٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
73
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية، وذكر فيها أنواعاً كثيرة من الدلائل. أولها: قوله {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أما كونه خالقاً للسموات والأرض، فقد شرحنا في قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191] وقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ }تفسير : [الأنبياء: 16] {أية : مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الدخان: 39] وفيه قولان. القول الأول: وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق، فكان ذلك التصرف حسناً على الإطلاق وحقاً على الإطلاق. والقول الثاني: وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقاً أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم. قال القاضي: ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولاً حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى، وهي أنه يقال: أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه. وثانيها: قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } في تأويل هذه الآية قولان. الأول: التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون. والوجه الثاني: في التأويل أن نقول قوله: {ٱلْحَقّ } مبتدأ و {يَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } ظرف دال على الخبر، والتقدير: قوله: {ٱلْحَقّ } واقع {يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } كقولك يوم الجمعة القتال، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة. والمراد من كون قوله حقاً في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث. وثالثها: قوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ } فقوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ } يفيد الحصر، والمعنى: أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى، فالمراد بالكلام الثاني تقريراً لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض. فإن قال قائل: قول الله حق في كل وقت، وقدرته كاملة في كل وقت، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟ قلنا: لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر، فكان الأمر كما قال سبحانه: {وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } فلهذا السبب حسن هذا التخصيص، ورابعها: قوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } تقديره، وهو عالم الغيب والشهادة. واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين: أحدهما: كونه قادراً على كل الممكنات، والثاني: كونه عالماً بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادراً على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالماً بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضاً منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي. والمؤمن بالكافر، والصديق بالزنديق، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة. أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض والمقصود، فقوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } يدل على كمال القدرة، وقوله: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقاً، وأن يكون حكمه صدقاً، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل. ثم قال: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } والمراد من كونه حكيماً أن يكون مصيباً في أفعاله، ومن كونه خبيراً، كونه عالماً بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس. والله أعلم. المسألة الثانية: قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله: {كُنْ فَيَكُونُ } خطاباً وأمراً لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال، وإن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجوداً وهو محال، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات. المسألة الثالثة: قوله: {يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر، ولاشبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرناً ينفخ فيه ملك من الملائكة وذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين: القول الأول: أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر السور. والقول الثاني: إن الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى، وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة. قال الواحدي رحمه الله: أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم: أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة، وروي ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم، وهذا خطأ فاحش لأن الله تعالى قال: {أية : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ }تفسير : [غافر: 64] وقال: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [يۤس: 51، الزمر: 68] فمن قرأ ونفخ في الصور، وقرأ {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } فقد افترى الكذب، وبدل كتاب الله، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار وغرائب، ولم يكن له معرفة بالنحو، قال الفراء: كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحده، فواحده بزيادة هاء فيه، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه، وإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسر كما قالوا غرفة وغرف، وزلفة وزلف، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وإنما تجمع صورة الإنسان صوراً لأن واحدته سبقت جمعه، قال الأزهري: قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وأقول: ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه، كما قال: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [الحجر: 29] وقال: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } وقال: {ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر} وأما نفح الصور بمعنى النفخ في القرن، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال: {أية : فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ } تفسير : [المدثر: 8] وقال: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ... ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] فهذا تمام القول في هذا البحث، والله أعلم بالصواب.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} قائماً بالحق والحكمة. {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} جملة اسمية قدم فيها الخبر أي قوله الحق يوم يقول، كقولك: القتال يوم الجمعة، والمعنى أنه الخالق للسموات والأرضين، وقوله الحق نافذ في الكائنات. وقيل يوم منصوب بالعطف على السموات أو الهاء في واتقوه، أو بمحذوف دل عليه بالحق. وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون، والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين تقوم القيامة فيكون التكوين حشر الأموات وإحياءها. {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ} كقوله سبحانه وتعالى: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ }تفسير : [غافر: 16] {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي هو عالم الغيب. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} كالفذلكة للآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ بِٱلْحَقِّ } أي محقاً {وَ} اذكر { يَوْمَ يَقُولُ } للشيء {كُنْ فَيَكُونُ } هو يوم القيامة، يقول للخلق: قوموا فيقوموا {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } الصدق الواقع لا محالة {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } القرن، النفخة الثانية من إسرافيل لا ملك فيه لغيره { أية : لِمَنِ المُلك اليوم؟ لله } تفسير : [16:40] {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } ما غاب وما شوهد {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في خلقه {ٱلْخَبِيرُ } بباطن الأشياء كظاهرها.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِ} بالحكمة، أو الإحسان إلى العباد، أو بكلمة الحق، أو نفس خلقهما حق. {كُن فَيَكُونُ} يقول ليوم القيامة كن فيكون لا يثني إليه القول مرة أخرى، أو يقول للسماوات كوني قرناً ينفخ فيه لقيام الساعة فتكون صوراً كالقرن وتبدل سماء أخرى. {الصُّورِ} قرن ينفخ فيه للإفناء والإعادة، أو جمع صورة ينفخ فيها أرواحها. {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي الذي خلق السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أو الذي ينفخ في الصور عالم الغيب.
ابن عادل
تفسير : لمَّا بيَّن في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبادة الأصنام ذكر هاهنا ما يدل على أنْ لا معبود إلاَّ الله، وذكرها هاهنا أنواعاً من الدلائل: أحدها: قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} تقدم أول السورة. وقوله: "بالحق" قيل: الباء بمعنى اللام، أي إظهار للحق؛ لأنه جعل صُنْعَهُ دليلاً على وحدانيته، فهو نظير قوله: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} تفسير : [آل عمران:191]، وقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} تفسير : [الدخان:38]. وثانيها: قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} في "يوم" ثمانية أوجه: أحدهما: - وهو قول الزَّجَّاج - أنه مفعول به لا ظرْفٌ، وهو معطوف على الهاء في "اتقوه" أي: واتقوا يوماً أي: عقاب يوم يقول، أو هوله أو فزعه، فهو كقوله تعالى في موضع آخر: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي} تفسير : [البقرة:48] على المشهور في إعرابه. والثاني: أنه مفعول به أيضاً، ولكنه نَسَقٌ على السموات والأرض، أي: وهو الذي خَلَقَ يوم يقول. الثالث: أنه مفعول لـ "اذكر" مقدراً. الرابع: أنه منصوب بعامل مقدر، وذلك العامل المُقّدَّرُ مفعول فعل مقدر أيضاً، والتقدير: واذكروا الإعادة يوم يقول: كن، أي يوم يقول الله للأجساد: كوني مُعَادَةً. الخامس: أنه عَطْفٌ على موضع قوله: "بالحق" فإن موضعه نَصْبٌ، ويكون "يقول" بمعنى قال ماضياً, كأنه قيل: وهو اذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم قال لها: كن. السادس: أن يكون "يوم يقول: كن فيكون، وإليه نحا الزمخشري، فإنه قال: "قوله الحق" مبتدأ، و "يوم يقول" خبره مقدماً عليه، وانْتِصَابُهُ بمعنى الاستقرار، كقولك: "يوم الجمعة القتال" واليوم بمعنى الحينِ، والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائماً بالحكم، وحين يقول لشيء من الأشياء: كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة. فإن قيل: قول الله حَقّ في كل وقت، فما الفائدةُ في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟ فالجواب: لأن هذا اليوم لا يَظْهَرُ فيه من أحَدٍ نَفْعٌ ولا ضر، كما قال تعالى: أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار:19] فلهذا السبب حَسُنَ هذا التخصيص. السابع: أنه مَنْصُوبٌ على الظرف، والناصب له معنى الجملة التي هي "قوله الحق" أي: حق قوله في يوم يقول: كن. الثامن: أنه مَنْصُوبٌ بمحذوف دلَّ عليه بالحق. قال الزمخشري: وانْتِصَابُ اليوم بمحذوف دلَّ عليه قوله: "بالحق"، كأنه قيل: "وحين يكون ويقدر يقوم بالحق" قال أبو حيان: "وهذا إعراب مُتَكَلَّفٌ". قوله: "فيكون" هي هنا تامَّةٌ، وكذلك قوله: "كُنْ" فتكتفي هنا بمرفوع، ولا تحتاج إلى منصوب، وفي فاعلها أربعة أوجه: أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله - تعالى - يوم القيامة، كذا قَيَّدَهُ أبو البقاء بيوم القيامة. وقال مكي: "وقيل: تقدير المضمر في "فيكون" جميع ما أراد"، فأطلق ولم يُقَيِّدْهُ وهذا أوْلَى وكأن أبا البقاء أخذ ذلك من قرينة الحال. الثاني: أنه ضمير الصُّور المنفوخ فيها، ودَلَّ عليه قوله: {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} تفسير : [طه:102]. الثالث: هو ضمير اليوم؛ أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. الرابع: أن الفاعل هو "قوله" و "الحق" صفته؛ أي: فيوجد قوله الحق، ويكون الكلام على هذا تامَّا على "الحق". قوله "قولهُ الحَقُّ" فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و"الحق" نعته، وخبره قوله: "يوم يقول". والثاني: أنه فاعلٌ لقوله: "فيكون" و "الحق" نعته أيضاً، وقد تقدَّم هذان الوجهان. الثالث: أن "قوله" مبتدأ، و "الحق" خبره أخبر عن قوله بأنه لا يكون إلاَّ حقَّا. والرابع: أنه مبتدأ أيضاً، و"الحق" نعته، و "يوم يُنفَخُ" خبره وعلى هذا ففي قوله: "وله الملك" ثلاثة أوجه: أحدها: تكون جُمْلَةً من مبتدأ وخبر معترضة بين المبتدأ وخبره، فلا محل لها حينئذ من الإعراب. والثاني: أن يكون "الملك" عطفاً على "قوله" و "أل" فيه عوض عن الضمير، و "له" في محلِّ نصب على الحال من "الملك" العامل فيه الاسْتِقْرَارُ، والتقدير: قوله الحق، وملكه كائناً له يوم ينفخ، فأخبر عن القول الحق والملك الذي لله بأنهما كائنانِ في يوم ينفخ في الصُّورِ. الثالث: أن الجملة من "وله الملك" في محل نصبٍ على الحال، وهذا الوجه ضعيف لشيئين: أحدهما: أنها تكون حالاً مؤكّدة، والأصل أن تكون مؤسّسة. الثاني: أن العامل فيها معنوي؛ لأنه الاستقرار المُقَدَّرُ في الظرف الواقع خبراً، ولا يجيزه إلا الأخفش، ومن تابعه، وقد تقدَّم تقرير مذهبه. قوله: "يَوْمَ يُنْفَخُ" فيه ثمانية أوجه: أحدها: أنها خبر لقوله تعالى: "قوله الحق"، وقد تقدم تحقيقه. الثاني: أنه بَدَلٌ من "يوم يقول" فيكون حُكْمُهُ ذاك. الثالث: أنه ظرف لـ "تحشرون" أي: وهو الذي إليه تحشرون في يوم يُنْفَخُ في الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس المُلْك، أي: وله المُلْكُ في ذلك اليوم. فإن قيل: يلزم من ذلك تقييد الملك بـ "يوم النَّفْخ"، والملك له كل وقت. فالجواب: ما تقدم في قوله "الحق"، وقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر:16] وقوله: أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19] وهو أن فائدة الإخبار بذلك أنه أثبت المُلْكَ والأمْرَ في يوم لا يمكن لأحد أن يدعي فيها شيئاً من ذلك. الخامس: أنه حالٌ من المُلْكِ، والعامل فيه "له" لما تضمنه من معنى الفعل. السادس: أنه منصوب بقوله: "يقول". السابع: أنه مَنْصُوبٌ بعالم الغيب بعده. الثامن: أنه منصوبٌ بقوله تعالى: "قوله الحق" فقد تحصَّل في كل من اليومين ثمانية أوجه. والجمهور على "يُنْفَخُ" مبنياً للمفعول بياء الغيبة، والقائم مقام الفاعل الجار بعده. وقرأ أبو عمرو في رواية عبد الوارث: "نَنْفُخُ" بنون العظمة مبنياً للفاعل. والصُّورُ: الجمهور على قراءته ساكن العين وقرأه الحسن البصري بفتحها. فأما قراءة الجمهور، فاختلفوا في معنى "الصُّور" [فيها] فقال جماعة الصور: جمع "صُورة" كالصُّوف جمع "صوفة"، والثوم جمع "ثومة"، وهذا ليس جمعاً صِنَاعيَّا، وإنما هو اسم جنس، إذ يفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، وأيَّدُوا هذا القول بقراءة الحسن المتقدمة. وقال جماعة: الصُّور هو القَرْنُ. قال مجاهد كَهَيْئَةِ البُوقِ، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وأنشدوا: [السريع أو الرجز] شعر : 2205- نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الجَمْعَيْن بِالشَّامِخَاتِ فِي غُبَارِ النُّقْعَينْ نَطْحاً شَدِيداً لا كَنَطْحِ الصُّورَينْ تفسير : وأيَّدُوا ذلك بما ورد في الأحاديث الصحيحة، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: حديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما الصُّورُ؟ قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فيهِ" تفسير : وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "كَيْفَ أنْعَمُ وصَحِبُ الصُّورِ قَد التَقَمهُ وأصْغَى سمْعَهُ وَحَنَى جَبْهَتهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤمَرٍُ". فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا؟ فقال: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ" ". تفسير : وقيل في صفته: إنه قَرْنٌ مستطبل فيه أبخاش، وأن أرواح الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجت رُوحُ كُلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على من ادَّعى أن الصور جمع "صُورة"، فقال: "وقد اعترض قوم فأنكروا أن يكون الصور قَرْنَاً كما أنكروا العَرْشَ والميزان والصراط، وادَّعُوا أن الصور جمع "صورة"، كالصوف جمع الصوفة، ورووا ذلك عن أبي عُبَيْدة، وهذا خطأ فاحش، وتحريف لكلام الله - عزَّ وجلَّ - عن مواضعهِ؛ لأن الله تعالى قال: {أية : وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} تفسير : [غافر:64] و "نفخ في الصور" فمن قرأها: و "نفخ في الصور" أي بالفتح، وقرأ "فأحْسَنَ صُوْركم" أي بالسكون فقد افترى الكذب على الله - عزَّ وجلَّ - وكان أبو عبيدة صاحب أخبار غريبة ولم يكن له معرفة بالنحو". قال الأزْهَرِيُّ: قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنّة والجماعة انتهى. [قال السمين: ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم]. قال ابن الخطيب ومما يقوِّي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح في تلك الصورة لأضاف ذلك إلى نَفْسِه، لأن نَفْخَ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه؛ كقوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29] وقال: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم:12] وقال {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون:14]، وأما نفخ الصور بمعنى النَّفخ في القَرْنِ، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} تفسير : [المدثر:8] وقال: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُون} تفسير : [الزمر:68]. وقال الفراء: "يُقَال: نفخ في الصور، ونفخ الصور"، وأنشد: [البسيط] شعر : 2206- لَوْلاَ ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ يُفْتَحْ قُهَنْدُزُكُمْ ولا خُرَاسَانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ تفسير : قوله: "عَالِمُ الغيْبِ" في رفعه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون صِفةً لـ "الذي" في قوله: "وهو الذي خلق"، وفيه بُعْدٌ لطُولِ الفَصْلِ بأجنبي. الثاني: أنه خبر مضمر أي: هو عالم. الثالث: أنه فاعل لقوله: "يقول" أي: يوم يقول عالم الغيب. والرابع: أنه فاعل بفعل محذوف يَدُلُّ عليه الفعل المبني للمفعول؛ لأنه لما قال: "ينفخ في الصور" سأل سَائِلٌ فقال: من الذي يَنْفُخُ فيه؟ فقيل: "عَالِمُ الغَيْبِ"، أي: ينفخ فيه عالم الغيب، أي: يأمر بالنَّفْخِ فيه لقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} تفسير : [النور:36، 37] أي: تُسَبِّحُهُ. ومثله أيضاً قول الآخر: [الطويل] شعر : 2207- لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ وَمُخْتبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ تفسير : أي: مَنْ يبكيه؟ فقيل: ضارع، أي: يبكيه ضارع لخصومة. ومثله: {أية : وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} تفسير : [الأنعام:137] في قراءة من يبني "زُيِّنَ" للمفعول ورفع "قَتْلُ"، و"شركاؤهم" كأنه قيل: من زَيَّنَهُ لهم؟ فقيل: زَيَّنَهُ شُركَاؤهُمْ، والرفع على ما تقدم قراءة الجمهور. وقرأ الحسن البصري والأعمش: "عالم" بالجر وفيها ثلاثة أوجه: أحسنها: أنه بدل من الهاء في "له". [الثاني: أنه بدل من "رب العالمين"، وفيه بُعْدٌ لطول الفصل بين البدل والمبدل منه]. الثالث: أنه نعت للهاء في "له"، وهذا إنما يتمشى على رأي الكسائي حيث يُجِيزُ نعت المضمر بالغائب، وهو ضعيف عند البصريين والكوفيين غير الكسائي. فصل في بيان المقصود من ذكر أحوال البعث أعلم أنه - تعالى - ما ذكر أحوال البعث في القيامة إى وقرَّر فيه أصلين: أحدهما: كونه قادراً على المُمْكِنَاتِ. والثاني: كونه عالماً بكل المعلومات؛ لأن بتقدير: ألاَّ يكون قادراً على كل الممكنات لم يَقْدِرْ على البعث والحشر، وردِّ الأرواح إلى الأجساد، وبتقدير ألاَّ يكون عالماً بجميع الجزئيات لم يَصِحَّ ذلك فيه؛ لأنه ربما اشْتَبَهَ المُطِيعُ بالعاصي والمؤمن بالكافر، فلا يحصل المَقْصُودُ الأصلي من البعث والقيامة، أما إذا ثبت حصول هذين الصفتين، كمل الغرض، فقوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} يدل على كمال القُدْرَةِ, وقوله {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} يدلُّ على كمال العلم، فلزم بمجموعهما أن يكون قوله حقاً وحكمة وصدقاً، وقضاياه مُبَرَّأةً عن الجَوْرِ والعبثِ، ثم قال تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِير} والحكيم: هو المصيب في أفعاله، والخبير: هو العالم بحقائقها من غير اشْتِبَاهٍ. والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض - في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما، أو شاركاً فيهما. فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته، قال تعالى منبهاً لهم من غفلتهم وموقظاً من رقدتهم معيداً الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر: {وهو} أي وحده {الذي خلق} أي أوجد واخترع وقدر {السماوات والأرض} أي على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر {بالحق} أي بسبب إقامة الحق، وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من القيام، فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم، فيبطل كل باطل ويحق كل حق، ويظهر الحكم لجميع الخلق. ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد، قرر قدرته عليها بقوله: {ويوم يقول} أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار وتلك الدار {كن فيكون *} أي فهو يكون لا يتخلف أصلاً. ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره، علله فقال: {قوله الحق} أي لا قول غيره، لأن أكثر قول غيره باطل، لأنه يقول شيئاً فلا يكون ما أراد؛ ولما كان في مقام الترهيب من سطوته، قال مكرراً لقوله "وهو الذي إليه تحشرون": {وله} أي وحده بحسب الظاهر والباطن {الملك يوم} ولما كان المقصود تعظيم النفخة، بني للمفعول قوله: {ينفخ في الصور} لانقطاع العلائق بين الخلائق، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب، وقولُه-: {عالم الغيب} وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه {والشهادة} وهو ما صار بحيث يطلع عليه الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه من تمام الترهيب، أي أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالكم، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب، ويذهب التعاضد والتعاون، وهو على عادته سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلاّ قرر فيه أصلين: القدرة على جميع الممكنات، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات، لأنه لا يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين {وهو} أي وحده {الحكيم} أي التام الحكمة، فلا يضع شيئاً في غير محله ولا على غير أحكام، فلا معقب لأمره، فلا بد من البعث {الخبير *} بجميع الموارد والمصادر، فلا خفاء لشيء من أفعال أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب. ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة الهادمة لمذهب الثنوية، وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليه السلام، وكان إبراهيم عليه السلام يعرف بفضله جميع الطوائف، لأن أكثرهم من نسله كاليهود والنصارى والمشركين من العرب، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه، تلاها بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال: {وإذ} أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة، ما أعظمه وما أجله وأضخمه! وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا الله، واذكر إذ {قال إبراهيم} أي اذكر قوله، وحكمة التذكير بوقته التنبيهُ على أن هذا لم يزل ثابتاً مقرراً على ألسنة جميع الأنبياء في جميع الدهور، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول هذه السورة من إبطال هذا المذهب، وانعطف هذا على ذاك أيّ انعطاف! وصار كأنه قيل: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة، فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا، اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض، فإن تنبهوا فهو حظهم، وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليه السلام إذ قال {لأبيه} ثم بينه في قراءة الجر بقوله: {آزر} وناداه في قراءة يعقوب بالضم؛ قال البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر, وهو في التوراة: تارح - انتهى. وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة، فلعل أحدها لقب، وكان أهل تلك البلاد وهم الكلدانيون، ويقال لهم أيضاً الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - يعتقدون إلهية النجوم في السماء والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم صنماً، إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما زعموا - إلى النجم، فقال عليه السلام لأبيه منكراً عليه منبهاً له على ظهور فساد ما هو مرتكبه: {أتتخذ} أي أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل {أصناماً آلهة} أي تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر، فنبهه بهذا الإنكار على أن معرفة بطلان ما هو متدين به لا يحتاج إلى كثير تأمل، بل هو أمر بديهي أو قريب منه، فإنهم يباشرون أمرها بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست بصانعة، وكثرتها تدل على بطلان إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} تفسير : [الأنبياء: 22]. ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه، عم بقية أقاربه فقال: {إني أراك وقومك} أي في اتفاقكم على هذا {في ضلال} أي بُعد عن الطريق المستقيم {مبين *} أي ظاهر جداً ببديهة العقل مع مخالفته لكل نبي نبأه الله تعالى من آدم عليه السلام فمن بعده، فهو مع ظهوره في نفسه مظهر للحق من أن الإله لا يكون إلا كافياً لمن يعبده، وإلا كان فقيراً إلى تأله من يكفيه. ولما كان كأنه قيل: بصرنا إبراهيم عليه السلام هذا التبصير في هذا الأمر الجريء من بطلان الأصنام، قال عاطفاً عليه: {وكذلك} أي ومثل هذا التبصير العظيم الشأن، وحكى الحال الماضية بقوله: {نري} أي بالبصر والبصيرة على مر الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا آخر له بنفسه والصلحاء من أولاده {إبراهيم ملكوت} أي باكن ملك التوحيد فيعلم أن كل من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال، كما علم ذلك في قومه في الأصنام {وليكون من الموقنين *} أي الراسخين في وصف الإيقان في أمر التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته، فتأمل فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين. ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق: دانيهم وقاصيهم، وهي أشرف من الأرضية، فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب الأولى؛ نصب لهم الحجاج في أمرها، فقال مسبباً عن الإراءة المذكورة: {فلما جن} أي ستر وأظلم، وقصره - وإن كان متعدياً - دلالة على شدة ظلام تلك الليلة، ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال: {عليه الّيل} أي وقع الستر عليه، فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء {رأى كوكباً} أي قد بزغ، فكأنه قيل: فماذا فعل؟ فقيل: {قال هذا ربي} فكأنه مِنْ بَصْرِه أن أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبراً واستفهاماً، ليوهمهم أنه مخبر، فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من الشعب، فيكون أشد استجلاباً لهم إلى إنعام النظر وتنبيهاً على موضع الغلط وقبول الحجة، ولمثل ذلك ختم الآية بقوله: {فلما أفل} أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان {قال لا أحب الآفلين *} لأن الأفول حركة، والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه، ولا نظن أن يظن به أنه قال ما قاله أولاً عن اعتقاد ربوبية الكواكب، لأن الله تعالى قد دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقناً، فاسند الأمر إلى نفسه تنبيهاً لهم، واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه وحقارة شأنه اتم، ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث والنقصان - شرف في الجملة وسلطان، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود، يكون منتهى الآمال ومحط الرحال {أية : وأن إلى ربك المنتهى} تفسير : [النجم: 42] والأوساط يفهمون منه الحدوث للحركة، فلا بد من الأستناد إلى قديم، والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول لزوال نوره وسلطانه، وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية، وخص الأفول أيضاً لأن قومه الفرس كانوا منجمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعداً من المشرق إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير، فإذا كان نازلاً إلى المغرب كان ضعيف الأثر، والإله هو من لا يتغير، وهذا الاستدلال برهان في أن أصل الدين مبني على الحجة دون التقليد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور؟ فقال "هو قرن ينفخ فيه" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن أهل منى اجتمعوا على أن يقلوا القرن من الأرض ما أقلوه ". تفسير : وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: الصور كهيئة القرن ينفخ فيه . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الصور كهيئة البوق . وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم عن أبي سيعد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يزال صاحبا القرن ممسكين بالصور ينتظران متى يؤمران " . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يَرْتَد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان " . تفسير : وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر؟ قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : قال: كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى الجبهة، وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ؟ قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا " . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل " . تفسير : وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما من صباح إلا وملكان يناديان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان، وملكان يناديان: با باغي الخير هلم، ويقول الآخر: يا باغي الشر أقصر، وملكان يناديان يقول أحدهما: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، وينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في العظمة بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال " كنت عند عائشة وعندها كعب الحبر، فذكر إسرافيل فقالت عائشة: أخبرني عن إسرافيل؟ فقال كعب: عندكم العلم...! قالت: أجل فأخبرني؟ قال: له أربعة أجنحة، جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محنى ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول". وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا تخرج روحان من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوّة كاستدارة السماء والأرض، وإسرافيل واضع فمه على تلك الكوّة، ثم قال له الرب تعالى: قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة والصيحة، فدخل إسرافيل في مقدم العرش فأدخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى، ولم يطرف منذ خلقه الله ينتظر متى يؤمر به . وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: إن ملك الصور وكل به أن إحدى قدميه لفي الأرض السابعة، وهو جاث على ركبتيه شاخص بصره إلى إسرافيل، ما طرف منذ خلقه الله تعالى ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يوم ينفخ في الصور} قال: يعني النفخة الأولى، ألم تسمع أنه يقول {أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى} تفسير : [الزمر: 68] يعني الثانية {أية : فإذا هم قيام ينظرون}تفسير : [الزمر: 68] . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة أنه قرأ {يوم ينفخ في الصور} أي في الخلق . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {عالم الغيب والشهادة} يعني أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {عالم الغيب والشهادة} قال: السر والعلانية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الشهادة ما قد رأيتم من خلقه، والغيب ما غاب عنكم مما لم تروه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} [الآية: 73]. قال الحسين: هو الحق ولا يظهر من الحق إلا الحق، قال الله تعالى: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ}.
القشيري
تفسير : يعني أنه لا يعترض على قدرته - سبحانه - حدوث مقصود، ولا يتقاصر حكمه عن تصريف موجود.
البقلي
تفسير : {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} لما اراد تعالى ان يخرج الكون من العدم تجلى من ذاته بصفاته ومن صفاته لامره ومن امره للكاف والنون فيقدح احدهما بالأخر فيخرج من بين الاكوان والحدثان لا تصال نور الذات بالصفات واتصال نور الصفات بالامر الفعل والكاف والنون فيحقق ذلك مراده فى الازل قوله الحق اى قوله يحقق ما فى علمه بنعت اخراجه من العدم الى الوجود بحيث لا يكون فى ذرة منه خلل يوافق فعله امره وامره ارادته لان له الملك القدرية الازلية القائمة بذاته القديم الباقى بوصف الازل الى الابد قال الحسين هو الحق ولا يظهر من الحق الا الحق قال الله قوله الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى خلق السموات والأرض} اى العلويات والسفليات وما فيهما {بالحق} حال من فاعل خلق اى قائما بالحق والحكمة {ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} يوم ظرف لمضمون جملة قوله الحق والواو بحسب المعنى داخل عليها والمعنى وامره المتعلق بكل شئ يريد خلقه من الاشياء فى حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من افراد الاحيان الحق اى المشهود له بالحقية المعروف بها {وله الملك يوم ينفخ فى الصور} لا ملك فيه لغيره ولو مجازا كما فى الدنيا {عالم الغيب والشهادة} اى هو عالم ما غاب وما شوهد {وهو الحكيم} فى كل ما يفعله {الخبير} بجميع الامور الجلية والخفية وفى الحديث "حديث : "لما فرغ الله من خلق السموات والارض خلق الصور فاعطاه اسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره الى العرش متى يؤمر" قال ابو هريرة رضى الله عنه قلت يا رسول الله ما الصور قال "القرن" قلت كيف هو قال "عظيم والذى نفسى بيده ان أعظم دائرة فيه كعرض السماء والارض" " .تفسير : ويقال ان فيه من الثقب على عدد ارواح الخلائق. قالوا ان النفخة ثلاث. اولاها نفخة الفزع فانهم اذا سمعوا النفخة يعلمون انهم يموتون يقينا ولم يبق من ايام الدنيا شئ فيأخذهم الفزع لاجل العرض والحساب والعذاب. والنفخة الثانية الصعق وهو موت الخلائق اجمعين حلا لا يبقى الا الله تعالى كل شئ هالك الا وجهه. والنفخة الثالثة نفخة البعث من القبور ومن النفخة الى النفخة اربعون عاما فعند موت جميع الخلائق تجعل ارواحهم فى الصور وليس من الانسان شئ الا يبلى الا عظما واحدا لا تأكله الارض ابدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة ويجمع الله ما تفرق من اجساد الناس من بطون السباع وحيوانات الماء وبطن الارض وما اصاب النيران منها بالحرق والمياه بالغرق وما ابلته الشمس وذرته الرياح وذلك بعدما انزل ماء من تحت العرش يقال له الحيوان فتمطر السماء اربعين سنة حتى يكون من الفوق اثنى عشر ذراعا ثم يأمر الله الاجساد فتنبت كنبات البقل فاذا جمعها واكمل كل بدن منها ولم يبق الا الارواح يحيى حملة العرش ثم يحيى جبرائيل وميكائيل واسرافيل فينفخ فى الصور فتخرج الارواح من ثقب الصور كامثال النحل قد ملأت ما بين السماء والارض فيقول الله تعالى ليرجعن كل روح الى جسده فتدخل الارواح فى الارض الى الاجساد ثم تدخل فى الخياشيم فتمشى فى الاجساد مشى السم فى اللديغ ثم تنشق الارض فاول من يخرج منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الامة شبابا كلهم ابناء ثلاث وثلاثين واللسان يومئذ بالسريانية سراعا الى ربهم هذا فى المؤمنين المخلصين. واما الكافرون فيقولون هذا يوم عسير فيوقفون حفاة عراة مقدار سبعين عاما لا ينظر الله اليهم فتبكى الخلائق حتى تنقطع الدموع ثم تدمع دما حتى يبلغ منهم الاذقان ويلجمهم ثم يفعل الله فيهم ما يشاء فعليك بالاسلام الحقيقى والتسليم حتى تنجو وهو ترك الوجود كالكرة فى ميدان القدر مستسلما لصولجدان القضاء لمجارى احكام رب العالمين وهو انما يحصل بمحض فضل الله تعالى لكن الانبياء والاولياء وسائط: كما اشار اليه صاحب المثنوى فقال شعر : سازد اسرافيل روزى ناله را جان دهد بوسيده صد ساله را اوليارا دردرون هم نغمها ست طالبانرا زان حياة بى بهاست تشنود آن تغمهارا كوش حس كزستمها كوش حس باشد نجس هين كه اسرافيل وقتند اوليا مرده را زيشان حياتست ونما تغمهاى اندرون اوليا اولا كويد كه اى اجزاى لا هين زلاى نفى سرها بر زنيد اين خيال و وهم يكسو افكنيد اى همه بوسيده دركون وفساد جان باقيان نروئيد ونزاد
الطوسي
تفسير : آيتان في البصري والمدنيين وآية في الكوفي. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام، ويدعون المؤمنين الى عبادتها {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} الذي خلق السماوات والارض بالحق، وفي معنى بالحق قولان: احدهما - قال الحسن والبلخي والجبائي والزجاج والطبري: ان معناه خلقهما للحق لا للباطل. ومعناه خلقهما حقا وصوابا لا باطلا وخطأ، كما قال تعالى: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا}تفسير : وادخلت الباء والالف واللام كما أدخلت في نظائرها يقولون: فلان يقول بالحق، بمعنى أنه يقول الحق، لا أن الحق معنى غير القول بل التقدير ان خلق الله السماوات والارض حكمة وصواب من حكم الله، وهو موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ما سواهما من جميع خلقه لا أن هناك حقا سوى خلقهما خلقهما به، وذلك يدل على بطلان ما يقوله المجبرة: ان هذا كله باطل وسفه، وما يخالف الحكمة هو من فعل الله، تعالى الله عن ذلك. والثاني - قال قوم: معنى ذلك أنه خلق السماوات والارض بكلامه، وهو قوله {أية : ائتيا طوعاً أو كرهاً}تفسير : قالوا: فالحق هو كلامه واستشهدوا على ذلك بقوله{أية : ويوم يقول كن فيكون قوله الحق}تفسير : أن الحق هو قوله وكلامه. قالوا والله خالق الاشياء بكلامه، وذلك يوجب أن يكون كلامه قديما غير مخلوق، وقد بينا فساد هذا الوجه فيما تقدم، والمعتمد الاول. وقوله {ويوم يقول كن فيكون} نصب (يوم) على وجوه: احدها - على معنى واتقوا {يوم يقول كن فيكون} نسقا على الهاء كما قال: {أية : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا}. تفسير : والثاني - أن يكون على معنى واذكر يوم يقول كن فيكون لان بعده {وإذ قال إبراهيم} والمعنى واذكر {يوم يقول كن فيكون} واذكر {إذ قال إبراهيم} وهو الذي أختاره الزجاج. والثالث - أن يكون معطوفا على {السماوات والأرض بالحق} وخلق {يوم يقول كن فيكون}. فان قيل: ان يوم القيامة لم يخلق بعد؟ قيل: ما أخبر الله بكونه فحقيقة واقع لا محالة وقال قول: التمام عند قوله {كن} وقوله {فيكون قوله الحق} ابتداء أي ما وعدوا به من الثواب وحذروا به من العقاب كائن حق قوله بذلك. وقوله {كن فيكون} قال قوم هو خطاب للصور. والمعنى ويوم يقول للصور كن فيكون. وقد بينا فيما مضى أن ذلك عبارة عن سرعة الفعل وتيسيره وانه لا يتعذر عليه شىء بمنزلة أن يقول كن فيكون، لا أن هناك أمر على الحقيقة وكيف يكون هناك أمر والامر لا يتوجه الا الى الحي القادر؟! والمعدومات والجمادات لا يحسن أمرها ولا خطابها. والغرض بالآية الدلالة على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال ويوم يقول للخلق: موتوا فيموتون وانتشروا فينتشرون اي لا يتعذور عليه ولا يتأخر عن وقت ارادته. وقيل {يوم يقول كن فيكون قوله الحق} أي يأمر فيقع امره. والحق من صفة قوله. كما يقول القائل قد قلت، فكان قولك. والمعنى ليس انك قلت فكان الكلام. وانما المعنى انه كان ما دل عليه القول. وعلى القول الاول يرفع {قوله} بالابتداء و {الحق} خبر الابتداء. وحكي عن قوم من السلف {فيكون} بالنصب باضمار (ان). وتقديره كن فأن يكون، وهذا ضعيف. وقوله {وله الملك يوم ينفخ في الصور} يحتمل نصب {يوم ينفخ} ثلاثة أوجه: احدها - ان يكون متعلقا بـ {له الملك} والتقدير له الملك يوم ينفخ في الصور وانما خص ذلك اليوم بأن الملك له كما خصه في قوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}. وقرأ بعضهم {ينفخ} بفتح الياء. و {عالم الغيب والشهادة} فاعل {ينفخ} وهو شاذ، روي عن ابن عباس ذلك، والوجه أنه لا يبقى ملك من ملكه الله في الدنيا او يغلب عليه بل ينفرد هو تعالى بالملك. والثاني - ان يكون يوم ينفخ بيانا على قوله {يوم يقول كن فيكون} الثالث - ان يكون منصوبا بـ {قوله الحق}. والمعنى وقوله الحق يوم ينفخ، الصور. والوجه في اختصاص ذلك اليوم بالذكر ما بيناه في الوجه الاول، لان قوله حق في جميع الاوقات. وفي معنى الصور قولان: احدهما - ما عليه اكثر المفسرين من انه اسم لقرن ينفخ فيه الملك فيكون منه الصوت الذي يصعق له اهل السماوات واهل الارض، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى للنشور، وهو الذي اختاره البلخي والجبائي والزجاج والطبري واكثر المفسرين. والثاني - أنه جمع صورة مثل قولهم سورة وسور اختاره ابو عبيدة. وقرأ بعضهم في الشواذ في الصور بفتح الواو وذلك يقوى ما قاله ابو عبيدة، ويكون تقديره يوم ينفخ في الاموات. ويقوي الاول قوله تعالى {أية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات}تفسير : ثم قال {أية : ثم نفخ فيه أخرى} تفسير : ولم يقل فيها أخرى او فيهن وذلك يدل على انه واحد. وروى ابو سعيد الخدري قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):حديث : كيف انعم وقد التقم صاحب القرن وحنا جنبيه وأصغا سمعه ينتظر ان يؤمر، فينفخ؟! قالوا: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل . تفسير : والعرب تقول نفخ الصور ونفخ في الصور، قال الشاعر: شعر : لولا ابن جعدة لم يفتح قهندركم ولا خراسان حتى ينفخ الصور تفسير : وروي عن ابن عباس ان الصور يعني به النفخة الاولى. ثم بين انه عالم الغيب والشهادة اي ما يشاهده الخلق وما لا يشاهدونه وما يعلمونه وما لا يعلمونه، ولا يخفى عليه شىء من ذلك. وبين انه الحكيم في أفعاله الخبير العالم بعباده وبأفعالهم، ورفع عالم الغيب لانه نعت للذي في قوله {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق عالم الغيب والشهادة} ويحتمل ان يكون اسم ما لم يسم فاعله كما يقولون اكل طعامك عبد الله، فيظهر اسم فاعل الاكل بعد ان قد جرى الخبر بما لم يسم فاعله، والاول أجود، فأما من فتح الياء في ينفخ فانه جعل عالم الغيب فاعله مرتفعا به.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} سماوات الارواح وارض الاشباح بسبب الحقّ الّذى هو المشيّة الّتى هى ولاية علىّ (ع) كما سبق تحقيقه او متلبّساً بالحقّ، فانّ الولاية مع الكلّ ومتقوّم بها الكلّ ولا يخلو منها الكلّ {وَيَوْمَ يَقُولُ} عطف على منصوب اتّقوه او على السّماوات او على قل ان هدى الله بتقدير اذكر او ذكّر، او خبر لقوله الحقّ والجملة عطف على جملة هو الّذى اليه تحشرون، او ظرف متعلّق بالحقّ او بعالم الغيب والمعنى قوله الحقّ او عالم الغيب يوم يقول للّشيء الّذى يريد ايجاده وانّما حذفه لقصد التّعميم مع الايجاز {كُن} ذلك الشّيء {فَيَكُونُ} ويوجد ذلك الشّيء بلا تأبٍّ ولا تأنٍّ، اعلم، انّ اليوم كما يطلق على يوم عالم الطّبع مقابل ليله كذلك يطلق على كلّ من مراتب العالم، فانّ كلاًّ بالنّسبة الى المرتبة الّتى دونها يوم المرتبة الدّانية ليل بالنّسبة اليها، ولمّا كان عالم الطّبع عالم الاسباب بمعنى انّ سنّته تعالى جرت بان يوجد الاشياء فيه بالاسباب، كان موجوداته كأنّها تتأبّى عن الوجود بمحض قوله من دون تهيّة اسبابه والمكلّفون فيه ايضاً يتأبّون عن قوله، ولمّا كان مراتب الآخرة بتمام موجوداتها غير مسبوقة بمادّة ومدّة وسائر الاسباب كان موجوداتها قائمة بمحض قوله موجودة بنفس امره فكان يوم يقول: كن؛ فيكون مختصّاً بايّام الآخرة {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} فاعل يكون والحقّ صفة القول او مبتدء وخبر او مبتدء ويوم يقول خبره والمعنى قوله الحقّ الّذى هو المشيّة فانّها جملة اضافاته الى الخلق او قوله حقيقة ثابتة هى عين فعله وليس صوتاً يقرع ولا لفظاً يسمع {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} الملك يطلق تارة على عالم الطّبع مقابل الملكوت والجبروت، وتارة على ما يعمّ جملة الموجودات الّتى هى مملوكة له تعالى وهذا هو المراد ههنا، او اريد الاوّل على ان يكون المراد بقوله: له الملك؛ انّ الملك يوم ينفخ فى الصّور خالص له وفى غير ذلك يظنّ انّ غيره له تصرّف فيه ولذلك وهم الثّنويّة فقالوا: انّ الظّلمة مقابلة للنّور، اواهرمن ليزدان، ولكلّ منهما تصرّف فى الملك {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ} بدل من يوم يقول، او ظرف مستقرّ خبر لقوله الحقّ، او خبر بعد خبر لقوله، او لغو متعلّق بقوله، او بالحقّ او بالظّرف فى قوله له الملك او بعالم الغيب، والصّور القرن الّذى ينفخ فيه من صار بمعنى صوّت {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} كالنّتيجة للسّابق.
اطفيش
تفسير : {وهُو الذِى خَلق السَّماوات والأرْض بالحقِّ} أى قائما بالحق، فقائما حال، أو إقامة بالحق، فإقامة مفعول لأجله، أو الباء بمعنى اللام متعلق بمفعول لأجله، أى إظهاراً للحق، ولا واجب على الله، وتصرفه فى الخلق حق على الإطلاق، وقال المعتزلة: معنى كونه حقاً أنه على وفق المصالح، وزعموا أنه تجب مصلحة العبد على الله ويجوز أن يكون الحق بمعنى كمال القدرة وإحكام الصنعة، فتعلق بخلق، وتم مقول قل فى قوله بالحق. {ويَومَ يقُول كنْ فيكونُ قولُه الحقُّ} يوم متعلق بمحذوف وجوبا خبر مقدم، وقوله مبتدأ مؤخر، أى قوله الحق ثابت يوم يقول كن فيكون، ويوم بمعنى مطلق الزمان لا مقابل الليل ولا مجموع الليل والنهار، والنعت للمدح، فإن قوله أبدا حق أو للكشف لذلك، كقولك الجسم الآخذ حيزاً مركب، فإن الجسم أبدا آخذ حيزا، واسم الزمان يكون خبراً للمعانى، والقول معنى، وليس اليوم يوم القيامة، بل كل زمان يوم القيامة وغيره، وإن شئت قدرت الكون خاصاً، أى قوله الحق نافذ يوم يقول بما يشاء كن فيكون، وليس ذلك احترازاً عن يوم لا ينفذ فيه قوله، لأنه لا يصح ذلك، لأن قوله لا يكون إلا نافذاً قبل وجود الزمان وبعد وجوده، وكأنه قال: قوله الحق نافذ كل وقت يقول كن فيكون، وهذه الجملة الاسمية معطوفة على قوله: {هو الذى خلق السماوات والأرض بالحق} وكن مجاز عن سرعة التكوين، لا تكلم بالكاف والنون، ولا خلق لفظ كن فى الهواء أو فى شئ، وقد لا هواء ولا مخلوق، ومتعلق قل محذوف أى يوم يقول لشئ كن، فضمير يكون عائد إلى هذا الشئ المقدر. والمعنى هو الخالق للسماوات والأرض بالحق، وقوله الحق نافذ بسرعة فى كل ما توجهت إليه إرادة كونه، فإن قوله هو توجه إرادته إلى شئ حسبما قضى فى الأزل، وقيل: يوم مفعول به معطوف على السماوات لا ظرف، أى خلق السماوات والأرض، ويوم يقول لما أراد كونه كن فيكون، أى خلق ذلك اليوم، أى خلق لوقوع الأشياء زماناً، ولعله أراد بيوم يقول يوم القيامة، ويجوز عطفه على هاء اتقوه، فيكون بمعنى القيامة وهو مفعول به، أى اتقوا الله واتقوا يوم يقول كن فيكون، أى اعملوا لذلك اليوم، ويجوز أن يكون ظرفاً يتعلق مما يتعلق به بالحق، أى خلق السماوات والأرض قائما بالحق يوم يقول فيكون قائماً حالا مقدراً، أو يقدر المفعول من أجله يتعلق به بالحق، ويتعلق به يوم على ما مر فإذا عطفت يوم على السماوات أو على الهاء، أو علقته بما تعلق به بالحق فالمقول يقل تم فى قوله: فيكون وفاعل يكون عائد بمتعلق يقول، أى يقول لما أراد كونه كن فيكون، والذى أراد كونه هو حياة الموتى بالبعث، فيكون قوله مبتدأ والحق خبره، والجملة مستأنفة، وقوله فاعل يكون، أى ويوم يقول بقوله الحق كن فيكون قولهُ الحق. ومعنى قوله الحق مقضية الحق أو معلومة، وهو يوم القيامة أو كلما أراد، أو قوله الحق تقديره الشئ وقضاؤه فى الخارج، وإذا جعلنا قوله فاعل يكون، وعطفنا يوم على السماوات أو على الهاء، أو علقناه بما تعلق به بالحق كان تمام ما نصب بقل هو قوله الحق، ويجوز أن يكون تمامه هو قوله الخبير، ويجوز أن يكون يوم مفعولا به لمحذوف، أى واذكر يوم فيتم ما نصب بقل قبله، فيعطف اذكر على قل. {وله المُلْك يَومَ يُنفخُ فى الصُّور} قدم له للحصر، أى له لا لغيره الملك يوم النفخ، بخلاف الدنيا، فإن الفراعنة والجبابرة يدعون الملك بالباطل، وأيضا أعطى الله جل وعلا العوارى يوم يتعلق بما يتعلق به له، أو بله لنيابته عنه، وفى الصُّور نائب فاعل ينفخ، والصور قرنه دارته كدارة السماوات والأرض، وضع فيه إسرائيل فيه من حين خلق ينتظر متى يؤذن له فى النفخ، والمراد فى الآية نفخة البعث، قال تعالى: {أية : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام} تفسير : ومن قبلها نفخة الموت، ومن قبل هذه نفخة الفزع، وهو كالبوق يجمع فيه الأرواح فينفخ فيه فتذهب الروح إلى جسدها فيحيا، وذلك بين السماء، ويوم بمعنى مطلق الزمان لا مقابل والأرض عند ابن مسعود، وقيل على صخرة المقدس فتجيبه الأجساد إلى بيت أنفسها المبلغ لا مجموع الليل والنهار، ويجمع هذا المراد فى العموم على الصخر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: "حديث : جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال:قرن ينفخ فيه" تفسير : هذا قول الجمهور وبه قال الحسن ومقاتل. {عالمُ الغيبِ والشَّهادة} أى هو عالم الغيب والشهادة، فلا يفوت عمل عامل يوم الجزاء {وهُو الحَكيمُ} فى كل ما يفعل {الخَبيرُ} العليم بدقائق الأمور، وكل ما يفعلونه، وهذه الجملة كالنتيجة لكمال قدرته حتى قدر البعث، وكمال علمه حتى شمل الغيب.
اطفيش
تفسير : {وَهوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} قائماً بالحق والحكمة، أَو الباء بمعنى اللام، أَى لإِظهار الحق فإِن صنعه دليل وحدانيته، فهو كقوله تعالى "أية : ربنا ما خلقت هذا باطلا" تفسير : [آل عمران: 191] وقوله "أية : وما خلقنا السماوات والأَرض وما بينهما لاعبين" تفسير : [الدخان: 38] وقالت المعتزلة أَن معنى قوله بالحق أَنه واقع على وفق مصالح العباد المكلفين، مطابق لمنافعهم، ومذهبنا ومذهب الأَشاعرة أَن فعل الله لا يختص بمصلحتهم {وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُون} واذكر يوم يقول للخروج من القبور كن فيكون، أَو يقول لكل ما يكون فى اليوم الآخر كن فيكون، أَو يوم يقول للنفخ فى الصور كن فيكون، لا يوم يكون الصور؛ لأَن الصور موجود من أَول الدنيا، قيل: أَو يوم يقول لهذا اليوم كن فيكون هذا اليوم، أَى اذكر يوماً سيكون بإِذن الله تعالى، والكون تام وفيه اتحاد اليوم ووقت القول، وهو لا يتجه إِلا أَن يراد باليوم المذكور فى الآية وقتاً متصلا بيوم البعث قبله، أَو ثابتاً بالحق يوم ينفخ، أَو خلق السماوات والأَرض، وخلق يوم يقول عطف على السماوات أَو الأَرض أَو عطف على الهاء أَى واتقوا يوم يقول، والمراد بقول كن توجه الإِرادة الأَزلية إِلى وجود شىء {قَوْلُهُ الحَقُّ} مبتدأ وخبر، أَو مبتدأَ خبره يوم يقول، والحق نعته، أَو الحق فاعل يكون، أَو مبتدأَ خبره يوم ينفخ {وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّور} ثبت له الملك يوم ينفخ فى الصور نفخة الموت، وأَما قبله فلغيره أَملاك بحسب الظاهر، لكن الملك له تعالى بالحقيقة، ويوم القيامة لا مدعى للملك ويختص بالله عز وجل، كقوله عز وجل "أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار"تفسير : [غافر: 16] أَو يوم بدل عن يوم، أَو يتعلق بتحشرون، أَو بالملك أَو بيقول، أَو بالحق الثانى، أَو بقوله {عَالِمُ الغَيْبِ} ذى الغيب أَو الغائب أَى ما غاب من الخلق أَو عن بعضهم مما مضى أَو يأْتى أَو وجد من الدنيا والآخرة، وملك النفخ واحد على المشهور، وفيه كلام بسيط، وفى البزار والحاكم عن أَبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أَن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان تفسير : {وَالشَّهَادَةِ} ذى الحضور، أَو الحاضر أَى هو عالم الغيب والشهادة، أَو فاعل ليقول أَو لينفخ محذوفاً مبنياً للفاعل دل عليه المذكور المبنى لمفعول كقوله: ليْبكَ يزيد ضارع لخصومة. بالبناء للمفعول ورفع يزيد، كأَنه قيل من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع، وقوله تعالى: "أية : يسبح له فيها بالغدو والأَصال رجال " تفسير : [النور: 36 - 37] فى قراءة البناء للمفعول، كأَنه قيل: من يسبح له؟ بالبناء للفاعل. فقال: يسبح له رجال، وقوله شركاؤهم فى قراءة بناء زين لمفعول ورفع قتل، كأَنه قيل: من زينه؟ فقال: زينه شركاؤهم، ومعنى كون الله نافخاً آمر بالنفخ، وهذا الوجه ضعيف لأَنه لم يرد التوقيف بأَنه تعالى نافخ حقيقه حاشاه، أَو مجازاً، خلافاً لمن أَجاز الاسم إِذا ورد الفعل كقوله ضحاها، ودحاها، ونفخنا فيه، ونفخنا فيها، أَو المراد نفخة الموت، أَو نفخة البعث، وقبلها نفخة الدهش، وفي الصور نائب فاعل ينفخ، والصور جمع صورة، أَو اسم جمع، يجمع الله جسد كل ميت ويرده فى صورته، ويأْمر الملك بالنفخ، ولا يعترض على هذا بقوله عز وجل، "أية : ثم نفخ فيه أخرى"تفسير : [الزمر: 68] بتذكير ضميره؛ لأَن ما مفرده بالتاء يجوز تذكيره لكن الأَولى أَنه مفرد، جسم مستطيل كقرن الحيوان يجمع الله سبحانه فيه الأَرواح لورود الحديث به أَنه جسم مستطيل فيه ثقب بعدد الأَرواح، قال أَعرابى: ما الصور؟ قال صلى الله عليه وسلم: حديث : قرن ينفخ فيهتفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم لأَصحابه: "حديث : كيف أَنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأَصغى سمعه ينتظر أَن يؤمر فينفخ. فكأَن ذلك ثقل عليهم، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟ وكيف نقول؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وعلى الله توكلنا"تفسير : . ثم رأَيت ما قلته سابقاً قول الحسن ومقاتل وأَبى عبيدة {وَهُوَ الحَكِيمُ} صاحب الحكمة فى خلقه المصيب فى أَفعاله {الْخَبِيرُ} العالم بباطن الأَشياء كظاهرها، فهذا جامع لما تقدم وهو كفذلكة الحساب لما قبلها، ولما أَنكر على قريش عبادة مالا يضر ولا ينفع احتج عليهم بأَن إِبراهيم عليه السلام الذى هو أبوكم وتدعون أَنكم على ملته لا يعبد إِلا الله ولا يعرف سواه، فقال: {وَإِذْ} مفعول لا ذكر محذوفاً معطوفاً على قل، أَى قل لهم أَندعو، اذكر إِذ {قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} تارخ بالخاء المعجمة فى التوراة كما فى تاريخ البخارى الذى أَلفه فى المدينة إِلى ضوء القمر، وبالمهملة عند بعض، وقيل تيرح، آزر اسم، وتارخ بالمعجمة لقب، أَو بالعكس، والأَول أَولى لما روى أَنه كان يعبد صنماً اسمه آزر فسمى به، كقوله تعالى: "أية : يوم ندعو كل أناس بإِمامهم"تفسير : [الإِسراء: 71]، وقدر بعض لأبيه عابد آزر، وقيل: آزر صنم مفعول لمحذوف، أَى أَتعبد آزر، وقرره بقوله بعد ذلك {أتتخذ أَصناماً} إِلخ، وأَبو إِبراهيم سمى ذلك الصنم آزر، ويقال: إِبراهيم بن تارح بن ناحور بن ساروغ ابن أَرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن فينان بن أَدفخشد بن سام ابن نوح، وقيل: اسمه تارخ، ولما كان مع نمرود قيما على خزائن آلهته سماه آزر، والقيم على الخزانة يقال له فى لغتهم آزر، وهو كوثى بضم الكاف، قرية فى سواد الكوفة، وآزر عطف بيان أَو بدل، أَو نصب على الذم، ومنع الصرف للعلمية والعجمة، ووزنه أَفعل أَو فاعل بفتح العين، أَو هو من الأَزر أَو الوزر، فمنع للعلمية ووزنه الفعل، وهو أَفعل، أَو أَصله المخطئ أَو المعوج أَو الهرم، وجعل علما وليس نعتاً فمنع أَيضاً للعلمية ووزن الفعل وهو أَفعل {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} توبيخ على عبادة الأَصنام وإِنكار للياقتها، وكان من كنعان وهم معتقدون لإلهية النجوم فى السماء، وإِلهية الأَصنام فى الأَرض يجعلون للنجوم صنما يعبدونه فيشفع لهم إِلى النجم فيقضى لهم، وجميع أَجداد النبى صلى الله عليه وسلم، منزهون عن عبادة الأَصنام، ومن عبدها منهم عبدها بعد أَن خرج صلى الله عليه وسلم منه، فلا حاجة إِلى دعوى أَن آزر جده ولو كان الجد أَبا، ولا إِلى دعوى أَن آزر عمه والعم يسمى أبا كما فى الحديث، وأَن أَباه مؤمن، وجاءَ أَن العم أَب فى قوله تعالى "أية : أَم كنتم شهداءَ إِذا حضر يعقوب الموت"تفسير : [البقرة: 133] إِلى أَن قال "أية : وإِسماعيل" تفسير : [البقرة: 133] وهو عمه لا أَبوه ولا جده ومع ذلك أَدخله فى الآباء، قال محمد بن كعب: الخال والد والعم والد، وتلا هذه الآية، قال صلى الله عليه وسلم فى العباس: "حديث : ردوا على أَبى"تفسير : ، ذلك كله صحيح لا بأْس به لقيام الدليل، وأَما آزر فأَى دليل على تفسيره بالعم حتى يخرج عن ظاهر الآية، وأَما قوله: {ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين} [إبراهيم: 41]، فقد قال الله عز وجل فيه "أية : وما كان استغفار إِبراهيم لأَبيه إِلا عن موعدة وعدها إِياه"تفسير : [التوبة: 114] الآية..وأَما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم أَزل أُنقل من أَصلاب الطاهرين إِلى أَرحام الطاهرات" تفسير : فالمراد فيه الطهارة من الزنى، وإِن زنى بعض فبعد خروجه صلى الله عليه وسلم منه، وجاءَ الحديث: "حديث : ولدت من نكاح فى جميع نسبى كنكاح الإِسلام"تفسير : ، وأَما قوله "أية : وتقلبك فى الساجدين" تفسير : [الشعراء: 219] فالمراد فيه طوافه على أَصحابه ليلا وهم يصلون ليرى حالهم، أَو سجوده فى الصلاة بهم، أَو معهم، أَو نظره فيمن يصلى خلفه، والصنم ما يتخذ من خشب أَو حجارة أَو حديد أَو نحاس أَو ذهب أَو فضة، أَو غير ذلك على صورة الإِنسان {إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ} الذى اجتمعت معهم فى اتخاذ الأَصنام آلهة {فِى ضَلاَلٍ} عن الحق الإِلهى وعما يقتضيه العقل {مُبِينٍ} ظاهر الضلالة. قيل: الجملة مجرد إِرشاد لا توبيخ وتعيير لئلا يكون قد أَساءَ الأَدب مع أَبيه، نعم هى تعليل للإِنكار والتوبيخ فى قوله: أَتتخذ، حتى أَنه قيل: لو كان أَباه لو يغلظ، فالتغليظ دليل أَنه ليس أَباه، وفيه أَن العم يعامل بما يقرب من التغليظ لا بالتغليظ، وفيه: أَنه لا بأْس بمثل هذا التوبيخ والتعيير فى اللفظ، وليس هذا تغليظ موصولا إِلى الجفاء والنفرة، وأَيضاً إِبراهيم حكيم، ولعله ظهر له أَن الكلام الشديد يؤثر فيه والغيب لله عز وجل، قال المعرى: شعر : اضرب وليدى وأُدلـله على رشدى ولا تقل هو طفل غيـر محتلـــم فرب شق برأس جر منفعـــة وقس على شق رأس السهم والقلم تفسير : فقد وبخ وعير بقوله: أَتتخذ أَصناماً آلهة، والرؤية بصرية، إِذ رأَى بعينه جوارحه تكسب ما هو معصية، أَو هى علمية.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي هذين الأمرين العظيمين. ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضاً، وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات. وقوله سبحانه: {بِٱلْحَقّ } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل {خلق} أي قائماً بالحق، ومعنى الآية حينئذ كما قيل كقوله تعالى: { أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } تفسير : [ص: 27] وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي متلبسة بالحق، وأن يكون صفة لمصدر الفعل المؤكد أي خلقاً متلبساً بالحق. {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} تذييل لما تقدم؛ والواو للاستئناف. واليوم بمعنى الحين متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً و {قَوْلُهُ} مبتدأ و {ٱلْحَقّ} صفته، والمراد بالقول المعنى المصدري أي القضاء الصواب الجاري على وفق الحكمة فلذا صح الإخبار عنه بظرف الزمان أي وقضاؤه سبحانه المعروف بالحقية كائن حين يقول سبحانه لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء وتقديم الخبر للاهتمام بعموم الوقت كما قيل، ونفى السعد كونه للحصر لعدم مناسبته وجعل التقديم لكونه الاستعمال الشائع. وتعقب بأن المعروف الشائع تقديم الخبر الظرفي إذا كان المبتدأ نكرة غير موصوفة أو نكرة موصوفة أما إذا كان معرفة فلم يقله أحد. وقيل: إن {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } مبتدأ وخبر و {يوم} ظرف لمضمون الجملة والواو بحسب المعنى داخلة عليها والتقديم للاعتناء به من حيث إنه مدار الحقية، وترك ذكر المقول له للثقة بغاية ظهوره. والمراد بالقول كلمة {كن} تحقيقاً أو تمثيلاً. والمعنى وأمره سبحانه المتعلق بكل شيء يريد خلقه من الأشياء حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي المشهود له بالحقية، وقيل: إن الواو للعطف و {يوم} إما معطوف على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ } فهو مفعول لخلق مثله، والمراد به يوم الحشر أي وهو الذي أوجد السماوات والأرض وما فيهما / وأوجد يوم الحشر والمعاد، وإما على الهاء في { أية : وَٱتَّقُوهُ } تفسير : [الأنعام: 72] فهو مفعول به مثله أيضاً، والكلام على حذف مضاف أي اتقوا الله تعالى واتقوا هول ذلك اليوم وعقابه فزعه. وإما متعلق بمحذوف دل عليه {بِٱلْحَقّ} أي يقوم بالحق يوم الخ، وهو إعراب متكلف كما قال أبو حيان. وقيل: إنه معطوف على {بِٱلْحَقّ} وهو ظرف لخلق أي خلق السماوات والأرض بعظمها حين قال كن فكان. والتعبير بصيغة الماضي إحضار للأمر البديع. وفيه أنه يتوقف على صحة عطف الظرف على الحال بناء على أن الحال ظرف في المعنى وهو تكلف. و {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} مبتدأ وخبر أو فاعل (يكون) على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون. والمراد به حين يكوِّن الأشياء ويحدثها أو حين يقوم القيامة فيكون التكوين إحياء الأموات للحشر وقيل غير ذلك فتدبر. {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ} أي استقر الملك له في ذلك اليوم صورة ومعنى بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا المصححة للمالكية في الجملة فلا يدعيه غيره بوجه. والصور قرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث والله تعالى أعلم بحقيقته. وقد فصلت أحواله في «كتب السنة». وصاحبه إسرافيل عليه السلام على المشهور. وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً أن ملكين موكلين بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان. وقرأ قتادة «في الصور» جمع صورة والمراد بها الأبدان التي تقوم بعد نفخ الروح فيها لرب العالمين. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي كل غيب وشهادة {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في كل ما يفعله {ٱلْخَبِيرُ} بجميع الأمور الخفية والجلية. والجملة تذييل لما تقدم وفيه لف ونشر مرتب. هذا ومن باب الاشارة في الآيات {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}. اعلم أن بعض ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ذكروا أن للغيب مراتب، أولاها غيب الغيوب وهو علم الله تعالى المسمى بالعناية الأولى. وثانيتها غيب عالم الأرواح وهو انتقاش صورة كل ما وجد وسيوجد من الأزل إلى الأبد في العالم الأول العقلي الذي هو روح العالم المسمى بأم الكتاب على وجه كلي وهو القضاء السابق. وثالثتها غيب عالم القلوب وهو ذلك الانتقاش بعينه مفصلاً تفصيلاً علمياً كلياً وجزئياً في عالم النفس الكلية التي هي قلب العالم المسمى باللوح المحفوظ. ورابعتها غيب عالم الخيال وهو انتقاش الكائنات بأسرها في النفوس الجزئية الفلكية منطبعة في اجرامها معينة مشخصة مقارنة لأوقاتها على ما يقع بعينه. وذلك العالم هو الذي يعبر عنه بالسماء الدنيا إذ هو أقرب مراتب الغيوب إلى عالم الشهادة ولوح القدر الإلٰهي الذي هو تفصيل قضائه سبحانه، وذكروا أن علم الله تعالى الذي هو العناية الأولى عبارة عن إحاطته سبحانه بالكل حضوراً فالخزائن المشتملة على جميع الغيوب حاضرة لذاته وليس هناك شيء زائد ولا يعلمها إلا هو سبحانه. وكذا أبواب تلك الخزائن مغلقة ومفاتيحها بيده تعالى لا يطلع على ما فيها أحد غيره عز وجل وقد يفتح منها ما شاء لمن يشاء. هذا وقد يقال: حقق كثير من الراسخين في العلم أن حقائق الأشياء وماهياتها ثابتة في الأزل وهي في ثبوتها غير مجعولة وإنما المجعول الصور الوجودية وهي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتصف بالهلاك أصلا كما يشير إليه قوله تعالى: { أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] بناء على عود الضمير إلى الشيء وتفسير الوجه بالحقيقة وعلم الله تعالى بها حضوري وهي كالمرايا لصورها الحادثة فتكون تلك الصور مشهودة لله تعالى أزلاً مع عدمها في نفسها ذهناً وخارجاً، وقد بينوا انطواء العلم بها في العلم بالذات بجميع اعتباراته التي منها كونه سبحانه مبدأ / لإفاضة وجوداتها عليها بمقتضى الحكمة فيمكن أن يقال: إن المفاتح بمعنى الخزائن إشارة إلى تلك الماهيات الأزلية التي هي كالمرايا لما غاب عنا من الصور وتلك حاضرة عنده تعالى أزلا ولا يعلمها علماً حضورياً غير محتاج إلى صورة ظلية إلا هو جل وعلا، وهذا ظاهر لمن أخذت العناية بيده. {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ } أي بر النفوس من ألوان الشهوات ومراتبها {وٱلْبَحْرِ} أي بحر القلوب من لآلىء الحكم ومرجان العرفان. {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} من أوراق أشجار اللطف والقهر في مهيع النفس وخصم القلب {إِلاَّ يَعْلَمُهَا } في سائر أحوالها. {وَلاَ حَبَّةٍ} من بذر الجلال والجمال {فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ} وهو عالم الطبائع والأشباح {وَلاَ رَطْبٍ} من الإلهامات التي ترد على القلب بلطف من غير انزعاج {وَلاَ يَابِسٍ } من الوساوس والخطرات التي تفزع منها النفس حين ترد عليها{أية : إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59] وهو علمه سبحانه الجامع، وبعضهم لم يؤول شيئاً من المذكورات وفسر الكتاب بسماء الدنيا لتعين هذه الجزئيات فيها، ويمكن أن يقال إن الكتاب إشارة إلى ماهيات الأشياء وهي المسماة بالأعيان الثابتة، ومعنى كونها فيها ما أشرنا إليه أن تلك الأعيان كالمرايا لهذه الموجودات الخارجية {وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ} أي ينيمكم وقيل: يتوفاكم بطيران أرواحكم في الملكوت وسيرها في رياض حضرات اللاهوت. وقيل: يمكن أن يكون المعنى وهو الذي يضيق عليكم إلى حيث يكاد تزهق أرواحكم في ليل القهر وتجلي الجلال {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم} أي كسبتم {بِٱلنَّهَارِ} من الأعمال مطلقاً، وقيل من الأعمال الشاقة على النفس المؤلمة لها كالطاعات. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ويعلم ما كسبتموه بنهار التجلي الجمالي من الأنس أو شوارد العرفان {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أي فيما جرحتم من صور أعمالكم ومكاسبكم الحسنة والقبيحة، وقيل الحسنة، وقيل فيما كسبتموه في نهار التجلي، وأول الأقوال هنا وفيما تقدم أولى {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى} أي معين عنده {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} في عين الجمع المطلق{أية : ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 60] بإظهار صور أعمالكم عليكم وجزائكم بها {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} لأنه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق وله الظهور حسبما تقتضيه الحكمة ولا تقيده المظاهر { أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } تفسير : [البروج: 20]. {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} وهي القوى التي ينطبع فيها الخير والشر ويصير هيئة أو ملكة ويظهر عند انسلاخ الروح ويتمثل بصور مناسبة أو القوى السماوية التي تنتقش فيها الصور الجزئية ولا تغادر صغيرة ولا كبيرة {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}تفسير : [الأنعام: 61] قيل: هم نفس أولئك الحفظة وقد أودع الله تعالى فيهم القدرة على التوفي {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} في عين الجمع المطلق {مَوْلَـٰهُمُ} أي مالكهم الذي يلي سائر أحوالهم إذ لا وجود لها إلا به {ٱلْحَقّ} وكل ما سواه باطل. وذكر بعض أهل الإشارة أن هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى بناء على أن الله تعالى أخبر برجوع العبد إليه سبحانه وخروجه من سجن الدنيا وأيدي الكاتبين واصفاً نفسه له بأنه مولاه الحق المشعر بأن غيره سبحانه لا يعد مولى حقاً، ولا شك أنه لا أعز للعبد من أن يكون مرده إلى مولاه { أية : أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } تفسير : [الأنعام: 62] إذ ظهور الأعمال بالصور المناسبة آن مفارقة الروح للجسد. {قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ } وهي الغواشي النفسانية {وَٱلْبَحْرِ } وهي حجب صفات القلب {تَدْعُونَهُ } إلى كشفها {تَضَرُّعًا } في نفوسكم {وَخُفْيَةً } في أسراركم {لَّئِنْ أَنجَـٰنَا مِنْ هَـٰذِهِ } الغواشي والحجب { أية : لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 63] نعمة الإنجاء بالاستقامة والتمكين {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا } بأنوار تجليات صفاته {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} سوى ذلك بأن / يمن عليكم بالفناء {ثُمَّ أَنتُمْ} بعد علمكم بقدرته تعالى على ذلك { أية : تُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 64] به أنفسكم وأهواءكم فتعبدونها {قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } بأن يحجبكم عن النظر في الملكوت أو بأن يقهركم باحتجابكم بالمعقولات والحجب الروحانية {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} بأن لا يسهل عليكم القيام على باب الربوبية بنعت الخدمة وطلب الوصلة أو بأن يحجبكم بالحجب الطبيعية {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} فرقاً مختلفة كل فرقة على دين قوة من القوى تقابل الفرقة الأخرى أو يجعل أنفسكم مختلفة العقائد كل فرقة على دين دجال { أية : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } تفسير : [الأنعام: 65] بالمنازعات والمجادلات حسبما يقتضيه الاختلاف {لّكُلّ نَبَإٍ} أي ما ينبأ عنه {مُّسْتَقِرٌّ} أي محل وقوع واستقرار { أية : وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الأنعام: 67] حين يكشف عنكم حجب أبدانكم {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَـٰتِنَا} بإظهار صفات نفوسهم وإثبات العلم والقدرة لها { أية : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 68] لأنهم محجوبون مشركون {وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ} وهم المتجردون عن صفاتهم {مِنْ حِسَابِهِم} أي من حساب هؤلاء المحجوبين {مّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ} أي فليذكروهم بالزجر والردع { أية : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأنعام: 69] يحترزون عن الخوض. وجوز أن يكون المعنى أن المتجردين لا يحتجبون بواسطة مخالطة المحجوبين ولكن ذكرناهم لعلهم يزيدون في التقوى {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} أي اترك الذين عادتهم اللعب واللهو الخ فإنهم قد حجبوا بما رسخ فيهم عن سماع الإنذار وتأثيره فيهم {وَذَكّرْ بِهِ} أي بالقرآن كراهة {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} أي تحجب بكسبها بأن يصير لها ملكة أي ذكر من لم يكن دينه اللعب واللهو لئلا يكون دينه ذلك وأما من وصل إلى ذلك الحد فلا ينفعه التذكير {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ} وهو شدة الشوق إلى الكمال { أية : وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [الأنعام: 70] وهو الحرمان عنه بسبب الاحتجاب بما كسبوا {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} أي أَنعبد من ليس له قدرة على شيء أصلاً إذ لا وجود له حقيقة {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا} بالشرك {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ } إلى التوحيد الحقيقي {كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} من الوهم والتخيل {فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض الطبيعة ومهامه النفس {حَيْرَانَ} لا يدري أين يذهب {لَهُ أَصْحَـٰبٌ} من الفكر والقوى النظرية {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} الحقيقي يقولون {ٱئْتِنَا} فإن الطريق الحق عندنا وهو لا يسمع {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } وهو طريق التوحيد {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وغيره غيره { أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنعام: 71] بمحو صفاتنا {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ} الحقيقية وهو الحضور القلبي. قال ابن عطاء: إقامة الصلاة حفظها مع الله تعالى بالأسرار {وَٱتَّقُوهُ} أي اجعلوه سبحانه وقاية بالتخلص عن وجودكم { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 72] بالفناء فيه سبحانه {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي سماوات الأرواح {وٱلأَرْضِ} أي أرض الجسم {بِٱلْحَقّ} أي قائماً بالعدل الذي هو مقتضى ذاته {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } وهو وقت تعلق إرادته سبحانه القديمة بالظهور في التعينات {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } لاقتضائه ما اقتضاه على أحسن نظام وليس في الإمكان أبدع مما كان {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } وهو وقت إفاضة الأرواح على صور المكنونات التي هي ميتة بأنفسها بل لا وجود لها ولا حياة. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } أي حقائق عالم الأرواح ويقال له الملكوت {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي صور عالم الأشباح ويقال له الملك {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } الذي أفاض على القوابل حسب القابليات { أية : ٱلْخَبِيرُ } تفسير : [الأنعام: 73] بأحوالها ومقدار قابلياتها لا حكيم غيره ولا خبير سواه.
الواحدي
تفسير : {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} أَيْ: بكمال قدرته، وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكلُّ ذلك حقٌّ {ويوم يقول} واذكر يا محمَّد يوم يقول للشَّيء {كن فيكون} يعني: يوم القيامة، يقول للخلق انتشروا فينتشرون.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 73- وهو الله وحده الذى خلق السموات والأرض، وأقام خلقهما على الحق والحكمة، وفى أى وقت تتجه إرادته سبحانه إلى إيجاد شئ يوجد فوراً، يوجد الأشياء بكلمة: "كن"، وكل قول له هو الصدق والحق، وله وحده التصرف المطلق يوم القيامة، حين يُنْفَخ فى البوق إيذاناً بالبعث، وهو سبحانه الذى يستوى فى علمه الغائب والحاضر، وهو الذى يتصرف بالحكمة فى جميع أفعاله، والذى يحيط علمه ببواطن الأمور وظواهرها. 74- واذكر - أيها النبى - ما كان، حين قال إبراهيم لأبيه آزر، منكراً عليه عبادة غير الله: ما كان لك أن تجعل الأصنام آلهة؟ إنى أراك وقومك الذين يشاركونك فى هذه العبادة فى بُعْدٍ واضح عن طريق الحق. 75- وكما رأى إبراهيم - بتوفيقنا - ضلال أمته وقومه فى تأليه الأصنام نريه مُلكنا العظيم للسموات والأرض وما فيهما، ليقيم الحُجة على قومه، وليزداد إيماناً. 76- طلب إبراهيم ربه، فهداه الله، إذ ستر الليل وجه النهار بظلمته، فرأى نجماً متألقاً، قال: هذا ربى. فلما غاب، قال مبطلا لربوبية النجم: لا أقبل عبادة الآلهة الزائلين المتغيرين!. 77- وحين رأى القمر طالعاً بعد ذلك قال محدثاً نفسه: هذا ربى. فلما غاب هو الآخر، وظهر بطلان ربوبيته، قال ليوجه نفوسهم إلى التماس الهداية: أقسم إن لم يهدنى ربى إلى الحق لأكونن من القوم الحائرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {عَالِمُ} {ٱلشَّهَادَةِ} (73) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحِكْمَةِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ، وَلَمْ يَخْلُقْها عَبَثاً وَبَاطِلاً، فَهُوَ لاَ يَتْرُكُ النَّاسَ سُدًى، بَلْ يَجْزِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، فَهُوَ خَالِقُهَا وَمَالِكُهَا، وَالمُدَبِّرُ لَهَا وَلِمَنْ فِيهَا. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: كُنْ فَيَكُونُ كُلُّ شَيءٍ عَنْ أَمْرِهِ كَلَمْحِ البَصَرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى الحَقُّ؛ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ الحَشْرِ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ (وَالصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ فَيُحْدِثُ صَوْتاً) فَيُبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ، وَيُحْشَرُ الخَلْقُ جَمِيعاً إِلى اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَهُوَ الحَكِيمُ الذِي يَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَهُوَ الخَبِيرُ بِدَقَائِقِهَا وَخَفَايَاهَا. الغَيْبِ - مَا غَابَ عَنِ النَّاسِ مِمَّا لاَ يَرَوْنَهُ. الشَّهَادَةِ - مَا شَاهَدَ النَّاسَ خَلْقَهُ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: المَقْصُودُ بِالغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُنَا السِّرُّ وَالعَلَنُ). الصُّورِ - قَرْنٍ إذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً وَحِينَ يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ يَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وما دام الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير فلننظر إلى خلق السماء والأرض، يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} تفسير : [فاطر: 41] وحين ننظر إلى الأفق نجد السماء من غير عمد، وهذه مسألة عجيبة، ولذلك يقول سبحانه: {أية : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الرعد: 2] وهنا يقول الحق: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وذلك حتى نعرف أن خلق السموات والأرض ليست عملية سهلة وهو سبحانه القادر؛ إنّه خلقك أنت بخلق عجيب، وأعجب منه خلق السموات والأرض، فهو القائل: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وحين ينظر الإنسان في تكوينه يجد أشياء عجيبة، ويتحقق من قول الله: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] وحين تتأمل السماء والأرض تجد دقة الخلق، فكأنه سبحانه قد جعل نفسك مقياساً، إنك ستعلم أحوالها تباعاً وأنك سَتُهْدَي مع الأيام، إلى سر جديد في هذه النفس، هذا السر لم يعرفه الأولون، لكنك حين تتقدم في البحث العلمي وآلات السبر وآلات الاختبار تتعرف وتكتشف هذا الجديد. مثال ذلك ما يسمى بالاستطراق، وكلنا رأينا الأواني المستطرقة التي نضع فيها سائلا ينفذ في أنابيب متعرجة وأخرى مستقيمة، فيرتفع السائل فيها بمستوى واحد وهو ما نسميه بظاهرة الاستطراق، وهناك استطراق مائي، ويوجد أيضاً حراري، ويتمثل الاستطراق الحراري حين نأتي بالمدفأة في الشتاء ونجلس في الغرفة، ونشعر بالحرارة التي تشع من المدفأة، وأنت تجد نفسك محتفظاً بدرجة حرارتك العادية وهي سبع وثلاثون درجة. ومن العجيب أنها تتساوى في البشر جميعاحتى في القطب الشمالي والقطب الجنوبي!! فلماذا لم تستطرق درجة حرارتك مع الجو؟ ولماذا لم يأخذ الجو البارد من حرارتك لتتساوى درجات الحرارة؟. إن ذلك يثبت أن ذلك ذاتية تجعلك وحدة مستقلة عن الكون الذي تحيا فيه، وتظل درجة حرارتك عند خط الاستواء 37 درجة، وفي القطبين 37 درجة، هذا عجيب، والأعجب من ذلك أن أجزاء جسمك المختلفة تختلف فيها درجة الحرارة، فلو أن درجة حرارة العين 37 درجة لانصهرت؛ لذلك تجد أن درجة حرارة العين تسع درجات فقط، وهناك الكبد الذي تبلغ درجة حرارته أربعين درجة، وكل أعضاء جسمك وهي مجموعة في شكل واحد ومع ذلك لا تستطرق فيها درجة الحرارة. ولذلك قال الحق: {وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}. ومثال آخر من عملية التنفس، فحين تدخل ذرة من غبار في مجرى النفس نجد السعال قد هاجم الإنسان ليطرد هذه الذرة وتجد أنك قد سعلت قسراً إلى أن تطرد هذه الذرة، فهل أنت سعلت بقرار منك؟ لا، بل هو عمل لا إرادي خاضع لنظام دقيق لا يمكن أن يصممه إلا خالق له مطلق الحكمة، وعلى سبيل المثال نجد الكبد محوطا بتغليفات متتابعة ليحتفظ بحرارته التي تبلغ أربعين درجة؛ لأنه لا يؤدي مهمته إلا عند هذه الدرجة. وكذلك نجد أنّ الأذن هي أطول عضو يشعر بالبرودة؛ لأن درجة حرارتها قليلة، وهكذا أراد الصانع الأعلى. كما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} [الأنعام: 73] لقد خلق الحق السمٰوات والأرض بقوانين ثابتة لا تتغير إلا بمشيئته، فهو القائل: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] فيامَنْ تريد النظام دليلاً على حكمة الخالق الموجد خذها في النظام الأعلى. ويا من تريد الشذوذ دليلاً على سيطرة الحق فوق الميكانيكية، خذها في الأفراد؛ لأنه لو حصل شذوذ في الكون الأعلى لفسدت السموات والأرض، لكن عندما يوجد أعمى واحد من ألف إنسان، فلا يحدث خلل في الكون، ولذلك نجد الشذوذ إنما يأتي فيما فيه عوض، والنظام يأتي فيما في تركه فساد، كما يقول سبحانه: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} [الأنعام: 73] وبذلك نرى الإيجاد الأول بالحق، وأيضاً حين يهدم سبحانه السماء والأرض وينهي الدنيا ويزيلها، فتمور السماء، والكواكب تنتثر وتتساقط؛ فإن ذلك يحدث أيضاً بالحق، فليس الخلق والإيجاد وحده دليلاً على عظمة الخالق بل إنهاء الخلق وإفناؤه وإزالته أيضاً دليل عظمة؛ لأنه سبحانه قال في البدء: "كن" فكان الكون، وفي النهاية يقول: "كن" فيكون إنهاء الخلق ليعطي للمحسن جزاء إحسانه، ويحاسب المسيء؛ لأن المحسن قد يشقى بإحسانه طول عمره، ولا بد له من ثواب، والمسيء لن يأخذ راحته بل يأخذ عقاباً. فمن الخير والعظمة أن تنتهي الحياة ليأتي يوم الحساب لينال كلٌُّ جزاءه. إذن فخلق السموات والأرض حق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق، فالحق في الإيجاد والحق في الإعدام، إنّه حاصل في بدء الخلق، وفي نهايته. {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 73] وهل كان الملك يوماً لغير الله؟ في هذا المقام علينا أن ننتبه إلى أن فيه ملْكاً، ويقال لصاحبه مالك، وفيه مُلك ويقال لصاحبه ملك. والملك ما تملكه؛ فقد تملك جلبابك الذي ترتديه. أما المُلْك فهو أن تملك من يَمْلك، فهذا اسمه مُلْك، وربنا سبحانه وتعالى في دنيا الأسباب جعل لكل واحد منا ملكاً، وجعل لبعض علينا مُلكاً فبقوا ملوكاً، لكن في الآخرة لا يوجد شيء من هذا، لذلك يقول الحق: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16] وفي الدنيا قد تملك مثلاً أن توظفني عندك وتعطيني أجراً، وقد تملك أنك تطبخ لي طعامي أو تعطيني طعاماً، أو تملك أنك تخيط جلبابي، لكن في الآخرة لا يملك أحد لأحد سبباً؛ لأننا نحيا في الدنيا بالأسباب التي منحنا الله إياها، وفي الآخرة بالمسبب وحده دون أسباب. {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} ولو سلسلتها قبل أن ينفخ في الصور تجد الملك أيضاً لله ولكن بوسائط؛ لأن الحق سبحانه وتعالى جعل الأرض أرض معاش، وهناك الآخرة إنّها أرض معاد، لذلك قال: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 48] والأرض التي نحيا عليها مخلوقة لنستعمرها، ونحرث جزءاً منها لنزرعه، ونبني بيوتاً على جزء آخر، وهكذا تكون المسألة كلها أسبابا يتوافق بعضها مع بعض؛ فأنا لا أستطيع أن أحرث إلا بمحراث، وكذلك من يرغب في استخراج عنصر الحديد من الأرض يقيم منجماً، ومن يرغب في استخراج البترول يأتي بالآلات التي تستكشف أماكنه، ولا أحد يستطيع أن يملك كل أسباب حياته بل توجد في يده زاوية واحدة، وباقي الزوايا في أيدي بقية الخلق. وحين تسلسل الأسباب التي نحيا بها سنرجع للحق سبحانه وتعالى، فحين تنتهي يد المخلوق وأسبابه تضيق به فإن يد الخالق جلت قدرته مبسوطة إليه دائماً، وإياك أن تغرك الأسباب ولكن سلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى الله. ولو سلسلت كل ظاهرة من ظواهر الكون لوصلت إلى منطق الحق؛ فالطفل الصغير يرقب ظاهرة في البيت، هي زر في الحائط، عندما يضغطون عليه بأصبع واحد يضيء المصباح، فيقلدهم، وحين يراه أخوه الذي يدرس الإعدادية يقول له: لا تصدق أن الضوء يأتي من هذا الزر بل هناك سلك قادم من خارج المنزل يربط بين صندوق الكهرباء والمنازل، وحين يسمعهما من هو أعلى منهما علماً يشرح لهما أن الكهرباء الموجودة داخل هذا الصندوق قادمة من المولد الكبير الذي في موقع ما من المدينة، وقد صنعته المعامل والعقول حتى ينتهي الشرح فيصل إلى فكرة التيار المكهرب المستخلص من شلالات الأنهار مثلا. إذن فكل ظاهرة تراها أمامك وراءها حلقات غيبية لو سلسلتها لوصلت إلى الحق سبحانه وتعالى، وسبحانه قد احترم دنيانا وجعلنا نفهم أن بعضنا له مُلك، ولكن نقول لكل مَلِك: إن هذا المُلك ليس بذاتك؛ لأنه لو كان بذاتك لما سلبك أحد هذا المُلْك أبداً. وسبحانه القائل: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} تفسير : [آل عمران: 26] إذن فليس هناك من له المُلْك بذاته إلا الله. والحق يقول هنا: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 73]. ينفخ في الصور تفيد الإيذان بمقدم أمر ما، فبعد النفخة الأولى يموت من كان حيًّا، وبعد النفخة الثانية يصحو الموتى ويقومون. وكلمة {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} تشرح لنا أنه سبحانه ما دام عالم الغيب فمن باب أولى أنه يعلم المشهود. وهذا تعبير دقيق، وإنّه يعلم الغيب ويعلم الشهادة وعلمه يترتب عليه جزاء لا عن تحكم، ولكن عن حكمة. ويذيل الحق الآية بقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} والحكيم هو الذي يضع كل أمر في مكانه، والخبير هو من يعلم كل شيء بإحاطة تامة، وسبحانه ليس بحاجة إلى أن يظلم أحداً، لأن من يظلم إنما يريد أن ينتفع بالشيء الموجود لدى المظلوم، وربنا لا ينتفع بحاجة من هذه، بل ينفعنا جميعاً، ولذلك إذا نظرت إلى الإيمان تجده كله عزّة، وأنت تجد الناس تكره كلمة "عبودية"، وتقوم حروب من أجل تحرير البشر من عبودية البشر، أما عبودية بشر للحق فأمرها مختلف؛ لأن العبودية للبشر، نجد فيها أن السيد يأخذ خير عبده، ولكن العبودية لله نجد فيها أن العبد يأخذ خير سيده، وهكذا تكون العبودية لله عزّة، أما العبودية للبشر فهي ذلة. ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى قد امتن على نبيه بصفة العبودية فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1]. فقد أخلص صلى الله عليه وسلم العبودية لله، فأخذ من فيوضات الحق بما يناسب عبوديته. والحق سبحانه يوضح لكل عبد: نم ملء جفنيك؛ فأنا لا تأخذني سنة ولا نوم، وأنا قيوم، وإن احتجت مني إلى شيء ما فادعني وسأمد لك يد العون بما يناسبك، فهل في هذه العبودية لله شيء غير العزّة؟! ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} فالصُّورُ: القِرنُ، والصُّورُ: جَمعُ صُورةٍ.
الأندلسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} الآية، لما ذكر أنه تعالى إلى جزائه يحشر العالم وهو منتهى ما يؤول إليه أمرهم ذكر مبتدأ وجود العالم واختراعه له بالحق أي بما هو حق لا عبث فيه ولا هو باطل أي لم يخلقهما باطلاً ولا عبثاً، بل صدراً عن حكمة وصواب وليستدل بهما على وجود الصانع أن هذه المخلوقات العظيمة الظاهر عليها سمات الحدوث لا بد لها من صانع واحد عالم قادر مريد جلّ وتعالى. {وَيَوْمَ يَقُولُ} خبر المبتدأ وهو قوله: والحق، صفة والتقدير قوله: الحق كائن يوم يقول، كما تقول: اليوم القتال. و{كُن} معمول ليقول. و{فَيَكُونُ} خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو يكون وهذا تمثيل لإِخراج الشيء من العدم إلى الوجود وسرعته إلا أن ثمّ شيئاً يؤمر. {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} الملك مبتدأ وخبره المجرور قبله. ويوم: منصوب بما تعلق به الجار والمجرور، أي الملك كائن له. {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} كقوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16]. {عَٰلِمُ} خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو عالم. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} لما ذكر خلق الخلق وسرعة إيجاده لما يشاء وتضمن البعث إفناءهم قبل ذلك ناسب ذكر الوصف بالحكيم، ولما ذكر أنه عالم الغيب والشهادة ناسب ذكر الوصف بالخبير، إذ هي صفة تدل على علم ما لطف إدراكه من الأشياء. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} الآية، لما ذكر بقوله: {أية : قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} تفسير : [الأنعام: 71]، ناسب ذكر هذه الآية هنا وكان التذكار بقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه أنسب لرجوع العرب إليه إذ هو جدهم الأعلى، فذكروا بأن إنكار هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليكم عبادة الأصنام هو مثل إنكار جدّكم إبراهيم على أبيه وقومه عبادتها. وفي ذلك التنبيه على اقتفاء من سلف من صالحي الآباء والأجداد وهم وسائر الطوائف يعظمون إبراهيم عليه السلام. والظاهر أن آزر اسم أبيه. قال ابن عباس وغيره: وفي كتب التواريخ أن اسمه بالسريانية تارخ، فعلى هذا يكون له اسمان كيعقوب وإسرائيل. وهو عطف بيان أو بدل وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، وقرىء: آزر بالضم على النداء أي يا آزر. {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً} معمول لقال وهو استفهام معناه الإِنكار والتوبيخ. {أَصْنَاماً آلِهَةً} مفعولان لتتخذ وبدأ بقوله: أصناماً، تقبيحاً وتبعيداً لأن يتخذ ما كان من حجر أو خشب معبودات آلهة لما أنكر على أبيه أخبر أنه وقومه في ضلال وجعلهم مظروفين للضلال أبلغ من وصفهم بالضلال كان الضلال صار ظرفاً لهم. و{مُّبِينٍ} ظاهر. {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ} الآية. هذه جملة اعتراض بين قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}، من منكراً على أبيه عبادة الأصنام، وبين جملة الاستدلال عليهم بإِفراد المعبود الحق، وكونه لا يشبه المخلوقين وهي قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ}، والكاف في كذلك للتشبيه وذلك إشارة إلى الرؤية المفهومة من قوله: أني أراك أي مثل تلك الرؤية نرى. ونرى بمعنى أرأينا، ويجوز أن تكون الكاف للتعليل بمعنى اللام كأنه قيل: وكذلك. و{مَلَكُوتَ} بمعنى: الملك. كالرحموت بمعنى: الرحمة. والرغبوت بمعنى: الرغبة. وفي هذا البناء على فعلوت اشعار بالتكثير. والإِراءة هنا بمعنى: الإِبصار، لأنها تعدت إلى اثنين الأول إبراهيم والثاني ملكوت. والهمزة فيها للنقل أرأيته جعلته يرى فأصل الفعل رأى بمعنى أبصر يتعدى إلى واحد فلما أدخل همزة النقل تعدى إلى اثنين. وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كشف الله له السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضينتفسير : ، فليس المعنى مجرد الإِبصار ولكن وقع له معها من الإعتبار والعلم ما لم يقع لأحد من أهل زمانه الذين بعث إليهم، قاله ابن عباس. وقال الشاعر: شعر : ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المعاينة الخليل تفسير : {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} أي أريناه الملكوت. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} الآية، هذه الجملة معطوفة على قوله: وإذ قال إبراهيم، على قول من جعل وكذلك نرى اعتراضاً وهو قول الزمخشري. وقال ابن عطية: الفاء في قوله: فلما، رابطة جملة ما بعدها بما قبلها وهي ترجح أن المراد بالملكوت هو هذا التفصيل الذي في هذه الآية. جنى عليه وأجن أظلم هذا تفسير المعنى، وهو بمعنى ستر متعدياً. قال الشاعر: شعر : وما وردت قبيل الكرى وقد جنه السدف الأدهم تفسير : {رَأَى} جواب لما. {كَوْكَباً} هو الزهرة، قاله ابن عباس. ووزنه فوعل عند البصريين فالواو زائدة وأصوله الكافان والباء. وقال الصاغاني. حق لفظ كوكب أن يذكر تركيب وَ كَ بَ عند حذاق النحويين فإِنها صدرت بكاف زائدة عندهم إلا أن الجوهري أوردها في تركيب ك و ك ب، ولعله تبع نية الليث فإِنه ذكره في الرباعي ذاهباً إلى أن الواو أصلية. "انتهى". وليت شعري من حذاق النحويين الذين تكون الكاف عندهم من حروف الزيادة فضلاً عن زيادتها في أول الكلمة، والكاف ليست من حروف الزيادة. {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} استئناف كلام من إبراهيم حين رأى الكوكب. ولا يريد بذلك الإِعتقاد وإنما ذلك مثل أن ترى رجلاً ضعيف القوة لا يكاد ينهض فيقول إنسان: هذا ناصري، بمعنى أنه لا يقدر على نصرتي مثل هذا. وقال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئاً منها لا يصح أن يكون إلهاً لقيام دليل الحدوث فيها، وإن وراءها محدثاً أحدثها وصانعاً صنعها ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها وسيرها وسائر أحوالها. "انتهى". {فَلَمَّآ أَفَلَ} أفل يأفل أفولاً، أي غاب. قال ذو الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم ولا بالآفلات الدوالك تفسير : {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} أي عبادة الآفلين المتغيرين عن حال إلى حال المنتقلين من مكان إلى مكان، فإِن ذلك من صفات الاجرام، والله تعالى منزه عن ذلك. {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} لم يأت في الكوكب بازغاً لأنه أولاً ما ارتقب حتى يبزغ الكوكب لأنه بإِظلام الليل تظهر الكواكب بخلاف حاله مع القمر والشمس فإِنه لما أوضح لهم أن هذا النير هو الكوكب الذي رآه لا يصلح أن يكون رباً، وارتقب ما هو أنور منه وأضوأ على سبيل إلحاقه بالكوكب والاستدلال على أنه لا يصلح للعبادة، فرآه أول طلوعه وهو البزوع ثم عمل كذلك في الشمس ارتقبها إذ كانت أنور من القمر وأضوأ وأكبر جرماً وأعلم نفعاً ومنها يستمد القمر على ما قيل، فقال: ذلك على سبيل الاحتجاج عليهم وبين أنها مساوية للقمر والكوكب في صفة الحدوث. {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلهاً وهو نظير الكوكب في الأفول فهو ضال فإِن الهداية إلى الحق بتوفيق الله تعالى. {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} المشهور في الشمس أنها مؤنثة. وقيل: تذكر وتؤنث. فأنثت أولاً على المشهور وذكرت في الإِشارة على اللغة القليلة مراعاة ومناسبة للخبر فرجحت لغة التذكير التي هي أقل على لغة التأنيث. ويمكن أن يقال أن أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في الضمائر ولا في الإِشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث، بل المذكر والمؤنث سواء في ذلك عندهم، فلذلك أشار للمؤنث عندنا حين حكى كلام إبراهيم لما يشار به إلى المذكر، بل لو كان المؤنث بفرج لم تكن لهم علامة تدل عليه في كلامهم. وحين أخبر تعالى عنها بقوله: بازغة، وأفلت، أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية. ولما أفلت الشمس ولم يبق شىء يمثل لهم به وظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم تبرأ من شركهم وناداهم بقوله: {يٰقَوْمِ} لينبههم على تحقيق براءته من الشرك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):