عائدٌ على الدِّين، و {أَن تُبْسَلَ} في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ؛ قاله الحسن وعكرمة وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح، وقال ابن زيد: تُجْزَىٰ، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنَىٰ؛ ومنه قول الشَّنْفَرَىٰ: [الطويل] شعر : هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ تفسير : وباقي الآية بيِّن. {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ}، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: {وَإِن تَعْدِلْ}، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور؛ وردَّه الطبريُّ بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً. قال * ع *: ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ. قلْتُ: وأجلَىٰ من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة علَىٰ معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها؛ لاختلال شَرْطه، وهو الإيمانُ، و {أُبْسِلُواْ}: معناه: أُسْلِمُوا بما ٱجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ؛ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة. وقوله سبحانه: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}، المعنى: قل في ٱحتجاجِكَ: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها؛ لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكَّل، و {مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}: يعني: الأصنام، {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا}: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقَرىٰ، وهي المِشْية الدنيَّة؛ فٱستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ. وقوله سبحانه: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، و {ٱسْتَهْوَتْهُ}: بمعنى: ٱستدعَتْ هواه وأمالته، و {هَدَانَا}: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدَىٰ نعبد الأصنام؛ فيكون ذلك منَّا ٱرتداداً على العَقِبِ؛ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فٱستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائراً. وقوله: {لَهُ أَصْحَـٰبٌ}: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ٱرتدَّ إلى الرجوع إلى الهدَىٰ، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباسٍ، و {ٱئْتِنَا} من الإِتيان، بمعنى المجِيءِ، وقول من قال: إِن المراد بـ {ٱلَّذِي}؛ في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه ـــ قول ضعيفٌ؛ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي»، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ؛ {أية : إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} تفسير : [التوبة:40]، وقوله: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ...} تفسير : [النور:22]؛ إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ. قال * ع *: حدثني أبي (رضي اللَّه عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث؛ فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدَىٰ بقوله: {ٱئْتِنَا}، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ. قال * ع *: وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة. وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ يَقُولُ} «يوم»: نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: وٱذكرِ الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، وٱذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً. وقوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ}، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ»تفسير : ، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : "اتَّخّذُوا" فيها وجهان: أحدهما: أنها مُتَعَدِّيَةٌ لواحد، على أنها بمعنى "اكتسبوا" و "عملوا"، و "لهواً ولعباً" على هذا مفعول من أجله؛ أي: اكتسبوه لأجل اللهو واللعب. والثاني: أنها المُتَعَدِّية إلى اثنين: أولهما "دينهم" وثانيهما "لعباً ولهواً". قال أبو حيَّان: ويظهر من بعض كلام الزمخشري، وكلام ابن عطية أنَّ "لعباً ولهواً" هو المفعول الأوَّل، و "دينهم" هو المفعول الثاني. قال الزمخشري: أي دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لَعِباً ولهواً، وذلك أن عبادتهم وما كانوا عليه من تَبْحِير البَحَائِرِ وتسييب السَّوائبِ من باب اللَّهْوِ واللعب, واتِّباعِ هوى النفسن وما هو من جِنْسِ الهَزْلِ لا الجدِّ، أو اتخذوا ما هولَعِبٌ ولهو من عبادة الأصنام دِيناً لهم، أو اتخذوا دينهم الذي كُلِّفُوهُ، وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به؛ قال: "فظاهر تقديره الثاني يدلّ على ما ذكرنا". وقال ابن عطيَّة: "وأضاف الذِّبنَ إليهم على مَعْنَى أنهم جعلوا اللَّعِبَ واللهو ديناً, ويختمل أن يكون المعنر: اتخذوا دِينَهُمُ الذي كان يَنْبَغِي لهم لعباً ولهواً, فتفسيره الأوَّلُ هو ما ذكرناه عنه". انتهى. قال شهاب الدين: وهذا الذي ذَكَرَاهُ إنما ذَكَرَاهُ تفسير معنى لا تفسير إعراب، وكيف يجعلان النكرة مَفْعُولاً أوَّل، والمعرفة مفعولاً ثانياً من غير داعية إلى ذلك، مع أنهما من أكابر أهْلِ هذا اللسان، وانظر كيف أبرزا ما جَعَلاَهُ مفعولاً أول معرفة، وما جعلاه ثانياً نكرة في تركيب كلامها [يخرج] على كلام العرب، فكيف يظن بهما أن يجعلا النكرة محدثاً عنها، والمعرفة حديثاً في كلام الله تعالى؟ قوله تعالى: و {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} تحتمل وجهين: أحدهما: أنها مستأنفة. والثاني: أنها عطف على صلة "الَّذين"، أي: الذين اتَّخّذُوا وغرَّتْهُم، وقد تقدم معنى "الغُرُور" في آخر آل عمران. وقيل: هنا: غَرَّتْهُمْ من "الغَرّ" بفتح الغين، أي: ملأت أفواههم وأشبعتهم، وعليه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2199- وَلَمَّا الْتَقَيْنَا بِالحُلَيْبَةِ غَرَّنِي بِمَعْرُوفِهِ حَتَّى خَرَجْتُ أفُوقُ تفسير : فصل في معنى الآية المُرَادُ من هولاء الذي اتخذوا دينهُمْ لعباً ولهواً، يعني الكفار الذين إذا سَمِعُوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا. وقيل: إن الله - تعالى - جعل لكل قوم عِيداً واتَّخَذَ كل قوم دينهم؛ أي عيدهم لعباً ولهواً، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير، وفعل الخير مثل الجُمُعَةِ والفِطْرِ والنَّحْر. وقيل: إن الكُفَّارَ كانوا يحكمون في دين الله بمجرَّدِ [التشهِّي والتمني مثل تحريم] السَّوائبِ والبَحَائِرِ. وقيل: اتخاذهم الأصنام وغيرها ديناً لهم. وقيل: هم الذين ينصرون الدين ليتوسَّلُوا به إلى أخْذِ المناصِبِ والرِّيَاسَةِ، وغلبة الخَصْمِ، وجمع الأموال، فهولاء الذين [نصروا الدِّين] لأجل الدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لَعِبٌ ولَهْوٌ. ويؤكِّدُ هذا الوَجْهَ قوله تعالى: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}. قوله: "وذكِّر بِهِ" أي: بالقرآن، يَدُلُّ له قوله: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق:45] وقيل: يعود على "حِسَابِهِمْ". وقيل: على "الدّين" أي: الذي يجب عليهم أن يَتَداينُوا، ويعتقدوا بصحته. وقيل: هذا ضمير يفسره ما بعده، وسيأتي إيضاحه. قوله: "أنْ تُبْسَلَ" في هذا وجهان: المشهور - بل الإجماع - على أنه مفعول من أجْلِهِ، وتقديره: مَخَافَة أن تُبْسَلَ، أو كراهة أن تُبْسَلَ أو ألاَّ تبسل. والثاني: قال أبو حيَّان بعد أن نقل الاتِّفاقَ على المفعول من أجله: "ويجوز عندي أن يكون في موضع جرِّ على البدلِ من الضمير، والضمير مفسّر بالبَدَلِ، ويضمر الإبْسَالُ لما في الإضمار من التَّفْخيمِ، كما أضمروا ضمير الأمْرِ والشَّأنِ، والتقدير: وذكِّرْ بارتهان النفوسن وحبسها بما كسبت، كما قالوا: "اللهم صَلِّ عليه الرءوف الرحيم"، وقد أجاز ذلك سيبويه؛ قال: فإن قلت: ضربت وضربوني قومك، نَصَبْتَ إلا في قول من قال: "أكلوني البراغيث" أو تحمله على البَدَل من المضمر. وقال أيضاً: فإن قلت: "ضربني وضربتهم قومك، رفعت على التقديم والتأخير إلا أن تجعل هاهنا البدل, كما جعلته في الرفع". انتهى. وقد روي قوله: [الطويل] شعر : 2200- ....................... ...... فاسْتَاكَتْ بِهِ عُودِ إسْحِلِ تفسير : بجر "عُود" على البدل من الضمير. قال شهاب الدين: أما تفسير الضمير غير المرفوع بالبدل، فهو قول الأخفش، وأنشد عليه هذا العَجُزَ وأوله: [الطويل] شعر : 2201- إذَا هِيَ لَمْ تَسْتَك بِعُودِ أرَاكَةٍ تُنُخِّلَ فَاسْتاكَتْ بِهِ عُودِ إسْحِلِ تفسير : والبيت لطُفَيْلٍ الغَنَوِيّ، يروى برفع "عُود"، وهذا هو المشهور عند النُّحَاةِ، ورفعه على إعمال الأول، وهو "تُنُخِّلَ"، وإهمال الثاني وهو "فَاسْتَاكَتْ"، فأعطاه ضميره، ولو أعمله لقال: "فاستاكت بعود إسحل"، ولا يكن لانكسار البيت، والرواية الأخرى التي استشهد بها ضعيفة جدّاً لا يعرفها أكثر المُعْرِبينَ، ولو استشهد بما لا خلاف عليه فيه كقوله: [الطويل] شعر : 2202 - عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي القَوْمِ حَاتِماً عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بالمَاءِ حَاتِمِ تفسير : بجر "حاتم" بدلاً من الهاء في "جوده"، والقوافي مجرور لكان أوْلَى. والإبْسَالُ: الارتهان، ويقال: أبْسَلْتُ ولدي وأهلي، أي أرْتَهَنْتُهُمْ؛ قال: [الوافر] شعر : 2203- وإبْسِالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ بَعَوْنَاهُ ولا بِدّمٍ مُرَاقِ تفسير : بَعَوْنَا: جَنَيْنَا والبَعْوُ: الجِنَاية. وقيل: الإبْسَالُ أن يُسْلِمَ الرجل نفسه للهَلَكَةِ وقال الراغب: "البَسْلُ: ضَمُّ الشيء ومنعه، ولتَضَمُّنِهِ معنى الضَّمِّ استعير لتَقَطُّبِ الوَجْهِ، فقيل: هو باسل ومُبْتسلٌ الوجه، ولتضمينه معنى المنع قيل للمُحَرَّم والمرتهن: بَسْلٌ"، ثم قال: والفرقُ بين الحرام والبَسْل أنَّ الحرام عام فيما كان ممنوعاً منه بالقَهْرِ والحكم، والبَسْلُ هو الممنوع بالقَهْرِ، وقيل للشجاعة: بَسَالَة؛ إما لما يوصف به الشجاع من عُبُوس وَجْهِهِ، ولأنه شديد البُسُورَةِ يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه، وقال تعالى: {أية : ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} تفسير : [المدثر:22] فإذا زاد قالوا بَسَلَ، أو لكونه محرماً على أقرانه، أو لأنه يَمْنع ما في حَوْزتِهِ، وما تحت يده من أعدائه والبُسْلَةُ، أجْرَةُ الرَّاقِي مأخوذة من قول الرَّاقي: أبْسَلْتُ زيداً؛ أي: جَعَلْتُهُ مُحَرَّماً على الشيطان، أو جعلته شجاعاً قويَّا على مُدافعتِهِ، و"بَسَل" في معنى "أجَلْ" و"بَسْ". أي: فيكون حَرْفَ جواب كـ "أجل"، واسم فعل بمعنى اكتف كـ "بس". وقوله "بما" متعلّق بـ "تُبْسَلَ"، أي بسبب، و"ما" مصدرية، أو بمعنى "الذي"، أو نكرة وأمرها واضح. فصل في معنى التبسل قال مجاهد وعكرمة والسدي: قال ابن عبَّاس: "تُبْسَل": تَهْلِكُ، وروي عن ابن عباس تُرتهنُ في جَهنَّم بما كسبت في الدنيا، وهو قول الفراء. وقال قتادة: تُحْبَسُ في جهنم. وقال الضحاك: تُحْرَقُ. وقال الأخفش: تُجَازَى. وروي عن ابن عباس: تُفضحُ وقال ابن زيد: تُؤخَذُ. قوله: "لَيْسَ لَهَا" هذه الجملة فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مُسْتأنَفَةٌ سِيقَتْ للإخبار بذلك. والثاني: أنها في مَحَلِّ رفع صفة لـ "نفس". والثالث: أنها في مَحَلِّ نَصْب حالاً من الضمير في "كسبت". قوله: "مِنْ دُون" في "مِنْ" وجهان: أظهرهما: أنها لابْتِدَاءِ الغاية. والثاني: أنها زَائِدَةٌ نقله ابن عطية، وليس بشيء, وإذا كانت لابتداء الغايةِ، ففيما يتعلَّق به وجهان: أحدهما: أنها حالٌ من "وليّ"؛ لأنها لو تأخَّرَتْ لكانت صِفَةً له فتتعلَّقُ بمحذوف هو حال. الثاني: أنها خبر "ليس" فتتعلَّق بمحذوف أيضاً وهو خبر لـ "ليس"، وعلى هذا فيكون "لها" متعلقاً بمحذوف على البيان، كما تقدم نظيره، و "من دون الله" فيه حذف مُضَاف أي: من دون عذابه وجزائه وَليّ ولا شفيع يشفع لها في الآخرة. قوله: "وإن تَعْدِل" أي: تَفْتَدِي "كُلَّ عَدْلٍ": كُلّ فداء، و "كل" منصوب على المصدرية؛ لأن "كل" بحسب ما تضاف إليه هذا هو المشهور، ويجوز نَصْبُهُ على المفعول به؛ أي: وإن تَفدِ يَداهَا كُلَّ ما تَفْدِي به لايُؤخَذُ، فالضمير في "لا يؤخَذُ" على الأوَّل، قال أبو حيَّان: "عائد على المَعْدُولِ به المفهوم من سياق الكلام، ولا يعود إلى المصدر؛ لأنه لا يُسْنَدُ إليه الأخْذُ، وأما في {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة:48] فبمعنى المَفْدِيَّ به فيصح" انتهى. أي: إنه إنما أسند الأخْذَ إلى العَدْلِ صريحاً في "البقرة"؛ لأنه ليس المراد المصدر، بل الشيء المَفْدِيَّ به، وعلى الثَّاني يعود على "كل عدل"؛ لأنه ليس مصدراً فهو كآية البقرة. وقال ابن الخطيب: ويكن حَمْلُ الأخذ هنا بمعنى القَبُولِ؛ قال تعالى {أية : وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة:104] أي: يقبلها وإذا [ثبت هذا فيُحْمَلُ] الأخذ هاهنا على القبول ويزول المحذور، وفي إسناد الأخْذِ إلى المصدر عبارة عن الفعل يعني يؤخذ مسنداً "إلى" منها لا إلى ضميره أي: لأن العدل بالمعنى المصدري لا يؤخذ، بخلاف قوله: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل} تفسير : [البقرة:48] فإنه المَفْدِيُّ به. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ} يجوز أن يكون "الَّذينَ" خبراً، و "لهم شراب" خبراً ثانياً، وأن يكون "لهم شراب" حالاً؛ إما من الضمير في "أبْسِلوا" وإمَّا من الموصول نفسه، و "شراب" فاعلٌ لاعتماد الجار قبله على ذِي الحالِ، ويجوز أن يكون "لهم شراب" مُسْتَأنفاً، فهذه ثلاثة أوجه، ويجوز أن يكون "الذين" بدلاً من "أولئك" أو نعتاً فيتعين أن يكون الجملة من "لهم شراب" خبراً للمبتدأ، فيحصل في الموصُولِ أيضاً ثلاثة أوجه؛ كونه خبراً، أو بدلاً، أو نعتاً فجاءت مع ما قبلها ستة أوجه ستة أوجه في هذه الآية، و"شراب" يجوز رَفْعُهُ من وجهين؛ الابتدائية والفاعلية عند الأخفش، وعند سيبويه أيضاً على أن يكون "لهم" هو خبر المبتدأ أو حالاً، حيث جعلناه حالاً، و "شراب" مُرتفعٌ به لاعتماده على ما تقدَّم، و "من حميم" صفة لـ "شراب" فهو في مَحَلِّ رفع، ويتعلق بمحذوف. و"شراب" فعال بمعنى مفعول كـ "طعام" بمعنى "مطعوم"، و"شراب" بمعنى "مشروب" لا يَنْقَاسُ ولا يقال: "أكال" بمعنى "مأكول" ولا "ضراب" بمعنى "مضروب". والإشارة بذلك إلى الَّذين اتخذوا في قول الزمخشري والحوفي، فلذلك أتى بصيغة الجمع، وفي قول ابن عطية وأبي البقاء إلى الجنْسِ المفهوم من قوله {أن تُبْسَلَ نَفْسٌ} إذ المرادُ به عُمومُ الأنْفُسِ، فلذلك أشير إليه بالجمع، ومعنى الآية: أولئك الذين أبسلوا أسلمُوا للهلاكِ بما كسبوا "لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} قال: مثل قوله {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً}تفسير : [المدثر: 11] . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن قتادة في قوله {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} قال: ثم أنزل في سورة براءة فأمر بقتالهم، فقال {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] فنسختها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} قال: أكلاً وشرباً . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أن تبسل} قال: تفضح. وفي قوله {أبسلوا} قال: فضحوا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {أن تبسل} قال: تسلم وفي قوله {أبسلوا بما كسبوا} قال: أسلموا بجرائرهم . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل أن تبسل نفس؟ قال: يعني أن تحبس نفسه بما كتبت في النار. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهيراً وهو يقول: شعر : وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع وقلبي مبسل علقاً تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {أن تبسل نفس} قال: تؤخذ فتحبس. وفي قوله {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} قال: لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يقبل منها . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} قال: أخذوا بما كسبوا . وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن حسين أنه سأل عن قوله {أبسلوا} قال: اخذلوا أو أسلموا، أما سمعت قول الشاعر : شعر : فإن أقفرت منهم فأنهم بسل
ابو السعود
تفسير : {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ} الذي كُلِّفوه وأُمروا بإقامة مواجبِه {لَعِباً وَلَهْواً} حيث سخِروا به واستهزأوا أو بنَوْا أمرَ دينهم على ما لا يكادُ يتعاطاه العاقلُ بطريق الجِدّ وإنما يصدُر عنه لو صدَر بطريق اللعِبِ واللهوِ كعبادة الأصنام وتحريمِ البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك، والمعنى أعرضْ عنهم ولا تُبالِ بأفعالهم وأقوالهم وقيل: هو تهديدٌ لهم كقوله تعالى:{أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ }تفسير : [الحجر، الآية 3]، {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} واطمأنوا بها حتى زعموا أنْ لا حياةَ بعدها أبداً {وَذَكّرْ بِهِ} أي بالقرآنِ من يصلُح للتذكير {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي لئلا تُبْسَلَ كقوله تعالى: {أية : أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء، الآية 44 ، 176]، أو مخافةَ أن تُبسَل أو كراهةَ أن تبسل نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } تفسير : [التكوير، الآية 14] وتُرتَهنَ لسوء عملِها، وأصلُ الإبسالِ والبَسْل المنعُ، ومنه أسد باسلٌ لأن فريستَه لا تُفلت منه أو لأنه ممتنَعٌ، والباسل الشجاع لامتناعه من قِرْنه وهذا بَسْلٌ عليك أي حرام ممنوعٌ وقد جوِّز أن يكون الضميرُ المجرورُ في (به) راجعاً إلى الإبسال مع عدم جريان ذكرِه كما في ضمير الشأن وتكون الجملةُ بدلاً منه مفسِّراً له، لما في الإبهام أولاً والتفسيرِ ثانياً من التفخيم وزيادةِ التقرير كما في قوله: [الطويل] شعر : [على حالةٍ لو أن في القومِ حاتماً] على جودِه لَضَنَّ بالماء حاتمِ تفسير : بجرّ حاتم على أنه بدل من ضمير جوده فالمعنى وذكر بارتهان النفوس وحبسها بما كسبت وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} استئنافٌ مَسوقٌ للإخبار بذلك وقيل: في محل النصب على أنه حالٌ من ضمير (كسبت) وقيل: في محل الرفع على أنه وصفٌ (لنفسٌ) والأظهرُ أنه حالٌ من (نفسٌ) فإنه في قوة نفسٌ كافرةٌ أو نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} و(من دون الله) متعلقٌ بمحذوف هو حال من (وليٌّ) كما بُـيِّن في تفسير قوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْ بِهِ}تفسير : [الأنعام، الآية 51]، وقيل: هو خبرٌ لليس فيكون (لها) حينئذٍ متعلقاً بمحذوفٍ على البـيان {وَإِن تَعْدِلْ} أي إن تَفْدِ تلك النفسُ {كُلَّ عَدْلٍ} أي كلَّ فِداءٍ على أنه مصدرٌ مؤكد {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} على إسنادِ الفعلِ إلى الجار والمجرور لا إلى ضمير العدل كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة، الآية 48] فإنه المَفْدِيُّ به لا المصدرُ كما نحن فيه {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال، ومحلُه الرفعُ على الابتداء والخبرُ قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} والجملةُ مستأنفةٌ سيقت إثرَ تحذيرِهم من الإبسال المذكور لبـيان أنهم المبتَلَوْن بذلك أي أولئك المتخِذون دينَهم لعباً ولهواً المغترون بالحياة الدنيا هم الذين أُبسِلوا بما كسبوا، وقولُه تعالى: {لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ} استئناف آخَرُ مُبـينٌ لكيفية الإبسال المذكور وعاقبتِه، مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: ماذا لهم حين أُبسلوا بما كسبوا؟ فقيل: لهم شرابٌ من ماءٍ مغليَ يتجَرْجَرُ في بطونهم وتتقطَّعُ به أمعاؤهم {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} بنار تشتعل بأبدانهم {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا وقد جُوِّز أن يكون (لهم شراب) الخ، حالاً من ضمير (أبسلوا) وترتيبُ ما ذُكر من العذابَـيْن على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينْطق به قولُه تعالى: {بِمَا كَسَبُواْ} لأنه العُمدةُ في إيجاب العذاب والأهمُ في باب التحذير، أو أريد بكفرهم ما هو أعمُّ منه ومن مستتْبِعاته من المعاصي والسيئات هذا، وقد جوِّز أن يكون أولئك إشارةً إلى النفوس المدلولِ عليها (بنفسٌ) محلُه الرفعُ بالابتداء والموصولُ الثاني صفتُه أو بدلٌ منه ولهم شراب الخ خبرُه والجملة مَسوقةٌ لبـيان تَبِعةِ الإبسال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} [الآية: 70]. قال الحسين: لا نلاحظ من شغلهم خلقنا عنا وأنِسوا بحياتهم فى دنياهم وهى فى الحقيقة موت، والحى من يكون به حيًا.
القشيري
تفسير : أي كِلْهم وما اختاروه فإِنَّا أَعْتَدْنَا لهم (من خفيِّ المكر ما إذا أحللناه بهم كسرنا عليهم) خُمار الوهم والغِلظة.
البقلي
تفسير : {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} اى ترك الباطلين الذين شغلوا عنا بحظوظ الذين شغلوا عنا بحظوظ الكونين حتى لا يزاحموا مجالس السديقين فانهم محجوبون بحظوظ عن لذة خطابنا وحقائق خبرنا ولذة صحبه اوليائنا قال الحسين لا تلاحظ من شغلهم خلقنا عنا وانسوا بحياتهم فى دنياهم وهى فى الحقيقة موت والحى من يكون به حيا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا} المراد بالموصول الكفار الخائضون فى الآيات ودينهم هو الذى كلفوه وامروا باقامة مواجبه وهو دين الاسلام ومعنى اتخاذه لعبا ولهوا انهم سخروا به واستهزؤا. واللعب عمل يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به. واللهو صرفها عن الجد الى الهزل {وغرتهم الحياة الدنيا} واطمأنوا بها حتى زعموا ان لا حياة بعدها ابدا والمعنى اعرض عنهم واترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم وليس المراد ان يترك انذارهم لانه تعالى قال {وذكر به} اى بالقرآن من يصلح للتذكر {ان تبسل نفس} اى لئلا تسلم الى الهلاك وترهن {بما كسبت} بسبب ما عملت من القبائح. واصل البسل والابسال المنع ولذا صح استعمال الابسال فى معنى الاسلام الى الهلاك لان الاسلام الى الهلاك يستلزم المنع فانه اذا اسلم احد الى الهلاك كان المسلم اليه وهو الهلاك يمنع المسلم وهو الشخص من الخروج عنه والخلاص منه. وفى التفسير الفارسى للكاشفى [تا تسليم كرده نشود بهلاك يا رسوا نكرده نفس هر كافرى بسبب انجه كرده است از بديها] {ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع} استئناف مسوق للاخبار بذلك والاظهر انه حال من نفس كأنه فى قوة نفس كافرة او نفوس كثيرة كما فى قوله تعالى {أية : علمت نفس ما أحضرت} تفسير : [التكوير: 14]. ومن دون الله حال ومن ولى اى ليس لتلك النفس غيره تعالى من يدفع عنها العذاب {وان تعدل كل عدل} اى تفد تلك النفس كل فداء بان جاءت مكانها بكل ما كان فى الارض جميعا {لا يؤخذ منها} اى لا يقبل فقوله كل عدل نصب على المصدر فالعدل ههنا ليس بمعنى ما يفتدى به كما فى قوله تعالى {أية : ولا يؤخذ منها عدل} تفسير : [البقرة: 48]. بل المراد المعنى المصدرى. فان قلت الاخذ يتعلق بالاعيان لا بالمعنى. قلت نعم الا ان الامام قال الاخذ قد يستعمل بمعنى القبول كما فى قوله تعالى {أية : ويأخذ الصدقات} تفسير : [التوبة: 104] اى يقبلها واذا حمل الاخذ فى هذه الآية على القبول جاز اسناده الى المصدر بلا محذور والمقصود من هذه الآية بيان ان وجوه الخلاص منسدة على تلك النفس ومن ايقن بهذا كيف لا ترتعد فرائسه اذا اقدم على المعصية {أولئك} المتخذون دنيهم لعبا ولهوا المغترون بالحياة الدنيا {الذين ابسلوا} اى اسلموا الى العذاب {بما كسبوا} بسبب اعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة. وفى التفسير الفارسى [آن كروه آن كسانندكه سبرده شده اند بملائكة عذاب بسبب آنجه كرده اند ازقبائح افعال]. قال ابو السعود اولئك الذين اسلموا الى ما كسبوا من القبائح انتهى وهو جعل معنى الباء كما فى قوله مررت بزيد {لهم شراب} كأنه قيل ماذا لهم حين ابسلوا بما كسبوا فقيل لهم شراب {من حميم} اى من ماء مغلى يتجرجر فى بطونهم وتتقطع به امعاؤهم {وعذاب اليم} بنار تشتعل بابدانهم {بما كانوا يكفرون} اى بسبب كفرهم المستمر فى الدنيا. واعلم ان التكذيب بآيات الله تعالى والاستهزاء بها هو الكفر وعاقبة الكفر هو العذاب الاليم وكذا الاصرار على المعاصى يجر كثيرا من عصاة المؤمنين الى الموت على الكفر والعياذ بالله. وعن ابى اسحق الفزارى قال كان رجل يكثر الجلوس الينا ونصف وجهه مغطى فقلت له انك تكثر الجلوس الينا ونصف وجهك مغطى اطلعنى على هذا فقال وتعطينى الامان قلت نعم قال كنت نباشا فدفنت امرأة فاتيت قبرها فنبشت حتى وصلت الى اللبن ثم ضربت بيدى الى الرداء ثم ضربت بيدى الى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هى فقلت اتراها تغلبنى فجيت على ركبتى فجررت اللفافة فرفعت يدها فلطمتنى وكشف وجهه فاذا اثر خمس اصابع فقلت له ثم مه قال ثم رددت عليها لفافتها وازارها ثم رددت التراب وجعلت على نفسى ان لا انبش ما عشت قال فكتبت بذلك الى الاوزاعى فكتب الى الاوزاعى ويحك سله عمن مات من اهل السنة ووجهه الى القبلة فسألته عن ذلك فقال اكثرهم حول وجهه عن القبلة فكتبت بذلك الى الاوزاعى فكتب الىّ انا لله وانا اليه راجعون ثلاث مرات اما من حول وجهه عن القبلة فانه مات على غير السنة واراد بالسنة ملة الاسلام نسألُ الله تعالى العفو والمغفرة والرضوان: قال الحافظ قدس سره: شعر : يارب ازابر هدايت برسان بارانى بيشتر زانكه جو كردى زميان برخيزم تفسير : وفى الآيات اشارة الى انه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الذين يخوضون فى احوال الرجال ولا حظ لهم منها سوى التزيى بزيهم واللبس لخرقتهم لان الطبع من الطبع يسرق شعر : نفس از هم نفس بكيرد خوى بر حذر باش از لقاى خبيث باد جون بر فضاى بد كذر بوى بد كيرد از هواى خبيث تفسير : فلا بد من الصحبة مع الاخيار والاتعاظ بكلمات الكبار. وعن عبدالله بن الاحنف قال خرجت من مصر اريد الرملة لزيارة الرود بادى قدس سره فرآنى عيسى بن يونس المصرى فقال لى هل ادلك قلت نعم قال عليك بصور فان فيها شيخا وشابا قد اجتمعا على حال المراقبة فلو نظرت اليهما نظرة لاغنتك باقى عمرك قال فدخلت عليهما وانا جائع عطشان وليس على ما يسترنى من الشمس فوجدتهما مستقبلين القبلة فسلمت عليهما وكلمتهما فلم يكلمانى فقلت اقسمت عليكما بالله ألاما كلمتمانى فرفع الشيخ رأسه وقال يا ابن الاحنف ما اقل شغلك حتى تفرغت الينا ثم اطرق فاقمت بين يديهما حتى صلينا الظهر والعصر فذهب عنى الجوع والعطش فقلت للشاب عظنى بشئ انتفع به فقال نحن اهل المصائب ليس لنا لسان العظة فاقمت عندهما ثلاثة ايام بلياليها لم نأكل فيها شيأ ولم نشرب فلما كان عشية اليوم الثالث قلت فى قلبى لا بد من سؤالهما فى وصية انتفع بها باقى عمرى فرفع الشاب رأسه الىّ وقال عليك بصحبة من يذكرك الله بنظره ويعظك بلسان فعله لا بلسان قوله ثم التفت فلم ارهما وانشد لسان الحال شعر : شدوا المطايا قبيل الصبح وارتحلوا وخلفونى على الاطلال ابكيها تفسير : ثم ان النصيحة سهلة والمشكل قبولها ومن اراد الله تعالى هدايته وسيقت منه له عناية يجذبه لا محالة الى باب ناصح له فى ظاهره وباطنه فيهتدى بنور العظة والتذكير الى مسالك الوصول الى الله الخبير فيترقى من حضيض هوى النفس التى تلعب كالصبيان الى اوج هدى الروح الذى له وقار واطمئنان وعلو شأن فهذه الآيات الكريمة تنادى على داء النفس ودوائها ومن الله الاعانة فى اصلاحها.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {ذر} دع يقال: وذر يذر مثل ودع يدع، فاذا أمرت منه قلت: ذركما قال {ذرهم يأكلوا}. وقوله {الذين أتخذوا دينهم لعبا ولهوا} يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم انهم أتخذوا دين الله لعبا ولهوا، لانه لا معنى لمحاجة من كانت هذه سبيله، لانه لاعب عابث، لا يصغي لما يقال له، فالمكلم له والمحتج عليه غير منتفع ولا نافع. وقد قطع الله عذر هؤلاء الذين يذهبون مذهب اللعب بما أدركوه بعقولهم، وما شاهدوه من آياته {وغرتهم الحياة الدنيا}. ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يذكر به، يعني القرآن. وقيل الحساب، لكي لا تبسل نفس بما كسبت أي تدفع الى الهلكة على وجه الغفلة وتسلم لعملها غير قادرة على التخلص، قال الشاعر في الغريب المضيَّف: شعر : وابسالي بني بغير جرم بعوناه ولا بدم مراق تفسير : أي اسلامي اياهم. بعوناه اجترمناه، والبعو الجناية. وقيل: معنى تبسل ترهن ويسلم لعمله. قال الاخفش: معنى "تبسل" تجازى من ابسل ابسالا، ومنه قوله {أية : أولئك الذين أبسلوا} تفسير : قال الكسائي: "تبسل" تجزى يعني في الكلام. وقال الفراء: معناه يسلم ويقال اعط الراقي بسلته أي أجرته على رقيته. ويقال أسد باسل، معناه ان معه من الاقدام ما يستبسل له قرنه، ويقال هذا بسل أي حرام، وهو بسل أي حلال. وهذا من الاضداد. {شراب من حميم} قال الضحاك الحميم هو الماء الذي احمي حتى انتهى غليانه. وقوله: {وإن تعدل كل عدل} قال بعضهم ان يفد كل فدية يريد ان يجعلها عدلا لها من قوله {أية : لا يقبل منها عدل} تفسير : وقال غيره معناه وان تقسط كل قسط لا يقبل منها في ذلك اليوم لان التوبة انما هي في الحياة الدنيا. ثم أخبر تعالى انه ليس لهؤلاء الكفار {ولي ولا شفيع} أي لا ناصر لهم، ولا من يسأل فيهم واخبر أيضا أن هؤلاء في قوله {أولئك الذين أبسلوا} هم الذين يجازون بما كسبوا وان لهم شرابا من حميم وعقابا أليما بما كانوا يكفرون، نعوذ بالله منها. وقيل: ما من أمة الا ولهم عيد يلعبون فيه ويلهون، الا أمة محمد فان أعيادهم صلاة وتكبير ودعاء وعبادة.
الجنابذي
تفسير : {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} اللّعب ما لم يكن له غاية عقليّة ولكن كان له غاية خياليّة كلعب الاطفال، واللّهو ما لم يكن له غاية عقليّة ولا خياليّة وان كان له غاية خفيّة كامضاء عادة مثلاً، والمقصود عدم التّعرّض لمن اخذ دينه بخياله ولا يتصوّر له غاية سوى الغايات الخياليّة الدّنيويّة من الجاه والمناصب او الصّحة والسّعة أوالتّوافق مع الاقران او التّفوّق على الامثال او التّنعّم فى الآخرة والنّجاة من العقوبة فيها، او القرب من الانبياء والائمّة فى الجنّة، او القرب من الله والاختصاص من بين الامثال بذلك القرب لانّهم اخذوا صورة الدّين للدّنيا وجعلوا آلة الدّين شركاً للدّنيا، وقوله تعالى {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} اشارة الى هذا {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} وذكّرهم الولاية بالقرآن او ذكّرهم بولاء علىّ (ع) او بعلىّ (ع) كراهة ان تمنع نفس من موائد الآخرة بما كسبت من اعمالها لانّ كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة الاّ الّذين تولّوا امير المؤمنين (ع) {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} صفة بيانيّة لنفسٍ، او استيناف فى موضع التّعليل، والولىّ والشّفيع قد مضى بيانهما {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} وان تفد كلّ فداء {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ} المتّخذون دينهم لعباً ولهواً {ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} استيناف فى موضع التّعليل {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تعريضاً بهم ومداراة معهم {مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} الى طريقه المستقيم الّذى هو الولاية {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ} اذهبته الجنّة على غير طريق {فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} لا يدرى اين يذهب واين يذهب به {لَهُ أَصْحَابٌ} لهذا المستوى رفقة يرحمونه و {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} الى الطّريق قائلين {ٱئْتِنَا} ترحّماً عليه وهو لا يجيب لما خولط من مسيس الجنّ {قُلْ} لهم انّ مثلكم مثل هذا المستهوى فانّ الشّياطين قد غلبت عليكم وسلبتكم عقولكم وانا واصحابى كرفقاء المستهوى ندعوكم الى الطّريق المستقيم الّذى هو ولاية علىّ (ع) ونقول لكم: انّ ولاية علىّ (ع) هو هدى الله و {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} لا هدى سواه {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} من جملة المقول يعنى قل امرنا لنسلم لربّ العالمين اعراضاً عنهم بعد اتمام الحجّة عليهم او انصافاً لهم فى اظهار الدّعوى.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم} الآية نزلت في الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها {وذكر به} أي عِظْ بالقرآن، وقيل: بيوم الدين {أن تبسل نفس بما كسبت} أصله الارتهان يعني ترتهن كل نفس بما عملت، وقيل: تسلم للهلكة، وقيل: تسلم للعذاب، وقيل: معناه أن لا تبسل كقوله تعالى: {أية : يبين الله لكم أن تضلوا} تفسير : [النساء: 176] يعني ذكرهم ليؤمنوا كيلا تبسل نفس ليس لها {من دون الله ولي} ناصر ينجيها من العذاب {وان تعدل كل عدل} أي تفتدي بكل فداء من جهة المال، وقيل: هو من جهة الاسلام والتوبة {لا يؤخذ منها} لا يقبل منها الفداء، وقيل: التوبة {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} أهلكوا، وقيل: ارتهنوا {لهم شراب من حميم} ماء حار {و} لهم {عذاب أليم} موجع {بما كانوا يكفرون} {قل} يا محمد {أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أبويه إلى الكفر، وقيل: في قوم دعوا المسلمين إلى عبادة الأصنام، والمعنى قل يا محمد أو أيها السامع لهؤلاء الذين يدعون إلى عبادة الأوثان والمراد الانكار لعبادة من لا ينفع ولا يضر، ولا يملك لنا ثواباً ولا عقاباً، وندع عبادة الملك القادر عن النفع والضر {بعد إذ هدانا الله} بالاسلام، قوله تعالى: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض} أي كالذي ذهب به مردة الجن والغيلان في المهمة {حيران} لا يدري كيف يصنع {له أصحاب} رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي يهدونه إلى الطريق المستوي يعني لهذا الحيران في الأرض الذي أضلته الشياطين أصحاب يدعونه إلى الهدى، يعني إلى الطريق، ويقولون له: {ائتنا}، فلا يقبل منهم ولا يصير إليهم، وقيل له: أصحاب يعني أبويه، وقيل: أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون}، قيل: يوم القيامة، وقيل: أراد يوم خلق السموات والأرض، وقيل: هو مثل، وقيل: إنه يقول عند إحداث الأمر كن علامة للملائكة {قوله الحق} أي ما أخبر به من الوعد والوعيد {وله الملك} يعني ملك الدنيا والآخرة {يوم ينفخ في الصور} يعني يوم القيامة وينفخ الملك في الصور، وقيل: ينفخ الروح في الصور فيصيرون أحياء.
اطفيش
تفسير : {وذَرِ الذِينَ اتَّخذوا دينَهم لعباً ولَهواً} أى ترك مخالطتهم إلا لهم كحاجة لا بد منها، وكأمر ونهى، أو لا تبال بأفعالهم وأقوالهم فلم تضرك وبالها عليهم لا عليك، ويجوز أن يكون ذلك تهديداً لهم، وبه قال مجاهد كقوله تعالى: {ذرنى ومن خلقت وحيداً} ومن قال كقتادة المعنى لا تقاتلهم على خوضهم وشركهم، قال: نسخ ذلك بآية السيف، ومعنى اتخاذهم دينهم لعباً ولهواً أنه لا بد لكل أحد مكلف من دين هو دين الحق، وهؤلاء اتخذوا دينهم غير دين الحق، إذ جعلوه لعباً ولهواً، والحاصل أنهم أحبوا أن يكون لهم دين فجعلوه أمراً يلهون به عن الحق ويلعبون به، ولا ثمرة لهم منه، وهو عبادة الأصنام، وتحريم البحائر والسوائب ونحو ذلك مما مرجعه إلى التشهى والتقليد. ويجوز أن يكون المراد بدينهم دينهم الذى فرض عليهم الله تعالى، ونسب إليهم بلزومه إياهم، ومعنى اتخاذهم دين الله لعباً ولهواً استهزاءهم به، ويجوز أن يراد بالذين العيد، أى اتخذوا عيدهم لهواً ولعباً، كانوا يلهون ويلعبون فى عيدهم، ومن شأن العيد العبادة، فالمشركون كلهم أهل الكتاب وغيرهم يلهون ويلعبون فى أعيادهم، بخلاف المسلمين، فإن أعيادهم للصلاة والتكبير، وزكاة الفطر والضحايا، وذكر الله والخطبة، والاستماع لها، وحضور الجماعة، فمن فعل فى عيده لعباً ولهواً فقد تتبع سنن من قبله من أهل الكتاب، إلا من قصد برميه أو إجراء فرسه أو نحو ذلك التدرب على الجهاد، ويسمى العيد ديناً لأنه يعتاد، ومن معانى الدين العادة. شعر : *أهذا دينه أبداً ودينى* تفسير : ولعباً مفعول ثان، ويجوز أن يكون اتخذوا بمعنى اكتسبوا، فيكون لعباً مفعولاً لأجله، أى اكتسبوا ما هو دينهم ليلهوا به ويلعبوا، ويجلبوا مر الدنيا كالرياسه والمال، ولما لم تكن لذلك منفعة فى الآخرة كان لهواً ولعباً، أى لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون فى آيات الله، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا زعيم ببيتٍ فى ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً، وببيت فى وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مزاحاً، وببيت فى أعلى الجنة لمن حسن خلقه تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من جعل الهموم هما واحداً هم المعاد كفاه الله هم الدنيا، ومن تشعبت به الهموم هموم الدنيا لم يبال الله تعالى فى أى أوديتها هلك ". تفسير : {وغرَّتْهم الحياةُ الدُّنيا} خدعتهم بزخرفها، فأقبلوا إليها وتركوا الآخرة، وقد أنكروها وتوهموا أن ما أعطوه فى الدنيا أعطوه لكرامتهم على الله {وذَكِّرْ بهِ} أى ذكر المشركين بالقرآن أو بدينهم المذكور فى قوله تعالى: {اتخذوا دينهم} على أن المعنى الدين الذى كلفهم الله به. {أن تُبْسل نفسٌ بما كَسَبَت} فى تأويل مصدر مفعول لأجله على حذف مضاف، أى مخافة بسل النفس بما كسبته من الأعمال القبيحة والعقائد الزائفة، أو بكسبها، وهذا أولى من أن يقدر لئلا تبسل، ويجوز تقدير عسى لتضمن التذكير معنى الزجر، أى ذكرهم عن بسل النفس، أى ازجرهم عنه بالقرآن أو بالدين، ومعنى تُبْسل تسلم إلى الهلاك، أى تترك له وتخذل له، قاله الحسن وعكرمة، فإذا ذكروا انزجروا عما يوجب إسلامها إلى الهلاك، ويجوز أن يكون بمعنى تمنع عن مرادها فى الجملة وهو الخبر، فبقوتها فى يوم البعث، يقال أبسله وبسله أى خذله وتركه لسوء، أو منعه ما يجب. يقال: أسد باسل أى مانع، لأن فريسته لا تفلت منه، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه، ويقال: هذا بسل عليك، أى حرام كذلك النفس يحرم عليها خير الآخرة ولا يحل لها لكسبها، وبسل وأبسل بمعنى رهن، قال ابن عباس: المعنى أن ترهن نفس فى النار بما كسبت فى الدنيا، قال قتادة: تحبس فى جهنم، وقال مجاهد: تمنع عن مرادها وتخذل وتسلم للهلاك، وقال ابن زيد: تبسل تجازى وتؤخذ، وقيل: تفضح، ونسب لابن عباس، ويجوز أن يكون تبسل فى تأويل مصدر مفعولا ثانياً لذكر أى ذكرهم به إبسال نفس كما يقال: ذكره الآخرة وذلك فى جميع أوجه معانى تبسل وهى متقاربة ومتلازمة. {لَيسَ لَها منْ دُونِ اللهِ ولىٌّ ولا شفيعٌ} أى قريب يلى أمرها، ويدفع العذاب وجلب الخبر قهراً، ولا ذو جاه يجلب إليها الخير ويدفع الضر على سبيل التضرع، والجملة مستأنفة، قيل أو نعت لنفس. {وإنْ تَعْدل كُلٍّ عَدْلٍ} أى وإن تعدل هى، أى وإن تعدل النفس كل عدل، أى وإن تفتدى النفس كل افتداء أى وإن اجتهدت فى المجئ بعدلها، أى بما يعادلها ويماثلها، فيكون فى النار بدلها، وتطلب أن يؤخذ منها كما تؤخذ أثمان الأشياء فى الدينا وأعواضها، والعدل الفدية، لأنها تعادل المفدى، والمراد هنا المعنى المصدرى لا ما يفتدى به، فكل مفعول مطلق، وقال بعض: العدل وتعدل كلاهما من باب العدل الذى هو ضد الجور، فأما أن يريد هذا فى الآخرة كما يتبادر فلا إشكال، لأنه لا تقبل فى الآخرة توبة ولا عمل، وإن أريد فى الدنيا فلا شك أن توبة الكافر تقبل، فلعل المراد أنها لا يقبل عدلها مع بقائها على الشرك. {لا يُؤخذ منها} أى لا يؤخذ العدل منها، فضمير يؤخذ عائد إلى العدل بمعنى الافتداء، أو ضد الجور، أى لا يقبل منها ذلك كذا ظهر لى والله ثم رأيته والله للفخر والحمد لله، فلا إشكال فى إسناد الأخذ إلى العدل بمعنى الافتداء، إذ كان الأخذ بمعنى القبول، وإنما يمنع إسناد الأخذ إلى افتداء إذا كان الأخذ بمعنى القبض، لأن الأخذ بمعنى القبض حقيقة فى الجسم، ويجوز أن لا يكون ضمير فى يؤخذ فيكون نائب الفاعل هو قوله منها، أو مجرور من قولك زيد أخذ منه بالبناء للمفعول. {أولئكَ الَّذينَ أُبسِلُوا بما كَسَبُوا} لا تكرير، لأن الأول أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم مخافة أن يبسلوا وهذا إخبار بأنه قد وقع إبسالهم والإشارة إلى المشركين {لَهم شرابٌ من حَميمٍ} من ماء حار غلى بالنار غلية، والشراب بمعنى المصدر، أى يشربون من حميم، فمن حميم متعلق بشراب أو بمعنى ما يشرب، فمن حميم يتعلق بمحذوف، والجواب نعت لشراب، ومن على الأول للابتداء، وعلى الثانى للتبعيض أو للبيان. {وعذابٌ أليمٌ} بنار جهنم، ففى بطونهم ماء يشربون حار كالنار، وأبدانهم تحرق من ظاهرها بالنار {بما كانُوا يكْفُرون} أى بكونهم يكفرون، أو بكفرهم وما مصدرية بلا تنازع فيه شراب وعذاب، وإن علق بقولهم أو باستقراره كفى عن ذلك كله، وجملة لهم شراب من حميم تأكيد وتفصيل لقوله: {أبسلوا بما كسبوا} قيل: دعا عبد الرحمن ابن أبى بكر أباه أبا بكر رضى الله عنه إلى عبادة الأوثان، فنزل قوله تعالى:
اطفيش
تفسير : {وَذَرِ} اترك {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} صيروا دين الله الذى يجب أَن يتبعوه فيقال هو دينهم لعباً ولهوا، أَى كلعب ولهو، مستحقرين به، أَو اتخذوه أَمراً ملعوباً به، أَو جعلوا ابدله اللعب واللهو، واتخذوا لأَنفسهم ديناً يضاف إِليهم كلعب ولهو فى أَن لا نفع فيه كعادة الصنم وتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وشرب الخمر والرقص والزمر، وسائر ما دانوا به مما لا ينفع، بل يضر، أَو جعلوا دينهم أَى عيدهم الذى دانوه أَى اعتدوه وقتاً للعبادة لعباً ولهوا، وترك ذلك كله مأمور به قبل وجوب القتال وبعده فلا حاجة إِلى أَنه نهى عن القتال جاءَ نسخه بعد، والآية تهديد كقوله تعالى "أية : ذرنى ومن خلقت وحيداً"تفسير : [المدثر: 11] إِلخ.. وقوله تعالى "أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا" تفسير : [الحجر: 3] فإِنه صالح معها، أَى ذرهم فإِنى أَكفيكهم ولا تبال بأَقوالهم وأَفعالهم، ولا يضق قلبك، ولكن لا تترك الإِنذار والنهى {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} لحلم الله عز وجل عنهم حتى اطمأَنوا إِليها، وتوهموا أَنهم على شىء مرضى عنده، وأَنهم عنده كرماء، وأَن ما عندهم من جاه ومال وصحة لكرامتهم على الله، حتى أَنكروا البعث وكل ما ينقص لهم من الحق ما هم عليه {وَذَكّرْ بِهِ} أَى بالقرآن الناس لظهور المراد ولو لم يجر له ذكر إِلا فى قوله فى آياتنا كقوله تعالى؛ {أية : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} تفسير : [ق: 45]، أَو ذكر بالحساب أَو الدين {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ} حذر أَن تبسل، أَى حذر أَى تمنع من خير الآخرة، وهذا أَولى من تقديرك لا تبسل، أَو هاء به لمبهم ففسره ببدله وهو أَن تبسل والبسل المنع، أَسد باسل يمنع فريسته عن غيره، ورجل باسل أَى شجاع يمتنع من قرنه، وهذا بسل أَى حرام ممنوع، أَو تبسل بمعنى تترك للهلاك، يقال أَبسله وبسله بالتخفيف منعه، أَو أَسلمه، أَو المسلم إِلى الهلاك ممنوع من النجاة، أَو تبسل ترهن، قيل أَو تفتضح، والمراد بالنفس الحقيقة، أَى عظ الناس بالقرآن لئلا يمنعوا من خير الآخرة، أَو لئلا يخذلوا إِلى شرها بما كسبوا، كما قال: {بِمَا كَسَبَتْ} من شرك أَو سائر الكبائر {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ} من غير الله المبتدأ متعلق بمحذوف خبر ليس، ولها متعلق بليس، الصحيح جواز التعليق بباب كان، ودلالة بابها على الحدث، أَو يقدر أَعنى لها، أَو ذلك لها خبر، ومن دون الله حال من قوله {وَلِىٌّ وَلا شَفِيعٌ} ولو نكرتين لتقدمها ولتقدم النفى، أَى ثابتين من دون الله، أَى ليس لها أَحد يليها بالنصر، ولا أَحد يمنع عنها العذاب إِلا الله، والله يفعل ذلك للمتقين، أَو ليس لها من دون عذاب الله ولى ولا شفيع، والجملة مستأنفة، ويجوز أَن تكون حالا من نفس، لأَن المراد الحقيقة ولتقدم النفى بالخبر، أَو بتقدير لئلا، أَو من المستتر فى كسبت، وإِن قلنا: المراد بالنفس النفوس الكافرات لا مطلق النفس كما يدل له قوله عز وجل {أولئك الذين أبسلوا} بإِشارة الجمع قلنا مسوغ آخر هو النعت، ويدل له أَيضاً قوله {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا} أَى وإِن تجعل هذه النفس شيئاً مثلها معادلا لها تفتدى به، ولو ما خلق الله كله ذهباً لا يقبل منها، وكل مفعول به وكل عدل ذات، وإِن جعلنا عرضاً كان مفعولا مطلقاً، أَى وإِن تفتد كل افتداء لا يؤخذ منها، فحينئذ يكون ضمير يؤخذ إِلى كل عدل على الاستخدام بأَن يراعى فى الضمير الذات، وهى التى تكون فداء، أَو لا ضمير فى يؤخذ على هذا بل نائب الفاعل هوقوله منها، أَو فيه ضمير عائد إِلى العدل بالمعنى المصدرى دون استخدام مبالغة {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} منعوا من رحمة الله، أَو أسلموا إِلى الهلاك، أَو رهنوا فى كسبهم الفاسد واعتقادهم الزائغ، والذين لفت أَو بيان أَو بدل أَو خبر، وجملة قوله {لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بَمَا كَانُوا يَكْفُرونَ} خبر أَول أَو ثان أَو حال من الواو، أَو من الذين مستأْنفة بياناً، ونحو كأَنه قيل: ماذا لهم حين أبسلوا؟ فقال: لهم شراب من حميم...إِلخ... واللام للاستحقاق، والحميم الحار جداً، والشراب المشروب كالطعام بمعنى المطعوم، ولا يقاس فعال بمعنى مفعول، وما مصدرية، أَى هم بين مغلى يتجرجر فى بطونهم، ونار تشتعل فى أَبدانهم، لكونهم يكفرون، وذلك تأَكيد لقوله{أُولئك الذين} ولذلك فصل، أَعنى لم يعطف، ووجه كونه تأكيداً أَن مؤدى كل منهما لصوق العذاب بهم، وهو أَيضاً تفصيل له لأَنه موضح لمعناه.
الالوسي
تفسير : {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ } الذي فرض عليهم وكلفوه وأمروا بإقامة مواجبه وهو الإسلام {لَعِباً وَلَهْواً } حيث سخروا به واستهزأوا، وجوز أن يكون المعنى اتخذوا الدين الواجب شيئاً من جنس اللعب واللهو كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ونحو ذلك أو اتخذوا ما يتدينون به وينتحلونه بمنزلة الذين لأهل الأديان شيئاً من اللعب واللهو. وحاصله أنهم اتخذوا اللعب واللهو ديناً، وقيل: المراد بالدين العيد الذي يعاد إليه كل حين معهود بالوجه الذي شرعه الله تعالى كعيد المسلمين أو بالوجه الذي لم يشرع من اللعب واللهو كأعياد الكفرة لأن أصل معنى الدين العادة والعيد معتاد كل عام ونسب ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى على سائر الأقوال لا تبال بهؤلاء وامض لما أمرت به. وأخرج ابن جرير وغيره أن المعنى على التهديد كقوله تعالى: { أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } تفسير : [المدثر: 11] و { أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } تفسير : [الحجر: 3]، وقيل: المراد الأمر بالكف عنهم وترك التعرض لهم. والآية عليه منسوخة بآية السيف، وهو مروي عن قتادة. ونصب {لَعِباً } على أنه مفعول ثان لاتخذوا وهو اختيار السفاقسي، ويفهم من ظاهر كلام البعض أنه مفعول أول و {دِينَهُمُ } ثان، وفيه إخبار عن النكرة بالمعرفة. ويفهم من كلام الإمام أنه مفعول لأجله واتخذ متعد لواحد فإنه قال بعد سرد وجوه التفسير في الآية: «والخامس وهو الأقرب أن (المحق) في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أن قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله تعالى عليها في سائر الآيات بأنها لعب ولهو. فالمراد من قوله سبحانه: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} الخ هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه. وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الآية» اهـ. ولا يخفى أنه أبعد من العيوق فلا تغتر به وإن جل قائلة. {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} أي خدعتهم وأطمعتهم بالباطل حتى أنكروا البعث وزعموا أن لا حياة بعدها واستهزأوا بآيات الله تعالى. وجعل بعضهم غر من الغر وهو ملء الفم أي أشبعتهم لذاتها حتى نسوا الآخرة وعليه قوله: شعر : ولما التقينا بالعشية غرني بمعروفه حتى خرجت أفوق تفسير : {وَذَكّرْ بِهِ} أي بالقرآن. وقد جاء مصرحاً به في قوله سبحانه: { أية : فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } تفسير : [ق: 45] والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وقيل: الضمير لحسابهم، وقيل: للدين. وقيل: إنه ضمير يفسره قوله سبحانه: {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } فيكون بدلاً منه واختاره أبو حيان. وعلى الأوجه الأخر هو مفعول لأجله أي لئلا تبسل أو مخافة أو كراهة أن تبسل. ومنهم من جعله مفعولاً به لذكر. ومعنى {تُبْسَلَ } تحبس كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأنشد له قول زهير: شعر : وفارقتك برهن لافكاك له يوم الوداع وقلبي مبسل علقاً تفسير : وفي رواية ابن أبي حاتم عنه تسلم. وروي ذلك أيضاً عن الحسن ومجاهد والسدي واختاره الجبائي والفراء، وفي رواية ابن جرير وغيره تفضح. وقال الراغب: «{تُبْسَلَ } هنا بمعنى تحرَمَ الثواب». وذكر غير واحد / أن الإبسال والبسل في الأصل المنع، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو لأنه متمنع، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه، وجاء البسل بمعنى الحرام. وفرق الراغب بينهما «بأن الحرام عام لما منع منه بحكم أو قهر والبسل الممنوع [منه] بالقهر»، ويكون بسل بمعنى أجل ونعم، واسم فعل بمعنى أكفف. وتنكير {نَفْسٌ } للعموم مثله في قوله تعالى: { أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } تفسير : [التكوير: 14] أي لئلا تحبس وترهن كل نفس في الهلاك أو في النار أو تسلم إلى ذلك أو تفضح أو تحرم الثواب بسبب عملها السوء أو ذكر بحبس أو حبس كل نفس بذلك، وحمل النكرة على العموم مع أنها في الإثبات لاقتضاء السياق له، وقيل: إنها هنا في النفي معنى، وفيما اختاره أبو حيان من التفخيم وزيادة التقرير ما لا يخفى. وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا } أي النفس {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٍ} إما استئناف للإخبار بذلك أو في محل رفع صفة {نفس } أو في محل نصب على الحالية من ضمير {كسبت } أو من {نفس} فإنه في قوة نفس كافرة أو نفوس كثيرة واستظهر بعض الحالية. ومن {دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بمحذوف وقع حالا من {وَلِيُّ }، وقيل: خبراً لليس، و {لَهَا } حينئذ متعلق بمحذوف على البيان، ومن جعلها زائدة لم يعلقها بشيء، والمراد أنه لا يحول بينها وبين الله تعالى بأن يدفع عقابه سبحانه عنها ولي ولا شفيع. {وَإِن تَعْدِلْ } أي إن تفد تلك النفس {كُلَّ عَدْلٍ } أي كل فداء. و «كل» نصب على المصدرية لأنه بحسب ما يضاف إليه لا مفعول به، وقيل: إنه صفة لمحذوف وهو بمعنى الكامل كقولك: هو رجل كل رجل أي كامل في الرجولية والتقدير عدلاً كل عدل. ورد بأن كلا بهذا المعنى يلزم التبعية والإضافة إلى مثل المتبوع نعتاً لا توكيداً كما في «التسهيل» ولا يجوز حذف موصوفة. وقوله تعالى: {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } جواب الشرط، والفعل مسند إلى الجار والمجرور كسير من البلد لا إلى ضمير العدل لأن العدل كما علمت مصدر وليس بمأخوذ بخلافه في قوله تعالى: { أية : ولا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٍ } تفسير : [البقرة: 48] فإنه فيه بمعنى المفدى به، وجوز كون الإسناد إلى ضميره مراداً به الفدية على الاستخدام إلا أنه لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى الجار والمجرور، وبذلك يستغنى أيضاً عن القول بكونه راجعاً إلى المعدول به المأخوذ من السياق. وقيل: معنى الآية وإن تقسط تلك النفس كل قسط في ذلك اليوم لا يقبل منها لأن التوبة هناك غير مقبولة وإنما تقبل في الدنيا. {أُوْلَـٰئِكَ } أي المتخذون دينهم لعباً ولهواً المغترون بالحياة الدنيا {ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ } أي حرموا الثواب وسلموا للعذاب أو بأحد المعاني الباقية للإبسال {بِمَا كَسَبُواْ } أي بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة. واسم الإشارة مبتدأ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجة المشار إليهم في سوء الحال، وخبره الموصول بعده، والجملة استئناف سيق إثر تحذير أولئك من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتلون بذلك. وقوله سبحانه: {لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } استئناف آخر مبين لكيفية الإبسال المذكور مبنى على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: ماذا لهم حين أبسلوا؟ فقيل: لهم شراب من حميم أي ماء حار يتجرجر ويتردد في بطونهم ويتقطع به أمعاؤهم {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } بنار تشتعل بأبدانهم كما هو المتبادر من العذاب {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا، ويطلق الحميم على الماء البارد فهو ضد كما في «القاموس». وجوز أبو البقاء أن تكون جملة {لَهُمْ شَرَابٌ } حالاً من ضمير {أُبْسِلُواْ } وان تكون خيراً لاسم / الإشارة ويكون {ٱلَّذِينَ } نعتاً له أو بدلاً منه وأن تكون خبراً ثانياً، واختار كما يشير إليه كلامه أن تكون الإشارة إلى النفوس المدلول عليها بنفس وجعلت الجملة لبيان تبعة الإبسال، واختار كثير من المحققين ما أشرنا إليه. وترتيب ما ذكر من العذابين على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينطق به قوله سبحانه: {بِمَا كَسَبُواْ } لأنه العمدة في إيجاب العذاب والأهم في باب التحذير أو أريد ـ كما قيل ـ بكفرهم ما هو أعم منه ومن مستتبعاته من المعاصي.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : فأعرض عنهم}تفسير : [الأنعام: 68] أو على جملة: {أية : وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء}تفسير : [الأنعام: 69]. وهذا حكم آخر غير حكم الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه. وأتي بموصول وصلة أخرى فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار. و{ذرْ} فعل أمر. قيل: لم يرد له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول. فتصاريفه هذه مماتة في الاستعمال استغناء عنها بأمثالها من مادّة ترك تجنّباً للثقل واستعملوا مضارعه والأمر منه. وجعله علماء التصريف مثالاً واوياً لأنَّهم وجدوه محذوف أحد الأصول، ووجدوه جارياً على نحو يَعِد ويَرث فجزموا بأنّ المحذوف منه الفاء وأنَّها واو. وإنَّما حذفت في نحو ذَرْ ودَعْ مع أنَّها مفتوحة العين اتِّباعاً للاستعمال، وهو حذف تخفيف لا حذف دفع ثقل، بخلاف حذف يَعِد ويَرث. ومعنى: (ذَر) اترك، أي لا تخالط. وهو هنا مجاز في عدم الاهتمام بهم وقلَّة الاكتراث باستهزائهم كقوله تعالى: {أية : ذَرْني ومن خلقتُ وحيداً}تفسير : [المدثر: 11]، وقوله: {فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث}، وقول طرفة: شعر : فذَرْنِي وخُلْقي إنَّنِي لَك شاكر ولو حلّ بيتِي نَائِياً عند ضَرْغد تفسير : أي لا تبال بهم ولا تهتمّ بضلالهم المستمرّ ولا تشغل قلبك بهم فالتذكير بالقرآن شامل لهم، أو لا تعبأ بهم وذكّرهم به، أي لا يصدّك سوء استجابتهم عن إعادة تذكيرهم. والدّين في قوله: {اتَّخذوا دينهم} يجوز أن يكون بمعنى الملَّة، أي مايتديَّنون به وينتحلونه ويتقرّبون به إلى الله، كقول النابغة: شعر : مجلّتهم ذات الإله ودينُهم قَويم فما يرجُون غيرَ العَوَاقِب تفسير : أي اتَّخذُوه لعباً ولهواً، أي جعلوا الدين مجموع أمور هي من اللعب واللهو، أي العبث واللهو عند الأصنام في مواسمها، والمكاء والتصدية عند الكعبة على أحد التفسيرين في قوله تعالى: {أية : وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية}تفسير : [الأنفال: 35]. وإنَّما لم يقل اتَّخذوا اللهو واللعب ديناً لمكان قوله: {اتَّخذوا} فإنَّهم لم يجعلوا كلّ ما هو من اللهو واللعب ديناً لهم بل عمدوا إلى أن ينتحلوا ديناً فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسمّوها ديناً. ويجوز أن يكون المراد من الدّين العادة، كقول المُثقّب العبدي: شعر : تَقول وقد دَرَأتُ لها وَظِينِي أهَذَا دينُه أبَداً ودينِي تفسير : أي الذين دأبهم اللعب واللهو المعرضون عن الحقّ، وذلك في معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم. واللعب واللهو تقدّم تفسيرهما في قوله تعالى: {أية : وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو}تفسير : في هذه السورة (32). والذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً فريق عُرفوا بحال هذه الصلة واختصّت بهم، فهم غير المراد من الذين يخوضون في الآيات بل بينهم وبين الذين يخوضون في الآيات؛ فيجوز أن يكون المراد بهم المشركين كلَّهم بناء على تفسير الدين بالملَّة والنِّحلة فهم أعمّ من الذين يخوضون فبينهم العموم والخصوص المطلق. وهذا يناسب تفسير {ذَرْ} بمعنى عدم الاكتراث بهم وبدينهم لقصد عدم اليأس من إيمانهم أو لزيادة التسجيل عليهم، أي وذكِّرْهم بالقرآن، ويجوز أن يكون المراد بهم فريقاً من المشركين سفهاء اتَّخذوا دأبهم اللعب واللهو، بناء على تفسير الدين بمعنى العادة فبينهم وبين الذين يخوضون العموم والخصوص الوجهي. {وغَرّتْهم} أي خدعتهم الحياة الدنيا وظنّوا أنّها لا حياة بعدها وأنّ نعيمها دائم لهم بطراً منهم. وتقدّم تفسير الغرور عند قوله تعالى: {أية : لا يغرّنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد}تفسير : في سورة [آل عمران: 196]. وذكر الحياة هنا له موقع عظيم وهو أنّ همّهم من هذه الدنيا هو الحياة فيها لا ما يتكسب فيها من الخيرات التي تكون بها سعادة الحياة في الآخرة، أي غرّتهم الحياة الدنيا فأوهمتهم أن لا حياة بعدها وقالوا:{أية : إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}تفسير : [الأنعام: 29]. والضمير المجرور في {وذكِّر به} عائد إلى القرآن لأنّ التذكير هو التذكير بالله وبالبعث وبالنعيم والعذاب. وذلك إنَّما يكون بالقرآن فيعلم السامع أنّ ضمير الغيبة يرجع إلى ما في ذهن المخاطب من المقام، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد}تفسير : [ق: 45]. وحذف مفعول {ذكّر} لدلالة قوله: {وذرِ الذين اتَّخذُوا دينهم لعباً ولهواً} أي وذكِّرْهم به. وقوله: {أنْ تُبْسَل نفس} يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لِـ {ذكّرْ} وهو الأظهر، أي ذكِّرْهم به إبسال نفس بما كسبت، فإنّ التذكير يتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى لأنّ أصل فعله المجرّد يتعدّى إلى مفعول فهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعولين هما «هم» و{أن تبسل نفس}. وخُصّ هذا المصدر من بين الأحداث المذكّر بها لما فيه من التهويل. ويجوز أن يكون {أن تُبْسل} على تقدير لام الجرّ تعليلاً للتذكير، فهو كالمفعول لأجله فيتعيّن تقدير لا النافية بعد لام التعليل المحذوفة. والتقدير: لِئلاّ تبسل نفس، كقوله تعالى: {أية : يبيّن الله لكم أن تضلّوا}،تفسير : وقد تقدّم في آخر سورة [النساء: 176]. وجوّز فيه غير ذلك ولم أكن منه على ثلج. ووقع لفظ (نفس) وهو نكرة في سياق الإثبات وقصد به العموم بقرينة مقام الموعظة، كقوله تعالى: {أية : عَلِمَتْ نَفْس ما قدّمَتْ وأخَّرَتْ}تفسير : [الإنفطار: 5] ـــ أي كلّ نفس ـــ علمت نفس ما أحْضَرَتْ، أي كلّ نفس. والإبسال: الإسلام إلى العذاب، وقيل: السجنُ والارتهان، وقد ورد في كلامهم بالمعنيين وهما صالحان هنا. وأصله من البَسْل وهو المنع والحرام. قال ضمرة النهشلي: شعر : بَكَرَتْ تَلُومُكَ بعد وَهْن في النَّدى بَسْل عليكِ مَلاَمَتِي وعِتَابِي تفسير : وأمَّا الإبسال بمعنى الإسلام فقد جاء فيه قول عوف بن الأحوص الكلابي: شعر : وإبْسَالِي بَنِيّ بغير جُرْم بَعَوْنَاهُ ولا بِدَم مُرَاق تفسير : ومعنى: {بما كسبت} بما جنت. فهو كسب الشرّ بقرينة {تبسل}. وجملة: {ليس لها من دون الله} الخ في موضع الحال من {نفس} لعموم {نفس}، أو في موضع الصفة نظراً لكون لفظه مفرداً. والوليّ: الناصر. والشفيع: الطالب للعفو عن الجاني لمكانة له عند من بيده العقاب. وقد تقدّم الولي عند قوله تعالى: {أية : قُلْ أغير الله أتَّخِذُ ولِيّاً}تفسير : في هذه السورة (14)، والشفاعة عند قوله تعالى:{أية : ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل}تفسير : في سورة [البقرة: 48]. وجملة: {وإنْ تعدل كلّ عدل لا يؤخذ منها} عطف على جملة {ليس لها من دون الله وليّ ولا شفيع}. و{تَعْدلْ} مضارع عَدَل إذا فدى شيئاً بشيء وقدّره به. فالفداء يسمَّى العدل كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ولا يؤخذ منها عدل}تفسير : في سورة [البقرة: 48]. وجيء في الشرط بـ {إنْ} المفيدة عدم تحقّق حصول الشرط لأنّ هذا الشرط مفروض كما يفرض المحال. والعدْل في قوله: {كلّ عدْل} مصدر عدل المتقدّم. وهو مصدره القياسي فيكون {كلّ} منصوباً على المفعولية المطلقة كما في «الكشَّاف»، أي وإن تُعط كلّ عطاء للفداء لا يقبل عطاؤها، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به لـ {تعدل} لأنّ فعل (عَدل) يتعدّى للعوض بالباء وإنَّما يتعدّى بنفسه للمعوّض وليس هو المقصود هنا. فلذلك منع في «الكشَّاف» أن يكون {كلّ عدل} مفعولاً به، وهو تدقيق. و{كُلّ} هنا مجاز في الكثرة إذ ليس للعدل، أي للفداء حصر حتّى يحاط به كلّه. وقد تقدّم استعمال (كلّ) بمعنى الكثرة وهو مجاز شائع عند قوله تعالى: {أية : ولئِن أتَيتَ الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية} تفسير : في سورة [البقرة: 145]. وقوله: {لا يؤخذ منها} أي لا يؤخذ منها ما تعدل به. فقوله: {منها} هو نائب الفاعل لــ {يؤخذ}. وليس في {يؤخذ} ضمير العدل لأنَّك قد علمت أنّ العدل هنا بمعنى المصدر، فلا يسند إليه الأخذ كما في «الكشاف»، فقد نزّل فعل الأخذ منزلة اللازم ولم يقدّر له مفعول كأنَّه قيل: لا يؤخذ منها أخْذ. والمعنى لا يؤخذ منها شيء. وقد جمعت الآية جميع ما تعارف الناس التخلّص به من القهر والغلب، وهو الناصر والشفيع والفدية. فهي كقوله تعالى: {أية : ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} تفسير : في سورة [البقرة: 48] وجملة: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ الكلام يثير سؤال سائل يقول: فما حال الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً من حال النفوس التي تُبْسَل بما كسبت، فأجيب بأنّ أولئك هم الذين أبسلوا بما كسبوا، فتكون الإشارة إلى الموصول بما له من الصلة، والتعريف للجزأين أفادَ القصر، أي أولئك هم المبسَلُون لا غيرهم. وهو قصر مبالغة لأنّ إبسالهم هو أشدّ إبسال يقع فيه الناس فجُعل ما عداه كالمعدوم. ويجوز أن تكون الإشارة إلى النفس في قوله: {أن تُبسل نفس} باعتبار دلالة النكرة على العموم، أي أنّ أولئك المبسَلون العادمون وليّاً وشفيعاً وقبولَ فديتهم هم الذين إبسلوا بما كسبوا، أي ذلك هو الإبسال الحقّ لا ما تعرفونه في جَرَائركم وحروبكم من الإبسال، كإبسال أبناء عوف بن الأحوص المتقدّم آنفاً في شعره، فهذا كقوله تعالى: {أية : ذلك يوم التغابن}تفسير : [التغابن: 9]. وجملة {لهم شراب من حميم} بيان لمعنى الإبسال أو بدَل اشتمال من معنى الإبسال، فلذلك فصلت. والحميم: الماء الشديد الحرارة، ومنه الحَمة ـــ بفتح الحاء ـــ العينُ الجارية بالماء الحارّ الذي يستشفى به من أوجاع الأعضاء والدمل. وفي الحديث: «حديث : مَثَل العالم مثل الحَمَّة يأتيها البعداء ويتركها القرباء»تفسير : . وخصّ الشراب من الحميم من بين بقية أنواع العذاب المذكور من بعد للإشارة إلى أنَّهم يعطشون فلا يشربون إلاّ ماء يزيدهم حرارة على حرارة العطش. والباء في {بما كانوا يكفرون} للسببية، و(ما) مصدرية. وزيد فعل (كان) ليدلّ على تمكّن الكفر منهم واستمرارهم عليه لأنّ فعل مادّة الكَوْن تدلّ على الوجود، فالإخبار به عن شيء مخبَر عنه بِغيره أو موصوف بغيره لا يفيد فائدة الأوصاف سوى أنَّه أفاد الوجود في الزمن الماضي، وذلك مستعمل في التمكّن.
الواحدي
تفسير : {وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} يعني: الكفَّار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها {وذكِّر به} وعِظْ بالقرآن {أن تبسل نَفْسٌ بما كسبت} تُسلم للهلكة، وتحبس في جهَّنم فلا تقدر على التَّخلص، ومعنى الآية: وذكرِّهم بالقرآن إسلام الجانين بجناياتهم لعلَّهم يخافون فيتَّقون {وإن تعدل كل عدل} يعني: النَّفس المُبسلة. تفدِ كلَّ فداء. يعني: تفدِ بالدُّنيا وما فيها {لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} أُسْلِموا للهلاك {لهم شرابٌ من حميم} وهو الماء الحارُّ. {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} أنعبد ما لا يملك لنا نفعاً ولا ضرَّاً؛ لأنَّه جماد؟ {ونردُّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} نردُّ وراءنا إلى الشِّرك بالله، فيكون حالنا كحال {الذي استهوته الشياطين في الأرض} استغوته واستفزَّته الغِيلان في المهامة {حيران} متردِّداً لا يهتدي إلى المحجَّة {له أصحابٌ يدعونه إلى الهدى ائتنا} هذا مثَلُ مَنْ ضلَّ بعد الهدى، يجيب الشَّيطان الذي يستهويه في المفازة، فيصبح في مضلَّة من الأرض يهلك فيها، ويعصي مَنْ يدعوه إلى المحجَّة، كذلك مَنْ ضلَّ بعد الهدى {قل إنَّ هدى الله هو الهدى} ردٌّ على مَنْ دعا إلى عبادة الأصنام، أَيْ: لا نفعل ذلك؛ لأنَّ هدى الله هو الهدى لا هدى غيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} {أُوْلَـٰئِكَ} (70) - وَدَعْ أَيُّهَا الرَّسُولُ، أَنْتَ وَمَنْ تَبِعَكَ مِنَ المُؤْمِنينَ، هؤُلاءِ المُشْرِكينَ، الذِينَ اتَّخَذُوا دِيْنَهُمْ لَعِباً وَسُخْرِيَةً وُهُزْواً، وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيا، وَلا تُبَالُوا بِتَكْذِيبِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، وَأَمْهِلُوهُمْ قَليلاً، فَإِنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ. وَذَكِّرُوا النَّاسَ دَائِماً بِهذا القُرْآنِ، وَحَذِّرُوهُمْ نِقَمَ اللهِ وَعَذَابَهُ الأليمَ، لِكَيْلاَ تَفْتَضِحَ نَفْسٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَصِيرَ إِلى التَّهْلُكَةِ، وَتَكُونَ رَهْنَ العَذَابِ (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ)، بِسَبَبِ مَا اقْتَرَفَتْهُ مِنَ الأَعْمَالِ السَيِئَةِ، وَمَا اجْتَرَحَتْهُ مِنَ الذَّنُوبِ وَالخَطَايَا. وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ لاَ يَكُونُ لِهَذِهِ النَّفْسِ المُذْنِبَةِ شَفِيعٌ وَلاَ وَلِيٌّ يَشْفَعُ لَهَا أَوْ يَنْصُرُهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَإِنَّها إذَا بَذَلَتْ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الفِدَاءِ (العَدْلِ)، لِتَنْجُوَ مِنَ العَذَابِ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا ذَلِكَ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ افْتَضَحُوا، وَصَارُوا رَهْنَ العَذَابِ (أُبْسِلُوا) بِسَبَبِ مَا اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ سَيَكُونُ شَرَابُهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، مِنْ مَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةِ (حَمِيمٍ)، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. غَرَّتْهُمْ - خَدَعَتْهُمْ وَأَطْمَعَتْهُمْ بِالبَاطِلِ. أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ - لِكَيلاَ تُحْتَبَسَ فِي النَّارِ، أَوْ تُسَامَ الهَلَكَةَ أَوْ تَفْتَضِحَ. تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ - تَفْتَدِ بِكُلِّ فِداءٍ. حَمِيمٍ - مَاءٍ بَالِغِ النِّهَايَةِ فِي شِدَّةِ الحَرَارَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا - من قبل -: إن اللعب هو الاشتغال بما لا يفيد لقتل الوقت. وعرفنا أن اللعب مجاله قبل التكليف أي قبل سن البلوغ. وإذا شغلك اللعب عن شيء مطلوب منك فهو لهو؛ لأنك لهيت عن امر واجب عليك، فاللهو - إذن - هو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة. وقوله الحق: {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} هو تصوير لا يوجد أبرع منه؛ لأنهم أصحاب العقول التي تغتر بالحياة الدنيا فهي عقول تائهة؛ فالعقل الناضج يفهم الدنيا على أنها أقل شأناً من أن تكون غاية، ولكنها وسيلة أو مجال وطريق ومزرعة إلى الآخرة. وعلى العقل الناضج أن يعاملها دون نسيان مهمتها، وآفة الناس أنهم جعلوا الوسائل غايات، وغاية وجود الناس على الأرض أن يعمروها بالعمل الصالح وعبادة الحق، فمن انجرف عن ذلك فله عقابه يوم الغاية الكبرى، وهو يوم الحساب. إننا نعلم أن غاية الإنسان من الحياة الدنيا ليست أن يعيش عمراً طويلاً، ولا أن ينال المناصب، ولا أن يحصل على الثراء، ولا أن ينال القوة، فكل ذلك من الأغيار، والأغيار تختلف من إنسان إلى آخر. وما نختلف فيه نحن البشر ليس غاية لوجودنا، والغاية للوجود الإنساني لا بد أن تكون واحدة. وأن نتفق فيها جميعاً، هذه الغاية هي ما نصير إليه بعد الموت. ونجاح كل عمل بمقدار ما يقرب الغاية منه. ولذلك فالمؤمن الحق يرى استقبال البشر لقضية الموت استقبالاً أحمق، فعندما يموت شاب في العشرين نجد من يقول: "إنه لم يستمتع بشبابه" والمؤمن الحق يرد على مثل هذا القول متسائلاً: أين تريد أن يستمتع بشبابه؟. ويجيب أصحاب الفهم السطحي: لقد مات قبل أن يستمتع بشبابه في هذه الدنيا. ويقول المؤمن الحق: وهل هذه الدنيا هي الغاية؟. إنها ليست الغاية، بل الغاية هي الحياة الأخرى. ومن مات قبل التكليف فقد أنقذه الله من الحساب وأوطنه الجنة يتلقى نعيمها الدائم. فلماذا - إذن - هذه المبالغة في الحزن على أي ميت؟ والذي يقترب من الغاية يحب هذه الغاية. وهب أن إنساناً غايته أن يذهب إلى الإسكندرية، والوسيلة إليها قد تكون حصاناً أو عربة أو طائرة، فكل شيء يقربه من الغاية يكون هو الأفضل. فإذا كان الله يريد أن يأخذ بعضاً من خلقه وهم في بطون أمهاتهم، فهذه إرادته. والذي ذهب من بطن الأم إلى القبر قرب من الغاية، وخلص من المراحل التي كانت في طياتها الفتنة. ودخل الجنة. وهب أن الوليد عاش إلى عمر المائة وصار شيخاً ومر بكل اختبارات الفتنة واستقام على المنهج، فإلى أين مصيره؟ إنه إلى الجنة. إذن فعلينا أن نستقبل كل قدر الله بحب: قدر الميلاد أو قدر الخروج من الدنيا، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك: 1-2]. إنه سبحانه لم يقل إنه خلق الحياة والموت، لا، بل قال: {خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} وذلك حتى يستقبل كل منا الحياة، ويسبقها في الذهن ما ينقض هذه الحياة وهو الموت. إذن فهذه هي الغاية التي يتفق فيها كل الجنس البشري، أما ما عداها فهي أغيار نختلف فيها. لذلك لا تقل إن الغاية من ابنك أن ينجح في القبول للإعدادية ثم يحصل على الشهادة الإعدادية، ثم يحصل على الثانوية العامة، ثم يحصل على ليسانس الكلية أو بالكالوريوس التخرج أو درجة الماجستير أو درجة الدكتوراة، ثم يصير صاحب شأن في الحياة، لا تقل ذلك؛ لأن كل ذلك ليس غاية في الحياة، ولأن الغاية هي ما لا يوجد بعدها بعد، ولكن علينا أن نقوم بإعمار الأرض كما أمرنا الله ولكن لا نجعلها هي الغاية. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} تفسير : [الحديد: 20]. هذه هي الحياة الدنيا، ولذلك يجب أن نحيا دائماً على ضوء ما ينجينا من العذاب وهو ذكر الله، إن الحق سبحانه يقول: {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 70] والذكر هنا مقصود به التذكير بالقرآن وهو المنهج النازل من السماء وطبقه رسول الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر أيضاً، أو الذكر هنا مقصود به العذاب الذي ينتظر من يخالف المنهج، وقوله الحق: {وَذَكِّرْ بِهِ}، يدل على أن منطق الفطرة يقتضي أننا نعرف أن الحق لا يمكن أن يعامل المتقين في الدنيا كما يعامل المنحرفين. ومثال ذلك الإنسان الذي يخوض في أعراض الناس ويظلمهم لا يتصور أبداً -أن يلقى من الحق - سبحانه - المعاملة التي يعامل بها الإنسانَ الملتزم بمنهج الإيمان؛ فالفطرة تقول لنا: إن الحق يجازي كل إنسان بعمله، سواء أكان الجزاء في الدنيا أم في الآخرة. ومن المأثور عن بعض العرب أنه قال: لن يموت ظلوم حتى ينتقم منه الله. ومن بعد ذلك مات رجل ظلوم ولم ير فيه الناس انتقام السماء، فقال الرجل العربي: والله إن وراء هذه الدار داراً يُجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} والبَسْلُ معناه: المنع، والمنع له صورتان: الأولى منع حركة حياة حي . . أي أن تحبسه في مكان محدد يتحرك فيه، والثانية: منع من أصل الحياة . . أي أن تهلكه وتزهق روحه، {تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي تُمنع نفس بما كسبت، والمنع إما بالهلاك أو بالحبس حبساً يديم عليها العذاب. والحبس - في أعراف البشر - وهو وضع إنسان في مكان لكفِّه عن ظلم غيره، أي أننا نمنع شرور إنسان عن المجتمع بوضعه في الحبس. وعندما جاء الإسلام لم يحبس فرداً إنما حبس المجتمع عن فرد، وهذا عقاب أكبر وأشد؛ فقد ترك الإسلام المجرم حرّاً في المجتمع ولكنه حبس المجتمع عنه؛ فالمجرم يمشي فلا يجد من يكلمه أو يضحك له أو يفرح معه أو يشاركه حزنه. وحدث ذلك عندما حبس المؤمنون أنفسهم عن ثلاثة تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن إنساناً منهم جاء ليقرب امرأته فرفضت. وحاول ثان أن يسلم على ابن عمه فما رد عليه السلام فجلس يبكي. وقاطع كل الناس هؤلاء الثلاثة، وهذه هي عظمة الإسلام، لقد سجن المجتمع عن المجرم فتعذب المجرم بقطيعة المجتمع له. {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي ذكر بالقرآن أو بالمنهج أو بعاقبة مخالفة الإنسان للمنهج. والعقاب إما حبس وإما هلاك، وذلك بسبب ما تكسب النفس. والكسب في اللغة معناه زيادة على رأس المال. وللكلمة اشتقاق ثان وهو "اكتسب". ومرة تأتي الكلمتان في معنى واحد، فالكسب يحدث دون افتعال ودون تعب أو مشقة، أما الاكتساب فهو يحدث بافتعال وبمعالجة وعنت؛ لأن الذي يصنع المحرَّم يأخذ أكثر من قدرة ذاته، فيكون قد اكتسب. أما الذي يأخذ الأمر المشروع له فهو قد كسب. ولكن بعض الناس تأخذ ما اكتسبوه باحتيال ومكر ويظنون أنه كسب وهذا هو الشر؛ لأنه يأخذ غير المشروع له ويحلله لنفسه، ويعتبره كسباً لا اكتساباً. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]. إن "لها" أي لصالح النفس؛ لأنها أخذت ما هو حق لها. و "عليها" أي ضد النفس؛ لأنها افتعلت في أخذ ما ليس حقاً لها. ومثال ذلك: نظرة الرجل إلى زوجته، إنها نظرة طيبة إلى حلال طيب. لكن نظرة الرجل إلى امرأة غريبة قد تحتوي من الافتعال الكثير؛ فهو يتلصص ليراها، ولا يرغب في أن يراه أحد وهو يختلس النظر إليها، وهذه كلها انفعالات مفتعلة. ومثال آخر: سيدة البيت عندما تدخل إلى مطبخها فتتناول شيئاً لتأكله، إنها تأكل من حلال مال زوجها، أما الخادمة فعندما تريد أن تأخذ قطعة من اللحم من المطبخ دون علم أهل البيت فهي تتلصص، وتحاول معرفة عدد قطع اللحم، وقد تتساءل بينها وبين نفسها: ألم تقم ربة البيت بحصر عدد قطع اللحم؟ ولذلك فهي تأخذ من كل قطعة لحم قطعة صغيرة. وهذا افتعال يتعب الجوارح؛ لأن مثل هذه الأمور تتعب ملكات الإنسان، إنّه يحاول أن يرضي ملكة واحدة فيتعب كل ملكاته الأخرى. {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} [الأنعام: 70]. إذن فهي النفس التي تحبس وتسلم نفسها إلى الهلكة والعذاب بسوء كسبها ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع، ولا يُقبل منها عدل. وهذه مراحل متعددة تبدأ بقوله الحق: {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ} والولي هو الذي ينصرك إن كنت في مأزق. ومأزق الآخرة كبير، فماذا عن الإنسان الذي ليس له ولاية؟ إنه العذاب الحق. والمرحلة الثانية {وَلاَ شَفِيعٌ} أي ليس له من يشفع عند من يملك النصرة وهو الله؛ فالذي يحبك إن لم ينصرك بذاته فإنه قد يشفع لك عند من يستطيع أن ينصرك. وهذا أيضاً لا يوجد لمن لم يتذكر ويتعظ ولم يتبع المنهج الإيماني. والمرحلة الثالثة {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} أي أنه لا تقبل منه فدية. فهذه المنافذ الثلاثة قد سُدّت ولا سبيل للنّجاة لهؤلاء الذين قال فيهم الحق: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} أي أهلكوا أو حُبسوا في الجحيم حبساً لا فكاك منه، وليس هذا فقط ولكن الحق يقول أيضاً: {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}. إن كلمة "شراب" إذا سمعناها فإننا نفهم منها الرِّي. ولكن الحق هنا يتبع كلمة "شراب" بتحديد مصدر هذا الشراب، إنه "من حميم" ليحدث ما يُسمى "انبساط" و "انقباض"؛ فالشيء الذي يسرّ الإنسان تنبسط له النفس. والشيء الذي يحزن الإنسان تنقبض له النفس. ولو أن الأمر المحزن جاء بداية في هذا القول الكريم لانقبضت النفس في المسار الطبيعي، لكن الحق شاء أن يأتي أولاً بكلمة من يسمعها تُسر نفسه وهي "شراب" ثم تبعها بما يقبض النفس "من حميم" ليكون الألم ألمين: ألم زوال السرور، وألم مجيء الحزن. ويصور القرآن في موضع آخر هذه الصورة فيقول: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ...} تفسير : [الكهف: 29]. وتنبسط النفس حين تسمع الجزء الأول وهو: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ} ولكنها تنقبض فور سماعها {بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ}. وصورة أخرى عندما يقول الحق: {أية : ... فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [التوبة: 34]. وتنبسط النفس - كما علمنا - حينما تسمع خير البشارة؛ لأن البشارة تأتي للأمر المفرح، وتنقبض عندما تعلم أن البشارة هي بالعذاب الأليم. إذن فقد جاء الحق بالانبساط، وجاء بالانقباض. وهذه سنة من سنن الله في التأديب. ومثال على ذلك: عندما يرتكب إنسان مظالم كثيرة، وتفاقم واستفحل شره ويريد الله أن ينتقم منه، إنه سبحانه لا ينتقم منه وهو على حاله الطبيعي، إنما يرفع الحق - سبحانه - هذا الظالم إلى درجات عالية ثم يخسف به الأرض. ولذلك يقول الحق: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً...} تفسير : [الأنعام: 44]. وساعة تسمع {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} فأنت تخاف؛ لأن الفتح هنا "عليهم" وليس "لهم". لكنك ساعة تسمع قوله الحق: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} تفسير : [الفتح: 1]. فإنك تحس بالانشراح والسرور؛ لأن الفتح هنا لصالح المتلقي وليس عليه هكذا يريد الحق أن يصْلى المتجبرون العذاب المضاعف: {... لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70]. والعذاب هنا نتيجة لما فعلوه وليس فعل جبار متسلط. أما غيرهم من المتساوين معهم في الملكات، واختاروا الخير فآمنوا بالمنهج وطبقوه على أنفسهم فقد نالوا الخير بما فعلوا، والتكوين الإنساني في ذاته صالح لفعل الخير ولفعل الشر، وسنة الحق واضحة جلية: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8]. ويقول الحق من بعد ذلك: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ} [الآية: 70]. يعني: أن تسلم نفس. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} [الآية: 70]. قال: هو مثل قوله:{أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدا}تفسير : [المدثر: 11]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} يعني به الأَوثان، {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} [الآية: 71]. قال: هو رجل حيران يدعو أَصحابه إِلى الطريق. ذلك مثل من يضلّ بعد الهدى. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: "الْمَلَكُوتُ": الآيات [الآية: 76].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} معناهُ تُرتَهَن وتُسَلَّم. ويقالُ: تُجزَى.
الأندلسي
تفسير : {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} الآية، هذا أمر بتركهم وكان ذلك لقلة اتبّاع الإِسلام حينئذٍ ودينهم ما كانوا عليه من البحائر والسوائب والحوامي والوصائل وعبادة الأصنام والطواف حول البيت عراة يصفقون ويصفرون. {وَذَكِّرْ بِهِ} الضمير في به عائد على القرآن. و{تُبْسَلَ} قال ابن عباس: تفضح. وقال قتادة: تحبس وترتهن. وأن تبل اتفقوا على أنه في موضع المفعول من أجله وقدروا كراهة أن تبسل ومخافة أن تبسل ولئلا تبسل. ويجوز عندي أن يكون في موضع جر على البدل من الضمير. والضمير مفسر بالبدل وأضمر الابسال لما في الاضمار من التفخيم، كما أضمروا ضمير الأمر والشأن وفسّر بالبدل وهو الإِبسال فالتقدير وذكر بارتهان النفوس وحسبها بما كسبت. وقد روي: شعر : إذا هي لم تستك بعود اراكة تنحل فاستاكت به عود أسحل تفسير : بجر عود على أنه بدل من الضمير. {لَيْسَ لَهَا} هذه جملة استئناف اخبار. و{مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي من دون عذاب الله. {وَلِيٌّ} فينصرها. {وَلاَ شَفِيعٌ} فيدفع عنها بمسألته. {وَإِن تَعْدِلْ} أي وإن تفد كل فداء. والعدل: الفدية، لأن الفادي يعدل الفداء بمثله. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ} الظاهر أنه يعود على الذين اتخذوا دينهم. وقال ابن عطية: أولئك إشارة إلى الحبس المدلول عليه بقوله: أن تبسل، نفس الآية. {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} الحميم: الماء الحار. والأظهر أنها جملة استئناف اخبار، ويحتمل أن تكون حالاً. وشراب بمعنى مفعول كطعام بمعنى مطعوم، ولا ينقاس فعال بمعنى مفعول، لا يقال: ضراب ولا قتال بمعنى مضروب ومقتول. {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية، هذا استفهام بمعنى الإِنكار أي لا يقع شىء من هذا من دون الله النافع الضار المبدع للأشياء القادر. قوله و: {مَا لاَ يَنفَعُنَا} إذ هي أصنام خشب وحجارة وغير ذلك. {وَنُرَدُّ} معطوف على أندعو وهو داخل في استفهام التقرير. {عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} أي إلى الشرك أي رد القهقرى إلى وراء وهي المشية الدنية. واستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر. قال الطبري وغيره: الرد على العقب يستعمل فيمن أمل أمراً فخاب أمله. {كَٱلَّذِي} الآية، في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي رداً مثل رد الذي. والأحسن أن يكون حالاً أي كائنين كالذي. والذي ظاهره أنه مفرد ويجوز أن يراد به معنى الجمع أي كالفريق الذي استهوته الشياطين حمله الزمخشري على أنه من الهوى الذي هو المودة والميل كأنه قيل: كالذي أمالته الشياطين عن الطريق الواضح إلى المهمة القفر وحمله غيره كأبي علي على أنه من الهوى أي ألقته في هوة، ويكون استفعل بمعنى أفعل نحو استزل وأزل. {فِي ٱلأَرْضِ} متعلق باستهوته. {حَيْرَانَ} حال من ضمير النصب في استهوته وهو لا ينصرف ومؤنثه حيرى. {لَهُ أَصْحَابٌ} قال الزمخشري: أي لهذا المستوى أصحاب رفقة. {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} أي إلى أن يهدوه إلى الطريق المستوي. قال ابن عباس في معنى الآية: مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح وقد ألقته في مَهْمَةٍ ومهلكة فهو حائر في تلك المهامة. {ٱئْتِنَا} معمول لقول محذوف تقديره قائلين إئتنا وهو من الإِتيان بمعنى جيء إلينا. {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} من قال ان قوله: له أصحاب، يعني به من الشياطين. وأن قوله: إلى الهدى، بزعمهم كانت هذه الجملة رداً عليهم أي ليس ما زعمتم هدى بل هو كفر وإنما الهدى هدى الله وهو الإِيمان. ومن قال ان قوله: له أصحاب مثل للمؤمنين الداعين إلى الهدى الذي هو الإِيمان كانت اخباراً بأن الهدى هدى الله من شاء لا أنه يلزم من دعائهم إلى الهدى وقوع الهداية بل ذلك بيد الله تعالى من هداه اهتدى. {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الظاهر أن اللام لام كي، ومفعول أمرنا الثاني محذوف وقدروه وأمرنا بالإِخلاص لكن ننقاد ونستسلم. قال ابن عطية: ومذهب سيبويه أن لنسلم هو موضع المفعول، وأن قولك: أمرت لأقوم وأمرت أن أقوم يجريان سواء. "انتهى". وما ذكره ابن عطية عن سيبويه ليس كما ذكر بل ذلك مذهب الكسائي والفراء زعماً أن لام كي تقع في موضع أنْ في أردت وأمرت. قال تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}تفسير : [النساء: 26]. {وَأَنْ أَقِيمُواْ} أن مصدرية دخلت على الأمر فيسبك منه مصدر ولا يلحظ فيه معنى الأمر ويكون معطوفاً على قوله: لنسلم، أي للاستسلام ولإِقامة الصلاة. والضمير في واتقوه عائد على رب العالمين. {وَٱتَّقُوهُ} معطوف على أقيموا فيكون مأموراً بالإِخلاص للإِسلام ولإِقامة الصلاة ولتقوى الله. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} جملة خبرية تتضمن التنبيه والتخويف لمن ترك امتثال ما أمر به من الإِسلام والصلاة، واتقاء الله تعالى، وإنما تظهر ثمرات فعل هذه الأعمال وحسرات تركها يوم الحشر والقيامة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المقصود من العباد، أن يخلصوا لله الدين، بأن يعبدوه وحده لا شريك له، ويبذلوا مقدورهم في مرضاته ومحابه. وذلك متضمن لإقبال القلب على الله وتوجهه إليه، وكون سعي العبد نافعا، وجدًّا، لا هزلا وإخلاصا لوجه الله، لا رياء وسمعة، هذا هو الدين الحقيقي، الذي يقال له دين، فأما من زعم أنه على الحق، وأنه صاحب دين وتقوى، وقد اتخذ دينَه لعبا ولهوا. بأن لَهَا قلبُه عن محبة الله ومعرفته، وأقبل على كل ما يضره، ولَهَا في باطله، ولعب فيه ببدنه، لأن العمل والسعي إذا كان لغير الله، فهو لعب، فهذا أَمَر الله تعالى أن يترك ويحذر، ولا يغتر به، وتنظر حاله، ويحذر من أفعاله، ولا يغتر بتعويقه عما يقرب إلى الله. { وَذَكِّرْ بِهِ } أي: ذكر بالقرآن، ما ينفع العباد، أمرا، وتفصيلا وتحسينا له، بذكر ما فيه من أوصاف الحسن، وما يضر العباد نهيا عنه، وتفصيلا لأنواعه، وبيان ما فيه، من الأوصاف القبيحة الشنيعة، الداعية لتركه، وكل هذا لئلا تبسل نفس بما كسبت، أي: قبل اقتحام العبد للذنوب وتجرئه على علام الغيوب، واستمرارها على ذلك المرهوب، فذكرها، وعظها، لترتدع وتنزجر، وتكف عن فعلها. وقوله { لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ } أي: قبل [أن] تحيط بها ذنوبها، ثم لا ينفعها أحد من الخلق، لا قريب ولا صديق، ولا يتولاها من دون الله أحد، ولا يشفع لها شافع { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } أي: تفتدي بكل فداء، ولو بملء الأرض ذهبا { لا يُؤْخَذْ مِنْهَا } أي: لا يقبل ولا يفيد. { أُولَئِكَ } الموصوفون بما ذكر { الَّذِينَ أُبْسِلُوا } أي: أهلكوا وأيسوا من الخير، وذلك { بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ } أي: ماء حار قد انتهى حره، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } .
همام الصنعاني
تفسير : 817- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً}: [الآية: 70]، نَسَخَهَا قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5]. 818- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ في قوله تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ}: [الآية: 70]، قال: لو جاءت بملءِ الأرض ذهَباً أوْ ورِقاً لم يقبل منها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):