٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: {قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فقال: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقدنا الله منه وهدانا للإسلام؟ ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم. قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ }تفسير : [النحل: 78] فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة، فلهذا السبب يقال: فلان رد على عقبيه. وأما قوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأَرْضِ } فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: {ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة {استهواه} بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة. المسألة الثانية: اختلفوا في اشتقاق {ٱسْتَهْوَتْهُ } على قولين: القول الأول: أنه مشتق من الهوى في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الحج:31] ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة. والقول الثاني: أنه مشتق من اتباع الهوى والميل، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة، والقول الأول أولى، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف. الصفة الثانية: قوله: {حَيْرَانَ } قال الأصمعي: يقال حار يحار حيرة وحيراً، وزاد الفراء حيراناً وحيرورة، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه. ومنه يقال: الماء يتحير في الغيم أي يتردد، وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء. واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن، وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة، وذلك يوجب كمال التردد والتحير، وأيضاً فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالاً للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {لَهُ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا } قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضال أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى وهذا بعيد. والقول الصحيح هو الأول. ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف. ثم قال تعالى: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } واعلم أن قوله: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به، فإما أن يكون من باب الأفعال، وإما أن يكون من باب التروك. أما القسم الأول: فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي، والله سبحانه لما بين أولاً أن الهدى النافع هو هدى الله، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة. فإن قيل: كيف حسن عطف قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ } على قوله: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }؟ قلنا: ذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: أن يكون التقدير، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة. فإن قيل: هب أن المراد ما ذكرتم، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل؟ قلنا: وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين، فيقال له: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين، ويقال له: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا} أي ما لا ينفعنا إن دعوناه. {وَلاَ يَضُرُّنَا} إن تركناه؛ يريد الأصنام. {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحد الأعقاب عقِب وهو مؤنث؛ وتصغيره عقيبة. يقال: رجع فلان على عقِبيه إذا أدبر. قال أبو عبيدة: يقال لمن ردّ عن حاجته ولم يظفر بها: قد ردّ على عقبيه. وقال المبرد: معناه تعقب بالشر بعد الخير. وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان تالياً للشيء واجباً أن يتبعه؛ ومنه {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}. ومنه عَقِب الرِّجل. ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب، وعنه تكون. قوله تعالى: {كَٱلَّذِي} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. {ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} أي استغوته وزيّنت له هواه ودعته إليه. يقال: هَوَى يَهْوِي إلى الشيء أسرع إليه. وقال الزجاج: هو من هَوِيَ يَهْوَى، مِن هَوَى النفس؛ أي زَيّن له الشيطان هواه. وقراءة الجماعة «استهوته» أي هوت به، على تأنيث الجماعة. وقرأ حمزة «استهواه الشياطين» على تذكير الجمع. وروي عن ابن مسعود «استهواه الشيطان»، وروي عن الحسن، وهو كذلك في حرف أبَيّ. ومعنى «ٱئتنا» تابعنا. وفي قراءة عبد الله أيضاً «يَدعُونه إلى الهُدَى بَيِّناً». وعن الحسن أيضاً «استهوته الشياطون». {حَيْرَان} نصب على الحال، ولم ينصرف لأن أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى. والحَيْرَانُ هو الذي لا يهتدِي لجهة أمره. وقد حار يَحار حَيْراً وحَيْرَة وحَيْرُورة، أي تردّد. وبه سُمِّي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائراً، والجمع حُورَان. والحائر الموضع الذي يتحير فيه الماء. قال الشاعر:شعر : تَخْطُو على بَرْدِيّتَيْن غذاهما غَدِقٌ بساحة حائرٍ يَعْبُوبُ تفسير : قال ابن عباس: أي مَثَل عابد الصنم مثل من دعاه الغُول فيتبعه فيُصبح وقد ألقته في مَضَلّة ومَهْلَكة؛ فهو حائر في تلك المَهامِة. وقال في رواية أبي صالح: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام والمسلمون؛ وهو معنى قوله: {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} فيأبى. قال أبو عمر: أمُّه أمُّ رُومانَ بنت الحارث بن غَنْم الكنانية؛ فهو شقيق عائشة. وشهِد عبد الرحمن بن أبي بكر بَدْراً وأُحُداً مع قومه وهو كافر، ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له «مَتِّعْنِي بنفسك». ثم أسلم وحسُن إسلامه، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هُدْنَة الحُدَيْبِيَة. هذا قول أهل السِّيَر. قالوا: كان ٱسمه عبدَ الكعبة فغيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمَه عبد الرحمن، وكان أسنَّ ولد أبي بكر. ويقال: إنه لم يدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعةٌ وِلاءً: أبٌ وبنوه إلا أبا قُحافة وابنَه أبا بكر وٱبنَه عبد الرحمن بن أبي بكر وابنَه أبا عتيق محمد بن عبد الرحمن، والله أعلم. قوله تعالى: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} اللام لام كي، أي أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة؛ لأن حروف الإضافة يعطف بعضها على بعض. قال الفَرّاء: المعنى أمرنا بأن نسلم؛ لأن العرب تقول: أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنًى. قال النحاس: سمعت أبا الحسن بن كَيْسان يقول هي لام الخفض، واللامات كلها ثلاث: لامُ خفضٍ ولامُ أمرٍ ولامُ توكيد، لا يخرج شيء عنها. والإسلام الإخلاص. وإقامة الصلاة الإتيان بها والدّوام عليها. ويجوز أن يكون «وأن أقيموا الصلاة» عطفاً على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة؛ لأن معنى ٱئتنا أنِ ٱئتنا. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ابتداء وخبر وكذا {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي فهو الذي يجب أن يُعبد لا الأصنام. ومعنى {بِٱلْحَقِّ} أي بكلمة الحق. يعني قوله «كُنْ». قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} أي وٱذكر يوم يقول كن. أو ٱتّقوا يوم يقول كن. أو قَدِّر يوم يقول كن. وقيل: هو عطف على الهاء في قوله: {وٱتقوه}. قال الفراء: «كن فيكون» يقال: إنه للصُّور خاصَّة؛ أي ويوم يقول للصُّور كن فيكون. وقيل: المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم. وعلى هذين التأوِيلين يكون {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} ابتداءً وخبراً. وقيل: إن قوله تعالى: {قَوْلُهُ} رفع بيكون؛ أي فيكون ما يأمر به. و«الْحَقُّ» من نعته. ويكون التمام على هذا «فيكون قوله الحق». وقرأ ٱبن عامر «فيكونَ» بالنصب، وهو إشارة إلى سرعة الحساب والبعث. وقد تقدّم في «البقرة» القول فيه مستوفى. قوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ} أي وله المُلْك يومَ ينفخ في الصُّور. أو وله الحق يوم ينفخ في الصور. وقيل: هو بدل من «يوم يقول». والصُّور قَرْن من نُور يُنفخ فيه، النفخة الأولى للفَناء والثانية للإنشاء. وليس جمع صُورة كما زعم بعضهم؛ أي ينفخ في صُور الموتى على ما نبيِّنه. روى مُسْلم من حديث عبد الله بن عمرو: «...ثم يُنفخ في الصُّور فلا يسمعه أحد إلا أصغى لِيتاً ورفَع ليتا ـ قال ـ وأوّل من يسمعه رجل يَلُوطُ حَوْض إبِلِه ـ قال ـ فَيَصْعَق ويَصْعَق الناسُ ثم يرسل الله ـ أو قال ينزل الله ـ مطراً كأنه الطّلُّ فَتنْبُت منه أجسادُ الناس ثم يُنفخ فيهِ أخرى فإذا هم قيام ينظرون» وذكر الحديث. وكذا في التنزيل {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} تفسير : [الزمر: 68] ولم يقل فيها؛ فعُلم أنه ليس جمع الصُّورة. والأمم مُجْمِعة على أن الذي يَنفخ في الصُّور إسرافيلُ عليه السلام. قال أبو الْهَيْثم: من أنكر أن يكون الصُّور قَرْنا فهو كمن يُنكر العرش والميزان والصراط، وطلب لها تأويلات. قال ابن فارس: الصُّور الذي في الحديث كالقَرْن يُنفَخ فيه، والصُّور جمع صُورة. وقال الجوهري: الصُّور القَرْن. قال الراجز:شعر : لقد نَطحناهم غَداةَ الجَمْعَيْن نَطْحاً شديداً لا كنطح الصُّورَيْن تفسير : ومنه قوله: {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} تفسير : [النمل: 87]. قال الكَلْبِيّ: لا أدري ما هو الصُّور. ويقال: هو جمع صُورة مثلُ بُسْرَة وبُسْر؛ أي يُنفخ في صُوَر الموتى والأرواح. وقرأ الحسن «يومَ يُنْفَخُ في الصُّوَر». والصِّور (بكسر الصاد) لغة في الصُّوَر جمع صُورة والجمع صِوار، وصِيّار (بالياء) لغة فيه. وقال عمرو بن عبيد: قرأ عِياض «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّوَر» فهذا يعني به الخلق. والله أعلم. قلت: وممن قال إن المراد بالصُّور في هذه الآية جمع صُورة أبو عبيدة. وهذا وإن كان محتملاً فهو مردود بما ذكرناه من الكتاب والسُّنّة. وأيضاً لا ينفخ في الصور للبعث مرتين؛ بل ينفخ فيه مرة واحدة؛ فإسرافيل عليه السلام يَنفخ في الصُّور الذي هو القَرْن والله عز وجل يُحيـي الصُّوَر. وفي التنزيل {أية : فَنَفَخْنَا فِيه مِن رُّوحِنَا}تفسير : [التحريم: 21]. قوله تعالى: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} برفع {عالم} صفة لـ {الذِي}؛ أي وهو الذي خلق السموات والأرض عالم الغيب. ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدأ. وقد رُوي عن بعضهم أنه قرأ «يَنْفُخ» فيجوز أن يكون الفاعل {عَالِمُ الغَيْبِ}؛ لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله عز وجل كان منسوباً إلى الله تعالى. ويجوز أن يكون ارتفع {عَالِمُ} حملاً على المعنى؛ كما أنشد سيبويه:شعر : لِيُبْكَ يَزِيـدُ ضارِعٌ لخُصومـةٍ تفسير : وقرأ الحسن والأعمش «عالِم» بالخفض على البدل من الهاء التي في «له».
البيضاوي
تفسير : {قُلْ أَنَدْعُواْ} أنعبد. {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} ما لا يقدر على نفعنا وضرنا. {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا} ونرجع إلى الشرك. {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} فأنقذنا منه ورزقنا الإِسلام. {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامة، استفعال من هوى يهوي هويًا إذا ذهب. وقرأ حمزة «استهواه» بألف ممالة ومحل الكاف النصب على الحال من فاعل {نُرَدُّ} أي: مشبهين الذي استهوته، أو على المصدر أي رداً مثل رد الذي استهوته. {فِى ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} متحيراً ضالاً عن الطريق. {لَهُ أَصْحَـٰبٌ} لهذا المستهوى رفقة. {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} إلى أن يهدوه الطريق المستقيم، أو إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر. {ٱئْتِنَا } يقولون له ائتنا. {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ} الذي هو الإِسلام. {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} وحده وما عداه ضلال. {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} من جملة المقول عطف على أن هدى الله، واللام لتعليل الأمر أي أمرنا بذلك لنسلم. وقيل هي بمعنى الباء وقيل هي زائدة.
ابن كثير
تفسير : قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله عز وجل: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} أي: في الكفر {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام، رواه ابن جرير، وقال قتادة: {ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأَرْضِ}: أضلته في الأرض، يعني: استهوته: سيرته؛ كقوله: {أية : تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 37] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} الآية، هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله عز وجل، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهاً، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء، حتى يأتيه الموت، فيستقبل الندامة والهلكة، وقوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأَرْضِ} هم الغيلان {يَدْعُونَهُ} باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها، وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل، رواه ابن جرير، وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن هدى، وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَـٰبٌ} هو الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس، {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} والضلال ما يدعو إليه الجن، رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال، ويزعمون أنه هدى، قال: وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالاً، وقد أخبر الله أنه هدى، وهو كما قال ابن جرير؛ فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي: في حال حيرته وضلاله، وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام: فيأبى عليهم، ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه، ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} كما قال: {أية : وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} تفسير : [الزمر: 37] وقال: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ} تفسير : [النحل: 37] وقوله: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: نخلص له العبادة وحده لا شريك له، {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ} أي: وأمرنا بإقامة الصلاة، وبتقواه في جميع الأحوال، {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة. {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: كن، فيكون عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب، ويوم منصوب، إما على العطف على قوله: واتقوه، وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته، وهذا مناسب. وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول: كن فيكون، وقوله: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين، وقوله: {يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ} يحتمل أن يكون بدلاً من قوله:{وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ}، {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ}. ويحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ} كقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] كقوله: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً} تفسير : [الفرقان: 26] وما أشبه ذلك. واختلف المفسرون في قوله: {يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ} فقال بعضهم: المراد بالصور هنا، جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها، فتحيا. قال ابن جرير: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» تفسير : رواه مسلم في صحيحه، وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: «حديث : قرن ينفخ فيه»تفسير : وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني، في كتابه الطوالات، قال: حدثنا أحمد بن الحسن المقري الأيلي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه، فقال: «حديث : إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخصاً بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر» تفسير : قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: «حديث : القرن» تفسير : قلت: كيف هو؟ قال: «حديث : عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ، فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} فيسير الجبال، فتمر مَرَّ السحاب، فتكون سراباً، ثم ترتج الأرض بأهلها رجاً، فتكون كالسفينة المرمية في البحر، تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح، وهو الذي يقول: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ما لهم من أمر الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله تعالى:{يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء، فانتثرت نجومها، وانخسفت شمسها وقمرها» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك» تفسير : قال أبو هريرة: يا رسول الله من استثنى الله عز وجل حين يقول: {أية : فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 87]؟ قال: «حديث : أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه - قال - وهو الذي يقول الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } فيكونون في ذلك العذاب ما شاء الله، إلا أنه يطول، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار عز وجل، فيقول: يا رب قد مات أهل السموات والأرض، إلا من شئت، فيقول الله، وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وبقيت أنا، فيقول الله عز وجل: ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش، فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل؟ فيقول: اسكت؛ فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار، فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله، وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة عرشك، وبقيت أنا، فيقول الله: لتمت حملة العرش، فتموت، ويأمر الله العرش، فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخراً كما كان أولاً، طوى السموات والأرض طي السجل للكتب، ثم دحاهما، ثم يلقفهما ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الجبار، أنا الجبار، ثلاثاً، ثم هتف بصوته: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} ثلاث مرات، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} يقول الله: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} فيبسطهما ويسطحهما، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي { لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوماً، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث، أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت، قال الله عز وجل: ليحيَ حملة عرشي، فيحيون، ويأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور، فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل، فيحييان، ثم يدعو الله بالأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نوراً، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعاً، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد؛ كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعاً إلى ربكم تنسلون، {مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} حفاة عراة غلفا غرلاً، فتقفون موقفاً واحداً مقداره سبعون عاماً، لا ينظر إليكم، ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماً، وتعرقون حتى يلجمكم العرق، أو يبلغ الأذقان، وتقولون: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلاً، فيأتون آدم، فيطلبون ذلك إليه، فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك: فيستقرئون الأنبياء نبياً نبياً، كلما جاؤوا نبياً، أبى عليهم» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حتى يأتوني، فأنطلق إلى الفحص، فأخرّ ساجداً» تفسير : قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: «حديث : قدام العرش، حتى يبعث الله إليّ ملكاً، فيأخذ بعضدي ويرفعني، فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب فيقول الله عز وجل: ما شأنك؟ - وهو أعلم - فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله: قد شفعتك، أنا آتيكم أقضي بينكم» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، إذ سمعنا من السماء حساً شديداً، فهالنا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة، فيحمل عرشه يومئذ، ثمانية - وهم اليوم أربعة - أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، ولهم زجل في تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، وسبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق، ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم، وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلي؛ فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِىۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أو: بها تكذبون شك أبو عاصم {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} فيميّز الله الناس وتجثو الأمم، يقول الله تعالى: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيقضي الله عز وجل بين خلقه، إلا الثقلين: الجن والإنس، فيقضي بين الوحوش والبهائم، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: {يَـٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} ثم يقضي الله بين العباد، فكان أول ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله عز وجل كل من قتل، فيحمل رأسه تشخب أوداجه، فيقول: يارب فيم قتلني هذا؟ فيقول وهو أعلم فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم يأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول: وهو أعلم لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ الله من ذلك، نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله، إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى بن مريم، ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار، وهو الذي يقول: { لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته، فقال: يا أيها الناس ذهب الناس، فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فينصرف عنهم، وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم، فيقول: يا أيها الناس ذهب الناس، فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم، فيخرون للأذقان سجداً على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون، ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم، كحد الشفرة أو كحد السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان، دونه جسر دحض مزلة، فيمرون كطرف العين، أو كلمح البرق، أو كمر الريح، أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا، فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلاً، فيأتون آدم، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح؛ فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنباً ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإِبراهيم؛ فإِن الله اتخذه خليلاً، فيؤتى إبراهيم، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنباً، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بموسى؛ فإن الله قربه نجياً، وكلمه، وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى، فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنباً ويقول: لست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى بن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم، فيطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم، ولكن عليكم بمحمد» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فيأتوني، ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح، فيفتح لي، فأحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة، فنظرت إلى ربي، خررت ساجداً، فيأذن الله لي من تحميده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، واشفع تشفع، وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي، يقول الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة، فشفعني في أهل الجنة، فيدخلون الجنة، فيقول الله: قد شفعتك، وقد أذنت لهم في دخول الجنة» تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : والذي نفسي بيده ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم، من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة، سبعين مما ينشىء الله عز وجل، وثنتين آدميتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله؛ لعبادتهما الله في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليها سبعون زوجاً من سندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة، وكبده لها مرآة. فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره، وما تشتكي قبلها، فبينا هو كذلك، إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل، إلا أنه لا مني ولا منية، إلا أن لك أزواجاً غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما أتى واحدة قالت له: والله ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إلي منك. وإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك، أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم الله صورته عليها» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأقول: يا رب شفعني فيمن وقع في النار من أمتي، فيقول: أخرجوا من عرفتم، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار إيماناً، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد. ثم يشفع الله فيقول: أخرجوا من في قلبه إيماناً ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطاً، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيراً قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول؛ مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له. ثم يقول: بقيتَ وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، كأنهم حمم، فيلقون على نهر، يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فما يلي الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث، حتى يكونوا أمثال الذر، مكتوب في رقابهم: الجهنميون، عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب، وما عملوا خيراً لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله، وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه الله عز وجل عنهم»تفسير : ثم ذكره بطوله، ثم قال: هذا حديث مشهور، وهو غريب جداً، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل؛ وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء، قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جداً، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقاً واحداً، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفاً قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ أَنَدْعُواْ } أنعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا } بعبادته {وَلاَ يَضُرُّنَا } بتركها وهو الأصنام {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَٰبِنَا } نرجع مشركين {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ } إلى الإسلام {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ } أضلّته {ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلاْرْضِ حَيْرَانَ } متحيراً لا يدري أين يذهب. حال من الهاء {لَهُ أَصْحَٰبٌ } رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } أي ليهدوه الطريق يقولون له {ٱئْتِنَا } فلا يجيبهم فيهلك، والاستفهام للإِنكار، وجملة التشبيه حال من ضمير، «نردّ» {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } الذي هو الإسلام {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وما عداه ضلال {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ } أي بأن نسلم {لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قَلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} يعني الأصنام، وفي دعائها في هذا الموضع تأويلان: أحدهما: عبادتها. والثاني: طلب النجاح منها. فإن قيل: فكيف قال ولا يضرنا؟ ودعاؤها لما يستحق عليه من العقاب ضارٌّ؟ قيل: معناه ما لا يملك لنا ضراً ولا نفعاً. {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} بالإِسلام. {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ...} فيه قولان: أحدهما: أنه استدعاؤها إلى قصدها واتباعها، كقوله تعالى: {أية : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيهِم} تفسير : [إبراهيم: 37] أي تقصدهم وتتبعهم. والثاني: أنها أَمْرُهَا بالهوى. وحكى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وامرأته حين دعَوا ابنهما عبد الرحمن إلى الإِسلام والهدى أن يأتيهما. قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ} في الحق الذي خلق به السموات والأرض أربعة أقاويل: أحدها: أنه الحكمة. والثاني: الإِحسان إلى العباد. والثالث: نفس خلقها فإنه حق. والرابع: يعني بكلمة الحق. {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} فيه قولان: أحدهما: أن يقول ليوم القيامة: كن فيكون، لا يثنِّي إليه القول مرة بعد أخرى، قاله مقاتل. والثاني: أنه يقول للسموات كوني صوراً يُنْفَخ فيه لقيام الساعة، فتكون صوراً مثل القرآن، وتبدل سماءً أخرى، قاله الكلبي. وفي قوله تعالى: {...وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} قولان: أحدهما: أن الصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء، والثانية للإِنشاء علامة للانتهاء والابتداء، وهو معنى قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68]. والثاني: أن الصور جمع صورة تنفخ فيها روحها فتحيا. ثم قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ...} فيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى خلق السموات والأرض، والغيب ما يغيب عنكم، والشهادة ما تشاهدون. والثاني: أنه عائد إلى نفخ الصور هو عالم الغيب والشهادة المتولي للنفخة.
ابن عطية
تفسير : المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أن ندعو من دون الله، والدعاء يعم العبادة وغيرها لأن من جعل شيئاً موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} يعني الأصنام، إذ هي جمادات حجارة وخشب ونحوه، وضرر الأصنام في الدين لا يفهمه الكفار فلذلك قال: {ولا يضرنا} إنما الضرر الذي يفهمونه من نزول المكاره الدنياوية، {ونرد على أعقابنا} تشبيه، وذلك أن المردود على العقب هو أن يكون الإنسان يمشي قدماً وهي المشية الجيدة فيرد يمشي القهقرى، وهي المشية الدنية فاستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر ووقعت في هذه الآية في تمثيل الراجع من الهدي إلى عبادة الأصنام، و {هدانا} بمعنى أرشدنا، قال الطبري وغيره الرد على العقب يستعمل فيمن أمل أمراً فخاب أمله. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول قلق وقوله تعالى: {كالذي استهوته الشياطين} الآية الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره رداً كرد الذي و {استهوته} استفعلته بمعنى استدعت هواه وأمالته، قال أبو عبيدة: ويحتمل هويه وهو جده وركوب رأسه في النزوع إليهم، والهوى من هوى يهوي يستعمل في السقوط من علو إلى أسفل، ومنه قول الشاعر: شعر : هوى ابْنِي مِنْ دَار أشرف فَزَلَّتْ رِجُلُهُ ويَدُه تفسير : وهذا المعنى لا مدخل له في هذه الآية إلا أن تتأول اللفظة بمعنى ألقته الشياطين في هوة، وقد ذهب إليه أبو علي وقال: هو بمعنى أهوى كما أن استزل بمعنى أزل. قال القاضي أبو محمد: والتحرير: أن العرب تقول: هوى وأهواه غيره واستهواه بمعنى طلب منه أن يهوي هو أو طلب منه أن يهوي شيئاً، ويستعمل الهوى أيضاً في ركوب الرأس في النزوع إلى الشيء ومنه قوله تعالى: {أية : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} تفسير : [إبراهيم:37]، ومنه قول شاعر الجن: [السريع] شعر : تهوي إلى مَكّةَ تَبْغي الهُدَى ما مؤمنُ الجِنّ كأنجاسِها تفسير : وهذا المعنى هو الذي يليق بالآية، وقرأ الجمهور من الناس "استهوته الشياطين" وقرأ الحسن "استهوته الشياطون". وقال بعض الناس: هو لحن، وليس كذلك بل هو شاذ قبيح وإنما هو محمول على قولهم، سنون وأرضون إلا أن هذه في جمع مسلم وشياطون في جمع مكسر فهذا موضع الشذوذ، وقرأ حمزة "استهواه الشياطين" وأمال استهواه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعمش وطلحة "استهويه الشيطان" بالياء وإفراد الشيطان، وذكر الكسائي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، وقوله: {في الأرض} يحكم بأن {استهوته} إنما هو بمعنى استدعت هويه الذي هو الجد في النزوع و {حيران} في موضع الحال، ومؤنثه حيرى فهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، ومعناه ضالاً متحيراً وهو حال من الضمير في {استهوته} والعامل فيه {استهوته} ، ويجوز أن يكون من الذي والعامل فيه المقدر بعد الكاف، وقوله {استهوته} يقتضي أنه كان على طريق فاستدعته. قال القاضي أبو محمد: فسياق هذا المثل كأنه قال أيصلح أن يكون بعد الهدي نعبد الأصنام فيكون ذلك منا ارتداداً على العقب فيكون كرجل على طريق واضح فاستهوته عنه الشياطين فخرج عنه إلى دعوتهم فبقي حائراً وقوله: {وله أصحاب} يحتمل أن يريد له أصحاب على الطريق الذي خرج منه فيشبه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يدعون من ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويل مجاهد وابن عباس ويحتمل أن يريد له أصحاب أي من الشياطين الدعاة أولاً يدعونه إلى الهدى بزعمهم وإنما يوهمونه فيشبه بالأصحاب على هذا الكفرة الذين يثبتون من ارتد عن الإسلام على ارتداده، وروي هذا التأويل عن ابن عباس أيضاً، و {ائتنا} من الإتيان بمعنى المجيء، وفي مصحف عبد الله "إلى الهدي بيناً" وهذه تؤيد تأويل من تأول الهدى حقيقة إخبار من الله، حكى مكي وغيره أن المراد بـ "الذي" في هذه الآية عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق و بـ "الأصحاب" أبوه وأمه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن في الصحيح أن عائشة رضي الله عنها لما سمعت قول قائل: إن قوله تعالى: {أية : والذي قال لوالديه أف لكما} تفسير : [الأحقاف:17] نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قالت: كذبوا والله ما نزل فينا من القرآن شيء إلا براءتي. قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الفقيه الإمام أبا عبد الله المعروف بالنحوي المجاور بمكة يقول: من نازع أحداً من الملحدة فإنما ينبغي أن يرد عليه وينازعه بالقرآن والحديث فيكون كمن يدعو إلى الهدى بقوله: {ائتنا}، ومن ينازعهم بالجدل ويحلق عليهم به فكأنه بعد عن الطريق الواضح أكثر ليرد هذا الزائغ فهو يخاف عليه أن يضل. قال القاضي أبو محمد: وهذا انتزاع حسن جداً، وقوله تعالى: {قل إن هدى الله} الآية، من قال إن "الأصحاب" هم من الشياطين المستهزئين وتأول إلى الهدى بزعمهم قال: إن قوله: {قل إن هدى الله هو الهدى} رد عليهم في زعمهم فليس ما زعموه صحيحاً وليس بهدي بل هو نفسه كفر وضلال، وإنما الهدى هدى الله وهو الإيمان، ومن قال: إن "الأصحاب" هم على الطريق المدعو إليها وإن المؤمنين الداعين للمرتدين شبهوا بهم وإن الهدى هو هدى على حقيقته يجيء على قوله: {قل إن هدى الله} بمعنى أن دعاء الأصحاب وإن كان إلى هدى فليس بنفس دعائهم تقع الهداية وإنما يهتدي بذلك الدعاء من هداه الله تعالى بهداه، {وأمرنا لنسلم} اللام لام كي ومعها أن مقدرة ويقدر مفعول لـ {أمرنا} مضمر تقديره وأمرنا بالإخلاص أو بالإيمان ونحو هذا، فتقدير الجملة كلها وأمرنا بالإخلاص لأن نسلم، ومذهب سيبويه في هذه أن {لنسلم} هو موضع المفعول وأن قولك: أمرت لأقوم وأمرت أن أقوم يجريان سواء ومثله قول الشاعر: [الطويل] شعر : أردت لأنسى ذكرها تفسير : إلى غير ذلك من الأمثلة، "ونسلم" يعم الدين والاستسلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنَدْعُواْ} أنطلب النجاح، أو أنعبد. {اسْتَهْوَتْهُ} دعته إلى قصدها واتباعها، كقوله {أية : تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [إبراهيم: 37] أي تقصدهم وتتبعهم، أو تأمره بالهوى، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ نزلت في أبي بكر وامرأته لما دعوا ابنهما "عبد الرحمن" أن يأتيهما إلى الإسلام.
ابن عادل
تفسير : المقصود من هذه الآية الرَّدُّ على عبدةِ الأصنام، وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: {أية : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:56]. فقوله: {أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي: أنعبد من دون الله النَّافِعِ الضَّارِّ ما لا يَقْدرُ على نَفْعِنَا إن عبدناهُ، ولا على ضرنا إن تركناه. قوله: "أنّدْعُوا" استفهام توبيخ وإنكار, والجملة في مَحَلِّ نصب بالقول، و "ما" مفعولة بـ "ندعوا"، وهي موصولة أو نكرة موصوفة، و {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلِّقٌ بـ "ندعوا". قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "يَنْفَعُنَا" ولا معمولاً لـ "يَنْفَعُنَا" لتقدُّمهِ على "ما"، والصلة والصفة لا تَعْملُ فيما قبل الموصول والموصوف. قوله: "من الضمير في يَنْفعنَا" يعني به المرفوع العائد على "ما" وقوله: "لا تعمل فيما قبل الموصول والموصوف" يعني: أن "ما" لا تخرج عن هذين القسمين ولكن يجوز أن يكون "من دون" حالاً من "ما" نفسها على قوله؛ إذ لم يجعل المانع من جعله حالاً من ضميره الذي في "يَنْفَعُنَا" إلاَّ صِناعِياً لا معنوياً، ولا فرق بين الظاهر وضميره بمعنى أنه إذا جازَ أن يكون حالاً من ظاهره، جاز أن يكون حالاً من ضميره، إلا أن يمنع مَانِعٌ. قوله: "ونُرَدُّ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه نَسَقٌ على "نَدْعُوا" فهو داخل في حيِّز الاستفهام المُتَسَلِّطِ عليه القَوْلُ. الثاني: أنه حالٌ على إضمار مبتدأ؛ أي: ونحن نُرَدُّ. قال أبو حيَّان بعد نقله هنا عن أبي البقاء: "وهو ضعيف لإضمار المبتدأ، ولأنها تكون حالاً مؤكّدة"، وفي كونها مؤكدة نظرٌ؛ لأن المؤكدة ما فهم معناها من الأوَّلِ، وكأنه يقول: من لازم الدعاء "من دون الله" الارتداد على العقب. قوله: "عَلى أعْقَابِنَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه معلّق بـ "نُرَدُّ". والثاني: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حال من مرفوع "نرد" أي: نرد راجعين على أعْقابنا، أو منقلبين، أو متأخرين كذا قدَّرُوهُ، وهو تفسير معنى؛ إذا المُقَدَّرُ في مثله كونٌ مُطلقٌ، وهذا يحتمل أن يقال فيه: إنه حال مؤكدة، و"بعد إذ" مُتعلِّقٌ بـ "نُرَدُّ". [ومعنى الآية: ونرد على أعقابنا إلى الشِّرْكِ مرتدين بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام. يقال لكل من أعْرَضَ عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى خَلْفٍ، ورجع على عَقِبَيْهِ، ورجع القَهْقَرى؛ لأن الأصل في الإنسان الجَهْلُ ثم يترقى ويتعلم حتى يتكاملن ويحصل له العلم. قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ} تفسير : [النحل:78] فإذا رجع من العِلْمِ إلى الجَهْلِ مرة أخرى، فكأنه رجع إلى أوَّل أمره، فلهذا السبب يقال: فلان رُدَّ على عقبيه]. قوله {كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ} في هذه الكاف وجهان: أحدهما: أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوف؛ أي: نُرَدُّ رَدَّاً مثل ردِّ الذين. الثاني: في مَحَلّ نصب على الحال من مرفوع "نرد"، أي: نرد مُشْبهينَ الذي استهوته الشياطين، فمن جوَّز تعدُّدَ الحالِ جعلها حالاً ثانية، إن جعل "على أعقابنا" حالاً، ومن لم يُجَوِّزْ ذلك جعل هذه الحال بدلاً من الحال الأولى، أو لم يجعل على أعقابنا حالاً، بل معلّقاً بـ "نرد". الجمهور على "اسْتهْوتْهُ" بتاء التأنيث، وحمزة "اسْتَهْوَاهُ" وهو على قاعدته من الإمالة، والوجهان معروفان مما تقدم في {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} تفسير : [الأنعام:61] وقرأ أبو عبد الرحمن والأعمش: "اسْتَهْوَتْهُ الشَّيْطانُ" بتأنيث الفعل، والشيطان مفرداً. قال الكسائي: "وهي كذلك في مصحف ابن مسعود"، وتوجيه هذه القراءة أنَّا نُؤوِّل المذكربمؤنث كقولهم: "أتته كتابي فاحتقرها"؛ أي: صحيفتي، وتقدَّم له نظائر. وقرأ الحسن البصري: "الشَّيَاطُون" وجعلوها لَحْناً، ولا تَصِلُ إلى اللَّحْنِ، إلا أنها لُغَيّةٌ رديئة، سُمِع: حول بستان فلان بساتون وله سلاطون، ويُحْكَى أنه لما حكيت قراءة الحسن لَحَّنَهُ بعضهم، فقال الفراء: "أي والله يُلحِّنُون الشيخ، ويستشهدون بقول رؤبة". ولعمري لقد صدق الفراء في إنكار ذلك. والمراد بـ "الَّذي" الجِنْسُ، ويحتمل أن يراد به الواحد الفَذُّ. قوله: "في الأرْضِ" فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مُتعلِّق بقوله: "اسْتَهْوتْهُ". الثاني: أنه حالٌ من مفعول "اسْتَهْوَتْهُ". الثالث: أنه حالٌ من "حيران". الرابع: أنه حالٌ من الضمير المُسْتَكِنّ في "حيران"، و "حيران" حال إما من "هاء" "استهوته" على أنها بدلٌ من الأولى، وعند من يجيز تعدُّدَهَا، وإما من "الَّذِي"، وإما من الضمير المستكن في الظرف، و"حيران" مؤنثة "حيرى"، فلذلك لم يَنْصَرِفُ، والفعل حَارَ يَحَارُ حَيْرةً وحَيَراناً وحَيْرورةً، و"الحيران" المُتَرَدِّدُ في الأمر لا يهتدي إلى مَخْرَجٍ. وفي اشتقاق "اسْتَهْوَتْهُ" قولان: الأول: أنه مشتق من الهُوِيِّ في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة [السافلة] العميقة [في قعر الأرض] فشبه الله تعالى حال هذا الضَّالِّ به، كقوله: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الحج:31] ولا شك أن الإنسان حال هُويِّهِ من المكان العالي إلى الوهْدةِ العميقة يكون في غايةِ الاضْطرابِ والدهشة والحيرةِ. والثاني: أنه مُشْتَقٌ من اتِّباعِ الهَوَى والميل، فإنه من كان كذلك، فإنه ربما بلغ النهاية في الحَيْرَةِ. واعلم أن هذا المثل في غاية الحُسْنِ؛ لأن الذي يَهْوِي من المكان العالي إلى الوَهْدَةِ العميقة، يحصل له كمال التَّرَدُّدِ والدهشة والحيرة؛ لأنه لا يعرف أي موضع يزداد بلاَؤهُ بسبب سقوطه عليه أو يَقِلُّ. قوله "لَهُ أصْحَابٌ" جملة في مَحَلّ نصب صفة لـ "حيران"، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "حيران"، وأن تكون مستأنفة، و "إلى الهدى" متعلقة بـ "يدعونه"، وفي مصحف ابن مسعود وقراءته: "أتينا" بصيغة الماضي, و "إلى الهدى" على هذه القراءة متعلّق به، وعلى قراءة الجمهور، فالجملة الأمرية في محل نصب بقول مضمر أي يقولون: ائتنا والقول المضمر في محل صفة لأصحاب وكذلك "يدعونه". قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أبَاهُ إلى الكُفْرِ، وأبوه يدعوه إلى الإيمان. وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضَّالِّ أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضَّلالِ، ويسمونه بأنه هو الهدى، والصحيح الأوَّل. ثم قال تعالى: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} يَزْجُرُ بذلك عن عبادة الأصنام، كأنه يقول: لا تفعل ذلك, فإن الهُدَى هُدَى الله لا هادي غيره. قوله: "وأمِرْنَا لِنُسْلِمَ" في هذه "اللام" أقوال: أحدها: وهو مذهب سيبويه أن هذه اللام بعد الإرادة والأمر وشبههما مُتعلِّقةٌ بمحذوف على أنها خبر للمبتدأ, وذلك المبتدأ هو مصدرٌ من ذلك الفعل المتقدم, فإذا قلت: أردت لتقوم وأمرت زيداً ليذهب, كان التقدير: الإرادة للقيام، والأمر للذَّهاب، كذا نقل أبو حيَّان ذلك عن سيبويه وأصحابه، وفيه ضَعْفٌ تقدَّم في سورة النساء عند قوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء:26]. الثاني: أن مفعول الأمر والإرادة محذوف، وتقديره: وأمرنا بالإخلاص لنسلم. الثالث: قال الزمخشري: هي تَعْلِيلٌ للأمر بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. الرابع: أن "اللام" زائدة؛ أي: أمرنا أن نسلم. الخامس: أنها بمعنى "الباء" أي بأن نسلم. السادس: أن "اللام" وما بعدها مفعول الأمر واقعة موقع "أن" أي: أنهما مُتعاقِبَانِ، فتقول: أمرتك لتقوم، وأن تقوم، وهذا مذهب الكوفيين. وقال ابن عطية: ومذهب سبيويه أن "لِنُسْلِمَ" في موضع المفعول، وأن قولك: أمرت لأقوم وأن أقوم بيجريان سواءً وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 2204- أُرِيدُ لأنْسَى حُبَّهَا فَكَأنَّمَا تَمثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ طَرِيقِ تفسير : وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه ما تقدَّم تحقيقه في "سورة النساء". قوله "وأنْ أقِيمُوا" فيه أقوال: أحدها: أنها في مَحَلِّ نصب بالقول نَسَقاً على قوله: {إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى} أي: قل هذين الشيئين. والثاني: أنه نَسَقٌ على "لنسلم" أي: وأمرنا بكذا للإسلام، ولنقيم الصلاة، و "أن" تُوصل بالأمر كقولهم: كتب إليه بأن قم، حكاه سيبويه وهذا رَأيُ الزَّجَّاج. والثالث: أنه نَسَقٌ على "ائْتِنَا" قال مكي: لأن معناه: "أن ائتنا"، وهو غير ظاهر. والرابع: أنه مَعْطُوفٌ على مفعول الأمر المقدر، والتقدير: وأمرنا بالإيمان، وبإقامة الصلاة قاله ابن عطية. قال أبو حيَّان: وهذا لا بأس به، إذ لا بُدَّ من تقدير المفعول الثاني لـ "أمرنا" ويجوز حذف المعطوف عليه لِفَهْمِ المعنى؛ تقول: أضَرَبْتَ زيداً؟ فتجيب نعم وعمراً؛ التقدير: ضربته وعمراً. وقد أجاز الفراء: "جاءني الذي وزيد قائمان"، التقدير: الذي هو وزيد قائمان، فحذف "هو" لدلالة المعنى عليه، وهذا الذي قاله أنه لا بأس به ليس من أصول البصريين. و "أما نعم وعمراً" فلا دلالة فيه؛ لأن "نعم" قامت مقام الجملة المحذوفة. وقال مكي قريباً من هذا القول، إلاَّ أنه لم يُصَرِّحْ بحذف المعطوف عليه، فإنه قال: و "أن" في موضع نَصْب بحذف الجارِّ، تقديره: وبأنْ أقيموا، فقوله: وبأن أقيموا هو معنى قول ابن عطية، إلاَّ أن ذلك [أوضحه] بحذف المعطوف عليه. وقال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: "وأن أقيموا"؟ قلت: على موضع "لنسلم" كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم، وأن أقيموا. قال أبو حيَّان: وظاهر هذا التقدير أن "لنسلم" في موضع المفعُولِ الثاني لـ "أمرنا" وعطف عليه: "وأن أقيموا" فتكون اللام على هذا زَائِدَةً، وكان قد تقدَّم قبل هذا أن "اللام" تعليل للأمر، فتناقض كلامه؛ لأن ما يكون عِلَّةً يستحيل أن يكون مفعولاً، ويدلُّ على أنه أراد بقوله: "أن نسلم" في موضع المفعول الثاني قوله بعد ذلك: ويجوز أن يكون التقدير: وأمرنا لأن نسلم، ولأن أقيموا، أي للإسلام ولإقامة الصلاة، وهذا قول الزَّجَّاجِ، فلو لم يكن هذا القول مغايراً لقوله الأوَّل لاتَّحَدَ قَوْلاَهُ، وذلك خُلْفٌ. قال الزَّجَّاج: "أن أقيموا" عطف على قوله: "لنسلم"، تقديره: وأمرنا لأن نسلم، وأن أقيموا. قال ابن عطية: واللَّفْظُ يُمانِعُهُ، لأن "نسلم" معرب، و "أقيموا" مبني، وعطف المبني على المعرب لا يجوز، لأن العطف يقتضي التَّشْرِيكَ في العامل. قال أبو حيان: وما ذكر من أنه لا يعطف المبني على المعرب ليس كما ذكر، بل يجوز ذلك نحو: "قام زيد وهذا"، وقال تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود:98] غَايَةُ ما في الباب أن العامل يُؤثِّرُ في المعرب، ولا يُؤثِّرُ في المبني، وتقول: "إن قام زيد ويقصدني أكرمه"، فـ "إن" لم تُؤثِّرْ في "قام"؛ لأنه مبني، وأثرت في "يقصدني"؛ لأنه معرب ثم قال ابن عطية: "اللهم إلا أن تجعل العطف في "إن" وحدها، وذلك قلق، وإنما يَتَخَرَّجُ على أن يقدر قوله: "وأن أقيموا" بمعنى "ولنقم"، ثم خرجت بلفظ الأمر لما في ذلك من جزالةِ اللفظ، فجاز العطفُ على أن يلغى حكم اللفظ، ويعول على المعنى، ويشبه هذا من جهة ما حكاهُ يونس عن العرب: ادخلوا الأوَّل فالأوَّل، وإلا فلا يجوز إلاَّ الأول فالأوَّل بالنصب". قال أبو حيَّان: وهذا الذي استدركه بقوله: "اللهم إلا" إلى آخره هو الذي أراده الزَّجَّاج بعينه، وهو "أن أقيموا" معطوف على "أن نسلم"، وأن كليهما عِلَّةٌ للمأمور به المحذوف، وإنما قلق عند ابن عطية؛ لأنه أراد بقاء "أن أقيموا" على معناها من موضوع الأمر، وليس كذلك؛ لأن "أنْ" إذا دخلت على فعل الأمر، وكانت المصْدَرِيَّةَ انْسَبَكَ منها ومن الأمر مصدر، وإذا انْسَبَكَ منهما مصدر زال معنى الأمر، وقد أجاز النحويون سيبويه وغيره أن تُوصَلَ "أن" المصدرية الناصبة للمضارع بالماضي والأمر. قال سيبويه: وتقول: كتبت إليه بأن قم، أي بالقيام، فإذا كان الحكم كذا كان قوله: "لنسلم" و "أن أقيموا" في تقدير الإسلام ولإقامة الصلاة، وأما تشبيه ابن عطيَّة له بقوله: ادخلوا الأوَّل فالأول: بالرفع، فليس بتشبيه؛ لأن ادخلوا لايمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلَّطَ على ما بعده، بخلاف "أنْ" فإنها تُوصَلُ بالأمرِ، فإذن لا شبه بينهما انتهى. أما قول أبي حيَّان: "وإنما قلق عند ابن عطية؛ لأنه أراد بقاء "أنْ أقيموا" على معناها من موضوع الأمر"، فليس القلقُ عنده لذلك فقط كما حصره الشيخ، بل لأمر آخر من جهة اللفظ، وهو أن السِّيَاقَ التَّرْكِيبِيَّ يقتضي لعى ما قاله الزجاج أن يكون "لنسلم وأن نقيم"، فتأتي في الفعل الثاني بضمير المتكلم، فلما لم يقل ذلك قلق عنده، ويدلُّ على [ما ذكرته] قول ابن عطية: "بمعنى: ولنقم ثم خرجت بلفظ الأمر" إلى آخره. والخامس: أنه مَحْمُولٌ على المعنى؛ إذا المعنى قيل لنا: أسْلِمُوا وأن أقيموا. وقال الزجاج: فإن قيل: كيف حَسُنَ عطف قوله: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} على قوله {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن يكون التقدير: وأمرنا لنسلم لرب العالمين، ولأن نقيم الصلاة. الثاني: أن يكون التقدير: وأمرنا فقيل لنا أسلموا لربِّ العالمين، وأقيموا الصَّلاة. فإن قيل: هَبْ أن المُرَادَ ما ذكرتم، لكن ما الحِكْمَةُ في العُدُولِ عن هذا اللَّفْظِ الظَّاهِرِ، والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه، إلاَّ بالتأويل؟!. فالجواب: لأن الكافر ما دام [يبقى] على كُفْرِهِ كان كالغَائبِ الأجنبي، فلا جرم خُوطِبَ بخطاب الغائبين، فيقال له: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فإذا أسلم [وآمن] ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضرن فلا جرمَ خُوطِبَ بخطاب الحاضرين، ويقال له {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} فالمقصود من ذِكْرِ هذين النوعين من الخطاب للتنبيه على الفَرْقِ بين حالتي الكُفْرِ والإيمان، وتقريره أن الكافر بعيد غائب، والمؤمن قريب حاضر. فصل في أنه لا هدى إلا هدى الله اعلم أن الله - تعالى - لما بيَّن أوَّلاً أن الهُدَى النافع هو هدى الله, أرْدَفَ ذلك الكلام الكُلِّيَّ بِذكْرِ أشرف أقْسَامِهِ على الترتيب, وهو الإسلام، وهو رئيس الطاعات الروحانية، والصلاة التي هي رَئِيسَةُ الطاعات الجِسْمَانِيَّةِ، والتقوى التي هي رئيسة باب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بيَّن منافع هذه الأعمال, فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموا أنها شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواء لا ينفع شيئاً ولا يضر، فكان في غاية التبكيت لهم قوله: {قل} أي بعد ما أقمت من الأدلة على أنه ليس لأحد مع الله أمر، منكراً عليهم موبخاً لهم {أندعوا} أي دعاء عبادة، وبين حقارة معبوداتهم فقال: {من دون الله} أي المنفرد بجميع الأمر. ولما كان السياق لتعداد النعم {أية : الذي خلق السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 73] {أية : خلقكم من طين}تفسير : [الأنعام: 2] {أية : يطعم ولا يطعم} تفسير : [الأنعام: 14] {أية : ويرسل عليكم حفظة} تفسير : [الأنعام: 61] {أية : من ينجيكم من ظلمات البر والبحر}تفسير : [الأنعام: 63] {أية : الله ينجيكم منها ومن كل كرب}تفسير : [الأنعام: 64] قدم النفع في قوله: {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} أي لا يقدر على شيء من ذلك، ليكونوا على غاية اليأس من اتباع حزب الله لهم، وهذا كالتعليل لقوله {أية : إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله}تفسير : [الأنعام: 56]. ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم، أشار إلى وجود الخسارة في رجائهم فقال: {ونرد} أي برجوعنا إلى الشرك، وبناه للمفعول لأن المنكر الرد نفسه من أيّ راد كان {على أعقابنا} أي فنأخذ في الوجه المخالف لقصدنا فنصير كل وقت في خسارة بالبعد عن المقصود {بعد إذ هدانا الله} أي الذي لا خير إلا وهو عنده ولا ضر إلا وهو قادر عليه، إلى التوجه نحو المقصد، ووفقنا له وأنقذنا من الشرك. ولما صور حالهم، مثَّلَه فقال: {كالذي} أي نرد من علو القرب إلى المقصود إلى سفول البعد عنه رداً كرد الذي {استهوته} أي طلبت مزوله عن درجته {الشياطين} فأنزلته عن أفق مقصده إلى حضيض معطبه، شبه حاله بحال من سقط من عال في مهواة مظلمة فهو في حال هويه في غاية الاضطراب وتحقق التلف والعمى عن الخلاص {في الأرض} حال كونه {حيران} تائهاً ضالاً, لا يهتدي لوجهه ولا يدري كيف يسلك, ثم استأنف قوله: {له} أي هذا الذي هوى {أصحاب} أي عدة، ولكنه لتمكن الحيرة منه لا يقبل {يدعونه إلى الهدى} وبين دعاءهم بقوله: {ائتنا} وهو قد اعتسف المهمة تابعاً للشياطين، لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين العبر والنزوان. ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مراراً، وكانوا عالمين بأن دعاء أصحابه له في غاية النصيحة والخير، وأنه إن تبعهم نجا، وإلا هلك هلاكاً لا تدارك له، فكان جوابهم: إن دعاء أصحابه به لهدى، بين أنه مضمحل تافه جداً بحيث إنه يجوز أن يقال: ليس هدى بالنسبة إلى هذا الذي يدعوهم إليه، بقوله: {قل إن هدى الله} أي المستجمع لصفات الكمال {هو} أي خاصة {الهدى} أي لا غيره كدعاء أصحاب المستهوي، بل ذاك الهدى مع إنقاذه من الهلاك إلى جنب هذا الهدى كلا شيء، لأن الشيء هو الموصل إلى سعادة الأبد. ولما كان التقدير: فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل ما عداه، عطف عليه أمراً عاماً فقال: {وأمرنا لنسلم} أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر لغيره بكل ما يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى عن كل هوى، وأن نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة فنتحلى بفعلها أشرف حلى {لرب العالمين *} أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء خلقه؛ ثم فسر المأمور به، فكأنه قال: أن أسلموا {وأن أقيموا الصلاة} لوجهه {واتقوه} مع ذلك، أي افعلوها لا على وجه الهزء واللعب، بل على وجه التقوى والمراقبة ليدل ما ظهر منها على ما بطن من الإسلام للمحسن. ولما كان التقدير: فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر مصورون، وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون، عطف عليه قوله: {وهو الذي إليه} أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت {تحشرون *} فأتى بالبعث الذي هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة في سياق دال على أنه مما لا مجال للخلاف فيه، وأن النظر إنما هو فيما وراء ذلك، وهو أن عملهم للباطل سوَّغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره سبحانه ممن لا قدرة له على جزائهم، فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره، لأنه لا كلام هناك لسواه، فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا، والجملة مع ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى، وقد بان أن الآية من الاحتباك، فإنه حذف الصلاة أولاً لدلالة ذكرها ثانياً، والإسلام ثانياً لدلالة ذكره أولاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قل أندعوا من دون الله} هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهاً ضالاً إذ ناداه مناد فلان بن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة، وإن أجاب من يدعو إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية الغيلان. يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله {كالذي استهوته الشياطين في الأرض} يقول: أضلته وهم الغيلان، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها ويرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكه وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {قل أندعوا من دون الله ...} الآية. قال: قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد. فقال الله {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} فهذه الآلهة {ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} فيكون مثلنا {كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض} يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإِيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة لمحمد، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإِسلام . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} قال: الأوثان. وفي قوله {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} قالِ: رجل حيران يدعو أصحابه إلى الطريق، فذلك مثل من يضل بعد إذ هدى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كالذي استهوته الشياطين...} الآية. قال: هو الرجل الذي لا يستجيب لهدي الله، وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وجار عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى يزعمون أن الذي يأمرونه به هدى الله، ويقول الله ذلك لأوليائهم من الإِنس بقول {إن الهدى هدى الله} والضلالة ما يدعوا إليه الجن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: خصومة علمها الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة . وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي إسحق قال: في قراءة عبد الله {كالذي استهواه الشيطان} . وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي إسحق قال: في قراءة عبد الله {يدعونه إلى الهدى بينا} . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: في قراءة ابن مسعود {يدعونه إلى الهدى بينا} قال: الهدى الطريق، أنه بين، والله أعلم .
ابو السعود
تفسير : {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} قيل: نزلت في أبـي بكر رضي الله عنه حين دعاه ابنه عبدُ الرحمٰن إلى عبادة الأصنام فتوجيهُ الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للإيذان بما بـينهما من الاتصال والاتحادِ تنويهاً بشأن الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد ـ متجاوزين عبادةَ الله الجامعِ لجميع صفاتِ الألوهية التي من جملتها القدرةُ على النفع والضرر ـ ما لا يقدِرُ على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضَرِّنا إذا تركناه وأدنى مراتبِ المعبوديةِ القُدرةُ على ذلك. وقوله تعالى: {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا} عطفٌ على (ندعوا) داخلٌ في حكم الإنكارِ والنفْي أي ونُرَدّ إلى الشرك، والتعبـيرُ عنه بالردِّ على الأعقاب لزيادة تقبـيحِه بتصويره بصورةِ ما هو عَلَمٌ في القُبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشركِ حالةً قد تُركت ونُبذتْ وراءَ الظهر، وإيثارُ (نرد) على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد بردِّ الغير تصريحاً بمخالفة المُضلِّين وقطعاً لأطماعهم الفارغةِ وإيذاناً بأن الارتدادَ من غير رادَ ليس في حيز الاحتمال ليُحتاجَ إلى نفيه وإنكاره، وقوله تعالى: {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك متعلقٌ بنرُدّ مَسوقٌ لتأكيد النكيرِ لا لتحقيق معنى الرد وتصويرِه فقط وإلا لكفى أن يقالَ: بعد إذ اهتدينا كأنه قيل: ونُرَدّ إلى الشرك بإضلال المضِلّ بعد إذ هدانا الله الذي لا هاديَ سواه وقوله تعالى: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} في محل النصبِ على أنه حالٌ من مرفوع (نُرد) أي أنرد على أعقابنا مشبَّهين بالذي استهوته مَرَدةُ الجن واستغوته إلى المهامِهِ والمهالك، أو على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي أنُرد رداً مثلَ ردِّ الذي استهوته الخ، والاستهواءُ استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها كأنها طلبت هُويَّه وحرصت عليه وقرىء استهواه بألفٍ مُمالة، وقوله تعالى: {فِى ٱلأَرْضِ} إما متعلق باستهوته أو بمحذوفٍ هو حال من مفعوله أي كائناً في الأرض وكذا قوله تعالى: {حَيْرَانَ} حال منه على أنها بدلٌ من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من (الذي) أو من المستكن في الظرف أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري ما يصنع وقوله تعالى: {لَهُ أَصْحَـٰبٌ} جملة في محل النصب على أنها صفةٌ لحيران أو حالٌ من الضمير فيه أو مستأنفةٌ سيقت لبـيان حالِه، وقوله تعالى: {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} صفةٌ لأصحاب أي لذلك المستهوىٰ رفقةٌ يهدونه إلى الطريق المستقيم، تسميةٌ له بالمصدر مبالغةً كأنه نفس الهدى {ٱئْتِنَا} على إرادة القول على أنه بدل مِنْ (يدعونه) أو حال من فاعله أي يقولون: ائتنا، وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق المستقيم ليُدعىٰ إلى إتيانه، وإنما يُدرك سمتَ الداعي ومورِدَ النعيق فقط {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ} الذي هدانا إليه وهو الإسلام {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} وحدَه وما عداه ضلال محضٌ وغيٌّ بحتٌ كقوله تعالى: {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ }تفسير : [يونس، الآية 32] ونحوِه، وتكريرُ الأمر للاعتناء بشأن المأمورِ به ولأن ما سبق للزجْرِ عن الشرك وهذا حثٌّ على الإسلام، وهو توطِئةٌ لما بعده، فإن اختصاصَ الهُدى بهُداه تعالى مما يوجبُ الامتثالَ بالأوامر الواردةِ بعده {وَأُمِرْنَا} عطفٌ على (إن هُدى الله هو الهدى) داخلٌ تحت القول، واللام في {لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لتعليل الأمر المَحْكيِّ وتعيـينِ ما أريد به من الأوامر الثلاثة كما في قوله تعالى: {أية : قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُنْفِقُواْ } تفسير : [إبراهيم، الآية 31]، كأنه قيل: أمرنا وقيل لنا: أسلِموا لأجل أن نسلَمَ وقيل: هي بمعنى الباء أي أمرنا بأن نُسلم، وقيل: زائدة أي أُمرنا أن نُسلم على حذف الباء.
السلمي
تفسير : قوله عز ذكره: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} [الآية: 71]. قال القاسم: الطريق إلى الله هو الأصح، والقاصد عرصته هو المعان. قال الله تعالى {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ}. قال أبو عثمان: أمر العبد بالتسليم، والتسليم: ترك التدبير والرضا لمجارى القضاء.
القشيري
تفسير : أي كان الكفار يدعون المسلمين إلى الرجوع عن الدين والعوْد إلى الشِرْك، فقال لهم الله: قل لهم - يا محمد -: أَنُؤْثِرُ الضلالَ على الهدى بعد طلوع شمس البرهان؟ ونَدَعُ الطريقة المُثْلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عِقوةَ الجَنَّةِ وقد نزلناها؟ ونطلب الجحيم مثوًى بعد ما كُفِيناها؟ إنَّ هذا بعيدٌ من المعقول، محالٌ من الظنون. وكيف يساعد أتباعُ الشيطانِ مَنْ وَجَدَ الخلاصَ من صحبتهم، وأبصر الغيَّ من صفتهم؟.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} اى ان هدى الله الذى بسط شرائعه وحقائقه وطوائقه للانبياء والاولياء والصديقين والمقربين وذلك طريق عرفانه الوصول الى جنان مشاهدته وذلك الطريق لاهل معرفته بدل الاولياء على الرضا بقضائه والصبر فى بلائه والتسليم لمراده بحيث ان لا يكون منهم معارضة وهذا معنى قوله {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال القاسم الطريق الى الله هو الاصح والقاصد عرصته هو المعان قال الله ان هدى الله هو الهدى قال ابو عثمان امر العبد بالتعليم والتسليم ترك التدربير والرضا بمحارث القضاء ولما بين طرائق الهدى ووصفهم بالاذعان له فى مراده منه امره الصلاة وخوفهم فيها من نفسه وذلك قوله تعالى {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} اقامة الصلاة ظهور الربوبية فى العبودية وترائى هلال المشاهدة فى الخدمة لقوله عليه السلام تعبد الله كانك تراه والتقوى ههنا معناه اتقونى فى الصلاة فانهم مقام الهيبة والاجلال والمناجاة من ان يخطر على قلوبكم شئ دونى فاحتجب عنكم بامتناعى عن مطالعتكم بعيون مسدودة بعوارض الخطرات قال ابن عطا اقامة الصلاة حفظ حدودها مع الله وحفظ الاسرار فيها مع الله ان لا يتختلج فى سره سواه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل أندعو} أتعبد والاستفهام للانكار {من دون الله} اى متجاوزين عبادة الله تعالى {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} اى ما لا يقدر على نفعنا اذا عبدناه ولا على ضرنا اذا تركناه وهو الاصنام والقادر على النفع والضر هو الله تعالى {ونرد على اعقابنا} جمع عقب بالفتح وكسر القاف موخر القدم اى نرجع من الاسلام الى الشرك باضلال المضل {بعد اذ هدانا الله} الى الاسلام وانقذنا من الشرك {كالذى استهوته الشياطين} حال من فاعل نرد اى انرد على اعقابنا مشبهين بالذى ذهبت به مردة الجن الى المهامة واضلته {فى الارض} متعلق باستهوته {حيران} حال من هاء استهوته وهو صفة مشبهة مؤنثة حيرى والفعل منه حار يحار حيرة اى متحيرا ضالا عن الطريق {له اصحاب} الجملة صفة حيران اى لهذا المستوى رفقة {يدعونه الى الهدى} اى يهدونه الى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر مبالغة كأنه نفس الهدى {ائتنا} على ارادة القول على انه بدل من يدعونه اى يقولون له ائتنا شبه الله تعالى من اشرك وعبد غير الله مع قيام البرهان الفاصل بين الحق والباطل بشخص موصوف بثلاثة اوصاف الاول استهوته مردة الجن والغيلان فى المهامة والمفاوز والثانى كونه حيران تائها ضالا عن الجادة لا يدرى كيف يصنع والثالث ان يكون له اصحاب يدعونه قائلين له ائتنا فقد اعتسفت المهامه وضللت عن الجادة وهو لا يجيبهم ولا يترك متابعة الجن والشياطين. والجن اجسام لطيفة تتشكل باشكال مختلفة وتقدر على ان تنفذ فى بواطن الحيوان نفوذ الهواء فى خلال الاجسام المتخلخلة {قل ان هدى الله} الذى هدانا اليه وهو الاسلام {هو الهدى} وحده وما عداه ضلال محض وغى بحت {و} قل ايضا {أمرنا لنسلم لرب العالمين} اى بان نسلم فاللام بمعنى الباء والعرب تقول امرتك لتفعل وان تفعل وبان تفعل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ونُردُّ}: عطف على {ندعو} والهمزة للإنكار، والرد على العقب: الرجوع إلى وراء، لعلَّةٍ في المشي، واستعير للمعاني، و {كالذي استهوته}: الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في {نُردّ} أي: كيف نرجع مشبهين بمن استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف، أي: ردًا كرد الذي...الخ. واستهوى: استفعل، من هَوَى في الأرض إذا ذهب، وقال الفارسي: استهوى بمعنى أهوى، مثل استزل بمعنى أزل، و {حيران}: حال من مفعول استهوى. و {أن أقيموا}: عطف على {لنُسلم}، أو {أمرنا}. {قوله الحق}: مبتدأ، و {يوم يقول}: خبر مقدم، أي: قوله الحق حاصل يوم يقول: {كن فيكون}، وفاعل {يكون}: ضمير فاعل كن، أي: حين يقول للشيء: كن فيكون ذلك الشيء، و {يوم ينفخ}: ظرف لقوله: {الملك}، كقوله: {أية : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } تفسير : [غَافر:16]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد {أندعو من دون الله} أي: نعبد {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} من الأصنام الجامدة، {ونُرد على أعقابنا} أي: نرجع إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} وأنقذنا، ورزقنا الإسلام، وهذا على الصحابة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتقدم له شرك؛ لعصمته، أي: كيف نرد على أعقابنا ردًا {كالذي استهوته الشياطين}، أي: أضلته مَرَدَةُ الجن عن الطريق المستقيم، فذهب {في الأرض حيران}؛ متحيرًا ضالاً عن الطريق، {له أصحاب} أي: رفقة {يدعونه إلى الهدى} أي: إلى الطريق المستقيم، يقولون له: {ائتنا} وكن معنا لئلا تتلف. وهو مثال لمن ترك الإسلام وضل عنه. {قل} لهم: {إن هدى الله}، وهو الإسلام، {هو الهدى} وحده، وما عداه ضلال. {و} قد {أمرنا لنسلم لرب العالمين} نكون على الجادة من الهدى، {و} أُمرنا {أن أقيموا الصلاة واتقوه}: أي: أُمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، رُوِي أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت، وعلى هذا أُمِر الرسول بهذا القول؛ إجابة عن الصديق تعظيمًا لشأنه، وإظهارًا للاتحاد الذي كان بينهما. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: ويبُطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا برائتي. هـ. قلت: ليس بحجة؛ لصغر سنِّها وقت نزول الآية بمكة، والإسلام يمحو ما قبله. ثم قال جل جلاله: {وهو الذي إليه تحشرون} يوم القيامة؛ فيظهر من تبع الحق من الباطل. {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق}. أي: قائمًا بالحق والحكمة، فهو أحق بالعبادة وحده، {ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} أي: قوله العدل حاصل يوم يقول للبعث والحشر: كن فيكون، {وله الملك يوم ينفخ في الصور} أي: انفرد الملك له يوم ينفخ في الصور فيقول: لمن الملك اليوم؟ فلا يُجاب، فيقول: لله الواحد القهار، {عالم الغيب والشهادة} أي: هو عالم بما غاب وما ظهر، {وهو الحكيم} في صنعه، {الخبير} بأمر عباده. الإشاره: إذا توجه العبد إلى مولاه، وانقطع بكليته إلى الله، طالبًا منه معرفته ورضاه، قد يمتحن بشيء من شدائد الزمان؛ كالفاقة وإيذاء الخلق والأحزان، فيقال اختبارًا له: تعلق في دفع ما نزل بك بشيء من السِّوى، فيجب عليه أن يقول: {أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونُردُّ على أعقابنا} بالالفتات إلى غير ربنا، بعد إذ هدانا الله إلى توحيده ومعرفته، ونكون كالذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران بالتفاته إلى غير الكريم المنان، {قل إن هدى الله} أي: هدايته الخاصة، وهي الإنقطاع إليه وحده في الشدائد، {هو الهدى}، وقد أُمرنا بالانقياد بكليتنا إلى ربنا، وأُمرنا إذا حزبنا شيء بإقامة الصلاة؛ لأنها مفتاح الفرج، وبالتقوى؛ لأنها سبب النصر؛ {إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا}، وآخر أمرنا الموت والحشر إلى ربنا، والاستراحة إلى الروح والريحان. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة إبراهيم إبطالاً لدعوى الشرك، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة {استهواه الشياطين} بألف ممالة، الباقون بالتاء المعجمة من فوق قال ابو عبيدة {كالذي استهوته الشياطين} أي استمالت به، ذهبت به، ومنه {أية : فأزلهما الشيطان عنها} تفسير : وكذلك هوى وأهوى غيره، قال تعالى: {أية : والمؤتفكة أهوى}تفسير : يقال أهويته واستهويته، كما قال {فأزلهما الشيطان} و {أية : إنما استزلهم الشيطان}تفسير : ، فكما أن ازله بمعنى استزله كذلك استهواه بمنزلة أهواه، وكما أن معنى استجابه أجابه في قول الشاعر: شعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وقرأ حمزة ها هنا مثل قراءته "توفاه" وكلا المذهبين حسن. وقوله: {استهواه} انما هو من قولهم: هوى من حالق اذا تردى منه. ويشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، كما أن زل انما هو من العباد، والمكان أمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين أن يقولوا لهؤلاء الذين يدعونهم الى عبادة الاوثان والاصنام {أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا} ان عبدناه، ولا يضرنا ان تركنا عبادته {ونرد على أعقابنا} بعد الهدى والرشاد وبعد معرفتنا بالله وتصديق رسله الى الضلال، وذلك مثل يقال فيمن رجع عن خير الى شر: رجع على عقبيه، وكذلك اذا خاب من مطلبه، يقال رد على عقبيه، ويصير في الحيرة {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} لا يهتدي الى طريق، ولا معرفة {له أصحاب يدعونه} الى الطريق الواضح وهو الهدى ويقولون له {ائتنا} ولا يقبل منهم، ولا يصير اليهم غير انه لذهاب عقله من فعل الله، فيستولي الشيطان حينئذ عليه، ولا يقبل من أحد لحيرته. شبه الله به الكافر الذي يرجع عن ايمانه وهداه الى الضلال. قال ولا يقدر أحد من الشياطين على اذهاب عقل أحد، لانهم لو قدروا على ذلك لسلبوا عقول العلماء من حيث انهم أعداؤهم، فلما لم يقدروا على ذلك دلَّ على أنه لا يقدر على ذلك الا الله. ثم أمره الله أن يقول لهؤلاء الكفار {إن هدى الله هو الهدى} أي دلالة الله لنا على توحيده وأمر دينه هو الهدى الذي يؤدي المستدل به الى الفلاح والرشاد في دينه وهو الذي يجب أن يعمل عليه ويستدل به دون ما يدل عليه غيره من سوى أمور الدين. وقوله {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} معناه أمرنا أن نسلم امورنا لله رب العالمين وان نفوضها اليه ونتوكل عليه لا على غيره مما يعبده المشركون. و {حيران} نصب الحال، وتقديره كالذي استهونه الشياطين في حال حيرته. وقوله {له أصحاب يدعونه الى الهدى} قيل: نزلت في عبد الرحمن ابن أبي بكر، كان أبواه يدعوانه الى الايمان ويقولان له {ائتنا}، أي تابعنا في ايماننا {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} تقول العرب: أمرتك ان تفعل وأمرتك لتفعل وأمرتك بأن تفعل، فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للالصاق. والمعنى وقع الامر بهذا الفعل. ومن قال أمرتك أن تفعل حذف الباء، ومن قال أمرتك لتفعل المعنى أمرنا للاسلام. قال الزجاج: يكون اللام لام التعليل والتقدير أمرنا كي نسلم قال الشاعر: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : أي كي أنسى. وقال الطبري: معناه وأمرنا لنخضع له بالذلة والطاعة ونخلص ذلك له دون ما سواه من الانداد والالهة.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} أي لا نفعل {وَنُرَدُّ عََلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ} أي نرجع إلى الكفر بعد الإِيمان {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ} أي: غلبت عليه الشياطين واستحوذت عليه {حَيْرَانَ} يعني أنه متحيّر لا يبصر الهدى {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهُدَى ائْتِنَا} أي بمنزلة رجل ضلّ في فلاة، له أصحاب كلهم يدعونه إلى الطريق فهو متحيّر. وقال مجاهد: هو رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من ضلّ بعد الهدى. وقال بعضهم: هذه خصومة علَّمها الله النبيَ وأصحابَه يخاصمون بها أهل الضلالة. قال الله للنبي: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى} وهو الذي أنت عليه. {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العَالَمِينَ}. قوله: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة. {وَهُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي للحق، يعني الميعاد. {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} يعني يوم القيامة. {قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} أي ينفخ فيه صاحب الصور، مَلك يقوم بين السماء والأرض في تفسير ابن مسعود. وقال بعضهم: من الصخرة من بيت المقدس. والصور قرن ينفخ فيه أرواح الخلق، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه، ثم ينطلقون سراعاً إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس. {عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} فالغيب السر والشهادة العلانية {وَهُوَ الحَكِيمُ} في أمره {الْخَبِيرُ} بأعمال عباده. ويقال: العليم بخلقه.
اطفيش
تفسير : {قُل أنَدْعُوا من دُون اللهِ} الآية وصح أن يكون سبب النزول دعاءهم أبا بكر للأصنام، ويكون الجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيغة نفسه وغيره، للاتحاد الذى كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، خصوصا بينه وبين الصديق أبى بكر رضى الله عنه، وتقدم استشكال أن يقال: نزلت آية كذا من الأنعام فى شأن كذا لنزولها بمرة واحدة، ومعنى ندعوا نعبد. {ما لا ينْفَعنا} إن عبدناه {ولا يضرُّنا} إن لم نعبده، أو ما لا طاقة له على نفعنا أو ضرنا مطلقاً وهو الأصنام، والاستفهام توبيخ وتهديد {ونُردُّ على أعقابنا} أى نرد إلى ورائنا لأن عقبى القدم من خلفه، وهو استعارة للوقوع فى الشرك بعد الكون فى الإسلام لمن كان قبل ذلك فى الشرك، أو لم يكن، وذلك أن الإسلام والعمل به سعى إلى المراد وهو ثواب طاعة الله ورضاه، فالإعراض عنه كالرجوع إلى خلف فى القبح، وعدم الوصول إلى ما ذهب إليه، ولك أن تقول: الرد على الأعقاب استعارة للوقوع فى الجهل الذى كان عليه الإنسان أولا كما قال الله جلا وعلا: {ثم رددناه أسفل سافلين} فى أحد الأوجه، وعلى الوجهين فذلك استعارة مبنى على مجاز مرسل لأن الرد حقيقة فى الإيقاع فى الشئ بعد الكون فيه، والانصراف عنه، ثم استعمل فى مطلق الإيقاع فيه استعمالا للفظ المقيد فى المعنى المطلق، والجهل الذى كان عليه الإنسان يشمل شرك من كان مشركاً ثم أسلم، وعصيانه وجهله، ويشمل جهل من لم يشرك قط وعصيانه، وإن قلنا: الآية جواب مطابق لمن كان على شرك ثم أسلم، ثم دعى إليه، فالرد على الأعقاب كناية للرجوع إلى الشرك والراد هو إبليس وأعوانه من الجن والإنس أو الله باختيار العبد. {بَعْد إذ هدانا الله} إلى التوحيد والطاعة {كالَّذى اسْتهوتْه الشَّياطين فى الأرض} كالرجل الذى عالجت الشياطين هوية فى الأرض، أى وقوعه فى هوية من الأرض، فالسين والتاء للطلب، فإن علاج الشئ طلب له، ويجوز أن يكون معنى استهوته عالجت وقوعه فى الأرض المهلكة بالضلالة فيها، والعطش والجوع، ففى الوجه الأول تشبيه واحد، وفى الثانى تشبيه مبنى على تشبيه استعارى، فإنه شبه الإيقاع فى أمر مهلك، والإهلاك بلا سقوط فى هوة من الأرض بالإيقاع فى الهوة، ثم شبه الصرف عن الإيمان بإيقاع الرجل فى ذلك الأمر المهلك، وفى الأرض متعلق باستهوت، وقرأ حمزة استهواه بألف مما له، والشياطين مردة الجن، ومن أثبت الغيلان منها قال: أراد الغيلان. والمتبادر من الآية ثبوت أن الشياطين قد تتخيل للإنسان فى سفره فتضله باتباعها ومنكر ذلك يقول: إن ذلك غير واقع، ولكنه فرض مثال، وكالذى متعلق بنرد، أو بمحذوف حال من ضمير نرد، أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف، أى رداً ثابتاً كالذى استهوته، أى كرد الذى، أو الكاف اسم هو حال من الضمير، أو نعت للمصدر المحذوف، أى رداً مثل رد الذى استهوته، ووجه الشبه أن الذى استهوته قد كان قبل استهوائه على إقبال من أمره ومن غويه، ثم صرفته الشياطين عنه بأن أضلته فى طريقه فمات ولم يصل البلدة التى ذهب إليها. {حَيْران} حال من هاء استهوته، أى متحيراً عن الطريق لا يدرى ما يصنع، ويجوز تعليق فى الأرض بحيران وراءه مرفقة فى أصح الروايتين عن ورش لوقوعها بعد سكون ياء، وهو مذهب أبى عمرو الدانى، وقيل: عن ورش بالتفخيم، وبه قال أبو محمد مكى وشريح الأندلسيان المعاصران لأبى عمرو الدانى، ووجهه قيل: إنهُ بوزن عمران، وعمران عجمى مفخم، ولو استحق الترقيق لو قرئ وراءه بعد كسرة لم تفصل إلا بساكن، وفيه أنه لم يوازيه الوزن التام بكسر عين عمران وفتح حاء حيران، ووجه أيضا أصله حيران بفتح الياء، وسكنت تخفيفاً وليوازن عمران، وفيه أنه لا نسلم أن أصلها الفتح، وأنهُ يقال أى فائدة فى دعوى الذين يدعون موازنة عمران. {له أصْحاب} الجملة حال من من المستتر فى حيران، أو حال ثان من هاء استهوته، ومن أجاز نعت الصفة أجاز أن تكون الجملة نعتاً لحيران، وهاء له عائدة للذى استهوته الشياطين وقوله: {يدْعُونه إلى الهُدَى} نعت لأصحاب، والهدى الإرشاد، فيقدر مضاف، وكذا إن فسر بالتوفيق أى يدعونه إلى طريق الهدى وهو دين الله المستقيم، أو سمى المهدى إليه هدى مبالغة، وهذا تجريد بذكرها يناسب بعض المشبه فى التشبيه المركب، فإن الدعاء إلى الله يشبه إلى طريق الأرض الموصل إلى المطلوب فيها، والداعون هم المسلمون، وأولى من ذلك أن يكون الهدى طريق الأرض الموصل للمطلوب، والداعون مسافرون حاضرون للميزان قد صاحبوه، فيكون ترشيحاً للتشبيه إذ كان يناسب بعض المشبه به المركب. {ائتنا} مفعول بحال محذوفة أو لنعت محذوف، أى لأصحاب قائلون ائتينا، أو يدعونه إلى الهدى قائلين، فمن وقف على الهدى أثبت ألف الهدى وبدا ائتنا بهمزة وصل مكسورة، ومدها مدا متوسطاً بالياء بعدها، وأصل هذه الياء همزة أتى، ومن وصل حذف ألف الهدى للساكن بعده وهو الألف الذى تبدل به همزة أتى فى فعل الأمر، فتمد به الدال مداً طبيعياً، فهمزة أتى فى فعل الأمر ياء فى الوقف على الهدى، وألف فى الوصل نطقا، وأما خطا فياء، هذا ما اعتمدته من قراءات، ومنها إبقاء الهمزة بعد همزة الوصل ساكنة بلا قلب لها ياء فتكتب همزة ساكنة وصلا ووقفا. وهنا قال الزمخشرى: يقولون لهُ ائتنا، وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن لا يجيبهم، أى لا يجيب القائلين ائتنا، ولا يأتيهم، وهذا مبنى على ما تزعمه العرب وتعتقده أن الجن تستهوى الإنسان، والغيلان تستولى عليه كقوله: {أية : كالذى يتخبطه الشيطان} تفسير : فشبه به الخالى عن طريق الإسلام، التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إليه ولا يلتفت إليهم انتهى، وليس فى كلامه إنكار للجن تصريحاً ولا تلويحاً، بل إنما لوح أن إنكار الغول التى تدعى العرب أنها تظهر للمسافر وتضله، وسهى من قال غير ذلك عنه فى هذه المسألة من ظاهر الآية يثبت ما نفاه الزمخشرى والتمثيل فى الآية مخترع أمر رسوله أن يخاطب المشركين به، وقال مجاهد: إن رجلا ضل فى الأرض بالشياطين وله أصحاب له فى سفره يقولون له ائتنا، فإن الطريق عندنا، فلم يجبهم إلى أن ضل وهلك فيمثل الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم ليخاطبهم به. {قلْ إنَّ هُدى الله هُو الهدَى} هذا حصر للخبر فى المبتدأ، أى الهدى محصور فى هدى الله الذى هو دين السلام الذى أنت عليه، لا توجد هداية فى غيره، فلا هداية ولا خير فى عبادة الأصنام، فلا تعبدوها، وكل ما سوى دين الله ضلال. {وأمِرْنا لنُسْلم) اللام صلة للتأكيد، وأن المصدرية مقدرة أى وأمرنا أن نسلم، أى بأن نسلم فقدر حرف واعتبر سقوط حرف، ويجوز أن يكون لام التعليل أى وأمرنا بترك الأصنام فنسلم أى لنخلص عبادتنا. {لربِّ العَالمِينَ} وقيل اللام بمعنى الباء، وهو مشكل، لأن الباء لا تدخل على الفعل ولا يضمر حرف المصدر بعدها، والجملة معطوفة على أن هدى الله هو الهدى.
اطفيش
تفسير : {قُلْ أَنَدْعُوا} أَنعبد أَو نسأَل {مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا} لا يقدر على نفعنا أَو ضرنا، كقوله تعالى "أية : ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً" تفسير : [المائدة: 76] ولا ينفعنا إِن عبدناه أَو سأَلناه، ولا يضرنا إِن تركنا عبادته، أَو عاملناه بالهوان {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} نرجع إِلى الشرك الذى كنا فيه كرجوع الماشى إِلى وراءِه باقياً على استدباره، وأَيضاً يولد بلا علم ثم يزداد علماً بجوارحه كسمعه وبصره ولسانه، وإِذا أَهملها فقد رجع إِلى وراءَه أَو تشبيه مركب بأَن شبه ترك الأَمر النافع بعد الدخول فيه وهو الإِيهان وتناول الأمر الضار وهو الشرك بعد الانصراف عنه وعصيان الأَصحاب الداعين إِلى الهدى بترك الذهاب إِلى قدام فى مصحة وعلى بصيرة، والرجوع إِلى الوراء الذى هو ضار وخلاف المقصود {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ} بعد وقت هدانا الله إِلى الإِسلام، ولا يقبل جعل إِذ بمعنى أَن المصدرية لمخالفة الأصل وصحة المعنى بدونها. روى أَن ذلك فى أَبى بكر حين دعاه ابنه عبد الرحمن إِلى عبادة الأَصنام، فتوجه الخطاب إِلى النبى صلى الله عليه وسلم {كَالَّذِى اسْتَهْوَتْهُ} أَضلته وحيرته. شبه الإِضلال والتحيير فى الأَرض بعلاج الهُوى فى الأَرض والتسفل فيها، أَو بعلاج الذهاب بسرعة فى المشى. قيل: أَو بعلاج السقوط: وفيه تكلف ولكن يناسبه قوله تعالى "أية : ومن يشرك بالله فقد خر من السماء" تفسير : [الحج: 31] والمراد نرد ردا مثل الذى استهوته. أَو نرد مماثلين للذي استهوته، واعترض بأَن الرد ليس في حالة المشابهة كما أَن المجىءَ حال الركوب فى جاءَ زيد راكباً {الشَّيَاطِينُ} جمع مبالغة فهو كالذى استهوته جماعة كثيرة من مردة الجن فكيف ينجو {فِى الأَرْضِ} متعلق باستهوته أَو بحيران، أَو حال من الهاء ويضعف كونه حالا من قوله {حَيْرَانَ} أَو من مستترة، أَى غير مهتد إِلى الطريق، وهو مذكر حيرى لا حيرانة، وإِلا صرف، وهو كحال ثانية، أَو حال من الهاء {لَهُ أَصْحَابٌ} رفقه، نعت لحيران، أَو حال من المستتر فيه، ولا يصح ما قيل من جواز أَنه مستأنف، لأَنه من جملة ما هو محط التشبيه فإِنه شبه الراجع إِلى الغواية بعد الهدى بمن استهوته الشياطين متحيراً مقروناً بأَصحاب تزجره عن استهواء الشياطين، وهو معرض عن ذلك الزجر {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى} إِلى الطريق فى الأَرض الذى ينجى من الاستهواء {ائْتِنَا} قائلين ائتنا واترك استهواء الشياطين لك، أَو يقدر يقولون ائتنا، ويقولون بدل من يدعونه، أَو محكى بيدعونه متضمنا معنى يقولون، على كل حال لا يستجيب لهؤلاء الذين يدعونه إِلى طريق النجاة فى الأَرض، وقد علمت أَن ذلك تشبيه مركب، وإِيضاح مفرداته أَن الراجع إِلى الشرك كالماشى إِلى وراءَ، وكالذى استهوته الشياطين متحيراً، وأَن أَهل الحق الداعين إِلى الإِسلام كالداعين لذلك المستهوى إِلى الطريق المنجية فى الأَرض، وأَن دين الإِسلام كطريق منجية فى الأَرض، ويسمى الطريق المنجية هذى مبالغة كأَنه نفس الرشاد، أَو يقدر طريق الهدى، ويجوز أَن يراد بالهدى دين الإِسلام فيكون تجريداً للتشبيه، ومعنى قول الكشاف: استهوته الشياطين مردة الجن كما تزعم العرب أَن العرب تقول يحترق الجنى بالشهاب فيظهر فى الفلوات يضل الناس حتى يموتوا، لا ما قيل أَنه إِنكار العرب الجن وليس هو منكراً للجن، والشياطين الكافرون من الجن موحدين أَو مشركين، وقيل نوع خلقوا من النار شأْنهم الفساد، من شطن بمعنى بعد، فهم بعيدون عن الحق، أَو من شاط بمعنى احترق أَو بطل {قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى} دين الإِسلام وحده هو الهدى وغيره ضلال، وسواء الهدى الذى بمعنى البيان وهو فى وسع الرسل وغيرهم يعم السعداءَ والأَشقياءَ ولو لم يعم لم يقطع عذر عاص مصر، والهدى الذى بمعنى التوفيق، وهو مختص بالله عز وجل، واختص بالسعداء، وهذا حصر إِفراد للهدى فى هدى بمعنى المصدرية، أَو بمعنى ما يهتدى به بعد ما وبخهم وأَنكر اللياقة بقوله {وَأُمرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} هذا إِلى قوله الخبير، داخل فى قل، عطف فعليه على اسمية، ولا يضر ذلك، ولا عطف إِنشاء على الخبر ولا عكس ذلك لأَن الجمل المحكية كل واحدة اسم أَصله جملة كأَنه قيل كذا أَو قل كذا. ويجوز أَن يكون قوله "أية : وهو الذى إِليه تحشرون"تفسير : [الأنعام: 72] إِلخ مستأنفاً، واللام تعليل لأمرنا، ويقدر متعلق آخر، أَى: وأمرنا بالإِسلام لنسلم، أَو أمرنا بالإِخلاص لنسلم، أَو بقول إِن الهدى هدى الله، أَو ضمن أَمرنا معنى قيل لنا أسلموا لنسلم، وفيه كثرة التضمين، أَو اللام صلة والباء محذوفة، وفيه حذف حرف، وزيادة آخر فى لفظ واحد، وأَولى منه أَن اللام بمعنى الباء إِلا أَنه غير معروف فى النحو، ولا يصح ما قبل حرف مصدر قائمة مقام إِن لعدم دليل على صحة ذلك، ولحاجته إِلى تقدير جار.
الالوسي
تفسير : {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن المشركين قالوا للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: {قُلْ} الخ. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأصنام. وفي توجيه الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تعظيم شأن المؤمنين أو أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادة الله تعالى الجامع لجميع صفات الألوهية التي من جملتها القدرة على النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا أن عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه، وأدنى مراتب المعبودية القدرة على ذلك. وفاعل {نَدْعُواْ} وكذا ما عطف عليه من قوله سبحانه: {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا} عام لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولغيره وليس مخصوصاً بالصديق رضي الله تعالى عنه بناء على أنه سبب النزول. وفي الآية تغليب إذ لا يتصور الرد على العقب المراد به الرجوع إلى الشرك منه صلى الله عليه وسلم. والمعنى أيليق بنا معشر المسلمين ذلك. والأعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال: رجع على عقبه إذا انثنى راجعاً. ويكنى به ـ كما قيل ـ عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب مع الإقبال؛ وقيل: الرد على الأعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل، شركاً أو غيره. والجمهور على الأول «والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب ـ كما قال شيخ الإسلام ـ لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر. وإيثار {نُرَدُّ} على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير تصريحاً بمخالفة المضلين وقطعاً لاطماعهم الفارغة وإيذاناً بأن الارتداد من غير راد ليس في حيز الاحتمال ليحتاج إلى نفيه وإنكاره». {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي إلى التوحيد والإسلام أو إلى سائر ما يترتب عليه الفوز في الآخرة على ما قيل. والظرف متعلق بنرد مسوق لتأكيد النكير لا لتحقيق معنى الرد وتصويره فقط وإلا لكفى أن يقال: بعد إذ اهتدينا كأنه قيل: أنرد إلى ذلك بإضلال المضل بعد إذ هدانا الله الذي لا هادي سواه. وليست الآية من باب التنازع فيما يظهر ولا أن جملة {نُرَدُّ} في موضع الحال من ضمير {ندعو} أي ونحن نرد وجوزه أبو البقاء. وقوله سبحانه: {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} نعت لمصدر محذوف أي أنرد رداً مثل رد الذي استهوته الخ. وقدر الطبرسي «أندعو دعاء مثل دعاء الذي» الخ وليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إنه في موضع الحال من فاعل {نُرَدُّ} أي أنرد على أعقابنا مشبهين بذلك. واعترضه صاحب «الفرائد» بأن حاصل الحالية أنرد في حال مشابهتنا كقولك: جاء زيد راكباً أي في حال ركوبه والرد ليس في حال المشابهة كما أن المجيء في حال الركوب. وأجاب عنه الطيبي بأن الحال مؤكدة كقوله سبحانه: { أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } تفسير : [التوبة: 25] فلا يلزم ذلك، ولا يخفى أنه في / حيز المنع. والاستهواء استفعال من هوى في الأرض يهوي إذا ذهب كما هو المعروف في اللغة كأنها طلبت هويه وحرصت عليه أي كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامه والقفار. والكلام من المركب العقلي أو من التمثيل حيث شبه فيه من خلص من الشرك ثم نكص على عقبيه بحال من ذهبت به الشياطين في المهمه وأضلته بعد ما كان على الجادة المستقيمة. وليس هذا مبنياً على زعمات العرب كما زعم من استهوته الشياطين. وادعى بعضهم أن استهوى من هوى بمعنى سقط يقال: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من أعلى إلى أسفل. والمقصود «تشبيه حال هذا الضال بحال من سقط من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة لأنه في غاية الاضطراب والضعف والدهشة. ونظير ذلك قوله تعالى: { أية : ومَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الحج: 31] وفيه بعد وإن قال الإمام : إنه أولى من المعنى الأول» مع أنه يتوقف على ورود الاستفعال من هوى بهذا المعنى، وجوز أبو البقاء في «الذي» أن يكون مفرداً أي كالرجل أو كالفريق الذي وأن يكون جنساً. والمراد الذين. قرأ حمزة {استهواه} بألف ممالة مع التذكير. {فِي ٱلأَرْضِ} أي جنسها. والجار متعلق باستهوته أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله أي كائناً في الأرض. وكذا قوله سبحانه: {حَيْرَانَ} حال منه أيضاً على أنها بدل من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من «الذي» أو من المستكن في الظرف. وجوز أبو البقاء أن يكون الجار حالاً من {حَيْرَانَ} وهو ممنوع من الصرف ومؤنثه حيرى أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري ما يصنع. {لَهُ } أي للمستهوي {أَصْحَـٰبُ} أرى رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} أي الطريق المستقيم أطلق عليه مبالغة على حد ـ زيد عدل ـ والجار الأول متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً و {أَصْحَـٰبُ } مبتدأ، والجملة إما في محل نصب على أنها صفة لحيران أو حال من الضمير فيه أو من الضمير في الظرف أو بدل من الحال التي قبلها. وإما لا محل لها على أنها مستأنفة، وجملة {يَدْعُونَهُ } صفة لأصحاب. وقوله سبحانه: {ٱئْتِنَا } يقدر فيه قول على أنه بدل من {يَدْعُونَهُ} أو حال من فاعله. وقيل: محكي بالدعاء لأنه بمعنى القول. وهذا مبني على الخلاف بين البصريين والكوفيين في أمثال ذلك. والمشهور التقدير أي يقول ائتنا. وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق ليدعى إلى إتيانه وإنما يدرك سمت الداعي ومورد النعيق. وقرأ ابن مسعود كما رواه ابن جرير وابن الأنباري عن أبي إسحٰق «بيناً» على أنه حال من الهدى أي واضحاً. {قُلْ } لهؤلاء الكفار {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ} الذي هدانا إليه وهو الإسلام {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي وحده كما يدل عليه تعريف الطرفين أو ضمير الفصل وما عداه ضلال محض وغي صرف. وتكرير الأمر للاعتناء بشأن المأمور به أو لأن ما سبق للزجر عن الشرك وهذا حث على الإسلام وهو توطئة لما بعده فإن اختصاص الهدى بهداه تعالى مما يوجب امتثال الأوامر بعده {وَأُمرْنَا} عطف على {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } داخل معه تحت القول. واللام في قوله سبحانه: {لِنُسْلِمَ } للتعليل ومفعول {أمرنا} الثاني محذوف أي أمرنا بالإخلاص لكي ننقاد ونستسلم {لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، وقيل: هي بمعنى الباء أي أمرنا بالإسلام. وتعقبه أبو حيان بأنه غريب لا تعرفه النحاة، وقيل: زائدة أي أمرنا أن نسلم على حذف الباء، وقال الخليل وسيبويه ومن / تابعهما: الفعل في هذا وفي نحو { أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ } تفسير : [النساء: 26] مؤول بالمصدر وهو مبتدأ واللام وما بعدها خبره أي أمرنا للإسلام، وهو نظير ـ تسمع بالمعيدى خير من أن تراه ـ ولا يخفى بعده. وذهب الكسائي والفراء إلى أن اللام حرف مصدري بمعنى أن بعد أردت وأمرت خاصة فكأنه قيل: وأُمرنا أن نسلم. والتعرض لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل الأمر وتأكيد وجوب الامتثال به.
سيد قطب
تفسير : هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها؛ وباستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى؛ وبمشهد الذي يرجع القهقرى مرتداً عن دين الله؛ وحيرته في التيه بلا اتجاه؛ وبتقرير أن هدى الله وحده هو الهدى.. هذا الإيقاع يختم برنة عالية عميقة مدوية. عن سلطان الله المطلق، في الأمر والخلق؛ وعن انكشاف هذا السلطان وتفرده بالظهور - حتى للمنكرين المطموسين - {أية : يوم ينفخ في الصور}تفسير : ويبعث من في القبور؛ ويستيقن من لم يكن يستيقن أن الملك لله وحده، وأن إليه المصير: {قل: أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، كالذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران، له أصحاب يدعونه إلى الهدى. ائتنا. قل: إن هدى الله هو الهدى، وأمرنا لنسلم لرب العالمين. وأن أقيموا الصلاة واتقوه}.. {قل}.. الإيقاع القوي المتكرر في السورة؛ الذي يوحي بأن هذا الأمر لله وحده، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هو منذر ومبلغ؛ والذي يوحي بجلال هذا الأمر وعلويته ورهبته؛ وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هو مأمور به من ربه. {قل: أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا؟}.. قل لهم يا محمد ما هم عليه من دعوة غير الله والاستعانة به وإسلام مقادهم لهؤلاء الذين يدعونهم من دونه، وهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً. سواء كان ما يدعونه وثناً أو صنماً، حجراً أو شجراً، روحاً أم ملكاً، شيطاناً أم إنساناً... فكلهم سواء في أنهم لا ينفعون شيئاً ولا يضرون. فهم أعجز من النفع والضر. وكل حركة إنما تجري بقدر من الله. فما لم يأذن به الله لا يكون، ولا يكون إلا قدره وما جرى به قضاؤه من الأمور.. قل لهم مستنكراً دعوة غير الله، وعبادة غير الله، والاستعانة بغير الله، والخضوع لغير الله. وسخف هذا التصرف وهذا الاتجاه.. وسواء كان ذلك رداً على ما كان يقترحه المشركون على النبي - صلى الله عليه وسلم - من مشاركتهم عبادة آلهتهم ليشاركوه عبادة ربه! أو كان ذلك استنكاراً مبتدأ لما عليه المشركون، وإعلاناً للمفارقة والمفاصلة فيه من جانب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.. فإن المؤدى في النهاية واحد؛ وهو استنكار هذا السخف الذي يرفضه العقل البشري ذاته متى عرض له في النور؛ بعيداً عن الموروثات الراسبة، وبعيداً كذلك عن العرف السائد في البيئة! ولتجسيم السخف وتضخيم الاستنكار يعرض هذه المعتقدات في ضوء ما هدى الله المسلمين إليه من عبادته وحده، واتخاذه وحده إلهاً، والدينونة له وحده بلا شريك: {قل: أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا؟}.. فهو ارتداد على الأعقاب؛ ورجوع إلى الوراء؛ بعد التقدم والارتقاء.. ثم هذا المشهد الشاخص المتحرك الموحي المثير: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض.. حيران.. له أصحاب يدعونه إلى الهدى: ائتنا}.. إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد، ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد، والآلهة المتعددة من العبيد! ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال، فيذهب في التيه.. إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس: {الذي استهوته الشياطين في الأرض} - ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله - ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه، فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد - ولو في طريق الضلال! - ولكن هناك، من الجانب الآخر، أصحاب له مهتدون، يدعونه إلى الهدى، وينادونه {ائتنا} - وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء {حيران} لا يدري أين يتجه، ولا أي الفريقين يجيب! إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك، حتى ليكاد يحس ويلمس من خلال التعبير! ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرآت هذا النص.. ولكن مجرد تصور.. حتى رأيت حالات حقيقية، يتمثل فيها هذا الموقف، ويفيض منها هذا العذاب.. حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه - أياً كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق - ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة، تحت قهر الخوف والطمع.. ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير.. وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة، وماذا يعني هذا التعبير! وبينما ظل المشهد الحي الشاخص المتحرك الموحي، يغمر النفس بالوجل من هذا المصير التعيس.. يأتي التقرير الحاسم بالاتجاه الثابت المستقيم: {قل: إن هدى الله هو الهدى، وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة واتقوه}.. إنه التقرير الحاسم في الظرف النفسي المناسب، فالنفس التي ترتسم لها صورة الحيرة الطاغية، والعذاب المرير من هذه الحيرة التي لا تستقر على قرار، تكون أقرب ما تكون إلى استقبال القرار الحاسم بالراحة والتسليم.. ثم إنه الحق في ذلك التقرير الحاسم: {قل: إن هدى الله هو الهدى}.. هو وحده الهدى - كما يفيد التركيب البياني للجملة - وإنه لكذلك عن يقين.. وإن البشرية لتخبط في التيه، كلما تركت هذا الهدى، أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئاً من تصوراتها هي ومقولاتها، وأنظمتها وأوضاعها، وشرائعها وقوانينها، وقيمها وموازينها، بغير "علم" ولا "هدى" ولا "كتاب منير".. إن "الإنسان" موهوب من الله القدرة على تعرف بعض نواميس الكون وبعض طاقاته وقواه، للانتفاع بها في الخلافة في الأرض، وترقية هذه الحياة.. ولكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من الله القدرة على استكناه الحقائق المطلقة في هذا الكون، ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب، ومنها غيب عقله هو وروحه، بل غيب وظائف جسمه والأسباب الكامنة وراء هذه الوظائف، والتي تدفعها للعمل هكذا، وبهذا الانتظام، وفي هذا الاتجاه. ومن ثم يحتاج هذا "الإنسان" إلى هدى الله في كل ما يختص بكينونته وحياته من عقيدة وخلق، وموازين وقيم، وأنظمة وأوضاع، وشرائع وقوانين تحكم هذه الكينونة وتنظم لها واقع الحياة.. وكلما فاء هذا "الإنسان" إلى هدى الله اهتدى. لأن هدى الله هو الهدى. وكلما بعد كلية عنه، أو انحرف بعض الانحراف واستبدل به شيئاً من عنده ضل. لأن ما ليس من هدى الله فهو ضلال.. إذ ليس هنالك نوع ثالث {فماذا بعد الحق إلا الضلال؟}. ولقد ذاقت البشرية من ويلات هذا الضلال - وما تزال كلها تذوق - ما هو "حتمي" في تاريخ البشرية حين تنحرف عن هدى الله.. فهذه هي "الحتمية التاريخية" الوحيدة المستيقنة لأنها من أمر الله، ومن خبر الله، لا تلك الحتميات المدعاة! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى الله، لا يحتاج أن ينقب، فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي، ويصرخ منه العقلاء في كل مكان. ومن ثم يستطرد السياق في الآية ليقرر ضرورة الاستسلام لله وحده، وعبادته وحده، ومخافته وتقواه: {وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة واتقوه}.. قل يا محمد وأعلن أن هدى الله هو الهدى؛ وأننا - من ثم - أمرنا أن نسلم لرب العالمين. فهو وحده الذي يستسلم له العالمون. فالعوالم كلها مستسلمة له، فماذا الذي يجعل الإنسان وحده - من بين العالمين - يشذ عن الاستسلام لهذه الربوبية الشاملة التي تستسلم لها العوالم في السماوات والأرضين؟ إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه.. إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله، وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة، للنواميس التي وضعها الله لها؛ وهي لا تملك الخروج عليها، والإنسان - من ناحية تركيبه العضوي - يستسلم كذلك لهذه النواميس كرهاً، ولا يملك الخروج عليها.. فلا يبقى إلا أن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه، وهو جانب الاختيار.. اختيار الهدى أو الضلال.. ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي، لاستقام أمره، وتناسق تكوينه وسلوكه، وجسمه وروحه، ودنياه وآخرته.. وفي إعلان الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه، أنهم أمروا بالاستسلام فاستسلموا، إيحاء مؤثر لمن يفتح الله قلبه للتلقي والاستجابة على مدى الزمان. وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه}. فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين، وسلطانه وتربيته وتقويمه. ثم تجيء العبادات الشعائرية؛ وتجيء الرياضات النفسية.. لتقوم على قاعدة الاستسلام.. فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء. وفي الإيقاع الأخير في الفقرة يحشد السياق المؤثرات من الحقائق الأساسية في العقيدة: حقيقة الحشر. وحقيقة الخلق. وحقيقة السلطان. وحقيقة العلم بالغيب والشهادة. وحقيقة الحكمة والخبرة.. من خصائص الألوهية، التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة: {وهو الذي إليه تحشرون. وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق. ويوم يقول: كن فيكون. قوله الحق، وله الملك يوم ينفخ في الصور، عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير}.. {وهو الذي إليه تحشرون}.. إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب.. فهو الذي إليه تحشر الخلائق.. فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر - الحتمي - ما ينجيهم؛ وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين؛ قبل أن يقفوا أمامه مسؤولين.. وكذلك يصبح تصور هذه الحقيقة - حقيقة الحشر - موحياً بالاستسلام في المبدأ، ما دام أنه لا مفر من الاستسلام في المصير! {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق}.. وهذه حقيقة أخرى تحشد كمؤثر آخر.. فالله الذي يؤمرون بالاستسلام له هو الذي خلق السماوات والأرض - والذي يخلق يملك ويحكم ويقضي ويتصرف - ولقد خلق السماوات والأرض "بالحق". فالحق قوام هذا الخلق.. وفضلاً عما يقرره هذا النص من نفي الأوهام التي عرفتها الفلسفة عن هذا الكون - وبخاصة الأفلاطونية والمثالية - من أن هذا العالم المحسوس وهم لا وجود له على الحقيقة! - فضلاً على تصحيح مثل هذه التصورات، فإن النص يوحي بأن الحق أصيل في بنية هذا الكون، وفي مآلاته كذلك. فالحق الذي يلوذ به الناس يستند إلى الحق الكامن في فطرة الوجود وطبيعته، فيؤلف قوة هائلة، لا يقف لها الباطل، الذي لا جذور له في بنية الكون، وإنما هو كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وكالزبد يذهب جفاء، إذ لا أصالة له في بناء الكون.. كالحق... وهذه حقيقة ضخمة، ومؤثر كذلك عميق.. إن المؤمن الذي يشعر أن الحق الذي معه - هو شخصياً وفي حدود ذاته - إنما يتصل بالحق الكبير في كيان هذا الوجود. وفي الآية الأخرى: {أية : ذلك بأن الله هو الحق}تفسير : فيتصل الحق الكبير الذي في الوجود بالحق المطلق في الله سبحانه.. إن المؤمن الذي يشعر بهذه الحقيقة على هذا النحو الهائل، لا يرى في الباطل - مهما تضخم وانتفخ وطغى وتجبر وقدر على الأذى المقدر - إلا فقاعة طارئة على هذا الوجود؛ لا جذور لها ولا مدد؛ تنفثىء من قريب، وتذهب كأن لم تكن في هذا الوجود. كما أن غير المؤمن يرتجف حسه أمام تصور هذه الحقيقة. وقد يستسلم ويثوب! {ويوم يقول: كن فيكون}.. فهو السلطان القادر، وهي المشيئة الطليقة، في الخلق والإبداع والتغيير والتبديل.. وعرض هذه الحقيقة - فضلاً على أنه من عمليات البناء للعقيدة في قلوب المؤمنين - هو كذلك مؤثر موح في نفوس الذين يُدعون إلى الاستسلام لله رب العالمين الخالق بالحق.. الذي يقول: كن فيكون. {قوله الحق}.. سواء في القول الذي يكون به الخلق: {كن فيكون}. أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده. أو في القول الذي يشرع به للناس حين يستسلمون. أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل. وعن الخلق والنشأة والحشر والجزاء. قوله الحق في هذا كله.. فأولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه. ومن يتبعون قول غيره كذلك وتفسيره للوجود وتشريعه للحياة. في أي اتجاه. {وله الملك يوم ينفخ في الصور}.. ففي هذا اليوم يوم الحشر.. يوم ينفخ في الصور (هو القرن المجوف كالبوق) وهو اليوم الذي يكون فيه البعث والنشر؛ بكيفية غيبية لا يعلمها البشر، فهي من غيب الله الذي احتفظ به. والصور كذلك غيب من ناحية ماهيته وحقيقته، ومن ناحية كيفية استجابة الموتى له، والروايات المأثورة؛ تقول: هو بوق من نور ينفخ فيه ملك، فيسمع من في القبور، حيث يهبون للنشور - وهذه هي النفخة الثانية - أما الأولى فيصعق لها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله كما جاء في آية الزمر: {أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض - إلا من شاء الله - ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}تفسير : وهذه الأوصاف للصور ولآثار النفخة فيه تعطينا - عن يقين - أنه على غير ما يمكن أن يكون البشر قد عهدوه في هذه الأرض أو تصوروه.. وهو من ثم غيب من غيب الله.. نعلمه بقدر ما أعطانا الله من وصفه وأثره، ولا نتجاوز هذا القدر الذي لا أمان في تجاوزه، ولا يقين. إنما هي الظنون! في هذا اليوم الذي ينفخ فيه في الصور يبرز - حتى للمنكرين - ويظهر - حتى للمطموسين - أن الملك لله وحده، وأنه لا سلطان إلا سلطانه، ولا إرادة إلا إرادته.. فأولى لمن يأبون الاستسلام له في الدنيا طائعين أن يستسلموا قبل أن يستسلموا لسلطانه المطلق يوم ينفخ في الصور. {عالم الغيب والشهادة}.. الذي يعلم ذلك الغيب المحجوب، كما يعلم هذا الكون المشهود. والذي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد، ولا يند عنه شأن من شؤونهم.. فأولى لهم أن يسلموا له ويعبدوه ويتقوه. وهكذا تذكر هذه الحقيقة لذاتها، وتتخذ مؤثراً موحياً في مواجهة المكذبين والمعارضين. {وهو الحكيم الخبير}.. يصرف أمور الكون الذي خلقه، وأمور العباد الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة.. فأولى أن يستسلموا لتوجيهه وشرعه، ويسعدوا بآثار حكمته وخبرته. ويفيئوا إلى هداه وحده. ويخرجوا من التيه، ومن الحيرة، إلى ظلال الحكمة والخبرة، وإلى كنف الهدى والبصيرة.. وهكذا تتخذ هذه الحقيقة مؤثراً موحياً للعقول والقلوب..
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لتأييس المشركين من ارتداد بعض المسلمين عن الدين، فقد كان المشركون يحاولون ارتداد بعض قرابتهم أو من لهم به صلة. كما ورد في خبر سعيد بن زيد وما لَقي من عُمر بن الخطاب. وقد روي أنّ عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق دعا أباه إلى عبادة الأصنام، وأنّ الآية نزلت في ذلك، ومعنى ذلك أنّ الآية نزلت مشيرة إلى ذلك وغيره وإلاّ فإنّ سورة الأنعام نزلت جملة واحدة. وحاول المشركون صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الإسلام وهم يُرْضُونه بما أحبّ كما ورد في خبر أبي طالب. والاستفهام إنكار وتأييس، وجيء ـــ بنون المتكلّم ومعه غيره ـــ لأنّ الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلّهم. و{من دون الله} متعلّق بـ {ندعوا}. والمراد بما لا ينفع ولا يضرّ الأصنامُ، فإنَّها حجارة مشاهد عدمُ نفعها وعجزُها عن الضرّ، ولو كانت تستطيع الضرّ لأضرّت بالمسلمين لأنَّهم خلعوا عبادتها وسفَّهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها، فلمَّا جعلوا عدَم النفع ولا الضرّ علَّة لنفي عبادة الأصنام فقد كنّوا بذلك عن عبادتهم النافع الضارّ وهو الله سبحانه. وقوله: {ونُردّ على أعقابنا} عطف على {ندعوا} فهو داخل في حيّز الإنكار. والردّ: الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه، كقوله تعالى: {أية : رُدّوها عليّ}تفسير : [ص: 33]. والأعقاب جمع عَقِب وهي مؤخّر القدم. وعقب كلّ شيء طَرفه وآخره ويقال: رجع على عَقِبه وعلى عَقِبَيْه ونكص على عقبيه بمعنى رجع إلى المكان الذي جاء منه لأنَّه كان جاعلاً إيَّاه وراءه فرَجَع. وحرف (على) فيه للاستعلاء، أي رجع على طريق جهة عقبه، كما يقال: رجع وراءه، ثم استعمل تمثيلاً شائعاً في التَّلبّس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبُها ثم عاد إليها وتلبّس بها، وذلك أنّ الخارج إلى سفر أو حاجة فإنَّما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القُدُمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيَه؛ فيمثّل حاله بحال من رجع على عقبيه. وفي الحديث: «حديث : اللهمّ أمْض لأصحابي هِجْرتهم ولا تَرُدّهم على أعقابهم»تفسير : . فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتدّ إلى الشرك بعد أن أسلَم بحال من خرج في مهمّ فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له. وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يُقال: ونرجعُ إلى الكفر بعد الإيمان. وقد أضيف (بعد) إلى {إذْ هدانا} وكلاهما اسم زمان، فإنّ (بعد) يدلّ على الزمان المتأخِّر عن شيء كقوله: {أية : ومن بعد صلاة العشاء}تفسير : [النور: 58] و(إذا) يدلّ على زمان معرّف بشيء، فـ (إذا) اسم زمن متصرّف مراد به الزمان وليس مفعولاً فيه. والمعنى بعدَ الزمن الذي هدانا الله فيه، ونظيره {أية : ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}تفسير : في سورة [آل عمران: 8]. ارتقى في تمثيل حالهم لو فُرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدقّ، بقوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض}، وهو تمثيل بهيئة متخيّلة مبنيّة على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسُوسينَ. فالكاف في موضع الحال من الضمير في {نُردّ على أعقابنا}، أي حال كوننا مشْبهينَ للذي استهوته الشياطين فهذه الحال مؤكّدة لما في {نردّ على أعقابنا} من معنى التَمثيل بالمرتدّ على أعقابه. والاستهواء استفعال، أي طلب هَوى المرء ومحبّتِه، أي استجلاب هَوى المرء إلى شيء يحاوله المستجلِب. وقرّبه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية. فقال: استهواه بمعنى أهواه مثل استزلّ بمعنى أزلّ. ووقع في «الكشَّاف» أنَّه استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهب فيها، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمَّة اللغة ولِم يذكره هو في «الأساس» مع كونه ذكر {كالذي استهوته الشياطين} ولم ينبِّه على هذا مَن جاء بعده. والعرب يقولون: استهوته الشياطين، إذا اختطفت الجنّ عقله فسيَّرتْه كما تريد. وذلك قريب من قولهم: سَحَرتْه، وهم يعتقدون أنّ الغيلان هي سحرة الجنْ، وتسمَّى السعالي أيضاً، واحدتُها سَعْلاة، ويقولون أيضاً: استهامته الجنّ إذا طلبت هُيامه بطاعتها. وقوله: {في الأرض} متعلّق بـ {استهوته}، لأنَّه يتضمَّن معنى ذهبت به وضلّ في الأرض. وذلك لأنّ الحالة التي تتوهَّمها العرب استهواء الجنّ يصاحبها التوحّش وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكباً رأسه لا ينتصح لأحد، كما وقع لكثير من مجانينهم ومَن يزعمون أنّ الجنّ اختطفتهم. ومن أشهرهم عَمْرو بن عَدي الأيادي اللخمي ابن أخت جُذيمة بن مالك ملك الحيرة. وجوّز بعضهم أن يكون {في الأرض} متعلِّقاً بـ {حَيْران}، وهو بعيد لعدم وجود مقتض لتقديم المعمول. و{حَيْرانَ} حال من {الذي استهوتْه}، وهو وصف من الحَيْرة، وهي عدم الاهتداء إلى السبيل. يقال: حارَ يحَار إذ تاهَ في الأرض فلم يعلم الطريق. وتطلق مجازاً على التردّد في الأمر بحيث لا يعلم مخرجه، وانتصب {حيران} على الحال من {الذي}. وجملة: {له أصحاب} حال ثانية، أي له رفقة معه حين أصابه استهواء الجنّ. فجملة {يدعونه} صفة لــ {أصحاب}. والدعاء: القول الدالّ على طلب عمل من المخاطب. والهدى: ضدّ الضلال. أي يدعونه إلى ما فيه هدَاه. وإيثارُ لفظ {الهُدى} هنا لما فيه من المناسبة للحالة المشبَّهة. ففي هذا اللفظ تجريد للتمثيلية كقوله تعالى: {أية : فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم}تفسير : في سورة [البقرة: 17]. ولذلك كان لتعقيبه بقوله: {قل إنّ هدى الله هو الهدى} وقع بديع. وجوّز في «الكشاف» أن يكون الهدى مستعاراً للطريق المستقيم. وجملة: {ائتنا} بيان لــ {يدعونه إلى الهدى} لأنّ الدعاء فيه معنى القول. فصحّ أن يبيّن بما يقولونه إذا دعَوه، ولكونها بياناً فُصلت عن التي قبلها، وإنَّما احتاج إلى بيان الدعاء إلى الهدى لتمكِين التمثيل من ذهن السامع، لأنّ المجنون لا يخاطب بصريح المقصد فلا يدعى إلى الهدى بما يَفهم منه أنَّه ضالّ لأنّ من خُلق المجانين العناد والمكابرة، فلذلك يدعونه بما يفهم منه رغبتُهم في صحبته ومحبتُهم إيَّاه، فيقولون: ايتنا، حتَّى إذا تمكَّنوا منه أوثقوه وعادوا به إلى بيته. وقد شبّهت بهذا التمثيل العجيب حالة من فُرض ارتدادُه إلى ضلالة الشرك بعد هدى الإسلام لدعوة المشركين إيَّاه وتركه أصحابه المسلمين الذين يصدّونه عنه، بحَال الذي فسد عقله باستهواء من الشياطين والجنّ، فتاه في الأرض بعد أن كان عاقلاً عارفاً بمسالكها، وترك رفقته العقلاء يدعونه إلى موافقتهم، وهذا التركيب البديع صالح للتفكيك بأن يشبّه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بها، بأن يشبه الارتداد بعد الإيمان بذهاب عقل المجنون، ويشبّه الكفر بالهُيام في الأرض، ويشبّه المشركون الذين دعَوْهم إلى الارتداد بالشياطين وتُشَبّه دعوة الله الناس للإيمان ونزولُ الملائكة بوحيه بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى. وعلى هذا التفسير يكون {الذي} صادقاً على غير معيّن، فهو بمنزلة المعرّف بلام الجنس. وروي عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر الصدّيق حين كان كافراً وكان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وقد أسلم في صلح الحديبية وحسن إسلامه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أندعوا: أي نعبد. ما لا ينفعنا ولا يضرنا: أي ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا لو أراد ذلك لنا. ونرد على أعقابنا: أي نرجع كفاراً بعد أن كنا مؤمنين. استهوته الشياطين: أي أضلته في الأرض فهوى فيها تائه حيران لا يدري أين يذهب. واتقوه: أي اتقوا الله بتوحيده في عبادته وترك معصيته. ويوم يقول كن فيكون: أي في يوم القيامة. الصور: بوق كالقرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. الحكيم: في أفعاله الخبير بأحوال عباده. معنى الآيات: يدل السياق على أن عرضا من المشركين كان لبعض المؤمنين لأن يعبدوا معهم آلهتهم فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم عرضهم الرخيص منكراً عليهم ذلك أشد الإِنكار {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، الاستفهام للإِنكار، {مَا لاَ يَنفَعُنَا} إن عبدناه، {وَلاَ يَضُرُّنَا} إن تركنا عبادته وبذلك نصبح وقد رددنا على أعقابنا من التوحيد إلى الشرك بعد إذ هدانا الله إلى الإِيمان به ومعرفته ومعرفة دينه، فيكون حالنا كحال من أضلته الشياطين في الصحراء فتاه فيها فلا يدري أين يذهب ولا أين يجيىء، {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا} وهو لا يقدر على إجابتهم ولا الاتيان إليهم لشدة ما فعل استهواء الشياطين في عقله. ثم أمره أن يقول أيضاً قل إن الهدى الحق الذي لا ضلال ولا خسران فيه هدى الله الذي هدانا إليه ألا إنه الإِسلام، وقد أمرنا ربنا أن نسلم له قلوبنا ووجوهنا لأنه رب العالمين فأسلمنا، كما أمرنا أن نقيم الصلاة فأقمناها وأن نتقيه فاتقيناه وأعلمنا أنا سنحشر إليه يوم القيامة فصدقناه في ذلك ثم هدانا فلن نرجع بعد إلى الضلالة. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة [73] فقد تضمنت تمجيد الرب بذكر مظاهر قدرته وعلمه وعدله فقال تعالى: {وَهُوَ} أي الله رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له فأسلمنا {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} فلم يخلقهما عبثاً وباطلاً بل خلقهما ليذكر فيهما ويشكر، ويوم يقول لما أراد إيجاده أو إعدامه أو تبديله كن فهو يكون كما أراد في قوله الحق دائماً {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} نفخة الفناء فلا يبقى شيء إلا هو الواحد القهار فيقول جل ذكره {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16] فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه بنفسه قائلا: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16] {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ} أي يعلم ما غاب في خزائن الغيب عن كل أحد، ويعلم الشهادة والحضور لا يخفي عليه أحد وهو الحكيم في تصرفاته وسائر أفعاله وتدابيره لمخلوقاته الخبير ببواطن الأمور وظواهرها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء بهذا كان المعبود الحق الذي لا يجوز أن يعبد سواه بأي عبادة من العبادات التي شرعها سبحانها وتعالى ليُعْبَد بها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قبح الردة وسوء عاقبتها. 2- حرمة إجابة أهل الباطل لما يدعون إليه من الباطل. 3- لا هدى إلا هدى الله تعالى أي لا دين إلا الإِسلام. 4- وجوب الإِسلام لله تعالى وإقامة الصلاة واتقاء الله تعالى بفعل المأمور وترك المنهي. 5- تقرير المعاد والحساب والجزاء.
القطان
تفسير : الاعقاب: واحدها عقب، مؤخر الرِجل، نردّ على أعقابنا: نرجع الى الشِرك. استهوته الشياطين: ذهبت بعقله. الصور: القرن يُستعمل للنفخ، وقد استعمله الناس قدما. ويوم القيامة ينفخ في الصور، فيقوم الناس لرب العالمين. عالم الغيب والشهادة: الغيب ما غاب عنا، والشهادة ما نراه من خلقه. وقال ابن عباس: هما السر والعلانية. القرآن الكريم في جميع مراحله يعرض الخير والشر للناس، يرغّب في الخير واتّباعه، ويحذّر من الشر وعواقبه، ويهدي الى الصراط المستقيم ومعنى الآيات: قل أيها الرسول لهؤلاء الكفار: هل يصحّ أن نعبد غير الله مما لا يملك جَلْبَ نفعٍ ولا دفع ضر؟ وننتكِس فنُردَّ على أعقابنا بالعودة الى الضلال والشِرك بعد إذ هدانا الله الى الاسلام!!. ثم ضرب اللهُ مثلا يصوّر المرتدّ في أقبح حالة تتخيلها العرب وهي: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا...}. أي: الذي غرّرتْ به الشياطينُ وأضلّته في الأرض، فصار في حَيرة لا يهتدي معها الى الطريق المستقيم، وله رِفقة مهتدون يحاولون تخليصة من الضلال، فهم ينادونه قائلين: إرجع الى طريقنا السوي، لكنه لايستجيب لهم. {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِين}. أمر الله تعالى نبيّهُ الكريم أن يرغّب المشركين فيما يدعو اليه بلطف واسلوب حكيم. قل أيها النبي: ان الإسلام هو الهدى والرشاد، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا ما تدعون إليه من أهوائكم وأساطير آبائكم الاولين. وكل ما عدا هدى الله فهو ضلال لا فائدة منه. وقد أمَرَنا الله بالانقياد اليه، واتباع دينه القويم، فهو خالق العالمين. كذلك أمرنا الله باقامة الصلاة على اكمل وجه من الخضوع، وان نخاف الله ونتقيه حق تقاته، لأنه هو الذي تُجمَعون وتساقون الى لقائه يوم القيامة، فيحاسبكم على ما كسبتم. وهو وحده الذي خلق السماوات والأرض، وأقام خلْقها على الحق والحكمة. وفي اي وقت تتجه إرادته الى إيجاد شيء فإنه يوجده بكلمة "كن" ان قوله هو الحق والصدق، وله وحده التصرف المطلق يوم القيامة، حين يُنفخ في الصور فيُبعث من في القبور.عندئذٍ يقف الخلق بين يديه، لا تملك نفس لنفس شيئا والأمُر يؤمئذ لله. وهو سبحانه الذي يستوي في علمه الغائب والحاضر، والسر والعلانية. وهو الذي يتصرف بالحكمة في جميع افعاله، ويحيط علمُه ببواطن الأمور وطواهرها، "فلا تَدْعوا مَعَ اللهِ أحَداً".
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنَدْعُواْ} {هَدَانَا} {ٱلشَّيَاطِينُ} {أَصْحَابٌ} {ٱلْعَالَمِينَ} (71) - قَالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ اتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ وَاتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يَقُولُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُؤْمِنينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى هَؤُلاءِ الدَّاعِينَ مُوَبِّخِينَ: هَلْ يَصِحُّ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ، مِمَّا لاَ يَمْلِكُ جَلْبَ نَفْعٍ، وَلاَ دَفْعَ ضُرٍّ، وَنَنْتكِسَ فِي الشِّرْكِ، بَعْدَ أَنْ هَدَانَا اللهُ إِلى الإِيمَانِ، فَيَكُونَ مَثَلُنَا مَثَلَ رَجُلٍ خَرَجَ مَعْ قَوْمٍ عَلَى طَريقٍ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، فَحَيَّرَتْهُ الشَّيَاطِينَ وَاسْتَهْوَتْهُ فِي الأَرْضِ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَعَلُوا يَدْعُونَهُ إلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنا، فَإِنَّا عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ. فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ يَتَّبِعُ هَؤُلاَءِ الكُفَّارِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفَ دِينَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وَمُحَمَّدٌ هُوَ الذِي يَدْعُو إِلى الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقُ هُوَ الإِسْلاَمُ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى، وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَإِنّنا أُمِرنا بِإِخلاصِ العِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ - أَضَلَّتْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية تبدأ بسؤال عن عبادة الأصنام أو غيرها، ما الذي صنعته تلك الأصنام أو غيرها لمن عبدها؟ وماذا صنعت لمن لم يعبدها؟. وهذا أول منطق في بطلان ألوهية غير الله، فمن عبد الشمس مثلا ماذا أعطته الشمس؟ ومن كفر بها كيف عاقبته الشمس؟. إنها تشرق لمن عبدها ولمن لم يعبدها. والصنم الذي عبدوه، ماذا صنع لهم؟ لا شيء. وهذا الصنم لم يُنْزِل عقاباً على مَنْ لم يعبده، بل إن الذي انتفع هو من لم يعبد الأصنام؛ لأنه أعمل فكره ليبحث عن خالق لهذا الكون. وهكذا نجد النفع والضر إنما يأتيان من الإله الحق: {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} والإنسان دائماً حين يسير فهو يقطع خطوة إلى الأمام فيقصر المسافة أمامه، أما من يُرَدُّ على عقبه فهو من يرجع هذه الخطوة التي خطاها. وهذا حديث المؤمنين الذي يرفضون أن يعودوا إلى عبادة غير الله لأنهم آمنوا وساروا في طريق الهدى، وليس من المنطق أن يرتدوا على أعقابهم وأن ينقلبوا خاسرين. {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ} كلمة "شيطان" مقصود بها عاصي الجن. والجن جنس مقابل للإنس، وما دام في الإنس طائعون وعاصون فكذلك في الجن طائعون وعاصون. والحق قال: {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} تفسير : [الجن: 1-2]. إذن فمن الجن من هو مؤمن. ومن الجن من هو عاصٍ. والعاصي من الجن يُسمى شيطاناً. وإياك أن تنكر أيها المسلم وجود الشيطان لأنك لا تراه، لأن الشيطان من المخلوقات التي ذكرها الله من عالم الغيب، وحجة وجودها هو تصديقك لمن قال عنها، وهناك فرق منطقي وفلسفي بين وجود الشيء وبين إدراك وجود الشيء. والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يوحدوا ويربطوا بين وجود شيء وإدراكه. وهناك فارق بين أن يوجد أو يدرك؛ ذلك أن هناك ما يكون موجوداً ولكنه لا يُدرك. {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} [الأنعام: 71]. جاء هذا التصور في صورة استفهام. إنّ الحق طلب من رسوله أن يقوله، فكأن الصورة: أن قوماً هداهم الله إلى الحق فدُعُوا إلى أن يعبدوا غير الله ويدعوا ما لا ينفع ولا يضر، فيردوا على أعقابهم، أي بعد الهداية، وهذه هي صورة الحيرة والتردد؛ لأنهم كانوا على هدى، ثم دُعُوا إلى أن يعبدوا من دون الله ما لا ينفع ولا يضر. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة لهذه الحيرة، ولهذا التردد، فقال: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ}. و"استهوته" من مادة "استفعل" وتأتي دائماً للطلب؛ كقولنا "استفهم". أي طلب الفهم، و"استخرج". أي طلب الإخراج للشيء، "فاستهوته" طلبت هُوِيَّة. أي جعلته يتقبّل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء، وترده مادة "الهاء والواو والياء" لمعانٍ، إن مُدَّت؛ فهي الهواء الذي نتنفسه، وما به أصل الحياة، وإن قُصِرَت، فإنها هي الهَوَى وهو ميل النفس إلى شيء، أو تكون هُويًّا أي سقوطاً. إذن فالمادة تأتي إما للهواء إن كانت ممدودة، وإن كانت بالقصر فهي من الهَوَى أو من الهُوِىّ؛ كأن تقول: "هَوَى، يَهْوِي؛ هُوِيّاً" أي سقط من علوٍّ إلى أسفل، وهَوِىَ، يَهْوَى، هَوّى. أي أحبَّ، وهكذا نعرف أن "استهوته" أي طلبت هويَّه أو هواه أي ميل نفسه إلى اتباع الهَوَى، وحين تستهوي الشياطين الإنسان فهي تريد أن تجتذبه إلى ناحية هواه، وتوقظ الهوى في النفس، وبذلك تدعوه ليَهْوِي. والحق يقول: {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} تفسير : [الحج: 31]. وحين يخرّ عبد من السماء، إما أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وحين تأتي إلى الهَوَى والهُوِىّ فاعلم أن الهوى يجذبك إلى ما يضرك، ولذلك لا تسلم منه إلا أن يكون هواك تبعاً لما جاء به الحق، ولكن إن اتبعت هواك فلا بد أن يؤدي بك إلى الهُوِيّ: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ} [الأنعام: 71]. وما هي الحَيْرة؟ هي التردد بين أمر ومقابله. وعرفنا من قبل أن الحَيْرة في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رُدَّ على أعقابه ورجع، ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى، فهو بين شيطان يستهويه، وأصحاب يدعونه للمنهج؛ لذلك يكون حيران: بين هاوية ونجاة، والشيء الذي يهوي لا استقرار له، وحين نرى - على سبيل المثال - حجراً يهوي للأرض نجده يدور، ولا اتجاه له. وهذه صورة معبرة، ويأتي له القول الفصل: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} [الأنعام: 71]. فمن يتبع إذن؟ إنه يتبع الذين يدعونه إلى منهج الحق سبحانه وتعالى؛ لأن الهدى هو المنهج والطريق الموصل للغاية، والصنعة لا تضع غاية لنفسها، بل الذي يضع الغاية هو من صنعها، وسبق أن قلت: إنّ التليفزيون لا يقول لنا غايته، ولا يعرف كيف يصون نفسه، بل يضع ذلك مَنْ صنعه، وكذلك الإنسان عليه أن يأخذ غايته مِمَّن خلقه، والذي يفسد الدنيا أن الله خلق، لكن الناس أرادوا أن يضعوا لأنفسهم قانون الصيانة، لذلك نقول: إن علينا أن نأخذ قانون الصيانة ممن خلقنا، وهدى الله هو هدى الحق. وجاءت "الهدى" هنا لتعطينا يقيناً إيمانياً في إله واحد، وحين توجد عقيدتنا في إله واحد، لا تختلف أهواؤنا أبداً؛ لأنه هو الذي يضع لنا القانون، وساعة يضع لنا القانون ويكون كلٌّ مِنِّا خاضعا لقانونه، لا يذل أحد منا لأحد آخر؛ فأنا وأنت عبيد لإله واحد، ولا غضاضة عليك ولا غضاضة عليّ. وحين يُريد البشر أن يسير الناس على أفكارهم فإن صاحب الفكر يريد أن يُذِل الآخرين له ويأخذهم على منهجه وعلى مبدئه، وهو في الحقيقة ليس أفضل منهم، ولذلك تجد الهداية الحقة حين نخضع جميعاً لإله واحد، ويتساند المجتمع ويتعاضد ولا يتعاند، ويتوجه الهوى إلى محبة منهج الله. {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [المؤمنون: 71]. ولهذا جاء الدين؛ لأن الشرع لا يقرر شيئاً ضد الإنسان. ونذكر جميعاً قصة ملكة سبأ وسيدنا سليمان عليه السلام حينما قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ}. ولم تقل: أسلمت لسليمان بل أسلمت مع سليمان لله، فلا غضاضة أن تكون قد أسلمت فهي ليست تابعة لسليمان، بل تابعة لرب سليمان، إذن حين يأتي التشريع من أعلى، لا غضاضة لأحد في أن يؤمن، ولا يظن واحد أنه تبع لآخر بل كلنا عبيد لله. وحين نكون جميعاً عبيداً لواحد نكون جميعاً سادة. ويتمثل الهدى في الإيمان بإله واحد، ونأخذ هذا الإيمان بأدلتنا العقلية. إننا ندخل عليه من باب العقل، ونسلم أمرنا له؛ لأنه هو أعلم بما يصلحنا. {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71]. وقوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ} معناه حَيَّرتهُ.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تعليماً لمن اتبعك: {أَنَدْعُواْ} ونعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ} الخالق الرزاق الفاعل المختار {مَا لاَ} يقدر على جلب ما {يَنفَعُنَا وَلاَ} على دفع ما {يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ} بعبادته {عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} التي كنا عليه من الشرك والعصيان {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} بنور التوحيد والعرفان؟ {كَٱ} الشخص {لَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ} أي: ذهبت به {ٱلشَّيَاطِينُ} والأغوال وطرحه {فِي ٱلأَرْضِ} أي: المهاوي والمهامه {حَيْرَانَ} قلقاً حائراً تائهاً، وكان {لَهُ أَصْحَابٌ} ورفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} أي: الطريق الواضح المستقيم صائحاً عليه قائلاً: {ٱئْتِنَا} حتى تهتدي إلى الطريق، ونحن فيها، لم يسمع كلامهم ولم يقبل قولهم، واقفتى أثر الغول المغوي حتى يضل ويهلك {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ} الهادي لعباده إلى توحيده الذاتي {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي: مقصور على الإسلام الموصل إليه {وَأُمِرْنَا} أيضاً من عنده بمقتضى توحيده الذاتي {لِنُسْلِمَ} ونفوض جميع أمورنا {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] إذ هو مستقل بتربية مظاهره؛ لأنه لا يجزي في ملكه إلا ما يشاء. {وَ} أمرنا أيضاً {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ} وأديموا الميل والتقرب نحوه {وَٱتَّقُوهُ} من سخطه وغضبه بارتكاب منهياته {وَ} اعلموا أنه {هُوَ} الموجد المظهر {ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ} لا إلى غيره من العكوس والأظلال {تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72] ترجعون. كيف لا {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: أوجدهما وأظهرهما ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} على مقتضى الحكمة المتقنة التي ما ترى فيها من فطور وفتور {وَ} ذلك {يَوْمَ} حين {يَقُولُ} بعد تعلق إرادته ومشيئته بتكوينهما {كُن فَيَكُونُ} على الفور بلا تراخٍ ومهلة تنفيذاً لسرعة قضائه {قَوْلُهُ} لإعدامها أيضاً في الساعة {ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع بلا تخلف {وَ} كيف يتصور التخلف في قوله؛ إذ {لَهُ} لا لغيره {ٱلْمُلْكُ} أي: المظاهر كلها وله التصرف فيها بالاستقلال إيجاداً وإعداماً {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} لإعدام ما في الوجود وإفنائها إظهاراً لقدرته؛ إذ هو {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} وما يجري فيها {وَٱلشَّهَٰدَةِ} وما يترتب عليها {وَهُوَ} بذاته {ٱلْحَكِيمُ} في إبداء مظاهره من الغيب {ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 3] بما ترتب عيليها في الشهادة بعد إعادتها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71]، إلى قوله: {تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72]، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71]؛ أي: نطلب غير الله الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا} [الأنعام: 71]، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ} [الأنعام: 71]، إلى الوحده {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ} [الأنعام: 71]، أضلته شياطين الأنس والجن {فِي ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 71] أي: في أرض البشرية باتباع الهوى {حَيْرَانَ} [الأنعام: 71] بإغوائهم وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون الطالبين في بطالتهم وضلالتهم {لَهُ أَصْحَابٌ} [الأنعام: 71]؛ أي: المطالب {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا} [الأنعام: 71]؛ أي: يهدونه إلى الله {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ} [الأنعام: 71]، أي: الهداية إلى الله {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} [الأنعام: 71]، الحقيقي لا الهداية إلى غيره وما سواه {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71]؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان القدر مستسلماً لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} [الأنعام: 72]، أي: وأمرنا أن نحفظ أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنعام: 72]، أيها الطالبون لا إلى غيره من الجنة والنار كما قال: "حديث : ألا من طلبني وجدني ". تفسير : ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} [الأنعام: 73]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: للحق يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسباً تحاكي جميع صفاته تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعداداً وأحسنهم تقويماً في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا يشاهد منه غيره كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ} والإرادة إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} [الأنعام: 73]؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير رائياً بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى فيه استعداداً مناسباً للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} [الأنعام: 73]؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن رائياً {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} [الأنعام: 73]، تلك الإرادة وتلك الرؤية يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} [الأنعام: 73]، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ} [الأنعام: 73]، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالماً كان غائباً عنه، وهو عالم الغيب والشهادة {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} [الأنعام: 73]، فيما اختص الإنسان بإرادة الآيات {ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 73]، يخصه من بين الناس بالتجلي له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى. ثم أخبر عن ظلال الجهال بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: 74]، إلى قوله {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 78]. الإشارة فيها أن الله تعالى أظهر قدرته في إخراج الحي من الميت بقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} [الأنعام: 74]، من دون الله إذا الأصل منهمك في الجحود بموت قلبه والنيل مضمحل في الشهود لحياة قلبه والأصنام، ما يعبد من دون الله {إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 74]، بما أراني الله تعالى ملكوت الأشياء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { قُلْ } يا أيها الرسول للمشركين بالله، الداعين معه غيره، الذين يدعونكم إلى دينهم، مبينا وشارحا لوصف آلهتهم، التي يكتفي العاقل بذكر وصفها، عن النهي عنها، فإن كل عاقل إذا تصور مذهب المشركين جزم ببطلانه، قبل أن تقام البراهين على ذلك، فقال: { أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا } وهذا وصف، يدخل فيه كل مَن عُبِد مِنْ دون الله، فإنه لا ينفع ولا يضر، وليس له من الأمر شيء، إن الأمر إلا لله. { وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ } أي: وننقلب بعد هداية الله لنا إلى الضلال، ومن الرشد إلى الغي، ومن الصراط الموصل إلى جنات النعيم، إلى الطرق التي تفضي بسالكها إلى العذاب الأليم. فهذه حال لا يرتضيها ذو رشد، وصاحبها { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ } أي: أضلته وتيهته عن طريقه ومنهجه له الموصل إلى مقصده. فبقي { حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } والشياطين يدعونه إلى الردى، فبقي بين الداعين حائرا وهذه حال الناس كلهم، إلا من عصمه الله تعالى، فإنهم يجدون فيهم جواذب ودواعي متعارضة، دواعي الرسالة والعقل الصحيح، والفطرة المستقيمة { يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } والصعود إلى أعلى عليين. ودواعي الشيطان، ومن سلك مسلكه، والنفس الأمارة بالسوء، يدعونه إلى الضلال، والنزول إلى أسفل سافلين، فمن الناس من يكون مع داعي الهدى، في أموره كلها أو أغلبها، ومنهم من بالعكس من ذلك. ومنهم من يتساوى لديه الداعيان، ويتعارض عنده الجاذبان،وفي هذا الموضع، تعرف أهل السعادة من أهل الشقاوة. وقوله: { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } أي: ليس الهدى إلا الطريق التي شرعها الله على لسان رسوله، وما عداه، فهو ضلال وردى وهلاك. { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } بأن ننقاد لتوحيده، ونستسلم لأوامره ونواهيه، وندخل تحت عبوديته، فإن هذا أفضل نعمة أنعم الله بها على العباد، وأكمل تربية أوصلها إليهم. { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ } أي: وأمرنا أن نقيم الصلاة بأركانها وشروطها وسننها ومكملاتها. { وَاتَّقُوهُ } بفعل ما أمر به، واجتناب ما عنه نهى. { وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي: تُجْمَعون ليوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها. { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ } ليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم، { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ } الذي لا مرية فيه ولا مثنوية، ولا يقول شيئا عبثا { وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } أي: يوم القيامة، خصه بالذكر -مع أنه مالك كل شيء- لأنه تنقطع فيه الأملاك، فلا يبقى ملك إلا الله الواحد القهار. { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } الذي له الحكمة التامة، والنعمة السابغة، والإحسان العظيم، والعلم المحيط بالسرائر والبواطن والخفايا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
همام الصنعاني
تفسير : 819- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ في قوله تعالى: {ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ} [الآية: 71]، قال: أضلته الشياطين {فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ}. 820- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، ورجل عن مجاهد في قوله {حَيْرَانَ}: قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للكَافِر يقول: الكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى، فلا يُجِبْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):