٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ} عطف على لنسلم أي للإسلام ولإقامة الصلاة، أو على موقعه كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا الصلاة. روي: أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت. وعلى هذا كان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القول إجابة عن الصديق رضي الله تعالى عنه تعظيماً لشأنه وإظهاراً للاتحاد الذي كان بينهما. {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يوم القيامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنْ } أي بأن {أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ } تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تجمعون يوم القيامة للحساب.
ابن عطية
تفسير : {وأن أقيموا} يتجه أن يكون بتأويل وإقامة فهو عطف على المفعول المقدر في {أية : أمرنا} تفسير : [الأنعام:71]، وقيل بل هو معطوف على قوله {أية : لنسلم} تفسير : [الأنعام:71] تقديره لأن نسلم {وأن أقيموا}. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول الزجاج واللفظ يمانعه وذلك أن قوله "لأن نسلم" معرب، وقوله {أن أقيموا} مبني وعطف المبني على المعرب لا يجوز لأن العطف يقتضي التشريك في العامل اللهم إلا أن تجعل العطف في "أن" وحدها وذلك قلق وإنما يتخرج على أن يقدر قوله {وأن أقيموا} بمعنى لنقيم ثم خرجت بلفظ الأمر لما في ذلك من جزالة اللفظ فجاز العطف على أن يلغى حكم اللفظ ويعول على المعنى، ويشبه هذا من جهة "ما" ما حكاه يونس عن العرب: أدخلوا الأول فالأول بالنصب، وقال الزجّاج أيضاً: يحتمل أن يكون {وأن أقيموا} معطوفاً على {أية : ائتنا} تفسير : [الأنعام:71]. قال القاضي أبو محمد: وفيه بعد، والضمير في قوله {واتقوه} عائد على رب العالمين {وهو} ابتداء وما بعده وهو لفظ خبر يتضمن التنبيه والتخويف، وقوله تعالى: {وهو الذي خلق} الآية، {خلق} ابتدع وأخرج من العدم إلى الوجود، و {بالحق} ، أي لم يخلقها باطلاً بغير معنى بل لمعان مفيدة ولحقائق بينة منها ما يحسه البشر من الاستدلال بها على الصانع ونزول الأرزاق وغير ذلك، وقيل المعنى بأن حق له أن يفعل ذلك، وقيل {بالحق} معناه بكلامه في قوله للمخلوقات {كن} وفي قوله: {أية : ائتيا طوعاً أوكرهاً} تفسير : [فصّلت:11]. قال القاضي أبو محمد: وتحرير القول إن المخلوقات إنما إيجادها بالقدرة لا بالكلام، واقتران "كن" بحالة إيجاد المخلوق فائدته إظهار العزة والعظمة ونفوذ الأوامر وإعلان القصد، ومثال ذلك في الشاهد أن يضرب إنسان شيئاً فيكسره ويقول في حال الكسر بلسانه: انكسر فإن ذلك إنفاذ عزم وإظهار قصد، ولله المثل الأعلى، لا تشبيه ولا حرف ولا صوت ولا تغير، أمره واحدة كلمح البصر فكأن معنى الآية على هذا القول وهو الذي خلق السماوات والأرض بقوله {كن} المقترنة بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد عدمه فعبر عن ذلك {بالحق} ، {ويوم يقول} نصب على الظرف وهو معلق بمعمول فعل مضمر، تقديره: واذكر الخلق والإعادة يوم، وتحتمل الآية مع هذا أن يكون معناها: واذكر الإعادة يوم يقول الله للأجساد كن معادة، ثم يحتمل أن يتم الكلام هنا ثم يبدأ بإخبار أن يكون قوله الحق الذي كان في الدنيا إخباراً بالإعادة، ويحتمل أن يكون تمام الكلام في قوله {فيكون} ويكون {قوله الحق} ابتداء وخبر أو على الاحتمال الذي قبل فـ {قوله} فاعل، قال الزجّاج قوله {يوم} معطوف على الضمير من قوله {واتقوه} فالتقدير هنا على هذا القول واتقوا العقاب أو الأهوال والشدائد يوم، وقيل: إن الكلام معطوف على قوله {خلق السماوات} والتقدير على هذا: وهو الذي خلق السماوات والأرض والمعادات إلى الحشر يوم، ولا يجوز أن تعمل هذه الأفعال لا تقديرك اذكر ولا اتقوا ولا خلق في يوم لأن أسماء الزمان إذا بنيت مع الأفعال فلا يجوز أن تنصب إلا على الظرف، ولا يجوز أن يتعلق {يوم} بقوله: {قوله الحق} لأن المصدر لا يعمل فيما تقدمه، وقد أطلق قوم أن العامل اذكر أو خلق، ويحتمل أن يريد بـ "يقول" معنى المضي كأنه قال: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق يوم يقول بمعنى قال لها "كن"، فـ {يوم} ظرف معطوف على موضع {قوله الحق} إذ هو في موضع نصب، ويجيء تمام الكلام في قوله {فيكون}، ويجيء {قوله الحق} ابتداء وخبراً ويحتمل أن يتم الكلام في {كن} ، ويبتدأ {فيكون قوله الحق} وتكون "يكون" تامة بمعنى يظهر، و {الحق} صفة للقول و {قوله} فاعل، وقرأ الحسن "قُوله" بضم القاف، {وله الملك} ابتداء وخبر {يوم ينفخ في الصور} "يوم" بدل من الأولى على أن "يقول" مستقبل لا على تقدير مضيه، وقيل: بل متعلق بما تضمن الملك من معنى الفعل أو بتقدير ثابت أو مستقر يوم، و {في الصور} قال أبو عبيدة هو جمع صورة فالمعنى يوم تعاد العوالم, وقال الجمهور هو الصور القرن الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ينفخ فيه للصعق ثم للبعث ورجحه الطبري بقول النبي عليه السلام: حديث : إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينظر متى يؤمر فينفختفسير : ، وقرأ الحسن "في الصوَر" بفتح الواو وهذه تؤيد التأويل الأول وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض {عالم} رفع بإضمار مبتدأ وقيل نعت لـ {الذي} وقرأ الحسن والأعمش "عالمٍ" بالخفض على النعت للضمير الذي في {له}، أو على البدل منه من قوله {له الملك}، وقد رويت عن عاصم، وقيل ارتفع "عالم" بفعل مضمر من لفظ الفعل المبني للمفعول تقديره ينفخ فيه عالم على ما أنشد سيبويه: [الطويل] شعر : لِيَبْكِ يزيدَ ضارعٌ لخصومةٍ وآخرُ مِمّنْ طَوّحَتْهُ الطَّوائِحُ تفسير : التقدير يبكيه ضارع، وحكى الطبري هذا التأويل الذي يشبه ليبك يزيد عن ابن عباس ونظيرها من القرآن قراءة من قرأ {أية : زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} تفسير : [الأنعام:137] بضم الزاي ورفع الشركاء وروي عن عبد الوارث عن أبي عمرو "يوم ننفخ في الصور" بنون العظمة، و {الغيب والشهادة} معناه ما غاب عنا وما حضر، وهذا يعم جميع الموجودات.
الخازن
تفسير : {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} يعني وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى لأن فيهما ما يقرب إليه {وهو الذي إليه تحشرون} يعني في يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. قوله عز وجل: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} يعني إظهاراً للحق فعلى هذا تكون الباء بمعنى اللام لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته. وقيل: خلقها بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه وكل ذلك حق. وقيل خلقها بكلامه الحق وهو قول كن وفيه دليل على أن كلام الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق {ويوم يقول كن فيكون}. وقيل إنه راجع إلى خلق السموات. والمعنى: اذكر يوم قال للسموات والأرض كن فيكون. قيل: يرجع إلى القيامة ويدل عليه سرعة البعث والحساب كأنه قال: ويوم يقول للخلق موتوا فيموتون وقوموا للحساب فيقومون أحياء {قوله الحق} يعني أن قول الله تبارك وتعالى للشيء إذا أراده كن فيكون حق وصدق وهو كائن لا محالة {وله الملك يوم ينفخ في الصور} إنما أخبر عن ملكه يومئذ وإن كان الملك له سبحانه وتعالى خالصاً في كل وقت في الدنيا والآخرة لأنه لا منازع يومئذ يدعي الملك وأنه المنفرد بالملك يومئد وأن من كان يدعي الملك بالباطل من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم واعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار وإنه لا منازع له فيه واعلموا أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور. واختلف العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه وهو لغة أهل اليمن: قال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة هذا القول ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:حديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما الصور؟ "قال قرن ينفخ فيه"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ فكان ذلك ثقل على أصحابه" فقالوا كيف نفعل يا رسول الله وكيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا، وربما قال توكلنا على الله"تفسير : أخرجه الترمذي. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيه إحياؤها بنفخ الروح فيها. وهذا قول الحسن ومقاتل. والقول الأول أصح لما تقدم في الحديث ولقوله تعالى في آية أخرى: ثم نفخ فيه أخرى: ولإجماع أهل السنة أن المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين، نفخة الصعق، ونفخة البعث للحساب. وقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} يعني أنه تعالى ما غاب عن عباده وما يشاهدونه فلا يغيب عن عمله شيء {وهو الحكيم} يعني في جميع أفعاله وتدبير خلقه {الخبير} يعني بكل ما يفعلونه من خير أو شر.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي قال: ما من أهل بيت يكون لهم مواقيت يعلمون الصلاة إلا بورك فيهم كما بورك في إبراهيم وآل إبراهيم .
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَٱتَّقُوهُ} أي الله تعالى في مخالفة أمره، عطفٌ على نُسلم على الوجوه الثلاثة على أنّ أنْ المصدريةَ إذا وُصلت بالأمر يتجرّدُ هو عن معنى الأمر نحوُ تجرُّد الصلةِ الفعليةِ عن معنى المُضيِّ والاستقبال، فالمعنى على الأول أمرنا أي قيل لنا: أسلموا وأقيموا الصلاة واتقوا الله لأجل أن نُسلمَ ونُقيمَ الصلاة ونتّقِيَه تعالى، وعلى الأخيرين أمرنا بأن نسلمَ ونقيمَ الصلاة ونتقيَه تعالى والتعرضُ لوصف ربوبـيته تعالى للعالمين لتعليل الأمرِ وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ به كما أن قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} جملةٌ مستأنفةٌ موجِبةٌ للامتثال بما أَمر به من الأمور الثلاثة. {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أُريد بخلقهما خلقُ ما فيهما أيضاً، وعدمُ التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العُلويات والسُفليات، وقوله تعالى: {بِٱلْحَقّ} متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعل (خلق) أو من مفعوله، أو صفةٌ لمصدرِه المؤكِّد له أي قائماً بالحق أو متلبِّساً بالحق أو متلبسةً به. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} استئنافٌ لبـيانِ أنّ خلقَه تعالى لما ذَكر من السمواتِ والأرض ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلاً وأن ذلك الأمرَ المتعلِّقَ بكل فردٍ فردٌ من أفراد المخلوقات في حينٍ معينٍ من أفراد الأحيان حقٌّ في نفسه متضمنٌ للحكمة، (ويومَ) ظرفٌ لمضمون جملةِ (قولُه الحقُّ) والواو بحسب المعنى داخلٌ عليها وتقديمُه عليها للاعتناءِ به من حيث إنه مدارُ الحقّيةِ، وتركُ ذكرِ المقولِ له للثقةِ بغاية ظهوره، والمرادُ بالقول كلمةُ (كن) تحقيقاً أو تمثيلاً كما هو المشهورُ فالمعنى وأمرُه المتعلقُ بكل شيءٍ يريد خلقَه من الأشياء ـ في حينِ تعلّقِه به لا قبلَه ولا بعده من أفراد الأحيان ـ الحقُّ أي المشهودُ له بالحقّية المعروفُ بها، هذا وقد قيل: (قوله) مبتدأ و(الحق) صفتُه و(يوم يقول) خبرُه مقدماً عليه كقولك: يومَ الجمعةِ القتالُ وانتصابه بمعنى الاستقرار. وحاصلُ المعنى قولُه الحقُّ كائنٌ حينَ يقول لشيءٍ من الأشياء كنْ فيكونُ ذلك الشيءُ، وقيل: يوم منصوبٌ بالعطف على السمواتِ أو على الضمير في (واتقوه) أو بمحذوف دل عليه (بالحق) وقوله الحق مبتدأ وخبر، أو فاعلُ (يكون) على معنى حين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحقِّ كن فيكون، والمرادُ حين يكوِّن الأشياءَ ويُحدِثُها أو حين تقومُ القيامةُ فيكونُ التكوينُ حشرَ الأجساد وإحياءَها فتأملْ حقَّ التأمل. {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ} تقيـيدُ اختصاصِ المُلك به تعالى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ المجازيةِ الكائنةِ في الدنيا، المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة كقوله تعالى: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر، الآية 16]. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي هو عالمُهما {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في كلِّ ما يفعله {ٱلْخَبِيرُ} بجميعِ الأمور الجليّة والخفيّة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} [الآية: 72]. قال بعضهم: إقامة الصلاة حفظ حدودها والدخول فيها بشرط الخدمة والقيام فيها على سبيل الهيبة، والمناجاة فيها بلسان الاقتصار والذلة، والخروج منها رؤية التقصير فى الخدمة، هذه إقامة الصلاة لا الترسم بالركوع والسجود. قال ابن عطاء: إقامة الصلاة حفظ حدودها مع الله وحفظ الأسرار فيها مع الله أن لا يختلج فى سره سواه.
القشيري
تفسير : أي أَمَرَنا بملازمة محل المناجاة لأن اللسان إِنْ تعوَّد نجوى السلطان متى ينطق (بمكالمه) الأخَسِّ؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {وأَن} اى بان {اقيموا الصلاة واتقوه} تعالى فالاسلام رئيس الطاعات الروحانية والصلاة رئيس الطاعات الجسمانية والتقوى رئيس ما هو من قبيل التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغى {وهو الذى اليه تحشرون} تجمعون يوم القيامة للحساب.
الطوسي
تفسير : تحتمل هذه الآية وجهين: احدهما - أن يكون التقدير أمرنا لان نسلم، ولان نقيم الصلاة. والثاني - ان يكون محمولا على المعنى، لان معناه أمرنا بالاسلام، واقامة الصلاة، وموضع (أن) نصب، لان الباء لما أسقطت أفضى الفعل، فنصب. ويحتمل أن يكون محمولا على قوله {يدعونه إلى الهدى ائتنا} وان {أقيموا الصلاة} أي ويدعونه أن أقيموا الصلاة. وهذه الآية موصولة بالتي قبلها أي {أمرنا لنسلم لرب العالمين} وقيل لنا {أقيموا الصلاة واتقوه} اي اتقوا رب العالمين بأن تجتنبوا معاصيه وتتقوا عقابه. ثم بين أنه {هو الذي إليه تحشرون} أن تجمعون اليه يوم القيامة فيجازي كل عامل منكم بعمله، وتوفى كل نفس بما كسبت.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ} عطف على لنسلم وان تفسيريّة، وقيل: عطف على نسلم بتقدير دخول اللاّم عليه وان مصدريّة لكن دخول ان المصدريّة على الانشاء قليل والخطاب فى قوله اقيموا يمنعه {وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} جملة حاليّة او معطوفة على جملة انّ هدى الله هو الهدى.
اطفيش
تفسير : {وأنْ أقيموا الصلاة واتَّقوه} معطوف على نسلم، أى أمرنا أن نسلم وبأن أقيموا الصلاة، أو معطوف على محذوف، أى أمرنا بترك الأصنام لنسلم، وبأن أقيموا الصلاة، وقيل بجواز أمرنا بتركها لنسلم، ولأن أقيموا الصلاة، وكان الأول، خبراً والثانى أمراً، لأن الإيمان مطلوب من الكفار، وليسوا بأهل لساحة الخطاب فلم يؤمروا أمر خطاب، بل قيل لهم: أمرنا فيعلمون أنهم مأمورون، وكان الأمر بالصلاة والاتقاء بالخطاب تلويحاً بأن الذى تصح منه الصلاة والتقوى هو الأهل لأن يخاطب وهو الداخل فى الإيمان، وهذا على أن الاتقاء اتقاء صغار المعاصى كما تتقى الكبار، ويبالغ فى الحذر منها، ومعلوم أنها داء من شأن من آمن لا من أشرك. {وهُو الذى إليه} لا إلى غيره {تُحْشَرون} تبعثون بالموت للجزاء.
اطفيش
تفسير : {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاة واتَّقُوهُ} لا يصح العطف على قل إِن هدى الله هو الهدى على أَن أن تفسيرية؛ لأَنها لا تكون بعد لفظ القول. وقولهم يغتفر فى الثوانى مالا يغتفر فى الأَوائل مقصور على السماع، وحيث لا ملجأَ عنه، بل العطف على لنسلم عطفاً على المعنى. كما قال فى غير القرآن عطف توهم كأَنه قيل: أمرنا أَن أسلم وأَن أَقيموا، لأَن فى الأَمر معنى القول لا لفظه، أَو يقدر: ومرهم أَن أَقيموا الصلاة، ولكن على هذا الوجه تنقطع الحكاية ولا بأس، وعلى مذهب سيبويه والفارسى فى جواز دخول أَن المصدرية على الأَمر والنهى، وهو مختار عندهم لا عندى، يعطف على معمول أَمرنا، أَى أمرنا بكذا، أَو بأَن أَقيموا الصلاة واتقوه، وزعم بعض أَن الأَمر والنهى خارجان عن الإِنشاء مع أَن المصدرية، فالفعل لمجرد الحدث، وهذا رجوع فى المعنى إِلى قولى يمنع دخولها على الأَمر والنهى لأَن المصدر المقدر بعدها غير طلب، وفى ذلك تكلف، لكن حكى سيبويه: كتبت إِليه بأَن قم، فيجاب أَن المراد كتبت إِليه هذا اللفظ، ولا يصح العطف على لنسلم لأَن لنسلم فى تأويل المصدر دون أَقيموا، وخولف بين المتعاطفين إِذ لم يجعلا أَمراً هكذا: أمرنا أَن أسلموا، أَو أَن أَقيموا الصلاة واتقوه، ولم يجعلا أَخباراً هكذا: أمرنا بأَن نسلم وأَن نقيم الصلاة ونتقيه، لأَن المأْمور بالإِسلام هو الكافر، والمأْمور بإِقامة الصلاة والاتقاء هو المؤمن، والكافر حال كفره بعيد عن الخطاب باقامة الصلاة والاتقاء على حد اتقاء المؤمن {وَهُوَ الَّذِى إِليْهِ تُحْشَرُونَ} تجمعون يوم القيامة للحساب على الإِسلام وإِقامة الصلاة والاتقاء، بدأَ بذكر رئيس الطاعات القلبية ويتم بالتلفظ وهو التوحيد، وثنى برئيس الطاعات البدنية ولا بد من القلب معها وهى الصلاة التامة، ثم ذكر التقوى التى هى رأس ما هو من قبيل التروك، والاحتراز عن كل ما ينبغى، وختم ذلك بأَنهم يجازون عليه يوم الحشر وينتفعون به، ورد عن عبدة الأَصنام بقوله سبحانه.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَٱتَّقُوهُ} أي الرب في مخالفة أمره سبحانه بتقدير حرف الجر وهو عطف على الجار والمجرور السابق، وقد صرح بدخول أن المصدرية على الأمر سيبويه وجماعة، وجوز أن يعطف {أَنْ أَقِيمُواْ } على موضع { أية : لِنُسْلِمَ } تفسير : [الأنعام: 71] كأنه قيل: أمرنا أن نسلم وأن أقيموا. وقيل: العطف على مفعول الأمر المقدر أي أمرنا بالإيمان وإقامة الصلاة، وقيل: على قوله تعالى: { أية : إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 71] الخ أي قل لهم إن هدى الله هو الهدى وأن أقيموا، وقيل: على { أية : ٱئْتِنَا } تفسير : [الأنعام: 71]، وقيل: غير ذلك. وذكر الإمام أنه كان الظاهر أن يقال: أمرنا لنسلم ولأن نقيم إلا أنه عدل لما ذكر للإيذان «بأن الكافر ما دام كافراً كان كالغائب الأجنبي فخوطب بما خوطب به الغُيَّب وإذا أسلم ودخل في زمرة المؤمنين صار كالقريب الحاضر فخوطب بما يخاطب به الحاضرون». وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} جملة مستأنفة موجبة للامتثال بما أمر به سبحانه من الأمور الثلاثة. وتقديم المعمول لإفادة الحصر مع رعاية الفواصل أي إليه سبحانه لا إلى غيره تحشرون يوم القيامة.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {قل إنّ هدى الله هو الهدى} مستأنفة استئنافَ تكرير لِما أمِر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقد روي أنَّهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعْبُد آلهتنا زمناً ونعبُدُ إلهك زمناً. وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر. وهي {إنّ هدى الله هو الهدى} فجيء بتعريف الجزأيْن، وضمير الفصل، وحرف التوكيد، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات، لأنّ القصر بمنزلة مؤكِّدَيْن إذ ليس القصر إلاّ تأكيداً على تأكيد، وضمير الفصل تأكيد، و(إنّ) تأكيد، فكانت مقتضَى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى. وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى، وهو الدين المُوصى به، وهو هنا الإسلام، بقرينة قوله {بعد إذْ هدانا الله}. وقد وصف الإسلام بأنَّه {هُدى الله} في قوله تعالى: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تتّبع ملَّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى}تفسير : في سورة [البقرة: 120]، أي القرآن هو الهدى لا كُتُبُهم. وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيَّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمِّنة اعتقادهم أنَّه هدى، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل، بخلاف ما في سورة البقرة. وجملة: {وأمِرْنا لِنُسْلِم} عطف على المقول. وهذا مقابل قوله {أية : قل إنِّي نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله}تفسير : [الأنعام: 56]، وقوله {قل أندعو من دون الله} الآية. واللام في {لِنُسْلِم} أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد. وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة. وسمَّاها بعضهم لام أنْ ـــ بفتح الهمزة وسكون النون ـــ قال الزجَّاج: العرب تقول: أمَرْتُك بأنْ تفعل وأمرتُك أن تفعل وأمرتك لِتَفعل. فالباء للإلصاق، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع (أنْ). وأمَّا أمرتك لتفعل، فاللام للتعليل، فقد أخبر بالعلَّة التي لها وقَع الأمر. يعني وأغنت العلَّة عن ذكر المعلّل. وقيل: اللام بمعنى الباء، وقيل: زائدة، وعلى كلّ تقدير فــ (أنْ) مضرة بعدها، أي لأجل أن نُسْلِمَ. والمعنى: وأمرنا بالإسلام، أي أمرنا أن أسلموا. وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى: {أية : يريد الله ليُبيّن لكم}تفسير : في سورة [النساء: 26]. واللام في قوله: {لربّ العالمين} متعلِّقة بــ {نسلم} لأنَّه معنى تخلّص له، قال: {فقل أسلمت وجهي لله}. وقد تقدّم القول في معنى الإسلام عند قوله تعالى: {أية : إذ قال له ربّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين}تفسير : في سورة [البقرة: 131]. وفي ذكر اسم الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العَلَم إشارة إلى تعليل الأمر وأحقِّيّته. وقوله: {وأن أقيموا الصلاة} إنْ جُعلت (أنْ) فيه مصدرية على قول سيبويه، إذ يسوّغ دخول (أنْ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً، فقول المعربين: إنَّه يتجرّد عن الأمرية، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات. وهو إمّا عطف على {لنسلم} بتقدير حرف جرّ محذوف قبل (أنْ) وهو الباء. وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام، وإمّا عطف على معنى {لنسلم} لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم، كما تقدّم عن الزجّاج. فالتقدير: أمرنا بأن نسلم، ثم عطف عليه {وأن أقيموا} أي وأمرنا بأن أقيموا، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي، كقوله تعالى: {أية : لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ}تفسير : [المنافقون: 10] إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ. وإن جُعلت (أنْ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل. فيقدّر قوله: {أمرنا لنسلم} بأمِرْنا أن أسلموا لنُسلم {وأن أقيموا الصلاة}، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك. وأظهر من هذا أن تكون (أنْ) تفسيرية. وهي تفسير لما دلَّت عليه واوُ العطف من تقدير العامل المعطوف عليه، وهو {وأمرنا}، فإنّ {أمرنا} فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع (أنْ) التفسيرية. وتقدّم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3). و{اتَّقوه} عطف على {أقيموا} ويجري فيه ما قُرّر في قوله {وأن أقيموا}. والضمير المنصوب عائد إلى {ربّ العالمين} وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين: أسلموا لربّ العالمين وأقيموا الصلاة واتَّقُوه. ويجوز أن يكون محكياً بالمعنى بأن قال الله: اتَّقون، فحُكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى: {قل إنّ هدى الله هو الهدى}، كما في حكاية قول عيسى: {أية : ما قلتُ لهم إلاّ مَا أمَرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم}تفسير : [المائدة: 117]. وجَمع قوله: {واتَّقوه} جميعَ أمور الدين، وتخصيصُ إقامة الصلاة بالذكر للاهتمام. وجملة: {وهو الذي إليه تُحشرون} إمّا عطف على جملة {اتَّقُوه} عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله: {قل إنّ هدى الله}، أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون، أو عطف على {قل} فيكون من غير المقول. وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضاً على إقامة الصلاة والتقوى. واشتملت جملة {وهو الذي إليه تحشرون} على عدّة مؤكّدات وهي: صيغة الحصر بتعريف الجزأين، وتقديم معمول {تحشرون} المفيد للتقوّي لأنّ المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين، والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنَّما أنكروا وقوع الحشر، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه وأنَّه لا يكون إلاّ إلى الله، تعريضاً بأنّ آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً. وجملة: {وهو الذي خلق السماوات} عطف على {وهو الذي إليه تحشرون}، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة. فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنَّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون}تفسير : [النحل: 17]. والباء من قوله: {بالحقّ} للملابسة، والمجرور متعلّق بـ {خلَق} أو في موضع الحال من الضمير. والحقّ في الأصل مصدر (حقّ) إذا ثبت، ثم صار اسماً للأمر الثاتب الذي لا يُنكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عَدْل. والحقّ ضدّ الباطل. فالباطل اسم لضدّ ما يسمَّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقاً شائعاً على الفعل أو القول الذي هو عَدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه، وهو حينئذٍ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادفُ الجَور والظلم، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب، ويرادف الحكمة والحقيقة، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعبَ. والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني، كما في قوله تعالى: {أية : ما خلقناهما إلاّ بالحقّ}تفسير : [الدخان: 39] بعد قوله: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}تفسير : [الدخان: 38] وكقوله: {أية : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً}تفسير : [آل عمران: 191]. فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهنّ من العَدم إلى الوجود لِحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قُوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتَّبها على نُظم عجيبة تحفظ أنواعها وتُبرز ما خُلقت لأجله، وأعظمها خَلق الإنسان وخَلْق العقل فيه والعلم، وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصاناً من الحقّ الذي خُلقت السماوات والأرض ملابِسة له، فعُقّب بقوله: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ}. وجملة: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ} معطوفة على التي قبلها لمناسبة ملابسة الحقّ لأفعاله تعالى فبُينت ملابسة الحقّ لأمره تعالى الدّال عليه {يقول}. والمراد بــ {يومَ يقول كن} يوم البعث، لقوله بعده: {يوم يُنفخ في الصور}. وقد أشكل نظم قوله: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ}، وذهب فيه المفسّرون طرائق. والوجه أنّ قوله {ويوم يقول كن فيكون} ظرف وقع خبره مقدّماً للاهتمام به، والمبتدأ هو {قوله} ويكون {الحق} صفة للمتبدأ. وأصل التركيب: وقوله الحقّ يومَ يقول: كن فيكون. ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الردّ على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم. ووصف القول بأنَّه الحقّ للردّ على المشركين أيضاً. وهذا القول هو عين المقول لِفعل {يقول كن}، وحُذف المقول له {كن} لظهوره من المقام، أي يقول لغير الموجود الكائن: كُن. وقوله: {فيكون} اعتراض، أي يقول لمّا أراد تكوينه (كن) فيوجد المقولُ له {كُن} عقِب أمر التكوين. والمعنى أنَّه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحقّ، وأنّه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حقّ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحقّ. ويتضمَّن أنّه قول مستقبل، وهو الخلق الثاني المقابل للخلق الأول، ولذلك أتي بكلمة {يوم} للإشارة إلى أنَّه تكوين خاصّ مقدّر له يوم معيّن. وفي قوله: {قولُه الحقّ} صيغة قصر للمبالغة، أي هو الحقّ الكامل لأنّ أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحقّ فهي معرّضة للخطأ وما كان فيها غيرَ معرض للخطأ فهو من وحي الله أو من نعمته بالعقل والإصابة، فذلك اعتداد بأنَّه راجع إلى فضل الله. ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «حديث : قولك الحقّ ووعدك الحقّ»تفسير : . والمراد بالقول كلّ ما يدلّ على مراد الله تعالى وقضائه في يوم الحشر، وهو يوم يقول كن، من أمرِ تكوين، أو أمر ثواب، أو عقاب، أو خبر بما اكتسبه الناس من صالح الأعمال وأضدادها، فكلّ ذلك من قول الله في ذلك اليوم وهو حقّ. وخصّ من بين الأقوال أمرُ التكوين لما اقتضاه التقديم من تخصيصه بالذكر كما علمت. وللمفسّرين في إعراب هذه الآية وإقامة المعنى من ذلك مسالك أخرى غير جارية على السبل الواضحة. وقوله {وله الملك يوم ينفخ في الصور} جملة مستقلّة وانتظامها كانتظام جملة {ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ} إلاّ أنّ في تقديم المسند إليه على المسند قصر المسند إليه على المسند، أي المُلك مقصور على الكَون له لا لغيْره لردّ ما عسى أن يطمع فيه المشركون من مشاركة أصنامهم يومئذٍ في التصرفّ والقضاء. والمقصود من هذا الظرف تهويل ذلك اليوم. والنفخ في الصور مَثَل ضُرب للأمر التكويني بحياة الأموات الذي يعُمّ سائر الأموات، فيحيون به ويحضرون للحشر كما يحضر الجيش بنفخ الأبواق ودَقّ الطبول. والصّور: البُوق. وورد في الحديث: «حديث : أن المَلَك الموكَّل بنفخ الصور هو إسرافيل، ولا يَعلم كنه هذا النفخ إلاّ الله تعالى»تفسير : . ويومُ النَّفخ في الصّور هو يومَ يقُول: كن فيكون، ولكنَّه عبَّر عنه هنا بــ{يوم ينفخ في الصور} لإفادة هذا الحال العجيب، ولأنّ اليوم لمّا جعل ظرفاً للقول عُرّفَ بالإضافة إلى جملة {يقول كن فيكون}. ولمَّا جعل اليوم ظرفاً للمُلك ناسب أن يعرّف اليوم بما هو من شعار المُلك والجند. وقد انتصب {يوم ينفخ} على الظرفية، والعامل فيه للاستقرار الذي في قوله {وله الملك}. ويجوز أن يجعل بدلاً من {يومَ يقول كُن فيكون}. ويجعل {وله الملك} عطفاً على {قوله الحقّ} على أنّ الجميع جملة واحدة. وعن ابن عبّاس: الصور هنا جمع صُورة، أي ينفخ في صُوَر الموجودات. ولما انتهى المقصود من الإخبار عن شؤون من شأن الله تعالى أتبع بصفات تشير إلى المحاسبة على كلّ جليل ودقيق ظاهر وباطن بقوله: {عالم الغيب والشهادة}. وجاء أسلوب الكلام على طريقة حذف المخبَر عنه في مقام تَقَدُّم صفاته. فحذْف المسند إليه في مثله تبع لطريقة الاستعمال في تعقيب الأخبار بخبر أعظم منها يجعل فيه المخبر عنه مسنداً إليه ويلتزم حذفه. وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : مقامُ إبراهيم}تفسير : في سورة [آل عمران: 97]، فلذلك قال هنا عالم الغيب} فحذف المسند إليه ثم لم يحذف المسند إليه في قوله: {وهو الحَكِيم الخبير}. والغيب: ما هو غائب. وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : في سورة [البقرة: 3]، وعند قوله {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : في هذه السورة (59). والشهادة: ضدّ الغيب، وهي الأمور التي يشاهدها الناس ويتوصّلون إلى علمها يقال: شَهِد، بمعنى حضر، وضدّه غَاب، ولا تخرج الموجودات عن الاتّصاف بهذين الوصفين، فكأنَّه قيل: العالم بأحوال جميع الموجودات. والتعريف في {الغيب والشهادة} للاستغراق، أي عالم كلّ غيب وكلّ شهادة. وقوله: {وهو الحكيم الخبير} عطف على قوله: {عالم الغيب}. وصفة {الحكيم} تجمع إتقان الصنع فتدلّ على عظم القدرة مع تعلّق العلم بالمصنوعات. وصفة {الخبير} تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيّها. فكانت الصفتان كالفذلكة لقوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحقّ} ولقوله {عالم الغيب والشهادة}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاةَ} (72) - وَقُولُوا لَهُمْ: لَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا بِالإِسْلاَمِ، وَبِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَبِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، فَهُوَ الذِي تُحْشَرُ إِلَيْهِ الخَلاَئِقُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا تجد الأمر بثلاثة أشياء: نُسْلِمُ لرب العالمين، ونقيم الصلاة، ونتقيه سبحانه، لماذا؟؛ لأن كل الأعمال الشرعية التي تصدر من الجوارح لا بد أن تكون من ينابيع عقدية في القلب. وكيف نسلم لرب العالمين؟. أي نفعل ما يريد وننتهي عما ينهى عنه، ثم نقيم الصلاة وهو أمر إيجابي، ونتقي الله أي نتقي الأشياء المحرمة وهو أمر سلبي، وهكذا نجد أن الهدى يتضمن إيماناً عقدياً برب نسلم زماننا له؛ لتأتي حركتنا في الوجود طبقاً لما رسم لنا في ضوء "افعل" و "لا تفعل"، وحركتنا في الوجود إما فعل وإما ترك. والفعل أن نقوم بسيد الأفعال وهو الصلاة، والترك أن نتقي المحارم، وهذا كله إنما يصدر من الينبوع العقدي الذي يمثله قوله: {لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. والحق سبحانه وتعالى حينما يأمر بفعل أو ينهى عن شيء هو يعلم أنك صالح للفعل وللترك، فإذا قال لك: افعل كذا، فأنت صالح ألا تفعل، وإذا قال: "لا تفعل كذا"، فأنت صالح أن تفعل، ولو كنت لا تصلح لأن تفعل لا يقول لك: افعل؛ لأنك مخلوق على هيئة تستطيع أن تفعل وتستطيع ألا تفعل، وهذا هو الاختيار المخلوق في الإنسان، أما بقية الكون كله فليس عنده هذا الاختيار. مثال ذلك: الشمس، إنها ليست حرّة أن تشرق أو لا تشرق، الهواء ليس ليس حراً أن يهب أو لا يهب، والأرض في عناصرها ليست حرّة في أن تكتمها أو لا تكتمها، لكن الإنسان مميز بقدرته على أن يختار بين البدائل؛ لذلك لا بد أن يكون صالحاً للأمرين، والخطأ إنما يأتي من أن تنقل مجال "افعل" في "لا تفعل". أو مجال "لا تفعل" في "افعل". والمؤمن يأخذ منطقية "افعل" في مجال "الفعل"، ومنطقية "لا تفعل" في مجال الترك. وحين تنظر إلى الإنسان تجد أن التكليف الإلهي يناسب التكوين البشري. وأنت تشترك مع الجماد في أشياء، ومع النبات في أشياء، ومع الحيوان في أشياء، وتتفوق على الكل بقدرة الاختيار التي منحك الله إياها. ولتوضيح هذا الأمر أقول: لنفترض أن واحداً أخذك إلى مكان مرتفع ثم تركك في الجو عندئذ تسقط على الأرض، وهكذا تجد أن قانون الجماد ينطبق عليك، فليس لك إرادة أن تقول: "لا أريد أن أقع" وهكذا نرى الجمادية فيك، وانظر إلى "النمو" الذي لا تتحكم فيه ولا تقدر أن تقول: "سأنمو اليوم بزيادة في الطول قدرها نصف الملليمتر" بل أنت لا تعرف كيف تنمو، وأنت لا تعرف كيف ينبض قلبك، ولا سرّ الحركات الدودية للأمعاء، ولا حركة المعدة، أو عمل الكبد، أو حركة التنفس التي بها تقوم الحياة، وكل ذلك أمور قهرية، ومن رحمة الله بنا أنها قهرية، فلو كانت اختيارية لتحكم فيها غيرك. إذن من رحمته بنا سبحانه أن جعلنا مقهورين في هذه المسائل، ومسخرين فيها، وبعد ذلك خلق لنا الاختيار في التكليف، افعل، ولا تفعل، والتكليف من الله سبحانه وتعالى في الأفعال التي تقع من الإنسان لا في الأفعال التي تقع على الإنسان؛ لأن الأفعال التي تقع من الإنسان هي التي فيها اختيار ويبحثها العقل أولاً، لينفذها الإنسان بعد ذلك. ولذلك لا يكلف ربنا إلا العاقل الناضج؛ لأنه لا توجد قوة تقهره على غير ما يختار. أما المجنون فليس عليه تكليف؛ لأنه لم يُدرْ المسألة في رأسه قبل ان يفعل، وكذلك من لم ينضج؛ لأنه لم يصل إلى قوة الفهم الكامل، وكذلك المقهور على فعل بقوة إنسان أو سلطان أقوى منه. وهكذا نعلم أن التكليف لا يلزم الإنسان في تلك الحالات حيث لا يوجد عقل أو يكون العقل غير ناضج، أو أن يوجد قهر. ويتابع الحق: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ولو أن المسألة - مسألة الإيمان - مجرد مظهر لا جوهر لما ترتب عليها نتيجة، ولكن لننتبه إلى أن هناك غاية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد التلميذ مثلاً إن حضر الدرس أو لم يحضر، استمع إلى المدرس أولاً، ذاكر أو لم يذاكر، ألا يظهر كل ذلك في شهادة نهاية العام؟. إذن فالحساب قائم على كل فعل؛ لأنك تتمتع أيها الإنسان بخاصية الاختيار، أي أنك صالح لتفعل أو ألاَّ تفعل، ولذلك يرشدك الإيمان إلى العمل الصالح؛ لأن هناك غاية؛ إنَّك ستصير إلى من يحاسبك على أنك نقلت "افعل" في مجال "لا تفعل"، أو "لا تفعل" في مجال "افعل". فإن كنت لا تأخذ أمور الإيمان لصلاحية حياتك فخذها خوفاً من الجزاء والحساب. ثم يقول الحق من بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):