Verse. 863 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَاِذْ قَالَ اِبْرٰہِيْمُ لِاَبِيْہِ اٰزَرَ اَتَتَّخِذُ اَصْنَامًا اٰلِہَۃً۝۰ۚ اِنِّىْۗ اَرٰىكَ وَقَوْمَكَ فِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۷۴
Waith qala ibraheemu liabeehi azara atattakhithu asnaman alihatan innee araka waqawmaka fee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قال إبراهيم لأبيه آزرَ» هو لقبه واسمه تارخ «أتتخذ أصناما آلهة» تعبدها إستفهام توبيخ «إني أراك وقومك» باتخاذها «في ضلال» عن الحق «مبين» بيِّن.

74

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه كثيراً يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره. فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين. واعلم أن هذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر أهل العلم بفضله وعلو مرتبته لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام، والسبب فيه أنه حصل بين الرب وبين العبد معاهدة. كما قال: {أية : أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] فإبراهيم وفى بعهد العبودية، والله تعالى شهد بذلك على سبيل الإجمال تارة وعلى سبيل التفصيل أخرى. أما الإجمال ففي آيتين إحداهما قوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } تفسير : [البقرة: 124] وهذا شهادة من الله تعالى بأنه تمم عهد العبودية. والثانية قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 131] وأما التفصيل: فهو أنه عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد وإبطال القول بالشركاء والأنداد في مقامات كثيرة. فالمقام الأول: في هذا الباب مناظراته مع أبيه حيث قال له: {أية : يَـٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42]. والمقام الثاني: مناظرته مع قومه وهو قوله: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } تفسير : [الأنعام: 76]. والمقام الثالث: مناظرته مع ملك زمانه، فقال: {أية : رَبّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ}تفسير : [البقرة: 258]. والمقام الرابع: مناظرته مع الكفارة بالفعل، وهو قوله تعالى: {أية : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 58] ثم إن القوم قالوا: {أية : حَرّقُوهُ وَٱنصُرُواْ ءالِهَتَكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 68] ثم إنه عليه السلام بعد هذه الواقعة بذل ولده فقال: {أية : إِنّى أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ } تفسير : [الصافات: 102] فعند هذا ثبت أن إبراهيم عليه السلام كان من الفتيان، لأنه سلم قلبه للعرفان ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم إنه عليه السلام سأل ربه فقال: {أية : وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ }تفسير : [الشعراء: 84] فوجب في كرم الله تعالى أنه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه في هذا السؤال، فلا جرم أجاب دعاءه، وقبل نداءه وجعله مقبولاً لجميع الفرق والطوائف إلى قيام القيامة، ولما كان العرب معترفين بفضله لا جرم جعل الله تعالى مناظرته مع قومه حجة على مشركي العرب. المسألة الثانية: اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكاً يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله. ففي الذاهبين إليه كثرة. فمنهم عبدة الكواكب، وهم فريقان منهم من يقول إنه سبحانه خلق هذه الكواكب، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها، فهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم، قالوا: فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب، ثم إن هذه الأفلاك والكواكب تعبد الله وتطبعه، ومنهم قوم غلاة ينكرون الصانع، ويقولون هذه الأفلاك والكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها ويمتنع عليها العدم والفناء، وهي المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل، وهؤلاء هم الدهرية الخالصة، وممن يعبد غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضاً عبدة الأصنام. واعلم أن هنا بحثاً لا بد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا: {أية : لاَ تَذَرُنَّ وُدّاً ولا سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } تفسير : [نوح: 23] وذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجوداً قبل نوح عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، والعلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم خالقاً للسماء والأرض، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة، ولا بأس بأن نعيده ههنا تكثيراً للفوائد. فالتأويل الأول: وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر، وبين أحوال هذا العالم. وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنماً من الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام وغرضهم من عبادة هذه الأصنام هو عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها وعند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب. وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فلهم ههنا مقامان: أحدهما: إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة. والثاني: أنها بتقدير أنها تفعل شيئاً ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للإلهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة. وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس والقمر وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له. الوجه الثاني: في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي رحمه الله فقال في بعض كتبه: إن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يثبتون الإله والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضاً صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات، فلا جرم اتخذوا صوراً وتماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون إنها هيكل الإله، وصورة أخرى دون الصورة الأولى ويجعلونها على صورة الملائكة، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة، فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد أن الله تعالى جسم وفي مكان. الوجه الثالث: في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن الله تعالى فوض تدبير كل واحد من الأقاليم إلى ملك بعينه. وفوض تدبير كل قسم من أقسام ملك العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون مدبر البحار ملك، ومدبر الجبال ملك آخر، ومدبر الغيوم والأمطار ملك، ومدبر الأرزاق ملك، ومدبر الحروب والمقاتلات ملك آخر، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة صنماً مخصوصاً وهيكلاً مخصوصاً ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من الآثار والتدبيرات، وللقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في أول سورة البقرة، ولنكتف ههنا بهذا القدر من البيان والله أعلم. المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر، ومنهم من قال اسمه تارح. قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، ومن الملحدة من جعل هذا طعناً في القرآن. وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب، وللعلماء ههنا مقامان: المقام الأول: أن اسم والد إبراهيم عليه السلام هو آزر، وأما قولهم أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح. فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضاً، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن. المقام الثاني: سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه: الوجه الأول: لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين، فيحتمل أن يقال إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقباً له، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم. فالله تعالى ذكره بالاسم، ويحتمل أن يكون بالعكس، وهو أن تارح كان اسماً أصلياً وآزر كان لقباً غالباً. فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب. الوجه الثاني: أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم، فقيل إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطىء كأنه قيل، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطىء كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق، وقيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية، وهو أيضاً فارسية أصلية. واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب. والوجه الثالث: أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين: أحدهما: أنه جعل نفسه مختصاً بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب. قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } تفسير : [الإسراء: 71] وثانيها: أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. الوجه الرابع: أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عماً له، والعم قد يطلق عليه اسم الأب، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة: 133] ومعلوم أن إسمعيل كان عماً ليعقوب. وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا. واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد ألبتة، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وإظهار بغضه، فلو كان هذا النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم. المسألة الرابعة: قالت الشيعة: إن أحداً من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام وأجداده ما كان كافراً وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافراً وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام. وما كان والداً له واحتجوا على قولهم بوجوه: الحجة الأولى: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : [الشعراء: 218، 219]. قيل معناه: إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير: فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين. وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلماً. فإن قيل: قوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } يحتمل وجوهاً أخر: أحدها: إنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم. فالمراد من قوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } طوافه صلوات الله عليه تلك الليلة على الساجدين. وثانيها: المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه: كونه فيما بينهم ومختلطاً بهم حال القيام والركوع والسجود. وثالثها: أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين. ورابعها: المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، والدليل عليه قوله عليه السلام: «حديث : أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري» تفسير : فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية، فسقط ما ذكرتم. والجواب: لفظ الآية محتمل للكل، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي. فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود، ومما يدل أيضاً على أن أحداً من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام: «حديث : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» تفسير : وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }تفسير : [التوبة: 28] وذلك يوجب أن يقال: إن أحداً من أجداده ما كان من المشركين. إذا ثبت هذا فنقول: ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركاً، وثبت أن آزر كان مشركاً. فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنساناً آخر غير آزر. الحجة الثانية: على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام. أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء. ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم، إنما قلنا: إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين: الأول: أنه قرىء {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لاِبِيهِ ءَازَرَ } بضم آزر وهذا يكون محمولاً على النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء. الثاني: أنه قال لآزر: {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء. فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء، وإنما قلنا: أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23] وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم، قال تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } تفسير : [الإسراء: 23] وهذا أيضاً عام. والثاني: أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ }تفسير : [طه: 44] والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون. فههنا الوالد أولى بالرفق. الثالث: أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيراً في القلب، أما التغليظ فإنه يوجب التنفير والبعد عن القبول. ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام: {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة؟ الرابع: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم، فقال: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ } تفسير : [هود: 75] وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عماً له، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسمعيل بكونه أباً ليعقوب مع أنه كان عماً له. وقال عليه السلام: «حديث : ردوا علي أبي»تفسير : يعني العم العباس وأيضاً يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب. والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله: {أية : وعِيسَى}تفسير : [الأنعام: 85] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جداً لعيسى من قبل الأم. وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافراً وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافراً وكان والد إبراهيم عليه السلام. وأيضاً قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ } إلى قوله: {أية : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } تفسير : [التوبة: 114] وذلك يدل على قولنا، وأما قوله {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ } قلنا: قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضاً حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز، وأما قوله عليه السلام: «حديث : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»تفسير : فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحاً، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام. قلنا: لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط. والله أعلم. المسألة الخامسة: قرىء {ءَازَرَ } بالنصب وهو عطف بيان لقوله: {لاِبِيهِ } وبالضم على النداء، وسألني واحد فقال: قرىء {ءَازَرَ } بهاتين القراءتين، وأما قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لاِخِيهِ هَـٰرُونَ } قرىء {هَـٰرُونَ } بالنصب وما قرىء البتة بالضم فما الفرق؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى. وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصراً على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجراً له عن ذلك القبيح، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان الاستخفاف لائقاً بذلك الموضع، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة. المسألة السادسة: اختلف الناس في تفسير لفظ «الإله» والأصح أنه هو المعبود، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه: {أتتخذ أصناماً آلهة} وذلك يدل على أن تفسير لفظ «الإله» هو المعبود. المسألة السابعة: اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين: الأول: أن قوله: {أتتخذ أصناماً آلهة} يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } والثاني: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً، فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها ألبتة. المسألة الثامنة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع. قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال. لأن ذلك المذهب كان متقدماً على دعوة إبراهيم. ولقائل أن يقول: إنه كان ضلالاً بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} تكلّم العلماء في هذا؛ فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجُوَيْنِي الشافعيّ الأشعريّ في النكت من التفسير له: وليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تَارَخ. والذي في القرآن يدل على أن ٱسمه آزر. وقيل: آزر عندهم ذَمٌّ في لغتهم؛ كأنه قال: وإذ قال لأبيه يا مخطىء {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع. وقيل: آزر ٱسم صنم. وإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل؛ كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها، أتتخذ أصناماً آلهة. قلت: ما ٱدّعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق؛ فقد قال محمد بن إسحاق والكَلْبِيّ والضحاك: إن آزر أبو إبراهيم عليه السلام وهو تارَخْ، مثل إسرائيل ويعقوب؛ قلت فيكون له ٱسمان كما تقدّم. وقال مقاتل: آزر لقب، وتارَخْ اسم: وحكاه الثعلبيّ عن ابن إسحاق القُشَيْرِيّ. ويجوز أن يكون على العكس. قال الحسن: كان اسم أبيه آزر. وقال سليمان التَّيْمِيّ: هو سَبٌّ وعَيْب، ومعناه في كلامهم: المعْوَجّ. وروى المُعْتَمِر بن سليمان عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، وهي أشدّ كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وقال الضحّاك: معنى آزر الشيخ الهمّ بالفارسية. وقال الفرّاء: هي صفة ذَمٍّ بلغتهم؛ كأنه قال يا مخطىء؛ فيمن رفعه. أو كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطِىء؛ فيمن خفض. ولا ينصرف لأنه على أفعل؛ قاله النحاس. وقال الجوهري: آزر ٱسم أعجمي، وهو مشتق من آزر فلان فلاناً إذا عاونه؛ فهو مُؤازِرٌ قومَه على عبادة الأصنام. وقيل: هو مشتق من القوّة، والأزر القوّة؛ عن ابن فارس. وقال مجاهد ويَمانٍ: آزر ٱسم صنم. وهو في هذا التأويل في موضع نصب، التقدير: أتتخذ آزر إلهاً، أتتخذ أصناماً. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: أتتخذ آزر أصناماً. قلت: فعلى هذا آزر ٱسم جنس. والله أعلم. وقال الثعلبيّ في كتاب العرائس: إن اسم أبي إبراهيم الذي سمّاه به أبوه تارَخ، فلما صار مع النُّمروذ قَيِّماً على خِزانة آلهتِهِ سمّاه آزر. وقال مجاهد: إن آزر ليس بٱسم أبيه وإنما هو ٱسم صنم. وهو إبراهيم بن تارَخْ بن ناخور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ابن نوح عليه السلام. و«آزر» فيه قراءات: «أإِزْراً» بهمزتين، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة؛ عن ابن عباس. وعنه «أأزْرا» بهمزتين مفتوحتين. وقرىء بالرفع، وروى ذلك عن ابن عباس. وعلى القراءتين الأُوليين عنه «تتخذ» بغير همزة. قال المَهْدَوِيّ: أإزراً؟ فقيل: إنه اسم صنم؛ فهو منصوب على تقدير أتتخذ إزراً، وكذلك أأزراً. ويجوز أن يجعل أإِزراً على أنه مشتق من الأزر وهو الظهر فيكون مفعولاً من أجله؛ كأنه قال: ألِلقوّة تتخذ أصناماً. ويجوز أن يكون إِزر بمعنى وِزر، أبدلت الواو همزة. قال القُشيرِيّ: ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم وردّه على أبيه في عبادة الأصنام. وأوْلَى الناس بٱتباع إبراهيم العرب؛ فإنهم ذرّيته. أي وٱذكر إذ قال إبراهيم. أو {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} وذَكّر إذ قال إبراهيم. وقرىء «آزرُ» أي يا آزرُ، على النداء المفرد، وهي قراءة أبَيّ ويعقوب وغيرِهما. وهو يقوّي قول من يقول: إن آزر ٱسم أب إبراهيم. «أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً» مفعولان لـ«تتخذ» وهو استفهام فيه معنى الإنكار.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءازَرَ} هو عطف بيان لأبيه، وفي كتب التواريخ أن اسمه تارح فقيل هما علمان له كإسرائيل ويعقوب، وقيل العلم تارح وآزر وصف معناه الشيخ أو المعوج، ولعل منع صرفه لأنه أعجمي حمل على موازنه أو نعت مشتق من الآزر أو الوزر، والأقرب أنه علم أعجمي على فاعل كعابر وشالخ، وقيل اسم صنم يعبده فلقب به للزوم عبادته، أو أطلق عليه بحذف المضاف. وقيل المراد به الصنم ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده أي أتعبد آزر ثم قال: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} تفسيراً وتقريراً. ويدل عليه أنه قرىء «أزراً»، تتخذ أصناماً بفتح همزة آزر وكسرها وهو اسم صنم. وقرأ يعقوب بالضم على النداء وهو يدل على أنه علم. {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ} عن الحق. {مُّبِينٌ} ظاهر الضلالة.

ابن كثير

تفسير : قال الضحاك عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارح، رواه ابن أبي حاتم، وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم شبيب، حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ} يعني بآزر: الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح، وأمه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر، وهي سرية إبراهيم، وهكذا قال غير واحد من علماء النسب: إن اسمه تارح، وقال مجاهد والسدي: آزر: اسم صنم، قلت: كأنه غلب عليه آزر؛ لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم، وقال ابن جرير: وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه: معوج، ولم يسنده، ولا حكاه عن أحد. وقد قال ابن أبي حاتم: ذكر عن معتمر بن سليمان، سمعت أبي يقرأ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} قال: بلغني أنها: أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام، ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان؛ كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقباً، وهذا الذي قاله جيد قوي، والله أعلم. واختلف القراء في أداء قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ} فحكى ابن جرير عن الحسن البصري، وأبي يزيد المدني، أنهما كانا يقرأان: {وإذ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ آزرُ أتتخذ أصناماً آلهة} معناه: يا آزرُ أتتخذ أصناماً آلهة، وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله: {لأَبِيهِ} أو عطف بيان، وهو أشبه، وعلى قول من جعله نعتاً لا ينصرف أيضاً، كأحمر وأسود، فأما من زعم أنه منصوب؛ لكونه معمولاً لقوله: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً} تقديره: يا أبت أتتخذ آزر أصناماً آلهة؟ فإنه قول بعيد في اللغة، فإن ما بعد حرف الاستفهام، لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية، والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها، ونهاه فلم ينته، كما قال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً} أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله؟ {إِنِّىۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ} أي: السالكين مسلكك {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: تائهين، لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم. وقال تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً يٰأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً يٰأَبَتِ إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يٰإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا } تفسير : [مريم:41ـ48] فكان إبراهيم عليه السلام، يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك، وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} تفسير : [التوبة: 114] وثبت في الصحيح أن إبراهيم، يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم انظر ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار، وقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِىۤ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: نبين له وجه الدلالة، في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله عز وجل، في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، كقوله: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [يونس: 101] وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف:185] وقال: {أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} تفسير : [سبأ: 9] وأما ما حكاه ابن جرير وغيره عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم، قالوا: - واللفظ لمجاهد - فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن، وزاد غيره: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي، ويدعو عليهم، فقال الله له إني أرحم بعبادي منك؛ لعلهم أن يتوبوا، أو يرجعوا. وروى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ وعلي، ولكن لا يصح إسنادهما، والله أعلم، وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: { وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} فإنه تعالى جَلاَ لَهُ الأمر؛ سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فرده كما كان قبل ذلك، فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عياناً، ويحتمل أن يكون عن بصيرته، حتى شاهده بفؤاده، وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة، والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه عن معاذ بن جبل في حديث المنام: «حديث : أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء، وعرفت ذلك» تفسير : وذكر الحديث. قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} قيل: الواو زائدة، تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض؛ ليكون من الموقنين؛ كقوله: { وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} وقيل: بل هي على بابها، أي: نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً، وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ} أي: تغشاه وستره {رَأَى كَوْكَباً} أي: نجماً {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ} أي: غاب، قال محمد بن إسحاق بن يسار: الأفول: الذهاب، وقال ابن جرير: يقال: أفَل النجم يأفُل ويأفِل أُفولاً وأَفْلاً: إذا غاب. ومنه قول ذي الرمة: شعر : مصابيحُ ليسَتْ باللواتي تقودُها نُجُومٌ، ولا بالآفلات الدوالك تفسير : ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى: أين غبت عنا؟ قال: {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول، {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} أي: طالعاً {قَالَ هَـٰذَا رَبِّى فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى} أي: هذا المنير الطالع ربي {هَـٰذَآ أَكْبَرُ} أي: جرماً؛ من النجم ومن القمر، وأكثر إضاءة {فَلَمَّآ أَفَلَتْ} أي: غابت، {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: أخلصت ديني، وأفردت عبادتي {لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق {حَنِيفًا} أي: في حال كوني حنيفاً، أي: مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر، أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى} الآية، وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به، وحان وضعها، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم، وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف، والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان في هذا المقام مناظراً لقومه، مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس، ثم القمر ثم الزهرة، فبين أولاً صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تملك لنفسها تصرفاً، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة، فكيدوني بها جميعاً، ثم لا تنظرون { إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء، ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِىۤ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ} تفسير : [الأنبياء:51-52] الآيات، وقال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَِنْعُمِهِ ٱجْتَبَٰهُ وَهَدَٰهُ إِلَى صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 120-123] وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 161] وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة» تفسير : وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء» تفسير : وقال الله في كتابه العزيز: {أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللهِ} تفسير : [الروم: 30] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] ومعناه على أحد القولين كقوله: {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} كما سيأتي بيانه. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، ناظراً في هذا المقام؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب، وما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك، لا ناظراً قوله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لاِبِيهِ ءازَرَ } هو لقبه، واسمه (تارخ) {أَتَتَّخِذُ أصْنَامَاً ءَالِهَةً} تعبدها؟ استفهام توبيخ {إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ } باتخاذها {فِى ضَلَٰلٍ } عن الحق {مُّبِينٍ } بَيِّن.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لأَبِيهِ ءازَرَ } قال الجوهري: آزر اسم أعجمي، وهو مشتق من آزر فلان فلاناً: إذا عاونه، فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام. وقال ابن فارس: إنه مشتق من القوّة. قال الجويني في النكت من التفسير له: ليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارخ، والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر. وقد تعقب في دعوى الاتفاق بما روي عن ابن إسحاق، والضحاك، والكلبي أنه كان له اسمان: آزر وتارخ. وقال مقاتل: آزر لقب، وتارخ اسم، وقال سليمان التيمي: إن آزر سب وعتب، ومعناه في كلامهم المعوج. وقال الضحاك معنى آزر: الشيخ الهرم بالفارسية. وقال الفراء: هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال: يا مخطىء. وروي مثله عن الزجاج. وقال مجاهد: هو اسم صنم. وعلى هذا إطلاق اسم الصنم على أبيه: إما للتعيير له لكونه معبوده، أو على حذف مضاف، أي قال لأبيه عابد آزر، أو أتعبد آزر على حذف الفعل. وقرأ ابن عباس «أإزر» بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وروي عنه أنه قرأ بهمزتين مفتوحتين، ومحل {إِذْ قَالَ } النصب على تقدير: واذكر إذ قال إبراهيم، ويكون هذا المقدر معطوفاً على {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وقيل: هو معطوف على {وذكر به أن تبسل} وآزر عطف بيان. قوله: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَة} الاستفهام للإنكار، أي أتجعلها آلهة لك تعبدها {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ } المتبعين لك في عبادة الأصنام {فِى ضَلَـٰلٍ } عن طريق الحق {مُّبِينٌ } واضح، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرٰهِيمَ } أي ومثل تلك الإراءة نري إبراهيم، والجملة معترضة، و {مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } ملكهما، وزيدت التاء والواو للمبالغة في الصفة. ومثله الرغبوت والرهبوت مبالغة في الرغبة والرهبة. قيل: أراد بملكوت السموات والأرض ما فيهما من الخلق. وقيل: كشف الله له عن ذلك حتى رأى إلى العرش وإلى أسفل الأرضين. وقيل: رأى من ملكوت السموات والأرض ما قصه الله في هذه الآية. وقيل: المراد بملكوتهما الربوبية والإلٰهية، أي نريه ذلك ونوفقه لمعرفته بطريق الاستدلال التي سلكها. ومعنى {نُرِى } أريناه، حكاية حال ماضية. قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } متعلق بمقدّر، أي أريناه ذلك {لِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ. وقيل: إنه ولد في سرب، وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فكان يمصها. وسبب جعله في السرب، أن النمروذ رأى رؤيا أن ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود، والله أعلم. قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } أي ستره بظلمته، ومنه الجنة والمجنّ والجن كله من الستر، قال الشاعر:شعر : ولولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطي عياض بن ثابت تفسير : والفاء للعطف على {قال إبراهيم} أي واذكر إذ قال، وإذ جنّ عليه الليل، فهو قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه، وجواب لما {رَأَى كَوْكَباً } قيل: رآه من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذي كان فيه. وقيل رآه لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس، قيل: رأى المشتري، وقيل الزهرة. قوله: {هَـٰذَا رَبّى } جملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال عند رؤية الكوكب؟ قيل: وكان هذا منه عند قصور النظر؛ لأنه في زمن الطفولية. وقيل: أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم، وما يعتقدونه، لأجل إلزامهم، وبالثاني قال الزجاج. وقيل: هو على حذف حرف الاستفهام، أي أهذا ربي؟ ومعناه: إنكار أن يكون مثل هذا رباً، ومثله قوله تعالى: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُون } تفسير : [الأنبياء: 34] أي أفهم الخالدون، ومثله قول الهذلي:شعر : رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم تفسير : أي أهم هم؟ وقول الآخر:شعر : لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمانيا تفسير : أي أبسبع، وقيل المعنى: وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول، وقيل المعنى على حذف مضاف، أي هذا دليل ربي {فَلَمَّا أَفَلَ } أي غرب {قَالَ } إبراهيم {لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } أي الآلهة التي تغرب، فإن الغروب تغير من حال إلى حال، وهو دليل الحدوث {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً } أي طالعاً، يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ: الشق كأنه يشق بنوره الظلمة {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } أي لئن لم يثبتني على الهداية، ويوفقني للحجة {لاَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ } الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم، ويحرمونها حظها من الخير، {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً } بازغاً وبازغة منصوبان على الحال، لأن الرؤية بصرية، وإنما {قَالَ هَـٰذَا رَبّى } مع كون الشمس مؤنثة، لأن مراده هذا الطالع، قاله: الكسائي والأخفش. وقيل: هذا الضوء. وقيل: الشخص {هَـٰذَا أَكْبَرُ } أي بما تقدّمه من الكوكب والقمر {قَالَ يَـاقَوْم إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها، وما موصولة أو مصدرية، قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضرّ، مستدلاً على ذلك بأفولها الذي هو دليل حدوثها {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عزّ وجلّ. وذكر الوجه لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدّم. وقد تقدّم معنى {فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ حَنِيفاً } مائلاً إلى الدين الحق. قوله: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } أي وقعت منهم المحاججة له في التوحيد بما يدل على ما يدّعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة، فأجاب إبراهيم عليه السلام بما حكاه الله عنه أنه قال: {أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ } أي في كونه لا شريك له ولا ندّ ولا ضدّ. وقرأ نافع بتخفيف نون أتحاجوني. وقرأ الباقون بتشديدها بإدغام نون الجمع في نون الوقاية، ونافع خفف فحذف إحدى النونين، وقد أجاز ذلك سيبويه. وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن، وجملة {وَقَدْ هَدَانِى } في محل نصب على الحال، أي هداني إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية. قوله: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } قال هذا لما خوّفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه، أي إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضرّ ولا ينفع، والضمير في "به" يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في {مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً } أي إلا وقت مشيئته ربي بأن يلحقني شيئاً من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه، وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضرّ ولا تنفع. والمعنى: على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال، وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه، وصدورهما حسب مشيئته، ثم علل ذلك بقوله: {وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } أي إن علمه محيط بكل شيء، فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته، وإذا شاء إنزال شرّ بي كان، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم قال لهم مكملاً للحجة عليهم، ودافعاً لما خوّفوه به {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً } أي كيف أخاف ما لا يضرّ ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضارّ النافع الخالق الرازق، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم. و "مَا" في {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً } مفعول أشركتم، أي ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطاناً شركاء لله، أو المعنى: أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له، ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة، وجعلوها شركاء لله سبحانه؟ قوله: {فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأمْنِ} المراد بالفريقين: فريق المؤمنين وفريق المشركين، أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات، ومعبودكم هي تلك المخلوقات، فكيف تخوّفوني بها، وكيف أخافها؟ وهي بهذه المنزلة، ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه، وبعد هذا فأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } بحقيقة الحال، وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة؟ ثم قال الله سبحانه قاضياً بينهم ومبيناً لهم {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا. وقيل: هو من تمام قول إبراهيم، وقيل: هو من قول قوم إبراهيم. ومعنى {لَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ}: لم يخلطوه بظلم. والمراد بالظلم الشرك، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان:{أية : يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13]»، والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية: وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول المتصف بما سبق. و {لَهُمُ ٱلأَمْنُ } جملة وقعت خبراً عن اسم الإشارة. هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه. {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } إلى الحق ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال وجهل. والإشارة بقوله: {تِلْكَ حُجَّتُنَا } إلى ما تقدّم من الحجج التي أوردها إبراهيم عليهم، أي تلك البراهين التي أوردها إبراهيم عليهم من قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } إلى قوله: {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} {تِلكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ } أي أعطيناه إياها وأرشدناه إليها، وجملة {آتَيْنَاهَآ إِبْرٰهِيمَ} في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة {عَلَىٰ قَوْمِهِ } أي حجة على قومه {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة، أو بما هو أعم من ذلك {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } أي حكيم في كل ما يصدر عنه عليم بحال عباده، وأن منهم من يستحق الرفع ومنهم من لا يستحقه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأبِيهِ ءازَرَ } قال الآزر الضم، وأبو إبراهيم اسمه يازر، وأمه اسمها مثلي، وامرأته اسمها سارة، وسريته أم إسماعيل اسمها هاجر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال: اسم أبيه تارخ، واسم الصنم آزر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سليمان التيمي، أنه قرأ {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءازَرَ } قال: بلغني أنها أعوج وأنها أشدّ كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس أنه قال: إن والد إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما اسمه تارخ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عنه في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: الشمس والقمر والنجوم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قال في الآية: كشف ما بين السموات حتى نظر إليهنّ على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة، والسلسلة في خاتم العزّة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد في الآية: قال سلطانهما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، في قوله: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } يقول: خاصموه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أَتُحَاجُّونّى } قال: أتخاصموني. وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي بكر الصديق أنه فسر {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } بالشرك. وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب. وكذلك أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن حذيفة بن اليمان. وكذلك أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سلمان الفارسي. وكذلك أخرجا أيضاً عن أبيّ بن كعب. وكذلك أخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس. وأخرج عنه من طريق أخرى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ مثله، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك، ويغني عن الجميع ما قدّمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } قال: خصمهم. وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم، في قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } قال: بالعلم. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال: إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ...} فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: أن آزر اسم أبيه، قاله الحسن، والسدي، ومحمد بن إسحاق، قال محمد: كان رجلاً من أهل كوتى قرية من سواد الكوفة. والثاني: أن آزر اسم صنم، وكان اسم أبيه تارح، قال مجاهد. والثالث: أنه ليس باسم، وإنما هو صفة سب بعيب، ومعناه معوج، كأنه عابه باعوجاجه عن الحق، قاله الفراء. فإن قيل: فكيف يصح من إبراهيم - وهو نبي - سبَّ أباه؟ قيل: لأنه سبّه بتضييعه حق الله تعالى، وحق الوالد يسقط في تضييع حق الله. قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} ذلك وذاك وذا: إشارات، إلا أن ذا لما قَرُبَ، وذلك لما بَعُد، وذاك لتفخيم شأن ما بَعُدَ. وفي المراد بملكوت السموات والأرض خمسة أوجه: أحدها: أنه خلق السموات والأرض، قاله ابن عباس. والثاني: مُلْك السموات والأرض. واختلف من قال بهذا فيه على وجهين: أحدهما: أن الملكوت هو المُلْك بالنبطية، قاله مجاهد. والثاني: أنه المُلْك بالعربية، يقال مُلْك وملكوت كما يقال رهبة ورهبوت، ورحمة ورحموت، والعرب تقول: رهبوت خير من رحموت، أي أن نُرْهَب خير من أن نُرْحَم، قاله الأخفش. والثالث: معناه آيات السموات والأرض، قاله مقاتل. والرابع: هو الشمس والقمر والنجوم، قاله الضحاك. والخامس: أن ملكوت السماوات: القمر، والنجوم، والشمس، وملكوت الأرض: الجبال، والشجر، والبحار، قاله قتادة. {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: من الموقنين لوحدانية الله تعالى وقدرته. والثاني: من الموقنين نبوته وصحة رسالته. قوله عز وجل: {فَلمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيلُ رَءَا كَوْكَباً} قال مجاهد: ذكر لنا أنه رأى الزهرة طلعت عشاءً. {قَالَ هَذَا رَبِّي} ومعنى جَنَّ عليه الليل، أي ستره، ولذلك سمي البستان جَنَة لأن الشجر يسترها، والجِنُّ لاستتارهم عن العيون، والجُنُون لأنه يستر العقل، والجَنِين لأنه مستور في البطن، والمِجَنّ لأنه يستر المتترس، قال الهذلي: شعر : وماء وردت قيل الكرى وقد جنه السدف الأدهم تفسير : وفي قوله تعالى: {هَذَا رَبِّي} خمسة أقاويل: أحدها: أنه قال: هذا ربي في ظني، لأنه في حال تقليب واستدلال. والثاني: أنه قال ذلك اعتقاداً أنه ربه، قاله ابن عباس. والثالث: أنه قال ذلك في حال الطفولية والصغر، لأن أمه ولدته في مغارة حذراً عليه من نمرود، فلما خرج عنه قال هذا القول قبل قيام الحجة عليه، لأنها حال لا يصح فيها كفر ولا إيمان، ولا يجوز أن يكون قال ذلك بعد البلوغ. والرابع: أنه لم يقل ذلك قول معتقد، وإنما قاله على وجه الإِنكار لعبادة الأصنام، فإذا كان الكوكب والشمس القمر وما لم تصنعه يد ولا عَمِلَه بشر لم تكن معبودة لزوالها، فالأصنام التي هي دونها أولى ألاّ تكون معبودة. والخامس: أنه قال ذلك توبيخاً على وجه الإِنكار الذي يكون معه ألف الاستفهام وتقديره: أهذا ربي، كما قال الشاعر: شعر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجه هم هم تفسير : بمعنى أهم هم؟ {فَلَمَّا أَفَلَ} أي غاب، قال ذو الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي يقودها نجوم ولا بالآفلات الدوالك تفسير : {قَالَ لاَ أُحِبُّ الأفِلِينَ} يعني حُبَّ رَبٍّ معبود، وإلا فلا حرج في محبتهم غير حب الرب. {فَلمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغاً} أي طالعاً، وكذلك بزغت الشمس أي طلعت. فإن قيل: فَلِمَ كان أفولها دليلاً على أنه لا يجوز عبادتها وقد عبدها مع العلم بأفولها خلق من العقلاء؟ قيل لأن تغيرها بالأفول دليل على أنها مُدَبَّرة محدثة، وما كان بهذه الصفة استحال أن يكون إلهاً معبوداً.

ابن عطية

تفسير : العامل في {إذ} فعل مضمر تقديره: واذكر أو قص، قال الطبري: نبه الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم على الاقتداء بإبراهيم في محاجته قومه إذ كانوا أهل أصنام وكان قوم محمد أهل أصنام. قال القاضي أبو محمد: وليس يلزم هذا من لفظ الآية، أما أن جميع ما يجيء من مثل هذا عرضة للاقتداء، وقرأ السبعة وجمهور الناس "آزَرَ" بفتح الهمزة التي قبل الألف وفتح الزاي والراء، قال السدي وابن إسحاق وسعيد بن عبد العزيز: هو اسم أبي إبراهيم. قال القاضي أبو محمد: وقد ثبت أن اسمه تارح فله على هذا القول اسمان كيعقوب وإسرائيل، وهو في الإعراب على هذا بدل من الأب المضاف في موضع خفض وهو اسم علم، وقال مجاهد بل هو اسم صنم وهو في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: أتتخذ أصناماً. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، وقال بعضهم بل هو صفة ومعناه هو المعوج المخطىء. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن "آزر" إذا كان صفة فهو نكرة ولا يجوز أن تنعت المعرفة بالنكرة ويوجه ذلك على تحامل بأن يقال أريدت فيه الألف واللام وإن لم يلفظها، وإلى هذا أشار الزجّاج لأنه قدر ذلك فقال لأبيه المخطىء، وبأن يقال إن ذلك مقطوع منصوب بفعل تقديره اذن المعوج أو المخطىء، وإلا تبقى فيه الصفة بهذه الحال. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل نصبه على الحال كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه وهو في حال عوج وخطأ، وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم بضم الراء على النداء ويصح مع هذا أن يكون {آزر} اسم أبي إبراهيم، ويصح أن يكون بمعنى المعوج والمخطىء، وقال الضحاك: {آزر} بمعنى شيء، ولا يصح مع هذه القراءة أن يكون {آزر} صفة، وفي مصحف أبيّ "يا أزر" بثبوت حرف النداء "اتخذت أصناماً" بالفعل الماضي، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه أيضاً: "أَزْراً تتخذ" بألف الاستفهام وفتح الهمزة من آزر وسكون الزاي ونصب الراء وتنوينها وإسقاط ألف الاستفهام من "اتخذ" ومعنى هذه القراءة عضداً وقوة مظاهرة على الله تعالى تتخذ، وهو من نحو قوله تعالى: {أية : أشدد به أزري} تفسير : [طه:31] وقرأ أبو اسماعيل رجل من أهل الشام بكسر الهمزة من هذا الترتيب ذكرها أبو الفتح، ومعناها: أنها مبدلة من واو كوسادة وإسادة فكأنه قال: أوزراً ومأثماً تتخذ أصناماً، ونصبه على هذا بفعل مضمر، ورويت أيضاً عن ابن عباس، وقرأ الأعمش: "إزْراً تتخذ" بكسر الهمزة وسكون الزاي دون ألف توقيف، و {أصناماً آلهة} مفعولان، وذكر: أن "آزر" أبا إبراهيم كان نجاراً محسناً ومهندساً وكان نمرود يتعلق بالهندسة والنجوم فحظي عنده آزر لذلك، وكان على خطة عمل الأصنام تعمل بأمره وتدبيره ويطبع هو في الصنم بختم معلوم عنده، وحينئذ يعبد ذلك الصنم، فلما نشأ إبراهيم ابنه على الصفة التي تأتي بعد أن كان أبوه يكلفه بيعها، فكان إبراهيم ينادي عليها: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ ويستخف بها ويجعلها في الماء منكوسة، ويقول اشربي، فلما شهر أمره بذلك وأخذ في الدعاء إلى الله تعالى قال لأبيه هذه المقالة، و {أراك} في هذا الموضع يشترك فيها البصر والقلب لأنها رؤية قلب ومعرفته وهي متركبة على رؤية بصر، و {مبين} بمعنى واضح ظاهر، وهو من أبان الشيء، إذا ظهر ليس بالفعل المتعدي المنقول من بان يبين. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون المفعول مقدراً تقديره: في ضلال مبين كفركم، وقيل كان آزر رجلاً من أهل كوثا من سواد الكوفة، قال النقاش وبها ولد إبراهيم عليه السلام، وقيل كان من أهل حران، وقوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} الآية المتقدمة تقضي بهداية إبراهيم عليه السلام والإشارة هنا بذلك هي إلى تلك الهداية أي وكما هديناه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر أريناه ملكوت، و {نُري} لفظها الاستقبال ومعناها المضي، وحكى المهدوي: أن المعنى وكما هديناك يا محمد فكذلك نري إبراهيم. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد إذ اللفظ لا يعطيه، و {نُرِي} هنا متعدية إلى مفعولين لا غير فهي إما من رؤية البصر وإما من أرى التي هي بمعنى عرف ولو كانت من أرى بمعنى أعلم وجعلنا أعلم منقولة من علم التي تتعدى إلى مفعولين لوجب أن تتعدى أرى إلى ثلاثة مفاعيل، وليس كذلك ولا يصح أن يقال: إن الثالث محذوف لأنه لا يجوز حذفه إذ هو الخبر في الجملة التي يدخل عليها علمت في هذا الموضع، وإنما هي من علم بمعنى عرف، ثم نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين ثم جعلت "أرى" بمنزلتها في هذه الحال، وهذه الرؤية قيل رؤية البصر، وروي في ذلك أن الله عز وجل فرج لإبراهيم السماوات والأرضين حتى رأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل فإن صح هذا المنقول ففيه تخصيص لإبراهيم عليه السلام بما لم يدركه غيره، قبله ولا بعده، وهذا هو قول مجاهد قال: تفرجت له السماوات والأرضون فرأى مكانه في الجنة وبه قال سعيد بن جبير وسلمان الفارسي، وقيل: هي رؤية بصر في ظاهر الملكوت وقع له معها من الاعتبار ورؤية القلب ما لم يقع لأحد من أهل زمنه الذين بعث إليهم، قاله ابن عباس وغيره، ففي هذا تخصيص ما على جهة التقييد بأهل زمنه، وقيل هي رؤية قلب رأى بها ملكوت السماوات والأرض بفكرته ونظره، وذلك ولا بد متركب على ما تقدم من رؤيته ببصره وإدراكه في الجملة بحواسه. قال القاضي أبو محمد: وهذا القولان الأخيران يناسبان الآية، لأن الغاية التي نصبت له إنما هي أن يؤمن ويكون من جملة موقنين كثرة، والإشارة لا محالة إلى من قبله من الأنبياء والمؤمنين وبعده واليقين يقع له ولغيره وبالرؤية في ظاهر الملكوت والاستدلال به على الصانع والخالق لا إله إلا هو، و {ملكوت} بناء مبالغة كجبروت ورهبوت ورحموت، وقال عكرمة هو ملكوتي باليونانية أو بالنبطية، وقرأ "ملكوث" بالثاء مثلثة وقرأ أبو السمال "مَلْكوت" بإسكان اللام وهي لغة، و {ملكوت} بمعنى الملك، والعرب تقول لفلان ملكوت اليمن أي ملكه، واللام في {ليكون} متعلقة بفعل مؤخر تقديره وليكون من المؤقنين أريناه، والموقن: العالم بالشيء علماً لا يمكن أن يطرأ له فيك شك، وقال الضحاك ومجاهد أيضاً إن الإشارة ها هنا {بملكوت السماوات} هي إلى الكواكب والقمر والشمس، وهذا راجع وداخل فيما قدمناه من أنها رؤية بصر في ظاهر الملكوت، وروي عن ابن عباس في تفسير {وليكون من الموقنين} قال جلى له الأمور سرها وعلانيتها فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى إنك لا تستطيع هذا، فرده لا يرى أعمالهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَازَرَ} اسم أبي إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان من أهل "كوثى" قرية من سواد الكوفة، أو آزر ليس باسم بل سب وعيب معناه: "معوج"، كأنه عابه باعوجاجه عن الحق، وضاع حق أبوته بتضييعه حق الله ـ تعالى ـ، أو آزر اسم صنم وكان اسم أبيه "تارح".

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} اختلف العلماء في لفظ آزر فقال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: آزر وتارح مثل يعقوب وإسرائيل اسمان لرجل واحد فيحتمل أن يكون اسمه الأصلي آزر وتارح لقب له وبالعكس والله سماه آزر وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو إبراهيم من كوثي وهي قرية من سواد الكوفة. وقال سليمان التيمي: آزر سب وعيب. ومعناه في كلامهم المعوج. وقيل: الشيخ الهرم وهو بالفارسية وهذا على مذهب من يجوز أن في القرآن ألفاظاً قليلة فارسية. وقيل: هو المخطئ فكان إبراهيم عابه وذمه بسبب كفره وزيغه عن الحق. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه بهذا الاسم لأن من عبد شيئاً أو أحبه جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسماً له فهو كقوله {أية : يوم ندعو كل أناس بإمامهم}تفسير : [الإسراء: 71] وقيل: معناه وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والصحيح هو الأول أن أزر اسم لأبي إبراهيم لأن الله تعالى سماه به وما نقل عن النسابين والمؤرخين أن اسمه تارح ففيه نظر لأنهم إنما نقلوه عن أصحاب الأخبار وأهل السير من أهل الكتاب ولا عبرة بنلقهم. وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة"تفسير : الحديث فسماه النبي صلى الله عليه وسلم آزر أيضاً ولم يقل أباه تارخ فثبت بهذا ان اسمه الأصلي آزر لا تارخ والله أعلم. وقوله تعالى: {أتتخذ أصناماً آلهة} معناه: اذكر لقومك يا محمد قول إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة تعبدها من دون الله الذي خلقك ورزقك. والأصنام: جمع صنم وهو التمثال الذي يتخذ من خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب أو فضة على صورة الإنسان وهو الوثن أيضاً {إني أراك وقومك في ضلال مبين} يعني: يقول إبراهيم لأبيه آزر: إني أراك وقومك الذي يعبدون الأصنام معك ويتخذونها آلهة في ضلال يعني عن طريق الحق مبين يعني بيَّن لمن أبصر ذلك فإنه لا يشك أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع وهذه الآية احتجاج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم ومحاجته لأبيه وقومه لأنهم كانوا يعظمون إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويعترفون بفضله فلا جرم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه في معرض الاحتجاج على المشركين قوله عز وجل: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} معناه وكما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه وما كانوا عليه من الضلال في عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ المستقبل في قوله {وكذلك نُرِي إبراهيم} لأنه تعالى كان أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه على غير الحق فخالفهم فجزاه الله بأن أراه بعد ذلك ملكوت السموات والأرض فحسنت هذه العبارة لهذا المعنى. والملكوت: الملك زيدت فيه التاء للمبالغة كالرهبوت والرغبوت، والرحموت من الرهبة والرغبة والرحمة. قال ابن عباس: يعني خلق السموات والأرض. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض وذلك أنه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب وحتى رأى مكانه في الجنة فذلك قوله: {أية : وآتيناه أجره في الدنيا}تفسير : [العنكبوت: 27] يعني أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر إلى أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب. قال البغوي: وروي عن سليمان ورفعه بعضهم عن علي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له تبارك وتعالى: يا إبراهيم أنت رجل مجاب الدعوة فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت وفي رواية، وإن تولى فإن جهنم من ورائه، قال قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار، واختلف في هذه الرؤية هل كانت بعين البصر أو بعين البصيرة على قولين: أحدهما إنها كانت بين البصر الظاهر فشق لإبراهيم السموات حتى رأى العرش وشق له الأرض حتى رأى ما في بطنها. والقول الثاني: إن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة لأن ملكوت السموات والأرض عبارة عن الملك وذلك لا يعرف إلا بالعقل فبان بهذا أن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة، إلا أن يقال: المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض. وقوله تعالى: {وليكون من الموقنين} عطف على المعنى ومعناه {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} ليستدل به {وليكون من الموقنين} واليقين: عبارة عن علم يحصل بسب التأمل بعد زوال الشبهة، لأن الإنسان في أول الحال لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت، صارت سبباً لحصول اليقين والطمأنينة في القلب وزالت الشبهة عند ذلك: قال ابن عباس في وليكون من الموقنين جلال له الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى: إنك لا تستطيع هذا فردَّه الله كما كان قبل ذلك فمعنى الآية على هذا القول وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حساً وخبراً. وقوله تعالى: {فلما جن عليه الليل} يقال جن الليل وأجن إذا أظلم وغطى كل شيء وأجنه الليل وجن عليه إذا ستره بسواده {رأى كوكباً قال هذا ربي}. (ذكر القصة في ذلك) قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار والسير: ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان الملك وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان منجمون، فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه. ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء. وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكباً قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعاً شديداً، فدعا السحرة والكهان وسألهم عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاكك وزوال ملكك وهلاك أهل دينك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في ناحيته وأمر بعزل النساء عن الرجال وجعل على كل عشرة، رجلاً يحفظهم فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في المحيض فإذا طهرت من الحيض حالوا بينهما. قالوا: فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم. وقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل رجل امرأة حبلى بقربه فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية صغيرة لم يعرف الحبل في بطنها. وقال السدي: فخرج نمرود بالرجال إلى العسكر وعزلها عن النساء تخوفاً من ذلك المولود فمكثت بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحداً من قومه إلا آزر فبعث إليه فأحضره عنده وقال له: إن لي إليك حاجة أحب أن أوصيك بها ولم أبعثك فيها إلا لثقتي بك فأقسمت عليك ألا تدنو من أهلك. فقال آرز: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة الملك، ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما دخل على أم إبراهيم ونظر إليها لم يتمالك حتى واقعها فحملت من ساعتها بإبراهيم. قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها. قالوا: فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ثم رجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع كذا، فانطلق إليه أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سرباً في النهر فواراه فيه وسد بابه بصخرة مخافة السباع. وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصلح بالمولود ثم سدت عليها باب المغارة ثم رجعت إلى بيتها. وكانت تختلف إليه لتنظر ما فعل فتجده حياً وهو يمص إبهامه. قال أبو روق: قالت أم إبراهيم لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبناً، ومن أصبع سمناً، ومن أصبع عسلاً، ومن أصبع تمراً. وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل فقالت: ولدت غلاماً فما صدقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة فلم يمكث في المغارة إلا خمسة عشر شهراً حتى قال: أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض. وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وساقني لربي الذي ما لي إله غيره ونظر في السماء فرأى كوكباً قال: هذا ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال: لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً، قال: هذا ربي وأتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب ثم طلعت الشمس قال هكذا إلى آخره ثم رجعت به إلى أبيه آزر قد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك. فلما رجعت به أمه، أخبرته أنه ابنه وأخبرته بما صنعت به فسر بذلك وفرح فرحاً شديداً. وقيل: إنه مكث في السرب سبع سنين. وقيل: ثلاث عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة. قالوا: فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا. قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت، ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك. ثم أخبرته بما قال فأتاه أبو آزر فقال إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك. قال: فمن رب أمي؟ قال: انا. قال: فمن ربك؟ قال: نمرود. قال فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال: اسكت. فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكباً قال: هذا ربي ويقال إنه قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من باب السرب حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فسأل أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل وغنم. فقال إبراهيم: ما لهذه بد من أن يكون لها إله وهو ربها وخالقها. ثم نظر، فإذا المشتري قد طلع ويقال إنها الزهرة، وكانت تلك الليلة من آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فرأى الكوكب قبل القمر فذلك قوله عز وجل: {فلما جن عليه الليل} يعني ستره بظلامه رأى كوكباً قال {هذا ربي} ثم اختلف العلماء في وقت هذه الرؤية وفي وقت هذا القول هل كان قبل البلوغ أو بعده على قولين: أحدهما أنه كان قبل البلوغ في حال طفوليته وذلك قبل قيام الحجة عليه فلم يكن لهذا القول الذي صدر من إبراهيم في هذا الوقت اعتبار ولا يترتب عليه حكم لأن الأحكام إنما تثبت بعد البلوغ. وقيل: إن إبراهيم لما خرج من السرب في حال صغره ونظر إلى السماء وما فيها من العجائب ونظر إلى الأرض وما فيها من العجائب وكان قد خصه الله بالعقل الكامل والفطرة السليمة تفكر في نفسه وقال لا بد لهذا الخلق من خالق مدبر وهو إله الخلق، ثم نظر في حال تفكره فرأى الكوكب وقد أزهر، فقال: هذا ربي على ما سبق إلى وهمه وذلك في حال طفوليته وقبل استحكام النظر في معرفة الرب سبحانه وتعالى واستدل أصحاب هذا القول على صحته بقوله {أية : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين}تفسير : [الأَنعام: 77] قالوا وهذا يدل على نوع تحير وذلك لا يكون إلا في حال الصغر وقبل البلوغ وقيام الحجة وهذا القول ليس بسديد ولا مَرْضي لأن الأنبياء معصومون في كل حال من الأحوال وأنه لا يجوز أن يكون لله عز وجل رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو بالله عارف وله موحد وله من كل منقصة منزه ومن كل معبود سواه برئ وكيف يتوهم هذا على إبراهيم وقد عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السموات والأرض أفبرؤية الكوكب يقول معتقداً هذا ربي؟ حاشا إبراهيم صلى الله عليه وسلم من ذلك لأن منصبه أعلى وأشرف من ذلك صلى الله عليه وسلم. والقول الثاني: الذي عليه جمهور المحققين إن هذه الرؤية وهذا القول كان بعد بلوغ إبراهيم وحين شرفه الله بالنبوة وأكرمه بالرسالة ثم اختلف أصحاب هذا القول في تأويل الآية ومعناها فذكروا فيها وجوهاً: الوجه الأول: أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج قومه بهذا القول ويعرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم وعبادتها لأنهم كانوا يرون أن كل الأمور إليها، فأراهم إبراهيم أنه معظِّمُ ما عظموه فلما أفل الكوكب والقمر والشمس أراهم النقص الداخل على النجوم بسبب الغيبوبة والأقوال ليثبت خطأ ما كانوا يعتقدون فيها من الألوهية. ومثل هذا كمثل الحواري الذي ورد على قوم كانوا يعبدون صنماً فأظهر تعظيمه فأكرموه لذلك حتى صاروا يصدرون عن رأيه في كثير من أمورهم إلى أن دهمهم عدو لا قبل لهم به فشاوروه في أمر هذا العدو فقال: الرأي عندي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما نزل بنا، فاجتمعوا حول الصنم يتضرعون إليه فلم يغنِ شيئاً فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يدفع، دعاهم الحواري وأمرهم أن يدعو الله عز وجل ويسألوه أن يكشف ما نزل بهم، فدعو الله مخلصين، فصرف عنهم ما كانوا يحذرون فأسلموا جميعاً. الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال هذا القول على سبيل الاستفهام وهو استفهام إنكار وتوبيخ لقومه وتقديره: أهذا ربي الذي تزعمون، وإسقاط حرف الاستفهام كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى:{أية : أفإن مت فهم الخالدون}تفسير : [الأَنبياء: 34] يعني أفهم الخالدون. والمعنى أيكون هذا رباً ودلائل النقص فيه ظاهرة. الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك على وجه الاحتجاج على قومه يقول هذا ربي بزعمكم فلما غاب قال لو كان إلهاً كما تزعمون لما غاب فهو كقوله {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم}تفسير : [الدخان: 49] يعني عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى عليه السلام بقوله تعالى:{أية : وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً}تفسير : [طه: 97] يريد إلهك بزعمك. الوجه الرابع: إن في هذه الآية إضماراً تقديره يقولون {هذا ربي} وإضمار القول كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى:{أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا}تفسير : [البقرة: 127] أي يقولان {أية : ربنا تقبل منا} تفسير : [البقرة: 127] الوجه الخامس: إن الله تعالى قال في حقه {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} ثم قال بعده {فلما جن عليه الليل} والفاء تقتضي التعقيب فدل هذا أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض وبعض الإيقان ومن كان معه بهذه المنزلة العالية الشريفة لا يليق بحاله أن يعبد الكواكب ويتخذها رباً. فأما الجواب عن قوله:{أية : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} تفسير : [الأَنعام: 77] فإن الأنبياء عليهم السلام لم يزالوا يسألون الله التثبيت ومنه قوله {أية : واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام}تفسير : [إِبراهيم: 35] قوله تعالى: {فلما أفل} يعني غاب والأفول غيبة النيرات {قال} يعني إبراهيم {لا أحب الآفلين} يعني لا أحب رباً يغيب ويطلع لأن أمارات الحدوث فيه ظاهرة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إني أراك} بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع {لأبيه آزر} بالضم على النداء: يعقوب {رأى كوكباً} بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش. وكذلك {رآه} و {رآك} وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة. وافق ابن ذكوان في {رأى} فقط وخالفهم فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم. وافق مجاهد والنقاش بالإمالة وكسر الراء في سورة "اقرأ باسم" {رأى القمر} و {رأى الشمس} ونحوهما بكسر الراء وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز. وروى خلف عن يحي بكسر الراء والهمزة {أتحاجوني} بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. الباقون: بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية {وقد هدان} بالإمالة: علي. وقرأ سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد واسماعيل في الوصل. {درجات} بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب. الوقوف: {آلهة} ج للابتداء بأن مع اتحاد القول {مبين} ه {الموقنين} ه {رأى كوكباً} ج لأن جواب "لما" قوله "رأى" مع اتحاد الكلام بلا عطف {ربي} ج لأن جواب "لما" منتظر مع فاء التعقيب فيها. {الآفلين} ه {هذا ربي} ج لذلك {الضالين} ه {هذا أكبر} ج لذلك {يشركون} ه {المشركين} ج لاحتمال الواو الحال أي وقد حاجه. {قومه} ط {هدان} ط لانتهاء الاستفهام {شيئا} ط {علما} ط {تتذكرون} ه {سلطانا} ط للاستفهام بعد تمام الاستفهام {بالأمن} ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف التقدير: إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام {تعلمون} ه لتناهي الاستفهام وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله {يهتدون} ه {على قومه} ط {من نشاء} ط {عليم} ه. التفسير: إنه سبحانه كثيراً ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان. ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح. قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب. والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما. سلمنا أن اسمه كان "تارح" لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقباً والآخر اسماً أصلياً، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول. وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب. وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب قال تعالى {أية : يوم ندعو كل أناس بإمامهم}تفسير : [الإسراء: 71] وقال الشاعر: شعر : أدعى بأسماء نبزاً في قبائلها كأن أسماء أضحت بعض أسمائي. تفسير : أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عماً له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله {أية : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق} تفسير : [البقرة: 133] ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب. ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصاً متهالكين على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحداً من آباء الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان كافراً وفسروا قوله {أية : وتقلبك في الساجدين} تفسير : [الشعراء: 219] بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات"تفسير : وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والداً له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} وقد قال تعالى {أية : ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما} تفسير : [الإسراء: 23] ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ "آزر" بالضم. والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله {أية : وقال موسى لأخيه هارون اخلفني} تفسير : [الأعراف: 142] وأجيب بأن قوله {أية : وتقلبك في الساجدين} تفسير : [الشعراء: 219] يحتمل وجوهاً أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله "لم أزل أنتقل" محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحاً. والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال {أية : فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} تفسير : [التوبة: 114] لا لأجل السفه والجفاء لقوله {أية : إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب} تفسير : [هود: 75] ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكراً على آزر وقومه {أتتخذ أصناماً آلهة} أي معبودين. وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافياً فلما لم يكن الواحد كافياً دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله تعالى، وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه {وكذلك} أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله {نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل "أريناه" بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟ فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته سبحانه غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضاً غير متناهية. فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله تعالى، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله تعالى وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت! ولهذا قيل: السفر إلى الله تعالى له نهاية، فأما السفر في الله سبحانه فإنه بلا نهاية. والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة. قال بعضهم: إنه سبحانه أراه الملكوت بالعين. قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب. عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله تعالى له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم. وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعاً. وأيضاً قوله {فلما جن عليه الليل} جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم. ثم قال بالآخرة {وتلك حجتنا} والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه. وأيضاً الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة. وأيضاً اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سبباً للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون {أية : ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى} تفسير : [طه: 56] وأيضاً الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله. أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع صفحة الملكوت بعين عقله وسمع بأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح بالله. وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} تفسير : [فصلت: 53] إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في دعائه "أرني الأشياء كما هي" ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون جارياً مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نوراً وإشراقاً وانبساطاً إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله {فلما جن عليه الليل} قال في الكشاف: إنه معطوف على قوله {وإذ قال إبراهيم} وقوله {وكذلك نرى} جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه. يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل. والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة والجن والمجنون والجنين. وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا التضمين عدي بــ"على". وأما "أجنة" فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم. واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه. فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم إبراهيم عليه السلام به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل عليه السلام فوضع أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل عليه السلام وكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه. وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها: من ربي؟ فقالت: أنا. فقال: من ربك؟ فقالت: أبوك. فقال لأبيه: من ربك؟ فقال: ملك البلد. فعرف إبراهيم جهلهما بربهما. فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي إلى آخر القصة. ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم من قال: كان هذا قبل البلوغ. وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق. ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله تعالى أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله {أية : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} تفسير : [مريم: 42] الآيات. وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة. ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله {فلما جن} ومنها أنه تعالى وصفه بقوله {أية : إذ جاء ربه بقلب سليم} تفسير : [الصافات: 84] ومدحه بقوله {أية : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} تفسير : [الأنبياء: 5] أي من أول زمان الفطرة. ومنها قوله عقيب هذه القصة {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ولم يقل "على نفسه". ومنها أنه قال بعد القصة {يا قوم إني بريء مما تشركون} مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم. ومنها قوله {وحاجة قومه} وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال {لا أحب الآفلين} رداً وتنبيهاً على فساد قولهم، ويؤكده قوله {كيف أخاف ما أشركتم} لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود {أية : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} تفسير : [هود: 54] ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم. والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس. ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً. فقولك "الجسم قديم" إعادة لكلام الخصم لإلزام الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده. قال تعالى {أية : ويوم يناديهم فيقول أين شركائي} تفسير : [القصص: 62] وقال {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم} تفسير : [الدخان: 49] أي عند نفسك. وكان صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : يا إله الآلهة في زعمهمتفسير : . أو المراد منه لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا} تفسير : [البقرة: 127] أي يقولان ربنا {أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم} تفسير : [الزمر: 3] أي يقولون: ما نعبدهم {أية : إلا ليقربونا} تفسير : [الزمر: 3] أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه عليه السلام قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم مع أن إبراهيم كان مطمئناً بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد إلى الدعوة المأمور بها طريقاً سوى ذلك. وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة تعود إلى شخص واحد لقوله تعالى {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106] فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى. قالت العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر. ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم. وإن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله {أية : فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} تفسير : [الصافات: 88] وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام قال المتكلمون: إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوّة كاذباً لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا ههنا قوله {هذا ربي} لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزاً. الاحتمال الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم فقال {هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس {إني بريء مما تشركون} واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن الإرهاص - وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى - جائز عندنا. ولم يجوّزه القاضي إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله تعالى فتكون تلك الخوارق معجزة لذلك الرسول. قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب. وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في الآية لا يصح لأنه تعالى بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعاً لا حين بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغاً. ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب بالذات. وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم. وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال:إن لها تأثيرات في أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد الكل إلى الواجب سبحانه وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم النيرات، فيجب أن يكون قادراً على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدأ بحال،ويعلم من قوله {لا أحب الآفلين} أنه تعالى ليس بجسم وإلا كان غائباً عنا فكان آفلاً، وإنه لا يصح عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة. وفيه أن معارف الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلى النظر والاستدلال. أما قوله {فلما رأى القمر بازغاً} يقال بزغ القمر أو الشمس إذا ابتدأ بالطلوع. وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً قاله الأزهري. وفي قوله {إن لم يهدني ربي} إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله تعالى. والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ذلك كان حاصلاً فالهداية التي كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن كانت بتاء مبالغة {هذا أكبر} أي أكبر الكواكب جرماً ونوراً، وقد برهن في الهيئة على أنها مائة وستة وستون مثلاً لكرة الأرض كلها. وإنما لم يقتصر على ذكر الشمس أوّلاً مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير {يا قوم إني بريء مما تشركون} قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقاً. والجواب أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أرباباً ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق. ومعنى {وجهت وجهي للذي فطر} وجهت عبادتي لأجله فإن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة. وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله تعالى. قال أبو العالية: الذي يستقبل البيت في صلاته. ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم {أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة} تفسير : [الزخرف: 22] وكقولهم للرسول صلى الله عليه وسلم {أية : أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب}تفسير : [ص: 5] ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله {أتحاجوني في الله وقد هدان} أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟ {ولا أخاف ما تشركون به} لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر {إلا أن يشاء} إلا وقت مشيئة {ربي} شيئاً يخاف. فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله تعالى، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام {وسع ربي كل شيء علماً} فلا يفعل إلا الخير والصلاح {أفلا تتذكرون} أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟ ثم أكد ذلك بقوله {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} إذ لا سلطان فينزل. وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء، ولكنه لم يؤمر به. والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟ ثم قال {فأي الفريقين} يعني فريقي المشركين والموحدين. ولم يقل "فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم" اجتناباً عن تزكية نفسه. والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله {الذين آمنوا} الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله {ولم يلبسوا} أي لم يخلطوا إيمانهم {بظلم}. قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم داخلاً في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق مؤمن. وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم الظلم. فوجب أن لا يحصل إلا من الفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبداً. وأجيب بأن الظلم ههنا الشرك لقوله {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكاً في المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفس الأضداد والأنداد. وأيضاً لا يلزم من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي. واعلم أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح وذلك إذا كان الغرض تقريراً لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله {فلما جن عليه الليل} إلى ههنا وإليها الإشارة بقوله {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} أرشدناه إليها ووفقناه لها {نرفع درجات من نشاء} من قرأ بالإضافة فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله {أية : ورفع بعضهم درجات} تفسير : [البقرة: 253] وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب. أو نرفع درجات من نشاء بالحكمة والعلم {إن ربك حكيم عليم} فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا لموجب التشهي والشهوة. التأويل: رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه {فلما جن عليه} ظلمة ليل البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعاً من أفق سماء روحانيته فقال: {هذا ربي} أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه كما قيل: شعر : هوى فؤادي ولم يعلم به بدني فالجسم في غربة والروح في وطن تفسير : فإن كذبت النفس فيما قالت للكواكب "هذا ربي" ما كذب الفؤاد ما رأى من الكوكب. فقال {هذا ربي} فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره {لا أحب الآفلين} فلما تسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر {قال هذا ربي فلما أفل} عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن {لم يهدني ربي} برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة {لأكونن من القوم الضالين} عن الحق كآزر وقومه. فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب بنور ربها {قال هذا ربي فلما أفلت} شمس الهداية تعززاً وتعظماً ليغرب إبراهيم عليه السلام عن شرك الأنانية. شعر : إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليست تغيب. تفسير : تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال. فقال {يا قوم إني بريء مما تشركون} وقد يدور في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشهبة فنظر أولاً في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في أفق الإمكان فلم يبقَ إلا الواجب الحق. ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستولٍ عليها {وحاجة قومه} ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد توالي البرهان {إلا أن يشاء ربي شيئاً} من الخذلان وهذا محال لأنه {وسع ربي كل شيء علماً} فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا {وتلك} يعني إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات {آتيناها إبراهيم} بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه {نرفع درجات من نشاء} بجذبات الألوهية عن حضيض الأنانية الله حسبي.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً إِنِّي أَرَٰكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، قال الطبري: نبه اللَّه نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم على الاِقتداء بإبراهيم في محاجَّته قومَه؛ إذ كانوا أهل أصْنَام، وكان قومُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أهْلَ أصنام، وقوله: {أَصْنَاماً ءَالِهَةً}: مفعولانِ، وذُكِرَ أن آزر أبا إبراهيِمَ ـــ عليه السلام ـــ كَانَ نَجَّاراً محسناً، ومهنْدِساً، وكان نُمْرُود يتعلَّق بالهندسةِ والنجُومِ، فحَظِيَ عنده آزر لذلك، وكان علَىٰ خُطَّةِ عملِ الأَصنامِ تُعْمَلُ بأمره وتَدْبيره، ويَطْبَع هو في الصنمِ بخَتْمٍ معلومٍ عنده؛ وحينئذٍ يُعْبَدُ ذلك الصنمُ، فلما نشأ إبراهيمُ ٱبْنُهُ على الصفة التي تأتي بعْدُ، كان أبوه يكلِّفه ببيعها، فكان إبراهيم ينادِي عليها: مَنْ يَشْتَري ما يضرُّه ولا ينفعه، ويستخفُّ بها، ويجعلها في الماءِ منكوسةً، ويقول لها: ٱشْرَبِي، فلما ٱشتهر أمْرُه بذلك، وأخذ في الدعاءِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، قال لأبيه هذه المقالةَ، و {أَرَٰكَ}؛ في هذا الموضعِ: يشترك فيها القلبُ والبصرُ، و {مُّبِينٌ}: بمعنى: ظاهر واضح. وقوله سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: الآيةُ المتقدِّمةُ تقْضِي بهدايةِ إبْرَاهيم ـــ عليه السلام ـــ، والإشارةُ بـ «ذلك» هي إلى تلك الهداية، أي: وكما هدَيْنَاه إلى الدعاء إلى اللَّه وإنكارِ الكُفْر، أريناه ملكوتَ، و {نُرِي}: لفظها: الاستقبال، ومعناها: المضيُّ، وهذه الرؤْية قيل: هي رؤية البَصَر، ورُوِيَ في ذلك؛ أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ فرج لإِبراهيم ـــ عليه السلام ـــ السمواتِ والأرْضَ؛ حتَّىٰ رأَى ببَصَره الملكوتَ الأعلَىٰ، والملكوتَ الأسفلَ؛ وهذا هو قولُ مجاهدٍ قال: تفرَّجتْ له السمواتُ والأرَضُون، فرأَىٰ مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ، وقيل: هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ ورؤيةِ القَلْب: ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقيل: هي رؤية قَلْب، رأَىٰ بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، و {مَلَكُوتَ}: بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول: لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي: مُلْكُه، واللام في: {لِيَكُونَ}: متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره: وليكونَ من الموقنين، أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ: العالِمُ بالشيء علماً لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} قال: جَلَّىٰ له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له: إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يَرَىٰ أعمالهم.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنه - تعالى - يَحْتَجُّ كثيراً على مشركي العرب بأحوال إبراهيم - عليه السلام - وذلك لأنه رَجُلٌ يَعْتَرفُ بِفَضْلِهِ جميع الطوائف والملل، فالمشركون كانوا معترفين بفضله، مُتَشَرِّفين بأنهم من أولاده، وسائر الملل تعظمه، فلهذا السبب ذكر الله حالُه في معرض الاحتجاج، والسبب في حصول هذه المرتبة العظيمة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنّه سلَّمَ قلبه للعرفان, ولسانهُ للبرهان، وبَدنَهُ للنيران، وولدَهُ للقربان، ومَالهُ للضِّيفانِ. أما تسليم قلبه للعرفان، فهو قوله: {أية : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة:131]. وأما تسليم لسانه للبرهان: فَمُنَاظَرتُهُ مع نمرود، حيث قال: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة:258] ومناظرته مع الكفار بالفعل حين كسَّر أصنامهم، وجعلها جُذَاذاً، وقوله بعد ذلك: {أية : أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ} تفسير : [الأنبياء:66]. وأما تسليم بدنه للنيران: فحين ألْقِيَ فيها. وأما تسليم ولده لِلْقُربانِ: فحين أمر بذبح ولده "فَتَلَّهُ للجَبِينِ". وأما تسليم ماله للضيفان: فمشهورة. قوله: "وإذ قال" "إذ" منصوب بفعل محذوف، أي: اذكر، وهو معطوف على "أقيموا": قاله أبو البقاء، وقال: في محل خَفْضٍ بالظرف. قوله: "آزَرَ" الجمهور على "آزرَ" بزنة "آدم"، مفتوح الزاي والراء، وإعرابه حينئذ على أوجه: أحدها: أنه بدلٌ من أبيه، أو عطف بيان له إن كان آزر لَقَباً له، وإن كان صفة له بمعنى المخطئ [كما قال الزجاج] أو المعوج كما قاله الفراء، وسليمان التيمي، أو الشيخ الهرم كما قاله الضحاك فيكون نعتاً لـ "أبيه"، أو حالاً منه بمعنى: وهو في حال اعْوِجَاج أو خطأ، وينسب للزجاج. وإن قيل: إن "آزر" كان اسم صنم كان أبوه يعبده، كما قاله سعيد بن المسيب ومجاهد، فيكون إذ ذاك عطف بيان لـ "أبيه" أو بدلاً منه، ووجه ذلك أنه لما لازم عبادته نُبِزَ به وصار لقباً له كما قال بعض المحدثين: [البسيط] شعر : 2208- أدْعَى بِأسْمَاءَ نَبْزاً فِي قَبَائِلِهَا كَأنَّ أسْمَاءَ أضْحتْ بَعْضَ أسمَائِي تفسير : كذا نَسَبَهُ الزمخشري إلى بعض المحدثين، ونسبه أبو حيان لبعض النحويين. قال الزمخشري: "كما نبز ابن قيس بـ "الرقيات" [اللاتي كان يُشبِّبُ بهن فقيل: ابن قيس الرُّقَيَّات"] أو يكون على حذف مضاف، أي لـ "أبيه" عابد آزر، ثم حذف المضاف, وأقيم المضاف إليه مُقَامَهُ، وعلى هذا فيكون عابد صفة لـ "أبيه" أعْرِبَ هذا بإعرابه، أو يكون منصوباً على الذَّمِّ. و"آزر" ممنوع من الصرف، واختلف في عِلِّةِ منعه، فقال الزمخشري: والأقرب أن يكون وزن "آزر" "فاعل" كـ "عابر" و"شالخ" و"فالغ" فعلى هذا هو ممنوع للعلميّة والعُجْمَةِ. وقال أبو البقاء: ووزنه "أفعل" ولم ينصرف للعُجْمَةِ، والتعريف على قول من لم يشتقه من الأزر أو الوزر، ومن اشْتَقَّهُ من واحد منهما قال: هو عربي, ولم يصرفه للتعريف، ووزن الفعل، وهذا الخلاف يشبه الخلاف في "آدم" وقد تقدَّم أن اختيار الزمخشري فيه أنه "فاعل" كـ"عابر" ومن جرى على ذلك، وإذا قلنا بكونه صِفَةً على ما قاله الزَّجَّاجُ بمعنى المخطئ، أو بمعنى المعوج، أو بمعنى الهرم، كما قاله الفراء والضحاك، فيشكل مَنْعُ صرفه، وسيشكل أيضاً وقوعه صِفَةً للمعرفة. وقد يُجَابُ عن الأول بأن الإشكال قد يندفع بادِّعاءِ وزنه على "أفعل"، فيمتنع حينئذ للوزن والصفة كـ "أحمر" وبابه، وأما على قول الزمخشري فلا يَتَمَشَّى ذلك. وعن الثاني: بأنا لا نُسَلِّمُ أنه نَعْتٌ لأبيه، حتى يلزم وصف المعارف بالنكرات، بل هو منصوب على الذَّمِّ، أو على نِيَّةِ الألف واللام قالهما الزجاج. والثاني ضعيف؛ لأنه حَذَفَ "أل" وأراد معناها؛ إما أن يؤثّر منع الصرف كما في "سحر" ليوم بعينه، ويسمى عدلاً؛ وإما أن يؤثِّر بناءً ويسمى تَضَمناً كـ "أمس" وفي "سحر" و "أمس" كلام طويل، ولا يمكن أن يقال: إن "آزر" امتنع من الصرف كما امتنع "سحر" أي للعدل عن "أل"؛ لأن العدلَ يمنع فيه مع التعريف، فإنه لوقت بعينه، بخلاف هذا فإنه وصف كما فرضتم. وقرا أبَيُّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، والحسن، ومجاهد، ويعقوب في آخرين بضم الراء على أنه منادى حذف حرف ندائه كقوله تعالى: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} تفسير : [يوسف:29] أو كقوله: [الطويل] شعر : 2209- لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ .................... تفسير : في أحد الوجهين، أي يا يزيد، ويُؤيِّدُهُ ما في مصحف أبيّ: "يا آزر" بإثبات حرفه، وهذا إنما يَتَمَشَّى على دعوى أنه عَلَمٌ، وإما على دعوى وَصْفِيَّتِهِ فضعيف؛ لأن حذف حرف النداء يقل فيها كقولهم: [الخفيف] شعر : 2210- افْتَدِ مَعْتُوقُ وصَاحِ شَمِّرْ ..................... تفسير : وقرأ ابن عباس في رواية "أأزْراً" بهمزتين مفتوحتين [وزاي ساكنة] وراء منونه منصوبة، و "تتخذ" بدون همزة استفهام، ولما حكى الزمخشري هذه القراءة لم يسقط همزة الاستفهام من "أتتخذ" فأما على القراءة الأولى، فقال ابن عطية مُفَسِّراُ لمعناها: "أعَضُداً وقُوَّةً ومُظَاهرةً على الله تتَّخذ"، وهو من قوله: {أية : ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} تفسير : [طه:31] انتهى. وعلى هذا فيحتمل "آزراً" أن ينتصب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مَفْعُولٌ من أجله و"أصناماً آلهة" منصوب بـ "تتخذ" على ما سيأتي بيانه، والمعنى: أتتخذ أصْنَاماً آلهة لأجل القوة والمُظَاهرة. والثاني: أنه ينتصب على الحال؛ لأنها في الأصْلِ صفة لـ "أصنافاً" فلما قُدِّمَتْ عليها، وعلى عاملها انتصبت على الحال. والثالث: أن يتصب على أنه مفعول ثانٍ قُدِّم على عامله، والأصل: أتتخذ أصناماً آلهة آزراً، أي قوة ومُظَاهرةٍ. وأما القراءة الثَّانية فقال الزمخشري: وهو اسم صَنَمٍ، ومعناه أتعبد آزراً على الإنكار، ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار؛ لأنه كالبيانِ له، فعلى هذا "آزراً" منصوب بفعل محذوف يَدُلُّ عليه المعنى، ولكن قوله: "وهو داخل في حكم الإنكار" يقوي أنه لم يقرأ "أتتخذ" بهمزة الاستفهام؛ لأنه لو كان معه همزة استفهام لكان مستقلاًّ بالإنكار، ولم يحتج أن يقول: هو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له. وقرأ ابن عبَّاسٍ أيضاً وأبو إسماعيل "أإزراً" بهمزة استفهام بعدها همزة مكسورة، ونصب الراء منونة، فجعلها ابن عطيَّة بدلاً من واو اشتقاقاً من الوزر كـ "إسادة" و"إشاح" في: "وسادة" و"وشاح". وقال أبو البقاءِ: وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ الهمزة الثانية فاء الكلمة، وليست بَدَلاً من شيء, ومعناها الثقل وجعله الزمخشري اسم صَنَمٍ، والكلام فيه كالكلام في "أزراً" المفتوح الهمزة وقد تقدم. وقر الأعمش: "إزْراً تَتَّخِذُ" بدون همزة استفهام، ولكن بكسر الهمزة وسكون الزاي ونصب الراء منونة، ونصبه واضح مما تقدَّم، و"تَتَّخِذُ" يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين بمعنى التَّصْييريَّةِ، وأن تكون المتعدية لواحد؛ لأنها بمعنى "عمل"، ويحكى في التفسير أنَّ أباه كان ينحتها ويصنعها، والجملة الاستفهامية في مَحَلِّ نصب بالقول، وكذلك قوله: "إنِّي اراك" و "أراك" يحتمل أن تكون العلمية، وهو الظَّاهر فتتعدى لاثنين، وأن تكون بَصَريَّة، وليس بذاك فـ "في ضلال" حالٌ، وعلى كلا التقديرين يتعلق بمحذوف، إلاَّ أنه في الأوَّل أحد جزئي الكلام، وفي الثَّاني فَضْلَةٌ. "مُبِين" اسم فاعل من "أبان" [لازماً] بمعنى ظَهَرَ، ويجوز أن يكون من المُتَعدِّي, والمفعول محذوف، أي: مبين كفركم بخالقكم، وعلى هذا فقول ابن عطية ليس بالفعل المُتعدِّي المنقول من بان يبين غير مسلم، وجعل الضلال ظرفاً محيطاً بهم مبالغة في اتِّصِافِهِمْ به، فهو أبلغ من قوله: "أرَاكُمْ ضَالِّينَ". فصل في اختلاف المفسرين حول "آزر" قال محمد بن إسحاق، والضحاك، والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم عليه السلام وهو تارح أيضاً مثل إسرائيل ويعقوب، وكان من "كوثى" قرية من سواد "الكوفة" وقال مقاتل بن حيان وغيره: آزر لقب لأبي إبراهيم واسمه تارح. وقال سليمان التيمي هو سَبُّ وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج. وقيل: معناه الشيخ الهرم بالخوارزمية والفارسية أيضاً وهذان الوجهان مبنيان على من يقول: إن في القرآن ألفاظاً قليلة غير عربية. وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد: آزر صنم، وإنما سمي والد إبراهيم به لوجهين: أحدهما: أنه جعل نفسه مُختَصاً بعبادته، ومن بالغ في مَحَبَّةِ أحد، فقد يُجْعَلُ اسم المحبوب اسماً للمحب؛ قال تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} تفسير : [الإسراء:71]. الثاني: أن يكون المراد عابد آزر، فحذف المضاف، وأضيف المضاف إليه مُقَامَهُ. وقيل: إن والد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان اسمه تارح، وكان آزر عمَّا له، والعم قد يُطْلَقُ عليه لفظ الأب، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [البقرة:133]. ومعلوم أن إسماعيل كان عمَّا ليعقوب، وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : رُدُّوا عَلَيَّ أبي العبَّاسَ" تفسير : فكذا هاهنا. قال ابن الخطيب: وهذه التَّكالِيفُ إنما يجب المَصِيرُ إليها إذا دَلَّ قَاهِرٌ على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر، وهذا الدليل لم يوجد ألبتة، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات؟ ومما يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قلنا أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحِرْصِ على تكذيب الرسول وإظهار النسب. فصل في دحض شبهة للشيعة قالت الشيعة: إن أحَداً من آباء الرسول وأجْدَادِهِ ما كان كافراً، وأنكروا كون والد إبراهيم كافراً، وقالوا: إن آزر كان عَمَّ إبراهيم، واحتجوا بوجوه: الأوَّل: أن آباء الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ما كانوا كُفَّاراً لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِين} تفسير : [الشعراء:219]. قيل: معناه أنه كان ينتقل روحه من ساجد إلى ساجد فَدَلَّت الآية على أن آباء محمد - عليه السلام - كانوا مسلمين. وحينئذ يجب القَطْعُ بأن والد إبراهيم كان مسلماً. فإن قيل: قوله: {أية : وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِين} تفسير : [الشعراء:219] يحتمل وجوهاً: منها: أنه لما نُسِخَ فَرْضُ قيام الليل طَافَ الرسول تلك الليلة على بُيُوتِ أصحابه لينظر ماذا [يصنعون لشدة] حرصه على ما يظهر منهم من الطَّاعاتِ،فوجدها كَبُيُوتِ الزَّنَابير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتَهْليلهم، فيحتمل أن يكون المراد من تقلبه في الساجدين طَوَافَهُ في تلك الليلة [على الساجدين] ويحتمل أن يكون المراد صلاته بالجماعة، واختلاطه بهم حال الصَّلاةِ. ويحتمل أن يكون المراد تَقَلُّبَ بَصَرِهِ فيمن يُصَلِّي خلفه لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام "حديث : أتِمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجود فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ". تفسير : ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يخفى حالك على الله - تعالى - كلما أقمت وتقلبت في الساجدين في الاشتغال بأمور الدين. وإذا احتمل ظَاهِرُ الآية هذه الوجوه سقط ما ذكرتم. فالجواب: لفظ الآية يحتمل الكُلِّ، ويحصل المقصود حينئذ، لأن حَمْلَ ظاهر الآية على البَعْضِ ليس بأوْلَى من البَعْضِ ومما يَدُلُّ على أن أحداً من آباء محمد عليه الصلاة والسلام ما كانوا مُشْرِكينَ قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَمْ أزَل أُنْقَلُ مِنْ أصْلابِ الطَّاهرينَ إلى أرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ"تفسير : . وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة:28] فوجب القول بأن أحداً من أجداده ما كان مشركاً، فوجب القَطْعُ بأن والد إبراهيم كان إنْساناً آخر غير آزر. الحُجَّةُ الثانية: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام شَافَهَهُ بالغِلْظَةِ والجَفَاءِ، ومُشَافَهَةُ الأب بذلك لا يجوز، أما مشافهته بالجَفَاءِ والغِلْظَةِ فمن وجهين: أحدهما: على قراءة الضم يكون محمولاً على النداء, ونداء الأب بالاسم الأصْلِيّ من أعظم أنواع الإيذاء. وثانيهما: إذا قلنا بأنه المعوج أو المخطئ أو اسم الصَّنم. فتسميته له بذلك من أعْظَمِ أنواع الإيذاء له، وإنما قلنا: إن مشافهة الآباء بالجَفَاءِ والغِلْظَةِ لا تجوز لقوله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء:23] وقال تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} تفسير : >[الإسراء:23] وهذا عام في حَقِّ الأب الكافر والمسلم. وأيضاً فلأمره - تعالى - موسى عليه الصلاة والسلام حين بعثه إلى فرعون [بالرِّفق مَعَهُ فقال تعالى:] {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} تفسير : [طه:44] وذلك لرعاية حَقِّ تَرْبِيَةِ فرعون لموسى فالوالد أوْلَى بالرِّفْقِ. وأيضاً فالدعوة مع الرِّفْقِ أكثر تأثيراً في القَلْبِ، وأما التغليظ فإنه يوجب التَّنْفيرَ والبُعْدَ عن القَبُولِ؛ قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَن} تفسير : [النحل:125] فكيف يليق بإبراهيم مثل هذه الخُشُونة مع أبيه. وأيضاً قال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} تفسير : [هود:75] فكيف يليق بالرَّجُلِ الحليم مثل هذا الجفاءِ مع الأب. الحجة الثالثة: قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : رُدُّوا عَلَيَّ أبِي العبَّاسَ" تفسير : يعني عمه. الحجة الرابعة: يحتمل أن آزر كان والدَ أم إبراهيم وقد يقال له: الأب؛ قال تعالى: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} تفسير : [الأنعام:84] إلى قوله: {أية : وَعِيسَى} تفسير : [الأنعام:85] فجعل عيسى من ذُرِّيَّةِ إبراهيم، مع أن إبراهيم كان جَدَّ عيسى من قبل الأم. و "حديث : قال عليه الصلاة والسلام في حق الحسن إنَّ ابْنِي هذا" تفسير : فثبت بهذه الوجوه ان "آزر" ما كان والد إبراهيم. والجواب عن الأوَّل أن نَصَّ الكتاب يَدُلُّ على أن آزر كان كافراً وأنه والد إبراهيم، وقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} تفسير : [التوبة:114]. وأما قوله: {أية : وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الشعراء:219] فقد تقدم أنه يحتمل وجوهاً. وقولهم: "وتُحْمَلُ الآية على الكل" فنقول: هذا مُحَال؛ لأن حَمْلَ اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضاً حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَمْ أزَل أُنْقَل مِنْ أصْلابِ الطَّاهِرِينَ إلى أرحَامِ الطَّاهراتِ ". تفسير : فذلك مَحْمُولٌ عل أنه [ما وقع في نَسَبِه] ما كان سِفَاحاً، كما وَرَد في حديث آخر "حديث : وُلِدْتُ مِنْ نكاحٍ لا مِنْ سفاحٍ ". تفسير : وأما قوله: التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم قلت: إنما أغْلَظَ عليه لأجل إصْرَارِهِ على الكُفْرِ، وإلاَّ فهو أول ما رفق به في المُخاطَبةِ، كما ذكر في سورة "مَرْيَمَ" {أية : يَٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي} تفسير : [الآية:43] {أية : يَٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} تفسير : [مريم:44] {أية : يَٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [مريم:45] وهذا غاية اللُّطْفِ والرِّفْقِ، فحين أصرَّ على كُفْرِهِ اسْتَحقَّ التغليظ، وقال: {أية : يَٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} تفسير : [مريم:46]. فصل في تحرير معنى "الصنم" والصَّنَمُ لُغَةً: كل جُثَةٍ صُوِّرَتْ من نُحَاسٍ أو فضَّةٍ وعُبِدَتْ مُتقرِّباً بها إلى اللَّهِ وقيل: ما اتُّخِذَ من صُفْرٍ ورِمُث ونحاس وحجر ونحوها فَصَنَمٌ، وما اتخذ من خَشبٍ فوثَنٌ وقيل بل هما بمعنى واحد. وقيل: الصَّنَمُ معرب من شمن، والصَّنم أيضاً العَبْدُ القوي، وهو أيضاً خبيث الرائحة، ويقال: صنم أي صور، ويضرب به المَثَلُ في الحُسْنِ وقال: [السريع] شعر : 2211- مَا دُمْيَةٌ مِنْ مَرْمَرٍ صُوِّرَتْ أوْ ظَبْيةٌ في خَمَرٍ عَاطِفُ أحْسَنَ مِنْهَا يَوْمَ قَالَتْ لَنَا والدَّمْعُ مِنْ مُقْلَتِها وَاكِفُ لأنْتَ أحْلَى مِنْ لَذيذِ الكَرَى ومِنْ أمَانٍ نَالَهُ خَائِفُ تفسير : وقال ابن الأثير: الصَّنَمُ كُلُّ معبود من دون الله تعالى. وقيل: ما كان له جسم أو صورة فهو صنم، وما لم يكن له جِسْمٌ أو صورة فهو وَثَنٌ وشمن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: آزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه يازر، وأمه اسمها مثلى، وامرأته اسمها سارة، وسريته أم اسمعيل اسمها هاجر، وداود بن أمين، ونوح بن لمك ويونس بن متى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال:اسم أبيه تارح، وأسم الصنم آزر . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال: ليس آزر بأبيه ولكن {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} وهن الآلهة، وهذا من تقديم القرآن، إنما هو إبراهيم بن تيرح. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان التيمي أنه قرأ {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة} قال: كان يقول أعضد، أتعتضد بالآلهة من دون الله لا تفعل؟ ويقول: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما اسمه تارح. قال أبو زرعة: بهمزتين (أءزر). وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: آزر أبو إبراهيم.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} منصوب على المفعولية بمضمرٍ خُوطب به النبـي عليه الصلاة والسلام معطوفٌ على {أية : قُلْ أَنَدْعُواْ }تفسير : [الأَنعام، الآية 71] لا على أقيموا كما قيل لفساد المعنى أي واذكر لهم بعد ما أنكرتَ عليهم عبادةَ ما لا يقدِرُ على نفعٍ وضُرَ وحققتَ أن الهدى هو هدى الله وما يتبعُه من شؤونه تعالى وقتَ قولِ إبراهيمَ الذي يدّعون أنهم على مِلّته موبّخاً {لأَِبِيهِ ءازَرَ} على عبادة الأصنام فإن ذلك مما يبكِّتُهم وينادي بفساد طريقتِهم، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقعَ فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ لما مر مراراً من المبالغة في إيجاب ذكرِها، وآزرُ بزنةِ آدم وعابَر وعازَر وفالَغ وكذلك تارَحُ، ذكره محمدُ بنُ إسحاقَ والضحاكُ والكلبـيُّ وكان من قريةٍ من سَواد الكوفة، ومُنعَ صَرْفُه للعُجمة والعَلَمية، وقيل: اسمُه بالسريانية تارَحُ وآزَرُ لقبُه المشهورُ وقيل: اسمُ صنمٍ لُقِّب هو به للزومه عبادتَه، فهو عطفُ بـيانٍ (لأبـيه) أو بدلٌ منه وقال الضحاك: معناه الشيخ الهرم، وقال الزجاج: المُخطىء وقال الفراءُ وسليمانُ التيمي: المعوَجُّ فهو نعتٌ له كما إذا جُعل مشتقاً من الأزْرِ أو الوِزر أو أريد به عابدُ آزرَ على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه وقرىء آزرُ على النداء وهو دليلُ العَلَمية إذ لا يُحذف حرفُ النداء إلا من الأعلام، {أَتَتَّخِذُ} متعدَ إلى مفعولين هما {أَصْنَاماً آلِهَة} أي أتجعلُها لنفسك آلهةً على توجيه الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية، وإنما إيرادُ صيغةِ الجمع باعتبار الوقوعِ، وقرىء أاَزْراً بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاءٍ ساكنةٍ وراءٍ منونةٍ منصوبةٍ وهو اسمُ صنم، ومعناه أتعبدُ أَزْراً ثم قيل: أتتخِذُ أصناماً آلهة؟ تثبـيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل تحت الإنكار لكونه بـيناً له، وقيل: الأزرُ القوة، والمعنى ألأَِجْلِ القوة والمظاهَرَةِ تتخذ أصناماً آلهة؟ إنكاراً لتعزُّزِه بها على طريقة قوله تعالى: {أية : أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} تفسير : [النساء، الآية 139] {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ} الذين يتبعونك في عبادتها {فِى ضَلَـٰلٍ} عن الحق {مُّبِينٌ} أي بـيِّنٌ كونُه ضلالاً لا اشتباهَ فيه أصلاً، والرؤيةُ إما علميةٌ فالظرفُ مفعولُها الثاني وإما بصَرية فهو حالٌ من المفعول والجملة تعليلٌ للإنكار والتوبـيخ. {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ} هذه الإراءةُ من الرؤية البصَريةِ المستعارةِ للمعرفة ونظرِ البصيرة، أي عرّفناه وبصَّرناه، وصيغةُ الاستقبال حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها، وذلك إشارةٌ إلى مصدرِ (نُري) لا إلى إراءةٍ أخرى مفهومةٍ من قوله: (إني أراك) وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ درجة المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمال تميـيزِه بذلك وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة، والكافُ لتأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف وأصل التقدير نُري إبراهيم إراءةً كائنة مثلَ تلك الإراءة فقُدّم على الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار المشارُ إليه نفسَ المؤكد لا نعتاً له أي ذلك التبصيرَ البديعَ نبصِّره عليه السلام {مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} أي ربوبـيته تعالى ومالكيته لهما وسلطانَه القاهرَ عليهما وكونَهما بما فيهما مربوباً ومملوكاً له تعالى لا تبصيراً آخَرَ أدنى منه، والملكوتُ مصدرٌ على زنة المبالغة كالرَهَبوت والجَبَروت، ومعناه الملكُ العظيمُ والسلطان القاهرُ، ثم هل هو مختصٌّ بمُلك الله عزَّ سلطانه أو لا فقد قيل، وقيل: والأول هو الأظهر، وبه قال الراغب، وقيل: ملكوتهما عجائبُهما وبدائعهما، روي أنه كُشف له عليه السلام عن السموات والأرض حتى العرشُ وأسفلُ الأرضين، وقيل: آياتُهما. وقيل: ملكوتُ السموات: الشمسُ والقمرُ والنجومُ، وملكوتُ الأرض الجبالُ والأشجار والبحارُ. وهذه الأقوالُ لا تقتضي أن تكون الإراءَةُ بصَريةً إذ ليس المرادُ بإراءةِ ما ذُكر من الأمور الحسية مجردَ تمكينِه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعَه على حقائقها وتعريفَها من حيثُ دلالتُها على شؤونه عز وجل، ولا ريبَ في أن ذلك ليس مما يُدرَك حِسّياً كما يُنبىء عنه اسمُ الإشارة المُفصِحُ عن كون المشار إليه أمراً بديعاً، فإن الإراءة البصَرية المعتادةَ بمعزلٍ من تلك المثابة، وقرىء (تُري) بالتاء وإسنادُ الفعل إلى الملكوت أي تُبصِره عليه السلام دلائل الربوبـية واللام في قوله تعالى: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخر، والجملةُ اعتراضٌ مقرِّر لما قبلها أي وليكون من زُمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجةَ عينِ اليقين من معرفة الله تعالى، فعلنا ما فعلنا من التبصير البديعِ المذكورِ لا لأمرٍ آخرَ فإن الوصولَ إلى تلك الغاية القاصيةِ كمالٌ مترتبٌ على ذلك التبصير لا عينُه وليس القصرُ لبـيان انحصار فائدتِه في ذلك، كيف لا وإرشادُ الخلق وإلزامُ المشركين كما سيأتي من فوائده بلا مرْية بل لبـيان أنه الأصلُ الأصيلُ والباقي من مستَتْبِعاته. وقيل: هي متعلقة بالفعل السابق والجملةُ معطوفة على علةٍ أخرى محذوفةٍ ينسحبُ عليها الكلامُ أي ليستدِلَّ بها وليكونَ الخ، فينبغي أن يُرادَ بملكوتهما بدائعُهما وآياتُهما لأن الاستدلالَ من غاياتِ إراءَتِها لا من غايات إراءةِ نفسِ الربوبـية.

القشيري

تفسير : الأصل متَّهَمٌ في الجحود، والنَّسْلُ متَّصِفٌ بالتوحيد، والحقُّ - سبحانه - يفعل ما يريد.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قال إبراهيم لابيه ءازر} اعلم ان ابراهيم عليه السلام لما سلم قلبه للعرفان ولسانه لاقامة البرهان على فساد طريق اهل الشرك والطغيان وسلم بدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان ثم انه سأل ربه وقال {أية : واجعل لى لسان صدق فى الآخرين} تفسير : [الشعراء: 84] وجب فى كرم الله تعالى انه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه فاجاب دعاءه وجعل جميع الطوائف واهل الاديان والملل معترفين بفضله حتى ان المشركين ايضا يعظمونه ويفتخرون بكونهم من اولاده ولما كانوا معترفين بفضله لا جرم جعل الله تعالى مناظرته مع قومه حجه على مشركى العرب اى واذكر يا محمد لاهل مكة وقت قول ابراهيم لابيه آزر اى مو بخاله على عبادة الاصنان فان ذلك مما يبكتهم وآزر عطف بيان لابيه وهو تارح بفتح الراء وسكون الحاء المهملة علمان لاب ابراهيم كاسرائيل ويعقوب او آزر لقبه وتارح اسم له وكان من قرية من سواد الكوفة يقال لها كوثى {أتتخذ اصناما آلهة} اى أتجعلها لنفسك آلهة على توجيه الانكار الى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية وانما اريد صيغة الجمع باعتبار الوقوع {إنى أرٰك وقومك} الذين يتبعونك فى عبادتها {فى ضلال} عن الحق {مبين} اى بين كونه ضلالا لا اشتباه فيه. والرؤية اما علمية فالظرف مفعولها الثانى واما بصرية فهو حال من المفعول والجملة تعليل للانكار والتوبيخ ثم اعلم ان عبادة الاصنام كفر فدلت الآية على ان آزر كان كافرا وذلك لا يقدح فى شأن نسب نبينا صلى الله عليه وسلم واما قوله عليه اسلام "حديث : لم ازل انقل من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات " .تفسير : فذلك محمول على انه ما وقع فى نسبه من ولد من الزنى ونكاح اهل الجاهلية صحيح كما يدل عليه قوله عليه السلام "حديث : ولدت من نكاح لا من سفاح " .تفسير : اى زنى وقوله "حديث : لما خلق الله تعالى آدم اهبطنى فى صلبه الى الارض وجعلنى فى صلب نوح فى السفينة وقذفنى فى صلب ابراهيم ثم لم يزل تعالى ينقلنى من الاصلاب الكريمة والارحام حتى اخرجنى بين ابوى لم يلتقيا على سفاح قط " .تفسير : ـ وروى ـ ان حواء لما وضعت شيثاً انتقل النور المحمدى من جبهتها الى جبهته ولما كبر وبلغ مبلغ الرجال اخذ آدم عليه العهود والمواثيق ان لا يودع هذا السر الا فى المطهرات المحصنات من النساء ليصل الى المطهرين من الرجال فانتقل ذلك النور الى يانش ويقال انوش ثم الى قنان ثم الى مهلائيل ثم الى يرد ثم الى خنوخ على وزن ثمود وهو ادريس عليه السلام ويقال اخنوخ ثم الى متوشلح ثم الى لمك ثم الى نوح عليه السلام ثم الى سام ابو العرب ثم الى رافخشذ ثم الى شالخ ثم الى عابر على وزن ناصر ويقال عبير على وزن جعفر ثم الى فالخ ويقال فاغل ثم الى ارغو ويقال راغو ثم الى شاروخ ثم الى ناخود ثم الى تارح وهو آزر ثم الى ابراهيم عليه السلام ثم الى اسماعيل عليه السلام وفيه لغة اخرى وهى اسمعين بالنون على ما حكاه النووى ثم الى قندار ثم الى حمل ثم الى النبت ثم الى سلامان ثم الى يشجب على وزن ينصر ثم الى يعرب على وزن ينصر ايضا ثم الى الهميسمع ثم الى اليسع ثم الى ادد ثم الى اد والى هنا اختلف فى اسماء اهل النسب بخلاف ما بعده ثم الى عدنان ثم الى معد ثم الى نزار ثم الى مضر ثم الى الياس بفتح الهمزة فى الابتداء والوصل وقيل بكسر الهمز ضد الرجاء ثم الى مدركة ثم الى خزيمة ثم الى كنانة ثم الى النضر ثم الى مالك ثم الى فهر ثم الى غالب ثم الى لوى ثم الى كعب ويجتمع عمر رضى الله عنه مع النبى عليه السلام فى النسب فى كعب ثم الى مرة ويجتمع ابو بكر مع النبى عليه السلام فى النسب فى مرة ثم الى كلاب ثم الى قصى ثم الى عبد مناف ثم الى هاشم ثم الى عبد المطلب ثم الى عبدالله اب السر المصون والدر المكنون محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ولم يرض بعض اهل العلم بما اشتهر بين الناس من عبادة قريش صنما استدلالا بقوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام {أية : واجنبنى وبنى أن نبعد الأصنام} تفسير : [ابراهيم: 35]. فى سورة ابراهيم وقوله تعالى فى حق ابراهيم {أية : وجعلها كلمة باقية فى عقبه} تفسير : [الزخرف: 28] فى حم الزخرف. والجواب ان الآية الاولى تدل بظاهرها على الابناء الصلبية ولو سلم دلالتها على الاحفاد ايضا كما تدل على كل ولد من ذريته. ومعنى الآية الثانية وجعل الله كلمة التوحيد كلمة باقية فى نسله وذريته على انه لا تخلو سلسلة نسبه عن اهل التوحيد والايمان فلا تدل على ايمان كل اعقابه واحفاده وهو اللائح بالبال والله اعلم بحقيقة الحال. والاشارة فى الآية ان الله تعالى اظهر قدرته فى اخراج الحى من الميت بقوله {وإذ قال ابراهيم لأبيه ءازر أتتخذ اصناما ءالهة} دون الله اذ الاصل منهمك فى الجحود لموت قلبه والنسل مضمحل فى الشهود لحياة قلبه والاصنام ما يبعد من دون الله {إنى أراك وقومك فى ضلال مبين} بما ارانى الله ملكوت الاشياء كما فى التأويلات النجمية. ومن بلاغات الزمخشرى كم يحدث بين الخبيثين ابن لا يؤبن والفرث والدم يخرج من بينهما اللبن: قال السعدى شعر : جو كنعانرا طبيعت بى هنر بود بيمبر زاد كى قدرش نيفزود هنر بنماى اكر دارى نه كوهر كل ازخارست وابراهيم از آزر تفسير : وقال [خاكستر اكرجه نسب عالى دار كه آتش جوهر علويست وليكن بنفس خودجون هنرى ندارد باخاك برابراست قيمت شكرنه ازنى است كه آن خاصيت وى است] فظهر ان الله تعالى من شأنه القديم اخراج الحى من الميت ولا يختص به نسب وكذا امر العكس ومن الله التوفيق.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {آزر}: عطف بيان، أو بدل من أبيه، ومنع من الصرف؛ للعلمية والعجمة. وقرأ يعقوب بالضم ـ على النداء، وقيل: إن آزر اسم صنم؛ لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ. فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به؛ لملازمته له، وقيل: هما عَلمَانِ له كإسرائيل ويعقوب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} أذكر {إذ قال إبراهيم لأبيه آزر}، حين دعاه إلى التوحيد: {أتتخذ أصنامًا آلهة} تعبدها من دون الله، وهي لا تنفع ولا تضر، {إني أراك وقومك في ظلال مبين}: بيِّن الضلالة، ظاهر الخطأ. الإشارة: كل من سكن إلى شيء دون الله، أو مال إليه بالعشق والمحبة، فهو صنم في حقه، فإن لم ينزع عن محبته، ولم يقلع عن السكون إليه، كان حجابًا بينه وبين شهود أسرار التوحيد. وفي الحِكَم: "ما أحببت شيئًا إلا وكنت عبدًا له، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدًا". وفي الحديث: "حديث : تَعِس عبدُ الدينار والدرهم " تفسير : ... أي: خاب وخسر، فإذا اطلع الحق تعالى على قلب عبده فرآه مائلاً لغيره، حجب عنه أنوار قدسه، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: شعر : لِي حَبِيبٌ إنما هو غَيُور، يُطلُّ في القَلبِ كَطَيرٍ حَذُور، إذا رأى شَيئًا امتَنَع أن يَزُور تفسير : وبالله التوفيق. ثم ذكر احتجاج إبراهيم على قومه، وتبصره بأمر ربه، فقال: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اكثر القراء {آزر} بنصب الراء. وقرأ ابو بريد المدني والحسن البصري ويعقوب بالضم. فمن قرأ بالنصب جعل {آزر} في موضع خفض بدلا من أبيه. ومن قرأ بالضم جعله منادى مفردا وتقديره يا آزر. وقال الزجاج: لا خلاف بين اهل النسب ان اسم ابي ابراهيم تارخ والذي في القرآن يدل على ان اسمه {آزر} وقيل {آزر} ذم في لغتهم كأنه قال: واذ قال ابراهيم لابيه يا مخطىء اتتخذ أصناما فعلى هذا قال الزجاج الاختيار الرفع. قال: ويجوز أن يكون وصفا له كأنه قال واذ قال ابراهيم لابيه المخطىء. قال الزجاج: وقيل {آزر} اسم صنم، فموضعه نصب على اضمار الفعل، كأنه قال: واذ قال ابراهيم لابيه أتتخذ آزر، وجعل {أصناما} بدلا من آزر واشباهه. فقال بعد أن قال اتتخذ آزر الها اتتخذ اصناما آلهة. والذي قاله الزجاج يقوي ما قاله أصحابنا، ان آزر كان جده لامه أو كان عمه، لان أباه كان مؤمنا من حيث ثبت عندهم أن آباء النبي (صلى الله عليه وسلم) الى آدم كلهم كانوا موحدين لم يكن فيهم كافر، وحجتهم في ذلك اجماع الفرقة المحقة، وقد ثبت أن اجماعها حجة لدخول المعصوم فيها، ولا خلاف بينهم في هذه المسألة. وأيضا روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:حديث : نقلني الله من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات لم يدنسني بدنس الجاهليةتفسير : ، وهذا خبر لا خلاف في صحته، فبين النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله نقله من أصلاب الطاهرين فلو كان فيهم كافر لما جاز وصفهم بأنهم طاهرون، لان الله وصف المشركين بأنهم أنجاس، فقال {أية : إنما المشركون نجس} تفسير : ولهم في ذلك أدلة لا نطول بذكرها الكتاب لئلا يخرج عن الغرض. واختلفوا في معنى (آزر) هل هو اسم أو صفة، فقال السدي ومحمد ابن اسحاق وسعيد بن عبد العزيز والجبائي والبلخي: انه اسم أبي ابراهيم، وهو تارخ كما قيل ليعقوب: اسرائيل، قالوا: ويجوز ان يكون لقباً غلب عليه. وقال مجاهد: ليس آزر أبا ابراهيم وانما هو اسم صنم. وقال قوم هو سب وعبث بكلامهم، ومعناه معوج. و {إذ} في الآية متعلقة بقوله واذكر {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة} والالف الف انكار لا استفهام وان كان قد خرج مخرج الاستفهام. وقوله {إني أراك في ضلال مبين} يعني في ضلال عن الصواب وقوله {مبين} يدل على انه قال ذلك منكرا، والمبين هو البين الظاهر، والغرض بالآية حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على محاجة قومه الذين يدعونه الى عبادة الاصنام والازدراء على فعلهم والاقتداء في ذلك بأبيه ابراهيم (صلى الله عليه وسلم) وصبره على محاجة قومه العابدين للاصنام ليتسلى بذلك ويقوي دواعيه الى ذلك. والاصنام جمع صنم وهو مثال من حجر او خشب او من غير ذلك في صورة انسان وهو الوثن. وقد يقال للصورة المصورة على صورة الانسان في الحائط وغيره صنم ووثن.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} قيل ليس بين النّسابين اختلاف فى انّ اسم ابى ابراهيم تارخ وهو موافق لما عليه الشّيعة من انّ آباء الانبياء (ع) مطهّرون من الشّرك وانّ ازر كان جدّه لامّه او عمّه {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعنى مثل ارائتنا ابراهيم بطلان الاصنام وضلالة قومه اريناه ملكوت السّماوات والتّعبير بالمستقبل لاحضاره لكونه من الامور الغريبة، والملكوت مبالغة فى المالك كالجبروت فى الجابر، والطّاغوت فى الطّاغى، ولمّا كان عالم الطّبع لا جهة مالكيّة له بل ليس فيه الاّ المملوكيّة الصّرفة لم يسمّ ملكوتاً بل ملكاً، وباطن عالم الطّبع من عالم المثال فما فوقه يسمّى ملكوتاً لمالكيّته وتصرّفه بالنّسبة الى ما دونه، وقد يطلق الملك على ما سوى الله وعلى المثال وعلى الرّسالة وغير ذلك باعتبار مملوكيّتها للحقّ الاوّل تعالى، والمراد بالملكوت ههنا عالم المثال او هو وما فوقه ان كان المراد بالاراءة اعمّ من الكشف الصورىّ، والمراد بالسّماوات والارض هما الطّبيعيّان {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} اى ليأنس ويقرب منّا وليكون من الموقنين، والقمى عن الصّادق (ع) كشط عن الارض ومن عليها وعن السّماء ومن فيها، والملك الّذى يحملها والعرش ومن عليه، وهو يدلّ على انّه لم يكن كشفاً صوريّاً فقط.

الأعقم

تفسير : {وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر}، قيل: هو اسم أبيه على أكثر الأقوال، وقيل: معناه الشيخ إلهم بالفارسية، وعن سعيد بن المسيب ومجاهد آزر اسم صنم، رواه في تفسير الثعلبي، قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض}، قيل: أراد به رؤية العين، وقيل: العِلمُ، قوله: {ملكوت السموات والأرض}، قيل: ملكهما، وقيل: خلقهما، وقيل: الملكوت الشمس والقمر، وقيل: عرج بإبراهيم (عليه السلام) كما عرج بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا بعد النبوة {فلما جنَّ عليه الليل} أي أظلم {رأى كوكباً}، قيل: هي الزهرة، وقيل: المشتري {فلما أفل} غرب {قال لا أحب الآفلين} يعني لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، وقد اختلف المفسرون في تفسير قوله: {هذا ربي} في هذه الآية على أقوال: الأول أنه ليس من كلام إبراهيم وإنما هو من كلام آزر وتقديره رأى كوكباً قال آزر: هذا ربي، فلما أفل قال إبراهيم: لا أحب الآفلين، وروي أنهم كانوا يعبدون النجوم، وقيل: أنه من كلام إبراهيم قبل البلوغ فإنه خطر بباله قبل البلوغ إلى حدَّ التكليف إثبات الصانع وحدوث العالم فتفكر في طلب الصانع فرأى النجم، فقال: هذا ربي، فلما أفل، قال: لا يجوز أن يكون هذا ربَّاً لما جاز عليه من الحركات والسكنات، وكذلك الشمس والقمر، حتى عرف أن له صانعاً مخالفاً للأجسام {قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي} قيل: وجهت عبادتي، وقيل: وجهت نفسي {للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}، قيل: يعني مخلصاً. قيل: إن إبراهيم (عليه السلام) ولد زمن نمرود بن كنعان وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعى الناس إلى عبادته، وكان له كُهَّان ومنجمون فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام بغير دين أهل الأرض يكون هلاك ملكك على يديه، وقيل: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء (عليهم السلام) فعند ذلك أمر بقتل كل غلام يولد في تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء، خوفاً من المولود فبدت له حاجة في مصر فلم يأمن على ذلك إلاَّ آزر أب إبراهيم (عليه السلام) فدعاه وحلفه ألاَّ يقرب أهله فدخل البلد فواقع أهله فحبلت بإبراهيم (عليه السلام) فقال الكهنة للنمرود: أن الغلام الذي كنَّا نقول لك قد حبلت به أُمّه، فأمر بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة إبراهيم (عليه السلام) خرجت أُمُّه هاربة فولدته ولفَّته في خرقة، ثم أخبرت زوجها فانطلق إليه وأخذه وانطلق به إلى سرب فكانت أُمُّه تختلف إليه، وقيل: حمل آزر امرأته إلى سرب فولدت، ثم وقيل: نظرت أُمُّه إلى أصابعه فوجدته يمص من إصبع تمراً، ومن إصبع ماءاً، ومن إصبع لبناً، ومن إصبع عسلاً، ومن إصبع سمناً، وروي أن أُمّه ولدته في مغارة وكانت تختلف إليه فسألها آزر فقالت ولدت غلاماً ومات، فشبَّ ولم يلبث إلا خمسة عشر يوماً حتى رجع إلى أبيه، وقال: أنا ابنك، وقالت أمُّه: هو ابنك، ففرح بذلك، وروي أن إبراهيم (صلى الله عليه وسلم) لما شبَّ قال لأمّه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربُّكِ؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربُّ أبي؟ قالت: النمرود، قال: فمن ربُّ النمرود؟ قالت: اسكت، ثم رجعت إلى آزر فقالت: أرأيت هذا الغلام الذي كنَّا نحذر منه أنه بغير الذي هو ابنك، فأتاه آزر فقال إبراهيم: يا أبه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن ربُّ أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربُّك؟ قال: النمرود، قال: فمن ربُّ النمرود؟ فلطمه وقال: اسكت، ثم أخرجاه من السرب، فرأى الإِبل والغنم والخيل فقال: ما هذا؟ فقال: إبل وخيل وغنم، فقال: لا بد أن يكون لها رب ثم نظر إلى الكوكب ثم إلى القمر ثم إلى الشمس فقال ما تقدم ذكره، روي الخبر المتقدم في الحاكم والثعلبي وهو أيضاً كلام الفقيه شهاب الدين أحمد بن مفضل (رحمه الله)، قال ابن عباس: لما حملت به قال الكهنة للنمرود: ان الغلام الذي أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة، فأمر النمرود بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل فولدته وأخبرت زوجها بأنها قد ولدت، وأن المولود في موضع كذا، فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سرباً عند نهر فواراه به، وسدّ عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمّه تختلف إليه وترضعه، وقال ابن إسحاق: لما وجدت الطلق أم ابراهيم خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريباً منها ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها، وكانت تختلف إليه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ ءَازَرَ}. قال [مجاهد] آزر الصنم، وأبوه تارح. المقرأ على هذا التفسير استفهام: آزر؟ {أَتتخذ أصناماً ءَآلهة} أي أتتخذه إلهاً؟ ومقرأ الحسن بالرفع؛ آزرُ، يقوله إبراهيم لأبيه؛ أتتخذ أصناماً آلهة. وبعضهم يقرأها بالنصب ويقول: اسم أبيه آزر؛ يقرأها بغير استفهام في أولها. يقول: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر، ويستفهم في آخرها. وكذلك استفهام الحسن في آخرها. قال: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي بيّن. قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ} [أي مُلْك] {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}. قال بعضهم: ذكر لنا أن إبراهيم فُرَّ بِهِ من جبَّار مُتْرَف، فَجُعِل في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فجعل لا يمصّ إصبعاً من أصابعه إلا وجد فيه رزقاً. وإنه لما خرج من ذلك السّرب أراه الله ملكوت السماوات؛ أراه شمساً وقمراً ونجوماً وغيوماً وخلقاً عظيماً، وأراه ملكوت الأرض؛ فأراه جبالاً وبحاراً وأنهاراً وأشجاراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً. وقال مجاهد: {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: آيات السماوات والأرض. وقال الكلبي: بلغنا أن إبراهيم وُلد في زمان النمرود الجبّار، وأنه كان مع نمرود كهنةٌ يخبرونه أنه يولد في هذه السنة غلام يفسد آلهة أهل الأرض ويدعو إلى غير دينهم، ويكون هلاك أهل بيته على يده. فقال النمرود: فإن دواء هذا هيّن: أن نعزل النساء عن الرجال، وننظر كل حبلى، فإذا ولدت غلاماً قُتِل، إلى أن تمضي السنة. قالوا: افعل ذلك، وإلا فهو الذي قلنا لك. ففعل النمرود، فعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة وكيلاً أميناً؛ فكان أمين العشرة إذا طهرت امرأة رجل منهم حال بينه وبينها، فإذا حاضت تركها إلى أهلها حتى تطهر. فرجع أبو إبراهيم إلى أهله فوجد امرأته قد طهرت، فواقعها فحملت. فقال الكهان: إن الغلام قد حُمِل به الليلة. قال: فانظروا إلى كل امرأة قد استبان حملها فخلوا سبيلها، وانظروا اللائي يبقين، وكلما ولدت امرأة غلاماً فاقتلوه, فلما دنا وِلاَدُ إبراهيم، وأخذ أمَّه المخاضُ، خرجت هاربة فوضعته في نهر يابس، وألقته في حفرة تحت حلفاء. ثم رجعت إلى زوجها فأخبرته أنها ولدت غلاماً، وأنه في مكان كذا وكذا. فانطلق إليه أبوه فأخذه فحفر له سرباً. فواراه فيه، وسدّ عليه بصخرة مخافة السّباع. وكانت أمه تختلف إليه وترضعه حتى فُطِم وعقل، فقال لأمه: من ربي؟ فقالت: أنا. قال: فمن ربّك أنتِ؟ قالت: أبوك، فقال: فمن ربّ أبي؟، فضربته وقالت له: اسكت، فسكت، فرجعت إلى زوجها فقالت: أرأيت الغلام الذي كنا نَتَحَدَّث به أنه يغيِّر دين أهل الأرض، فإنه ابنك. فانطلق أبوه، فسأله إبراهيم، قال: يا أبت، من ربّي؟ قال: أمك. قال: فمن ربّ أمي؟ قال: أنا. فمن ربّك؟ فضربه وقال اسكت. فلما أمسى دنا إبراهيم من باب السرب فإذا الكوكب ـ ويزعم الناس أنه الزهرة ـ قال: هذا ربي. وذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا أحب ربّاً ليس بدائم. {فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً} أي طالعاً. وليس هذا من حديث الكلبي. {قَالَ: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ} أي غابت رفع إبراهيم الصخرة عن باب السرب ثم خرج فأتى قومه، فإذا هم عاكفون على أصنام لهم {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. قالوا فمن تعبد؟ قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً} والحنيف المسلم، وقال الحسن: المخلص {وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وإذْ قالَ إبراهِيم لأبيه آزَرَ} أى واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر، اعلم أن آزر أبو إبراهيم لا عمه، قال محمد ابن إسحاق والكلبى والضحاك: آزر اسم أبى إبراهيم، وله اسم آخر وهو تارخ بالخاء المعجمة، وقيل بالمهملة، قال الزجاج: أجمع النسابون أن اسمه تارح بالمهملة، فآزر اسمه، وتارح لقبه وهو بالفارسية الشيخ الهرم، وهذا أنسب بمن يقول إنه من كوتى سواد الكوفة، لأن أصل الفارسية فى العراق، وقيل: بلغة أهل خوارزم، وليست من فارس، وقيل: معناه المعوج، وقيل: معناه المخطئ، لقبه إبراهيم باسم المخطئ لكفره، قد أباح الله له ذلك أو لم يعرف به أبوه أو لا يضيق به أبوه، وقيل: فى غير هذه السورة نسب إبراهيم عليه السلام. وأجاز بعض أن يكون آزر لقباً واسمه تارخ وهو خلاف الأصل، لأن المذكور فى القرآن لفظ آزر، وكذا فى الحديث، ولا دليل على أنه لقب فليحمل على الأصل وهو أنه اسمه، فإن الاسم أقدم من اللقب، وأصل له غالباً قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه أزر قترة وغبره" تفسير : بل لا ثقة لنا أن تارخ اسم له ولا لقب، فإنه يتبادر أنه إنما أخذه بعض العلماء والنسابين كمن ذكرناهم عن أهل الكتاب، ولا وثوق بما يقول أهل الكتاب. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: اسمه تارخ، وآزر اسم صنم يسمى به بعد أن كان يعبده لحبه إياه، وقيل: يقدر مضاف، أى يا عبد آزر، وعلى ذلك كله يكون آرز بدلا أو بياناً لأبيه، وقيل: مفعول لمحذوف أى أتعبد آزر، أى أتعبد ذلك الصنم المسمى آزر، ففى هذا الهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخى، والألف بعدها أصلها همزة مفتوحة أو مكسورة قلبت ألفا، ولا وثوق بما يخالف القرآن بلا سنة عن ثقات يؤول القرآن بها، ولا إجماع على أن اسمه تارخ، ولو سلم فإن هذا الإجماع ينتهى إلى يهودى أو نصرانى، أو إلى قول مسلم واحد ككعب ووهب، فلا عبرة بادعاء هؤلاء النسابين الإجماع، حتى طعن بعض المشركين فى القرآن بأنه تارخ لا آزر بإجماع النسابين، فإن ذلك باطل بما ذكرت لك، ولأنه لا مانع من كونه يسمى آزر ويلقب تارخ قيل أو بالعكس. وزعمت الشيعة أن آزر عم إبراهيم وهو مشرك، وأبوه مؤمن أعنى أبا إبراهيم، والعرب تسمى العم أباً كقوله تعالى: {أية : قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل} تفسير : فيسموا الأبعد أبا ليعقوب وهو عمه، وفى الحديث: "حديث : العم أحد الأبوين" حديث : وعنه صلى الله عليه وسلم فى عمه العباس رضى الله عنه: "ردوا علىَّ أبى" تفسير : واحتجوا بقوله تعالى: {أية : وتقلبك فى الساجدين} تفسير : أى تقلبك من صلب مؤمن ساجد لله إلى صلب مؤمن ساجد لله تعالى. الجواب: أن معناه أنه يتقلب مع الصحابة الساجدين يصلى بهم جماعة، والمؤمن يسمى ساجداً لأنه يسجد ويدين بالسجود لله تعالى، أو تنقله ليلة نسخ وجوب الليل على غيره صلى الله عليه وسلم من دار صحابى إلى دار آخر ينظر كيف حرضهم على الطاعة فيجدهم فى بيوتهم كالزنانير فى بيوتها لكثرة ما يسمع أصوات قراءة القرآن وتسبيحهم وتهليلهم، أو اشتغاله معهم بأمور الدين أو تقلب بصره فيمن يصلى خلفه إذا سلم، أو فى صلاته على ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتموا الركوع والسجود فإنى أراكم من وراء ظهرى" تفسير : أو المراد بالتقلب ذلك كله. والتقلب اسم جنس يصلح للكثير والقليل فليس وضعاً للمشترك فى معانيه، ولا يدخل فى هذه الكلية ما زعمه الشيعة عن كون التقلب فى الساجدين التقلب فى أصلاب المؤمنين، واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" تفسير : فليس فى آبائه صلى الله عليه وسلم مشرك لقوله تعالى: {أية : إنما المشركون نجس }. تفسير : والجواب: أن المراد الطهر عن الزنى كقولهم: طاهر الإزار، ونجس المشرك ذنوبه، أو عدم تحرزه عن النجس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أصاب نسبى سفاح الجاهلية" تفسير : فهذا معنى قوله: "حديث : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين" تفسير : إلخ، وفى الحديث: "حديث : يتشبث إبراهيم بأبيه آزر يوم القيامة ويقول: يا رب دعوتك أن لا تخزينى يوم تبعث الناس، فيقول الله له: يا إبراهيم انظر إلى قدمك فينظر فيخسف بأبيه فى النار ". تفسير : وروى أنه بينما هو يتشبث به، إذا مسخ ضبعاً فيقال له: أهذا أبوك؟ فيقول: لا، فيجر بمنخره إلى النار، وإنما يحتاج لتكلف المتكلفين لو ثبت أن أباه ليس اسمه آزر، ولا دليل على ذلك، ولو كان ذلك لاستظهر به أهل الكتاب لحبهم تكذيب القرآن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأ يعقوب آزر بضم الراء على النداء بمحذوف، وهو يدل أن آزر علم، لكن قيل أيضاً بجوار حذف حرف النداء ومنع آزر من الصرف للعلمية والعجمة، سواء قلنا إنه علم أو لقب، لأن اللقب علم، ولا يلزم من كونه بمعنى الضال أو المخطئ أو المعوج أو الشيخ الهرم أن يكون وصفاً، لأن اللقب أيضا مع كونه غير وصف يدل على مدح أو ذم، ولا مانع من الذم طبعاً بالهرم. ولما اعتبر بعضهم هذه المعانى قال: إن تارخ علم، وآزر وصف فى لغة العجم بتلك المعانى، فيكون اسم جنس عجمى كلجام لكنه وصف، والعجمة وحدها لا تمنع الصرف، ولا مع الوصف فلعله منع الصرف لوزن الفعل، والحمل على وزن أفعل فى العربية، لأن آزر كأعور وأقبح، وقيل: هو لفظ عربى، فوزن أفعل وصف ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل مشتق من الوزر، أو من الأزر، والصحيح أنه علم أعجمى، ويناسب القول بأنه وصف عجمى قراءة بعضهم أإزر بهمزة الاستفهام، فهمزة مكسورة أو مفتوحة بزاى ساكنة وراء منونة بعدها ألف هو الألف الذى يكتب المنصوب المنون، وهذا القارئ يقرأ بعده تتخذ بلا همزة، بل يجعل ألف المصحف هو ألف التنوين، فلو كان عالما للصنم أو لأبى إبراهيم لم ينون للعلمية والعجمة، والحق منع الصرف، وأنه علم لأبى إبراهيم، وكان أبوه آزر نجاراً محسناً مهندساً، وكان نمرود يتعلق بالهندسة والنجوم، فحضر عنده آزر فى ذلك، وكان أميراً على عمل الأصنام يعمل بأمره وتدبيره، ويطبع هو فى الصنم بخاتم معلوم عنده، وحينئذ يعبد ذلك الصنم. وزعم قومنا أنه كان يعطى إبراهيم الأصنام يبيعها وهو طفل، ويقول: من يشترى ما يضره ولا ينفعه، ويستخف بها ويجعلها فى الماء منكوسة إذا بارت عليه، ويقول لها اشربى وحاشاه أن يبيعها، وهذا خطأ فاحش من قومنا، كيف يبيع نبى الله الأصنام ويبيعها دعاء إلى عبادتها، وهذا لا يجوز على الأنبياء ولو فى الطفولية لا يجوز هذا، ولو كان يقصد أن ينبه عليها بالبطلان إذ كانت لا تضر ولا تنفع، لأن ذلك صيغة دعاء للأصنام فيكف وقد زعموا أنها تباع تارة وتبور أخرى. {أتتَّخذُ أصناماً آلهةً} استفهام توبيخ كيف تتخذها آلهة وهى لا تضر ولا تنفع، الصنم والوثن ما يؤخذ من ذهب أو فضة أو حديد أو حجارة أو خشب أو غير ذلك على صورة الإنسان، قال بعضهم أو غيره، فالصنم والوثن مترادفان، وقيل الوثن ما كان صورة له جثة منحوتة معمولة من حجارة أو جص أو خشب أو غيرها، من جواهر الأرض، والصنم الصورة من غير جثة، وقيل: الصنم هو المنحوت على خلقة البشر، والوثن ما كان منحوتاً على غير خلقة البشر، وقيل الصنم ما كان من حجر أو نحوه، ولا يقال وثن إلا لما كان من ذهب أو فضة أو نحاس وقيل عكسه. {إنَّى أراك وقَوْمك} أعلمك وقومك بما تراه عيناى {فى ضَلالٍ مُبينٍ} عن الحق لعبادتكم الأصنام التى لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق شيئاً ولا ترزقه، والخالق الرازق النافع الضار هو الله تعالى، اعلم أنه ينبغى أن لا يجادل المقر من أهل البدع إلا بالقرآن والسنة، فيكون كمن يدعو إلى الهدى بقوله: {ائتنا} ومن ينازل بالجدل، ويلحق عليهم كان كمن بعد عن الطريق الواضح أكثر ليرد ذلك الزاد، فهو يخاف عليه أن يضل، ومن يجادل المنكر فليجادله بالمعجزات والدلائل العقلية.

الالوسي

تفسير : / {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} نصب عند بعض المحققين على أنه مفعول به لفعل مضمر خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم معطوف على { أية : قُلْ أَنَدْعُواْ } تفسير : [الأنعام: 71] لا على { أية : أَقِيمُواْ } تفسير : [الأنعام: 72] لفساد المعنى أي واذكر يا محمد لهؤلاء الكفار بعد أن أنكرت عليهم عبادة ما لا يقدر على نفع ولا ضر وحققت أن الهدى هو هدى الله تعالى وما يتبعه من شؤونه تعالى وقت قول إبراهيم عليه السلام الذي يدعون أنهم على ملته موبخاً. {لأَبِيهِ آزَرَ} على عبادة الأصنام فإن ذلك مما يبكتهم وينادي بفساد طريقتهم. وآزر بزنة آدم علم أعجمي لأبي إبراهيم عليه السلام وكان من قرية من سواد الكوفة، وهو بدل من «إبراهيم» أو عطف بيان عليه. وقال الزجاج: ليس بين النسابين اختلاف في أن اسم أبي إبراهيم عليه السلام تارح بتاء مثناة فوقية وألف بعدها راء مهملة مفتوحة وحاء مهملة ويروى بالخاء المعجمة. وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج أن اسمه تيرح أو تارَح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان اسم أبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام يازر واسم أمه مثلى. وإلى كون آزر ليس اسماً له ذهب مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما. واختلف الذاهبون إلى ذلك فمنهم من قال: إن ءازر لقب لأبيه عليه السلام. ومنهم من قال: اسم جده. ومنهم من قال: اسم عمه والعم والجد يسميان أباً مجازاً. ومنهم من قال: هو اسم صنم. وروي ذلك عن ابن عباس والسدى ومجاهد رضي الله تعالى عنهم. ومنهم من قال: هو وصف في لغتهم ومعناه المخطىء. وعن سلمان التيمي قال: بلغني أن معناه الأعوج. وعن بعضهم أنه الشيخ الهرم بالخوازرمية. وعلى القول بالوصفية يكون منع صرفه للحمل على موازنه وهو فاعل المفتوح العين فإنه يغلب منه صرفه لكثرته في الأعلام الأعجمية. وقيل: الأولى أن يقال: إنه غلب عليه فألحق بالعلم. وبعضهم يجعله نعتاً مشتقاً من الأزر بمعنى القوة أو الوزر بمعنى الإثم. ومنع صرفه حينئذ للوصفية ووزن الفعل لأنه على وزن أفعل. وعلى القول بأنه بمعنى الصنم يكون الكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي عابد آزر. وقرأ يعقوب {آزَرَ} على النداء. واستدل بذلك على العلمية بناء على أنه لا يحذف حرف النداء إلا من الأعلام وحذفه من الصفات شاذ أي يا آزر. {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} أي أتجعلها لنفسك ءالهة على توجيه الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية وإنما إيراد صيغة (الجنس) باعتبار الوقوع. وقرىء {أأزراً} بهمزتين الأولى استفهامية مفتوحة والثانية مفتوحة ومكسورة وهي إما أصلية أو مبدلة من الواو. ومن قرأ بذلك قرأ {تَتَّخِذَ } بإسقاط الهمزة وهو مفعول به لفعل محذوف أي أتعبد ازراً على أنه اسم صنم ويكون {تَتَّخِذَ} الخ بياناً لذلك وتقريراً وهو داخل تحت الإنكار أو مفعول له على أنه بمعنى القوة أي أَلأجْلِ القوة تتخذ أصناماً آلهة. والكلام إنكار لتعززه بها على طريقة قوله تعالى: { أية : أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } تفسير : [النساء: 139] وجوز أن يكون حالاً أو مفعولاً ثانياً لتتخذ. وأعرب بعضهم «ءازر» على قراءة الجمهور على أنه مفعول لمحذوف وهو بمعنى الصنم أيضاً أي أتعبد ءازر، وجعل قوله سبحانه {أَتَتَّخِذُ} الخ تفسيراً وتقريراً بمعنى أنه قرينة على الحذف لا بمعنى التفسير المصطلح عليه في باب الاشتغال لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها وما لا يعمل لا يفسر عاملاً كما تقرر عندهم. والذي عول عليه الجم الغفير من أهل السنة أن ءازر لم يكن والد إبراهيم عليه السلام وادعوا أنه ليس في آباء النبـي صلى الله عليه وسلم كافر / أصلاً لقوله عليه الصلاة والسلام « حديث : لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات والمشركون نجس»تفسير : ، وتخصيص الطهارة بالطهارة من السفاح لا دليل له يعول عليه. والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ألفوا في هذا المطلب الرسائل واستدلوا له بما استدلوا، والقول بأن ذلك قول الشيعة كما ادعاه الإمام الرازي ناشىء من قلة التتبع، وأكثر هؤلاء على أن ءازر اسم لعم إبراهيم عليه السلام، وجاء إطلاق الأب على العم في قوله تعالى: { أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ } تفسير : [البقرة: 133] وفيه إطلاق الأب على الجد أيضاً. وعن محمد بن كعب القرظي أنه قال: الخال والد والعم والد وتلا هذه الآية. وفي الخبر «ردوا على أبي العباس» وأيد بعضهم دعوى أن أبا إبراهيم عليه السلام الحقيقي لم يكن كافرا وإنما الكافر عمه بما أخرجه ابن المنذر في «تفسيره» بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم عليه السلام من النار جعلوا يجمعون الحطب حتى إن كانت العجوز لتجمع الحطب فلما تحقق ذلك قال: حسبي الله تعالى ونعم الوكيل فلما ألقوه قال الله تعالى: { أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الأنبياء: 69] فكانت فقال عمه من أجلي دفعه عنه فأرسل الله تعالى عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته. وبما أخرج عن محمد بن كعب وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم أن إبراهيم عليه السلام لم يزل يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له ثم هاجر بعد موته وواقعة النار إلى الشام ثم دخل مصر واتفق له مع الجبار ما اتفق ثم رجع إلى الشام ومعه هاجر ثم أمره الله تعالى أن ينقلها وولدها إسمعيل إلى مكة فنقلهما ودعا هناك فقال: {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} تفسير : [إبراهيم: 37] إلى قوله: { أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ } تفسير : [إبراهيم: 41] فإنه يستنبط من ذلك أن المذكور في القرءان بالكفر هو عمه حيث صرح في الأثر الأول أن الذي هلك قبل الهجرة هو عمه ودل الأثر الثاني على أن الاستغفار لوالديه كان بعد هلاك أبيه بمدة مديدة فلو كان الهالك هو أبوه الحقيقي لم يصح منه عليه السلام هذا الاستغفار له أصلاً؛ فالذي يظهر أن الهالك هو العم الكافر المعبر عنه بالأب مجازاً وذلك لم يستغفر له بعد الموت وأن المستغفر له إنما هو الأب الحقيقي وليس بآزر، وكان في التعبير بالوالد في آية الاستغفار وبالأب في غيرها إشارة إلى المغايرة. ومن الناس من احتج على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بأن هذه دالة على أن عليه السلام شافهه بالغلظة والجفاء لقوله تعالى فيها: {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ} أي الذين يتبعونك في عباداتها {فِى ضَلَـٰلٍ} عظيم عن الحق {مُّبِينٌ} أي ظاهر لا اشتباه فيه أصلا، ومشافهة الأب بالجفاء لا يجوز لما فيه من الإيذاء. وآية التأفيف بفحواها تعم سائر أنواع الإيذاءات كعمومها للأب الكافر والمسلم. وأيضاً إن الله تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه والقول اللين له رعاية لحق التربية وهي في الوالد أتم. وأيضاً الدعوة بالرفق أكثر تأثيراً فإن الخشونة توجب النفرة فلا تليق من غير إبراهيم عليه السلام مع الأجانب فكيف تليق منه مع أبيه وهو الأواه الحليم. وأجيب بأن هذا ليس من الإيذاء المحرم في شيء وليس مقتضى المقام إلا ذاك ولا نسلم أن الداعي لأمر موسى عليه السلام باللين مع فرعون مجرد رعاية حق التربية وقد يقسو / الإنسان أحياناً على شخص لمنفعته كما قال أبو تمام: شعر : فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم تفسير : وقال أبو العلاء المعري:شعر : اضرب وليدك وادلله على رشد ولا تقل هو طفل غير محتلم فرب شق برأس جر منفعة وقس على شق رأس السهم والقلم تفسير : وقال ابن خفاجة الأندلسي: شعر : نبه وليدك من صباه بزجره فلربما أغفى هناك ذكاؤه وانهره حتى تستهل دموعه في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه فالسيف لا يذكو بكفك ناره حتى يسيل بصفحتيه ماؤه تفسير : وكون الرفق أكثر تأثيراً غير مسلم على الإطلاق فإن المقامات متفاوتة كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام تارة: { أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] وأخرى { أية : وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 73] نعم لو ادعى أن ما ذكر مؤيد لكون آزر ليس أباً حقيقياً لإبراهيم عليه السلام لربما قبل وحيث ادعى أنه حجة على ذلك فلا يقبل فتدبر. والرؤية إما علمية والظرف مفعولها الثاني وإما بصرية فهو حال من المفعول والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ ومنشأ ضلال عبدة الأصنام -على ما يفهم من كلام أبي معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض كتبه -اعتقاد أن الله تعالى جسم. فقد نقل عنه الإمام أنه قال: «إن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يثبتون الإلٰه والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه سبحانه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضاً صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسماوات فلا جرم اتخذوا صوراً وتماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا والهيكل وجعلوا الأحسن هيكل الإلٰه وما دونه هيكل المَلَك وواظبوا على عبادة ذلك قاصدين الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة». وذكر الإمام نفسه في أصل عبادة الأصنام أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب فزعموا ارتباط السعادة والنحوسة بكيفية وقوعها في الطوالع ثم غلب على ظن أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فبالغوا في تعظيم الكواكب. ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذاتها. ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإلٰه الأكبر إلا أنهم قالوا: إنها مع ذلك هي المدبرة لأحوال العالم. وعلى كلا التقديرين اشتغلوا بعبادتها. ولما رأوها قد تغيب عن الأبصار اتخذوا لكل كوكب صنماً من الجوهر المنسوب إليه بزعمهم وأقبلوا على عبادته وغرضهم من ذلك عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها. ولهذا أقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الأدلة على أن الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال سبحانه { أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54] بعد أن بين أن الكواكب مسخرة. وعلى أنها لو قدر صدور فعل منها وتأثير في هذا العالم لا تخلو عن دلائل الحدوث وكونها مخلوقة فيكون الاشتغال بعبادة الفرع دون عبادة الأصل ضلالاً محضاً ويرشد إلى أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكر أنه سبحانه بعد أن حكى توبيخ إبراهيم عليه السلام لأبيه على اتخاذها أقام الدليل على أن الكواكب والقمر لا يصلح شيء منها للإلٰهية. وأنا أقول: لعل هذا سبب في عبادة الأصنام أولاً / وأما سبب عبادة العرب لها فغير ذلك. قال ابن هشام: «حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي ـ وهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام ـ خرج من مكة إلى الشام في بعض أسفاره فلما قدم [مآب] من أرض البلقاء وبها يومئذ العمالقة أولاد عِمْلاق ويقال عِمْلِيق بن لاوذ [بن إرم] بن سام بن نوح عليه السلام رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه التي أراكم تعبدون؟ فقالوا: هذه الأصنام نعبدها ونستمطر بها فتمطرنا ونستنصر بها فتنصرنا فقال لهم: ألا تعطوني منها صنماً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنماً يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته. وقال ابن إسحٰق: يزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السلام وذلك أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفَسَحَ في البلاد إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً للحرم فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة [حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم] حتى خلفهم الخلف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره فعبدوا الأوثان فصاروا على ما كانت الامم قبلهم من الضلالات»، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس بطوله لحمة واحدة؛ يتناول موضوعاً متصل الفقرات.. إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة.. يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه.. مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة؛ ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات؛ وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة.. والدرس - في جملته - يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السلام، إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية - كما تتجلى في فطرة عبد من عباد الله الصالحين - إبراهيم عليه السلام - ويرسم مشهداً رائعاً حقاً للفطرة السليمة، وهي تبحث عن إلهها الحق، الذي تجده في أعماقها، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها. إلى أن يخلص لها تصور حق، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق. ويقوم على ما تجده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس! ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه: {وحاجه قومه. قال: أتحاجوني في الله وقد هدان؟ ولا أخاف ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيء علماً، أفلا تتذكرون؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟}. ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول؛ يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغواً لا وزن له، يتناثر على جانبي الموكب الجليل، الماضي في طريقه الموصول. وحيث يلتحم آخره مع أوله؛ فيؤلف الأمة الواحدة، يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها، دون اعتبار لزمان أو مكان؛ ودون اعتبار لجنس أو قوم، ودون اعتبار لنسب أو لون.. فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم. إنه مشهد رائع كذلك؛ يبدو من خلال قول الله تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيم: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة. فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. قل: لا أسألكم عليه أجراً، إن هو إلا ذكرى للعالمين}.. وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يجيء التنديد بمن يزعمون أن الله لم يرسل رسلاً، ولم ينزل على بشر كتاباً.. إنهم لم يقدروا الله حق قدره. فما قدر الله حق قدره من يقول: إنه - سبحانه - تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور. فما يليق هذا بألوهية الله وربوبيته، وعلمه وحكمته وعدله ورحمته.. إنما اقتضت رحمة الله وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلاً، وأن ينزل على بعض الرسل كتباً، ليحاولوا جميعاً هداية البشرية إلى بارئها، واستنقاذ فطرتها من الركام الذي يرين عليها، ويغلق منافذها، ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها.. ويضرب مثلاً الكتاب الذي أنزل على موسى. وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعاً.. وينتهي الدرس الطويل المتلاحم الفقرات باستنكار الافتراء ممن يفتري على الله، وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من الله، وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل الله.. وهي الدعاوى التي كان يدعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية، وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة. وفي الختام يجيء مشهد الاحتضار المكروب للمشركين: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم: أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء! لقد تقطع بينكم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون!}.. وهو مشهد كئيب مكروب رعيب؛ يجلله الهوان ويصاحبه التنديد والتأنيب. جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب.. {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين.. وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، وليكون من الموقنين.. فلما جن عليه الليل رأى كوكباً. قال: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي، فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، هذا أكبر، فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين}.. إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يرسمه السياق القرآني في هذه الآيات.. مشهد الفطرة وهي - للوهلة الأولى - تنكر تصورات الجاهلية في الأصنام وتستنكرها. وهي تنطلق بعد إذ نفضت عنها هذه الخرافة في شوق عميق دافق تبحث عن إلهها الحق، الذي تجده في ضميرها، ولكنها لا تتبينه في وعيها وإدراكها. وهي تتعلق في لهفتها المكنونة بكل ما يلوح أنه يمكن أن يكون هو هذا الإله! حتى إذا اختبرته وجدته زائفاً، ولم تجد فيه المطابقة لما هو مكنون فيها من حقيقة الإله وصفته.. ثم وهي تجد الحقيقة تشرق فيها وتتجلى لها. وهي تنطلق بالفرحة الكبرى، والامتلاء الجياش، بهذه الحقيقة، وهي تعلن في جيشان اللقيا عن يقينها الذي وجدته من مطابقة الحقيقة التي انتهت إليها بوعيها للحقيقة التي كانت كامنة من قبل فيها!.. إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام - والسياق يعرض التجربة الكبرى التي اجتازها في هذه الآيات القصار.. إنها قصة الفطرة مع الحق والباطل. وقصة العقيدة كذلك يصدع بها المؤمن ولا يخشى فيها لومة لائم؛ ولا يجامل على حسابها أباً ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوماً.. كما وقف إبراهيم من أبيه وقومه هذه الوقفة الصلبة الحاسمة الصريحة: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناماً آلهة؟ أني أراك وقومك في ضلال مبين}.. إنها الفطرة تنطق على لسان إبراهيم. إنه لم يهتد بعد بوعيه وإدراكه - إلى إلهه - ولكن فطرته السليمة تنكر ابتداء أن تكون هذه الأصنام التي يعبدها قومه آلهة - وقوم إبراهيم من الكلدانيين بالعراق كانوا يعبدون الأصنام كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم - فالإله الذي يعبد، والذي يتوجه إليه العباد في السراء والضراء، والذي خلق الناس والأحياء.. هذا الإله في فطرة إبراهيم لا يمكن أن يكون صنماً من حجر، أو وثناً من خشب.. وإذا لم تكن هذه الأصنام هي التي تخلق وترزق وتسمع وتستجيب - وهذا ظاهر من حالها للعيان - فما هي بالتي تستحق أن تعبد؛ وما هي بالتي تتخذ آلهة حتى على سبيل أن تتخذ واسطة بين الإله الحق والعباد! وإذن فهو الضلال البين تحسه فطرة إبراهيم - عليه السلام - للوهلة الأولى. وهي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها.. ثم هي النموذج الكامل للفطرة وهي تواجه الضلال البين، فتنكره وتستنكره، وتجهر بكلمة الحق وتصدع، حينما يكون الأمر هو أمر العقيدة: {أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين}.. كلمة يقولها إبراهيم - عليه السلام - لأبيه. وهو الأواه الحليم الرضي الخلق السمح اللين. كما ترد أوصافه في القرآن الكريم. ولكنها العقيدة هنا. والعقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة، وفوق مشاعر الحلم والسماحة. وإبراهيم هو القدوة التي أمر الله المسلمين من بنيه أن يتأسوا بها. والقصة تعرض لتكون أسوة ومثالاً.. وكذلك استحق إبراهيم - عليه السلام - بصفاء فطرته وخلوصها للحق أن يكشف الله لبصيرته عن الأسرار الكامنة في الكون، والدلائل الموحية بالهدى في الوجود: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، وليكون من الموقنين}.. بمثل هذه الفطرة السليمة، وهذه البصيرة المفتوحة؛ وعلى هذا النحو من الخلوص للحق، ومن إنكار الباطل في قوة.. نري إبراهيم حقيقة هذا الملك.. ملك السماوات والأرض.. ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون، ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود، ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب. لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة، إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحق.. وهذا هو طريق الفطرة البديهي العميق.. وعي لا يطمسه الركام. وبصر يلحظ ما في الكون من عجائب صنع الله. وتدبر يتبع المشاهد حتى تنطق له بسرها المكنون.. وهداية من الله جزاء على الجهاد فيه.. وكذلك سار إبراهيم - عليه السلام - وفي هذا الطريق وجد الله.. وجده في إدراكه ووعيه، بعد أن كان يجده فحسب في فطرته وضميره.. ووجد حقيقة الألوهية في الوعي والإدراك مطابقة لما استكن منها في الفطرة والضمير. فلنتابع الرحلة الشائقة مع فطرة إبراهيم الصادقة.. إنها رحلة هائلة وإن كانت تبدو هينة ميسرة! رحلة من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الوعي! الإيمان الذي يقوم عليه التكليف بالفرائض والشرائع؛ والذي لا يكل الله - سبحانه - جمهرة الناس فيه إلى عقولهم وحدها، فيبينه لهم في رسالات الرسل، ويجعل الرسالة - لا الفطرة ولا العقل البشري - هي حجته عليهم، وهي مناط الحساب والجزاء، عدلاً منه ورحمة، وخبرة بحقيقة الإنسان وعلماً.. فأما إبراهيم - عليه السلام - فهو إبراهيم! خليل الرحمن وأبو المسلمين.. {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً. قال: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الآفلين}.. إنها صورة لنفس إبراهيم، وقد ساورها الشك - بل الإنكار الجازم - لما يعبد أبوه وقومه من الأصنام. وقد باتت قضية العقيدة هي التي تشغل باله، وتزحم عالمه.. صورة يزيدها التعبير شخوصا بقوله: {فلما جن عليه الليل}.. كأنما الليل يحتويه وحده، وكأنما يعزله عن الناس حوله، ليعيش مع نفسه وخواطره وتأملاته، ومع همه الجديد الذي يشغل باله ويزحم خاطره: {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال: هذا ربي}.. وكان قومه يعبدون الكواكب والنجوم - كما أسلفنا - فلما أن يئس من أن يكون إلهه الحق - الذي يجده في فطرته في صورة غير مدركة ولا واعية - صنماً من تلك الأصنام، فلعله رجا أن يجده في شيء مما يتوجه إليه قومه بالعبادة! وما كانت هذه أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يتجهون بالعبادة إلى الكواكب والنجوم. وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكباً.. ولكن الكوكب - الليلة - ينطق له بما لم ينطق من قبل، ويوحي إلى خاطره بما يتفق مع الهم الذي يشغل باله، ويزحم عليه عالمه: {قال: هذا ربي}.. فهو بنوره وبزوغه وارتفاعه أقرب - من الأصنام - إلى أن يكون رباً!.. ولكن لا! إنه يكذب ظنه: {فلما أفل قال: لا أحب الآفلين}.. إنه يغيب.. يغيب عن هذه الخلائق. فمن ذا يرعاها إذن ومن ذا يدبر أمرها.. إذا كان الرب يغيب؟! لا، إنه ليس رباً، فالرب لا يغيب! إنه منطق الفطرة البديهي القريب.. لا يستشير القضايا المنطقية والفروض الجدلية، إنما ينطلق مباشرة في يسر وجزم. لأن الكينونة البشرية كلها تنطق به في يقين عميق.. {لا أحب الآفلين}.. فالصلة بين الفطرة وإلهها هي صلة الحب؛ والآصرة هي آصرة القلب.. وفطرة إبراهيم "لا تحب" الآفلين، ولا تتخذ منهم إلهاً. إن الإله الذي تحبه الفطرة.. لا يغيب..! {فلما رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي. فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لآكونن من القوم الضالين}.. إن التجربة تتكرر. وكأن إبراهيم لم ير القمر قط؛ ولم يعرف أن أهله وقومه يعبدونه! فهو الليلة في نظره جديد: {قال: هذا ربي}.. بنوره الذي ينسكب في الوجود؛ وتفرده في السماء بنوره الحبيب.. ولكنه يغيب!.. والرب - كما يعرفه إبراهيم بفطرته وقلبه - لا يغيب! هنا يحس إبراهيم أنه في حاجة إلى العون من ربه الحق الذي يجده في ضميره وفطرته، ربه الذي يحبه، ولكنه بعد لم يجده في إدراكه ووعيه.. ويحس أنه ضال مضيع إن لم يدركه ربه بهدايته. إن لم يمد إليه يده. ويكشف له عن طريقه: {قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين}.. {فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي. هذا أكبر. فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين}. إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءاً وحرارة.. الشمس.. والشمس تطلع كل يوم وتغيب. ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد. إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه؛ ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل: {قال: هذا ربي. هذا أكبر}. ولكنها كذلك تغيب.. هنا يقع التماس، وتنطلق الشرارة، ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق، ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي.. هنا يجد إبراهيم إلهه.. يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره.. هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح.. وهنا يجد إبراهيم إلهه. ولكنه لا يجده في كوكب يلمع، ولا في قمر يطلع، ولا في شمس تسطع.. ولا يجده فيما تبصر العين، ولا فيما يحسه الحس.. إنه يجده في قلبه وفطرته، وفي عقله ووعيه، وفي الوجود كله من حوله.. إنه يجده خالقاً لكل ما تراه العين، ويحسه الحس، وتدركه العقول. وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة؛ ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة، ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك: {قال: يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.. فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض. الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك. وهي الكلمة الفاصلة، واليقين الجازم، والاتجاه الأخير.. فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير.. ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر.. مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس، واستولت على القلب، بعدما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش.. نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني، فلم يعد وراءها شيء. وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله.. وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق. لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله. وقد اطمأن قلبه واستراح باله. وقد أحس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق.. والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين؛ وفيما انشرح له صدره من توحيد؛ وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءاً.. وهو يواجههم في يقينه الجازم؛ وفي إيمانه الراسخ؛ وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه: {وحاجه قومه، قال: أتحاجوني في الله وقد هدان؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيء علماً. أفلا تتذكرون؟ وكيف أخاف ما أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟}.. إن الفطرة حين تنحرف تضل؛ ثم تتمادى في ضلالها، وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء، حتى ليصعب عليها أن تثوب.. وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام - يعبدون أصناماً وكواكب ونجوماً. فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم. ولم يكن هذا داعياً لهم لمجرد التفكر والتدبر. بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه. وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين. ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله، يواجههم مستنكراً في طمأنينة ويقين: {قال: أتحاجوني في الله وقد هدانِ؟}.. أتجادلونني في الله وقد وجدته يأخذ بيدي، ويفتح بصيرتي، ويهديني إليه، ويعرفني به.. لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود - وهذا هو في نفسي دليل الوجود - لقد رأيته في ضميري وفي وعيي، كما رأيته في الكون من حولي. فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل. فهدايته لي إليه هي الدليل؟! {ولا أخاف ما تشركون به}.. وكيف يخاف من وجد الله؟ وماذا يخاف ومن ذا يخاف؟ وكل قوة - غير قوة الله - هزيلة وكل سلطان - غير سلطان الله - لا يُخاف؟! ولكن إبراهيم في عمق إيمانه، واستسلام وجدانه، لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكناً إلى مشيئة الله الطليقة، وإلى علم الله الشامل: {إلا أن يشاء ربي شيئاً. وسع ربي كل شيء علماً}. فهو يكل إلى مشيئة الله حمايته ورعايته؛ ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئاً، لأنه يركن إلى حماية الله ورعايته. ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاءه الله، ووسعه علمه الذي يسع كل شيء.. {وكيف أخاف ما أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟}. إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق هذا الوجود. إنه إن كان أحد قميناً بالخوف فليس هو إبراهيم - وليس هو المؤمن الذي يضع يده في يد الله ويمضي في الطريق - وكيف يخاف آلهة عاجزة - كائنة ما كانت هذه الآلهة، والتي تتبدى أحياناً في صورة جبارين في الأرض بطاشين؛ وهم أمام قدرة الله مهزولون مضعوفون! - كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة، ولا يخافون هم أنهم أشركوا بالله ما لم يجعل له سلطاناً ولا قوة من الأشياء والأحياء؟ وأي الفريقين أحق بالأمن؟ الذي يؤمن به ويكفر بالشركاء؟ أم الذي يشرك بالله ما لا سلطان له ولا قوة؟ أي الفريقين أحق بالأمن، لو كان لهم شيء من العلم والفهم؟! هنا يتنزل الجواب من الملأ الأعلى؛ ويقضي الله بحكمه في هذه القضية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}.. الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله، لا يخلطون بهذا الإيمان شركاً في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه. هؤلاء لهم الأمن، وهؤلاء هم المهتدون.. {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء..} ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها الله إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي جاءوا بها يجادلونه. ولقد كشف لهم عن وهن ما هم عليه من تصورهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه.. وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود الله؛ ولا أنه هو صاحب القوة والسلطان في الكون، ولكنهم كانوا يشركون به هذه الآلهة. فلما واجههم إبراهيم، بأن من كان يخلص نفسه لله لا يخاف من دونه، فأما من يشرك بالله فهو أحق بالمخافة.. لما واجههم بهذه الحجة التي آتاها الله له وألهمه إياها، سقطت حجتهم، وعلت حجته، وارتفع إبراهيم على قومه عقيدة وحجة ومنزلة.. وهكذا يرفع الله من يشاء درجات. متصرفاً في هذا بحكمته وعلمه: {إن ربك حكيم عليم}.. وقبل أن نغادر هذه الفقرة نحب أن نستمتع بنفحة من نفحات الحياة في عصر صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا القرآن يتنزل عليهم غضاً؛ وتشربه نفوسهم؛ وتعيش به وله؛ وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته، في جد وفي وعي وفي التزام عجيب، تأخذنا روعته وتبهرنا جديته؛ وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس، وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من الخوارق، في ربع قرن من الزمان: روى ابن جرير - بإسناده - "حديث : عن عبدالله بن إدريس، قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس كما تظنون. وإنما هو ما قال لقمان لابنه: {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم }.. تفسير : وروى كذلك - بإسناده - عن ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب قرأ: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} فلما قرأها فزع. فأتى أبيّ بن كعب. فقال: يا أبا المنذر، قرأت آية من كتاب الله. من يَسلم؟ فقال: ما هي؟.. فقرأها عليه.. فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول: {أية : إن الشرك لظلم عظيم}؟ تفسير : إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. وروى - بإسناده - عن أبي الأشعر العبدي عن أبيه، أن زيد بن صوحان سأل سلمان، فقال: يا أبا عبدالله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}! فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى ذكره. فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك، وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه. فهذه الآثار الثلاثة تصور لنا كيف كان حس هذا الرهط الكريم بهذا القرآن الكريم. كيف كانت جدية وقعه في نفوسهم. كيف كانوا يتلقونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ وتقريرات حاسمة للطاعة، وأحكام نهائية للنفاذ. وكيف كانوا يفزعون حين يظنون أن هناك مفارقة بين طاقتهم المحدودة ومستوى التكليف المطلوب. وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأي درجة من درجات التقصير، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف. حتى يأتيهم من الله ورسوله التيسير. إنه مشهد كذلك رائع باهر.. مشهد هذه النفوس التي حملت هذا الدين.. وكانت ستاراً لقدر الله؛ ومنفذاً لمشيئته في واقع الحياة.. بعد ذلك يعرض السياق موكب الإيمان الجليل، يقوده ذلك الرهط الكريم من الرسل: من نوح إلى إبراهيم إلى خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - يعرض السياق هذا الموكب ممتداً موصولاً - وبخاصة منذ إبراهيم وبنيه من النبيين - ولا يراعي التسلسل التاريخي في هذا العرض - كما يلاحظ في مواضع أخرى - لأن المقصود هنا هو الموكب بجملته، لا تسلسله التاريخي: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب - كلاً هدينا - ونوحاً هدينا من قبل - ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون.. وكذلك نجزى المحسنين.. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس.. كل من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا.. وكلاً فضلنا على العالمين.. ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم.. واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم.. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة. فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده، قل: لا أسألكم عليه أجراً. إن هو إلا ذكرى للعالمين}.. وفي الآيات ذكر لسبعة عشر نبياً رسولاً - غير نوح وإبراهيم - وإشارة إلى آخرين من {آبائهم وذرياتهم وإخوانهم}.. والتعقيبات على هذا الموكب: {وكذلك نجزي المحسنين}..{وكلاً فضلنا على العالمين}.. {واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم}.. وكلها تعقيبات تقرر إحسان هذا الرهط الكريم واصطفاءه من الله، وهدايته إلى الطريق المستقيم. وذكر هذا الرهط على هذا النحو، واستعراض هذا الموكب في هذه الصورة، كله تمهيد للتقريرات التي تليه: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}.. وهذا تقرير لينابيع الهدى في هذه الأرض. فهدى الله للبشر يتمثل فيما جاءت به الرسل. وينحصر المستيقن منه، والذي يجب اتباعه، في هذا المصدر الواحد، الذي يقرر الله - سبحانه - أنه هو هدى الله؛ وأنه هو الذي يهدي إليه من يختار من عباده.. ولو أن هؤلاء العباد المهديين حادوا عن توحيد الله، وتوحيد المصدر الذي يستمدون منه هداه، وأشركوا بالله في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي، فإن مصيرهم أن يحبط عنهم عملهم: أي ان يذهب ضياعاً، ويهلك كما تهلك الدابة التي ترعى نبتاً مسموماً فتنتفخ ثم تموت.. وهذا هو الأصل اللغوي للحبوط! {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة. فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}.. وهذا هو التقرير الثاني.. فقرر في الأول مصدر الهدى، وقصره على هدى الله الذي جاءت به الرسل. وقرر في الثاني أن الرسل الذين ذكرهم والذين أشار إليهم، هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والسلطان والنبوة - "والحكم" يجيء بمعنى الحكمة كما يجيء بمعنى السلطان كذلك - وكلا المعنيين محتمل في الآية. فهؤلاء الرسل أنزل الله على بعضهم الكتاب كالتوراة مع موسى، والزبور مع داود، والإنجيل مع عيسى. وبعضهم آتاه الله الحكم كداود وسليمان - وكلهم أوتي السلطان على معنى أن ما معه من الدين هو حكم الله، وأن الدين الذي جاءوا به يحمل سلطان الله على النفوس وعلى الأمور. فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا، وما أنزل الكتاب إلا ليحكم بين الناس بالقسط، كما جاء في الآيات الأخرى. وكلهم أوتي الحكمة وأوتي النبوة.. وأولئك هم الذين وكلهم الله بدينه، يحملونه إلى الناس، ويقومون عليه، ويؤمنون به ويحفظونه.. فإذا كفر بالكتاب والحكم والنبوة مشركو العرب: {هؤلاء} فإن دين الله غني عنهم؛ وهؤلاء الرهط الكرام والمؤمنون بهم هم حسب هذا الدين!.. إنها حقيقة قديمة امتدت شجرتها، وموكب موصول تماسكت حلقاته؛ ودعوة واحدة حملها رسول بعد رسول؛ وآمن بها ويؤمن من يقسم الله له الهداية؛ بما يعلمه من استحقاقه للهداية!.. وهو تقرير يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن، وفي قلوب العصبة المسلمة - أياً كان عددها - إن هذه العصبة ليست وحدها. ليست مقطوعة من شجرة! إنها فرع منبثق من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وحلقة في موكب جليل موصول، موصولة أسبابه بالله وهداه.. إن المؤمن الفرد، في أي أرض وفي أي جيل، قوي قوي، وكبير كبير، إنه من تلك الشجرة المتينة السامقة الضاربة الجذور في أعماق الفطرة البشرية وفي أعماق التاريخ الإنساني، وعضو من ذلك الموكب الكريم الموصول بالله وهداه منذ أقدم العصور. {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. قل: لا أسألكم عليه أجراً. إن هو إلا ذكرى للعالمين}.. وهو التقرير الثالث.. فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان، هم الذين هداهم الله. وهداهم الذي جاءهم من الله فيه القدوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن به. فهذا الهدى وحده هو الذي يسير عليه. وهذا الهدى وحده هو الذي يحتكم إليه، وهذا الهدى وحده هو الذي يدعو إليه ويبشر به.. قائلاً لمن يدعوهم: {لا أسألكم عليه أجراً}.. {إن هو إلا ذكرى للعالمين}.. للعالمين.. لا يختص به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد.. إنه هدى الله لتذكير البشر كافة. ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه. وإنما أجره على الله! ثم يمضي السياق يندد بمنكري النبوات والرسالات، ويصمهم بأنهم لا يقدرون الله قدره، ولا يعرفون حكمة الله ورحمته وعدله. ويقرر أن الرسالة الأخيرة إنما تجري على سنة الرسالات قبلها؛ وأن الكتاب الأخير مصدق لما بين يديه من الكتب.. مما يتفق مع ظل الموكب الذي سبق عرضه ويتناسق: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء. قل: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً - وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم؟ قل: الله. ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، ولتنذر أم القرى ومن حولها، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون}.. لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يقولون: إن الله لم يرسل رسولاً من البشر؛ ولم ينزل كتاباً يوحي به إلى بشر. بينما كان إلى جوارهم في الجزيرة أهل الكتاب من اليهود؛ ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب، ولا أن الله أنزل التوارة على موسى - عليه السلام - إنما هم كانوا يقولون ذلك القول في زحمة العناد واللجاج، ليكذبوا برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لذلك يواجههم القرآن الكريم بالتنديد بقولتهم: ما أنزل الله على بشر من شيء؛ كما يواجههم بالكتاب الذي جاء به موسى من قبل: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء}.. وهذا القول الذي كان يقوله مشركو مكة في جاهليتهم، يقوله أمثالهم في كل زمان؛ ومنهم الذين يقولونه الآن؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر؛ وأنها تطورت وترقت بتطور البشر وترقيهم. لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم، كالوثنيات كلها قديماً وحديثاً، ترتقي وتنحط بارتقاء أصحابها وانحطاطهم، ولكنها تظل خارج دين الله كله. وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله، وهي ثابتة على أصولها الأولى؛ جاء بها كل رسول؛ فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة؛ ثم وقع الانحراف عنها والتحريف فيها، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد، بذات الدين الواحد الموصول. وهذا القول يقوله - قديماً أو حديثاً - من لا يقدر الله حق قدره؛ ومن لا يعرف كرم الله وفضله، ورحمته وعدله.. إنهم يقولون: إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة! كما كان العرب يقولون. أو يقولون: إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعني بالإنسان "الضئيل" في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض! بحيث يرسل له الرسل؛ وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث! أو يقولون: إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل.. إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين! كما يقول الماديون الملحدون! وكله جهل بقدر الله - سبحانه - فالله الكريم العظيم العادل الرحيم، العليم الحكيم... لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده، وهو خلقه، وهو يعلم سره وجهره، وطاقاته وقواه، ونقصه وضعفه، وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره، وأقواله وأعماله، وأوضاعه ونظامه، ليرى إن كانت صواباً وصلاحاً، أو كانت خطأ وفساداً.. ويعلم - سبحانه - أن العقل الذي أعطاه له، يتعرض لضغوط كثيرة من شهواته ونزواته ومطامعه ورغباته، فضلاً على أنه موكل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله، وليس موكلاً بتصور الوجود تصوراً مطلقاً، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة. فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من الله؛ فتنشىء له تصوراً سليماً للوجود والحياة.. ومن ثم لا يكله الله إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة لدنية بربها الحق، وشوق إليه، ولياذ به في الشدائد.. فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس، بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير.. إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها، وليجلو عنهم غاشية التضليل من داخل أنفسهم ومن خارجها.. وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله، ورحمته وعدله، وحكمته وعلمه.. فما كان ليخلق البشر، ثم يتركهم سدى.. ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولاً: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : فتقدير الله حق قدره يقتضي الاعتقاد بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام، ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط، والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق. وأنه أوحى إلى هؤلاء الرسل منهج الدعوة إلى الله، وأنزل على بعضهم كتباً تبقى بعدهم في قومهم إلى حين - ككتب موسى وداود وعيسى - أو تبقى إلى آخر الزمان كهذا القرآن. ولما كانت رسالة موسى معروفة بين العرب في الجزيرة، وكان أهل الكتاب معروفين هناك، فقد أمر الله رسوله أن يواجه المشركين المنكرين لأصل الرسالة والوحي؛ بتلك الحقيقة: {قل: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً - وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم}.. وقد عرضنا في تقديم السورة للقول بأن هذه الآية مدنية، وأن المخاطبين بها هم اليهود. ثم ذكرنا هناك ما اختاره ابن جرير الطبري من القراءة الأخرى {يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً}.. وأن المخاطبين بها هم المشركون، وهذا خبر عن اليهود بما كان واقعاً منهم من جعل التوراة في صحائف يتلاعبون بها، فيبدون منها للناس ما يتفق مع خطتهم في التضليل والخداع، والتلاعب بالأحكام والفرائض؛ ويخفون ما لا يتفق مع هذه الخطة من صحائف التوراة! مما كان العرب يعلمون بعضه وما أخبرهم الله به في هذا القرآن من فعل اليهود.. فهذا خبر عن اليهود معترض في سياق الآية لا خطاباً لهم.. والآية على هذا مكية لا مدنية.. ونحن نختار ما اختاره ابن جرير. فقل لهم يا محمد: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس، مما يجعله اليهود صحائف يخفون بعضها ويظهرون بعضها قضاء للباناتهم من وراء هذا التلاعب الكريه! كذلك واجههم بأن الله علمهم بما يقص عليهم من الحقائق والأخبار ما لم يكونوا يعلمون؛ فكان حقاً عليهم أن يشكروا فضل الله؛ ولا ينكروا أصله بإنكار أن الله نزل هذا العلم على رسوله وأوحى به إليه. ولم يترك لهم أن يجيبوا على ذلك السؤال. إنما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحسم القول معهم في هذا الشأن؛ وألا يجعله مجالاً لجدل لا يثيره إلا اللجاج: {قل: الله. ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}.. قل: الله أنزله.. ثم لا تحفل جدالهم ولجاجهم ومراءهم، ودعهم يخوضون لاهين لاعبين. وفي هذا من التهديد، قدر ما فيه من الاستهانة، قدر ما فيه من الحق والجد؛ فحين يبلغ العبث أن يقول الناس مثل ذلك الكلام، يحسن احترام القول وحسم الجدل وتوفير الكلام! ويمضي السياق يحكي شيئاً عن الكتاب الجديد، الذي ينكر الجاحدون أن يكون الله نزله. فإذا هو حلقة مسبوقة جاءت قبلها حلقات، فليس بدعاً من الكتب التي ينزلها الله على من يشاء من رسله الكرام: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، ولتنذر أم القرى ومن حولها. والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون}.. إنها سنة من سنن الله أن يرسل الرسل، وأن ينزل الله عليهم الكتب. وهذا الكتاب الجديد، الذي ينكرون تنزيله، هو كتاب مبارك.. وصدق الله.. فإنه والله لمبارك.. مبارك بكل معاني البركة.. إنه مبارك في أصله. باركه الله وهو ينزله من عنده. ومبارك في محله الذي علم الله أنه له أهل.. قلب محمد الطاهر الكريم الكبير.. ومبارك في حجمه ومحتواه. فإن هو إلا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التي يكتبها البشر؛ ولكنه يحوي من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات من هذه الكتب الضخام، في أضعاف أضعاف حيزه وحجمه! وإن الذي مارس فن القول عند نفسه وعند غيره من بني البشر؛ وعالج قضية التعبير بالألفاظ عن المدلولات، ليدرك أكثر مما يدرك الذين لا يزاولون فن القول ولا يعالجون قضايا التعبير، أن هذا النسق القرآني مبارك من هذه الناحية. وأن هنالك استحالة في أن يعبر البشر في مثل هذا الحيز - ولا في أضعاف أضعافه - عن كل ما يحمله التعبير القرآني من مدلولات ومفهومات وموحيات ومؤثرات! وأن الآية الواحدة تؤدي من المعاني وتقرر من الحقائق ما يجعل الاستشهاد بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئاً متفرداً لا نظير له في كلام البشر.. وإنه لمبارك في أثره. وهو يخاطب الفطرة والكينونة البشرية بجملتها خطاباً مباشراً عجيباً لطيف المدخل؛ ويواجهها من كل منفذ وكل درب وكل ركن؛ فيفعل فيها ما لا يفعله قول قائل. ذلك أن به من الله سلطاناً. وليس في قول القائلين من سلطان! ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في تصوير بركة هذا الكتاب. وما نحن ببالغين لو مضينا شيئاً أكثر من شهادة الله له بأنه "مبارك" ففيها فصل الخطاب! {مصدق الذي بين يديه}.. فهو يصدّق ما بين يديه من الكتب التي نزلت من عندالله - في صورتها التي لم تحرف لا فيما حرفته المجامع وقالت: إنه من عندالله - هو يصدقها لأنها جاءت بالحق الذي جاء به في أصول العقيدة. أما الشرائع فقد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً، في حدود العقيدة الكبرى في الله. والذين يكتبون عن الإسلام فيقولون: إنه أول دين جاء بالعقيدة الكاملة في توحيد الله؛ أو جاء بالعقيدة الكاملة في حقيقة الرسالة والرسول؛ أو جاء بالعقيدة الكاملة في الآخرة والحساب والجزاء.. وهم يقصدون الثناء على الإسلام!.. هؤلاء لا يقرآون القرآن! ولو قرأوه لسمعوا الله تعالى يقرر أن جميع رسله - صلوات الله عليهم وسلامه - جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره.. وأنهم جميعاً أخبروا الناس بحقيقة الرسول، وبشريته وأنه لا يملك لهم ولا لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يعلم غيباً، ولا يبسط أو يقبض رزقاً.. وأنهم جميعاً أنذروا قومهم بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء.. وأن سائر حقائق العقيدة الإسلامية الأساسية جاء بها كل رسول.. وصدق الكتاب الأخير ما جاءت به الكتب قبله.. إنما تلك الأقوال أثر من آثار الثقافة الأوربية. التي تزعم أن أصول العقيدة - بما فيها العقائد السماوية - قد تطورت وترقت، بتطور الأقوام وترقيها! وما يمكن أن يدافع عن الإسلام بهدم أصوله التي يقررها القرآن! فليحذر الكتاب والقارئون هذا المزلق الخطير!!! فأما حكمة إنزال هذا الكتاب، فلكي ينذر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهل مكة - أم القرى - وما حولها: {ولتنذر أم القرى ومن حولها}.. وسميت مكة أم القرى، لأنها تضم بيت الله الذي هو أول بيت وضع للناس ليعبدوا الله فيه وحده بلا شريك؛ وجعله مثابة أمن للناس وللأحياء جميعاً؛ ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض؛ ولم تكن دعوة عامة من قبل؛ وإليه يحج المؤمنون بهذه الدعوة، ليعودوا إلى البيت الذي خرجت منه الدعوة! وليس المقصود، كما يتصيد أعداء الإسلام من المستشرقين، أن تقصر الدعوة على أهل مكة ومن حولها. فهم يقتطعون هذه الآية من القرآن كله، ليزعموا أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقصد في أول الأمر أن يوجه دعوته إلا إلى أهل مكة وبعض المدن حولها. وأنه إنما تحول من هذا المجال الضيق الذي ما كان خياله يطمح في أول الأمر إلى أوسع منه؛ فتوسع في الجزيرة كلها، ثم همَّ أن يتخطاها.. لمصادفات لم يكن في أول الأمر على علم بها! وذلك بعد هجرته إلى المدينة، وقيام دولته بها!.. وكذبوا.. ففي القرآن المكي، وفي أوائل الدعوة، قال الله سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107].. {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً}تفسير : [سبأ: 28] ولعل الدعوة يومذاك كانت محصورة في شعاب مكة يحيط بها الكرب والابتلاء! {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون}.. فالذين يؤمنون بأن هناك آخرة وحساباً وجزاء، يؤمنون بأن الله لا بد مرسل للناس رسولاً يوحي إليه؛ ولا يجدون في نفوسهم مشقة في التصديق به؛ بل إنهم ليجدون داعياً يدعوهم إلى هذا التصديق. كما أنهم لإيمانهم بالآخرة وبهذا الكتاب يحافظون على صلاتهم، ليكونوا على صلة دائمة وثيقة بالله؛ وليقوموا بطاعته ممثلة في الصلاة.. فهي طبيعة نفس.. متى صدقت بالآخرة واستيقنتها، صدقت بهذا الكتاب وتنزيله، وحرصت على الصلة بالله وطاعته.. وملاحظة نماذج النفوس البشرية تصدق في الواقع هذا الكلام الصادق بذاته. ويختم هذه الجولة المتلاحقة الأشواط بمشهد حي شاخص متحرك مكروب رعيب.. مشهد الظالمين.. (أي المشركين) الذين يفترون على الله الكذب، أو يدعون أنهم أوحي إليهم ادعاء لا حقيقة له. أو يزعمون أنهم مستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن.. مشهد هؤلاء الظالمين - الذين لا يقاس إلى ظلمهم هذا ظلم - وهم في غمرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم إليهم بالعذاب، ويطلبون أرواحهم. والتأنيب يجبه وجوههم، وقد تركوا كل شيء وراءهم وضل عنهم شركاؤهم. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، أو قال: أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء، ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله؟ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم: أخرجوا أنفسكم. اليوم تجزون عذاب الهون، بما كنتم تقولون على الله غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء! لقد تقطع بينكم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون}.. وقد ورد عن قتادة وابن عباس - رضي الله عنهم - أن الآية نزلت في مسيلمة الكذاب وسجاح بنت الحارث زوجته والأسود العنسي؛ وهم الذين تنبأوا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وادعوا أن الله أوحى إليهم. أما الذي قال سأنزل مثلما أنزل الله - أو قال أوحي إلي كذلك - "حديث : ففي رواية عن ابن عباس أنه عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وكان أسلم وكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه لما نزلت الآية التي في "المؤمنون": {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأملاها عليه. فلما انتهى إلى قوله: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال: "تبارك الله أحسن الخالقين". فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هكذا أنزلت عليّ"تفسير : .. فشك عبدالله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إلي كما أوحى إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال! فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين. فذلك قوله: {ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله}.. (رواه الكلبي عن ابن عباس).. والمشهد الذي يرسمه السياق في جزاء هؤلاء الظالمين (أي المشركين) مشهد مفزع مرعب مكروب مرهوب. الظالمون في غمرات الموت وسكراته - ولفظ غمرات يلقي ظله المكروب - والملائكة يبسطون إليهم أيديهم بالعذاب، وهم يطلبون أرواحهم للخروج! وهم يتابعونهم بالتأنيب: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم: أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون}.. وجزاء الاستكبار العذاب المهين، وجزاء الكذب على الله هذا التأنيب الفاضح.. وكله مما يضفي على المشهد ظلالاً مكروبة، تأخذ بالخناق من الهول والكآبة والضيق! ثم في النهاية، ذلك التوبيخ والتأنيب من الله تعالى، الذي كذبوا عليه، وها هم أولاء بين يديه، يواجههم في موقف الكربة والضيق: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة}! فما معكم إلا ذواتكم مجردة؛ ومفردة كذلك. تلقون ربكم أفراداً لا جماعة. كما خلقكم أول مرة أفراداً، ينزل أحدكم من بطن أمه فرداً عريان أجرد غلبان! ولقد ند عنكم كل شيء، وتفرق عنكم كل أحد؛ وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم الله إياه؛ {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم}.. تركتم كل شيء من مال وزينة، وأولاد ومتاع، وجاه وسلطان.. كله هناك متروك وراءكم، ليس معكم شيء منه، ولا تقدرون منه على قليل أو كثير! {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء}.. هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد، وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم، وتقولون: إنهم سيكونون عند الله شفعاءكم كالذي كانوا يقولون: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى!}تفسير : سواء كانوا ناساً من البشر كهاناً أو ذوي سلطان؛ أو كانوا تماثيل من الحجر، أو أوثاناً، أو جناً أو ملائكة، أو كواكب أو غيرها مما يرمزون به إلى الآلهة الزائفة، ويجعلون له شركاً في حياتهم وأموالهم وأولادهم كما سيجيء في السورة. فأين؟ أين ذهب الشركاء والشفعاء؟ {لقد تقطع بينكم}.. تقطع كل شيء. كل ما كان موصولاً. كل سبب وكل حبل! {وضل عنكم ما كنتم تزعمون}.. وغاب عنكم كل ما كنتم تدّعونه من شتى الدعاوى. ومنها أولئك الشركاء، وما لهم من شفاعة عند الله أو تأثير في عالم الأسباب! إنه المشهد الذي يهز القلب البشري هزاً عنيفاً. وهو يشخص ويتحرك؛ ويلقي ظلاله على النفس، ويسكب إيحاءاته في القلب، ظلاله الرعيبة المكروبة، وإيحاءاته العنيفة المرهوبة.. إنه القرآن.. إنه القرآن..

ابن عاشور

تفسير : عطف على الجمل السابقة التي أولاها {أية : وكذّب به قومك وهو الحقّ}تفسير : [الأنعام: 66] المشتملة على الحجج والمجادلة في شأن إثبات التوحيد وإبطال الشرك، فعُقّبت تلك الحجج بشاهد من أحوال الأنبياء بذكر مجادلة أول رسول أعلَن التوحيد وناظر في إبطال الشرك بالحجّة الدامغة والمناظرة الساطعة، ولأنَّها أعدل حجَّة في تاريخ الدين إذ كانت مجادلة رسول لأبيه ولقومه، وكانت أكبر حجّة على المشركين من العرب بأنّ أباهم لم يكن مشركاً ولا مُقِرّاً للشرك في قومه، وأعظم حجَّة للرسول صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك. والكلام في افتتاح القصّة بــ {إذْ} بتقدير اذْكُر تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربّك للملائكة إنٌّي جاعل في الأرض خليفة}تفسير : في سورة [البقرة: 30]. و{آزر} ظاهر الآية أنَّه أبو إبراهيم. ولا شكّ أنّه عُرف عند العرب أنّ أبا إبراهيم اسمُه آزر فإنّ العرب كانوا معتنين بذكر إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ ونسبِه وأبنائه. وليس من عادة القرآن التعرّض لذكر أسماء غير الأنبياء فما ذكر اسمه في هذه الآية إلاّ لقصد سنذكره. ولم يُذكر هذا الاسم في غير هذه الآية. والذي في كتب الإسرائيليّين أنّ اسم أبي إبراهيم (تارح) ـــ بمثناة فوقية فألف فراء مفتوحة فحاء مهملة ـــ. قال الزجاج: لا خلاف بين النسّابين في أنّ اسم أبي إبراهيم تارح. وتبعه محمد بن الحسن الجويني الشافعي في «تفسير النكت». وفي كلامهما نظر لأنّ الاختلاف المنفي إنَّما هو في أنّ آزر اسم لأبي إبراهيم ولا يقتضي ذلك أنه ليس له اسم آخر بين قومه أو غيرهم أو في لغة أخرى غير لغة قومه. ومثل ذلك كثير. وقد قيل: إنّ (آزر) وصف. قال الفخر: قيل معناه الهرم بلغة خوارزم، وهي الفارسية الأصلية. وقال ابن عطية عن الضحّاك: (آزر) الشيخ. وعن الضحَّاك: أنّ اسم أبي إبراهيم بلغة الفرس (آزر). وقال ابن إسحاق ومقاتل والكلبي والضحَّاك: اسم أبي إبراهيم تارح وآزر لقب له مثل يعقوب الملقب إسرائيل، وقال مجاهد: (آزر) اسم الصنم الذي كان يعبده أبو إبراهيم فلقّب به. وأظهر منه أن يقال: أنَّه الصنم الذي كان أبو إبراهيم سادن بيته. وعن سليمان التيْمي والفرّاء: (آزر) كلمةُ سبّ في لغتهم بمعنى المعْوَجّ، أي عن طريق الخير. وهذا وهم لأنَّه يقتضي وقوع لفظ غير عربي ليس بعلم ولا بمعرّب في القرآن. فإنّ المعرّب شرطه أن يكون لفظاً غير علم نقله العرب إلى لغتهم. وفي «تفسير الفخر»: أنّ من الوجوه أن يكون (آزر) عمّ إبراهيم وأطلق عليه اسم الأب لأنّ العمّ قد يقال له: أب. ونسب هذا إلى محمد بن كعب القرظي. وهذا بعيد لا ينبغي المصير إليه فقد تكرّر في القرآن ذكر هذه المجادلة مع أبيه، فيبعد أن يكون المراد أنَّه عمّه في تلك الآيات كلِّها. قال الفخر: وقالت الشيعة: لا يكون أحد من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجداده كافراً. وأنكروا أنّ (آزر) أب لإبراهيم وإنَّما كان عمّه. وأمَّا أصحابنا فلم يلتزموا ذلك. قلت: هو كما قال الفخر من عدم التزام هذا وقد بيّنتُ في «رسالة» لي في طهارة نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الكفر لا ينافي خلوص النسب النبوي خلوصاً جبليّاً لأنّ الخلوص المبحوث عنه هو الخلوص ممَّا يتعيّر به في العادة. والذي يظهر لي أنَّه: أنّ (تارح) لُقِّب في بلد غربة بلقب (آزر) باسم البلد الذي جاء منه، ففي «معجم ياقوت» ـــ آزر ـــ بفتح الزاي وبالراء ـــ ناحية بين سوق الأهواز ورامهرمز. وفي الفصل الحادي عشر من سفر التكوين من التوراة أنّ بلد تارح أبي إبراهيم هو (أور الكَلْدَانيين). وفي «معجم ياقوت» (أور) ـــ بضم الهمزة وسكون الواو ـــ من أصقاع رامهرمز من خوزستان». ولعلّه هو أور الكلدانيين أو جزء منه أضيف إلى سكّانه. وفي سفر التكوين أنّ (تارح) خرج هو وابنه إبراهيم من بلده أور الكلدانيين قاصديْن أرض كنعان وأنهما مرّا في طريقهما ببلد (حَاران) وأقاما هناك ومات تارح في حَاران. فلعلّ أهل حاران دعَوه آزر لأنَّه جاء من صقع آزر. وفي الفصل الثاني عشر من سفر التكوين ما يدلّ على أنّ إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ نُبِّىء في حاران في حياة أبيه. ولم يرد في التوراة ذكر للمحاورة بين إبراهيم وأبيه ولا بينه وبين قومه. ولذا فالأظهر أن يكون {آزر} في الآية منادى وأنَّه مبني على الفتح. ويؤيد ذلك قراءة يعقوب {آزر} مضموماً. ويؤيّده أيضاً ما روي: أنّ ابن عباس قرأه أإزر ـــ بهمزتين أولاهما مفتوحة والثانية مكسورة ـــ، وروي: عنه أنَّه قرأه ـــ بفتح الهمزتين ـــ وبهذا يكون ذكر اسمه حكاية لخطاب إبراهيم إيّاه خطاب غلظة، فذلك مقتضى ذكر اسمه العلم. وقرأ الجمهور {آزر} ـــ بفتح الراء ـــ وقرأه يعقوب ـــ بضمّها ـــ. واقتصر المفسّرون على جعله في قراءة ـــ فتح الراء ـــ بياناً من {أبيه}، وقد علمت أنَّه لا مقتضي له. والاستفهام في {أتتَّخذ أصناماً آلهة} استفهام إنكار وتوبيخ. والظاهر أنّ المحكي في هذه الآية موقف من مواقف إبراهيم مع أبيه، وهو موقف غلظة، فيتعيَّن أنَّه كان عندما أظهر أبوه تصلّباً في الشّرك. وهو ما كان بعد أن قال له أبوه {أية : لئن لم تنته لأرجمنَّك}تفسير : [مريم: 46] وهو غير الموقف الذي خاطبه فيه بقوله: {أية : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر}تفسير : الآيات في سورة [مريم: 42]. و{تتّخذ} مضارع اتّخذ، وهو افتعال من الأخذ، فصيغة الافتعال فيه دالَّة على التكلّف للمبالغة في تحصيل الفعل. قال أهل اللغة: قلبت الهمزة الأصلية تاء لقصد الإدغام تخفيفاً وليَّنوا الهمزة ثم اعتبروا التاء كالأصلية فربما قالوا: تخذ بمعنى اتّخذ، وقد قرىء بالوجهين قوله تعالى: {أية : لو شئت لاتَّخذت عليه أجراً}تفسير : [الكهف: 77] و{لتَخَذْت عليه أجراً} فأصل فعل اتّخذ أن يتعدّى إلى مفعول واحد وكان أصل المفعول الثاني حالاً، وقد وعدنا عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتتَّخذنا هزؤاً}تفسير : في سورة [البقرة: 67] بأن نبيِّن استعمال (اتَّخذ) وتعديته في هذه السورة. ومعنى تتّخذ هنا تصطفي وتختار؛ فالمراد أتعبد أصناماً. وفي فعل {تتّخذ} إشعار بأنّ ذلك شيء مصطنع مفتعل وأنّ الأصنام ليست أهلاً للإلهية. وفي ذلك تعريض بسخافة عقله أن يجعل إلهه شيئاً هو صنعه. والأصنام جمع صنم، والصنم الصورة التي تمثّل شكل إنسان أو حيوان، والظاهر أنّ اعتبار كونه معبوداً داخل في مفهوم اسم صنم كما تظافرت عليه كلمات أهل اللغة فلا يطلق على كلّ صورة، وفي «شفاء الغليل»: أنّ صنم مُعرّب عن (شَمَن)، وهو الوثن، أي مع قلب في بعض حروفه، ولم يذكر اللغة المعرّب منها، وعلى اعتبار كون العبادة داخلة في مفهوم الاسم يكون قوله {أصناماً} مفعول {تتَّخذ} على أن تتّخذ متعدّ إلى مفعول واحد على أصل استعماله ومحلّ الإنكار هو المفعول، أي {أصناماً}، ويكون قوله {آلهة} حالاً من {أصناماً} مؤكّدة لمعنى صاحب الحال، أو بدلاً من {أصناماً}. وهذا الذي يناسب تنكير {أصناماً} لأنَّه لو كان مفعولاً أوّل لـ {تتّخذ} لكان معرّفاً لأنّ أصله المبتدأ. وعلى احتمال أنّ الصنم اسم للصورة سواء عبدت أم لم تعبد يكون قوله {آلهة} مفعولاً ثانياً لـ {تتّخذ} على أنّ {تتّخذ} مضمّن معنى تجعل وتصيِّر، أي أتجعل صوراً آلهة لك كقوله {أية : أتعبدون ما تنحتون} تفسير : [الصافات: 95]. وقد تضمَّن ما حكي من كلام إبراهيم لأبيه أنَّه أنكر عليه شيئين: أحدهما جعله الصور آلهة مع أنَّها ظاهرة الانحطاط عن صفة الإلهية، وثانيهما تعدّد الآلهة ولذلك جُعل مفعولا {تتّخذ} جَمْعَيْن، ولم يُقل: أتتّخذ الصنم إلهاً. وجملة: {إنِّي أراك وقومك في ضلال} مبيِّنَة للإنكار في جملة: {أتتَّخذ أصناماً آلهة}. وأكّد الإخبار بحرف التأكيد لما يتضمَّنه ذلك الإخبار من كون ضلالهم بيّناً، وذلك ممَّا ينكره المخاطب؛ ولأنّ المخاطب لَمَّا لم يكن قد سمع الإنكارَ عليه في اعتقاده قبْل ذلك يحسب نفسه على هدى ولا يحسب أنّ أحداً ينكر عليه ما هو فيه، ويظن أنّ إنكار ابنه عليه لا يبلغ به إلى حدّ أن يراه وقومه في ضلال مبين. فقد يتأوّله بأنَّه رام منه ما هو أولَى. والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أنّ ضلال أبيه وقومه صار كالشيء المشاهَد لوضوحه في أحوال تقرّباتهم للأصنام من الحجارة فهي حالة مشاهد ما فيها من الضلال. وعليه فقوله: {في ضلال مبين} في موضع الحال. ويجوز كون الرؤية علمية، وقوله: {في ضلال مبين} في موضع المفعول الثاني. وفائدة عطف {وقومك} على ضمير المخاطب مع العلم بأنّ رؤيته أباه في ضلال يقتضي أن يرى مماثليه في ضلال أيضاً لأنّ المقام مقام صراحة لا يكتفي فيه بدلالة الالتزام ولينبئه من أول وهلة على أنّ موافقة جمع عظيم إياه على ضلاله لا تعصّد دينه ولا تشكّك من ينكر عليه ما هو فيه. و{مبين} اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي ظاهر. ووصف الضلال بـ {مبين} نداء على قوة فساد عقولهم حيث لم يتفطّنوا لضلالهم مع أنَّه كالمشاهد المرئي. ومباشرتُه إيَّاه بهذا القول الغليظ كانت في بعض مجادلاته لأبيه بعد أن تقدّم له بالدعوة بالرفق، كما حكى الله عنه في موضع آخر {أية : يا أبَت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يغني عنك شيئاً يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهْدك صراطاً سويّاً} تفسير : [مريم: 42 -43] إلى قوله {أية : سلام عليك سأستغفر لك ربِّي إنَّه كان بي حفيّاً}تفسير : [مريم: 47]. فلما رأى تصميمه على الكفر سلك معه الغلظة استقصاء لأساليب الموعظة لعلّ بعضها أن يكون أنجع في نفس أبيه من بعض فإنّ للنفوس مسالك ولمجال أنظارها ميادين متفاوتة، ولذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {أية : ادْعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : [النحل: 125]، وقال له في موضع آخر {أية : واغلُظْ عليهم}تفسير : [التوبة: 73]. فحكى الله تعالى عن إبراهيم في هذه الآية بعض مواقفه مع أبيه وليس في ذلك ما تنافي البُرور به لأنّ المجاهرة بالحقّ دون سبّ ولا اعتداء لا ينافي البرور. ولم يزل العلماء يخطّئون أساتذتهم وأئمّتهم وآباءهم في المسائل العلمية بدون تنقيص. وقد قال أرسطاليس في اعتراض على أفلاطون: أفلاطون صديق والحقّ صديق لكن الحقّ أصدق. على أنّ مراتب برّ الوالدين متفاوتة في الشرائع. وقد قال أبناء يعقوب {أية : تالله إنَّك لفي ضلالك القديم}تفسير : [يوسف: 95].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إبراهيم: هو إبراهيم خليل الرحمن بن آزر من أولاد سام بن نوح عليه السلام. أصناماً: جمع صنم تمثال من حجر. آلهة: جمع إله بمعنى المعبود. في ضلال: عدول عن طريق الحق. ملكوت: مُلك. جن عليه الليل: أظلم. فلما أفل: أي غاب. بازغا: طالعاً والبزوغ الطلوع. الضالين: العادلين عن طريق الحق إلى طريق الباطل. وجهت وجهي: أقبلت بقلبي على ربي وأعرضت عما سواه. حنيفاً: مائلاً عن الضلال إلى الهدى. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان الهدى للعادلين بربهم أصناماً يعبدونها لعلهم يهتدون فقال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ}، أي واذكر لهم قول إبراهيم لأبية آزر: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} أي أتجعل تماثيل من حجارة آلهة. أرباباً تعبدها أنت وقومك {إِنِّيۤ أَرَاكَ} يا أبت {وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} عن طريق الحق الذي ينجو ويفلح سالكه هذا ما دلت عليه الآية الأولى [74] أما الآية الثانية [75] فإن الله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي كما أريناه الحق في بطلان عبادة أبيه للأصنام نريه أيضاً مظاهر قدرتنا وعلمنا وحكمنا الموجبة لألوهيتنا في ملك السماوات والأرض، ليكون بذلك من جملة الموقنين، واليقين من أعلى مراتب الإِيمان. هذا ما دلت عليه الآية الثانية وفي الثالثة [76] فصّل الله تعالى ما أجمله في قوله {نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فقال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} أي أظلم {رَأَى كَوْكَباً} قد يكون الزهرة {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ} أي غاب الكوكب {قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}، {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} أي طالعاً {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ} أي غاب {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ}، في معرفة ربهم الحق. {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} أي طالعة {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ} يعني من الكوكب والقمر {فَلَمَّآ أَفَلَتْ} أي غابت بدخول الليل {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. هكذا واجه إبراهيم قومه عبدة الكواكب التي تمثلها أصنام منحوته واجههم بالحقيقة التي أراد أن يصل إليهم معهم وهي إبطال عبادة غير الله تعالى فقال {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً} لا كما توجهون أنتم وجوهكم لأصنام نحتموها بأيديكم وعبدتموها بأهوائكم لا بأمر ربكم، وأعلن براءته في وضوح وصراحة: فقال: {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إنكار الشرك على أهله، وعدم إقرارهم ولو كانوا أقرب الناس إلى المرء. 2- فضل الله تعالى وتفضله على من يشاء بالهداية الموصلة إلى أعلى درجاتها. 3- مطلب اليقين وأنه من أشرف المطالب وأعزها، ويتم بالتفكر والنظر في الآيات. 4- الاستدلال بالحدوث على وجود الصانع الحكيم وهو الله عز وجل. 5- سنة التدرج في التربية والتعليم. 6- وجوب البراءة من الشرك وأهله.

القطان

تفسير : ابراهيم: خليل الرحمن، أبو الانبياء بعد نوح، والاسم أعجمي معناه ابو الجمهور العظيم، او أبو الأمة. أزر: ابو ابراهيم. قال البخاري: إبراهيم بن آزر، وهو في التوراة تارح والله سماه آزر. وقال كثير من المفسرين ان اسمه تارح، وآزر وصفّ له الضلال: العدول عن الطريق الحق. ملك الله وملكوته: سلطانه وعظمته جَنَّةُ الليل: ستره أفل: غاب بزغ القمر:طلع وجّهت وجهي: قصدت بعبادتي فطر السماوات: خلقها ومعنى فطر: شَقَّ الحنيف: المائل عن الضلال، المخلص في عبادته. بعد ان بين الله لنا ان عبادة غيره عبث وضلال، وأمَرَنا أن نسلم اليه، لأننا سوف نُحشر يوم ينفخ في الصور - جاءت هذه الآيات لتشرح الموضوع الأساسي لهذه السورة، وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الالوهية وحقيقة الربوبية، وما بينهما من ارتباطات. لكنه يعالج ذلك في اسلوب من القصص اللطيف. { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. اذكر ايها الرسول لهؤلاء المشركين، حين قال ابراهيم لأبيه آزر منكراً عليه عبادة غير الله: ما كان لك يا أبي ان تعبد الأصنام، وتتخذها الهة وهي لا تضر ولا تنفع إني أراك وقومك في ضلال ظاهر. {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...}. وكما أرينا إبراهيم الحق في أمر أبيه وقومه فقد عمدنا الى أن نريَه مُلكنا العظيم للسماوات والارض - بما فيها من بديع النظام وغريب الصنع - ليقيم الحجة على المشركين، وليكون في خاصة نفسه من الراسخين في الايمان. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} ثم فصّل سبحانه وتعالى كيف هداه الى الايمان. فمال استنكر ابراهيم عبادة الأصنام طلب هداية الله، وأخذ يفكر في هذا الكون العظيم. وكان من أول أمره في ذلك انه لما أظلم عليه الليل، وهو يفكر في ملكوت الله - رأى كوكباً عظيما يقال إنه "المشتري". وكان قوم إبراهيم يعبدونه، فلما رآه قال: هذا ربي لكن النجم غاب فلما غرب قال إبراهيم مبطلاً لربوبية ذلك النجم: أنا لا أُحِب الآفلين، ولا اقبل عبادة الآلهة المتغّيرين. وفي هذا تعريض بجهل قومه في عبادتهم الكواكب. {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ}. وحين رأى إبراهيم القمر طالعاً بعد ذلك قال محدّثا نفسه: هذا ربي فلما أفَل القمر، شأن سابقه الكوكب - قال ابراهيم مسمِعاً من حوله من قومه، ليوجّه نفوسهم الى الهداية: أٌقسِم إن لم يوفقني ربي لإصابة الحق في توحيده لأكونن من القوم الضالّين. {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وفي هذه المرة الثالثة انتقل من التعريض الى التصريح بالبراءة منهم، والتصريحِ بأنهم على شِركّ بيّن، فقد ظهر له الحق غاية الظهور. ثم رأى ابراهيم الشمس طالعة بعد ذلك، فقال محدّثا نفسه: هذا ربّي، لأنه اكبر مما يُرى من الكواكب قدراً، وأعظم ضياء ونوراً، فهو أجدر بالربوبية. بيد أنها أفلَت كما أفلَ غيرها. وعند ذاك صرح ابراهيم بما أراد التعريض به، وقال: يا قوم، إني بريء من هذه المعبودات التي تشركونها مع الله في العبادة. وبعد ان تبرّأ من شِركهم بيَّن لهم عقيدته، وهي عقيدة التوحيد الخالص التي هداه الله إليها، فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. إني جعلتُ توجُّهي في عبادتي لمن خلق السماواتِ والأرض مجانباً كلَّ سبيلٍ غير سبيله، ولستُ بعد الذي رأيت من دلائل التوحيد ممن يرضى ان يكون من المشركين. قراءات: قرأ يعقوب: آزرُ بالضم على انه منادى.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} {آزَرَ} {أَرَاكَ} {ضَلاَلٍ} (74) - وَاذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ عَبَدُوا مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ، قِصَّةَ جَدِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ الذِي يُبَجِّلُونَهُ، وَيَدَّعُونَ اتِّبَاعَ مِلَّتِهِ، إِذْ جَادَلَ قَوْمَهُ وَرَاجَعَهُمْ فِي بَاطِلِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: فَقَالَ لأَِبِيهِ آزَرَ: كَيْفَ تَتِّخِذُ أَنْتَ وَقَوْمُكَ آلِهَةً مِنَ الأَصَنْامِ، التِي تَصْنَعُونَهَا بَأَيْدِيْكُمْ مِنَ الحِجَارَةِ وَغَيْرِها، إنِّي أَرَاكُمْ تَائِهِينَ فِي حَيْرَةٍ وَجَهَالَةٍ، وَأَمْرُكُمْ فِي الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلَةِ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ}. قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: وآزر أبو إبراهيم وهو تارخ مثل إسرائيل ويعقوب وكان من أهل كوثى قرية من سواد الكوفة. وقال مقاتل بن حيان: لأب إبراهيم. وقال سليمان (التيمي): هو سب وعيب. ومعناه في كلامهم المعوج وقيل: معناه الشيخ [الهنم] بالفارسية وهو على هذه الأقاويل في محل الخفض على البدل أو الصفحة ولكنه نصب لأنه لا ينصرف. وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد، ويمان: آزر إسم صنم وهو على هذا التأويل في محل نصب. وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره أتتخذ آزر أصناماً ألهة. وقرأ الحسن وأبو يزيد المدني ويعقوب الحضرمي: آزر بالرفع على النداء بالمفرد يعني يا آزر { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} من دون اللّه إلى قوله {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني كما أريناه البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه نريه ملكوت السماوات والأرض أي ملكهما والملكوت الملك وبدت فيه وجدت التاء للتأنيث في الجبروت والرهبوت والرحموت. وحكي عن العرب سراعاً له ملكوت اليمن والعراق. وقال الكسائي: زيدت فيه التاء للمبالغة. وأنشد: شعر : وشر الرجال الخالب الخلبوت تفسير : وقال عكرمة: هو الملك غير إنها بالنبطية ملكوتاً. وقرأها بالياء المعجمة مليّاً. وقال ابن عباس: يعني خلق السماوات والأرض. مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السماوات والأرض، وذلك إنه أقيم على صخرة وكشفت له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرض ونظر إلى مكانه في الجنة. وذلك قوله {أية : وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} تفسير : [العنكبوت: 27] يعني أريناه مكانه في الجنة. قال قتادة: إن إبراهيم (عليه السلام) حدث نفسه إنه أرحم الخلق. فرفعه اللّه عز وجل حتى أشرف على أهل الأرض وأبصر أعمالهم فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال لله: دمرّ عليهم، وجعل يلعنهم. فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، إهبط فلعلّهم يتوبوا. قيس بن أبي حازم عن علي كرم اللّه وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما أرى اللّه تعالى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي اللّه فدعا اللّه عليه فهلك، ثم أشرف على آخر فدعا اللّه عليه فهلك، ثم أشرف على آخر فلما أراد أن يدعو عليه أوحى اللّه عز وجل إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدعونّ على عبادي فإنهم مني على ثلاث خصال: إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه، وإما أن أُخرج منه نسمة تسبّح، وإما أن (يعود) إلي فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته ". تفسير : وقال الضحاك: ملكوت السماوات والأرض الشمس والقمر والنجوم. وقال قتادة: خبيء إبراهيم (عليه السلام) من جبار من الجبابرة فحول له رزق في أصابعه فإذا مص إصبعاً من أصابعه وجد فيها رزقاً فلما خرج أراه اللّه ملكوت السماوات والأرض وكان ملكوت السماوات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً} إلى آخر الآية. قال المفسرون: إن إبراهيم (عليه السلام) ولد في زمن نمرود بن كيفان وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه وقلد التاج عليه ودعاء الناس [....] وكان له كهان ومنجمون. وقالوا: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه. ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام. وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكباً اطلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعاً شديداً ودعا السحرة والكهنة والجازة والقافة فسألهم عن ذلك فقالوا: مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاك ملكك وأهل بيتك على يديه. قالوا: فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشر رجلاً، فإذا حاضت إمرأة خليت بينها وبينه، فإذا طهرت عزل بينها، فرجع آزر أبو إبراهيم فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فوقع عليها في طهرها فلقفت فحملت إبراهيم (عليه السلام). قال محمد بن إسحاق: بعث النمرود إلى كل إمرأة حبلى بقريته فحبسها عنده، إلاّ ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها وذلك إنها كانت جارية حديثة السن لم تعرف الحمل في بطنها. قال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء خوفاً من ذلك المولود أن يكون فمكث بذلك ما شاء اللّه ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحداً من قومه إلاّ أزر فبعث إليه ودعاه. فقال: إن لي إليك حاجة أحبّ أن أوصيك بها ولا أبعثك إلاّ لثقتي بك بما أقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك ولا تواقعها، فقال آزر: أنا أشحّ على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته ثم بعثه فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم قال: قد دخلت على أهلي ونظرت إليه فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يتمالك حتى وقع عليها فحملت بإبراهيم. قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم، قالت الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان فلما دنت ولادت أم إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته في نهر يابس، ثم لفته في خرقة فوضعته في حلفاء فرجعت فأخبرت بأنها ولدت وإن الولد في موضع كذا فانطلق أزر يأخذه من ذلك المكان وحفر له سرباً عند نهر فواراه فيه وسدّ عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال السدي: لما أعظم بطن أم إبراهيم خشي آزر أن يذبح فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة يقال لها أورمة فأنزلها في سرب من الأرض وجعل عندها ماء يصلهما وجعل يتعمدها ويكتم ذلك من أصحابه فولدت في ذلك السرب وشب وكان وهو ابن سنة كابن ثلاث سنين وصار من الشباب مخافة أن [يسقط في] طمع الذباحين ثم ذكر آزر لأصحابه أن لي إبناً كبيراً فانطلق به إليهم. وقال ابن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريباً منها فولدت فيها إبراهيم فأصلحت من شأنه ما يصنع من المولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيّاً يمص إبهامه. وقال أبو روق: كانت أم إبراهيم كلما دخلت على إبراهيم وجدته يمص أصابعه، فقالت ذات يوم: لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع عسلاً ومن إصبع لبناً ومن إصبع تمراً ومن إصبع سمناً. قال محمد بن إسحاق: وكان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل. فقالت: ولدت غلاماً فمات، فصدقها فسكت عنها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلاّ خمسة عشر شهراً ثم رجع إلى أبيه آزر فأخبره إنه إبنه. وخبرته أم إبراهيم إنه إبنه وأخبرته بما كانت صنعت في غيابه فسر بذلك آزر وفرح فرحاً شديداً، قالوا: فإنما شب إبراهيم وهو في السرب بعد ما قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربّ أبي؟ قالت له: أسكت، فسكت، فلما رجعت إلى زوجها قالت: أرأيت الغلام الذي كنّا نتحدّث إنه بغير دين أهل الأرض فإنه إبنك ثم أخبرته بما قال لها، فأتاه أبوه آزر فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: من ربك أنت؟ قال نمرود، قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال: أسكت وقم، قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل، والخيل، والغنم، فقال: أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل وغنم، فقال: ما لهذه بدّ من أن يكون لها رب وخالق ثم نظر وتفكر في خلق السماوات والأرض. فقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني ربي مالي إله غيره. ثم نظر فإذا المشتري قد طلع ويقال الزهرة وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فرأى الكوكب قبل القمر. فقال: هذا ربي فذلك قوله عز وجل: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} أي دخل يقال: جن الليل وأجن وجنه الليل وأجنه وجن عليه الليل يجن جنوناً وجناناً إذا أظلم ومضى كلّ شيء، وإنما سميت الجن لاجتنانها فلا ترى. قال أبو عبيدة: جنون الليل سواده، وأنشد: شعر : فلولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطي عياض بن ناشب تفسير : ورأى كوكباً فـ {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} إختلفا فيه فأجراه بعضهم على الظاهر. وقالوا: ما كان إبراهيم (عليه السلام) مسترشداً متحيراً طالباً من التوفيق حتى وفقه اللّه تعالى، وآتاه رشده، فإنما كان هذا منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجّة عليه وفي تلك يقول: لا يكون كفر ولا إيمان. يدل عليه ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فعبده حتى غاب فلما غاب {قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} فعبده حتى غاب فلما غاب {فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ} فعبدها حتى غابت الشمس فلما غابت {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: غير جائز أن يكون للّه عز وجل رسول يأتي عليه وقت من الأوقات وهو غير موحد وعارف ومن كلّ معبود سواه بريء. قالوا: وكيف قومهم هذا على عصمة اللّه وطهره في مستقره ومستودعه وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته فقال: {أية : إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الصافات: 84] وقال {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] رأى كوكباً فقال {هَـٰذَا رَبِّي} على الاعتقاد والحقيقة هذا ما لا يكون أبداً. ثم قيل فيه أربعة أوجه من التأويل: الوجه الأول: أن إبراهيم (عليه السلام) أراد أن يستدرجهم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموا ويقيم عليهم الحجة ويريهم أنه معظم ما يعظموه ويلتمس الهدى من حيث التمسوا فلما أفل رأيهم النقص الداخل في النجوم ليتبينوا خطأ ما يدعون وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمونها. قالوا: ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون بدّاً لهم وهو الصنم وأظهر فعظمه فأراهم الإجتهاد [...] كرموا وصدوا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن ذمهم عدو لهم خافه الملك على ملكه فشاور الحواري في أمره. فقالوا الرأي: أن تدعوا إلهنا حتى يكشف ما قد أضلنا فإنا لمثل هذا اليوم مجتمعون فاجتمعوا حوله يجأرون ويتضرعون وأمر عدوهم يستعجل ويتوكل فلما تبين لهم أن ربّهم لا ينفع ولا يرفع فقال لهم على جهة الإستفهام والتوبيخ لفعلهم {هَـٰذَا رَبِّي} ومثل هذا يكون ربّاً؟ أي ليس هذا ربي كقول اللّه تعالى {أية : تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] يعني أنهم الخالدون. وكقول موسى (عليه السلام) لفرعون: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} تفسير : [الشعراء: 22] يعني أو تلك نعمة نعمتها. قال الهذلي: شعر : رفعوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم تفسير : وقال آخر: شعر : لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر تفسير : والوجه الثالث: أن إبراهيم (عليه السلام) قال هذا على وجه الاحتجاج على قومه لا على معنى الشك في ربه كأنه قال: هذا ربي عندكم فلمّا أفل قال: وكان الهلال قال: هذا أكبر منه فنظر إلى الذي عكفت عليه ها هنا يعني عندك وقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] بقوله حزنه في النار لأبي جهل يعني إنك كذا عند نفسك وأما عندنا فلا عزيزاً ولا كريماً، في الآية إختصار وإضمار ومعناها قال: يقولون هذا ربي كقوله {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا} تفسير : [البقرة: 127] أي يقولون ربنا تقبل منا. فلما أفل غاب وزال قال: لا أحب الآفلين رباً، لا يدوم، فلما رأى القمر بازغاً طالعاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين عن الهدى فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي. قال محمد بن مقاتل الرازي: إنما قال هذا ولم يقل هذه لأنه رأى ضوء الشمس ولم ير عين الشمس. فرده إلى الشعاع. وقال الأخفش: أراد هذا الطالع ربي أو هذا الآتي أراه ربي هذا أكبر لأنه رآه أضوأ وأعظم فلما غربت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} الآية. وكان آزر يصنع الأصنام فلما ضم إبراهيم إلى نفسه جعل يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليصرفها فيذهب بها إبراهيم فينادي: من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد، فإذا زادت عليه ذهب بها إلى نهر فصوّب فيها رؤسها وقال: إشربي إستهزاءً بقومه وبما هم عليه من الضلالة حتى فشى عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته {وَحَآجَّهُ} أي خاصمه {قَوْمُهُ} في دينه {قَالَ} لهم {أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} عرّفني التوحيد والحق {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} وذلك إنهم قالوا له: أما تخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل لعيبك إيّاها؟ فقال لهم: ولا أخاف ما تشركون به من الأصنام {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي} سواء فيكون بما شاء {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} يعني أحاط علمه بكل شيء {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} يعني الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} حجة وبرهاناً وهو القاهر القادر على كل شيء ثم قال {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْن} أولى بالأمن [أنحن ومن اتّبع ديني] {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فقال اللّه عز وجل قاضياً وحاكماً بينهما {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ} ولم يخلطوا إيمانهم بشرك {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}. قال عبد اللّه بن مسعود: لما نزلت هذه الآية طبق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: حديث : إننا لم نظلم نفسه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه" {يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]"تفسير : . (إنما هو الشرك). {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} يعني خصمهم وغلبهم بالحجة قال هي قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. قال بعبادة الأوثان {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} بالعلم. وقرأ أهل الكوفة ويحيى بن يعمر وإبن [محيصن]: درجات بالتنوين يعني نرفع من نشاء درجات، مثله سورة يوسف {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى يعطي له صلى الله عليه وسلم ما يسليه ويصبّره على مشقات الدعوة؛ لأن الدعوة للإسلام في أوله أرهقت رسول الله وأصحاب رسول الله، فيريد سبحانه أن يعطيهم مُثُلاً حدثت للرسل، وهنا يأتي الحق بخبر عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} [الأنعام: 74]. وساعة أن تسمع "إذ" فافهم أن "إذ" ظرف، أي واذكر جيداً الوقت الذي قال فيه إبراهيم لأبيه آزر "أتتخذ أصناماً آلهة"؟ وما دمت تذكر هذه، ففي التذكرة تسلية لك عما يصيبك في أمر الدعوة. وهنا وقف العلماء وقفة طويلة، وتساءل بعضهم: هل آزر هو أبو إبراهيم، أو أن والده هو تارخ؟ وقلت من قبل: إن الأبوة تمثل ما هو أصل للفرد؛ فالأب، والجد، وجد الجد أب، وأطلقت الأبوة على المساوي للأب، مثل العم. وجاء مثل هذا في القرآن حين قال الحق سبحانه: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ} تفسير : [البقرة: 133]. وآباء هنا جمع، وإذا ما عددنا هؤلاء الآباء نجدهم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، والكلام من يعقوب، وأبوه إسحاق، وإسحاق بن إبراهيم، وبرغم ذلك جاء سيدنا إسماعيل وسط هؤلاء الآباء، فكأنك إن وزعتها قلت: "إبراهيم أب، ويبقى اثنان: هما إسماعيل وإسحاق. وإسماعيل هو أخ لإسحاق، كأن القرآن نطق بأن العلم يطلق عليه أب". وأقول ذلك لأضفي مسألة وقع فيها اللغط الكثير؛ فالبعض من العلماء قال: هل كان آزر أباً لإبراهيم؛ والحديث الشريف يقول: "حديث : خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ". تفسير : فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من سلسلة نسب مُوَحِّد لا يمكن أن يكون للشرك فيه مجال، وآزر كان مشركاً، وما دام الحق يقول في آية أخرى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}. فلو أن آزر الوالد الحقيقي لإبراهيم لكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من ذريته. وأرى أنه عمّه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات"تفسير : ، وهو قول يدل على أن نسبة الشريف مطهر من الشرك من جهة الآباء ومن جهة الأمهات، إذن فلا يصح أن نعتقد أن أبا إبراهيم هو آزر؛ لأنه كان على هذا الوضع مشركا، لكن كيف نفسر قول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ}؟. نقول: إننا نأخذ اللغة، ونأخذ استعمالات القرآن في معنى الأبوة. والقرآن صريح في أن الأبوة كما تطلق على الوالد الحقيقي الذي ينحدر الولد من صلبه تطلق كذلك على أخي الوالد أو عمه. والدليل على ذلك أن القرآن الذي قال: {لأَبِيهِ آزَرَ} وهو بعينه القرآن الذي قال: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ} تفسير : [البقرة: 133]. إذن آباء هي جمع أب، وأقل الجمع ثلاثة: إبراهيم إذن وكذلك العم إسماعيل يطلق على كل منهما أب، وأيضاً إسحاق وهو والد يعقوب، هؤلاء هم الآباء المذكورون في هذه الآية. وهنا نفهم أن أبوة إسماعيل ليعقوب إنما هي أبوة عمومة؛ لأن يعقوب بن إسحاق، وإسحاق أخو إسماعيل. إذن فقد أطلق الأب وأريد به العم، ويدلنا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك حينما أُخِذَ عمه العباس أسيراً فقال: ردوا عليّ أبي؛ وأراد عمّه العباس. وبعد ذلك نأتي لنقول: إننا حين نطلق كلمة الأب في أعرافنا نعلم أن اللغة التي نتكلمها لغة منقولة بالسماع، مركوزة في آذاننا، ينطق بها لساننا، والعامية وإن كانت تحرف الفصيح إلا أن أصولها منقولة عن أسلافنا وآبائنا، وهم حين يريدون الأب الحقيقي يقولون له أب ولا يأتون باسمه الشخصي؛ فإذا جاء لك إنسان وقال لك: أبوك موجود؟. ولم ينطق باسم الوالد فهو يقصد والدك فعلاً. لكن افرض أن لك عَمّاً، فيقول لك السائل: أبوك محمد موجود؟ لقد جاء هنا بتحديد الاسم العلم حتى ينصرف الذهن إلى السؤال عن العم؛ لأنه لو أراد الأب الحقيقي لما ذكر اسمه واكتفى بالسؤال عنه بالأبوة فقط، إذن فلو قال الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}. ولم يحدد العلم لقلنا إن آزر هو والد إبراهيم وليس عمّه وبذلك يكون هو جد رسولنا، ولكن القرآن حدد الاسم وقال: {لأَبِيهِ آزَرَ} أي ميّز اسم الشخص ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب، وبذلك تنتهي الخلافية في هذه المسألة. ولماذا يطلب الحق سبحانه من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ}؟ لأن رسول الله جاء على فترة من الرسل وجاء في الأزمة التي واجهت الدعوة أول مواجهة وهي أمة العرب وعلى رأسها قريش، وهو صلى الله عليه وسلم إن كان قد جاء على فترة الرسل، إلا أن إبراهيم يعيش في عقائد هؤلاء القوم؛ لأن كل أمور إبراهيم النسكية كانت في هذا المكان، فمثلاً همّه بذبح ابنه وفداء السماء لابنه كانا في هذا المكان، ورفعه للكعبة كان في هذا المكان، والكعبة هي مركز السيادة لقريش، ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل. لقد أراد الحق أن يوضح لقريش أن السيادة التي أخذتموها على العرب كافة جاءت لكم بسبب الكعبة وهذا البيت، فلو لم يوجد هذا البيت وهذه الكعبة، لكنتم قبيلة من القبائل، لا مهابة لكم ولا سلطان، ولا جاه، ولكنكم تعلمون أن تجارتكم تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب، ولا يتعرض لها أحد بسوء أبداً؛ لأن الذين يتعرضون لكم سواء منهم من كان في الشمال أو في الجنوب سيأتون في يوم ما إلى الكعبة هذه ليؤدوا مناسك الحج وستتمكنون منهم في أثناء وجودهم في البيت. ولذلك قلنا حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 1-5] إن الحق أتبعها بالقول: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2] إذن لو أن البيت تعرض للهدم من أبرهة الحبشي لسقطت مهابة قريش، وقد نصرهم الله لتظل لقريش رحلة الشتاء والصيف، ولذلك قال: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4] إن رب هذا البيت هو الذي أعزهم وحماهم بوجود هذا البيت الذي رفعه إبراهيم. إذن فالقوم وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أن لهم صلة عقدية بإبراهيم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يدخل إلى قلوبهم بالحنان الذي يعرفونه لإبراهيم الذي هو سبب هذا العزّ وسبب هذا الجاه والسيادة وأيضاً لأن المواجهة العقدية إنما جاءت أولاً لعبادة الأصنام، والمسألة في سيدنا إبراهيم كانت كذلك في عبادة الأصنام، فهناك - إذن - ارتباطات متعددة فأتى الحق هنا بقصة سيدنا إبراهيم ليرقق بها قلب هؤلاء. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} والأصنام هي شيء من الحجارة يصنع على مثال حي، أما الوثن فهو قطعة من حجر خام لم يشكل أو يعالج أو يصنّع كانوا يقدسونه، وهكذا نعرف الفارق بين الصنم والوثن، وكيف دخلت فكرة الأصنام على عقول الناس؟ ومن أين جاءت؟. نعلم أن الناس لهم أسباب مباشرة في الحياة؛ فالإنسان حين يتطلب الضوء يرى الشمس قد أشرقت، وفي الليل يرى القمر قد طلع، ويرى الجبال تعطي له الصلابة والقوة، ويقيم فيها بيوتاً. إذن فيه أشياء يرى الإنسان فيها السببية الظاهرة، فيعتقد أنها الفاعلة. وحين يرى هذه الأشياء ويظن أنها الفاعلة يظن أن لها قداسة سواء أكانت الشمس أم القمر. إذن فقبل أن توجد أصنام وجدت كواكب وكانوا يعبدونها. بدليل أن الحق يقول: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً...} [الأنعام: 74] وبعد ذلك يأتي في النقاش ولا يأتي بسيرة الأصنام: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً...} تفسير : [الأنعام: 76] إذن فقد كانت هناك علاقة بين الأصنام وبين الكواكب، والأصل فيها أن الأنسان حينما يرى شيئاً ينفعه، ينسب إليه كل نفع يحصل عليه ويرى له قوة يحترمها فيه، ولم ينتبه الإنسان إلى أن خالق هذه الأشياء غيب، فَعَبَدَ الشيء الظاهر له، وعندما وجد الإنسان أن الكواكب تأفل وتغيب قال بعض الناس: لنقيم أصناماً تذكرنا بها، وصار هناك صنم يمثل الشمس، وصنم يمثل القمر، وآخر يمثل النجم الفلاني، أي أن الأصنام إنما جعلت لتذكر بالأصل من الكواكب، ولذلك أقول دائما: يجب على الناس ألا تغفل عن المسبب لأنه سبحانه - هو وراء الأسباب، وكلما ارتقى العقل يسلسل الأسباب، إلى أن تنتهي إلى مسبب ليس وراءه سبب، وإذا انتهت يد المخلوق وعجزت في الأسباب تبدأ يد الخالق؛ فالذين يفتنون بالأسباب هم الذين ينظرون إليها على أنها الفاعلة بذاتها. ولذلك حينما أغفلت وسترت قضية الدين في أذهان الناس بدأوا ينظرون إلى ما حولهم وما ينفهم، فتوجهوا بالعبادة له، وكانوا قبل الرسالة يحجون إلى الكعبة ويحبون الكعبة، وحين يغتربون في كثير من الرحلات يأخذون قطعة من حجر من نوعية أحجار الكعبة في الرحلة الطويلة، وحين يراها أحد من هؤلاء يطمئن، ولكن بطول الزمن انفردت هذه الأشياء بتقديس خاص يعزلها عن الأسباب. وهكذا عرفنا أن سيدنا إبراهيم خليل الرحمن كانت له عند العرب هذه المكانة، وكذلك عند أهل الكتاب حتى أنهم ادعوا انتسابه لهم فبعضهم قال: إن إبراهيم كان يهودياً، وقال الآخرون: إنه كان نصرانياً، وجاء القرآن وهو يواجه كفار قريش، وكذلك أهل الكتاب فيأتي الله بقصة سيدنا إبراهيم ليعطينا قضية العقائد ويوضحها توضيحاً يؤنسهم بمن له في نفوسهم ذكر. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 74] والضلال أن تريد غاية فتضل الطريق إليها، وكان الناس عندهم غاية في ذلك الزمان أن يقدسوا، ويقدروا من ينعم عليهم بالنعم. إلا أنهم أخطأوا الطريق ووقفوا عند السبب، ولم يذكروا ولم يدركوا ما وراء السبب، ومن هنا جاء الضلال المبين. فكان من طبيعة الإنسان أنه يتقدم بالولاء وبالخضوع وبالشكر لمن يرى نعمة منه عليه، لكنهم ضلوا الطريق؛ لأنهم ساروا في النعمة في حلقات الأسباب، ولم يصلوا بالأسباب إلى المسبب. وهذا ضلال مبين لأنه فتنة خَلْقٍ في خَلْق؛ فالإنسان الأول الذي جاء وأقبل على عالم مخلوق له، وأقبل على أرض وأقبل على شمس، وأقبل على قمر، وأقبل على نجوم، وأقبل على سحاب يمطر له الماء، وأقبل على جبال تمده بالأقوات كان من الواجب عليه أن يلتفت لهذه المسألة؛ لأنه لم يصنعها ولا ادّعى أحد أنه صنعها، أما كان من الواجب أن يفكر تفكيراً يسيرا فيمن خلق له هذه الأشياء؟! إن أتفه الأشياء تحتاج إلى صانع، مثال ذلك الكوب الذي نشرب فيه الماء لا يكون كوباً أمام أي واحد فينا إلا بعد أن انتقل وتقلب في مراحل متعددة ممن اكتشف المادة وممن صهرها كيماوياً وممن أنفق عليها إلى أن وصل إلى الكوب، وكذلك المصباح، إن نظرنا إلى الأجهزة التي خَلْفَه وأسهمت في إيجاده لوجدناها أجهزة كثيرة من إمكانات مالية إلى قدرات علمية، من ماديات موجودة في الأرض إلى أن وصل إلى هذا المصباح الذي يتغير كل فترة، فما بالنا بالشمس التي تنير نصف الكون في وقت، ونصف الكون الآخر في وقت آخر وليس لها قطع غيار، ولم تقصر يوماً في أداء مهمتها. وكثيراً ما درسنا في المدارس قصة من اخترع المصباح "أديسون" وكانت قصة هذا الاختراع تفيض بإعجاب من يكتبون عنها ولم نجد من يدرس لنا - بإعجاب وإيمان - دقة الشمس التي تنير الكون، فالآفة أننا نقف فقط عند حلقات الأسباب، والوقوف عند حلقات الأسباب هو وقفة عقلية سطحية، ومن أجل أن نزيد من عمق الفهم لا بد أن نسلسل السبب وراء السبب وراء السبب إلى أن نصل إلى مسبب ليس وراءه سبب. وأن نرهف آذاننا لمن يأتي ليحل لنا هذا اللغز ويقول لنا: لقد خلق الله كل الكون من أجلكم وصفاته سبحانه أنه لا مثيل له في قدرته ومطلق حكمته، ومطلوبه هو منهجه. إذن فالرسل قد جاءوا رحمة لينقذونا ويبينوا لنا هذا اللغز. فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى وأوضح: أنا الذي خلقت السمٰوات، وأنا الذي خلقت الأرض، وأنا الذي سخرت لك كل ما في الكون، فهذه دعوة، والدعوة إما أن تكون حقيقية فتعلن الإيمان به وسبحانه، وإما غير حقيقية، فنسأل: من خلق الكون - إذن - غير الله؟. ولماذا لم يقل لنا صفاته، ولم يرسل لنا بلاغاً عنه؟. ولأن أحداً لم يفعل ذلك إذن فالألوهية تثبت لمن أبلغنا عن ذاته وصفاته وصنعته عبر الرسل، فلم يوجد معارض له، وحين قال سبحانه: أنا إله واحد، وأنا خلقت الكون، وسخرته لكم فنحن نصدق هذا البلاغ. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا ألا نقف عند الأسباب فقط حتى لا نقع في ضلال مبين، ومن الواجب أن نبحث عما وراء الأسباب إلى أن تنتهي إلى شيء لا شيء بعده ننتهي إلى مسبب السباب ومالك الملك - جلت قدرته. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى الحجج الدامغة الدالة على التوحيد وبطلان عبادة الأوثان، ذكر هنا قصة أب الأنبياء "إِبراهيم" لإِقامة الحجة على مشركي العرب في تقديسهم الأصنام، فإِنه جاء بالتوحيد الخالص الذي يتنافى مع الإِشراك بالله، وجميع الطوائف والملل معترفةٌ بفضل إِبراهيم وجلالة قدره، ثم ذكر شرف الرسل من أبناء إِبراهيم، وأمر رسوله بالاقتداء بهديهم الكريم. اللغَة: {مَلَكُوتَ} ملك والواو والتاء للمبالغة في الوصف كالرَّغبوت والرَّهبوت من الرغبة والرهبة {جِنُّ} ستره بظلمته قال الواحدي: جنَّ عليه الليلُ وأجنّه الليل ويقال لكل ما سترته جنَّ وأجنَّ ومنه الجنَّة، والجِنُّ والجنون، والجنين وكل هذا يعود أصله إِلى الستر والاستتار {بَازِغاً} طالعاً يقال: بزغ القمر إِذا ابتدأ في الطلوع قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ وهو الشق لأنه بنوره يشق الظلمة شقاً {أفل} غاب يقال: أفل أفولاً إِذا غاب {سُلْطَاناً} حجة {يلبسوا} يخلطوا يقال: لبس الأمر خلطه ولبس الثوب اكتسى به {ٱجْتَبَيْنَاهُمْ} اصطفيناهم {قَرَاطِيسَ} جمع قرطاس وهو الورق قال الشاعر: شعر : استودعَ العلمَ قرطاساً فضيَّعه فبئسَ مستودعُ العلم القراطيسُ تفسير : {غَمَرَاتِ} الغمرة: الشدة المذهلة وأصله من غمرة الماء وهي ما يغطي الشيء {خَوَّلْنَاكُمْ} أعطيناكم وملّكناكم والتخويل: المنح والإِعطاء {ضَلَّ عَنكُم} ضاع وبطل. سَبَبُ النّزول: حديث : عن سعيد بن جبير أن "مالك بن الصَّيْف" من اليهود جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنَّ الله يبغض الحَبْر السمين؟ - وكان حبراً سميناً - فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له أصحابه الذين معه ويحك ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ..} تفسير : الآية. التفسِير: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} أي واذكر يا محمد لقومك عبدة الأوثان وقت قول إِبراهيم - الذي يدّعون أنهم على ملّته - لأبيه آزر منكراً عليه أتتخذ أصناماً آلهة تعبدها وتجعلها رباً دون الله الذي خلقك فسوّاك ورزقك؟ {إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي فأنت وقومك في ضلال عن الحق مبين واضح لا شك فيه {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي نُرى إِبراهيم المُلْك العظيم والسلطان الباهر {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} أي وليكون من الراسخين في اليقين أريناه تلك الآيات الباهرة قال مجاهد: فُرجت له السماوات والأرض فرأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً} أي فلما ستر الليلُ بظلمته كل ضياء رأى كوكباً مضيئاً في السماء هو الزهرة أو المشتري {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} أي على زعمكم قاله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم واستدراجاً لهم لأجل أن يعرّفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله قال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إِلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرّفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إِلى ألا يكون شيء منها إِلهاً وأن وراءها محدثاً أحدثها، ومدبراً دبّر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وقوله {هَـٰذَا رَبِّي} قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطلٌ، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأن ذلك أدعى إِلى الحق ثم يكرُّ عليه فيبطله بالحجة {فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} أي فلما غاب الكوكب قال لا أحب عبادة من كان كذلك، لأن الرب لا يجوز عليه التغيّر والانتقال لأن ذلك من صفات الأجرام {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} أي فلما رأى القمر طالعاً منتشر الضوء قال هذا ربي على الأسلوب المتقدم لفتاً لأنظار قومه إِلى فساد ما يعبدونه وتسفيهاً لأحلامهم {فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} أي فلما غاب القمر قال إِبراهيم لئن لم يثبتني ربي على الهدى لأكوننَّ من القوم الضالين، وفيه تعريضٌ لقومه بأنهم على ضلال {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ} أى هذا أكبر من الكوكب والقمر {فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} أي فلما غابت الشمس قال أنا بريء من إشراككم وأصنامكم قال أبو حيان: لمّا أوضح لهم أن هذا الكوكب الذي رآه لا يصلح أن يكون رباً ارتقب ما هو أنور منه وأضوأ فرأى القمر أول طلوعه، ثم لما غاب ارتقب الشمس إِذ كانت أنور من القمر وأضوأ، وأكبر جرماً وأعمّ نفعاً، فقال ذلك على سبيل الاحتجاج عليهم وبيّن أنها مساوية للنجم في صفة الحدوث وقال ابن كثير: والحق أن إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والكواكب السيارة وأشدهن إضاءة الشمس ثم القمر ثم الزهرة فلما انتفت الإِلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} أي قصدت بعبادتي وتوحيدي {لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي الله الذي ابتدع العالم وخلق السماوات والأرض {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الباطلة إِلى الدين الحق {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي لست ممن يعبد مع الله غيره {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} أي جادلوه وناظروه في شأن التوحيد قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم وخوّفوه بها فأجابهم منكراً عليهم {قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ} أي أتجادلونني في وجود الله ووحدانيته {وَقَدْ هَدَانِ} أي وقد بصّرني وهداني إِلى الحق {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} أي لا أخاف هذه الآلهة المزعومة التي تعبدونها من دون الله لأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تُبصر ولا تسمع وليست قادرة على شيء مما تزعمون {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} أي إِلا إِذا أراد ربي أن يصيبني شيءٌ من المكروه فيكون {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي أحاط علمه بجميع الأشياء {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} استفهام للتوبيخ أي أفلا تعتبرون وتتعظون؟ وفي هذا تنبيهٌ لهم على غفلتهم التامة حيث عبدوا ما لا يضر ولا ينفع وأشركوا مع ظهور الدلائل الساطعة على وحدانيته سبحانه {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} أي كيف أخاف آلهتكم التي أشركتموها مع الله في العبادة! {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أي وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء الذي أشركتم به بدون حجة ولا برهان {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي أيّنا أحقُّ بالأمن أنحن وقد عرفنا الله بأدلة وخصصناه بالعبادة أم أنتم وقد أشركتم معه الأصنام وكفرتم بالواحد الديان؟ {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي لم يخلطوا إِيمانهم بشرك {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أي لهم الأمن من العذاب وهم على هداية ورشاد، روي حديث : أن هذه الآية لما نزلت أشفق منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس كما تظنون وإِنما هو كما قال لقمان لابنه {يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} الإِشارة إِلى ما تقدم من الحجج الباهرة التي أيّد الله بها خليله عليه السلام أي هذا الذي احتج به إِبراهيم على وحدانية الله من أفول الكواكب والشمس والقمر من أدلتنا التي أرشدناه لها لتكون له الحجة الدامغة على قومه {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي بالعلم والفهم والنبوّة {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيم يضع الشيء في محله عليم لا يخفى عليه شيء {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي وهبنا لإِبراهيم ولداً وولد ولد لتقر عينه ببقاء العقب {كُلاًّ هَدَيْنَا} أي كلاً منهما أرشدناه إِلى سبيل السعادة وآتيناه النبوة والحكمة قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه وهب لإِبراهيم إِسحق بعد أن طعن في السنّ وأيس من الولد، وبُشّر بنبوته وبأن له نسلاً وعقباً وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وكان هذا مجازاةً لإِبراهيم حين اعتزل قومه وهاجر من بلادهم لعبادة الله، فعوّضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه لتقرَّ بهم عينه {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي من قبل إِبراهيم، وذكر تعالى نوحاً لأنه أب البشر الثاني فذكر شرف أبناء إِبراهيم ثم ذكر شرف آبائه {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} أي ومن ذرية إِبراهيم هؤلاء الأنبياء الكرام، وبدأ تعالى بذكر داود وسليمان لأنهما جمعا الملك مع النبوة وسليمان بن داود فذكر الأب والإِبن {وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ} قرنهما لاشتراكهما في الإِمتحان والبلاء {وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ} قرنهما لاشتراكهما في الأخوّة وقدَّم موسى لأنه كليم الله {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي مثل ذلك الجزاء الكريم لإِبراهيم نجزي من كان محسناً في عمله صادقاً في إِيمانه {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ} قرن بينهم لاشتراكهم في الزهد الشديد والإِعراض عن الدنيا {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي الكاملين في الصلاح {وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً} اسماعيل هو ابن إِبراهيم، ويونس بن متّى، ولوط بن هاران وهو ابن أخ إِبراهيم {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي كلاً من هؤلاء المذكورين في هذه الآية فضلناه بالنبوة على عالمي عصرهم {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ} أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإِخوانهم جماعاتٍ كثيرة {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي اصطفيناهم وهديناهم إِلى الطريق الحق المستقيم الذي لا عوج فيه قال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إِلى ذرية إِبراهيم وإِن كان فيهم من لا يلحقه بولادةٍ من قبل أمٍ ولا أب {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي ذلك الهدى إِلى الطريق المستقيم هو هدى الله يهدي به من أراد من خلقه {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لو أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلو قدرهم لبطل عملهم فكيف بغيرهم؟ {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} أي أنعمنا عليهم بإِنزال الكتب السماوية والحكمة الربانية والنبوة والرسالة {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} أي فإِن يكفر بآياتنا كفار عصرك يا محمد فقد استحفظناها واسترعيناها رسلنا وأنبياءنا {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} أي هؤلاء الرسل المتقدم ذكرهم هم الهداة المهديّون فتأس واقتد بسيرتهم العطرة {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي قل يا محمد لقومك لا أسألكم على تبليغ القرآن شيئاً من الأجر والمال {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن إِلا عظةٌ وتذكير لجميع الخلق {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عرفوا الله حق معرفته ولا عظّموه حقَّ تعظيمه {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} أي حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل، والقائلون هم اليهود اللعناء تفوهوا بهذه العظيمة الشنْعاء مبالغة في إِنكار نزول القرآن على محمد عليه السلام {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المعاندين من أنزل التوراة على موسى نوراً يستضاء به وهداية لبني إِسرائيل؟ {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} أي تكتبونه في قراطيس مقطعة وورقات مفرقة تبدون منها ما تشاءون وتخفون ما تشاءون قال الطبري: ومما كانوا يكتمونه إِياهم ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} أي عُلّمتم يا معشر اليهود من دين الله وهدايته في هذا القرآن ما لم تعلموا به من قبل لا أنتم ولا آباؤكم {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} أي قل لهم في الجواب: الله أنزل هذا القرآن ثم اتركهم في باطلهم الذي يخوضون فيه يهزءون ويلعبون، وهذا وعيدٌ لهم وتهديد على إِجرامهم {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي وهذا القرآن الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مبارك كثير النفع والفائدة {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي يصدّق كتب الله المنزّلة كالتوراة والإِنجيل {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} أي لتنذر به يا محمد أهل مكة ومن حولها وهم سائر أهل الأرض قاله ابن عباس {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي والذين يصدّقون بالحشر والنشر يؤمنون بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل في أوقاتها قال الصاوي: خصّ الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} استفهام معناه النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء وأنداداً {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} أي زعم أن الله بعثه نبياً كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي مع أن الله لم يرسله {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} أي ومن ادعى أنه سينظم كلاماً يماثل ما أنزله الله كقول الفجار {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} تفسير : [الأنفال: 31] قال أبو حيان: نزلت في النضر بن الحارث ومن معه من المستهزئين لأنه عارض القرآن بكلام سخيف لا يُذكر لسخفه {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} أي ولو ترى يا محمد هؤلاء الظلمة وهم في سكرات الموت وشدائده، وجواب {لَوْ} محذوف للتهويل أي لرأيت أمراً عظيماً {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} أي وملائكة العذاب يضربون وجوههم وأدبارهم لتخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: خلّصوا أنفسكم من العذاب قال الزمخشري: المعنى يقولون هاتوا أرواحكم أخرجوها إِلينا من أجسادكم، وهذه عبارة عن العنف في السياق والإِلحاح الشديد في الإِزهاق من غير تنفيس وإِمهال {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي تُجزون العذاب الذي يقع به الهوان الشديد مع الخزي الأكيد {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي بافترائكم على الله ونسبتكم إِليه الشريك والولد {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} أي تتكبرون عن الإِيمان بآيات الله فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي جئتمونا للحساب منفردين عن الأهل والمال والولد حفاةً عراة غرلاً كما ورد في الحديث "حديث : أيها الناس إِنكم محشورون إِلى الله حفاةً عُراةً غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده.." تفسير : {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي تركتم ما أعطيناكم من الأموال في الدنيا فلم تنفعكم في هذا اليوم العصيب {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} أي وما نرى معكم آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم والذين اعتقدتم أنهم شركاء لله في استحقاق العبادة {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي تقطّع وصلكم وتشتّت جمعكم {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي ضاع وتلاشى ما زعمتوه من الشفعاء والشركاء. البَلاَغَة: 1- {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ} حكاية حال ماضية أي أريناه. 2- {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} فيه تعريض بضلال قومه، وبين لفظ {الهداية والضلالة} طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. 3- {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} بينهما جناس الاشتقاق. 4- {هُدَى ٱللَّهِ} الإِضافة للتشريف وبين {هُدَى} و {يَهْدِي} جناس الاشتقاق أيضاً. 5- {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} مبالغة في إِنكار نزول شيء من الوحي على أحدٍ من الرسل. 6- {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ} استفهام للتبكيت والتوبيخ. 7- {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ} بينهما طباق. 8- {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} مكة المكرمة وفيه استعارة حيث شبهت بالأم لأنها أصل المدن والقرى. 9- {فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} قال الشريف الرضي: هذه استعارة عجيبة حيث شبه سبحانه ما يعتورهم من كُرب الموت وغصصه بالذين تتقاذفهم غمرات الماء ولججه وسميت غمرة لأنها تغمر قلب الإِنسان. تنبيه: ذهب بعض المفسرين إِلى أن {آزَرَ} عم إِبراهيم وليس أباه وقال آخرون: إنه اسم للصنم، والصحيح كما قال المحققون من المفسرين أنه اسم لوالد إِبراهيم وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والآية صريحة في أن آزر كان كافراً ولا يقدح ذلك في مقام إِبراهيم عليه السلام وفي صحيح البخاري "حديث : يلقى إِبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة.." تفسير : الحديث ودعوى إِيمانه مرفوضة بنص الكتاب والسنة والله أعلم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين وقت {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} حين تيقظ عن منام الغفلة وتنبه عن سنة النسيان {لأَبِيهِ} المسمى {آزَرَ} العابد للأصنام {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً} تنحتها {آلِهَةً} مستحقة للعبادة قاردة للإيجاد والإعدام {إِنِّيۤ} بعدما تنبهت وتفطنت بعدم قابليتها للألوهية بل الإله لا بدَّ أن يكون متصفاً بجميع أوصاف الكمال بلا تغيير وزوال وانتقال {أَرَاكَ} يا أبت {وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 74] بعبادة هذه التماثيل الباطلة واعتقادها معبودات حقه. {وَكَذَلِكَ} أي: مثل ما نوقظه من منام الغفلة في أمر الأصنام {نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: عجائبهما وغرائبهما المودعة فيهما؛ ليتأمل فيها ويتفكر في تدبيراتها وتصريفاتها حتى ينكشف بمبدعها {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] في أمرها لا من المنتظرين المترددين المتخذين بعضها آلهة كعبدة الكواكب والمجسمة وغيرهما. {فَلَمَّا جَنَّ} أظلم {عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً} استنار بنوره وانكشف عنه الظلمة بسببه، وظن أنه انكشافه ذاتي مطلق دائم {قَالَ} على مقتضى ظنه به: {هَـٰذَا رَبِّي} إذ هو نور يتجلى في الظلمة فيستحق الربوبية والعبودية {فَلَمَّآ أَفَلَ} غاب وانمحق {قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} [الأنعام: 76] فكيف أعبده وأخص العبادة له؛ إذ الأفول والتغيير من أمارات الحدوث، والحادث لا يستحق العبودية ولا يليق بالألوهية. {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} مبتدئاً في الطلوع منيراً، له إشراق وإضاءة وإنكشاف خليه؛ إذ هو وحصره فيه {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ} انمحق وانكسر {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} ولم يكشف على أمره {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} [الأنعام: 77] باعتقاده إلهية هذا البازغ الآفل. {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} قاهرة لجميع الكواكب مضيئة بنفسها مشرقة بجميع ما ظهر عليها بحيث لا يُنمحى انكشافها بسائر الكواكب أصلاً {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} إذ هو أتم انكشافاً وأكمل إضاءة وإنارة {هَـٰذَآ أَكْبَرُ} من الجميع فهي المستحق بالألوهية والربوبية {فَلَمَّآ أَفَلَتْ} وتغيرات، وانكشف إلى نور لا أفول له ولا تغيير، بل هو {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35]. {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي} بعدما كوشفت بنور الحق وعوينت بوجهه الكريم، تحققت بتوحيده وتمكنت بمقر تجريده وتفريده {بَرِيۤءٌ مِّمَّا} جميع {تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] به من التماثيل الباطلة والأظلال الهالكة الآفلة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } .إلى آخر القصة. يقول تعالى: واذكر قصة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، مثنيا عليه ومعظما في حال دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، وإذ قال لأبيه { آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً } أي: لا تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء، { إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } حيث عبدتم من لا يستحق من العبادة شيئا، وتركتم عبادة خالقكم، ورازقكم، ومدبركم. { وَكَذَلِكَ } حين وفقناه للتوحيد والدعوة إليه { نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: ليرى ببصيرته، ما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } فإنه بحسب قيام الأدلة، يحصل له الإيقان والعلم التام بجميع المطالب. { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ } أي: أظلم { رَأَى كَوْكَبًا } لعله من الكواكب المضيئة، لأن تخصيصه بالذكر، يدل على زيادته عن غيره، ولهذا -والله أعلم- قال من قال: إنه الزهرة. { قَالَ هَذَا رَبِّي } أي: على وجه التنزل مع الخصم أي: هذا ربي، فهلم ننظر، هل يستحق الربوبية؟ وهل يقوم لنا دليل على ذلك؟ فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه، بغير حجة ولا برهان. { فَلَمَّا أَفَلَ } أي: غاب ذلك الكوكب { قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ } أي: الذي يغيب ويختفي عمن عبده، فإن المعبود لا بد أن يكون قائما بمصالح من عبده، ومدبرا له في جميع شئونه، فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب، فمن أين يستحق العبادة؟! وهل اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه، وأبطل الباطل؟! { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا } أي: طالعا، رأى زيادته على نور الكواكب ومخالفته لها { قَالَ هَذَا رَبِّي } تنزلا. { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } فافتقر غاية الافتقار إلى هداية ربه، وعلم أنه إن لم يهده الله فلا هادي له، وإن لم يعنه على طاعته، فلا معين له. { فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ } من الكوكب ومن القمر. { فَلَمَّا أَفَلَتْ } تقرر حينئذ الهدى، واضمحل الردى فـ { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } حيث قام البرهان الصادق الواضح، على بطلانه. { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا } أي: لله وحده، مقبلا عليه، معرضا عن من سواه. { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } فتبرأ من الشرك، وأذعن بالتوحيد، وأقام على ذلك البرهان [وهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآيات، هو الصواب، وهو أن المقام مقام مناظرة، من إبراهيم لقومه، وبيان بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية وغيرها. وأما من قال: إنه مقام نظر في حال طفوليته، فليس عليه دليل]. { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } أيُّ فائدة لمحاجة من لم يتبين له الهدى؟ فأما من هداه الله، ووصل إلى أعلى درجات اليقين، فإنه -هو بنفسه- يدعو الناس إلى ما هو عليه. { وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } فإنها لن تضرني، ولن تمنع عني من النفع شيئا. { إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ } فتعلمون أنه وحده المعبود المستحق للعبودية. { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } وحالها حال العجز، وعدم النفع، { وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا } أي: إلا بمجرد اتباع الهوى. { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } . قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا } أي: يخلطوا { إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } الأمن من المخاوفِ والعذاب والشقاء، والهدايةُ إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء. ولما حكم لإبراهيم عليه السلام، بما بين به من البراهين القاطعة قال: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } أي: علا بها عليهم، وفلجهم بها. { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات. خصوصا العالم العامل المعلم، فإنه يجعله الله إماما للناس، بحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره. قال تعالى { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } . { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } فلا يضع العلم والحكمة، إلا في المحل اللائق بها، وهو أعلم بذلك المحل، وبما ينبغي له.