Verse. 864 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَكَذٰلِكَ نُرِيْۗ اِبْرٰہِيْمَ مَلَكُوْتَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَلِيَكُوْنَ مِنَ الْمُوْقِنِيْنَ۝۷۵
Wakathalika nuree ibraheema malakoota alssamawati waalardi waliyakoona mina almooqineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» كما أريناه إضلال أبيه وقومه «نري إبراهيم ملكوت» ملك «السماوات والأرض» ليستدل به على وحدانيتنا «وليكون من الموقنين» بها وجملة وكذلك وما بعدها اعتراض وعطف على قال.

75

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: «الكاف» في كذلك للتشبيه، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام، وهو قوله: {إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } والمعنى: ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض. وههنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل ألبتة، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام: {أتتخذ أصناماً آلهة} إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام، فقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } معناه: وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى، فكان قوله: {وَكَذٰلِكَ } منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية. المسألة الثانية: لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان، فكان الأولى أن يقال: وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله {وَكَذَلِكَ نُرِى }. قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن يكون تقدير الآية، وكذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي. والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصباً للدين الحق. فكأنه قيل: وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه. الوجه الثاني في الجواب: وهو أعلى وأشرف مما تقدم، وهو أنا نقول: إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه وعلوه وعظمته. ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية. وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال: سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول: سمعت إمام الحرمين يقول: معلومات الله تعالى غير متناهية، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضاً غير متناهية، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضاً، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل، وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض، بل قال: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ وٱلأَرْضِ } وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم. المسألة الثالثة: {الملكوت} هو الملك، و «التاء» للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة. واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين: الأول: أن الله أراه الملكوت بالعين، قالوا إن الله تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني، وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني، ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع. وعن ابن عباس أنه قال: لما أسري بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في السموات وما في الأرض فأبصر عبداً على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله تعالى له: كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: الأول: أن أهل السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله، فلا يليق أن يقال: إنه لما رفع إلى السماء أبصر عبداً على فاحشة. الثاني: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى، وإذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه. الثالث: أن ذلك الدعاء إما أن يكون صواباً أو خطأً فإن كان صواباً فلم رده في المرة الثانية، وإن كان خطأً فلم قبله في المرة الأولى. ثم قال: وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها. والقول الثاني: أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر. واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الحجة الأولى: أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء، والملك عبارة عن القدرة، وقدرة الله لا ترى، وإنما تعرف بالعقل، وهذا كلام قاطع، إلا أن يقال المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة. والحجة الثانية: أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال وهو قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ } ثم فسرها بعد ذلك بقوله: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً } تفسير : [الأنعام: 76] فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال. والحجة الثالثة: أنه تعالى قال في آخر الآية: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن. فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم. والحجة الرابعة: أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلهاً قادراً على كل الممكنات. ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم. ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب. وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم. والحجة الخامسة: أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فكذلك قال في حق هذه الأمة: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ }تفسير : [فصلت: 53] فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك. الحجة السادسة: أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده: {أية : إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 79] فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس. وذلك الدليل لو لم يكن عاماً في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاماً فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت. فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين. الحجة السابعة: أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقاً بالشك وقوله تعالى: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين. فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال. الحجة الثامنة: أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع. وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال عى الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة ألبتة. ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله. أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال. ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفاً واحداً فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل بصره به صار محروماً عن إدراك الحرف الأول، أو عن إبصاره. فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة. وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى. ألا ترى أنه تعالى مدح محمداً عليه الصلاة والسلام في ترك هذه الرؤية فقال: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } تفسير : [النجم: 17] فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل، لا بحسب البصر الظاهر. فإن قيل: فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة تحصل لإبراهيم بسببها. قلنا: جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء عليهم السلام. ولهذا المعنى كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: «حديث : اللهم أرنا الأشياء كما هي»تفسير : فزال هذا الإشكال. والله أعلم. المسألة الرابعة: اختلفوا في «الواو» في قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } وذكروا فيه وجوهاً: الأول: الواو زائدة والتقدير: نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين. الثاني: أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً لبيان علة الإراءة والتقدير وليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات والأرض. الثالث: أن الإراءة قد تحصل وتصير سبباً لمزيد الضلال كما في حق فرعون قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ } تفسير : [طه: 56] وقد تصير سبباً لمزيد الهداية واليقين. فلما احتملت الإراءة هذين الاحتمالين قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: إنا أريناه هذه الآيات ليراها ولأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاحدين والله أعلم. المسألة الخامسة: اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقيناً لأن علمه غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمل. واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت صارت سبباً لحصول اليقين وذلك لوجوه: الأول: أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة فلا تزال القوة تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم. الثاني: أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب، فكذا ههنا. الثالث: أن القلب عند الاستدلال كان مظلماً جداً فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة، فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى، فيصير الإشراق واللمعان أتم. وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح. فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى. إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد، فلا نهاية لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات، وقوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مُلك، وزيدت الواو والتاء للمبالغة في الصفة. ومثله الرَّغَبُوت والرَّهَبُوت والجَبَروت. وقرأ أبو السّمّال العَدَوِيّ «مَلْكوت» بإسكان اللام. ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفّتها، ولعلها لغة. و«نُرِي» بمعنى أرينا؛ فهو بمعنى المُضِيّ. فقيل: أراد به ما في السموات من عبادة الملائكة والعجائب وما في الأرض من عصيان بني آدم؛ فكان يدعو على مَن يراه يَعصي فيُهلِكه الله، فأوحى الله إليه يا إبراهيم أمسك عن عبادي، أما علمت أن من أسمائي الصَّبور. روى معناه عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: كشف الله له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرَضين. وروى ابن جُريج عن القاسم عن إبراهيم النَّخَعِيّ قال: فُرجت له السموات السبع فنظر إليهنّ حتى ٱنتهى إلى العرش، وفُرجت له الأرَضون فنظر إليهنّ، ورأى مكانه في الجنة؛ فذلك قوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} تفسير : [العنكبوت: 27]؛ عن السُّدِّي. وقال الضحّاك: أراه من ملَكوت السماء ما قصّه من الكواكب، ومِن ملكوت الأرض البحارَ والجبالَ والأشجارَ، ونحو ذلك مما استدلّ به. وقال بنحوه ابن عباس. وقال: جُعل حين وُلد في سَرَب وجُعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يَمَصُّها، وكان نُمْرُود اللّعين رأى رؤيا فعبّرت له أنه يذهب ملكه على يدَيْ مولود يُولد؛ فأمر بعزل الرجال عن النساء. وقيل: أمر بقتل كل مولود ذَكَر. وكان آزر من المقربين عند الملك نُمْرود فأرسله يوماً في بعض حوائجه فواقع ٱمرأته فحملت بإبراهيم. وقيل: بل واقعها في بيت الأصنام فحملت وخرّت الأصنام على وجوهها حينئذ؛ فحملها إلى بعض الشِّعاب حتى ولدت إبراهيم، وحفر لإبراهيم سَرَباً في الأرض ووَضع على بابه صخرة لئلا تفترسه السباع؛ وكانت أُمُّه تختلف إليه فتُرضعه، وكانت تجده يمصّ أصابعه، من أحدها عسلٌ ومن الآخر ماءٌ ومن الآخر لبنٌ، وشَبّ فكان على سَنة مثلَ ابن ثلاث سنين. فلما أخرجه من السَّرَب توهّمه الناس أنه وُلد منذ سنين؛ فقال لأمّه: مَن ربّي؟ فقالت أنا. فقال: ومن ربّك؟ قالت أبوك. قال: ومَن ربّه؟ قالت نُمروذ. قال: ومَن ربه؟ فلطَمَته، وعلمت أنه الذي يَذهب مُلْكُهم على يديه. والقصَص في هذا تامٌّ في قِصص الأنبياء للكسائي، وهو كتاب مما يُقْتَدَى به. وقال بعضهم: كان مولده بحرّان ولكن أبوه نقله إلى أرض بابل. وقال عامّة السَّلَف من أهل العلم: وُلد إبراهيم في زمن النّمروذ ابن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن سام بن نوح. وقد مضى ذكره في «البقرة». وكان بين الطوفان وبين مولد إبراهيم ألف ومائتا سنة وثلاث وستون سنة؛ وذلك بعد خلق آدم بثلاث آلاف سنة وثلاثمائة سنة وثلاثين سنة. قوله تعالى: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك؛ أي المَلَكوت.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ} ومثل هذا التبصير نبصره، وهو حكاية حال ماضية. وقرىء: «ترى» بالتاء ورفع الملكوت ومعناه تبصره دلائل الربوبية. {مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ربوبيتها وملكها. وقيل عجائبها وبدائعها والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة. {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} أي ليستدل وليكون، أو وفعلنا ذلك ليكون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما أريناه إضلال أبيه وقومه {نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ } مُلْك {ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ليستدل به على وحدانيتنا {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } بها، وجملة (وكذلك) وما بعدها اعتراض وعطف على «قال2.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَكَذَلِكَ} "ذا" إشارة لما قرب، و"ذاك" لما بعد، و"ذلك" لتفخيم شأن ما بعد. {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} آياتهما، أو خلقهما، أو ملكها، والملكوت: الملك نبطي، أو عربي، ملك وملكوت: كرهبة ورهبوت، ورحمة ورحموت، وقالوا: رهبوت خير من رحموت أي ترهب خير من أن ترحم، أو الشمس والقمر والنجوم، أو {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ} الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والثمار والشجر.

ابن عادل

تفسير : "وكذلك" في هذه الآيات ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها للتشبيه، وهي في مَحَلِّ نصب نَعْتاً لمصدر محذوف، فقدره الزمخشري: "ومثل ذلك التعريف والتصيير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت". وقَدَّرَهُ المَهْدَوِيُّ: "وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم". قال أبو حيان: وهذا بعيدٌ من دلالة اللفظ. قال شهاب الدين: إنما كان بعيداً؛ لأن المحذوف من غير المَلْفُوظِ به، ولو قدره بقوله: "وكما أريناك يا محمد الهداية"، لكان قريباً لدلالة اللفظ والمعنى معاً عليه. وقدَّرهُ أبو البقاء بوجهين: أحدهما: قال: "هو نَصْبٌ على إضمار "أرَيْنَاهُ" تقديره: وكما رآه أباه وقومه في ضلال مبين، أريناه ذلك؛ أي: ما رآه صواباً بإطلاعنا إياه عليه". الثاني: قال: "ويجوز أن يكون منصوباً بـ "نرى" التي بعده على أنه صِفَةٌ لمصدر محذوف؛ تقديره نريه ملكوت السموات والأرض رُؤيةَ كرؤية ضلال أبيه" انتهى. قال شهابُ الدين فقوله: "على إضمار أريناه" لا حاجة إليه ألْبَتَّة، ولأنه يقتضي عدم ارتباط قوله: "نري إبراهيم ملكوت" بما قبله. الثاني: أنها للتَّعْلِيلِ بمعنى "اللام" أي: ولذلك الإنكار الصَّادرِ منه عليهم، والدعاء إلى الله في زَمَنٍ كان يُدْعَى في غير الله آلهة نريه ملكوت. الثالث: أن "الكاف" في مَحَلِّ رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: والأمر كذلك، أي كما رآه من ضلالتهم نقل الوجهين الآخرين أبو البقاء وغيره. و"نُرِي" هذا مضارع، والمراد به حكاية حالِ ماضيه، والتقدير: كذا نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض. و"نري" يحتمل أن تكون المُتعدِّية لاثنين؛ لأنها في الأصل بصرية، فأكسبتها همزة النقل مفعولاً ثانياً، وجعلها ابن عطية مَنْقُولةً من "رأى" بمعنى "عرف"، وكذلك الزمخشري فإن قال فيما قدمت حكايته عنه: "ومثل ذلك التعريف نُعَرِّف". قال أبو حيان بعد حكايته كلام ابن عطية: "ويحتاج كون "رأى" بمعنى "عرف" ثم يتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نَقْلِ ذلك عند العربِ، والذي نقل النحويون أن "رأى" إذا كانت بصريَّة تعدَّتْ لمفعول، وإذا كانت بمعنى "علم" الناصبة لمفعولين تعدَّتْ إلى مفعولين". قال شهابُ الدِّين: والعَجَبُ كيف خص بالاعتراض ابن عطية دون الزمخشري، وهذه الجملة المُشْتَمِلةُ على التشبيه، أو التعليل معترضة بين قوله: "وإذْ قال إبراهيمُ" منكراً على أبيه وقومه عبادَةَ الأصنام، وبين الاستدلال عليهم بوحدانية الله - تعالى - ويجوز ألاَّ تكون معترضةً إن قلنا: إن قوله: "فلما" عطف على ما قبله، وسيأتي "والملكوت" مصدر على "فَعَلُوت" بمعنى المُلْك، وبني على هذه الزِّنَةِ، والزيادة للمبالغة. قال القرطبي: وزيدت الواو النافية للمبالغةِ، وقد تقدم ذلك عند ذكر {أية : بِٱلطَّاغُوتِ} تفسير : [البقرة:256] والجمهور على "ملَكُوت" بفتح اللام. وقرا أبو السَّمَّال بسكونها، وهي لغة, والجمهور أيضاً على "ملكوت" بتاء مثناة. وعكرمة قرأها مثلثة، وقال: أصلها "ملكوثا" باليونانية أو بالنبطية. وعن النخعي هي "ملكوثا" بالعبرانية، وعلى هذا قراءة الجمهور يحتمل أن تكون من هذا، وإنما عُرِّبَتِ الكلمة فَتَلاعَبُوا بها، وهذا كما قالوا في اليهود بأنهم سُمُّوا بذلك لأجل يَهُوذَا بن يعقوب بذال معجمة، ولكن لما عُرَّبَتْهُ العرب أتوا بالدَّال المهملة، إلا أن الأحْسَنَ أن يكون مُشْتَقًّا من المُلْكِ؛ لأن هذه الزِّنَةَ وَرَدَتْ في المصادر كـ "الرَّغبوت" و"الرَّهَبُوت" و "الرَّحَمُوت" و "الجَبرُوت" و "الطَّاغُوت" وهل يختص ذلك بمُلْكِ الله تعالى أم يقال له ولغيره؟. فقال الراغب: "والملكُوت مُخْتَصٌ بمُلْكِ الله تعالى وهذا الذي ينبغي". وقال أبو حيَّان: "ومن كلامهم: له ملكوت اليمن، وملكوت العراق"، فعلى هذا لا يختص. والجمهور على "نري" بنون العظمة. وقرىء: "تُري" بتاء من فوق "إبراهيم" نصباً، "ملكوت" رفعاً، أي: تريه دلائل الربوبية، فأسند الفعل إلى الملكوت مُؤوَّلاً بمؤنث، فلذلك أنَّثَ فعله. فصل في المراد بالآية قال ابن عبَّاسٍ، يعني خلق السموات والأرض. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: يعني مَلَكُوت السموات والأرض، وذلك أنه أقيمَ على صخرة وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش، وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة فذلك قوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} تفسير : [العنكبوت:27]، أي: أريناه مكانه في الجنة. وروي عن سلمان ورفع بعضهم عن علي لما رأى إبراهيم ملكُوتَ السموات والأرض أبصر رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له عز وجل يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تَدْعُ على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إليَّ فإن شئت غفرت له وإن شئت عاقبته. وفي رواية عن ابن عباس: وأما من يتولى فإن جهنم من ورائه. وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن أهل السماء من الملائكة المقرّون، وهم لا يعصون الله. وثانيها: أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المُذْنبِ إلا عن أمر الله وإذا أذن الله فيه لم يَجُزْ أن يمنعه من إجابة دعائه. وثالثها: أن ذلك الدُّعاء إما أن يكون صواباً أو خطأ؛ فإن كان صواباً فلم ردَّهُ في المرة الثانية؟ وإن كان خطأ فلم قبلهُ في المرة الأولى؟ ثم قال وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف المعقول وجب التَّوَقُّف فيها. ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل المذنب الذي رآه كان في ملكوت الأرض. وعن الثانية بأنه يحمل أن يكون قد أذن في الدعاء على الأوَّل، ومنع في الثاني للاحتمال الذي ذكره في قوله: "يخرج منه نسمة تعبدني". وعن الثَّالث أنَّ الدعاء للأول. وقيل: هذه الآراء كانت بعين البصيرةِ والعقل لا بالبصر؛ لأن المَلَكُوتَ عبارة عن الملك، والملك عبارة عن القُدرةِ، والقدرة إنما تعرف بالعقل. فإن قيل: رؤية القَلْبِ على هذا حاصلة لجميع المُوحِّدينَ؟. فالجواب: أنهم وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطِّلاعَ على آثار حِكْمَةِ الله - تعالى - في كُلِّ واحد من مَخْلُوقاتِ هذا العالم بحسب أجناسها، وأنواعها، وأشْخَاصها، وأحوالها مما لا يحصل إلاَّ لأكَابَر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، ولهذا كان عليه الصَّلاة والسَّلام يقول في دعائه: "حديث : اللَّهُمَّ أرِنَا الأشْيَاء كَمَا هِيَ ". تفسير : فصل في تفسير الملكوت قال قتادةُ: "ملكوت السَّموات": الشَّمْسُ، والقمر، والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال، والشَّجر، والبحار. قوله: "وليكون" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن "الواو" زائدة، أي: نريه ليكون من المؤمنين بالله، و"اللام" متعلقة بالفعل قبلها، إلا أن زيادةَ "الواوِ" ضعيفة ولم يقل بها إلاَّ الأخْفَش ومن تابعه. الثاني: أنها علَّة لمحذوف، أي: وليكون أريناه إياه ذلك، والتقدير: وليكون من الموقنين برؤية مَلَكُوتِ السَّموات والأرض. الثالث: أنها عطف على علَّةٍ محذوفة، أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحُجَّة على قَوْمِهِ، واليقين: عبارة عن عِلْم يحصل بعد زوال الشُّبْهَةِ بسبب التَّأمُّلِ، ولهذا المعنى لا يُوصَفُ علم الله بكونه يقيناً؛ لأنّ علمه غير مَسْبُوقٍ بالشبهة، وغير مُسْتَفَادٍ من الفِكْرِ والتأمل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: الشمس والقمر والنجوم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: كشف ما بين السموات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة والسلسلة في خاتم العزة. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {ملكوت السماوات والأرض} قال: ملك السموات والأرض قال: سلطانهما. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: إنما هو ملك السموات والأرض، ولكنه بلسان النبطية ملكوثا. وأخرج آدم بن أبي اياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: آيات فرجت له السموات السبع، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: قام على صخرة ففرجت له السموات السبع حتى ننظر إلى العرش وإلى منزله من الجنة، ثم فرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون، كذلك قوله {أية : وآتيناه أجره في الدنيا} تفسير : [العنكبوت: 27]. وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قال: قلت أنت أعلم أي رب...! قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي. قال: فعلمت ما في السموات والأرض، ثم تلا هذه الآية {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} ثم قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: في الدرجات والكفارات قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، والمجالس في المساجد خلاف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروه، فمن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كهيتئه يوم ولدته أمه، وأما الدرجات فبذل السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموهن فإنهن حق " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي، فإنهم مني على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم إلى ملكوت السموات أشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني، فأراد أن يدعو عليه فقال له ربه: على رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فأنا من ورائه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب في قوله {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: رفع إبراهيم إلى السماء فنظر أسفل منه، فرأى رجلاً على فاحشة فدعا فخسف به حتى دعا على سبعة كلهم يخسف به، فنودي يا إبراهيم رفه عن عبادي ثلاث مرار إني من عبدي بين ثلاث، اما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن استخرج من صلبه ذرية مؤمنة، وإما أن يكفر فحسبه جهنم. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله وعليه وسلم قال "حديث : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، ثم أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم إنك عبد مستجاب الدعوة فلا تدع على أحد فإني من عبدي على ثلاث: إما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدني، وإما أن يتوب في آخر عمره فأتوب عليه، وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه " . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض رأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم مهلاً فإنك رجل مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه ذرية يذكروني، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه . وأخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك. فقيل: على رسلك يا إبراهيم إنك عبد يستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فإن جهنم من ورائه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} قال: يعني خلق السموات والأرض {وليكون من الموقنين} فإنه جلا له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فرده الله كما كان قبل ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام فر به من جبار مترف، فجعل في سرب وجعل رزقه في أطرافه، فجعل لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله له فيها رزقاً، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، وأراه شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً، وأراه ملكوت الأرض فرأى جبالاً وبحوراً وأنهاراً وشجراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً} ذكر لنا أن الكوكب الذي رأى الزهرة طلعت عشاء {قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} علم أن ربه دائم لا يزول {فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي} رأى خلقاً أكبر من الخلق الأوّل {فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر} أي أكبر خلقاً من الخلقين الأوّلين. وأبهى وأنور. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: بن كنعان وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر. مسلمين وكافرين، وإنه طلع كوكب على نمورد، ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك! فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك، وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم . ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله فقال له: أنظر لا تواقع أهلك. فقال له آزر أنا أضُنُّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه إن وقع عليها، ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها، وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه، ونسي الملك ذاك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك ان أنا جئت به؟ قالوا: لا فائت به. فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه فيقول: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنها فرس، وعن الشاة أنها شاة. فقال: ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب. وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: هذا ربي. فلم يلبث أن غاب قال: لا أحب رباً يغيب. قال ابن عباس: وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع قال: هذا ربي. فلما أفل ـ يقول غاب {قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} فلما أصبح رأى الشمس بازغة {قال: هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} قال الله له: اسلم. قال: أسلمت لرب العالمين. فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال {أية : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}تفسير : [مريم: 42] ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟ ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم، فجعل يدعو قومه وينذرهم، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. قال أنا أعلم به، فإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار، فناداها فقال{أية : يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}تفسير : [الأنبياء: 69] وكان جبريل هو الذي ناداها. فقال ابن عباس: لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ولم يبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله {رأى كوكباً} قال: هو المشتري، وهو الذي يطلع نحو القبلة عند المغرب . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن علي في قوله {رأى كوكباً} قال: الزهرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {فلما أفل} أي ذهب . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {لا أحب الآفلين} قال: الزائلين . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {فلما أفلت} قال: فلما زالت الشمس عن كبد السماء. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك الأنصاري وهو يرثي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: شعر : فتغير القمر المنير لفقده والشمس قد كسفت وكادت تأفل تفسير : قال: أخبرني عن قوله عز وجل {حنيفاً} قال: ديناً مخلصاً. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت حمزة بن عبد المطلب وهو يقول: شعر : حمدت الله حين هدى فؤادي إلى الإسلام والدين الحنيف تفسير : وقال: أيضاً رجل من العرب يذكر بني عبد المطلب وفضلهم: شعر : أقيموا لنادينا حنيفاً فانتمو لنا غاية قد نهتدي بالذوائب تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله {حنيفاً} قال: مخلصاً . وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه عن عياض بن حمار المجاشعي "حديث : أنه شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقول: إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم من دينكم مما علمني يومي هذا، إن كل مال نحلته عبداً فهو له حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " .

التستري

تفسير : قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي}[76] فقال: كان هذا القول منه تعريضاً لقومه عند حيرة قلوبهم، لأنه كان أوتي رشده من قبل، كما قال: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ} [الآية: 75]. أراه ذلك ليطيق الهجوم على عظمته. وقال فارس فى قوله {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: بدايات أعلام الغيوب التى لا تبقى على النفوس غير الله، وهى دلائل أهل التوحيد مع الله. وقال بعضهم: أرى الخليل الملكوت لئلا يشتغل بها ويرجع إلى مالكها. وقال بعضهم: أرى الخليل الملكوت فاشتغل بالاستدلال على الحق، فلما كشف له من الحقيقة تبرأ من الكل فقال: "أمَّا إليك فلا". قوله جل ذكره: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ}. بأن لها صانعًا يقلبها. وقيل: أرى ملكوت السماوات والأرض أنها محدثة وأن لها مدبراً، فصار من الموقنين بأن لا دافع ولا نافع سوى الله. وقيل فى قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ}: بعد معرفة اليقين. وقال النصرآباذى فى قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ولم يقل رأى إبراهيم ولا يمكن رؤية الفروع بالفروع، إنما رأى الفروع من الملكوت بالأصول.

القشيري

تفسير : لاطَفه بسابق العناية، ثم كاشفه بِلاحِق الهداية فأراه من دلالات توحيده ما لم يبق في قضاء سِرِّه شظية من غبار العيب، فلمَّا صحا من غيم التجوز سما سِرُّه فقال بنفي الأغيار جملةً، وتبرَّأ عن الجميع ولم يغادر منها تهمة.

البقلي

تفسير : { وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الأية اى كما خصصنا الخليل فى الازل بالخلة اريناه ملكوت السموات والارض ما يظهر من انوار صفات الازلية وذات السرمدى من مرائى ملكوت السموات اريناه الثبوت خلته واستقامة محبته وزيادة شوقه الى جمال القدم وليكون من المشاهدين لقاءنا فى مقام اليقين بواسطة الملك والملكوت قال ابن سعيد الخراز راه ذلك ليطيق الهجوم على عظمته ذكر فى مقام الواصلين وقال فارس فى تفسير الأية بدايات اعلاه الغيوب التى لا تبقى على النفوس غير الله وهو دلائل اهل التوحيد عندهم وقال بعضهم لدى الخليل الملكوت لئلا يشتغل بها ويرجع الى مالكها وقال بعضهم ارى الخليل الملكوت فاشتغل بالاستدلال على الحق فما اكشف له على الحقيقة بتراعى لكل فقال ما اليك فلا وقيل ليكون من المؤقنين بعد معرفة اليقين وقال النصر ابادى فى قوله وكذلك نرى ابراهيم ولم يقل راى ابراهيم ولا يمكن رؤية الفروع بالفروع انما راى الفروع من الملكوت بالاصول.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك نرى ابراهيم} ذلك اشارة الى الاراءة التى تضمنها قوله نرى لا الى اراءة اخرى يشبه بها هذه الاراءة كما يقال ضربته كذلك اى هذا الضرب المخصوص والكاف مقحمة لتأكيد ما افاده اسم الاشارة من الفخامة. والمعنى كذلك التبصير نبصره عليه السلام {ملكوت السموات والأرض} اى ربوبيته تعالى وما لكيته لهما وسلطانه القاهر عليهما وكونهما بما فيهما مربوبا ومملوكا له تعالى لا تبصيرا آخر ادنى منه والملكوت مصدر على زنة المبالغة كالرهبوت والجبروت ومعناه الملك العظيم والسلطان القاهر والاظهر مختص بملك الله عز سلطانه وهذه الاراءة من الرؤية البصرية المستعارة للمعرفة ونظر البصيرة اى عرفناه وبصرناه وصيغة الاستقبال حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها. فان قيل رؤية البصيرة حاصلة لجميع الموحدين كرؤية البصر ومقام الامتنان يأبى ذلك. والجواب انهم وان كانوا يعرفون اصل دليل الربوبية الا ان الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى فى كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب اجناسها وانواعها واشخاصها واحوالها مما لا يحصل الا لاكابر الانبياء ولهذا كان عليه السلام يقول فى دعائه (ارنا الاشياء كما هى). قال فى التأويلات النجمية. اعلم ان لكل شئ من العالم ظاهرا. يعبر عنه تارة بالجسمانى لما له من الابعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق ولتحيزه وقبول القسمة والتجزى. وتارة بالدنيا لدنوها الى الحسن. وتارة بالصورة لقبول التشكل ولادراكه بالحس. وتارة بالشهادة لشهوده فى الحس. وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحس. وباطنا يعبر عنه تارة بالروحانى لخلوه عن الابعاد الثلاثة وعن التحيز والتجزى فى الحس. وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس. وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكل وبعده عن الحس. وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس. وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة به فان قيام الملك بالملكوت وقيام الملكوت بقدرة الحق كما قال الله تعالى {أية : فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون} تفسير : [يس: 84]. اى من طريق الملكوت والملكوت من الاوليات التى خلقها الله تعالى من لا شئ بامركن اذ كان الله ولم يكن معه شئ يدل عليه قوله {أية : أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ} تفسير : [الأعراف: 185]. فنبه على ان الملكوت لم يخلق من شئ وما سواه خلق من شئ وقد سمى الله تعالى ما خلق بالامر امراً وما خلق من الشئ خلقاً فقال {أية : ألا له الخلق والأمر} تفسير : [الأعراف: 54]. فالله تعالى ارى ابراهيم ملكوت الاشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد انتهى وقد اطلق العلماء الملك على ما يدرك بالبصر والملكوت على ما يدرك بالبصيرة فالملكوت لا ينكشف لارباب العقول بل لاصحاب القلوب فان العقل لا يعطى الا الادراك الناقص بخلاف الكشف وتلك المكاشفة لا تحصل الا لاهل المجاهدة فانها ثمرة المجاهدة وهى مما يعز منا له جدا اللهم اجعلنا من اهل العيان دون السامعين للاثر {وليكون من الموقنين} اللام متعلقة بمحذوف مؤخر والجملة اعتراض مقرر لما قبلها اى ليكون من زمرة الراسخين فى الايقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور لا لامر آخر فان الوصول الى تلك الغاية القاصية كمال مترتب على ذلك التبصير لا عينه وليس القصر لبيان انحصار فائدته فى ذلك كيف لا وارشاد الخلق والزام المشركين من فوائده بل لبيان انه الاصل الاصيل والباقى من مستتبعاته.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: المُلك: ما ظهر في عالم الشهادة من المحسوسات، والملكوت: ما غاب فيها من معاني أسرار الربوبية، والجبروت: ما لم يدخل عالم التكوين من أسرار المعاني الأزلية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكذلك} أي: مثل ذلك التبصر الذي بَصَّرنا به إبراهيم حتى اهتدى للرد على أبيه، نُريه {ملكوت السماوات والأرض} أي: نكشف له عن أسرار التوحيد فيهما، حتى يشاهد فيهما صانعهما، ولا يقف مع ظاهر حسهما، وإنما فعلنا له ذلك {ليكون من الموقنين} بمعرفتنا، عارفًا بأسرار قدسنا. ولما كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، أراد أن يرشدهم إلى التوحيد من طريق النظر والاستدلال؛ {فلما جن عليه الليل} أي: ستره بظلامه، {رأى كوكبًا} وهو الزهرة أو المشتري، {قال هذا ربي} على سبيل التنزل إلى قول الخصم، وإن كان فاسدًا؛ فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم، ثم يَكرّ عليه بالفساد؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأقرب إلى رجوع الخصم، {فلما أفل} أي: غاب، {قال لا أحب الآفلين}؛ فضلاً عن عبادتهم؛ فإن التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية. {فلما رأى القمر بازغًا}: متبدئًا في الطلوع، {قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين}. استعجزَ نفسه واستعان ربه في دَرك الحق، وأنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه؛ إرشادًا لقومه. وتنبيهًا لهم على أن القمر أيضًا؛ لتغيُّر حاله، لا يَصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلهًا، فهو ضالٌّ. {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي}، إنما ذكَّر الإشارة لتذكير الخبر، وصيانةً للرب عن شبهة التأنيث {هذا أكبر} لكبر النور وسطوعه أكثر، {فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} من الأجرام المحدثة المحسوسة، المحتاجة إلى محدث يحدثها، ومخصص يخصصها. ولما تبرأ من عبادتها توجه إلى موجدها ومبدعها، فقال: {إني وجهت وجهي للذي فطر} أي: أبدع {السماوات والأرض} حال كوني {حنيفًا} أي: مائلاً عن دينكم {وما أنا من المشركين} مثلكم. وإنما احتج بالأفول دون البزوغ، مع أنه تغير؛ لأن الأفول أظهر في الدلالة؛ لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. وقيل: إن هذا الاستدلال والاحتجاج كان في حال طفولته قبل التكليف. فقد رُوِي أنه لما ولدته أمه في غار، خوفًا من نمرود؛ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي يُولد في هذا العصر، فكان يستدل بما رأى على توحيد ربه، وهو في الغار، وهذا ضعيف لأن قوله: {إني بريء مما تشركون} يقتضي المحاججة والمخاصمة لقومه. وقوله عليه السلام: {هذا ربي} مع قوله: {أية : إِنّي سَقِيمٌ } تفسير : [الصَّافات:89]، و { أية : فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا }تفسير : [الأنبياء:63]، ليس بكذب؛ للعصمة، وإنما هو تورية. وفي الحديث: " حديث : ليس بكاذبٍ من كاذَب ظالمًا، أو دفع ضررًا، أو رعى حقًا، أو حفظ قلبًا "تفسير : . وفي رواية أخرى: "حديث : ليس بكاذب، من قال خيرًا أو نواه "تفسير : . وأما اعتذاره في حديث الشفاعة؛ فلهول المطلع، فيقع الحذر من أدنى شيء. والله تعالى أعلم. الإشارة: لمَّا كوشف إبراهيم بعالم الملكوت، رأى الله في الأشياء كلها، كما ورد في بعض الأثر: (ما رأيت شيئًا إلا رأيت الله فيه). وإنما قال: {لا أحب الآفلين}؛ حذرًا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأواني دون المعاني، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال، ولذلك قيل: شعر : طَلَعت شَمسُ مَن أُحِبُ بلَيلٍ واستنَارَت فمَا تَلاها غُرُوبُ إنَّ شَمسَ النَّهَارِ تَغرُبُ بالَّليلِ وشَمسُ القُلوبِ ليس لهَا مَغِيبُ تفسير : أي: طلعت شمس نهارعرفانهم على ليل وجودهم، فامتحت ظلمة وجودهم في شهود محبوبهم، وفي الحِكَم: "أنا الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفَلَت أنوار الظواهر، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر". قال الجَوزِي: لما بدا لإبراهيم نجم العلم، وطلع قمر التوحيد، وأشرقت شمس المعرفة ـ قال: {إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي...} الآية. هـ. قيل: لما نظر إبراهيم عليه السلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسي، نودي في سره: يا إبراهيم، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية؛ لأن الوجود كله عين الأحدية، فافهم معاني الأسماء، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين}. هـ. وفي ذلك يقول الششتري أيضًا: شعر : لا تنظُر إلَى الأوَاني وَخُض بَحرَ المعَانِي لَعَّـــلَكَ تَـــرَانِي تفسير : ولما احتج إبراهيم عليه السلام على قومه خاصموه في ذلك كما قال تعالى: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {وكذلك نري إبراهيم ملكوت} أي مثل ما وصفنا من قصة ابراهيم من قوله لابيه ما قال نريه {ملكوت السماوات} أي انا كما أريناه أن قومه في عبادة الاصنام ضالون كذلك نريه ملكوت السماوات والارض وقيل في معنى الملكوت أقوال: قال الزجاج، والفراء والبلخي والجبائي والطبري وهو قول عكرمة: ان الملكوت بمنزلة الملك غير أن هذه اللفظة ابلغ من الملك، لان الواو والتاء يزادان للمبالغة. ومثل الملكوت الرغبوت والرهبوت ووزنه (فعلوت) وفى المثل (رهبوت خير من رغبوت) ومن روى (رهبوتي خير من رحموتي) معناه أن يكون له هيبة يرهب بها خير من أن يرحم. وقال مجاهد (ملكوت السماوات والأرض) ملكهما بالنبطية. وقال الضحاك: يعني خلقهما، وبه قال ابن عباس، وقتادة. وروي عن مجاهد أيضا أن معناه آيات السماوات والارض. وروي عن مجاهد وابن عباس أيضا أنه أراد بذلك ما أخبر الله عنه أنه أراه من النجوم والشمس والقمر، حين خرج من المغارة، وبه قال القتادة. وقال الجبائي: المعنى انا كنا نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض والحوادث الدالة على أن الله مالك لها، ولكل شىء بنفسه، لا يملكه سواه، فأجرى الملكوت على المملوك الذي هو في السماوات والارض مجازا. وقوله {وليكون من الموقنين} أي اريناه ملكوت السماوات ليستدل به على الله وليكون من الموقنين أن الله هو خالق ذلك والمالك له. والموقن هو العالم الذي يتيقن الشىء بعد أن لم يكن مثبتا، ولهذا لا يوصف تعالى بأنه متيقن كما يوصف بأنه عالم، لانه تعالى عالم بها فيما لم يزل،. وقال أبو جعفر (ع): كشط الله له السموات والارض حتى رآهن وما عليهن من الملائكة وحملة العرش، وذلك قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض}. فان قيل كيف يجوز أن يرى ما تحت الارضين والارض حجاب لما تحتها وكذلك السماء فوقها؟ قلنا: لا يمتنع أن يجعل الله تعالى منها خروقا ومنافذ ويقوي شعاعه حتى ينفذ فيها فيرى ما فوقها وما تحتها ولا يمنع من ذلك مانع، ومثل هذا روي عن مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وسلمان.

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ نُرِى إبراهيم مَلَكوت السَّماوات والأرض} مثل هذا التبصير لبصر إبراهيم، والإشارة إلى ما ذكر من رؤية إبراهيم آزر وقومه فى ضلال مبين، وتعلق الكاف بها بعدها أو بمحذوف نعت مصدر محذوف، أو تجعل اسما مفعولا مطلقاً إذ كانت نعتاً لمصدر محذوف كما رأيت، وصحت الإشارة بذلك للمؤنث وهو الرؤية لتأويل المذكور، وصح تشبيه الإراءة بالرؤية باعتبار ما يحصل من الإراءة وهو الرؤية، أو باعتبار أن رؤية إبراهيم أباه وقومه فى ضلال مبين إنما هى بإراءة الله جل وعلا إياه، أن أباه وقومه فى ضلال مبين. وقيل: الإشارة إلى الإراءة فى قوله: {نرى إبراهيم} وفيه ضعف، لأن مثل هذا مما فيه الإشارة والتشبيه للشئ بحيث يكون على صورة تشبيه الشئ بنفسه، يتقدم فيه المشار إليه نحو صحح الله جسمى، وعلمنى ورزقنى، وهدانى للإسلام، كذلك أكرمنى الله إذا أشرت إلى التصحيح والتعليم والرزق والهدى، ووجه ذلك أن وصف الشئ قد يخالف حقيقته بقصد من المتكلم، لأن المخاطب لا يحقق ما خوطب به، أو لأن المتكلم لا يقدر على الوصف الحقيقى لعظمة الموصوف أو لقصوره أو تقصيره، فكأنه قيل ذلك على نحو ما وصفته، وترى بلفظ مضارع الحال مع أن الإراءة قد مضت تصويراً للماضى منزلة ما حضر لمزيد تحقيقه، كما يحقق الشئ الشاهد، وملكوت مفعول ثان، وقرئ {وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} بمثناة فوقية، وفتح الراء ونصب إبراهيم ورفع ملكوت على أنه نائب الفاعل، لكن من نيابة المفعول الثانى، وهذه الإراءة بصرية تعدت لاثنين: الأول بالهمزة من قولك أراءة، والثانى بنفسه قبل الهمزة، ولكونها بصرية تعدت لاثنين فقط، مع وجود همزة التعدية، فإنه رأى الملكوت ببصره، وقد يقال إنها من علم العرفان المتعدى لواحد، فتعدى الأخر بنفسه. هذا ما ظهر لى فى تحرير المقام، قال سلمان الفارسى، وسعيد بن جبير، ومجاهد: هذه الرؤية التى أراه الله إياها، ملكوت السماوات والأرض رؤية عين، انفرجت له السماوات والأرضون، ورأى مكانه فى الجنة ورأى العرش والكرسى، وما فى السماوات من العجائب، ونظر إلى أسفل الأرضين وما فيهن من العجائب، فذلك ملكوت السماوات والأرض، أقامه الله على صخرة فكشف له عن ذلك، وبذلك قال على بن أبى طالب، وعنه وعن سلمان: أنه لما رفع إبراهيم ليرى ملكوت السماوات والأرض رأى رجلاً يزنى، فدعا عليه فهلك، ورأى آخر يسرق، فدعا عليه فهلك، فرأى آخر يعصى، فدعا عليه فهلك، فرأى رابعاً فأراد الدعاء عليه فأوحى الله إليه دع عنك عبادى، فإنك لم تخلقهم، وإنك مجاب الدعاء فلم يهلك الرابع، وقيل هذا فى الثالث فلم يهلك الثالث إما أن يتوب عبدى فأغفر له، وإما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدنى، وإما أن يبعث إلىَّ فلا يفوتنى عذابه، وفى رواية وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه. والحديث أنه رفع إلى جهة السماء، وقيل رفع إلى السماوات ولم يجاز السدرة، وقيل لم يرفع بل نظر من الأرض وقوى الله بصره على كل قول، وكشف له، وقال قتادة: ملكوت السماوات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار، كشف الله عنهن وقوى نظره ونظر ما لم يقو على نظره غيره، وقيل: رؤية بصر فى ظاهر الملكوت وقع له معها فى الاعتبار، ورؤية القلب ما لم يقع لأحد من أهل زمانه، ونسب هذا لابن عباس رضى الله عنهما وغيره، وقيل رؤية قلب رأى ملكوت السماوات والأرض بفكره، وهو الأنسب بلفظ ملكوت، لأنه يقال: ملكوت فى الملك الباطن، وقال من قال: رؤية بصر أنه يقال أيضا فى ملك الحس ملكوت إذا عظم، يقال لفلان ملكوت اليمن، وملكوت العراق، ولعله إنما يقال ذلك إذا أريد ما بطن من نفس التصرفات، ثم إذا أريد بملكوت السماوات ما بطن من ملكها فالإضافة للتبعيض أو بشبهه، أو الظرفية، وإن أريد نفسهما فالإضافة للبيان، أى ملكوت هى السماوات والأرض، والواو والتاء على كل حال للمبالغة، ومثله الرغبوت والرهبوت والرحموت والجبروت، وهو بمعنى نفس المملوكات، وقيل بمعنى القدرة والسلطنة، ثم رأيت عن الراغب أن الملكوت مختص لملك الله تعالى، فقولهم: فلان له ملكوت اليمن وملكوت العراق مجاز لاستدلال على استقلاله فى السلطنة الظاهرة. {وليَكونَ من الموقنينَ} عطف على محذوف، والمحذوف متعلق بنرى، فكلاهما متعلق به أى وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليستدل بها على وجودنا ووحدانيتنا، وليكون من الموقنين، إذ متعلق بمحذوف، والمحذوف معطوف على نرى أى وفعلنا ذلك له ليكون من الموقنين، أو وأريناه ذلك ليكون من الموقنين، والموقن من لم يكن فى علمه شبهة، سواء كانت وزالت أم لم تكن، وقيل: إن كانت وزالت بنظر تأمل ومشاهدة بتحقيق قلب، وليس كل من رأى السماوات والأرض قد تحقق، فإن أكثر الناس يشاهدونهن ولا يتحققون، ولذلك لا يتعظون، "حديث : وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أرنا الأشياء كما هى" ولما رجع من الإسراء رأى هولا وأصواتا ودخاناً تحت السماء الدنيا، فقال: "يا جبريل ما هذا؟" فقال: "الجن تحوم لئلا ترى أمتك ملكوت السماوات"تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما: وليكون من الموقنين للأمر سره وعلانيته، خبره وحسه، فلم يخف عنه أمر الخلائق، ولذلك ظهر له معصية العاصين، فجعل يلعنهم فقال الله تعالى: إنك لا تستطيع هذا فرده لا يرى أعمالهم.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} أَى مثل رؤية إِبراهيم أَباه وقومه فى الضلال المبين صيرناه رائياً ملكوت إِلخ... أَو الأَمر كذلك، أَى كما رآه من ضلال أَبيه وقومه، أَو كما رآهم فى الضلال المبين أَريناه إِياهم فيه، أَى على الوصف المذكور، وفى الوجهين التوكيد وانقطاع نرى إِبراهيم عما قبله والتأسيس، ووصل نرى إِبراهيم أَولى، والوجه هو الأَول، ويليه أَن يقدر وكما أَريناك يا محمد الهداية وضلال قومك أَرينا إِبراهيم الهداية وضلال أَبيه وقومه، وفيه قطع نرى عما قبله، وإِن قدر كما أَريناك الهداية وضلال قومك أَرينا إِبراهيم ملكوت إِلخ.. كان متصلا لكن فيه مقابلة إِراءَته صلى الله عليه وسلم ذلك باراءَة إِبراهيم ملكوت إِلخ.. ووجهه أَن إِراءَة الملكوت من لوازم الهدى ومسبباته، وكذا فى الوجه الأَول إِلا أَنه تقوى بأَن الإِراءَة والرؤية قبلها كلتيهما فى إِبراهيم وإِراءَة إِبراهيم من رأَى بمعنى عرف، أَو بصرية، والرؤية سبب للمعرفة وملزومة لها، وعلى كل لها مفعول واحد، ولكن تعدت لاثنين بالهمزة، وقيل: المشبه التبصر من حيث إِنه واقع والمشبه به التبصير من حيث إِنه مدلول اللفظ، ومثله وصف النسبة بالمطابقة للواقع وهى عين الواقع، وبأَمثال ذلك نتخلص من ظاهر تشبيه الشىء بنفسه. وقف على صخرة بإِذن الله تعالى فكشف له عن العرش والكرسى والسماوات وما فيهن من العجائب والحكم، ومكانه فى الجنة، وعن الأَرضين وما فيهن وما تحتهن وما فى ذلك من العجائب والحكم، وروى أَنه رفع إلى جهة السماء ورأَى رجلاً يزنى فدعا عليه فأهلكه الله، ثم آخر يسرق فدعا عليه فمات، وآخر على معصية فأَراد الدعاءَ عليه فأَوحى الله إِليه: دع عنك عبادى وإِنك رجل مستجاب فإِما أَن أَتوب على عبادى وإِما أَن أَخرج منهم من يعبدنى، وإِما أَن أعذبه فى الآخرة، واسم الإِشارة عائد على الرؤية أَو الإِراءَة، فإِنما ذكر بتأويل البصر أَو التبصير، ونرى لحكاية الحال الماضية فى زمان إِبراهيم لتكون كالمشاهدة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. رأَى إِبراهيم عليه السلام ضلال أَبيه وقومه، فجازاه الله باراءَة ملكوت السماوات والأَرض، وهذا المعنى إِنما يتم بجعل الإِشارة إِلى رؤية إِبراهيم ضلال أَبيه وقومه، أَو إِراءَة الله إِياه ذلك، وبجعل نرى إِبراهيم متعلقاً بذلك لا منقطعاً، والملكوت الملك الخفى، أَو ما يتضمنه الملك الظاهر كالغلة التى تكون من الماء والنار فى الأَحجار، أَو الملك العظيم، وقد قيل: الملكوت الشمس والقمر والنجوم والأَشجار والجبال والبحور، والمراد إِراءَة حكمها وحقائقها، واللفظ مختص بالله جل وعلا، وقيل: يجوز لغيره، مثل أَن تقول: لفلان ملكوت الأَقاليم، أَو لفلان ملكوت المغرب، أَو لفلات ملكوت العراق أَو اليمن، وعلى كل حال الواو والتاء زائدتان للمبالغة، وقد فسر بعضهم الملكوت بالعجائب والبدائع فهى بالقلب، وتجوز بالبصر الموصل للعقل، وجعل بعضهم الكاف للتعليل وعلقها بنرى فيعطف على ذلك قوله {وَلِيَكُونَ مِنَ الموُقِنِين} أَى نريه ملكوت السماوات والأَرض لذلك وليكون من الموقنين، وإِن أَبقيناها على التشبيه فالعطف على محذوف، أَى ليستدل وليكون من الموقنين، أَو وأَريناه ذلك ليكون من الموقنين فحذف مدخول الواو العاطفة واليقين علم يحصل بعد زوال الشبهة بالنظر والتأَمل والمشاهدة.

الالوسي

تفسير : {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ} هذه الإراءة من الرؤية البصرية المستعارة استعارة لغوية للمعرفة من إطلاق السبب على المسبب أي عرفناه وبصرناه، وكان الظاهر أرينا بصيغة الماضي إلا أنه عدل إلى صيغة المستقبل حكاية للحال الماضية استحضاراً لصورتها حتى كأنها حاضرة مشاهدة، وقيل: إن التعبير بالمستقبل لأن متعلق الإراءة لا يتناهى وجه دلالته فلا يمكن الوقوف على ذلك إلا بالتدريج وليس بشيء. والإشارة إلى مصدر «نري» لا إلى إراءة أخرى مفهومة من قوله تعالى: { أية : إِنّى أَرَاكَ } تفسير : [الأنعام: 74] ولا إلى ما أنذر به أباه وضلل قومه من المعرفة والبصارة. وجوز كل، وقيل: يجوز أن يجعل المشبه التبصير من حيث إنه واقع والمشبه به التبصير من حيث إنه مدلول اللفظ، ونظيره وصف النسبة بالمطابقة للواقع وهي عين الواقع، وجوز كون الكاف بمعنى اللام والإشارة إلى القول السابق، وأنت تعلم ما هو الأجزل والأولى مما تقدم لك في نظائره وليس هو إلا الأول أي ذلك التبصير البديع نبصره عليه السلام. {مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ربوبيته تعالى ومالكيته لهما لا تبصيراً آخر أدنى منه، «فالملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت ـ كما قاله ابن مالك وغيره من أهل اللغة ـ وتاؤه زائدة للمبالغة ولهذا فسر بالملك العظيم والسلطان القاهر، وهو ـ كما قال الراغب ـ مختص به تعالى» خلافاً لبعضهم. وعن مجاهد أن المراد بالملكوت الآيات، وقيل: العجائب التي في السماوات والأرض فإنه عليه السلام فرجت له السماوات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش وفرجت له الأَرَضون السبع فنظر إلى ما فيهن. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي فإنهم مني على ثلاث، إما أن يتوب العاصي فأتوب عليه، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت » تفسير : وروي نحوه موقوفاً ومرفوعاً من طرق شتى ولا خلاف فيها لدلائل المعقول خلافاً لمن توهمه، وقيل: ملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم. وملكوت الأرض: الجبال والأشجار والبحار./ وهذه الأقوال ـ على ما قيل ـ لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعه عليه السلام على حقائقها وتعريفها من حيث دلالتها على شؤونه عز وجل، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك حساً كما ينبىء عنه التشبيه السابق. وقرىء «تري» بالتاء وإسناد الفعل إلى الملكوت أي تبصره عليه السلام دلائل الربوبية. {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } أي من زمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى، وهذا لا يقتضي سبق الشك كما لا يخفى، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر، والجملة اعتراض مقرر لما قبلها أي وليكون كذلك فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور، والحصر باعتبار أن هذا الكون هو المقصود الأصلي من ذلك التبصير ونحو إرشاد الخلق وإلزام الكفار من مستتبعاته، وبعضهم لم يلاحظ ذلك فقدر الفعل مقدماً لعدم انحصار العلة فيما ذكر. وقيل: هي متعلقة بالفعل السابق، والجملة معطوفة على علة مقدرة ينسحب عليها الكلام أي ليستدل [بها] وليكون. واعترض بأن الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سبباً للالتفات لا يكون علة للإراءة فكيف يعطف عليه بإعادة اللام وليس بشيء، وادعى بعضهم أنه ينبغي على ذلك أن يراد بملكوت السمٰوات والأرض بدائعهما وآياتهما لأن الاستدلال من غايات إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية، وأنت تعلم أن رؤية الربوبية إنما هي برؤية دلائلها وآثارها. ومن الناس من جوز كون الواو زائدة واللام متعلقة بما قبل وفيه بعد وإن ذكروه وجهاً كالأولين في كل ما جاء في القرآن من هذا القبيل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : قال إبراهيم لأبيه آزرَ أتتّخذ أصناماً آلهة}تفسير : [الأنعام: 74]. فالمعنى وإذ نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراءة لا إراءة أوضح منها في جنسها والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى الإراء المأخوذ من قوله {نُري إبراهيم} أي مثل ذلك الإراء العجيب نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض. وهذا على طريقة قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمَّة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]. وقد تقدّم بيانه في سورة البقرة، فاسم الإشارة في مثل هذا الاستعمال يلازم الإفراد والتذكير لأنَّه جرى مجرى المثل. وقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} إشارة إلى حجّة مستنبطة من دلالة أحوال الموجودات على وجود صانعها. والرؤية هنا مستعملة للانكشاف والمعرفة، فالإراءة بمعنى الكشف والتعريف، فتشمل المبصرات والمعقولات المستدلّ بجميعها على الحق وهي إراءة إلهام وتوفيق، كما في قوله تعالى: {أية : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض}تفسير : [الأعراف: 185]، فإبراهيم ـــ عليه السلام ـــ ابتُدىء في أوّل أمره بالإلهام إلى الحقّ كما ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية الصادقة. ويجوز أن يكون المراد بالإراءة العلم بطريق الوحي. وقد حصلت هذه الإراءة في الماضي فحكاها القرآن بصيغة المضارع لاستحضار تلك الإراءة العجيبة كما في قوله تعالى: {أية : الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا}تفسير : [فاطر: 9]. والملكوت اتَّفق أئمَّة اللغة على أنَّه مصدر كالرَغَبُوت والرّحَمُوت والرّهَبُوت والجَبَرُوت. وقالوا: إنّ الواو والتاء فيه للمبالغة. وظاهره أنّ معناه المِلك ـــ بكسر الميم ـــ لأنّ مصدر مَلك المِلك ـــ بكسر الميم ـــ ولمَّا كان فيه زيادة تفيد المبالغة كان معناه المِلك القوي الشديد. ولذلك فسَّره الزمخشري بالربوبية والإلهية. وفي «اللسان»: مُلْك الله وملكوته سلطانُه ولفلان ملكوت العراق، أي سلطانه ومُلكه. وهذا يقتضي أنَّه مرادف للمُلك ـــ بضمّ الميم ـــ وفي طبعة «اللسان» في بولاق رُقمت على ميم مُلكه ضمّة. وفي «الإتقان» عن عكرمة وابن عبَّاس: أنّ الملكوت كلمة نَبَطِيَّة. فيظهر أنّ صيغة (فعلوت) في جميع الموارد التي وردت فيها أنَّها من الصيغ الدخيلة في اللغة العربية، وأنَّها في النبطيّة دالَّة على المبالغة، فنقلها العرب إلى لغتهم لِما فيها من خصوصية القوّة. ويستخلص من هذا أنّ الملكوت يطلق مصدراً للمبالغة في المِلك، وأنّ المُلك (بالضمّ) لما كان مِلكاً (بالكسر) عظيماً يطلق عليه أيضاً المَلَكُوت. فأمَّا في هذه الآية فهو مجاز على كلا الإطلاقين لأنَّه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، وهو المملوك، كالخَلق على المخلوق، إمَّا من المِلك ـــ بكسر الميم ـــ أو من المُلك ـــ بضمِّها ـــ. وإضافة ملكوت السماوات والأرض على معنى (في). والمعنى ما يشمله المُلك أو الملك، والمُراد مُلك الله. والمعنى نكشف لإبراهيم دلائل مخلوقاتنا أو عظمة سلطاننا كشفاً يطلعه على حقائقها ومعرفة أن لا خالق ولا متصرّف فيما كشفنا له سوانا. وعُطِف قوله: {وليَكون من الموقنين} على قوله: {وكذلك} لأنّ {وكذلك} أفاد كون المشبَّه به تعليماً فائقاً. ففهم منه أنّ المشبَّه به علّة لأمر مهمّ هو من جنس المشبَّه به. فالتقدير: وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إراء تبصير وفهم ليَعْلم علماً على وفق لذلك التفهيم، وهو العلم الكامل وليكون من الموقنين. وقد تقدّم بيان هذا عند تفسير قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} تفسير : في هذه السورة (56). والموقن هو العالم علماً لا يقبل الشكّ، وهو الإيقان. والمراد الإيقان في معرفة الله تعالى وصفاته. وقوله: وليكون من الموقنين} أبلغ من أن يقال: وليكون موقناً كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين}تفسير : في هذه السورة (56).

الواحدي

تفسير : {وكذلك نُرِي إبراهيم...} الآية. أَيْ: وكما أرينا إبراهيم استقباح ما كان عليه أبوه من عبادة الأصنام نريه {ملكوت السموات والأرض} يعني: ملكهما، كالشَّمس، والقمر، والنُّجوم، والجبال، والشَّجر، والبحار. أراه الله تعالى هذه الأشياء حتى نظر إليها مُعتبراً مُستدلاًّ بها على خالقها، وقوله: {وليكون من الموقنين} عطفٌ على المعنى. تقديره: ليستدلَّ بها وليكون من الموقنين. {فلما جنَّ} أَيْ: ستر وأظلم {عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي} أَيْ: في زعمكم أيُّها القائلون بحكم النَّجم، وذلك أنَّهم كانوا أصحاب نجومٍ يرون التَّدبير في الخليقة لها {فلما أفل} أَيْ: غاب {قال: لا أحبُّ الآفلين} عرَّفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النُّجوم، ودلَّ على أنَّ مَنْ غاب بعد الظُّهور كان حادثاً مُسخَّراً، وليس بربٍّ. {فلما رأى القمر بازغاً} طالعاً، فاحتجَّ عليهم في القمر والشَّمس بمثل ما احتجَّ به عليهم في الكوكب، وقوله: {لئن لم يهدني ربي} أَيْ: لئن لم يُثبِّتني على الهدى. وقوله للشَّمس: {هذا ربي} ولم يقل هذه؛ لأنَّ لفظ الشَّمس مذكَّرٌ، ولأنَّ الشَّمس بمعنى الضياء والنُّور، فحمل الكلام على المعنى {هذا أكبر} أَي: من الكوكب والقمر، فلمَّا توجَّهت الحجَّة على قومه قال: {إني بريء مما تشركون}. {إني وجهت وجهي} أَيْ: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عزَّ وجلَّ، وباقي الآية مفسَّر فيما مضى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ إِبْرَاهِيمَ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (75) - وَكَمَا أَرَيْنَا إِبْرَاهِيمَ الحَقَّ فِي أَمْرِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ، وَأَنَّهُمْ فِي ضَلاَلٍ وَجَهَالَةٍ فِي عِبَادَتِهِمُ الأَصْنَامَ، كَذَلِكَ أَرَيْنَاهُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ آيَاتٍ وَعِبَرٍ تَدُلُّ كُلُّهَا عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ فِي مُلْكِهِ وَخَلْقِهِ، وَأَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ، لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، وَلِيَزْدَادَ إِيمَاناً وَيَقِيناً بِعَظَمَةِ اللهِ، وَقًدْرَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ. (وَقَدْ يَكُونُ اللهُ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ عَنْ بَصَرِ إِبراهيمَ حَتَّى رَأَى ذَلِكَ عِيَاناً، أَوْ كَشَفَ عَنْ بَصِيرَتِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ بِقَلْبِهِ وَفُؤَادِهِ وَتَحَقَّقَهُ). مَلَكُوتَ - مُلْكَ - أَوْ آيَاتِ وَعَجائِبِ مُلْكِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي كما اهتدى إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين فسيريه الله ملكوت السموات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلهاً حقًّا، فالإله الحق يبين له أسرار الكون: والملكوت صيغة المبالغة في الملك، مثلها مثل "رحموت". وهي صيغة مبالغة من الرحمة، والملكوت تعطينا فهم الحقائق غير المشهودة، فالذي يمشي وراء الأسباب المشهودة له يأخذ الملك؛ لأن ما يشهده ويحسَّه هو أمامه، والملكوت هو ما يغيب عنه، إذن ففيه "ملك"، وفيه "ملكوت"، الملك هو ما تشاهده أمامك، والملكوت هو ما وراء هذا الملك. والمثال هو ما قاله سيدنا إبراهيم حينما تكلم على الشركاء لله قال سبحانه: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} تفسير : [الشعراء: 77-81] ولنلحظ هنا أن الأساليب مختلفة، فهو يقول: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي} ولم يقل "الذي هو خلقني"، ثم قال {فَهُوَ يَهْدِينِ} لأن أحداً لم يدّع أبداً خلق الإنسان، وهي قضية مسلمة لله ولا تحتاج إلى تأكيد، أما هداية الناس فهناك من يدعي أنه يهدي الناس. وما يَدَّعي من البشر يؤكد بـ "هو" وما لا يُدَّعي من البشر كالخلق والإماتة والإحياء لا يؤتى فيه بكلمة هو. ويتابع سيدنا إبراهيم: {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} وهنا قفز سيدنا إبراهيم من كل الأسباب والحلقات الظاهرية إلى الحقيقة، وعرف الغيب {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون والشافي الأعظم وهو الله - تبارك وتعالى - لأن الناس قد تفتن بالأسباب وتقول: إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيراً ما رأينا من يذهب للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب في مثل هذا الموقف من وسائل الموت: شعر : سبحان من يرث الطبيب وطبه ويرى المريض مصارع الآسين تفسير : إذن، {فَهُوَ يَشْفِينِ} أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب. وبذلك جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام في قصة العقيدة نجده قد أخذ سلطاناً كبيراً يعترف به جميع الأنبياء؛ لأن ربنا قال فيه: {وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}. وكذلك قال سبحانه: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة: 124] أي أنك يا إبراهيم مأمون أن تكون إماماً للناس، وببشرية إبراهيم وبظاهر الملك. سأل الله أن تكون الإمامة في ذريته، وقال: {وَمِن ذُرِّيَّتِي}. أي اجعل من ذريتي أئمة، فيقول الحق: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124]. لأن مسألة الإمامة ليست وراثة دم، ولا يأخذها إلا من يستحقها. وقلنا: إن سيدنا إبراهيم جاء بهاجر وابنه إسماعيل منها وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، ويقول القرآن على لسانه: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تفسير : [إبراهيم: 37]. أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام وعى مسألة تعليم الحق له لأسرار الملكوت، وظل في ذهن سيدنا إبراهيم، أن الحق سبحانه - لا يعطي الإمامة من ظلم ثم أوضح له أنه يجب أن تفرق بين خلافة النبوة، وعطاء الربوبية في الطعام ويتمثل ذلك في دعاء سيدنا إبراهيم: {أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : [البقرة: 126] فكأن إبراهيم حين طلب الرزق من الثمرات لمن آمن بالله واليوم الآخر لم يفرق في دعائه بين عهد النبوة والإمامة، ومطلوبات الحياة، فيقول له الحق: {وَمَن كَفَرَ ...}. أي أنه سبحانه سيرزق بالطعام من آمن ومن كفر؛ لأن الطعام ومقومات الحياة من عطاءات الربوبية، أما المناهج فهي من عطاءات الألوهية، والله سبحانه وتعالى رب لجميع الناس؛ لأنه هو الذي استدعاهم جميعاً: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وما دام هو الذي استدعاهم إلى الوجود فهو لا يمنعهم الرزق. {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]. وكل من يسير على قدم إبراهيم عليه السلام يرتبط ويتعلق بذات الحق سبحانه وتعالى، وفيه فرق بين الارتباط والتعلق بالذات، والارتباط والتعلق بالصفات؛ والذي يعبد الله لأنه رزّاق، ولأنه مُغْنٍ هو من يرتبط بالصفات. أما من يرتبط بالله لأنه إله فقط وإن أفقره فهو من يرتبط بالذِّاب، وحين صفى سيدنا إبراهيم نفسه من كل العقائد السابقة أوضح له الحق: أنت مأمون على أسرار كوني، وأعطاه الحق الكثير كما يعطي لكل من يخلص في الارتباط بخالقه يعطيه ربنا عطاءات من أسرار كونه. ويضرب الحق سبحانه لنا كثيراً من المُثُل في القرآن فيقول: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 282] أي أنك ما دمت مأموناً على ما عرفت من أحكام الحق لحركة حياتك وتنفذه فإن الحق يعتبرك أميناً على أسراره، ويعطيك المزيد من الزيادة. ومعنى "تتقي" أي أن تلتحم بمنهج الحق، وإذا التحمت بالمنهج الحق كنت في الفيوضات الدائمة التي لا تنقضي من الحق؛ لأن الذي في معيته لا بد أن يخلع الحق عليه من واردات وعطاءات صفاته ما يجلي صلته بربه ويطمئنه عليه، ومثال ذلك ما حدث في "قصة الهجرة" تجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبا بكر في الغار، ويقول أبو بكر لرسول الله: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، وهذه قضية كونية مؤكدة، ويرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بما نقله من القضية الكونية الظاهرة الواضحة إلى عالم الملكوت الخالص، ويقول: (حديث : يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ). تفسير : أي أنه يقول له: اطمئن، لن يرانا أحد؛ لأننا في معية الله، وسبحانه لا تدركه الأبصار. وحين يكون الضعيف في معية القوي فقانون القوى هو الذي يتغلب، فلا يصبح الضعيف ضعيفاً، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في مثل سنّه ويضطهدونه ويؤلمونه ويؤذنه، ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد منهم أن يأتي إلى ناحيته، والناس لا يقدر بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا من معية الله، ومَن في معية الله لا يجترئ عليه أحد أبداً. ولذلك يرسل لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت، ويمثلها في رسول الله من أول العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه الله شيئاً من علمه وفيضه لأنه اتقاه. يقول الحق سبحانه: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65]. إن هذا العبد قد أخذ منهج الرسول الذي جاء به واتبعه، فأداه حق الأداء فاتصل بالحق فأعطاه الحق من لدنه علماً. وحين ننظر في هذه القضية نتعجب لأننا نجد سيدنا موسى - ينظر في عالم الملك بينما ينظر من آتاه الله من لدنه رحمة ومن عنده علما ينظر من عالم الملكوت، وموسى معذور؛ لأنه ينظر في دائرة الأسباب، والعبد الصالح معذور هو الآخر لأنه ينظر في دائرة ثانية، ولذلك سيقول العبد الصالح: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}. أي أن المسألة ليست من ذاته، بل هو مأمور بها. وحين ننظر إلى تقدير موقف كل منهما للآخر نجد العبد الصالح يقول: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}. أي أن العبد الصالح يعذر موسى، ويضيف: {أية : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} تفسير : [الكهف: 68] فيقول القرآن على لسان موسى: {أية : قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} تفسير : [الكهف: 69] فها هوذا الرسول الذي جاء ليبلغ المنهج يطيع عبداً صالحاً طبق المنهج من رسول سابق ونفذه كما يحب الله، والتحم بالمنهج، وجاء لنا ربنا بهذه القصة مع رسول من أولي العزم. ويتلقى موسى عليه السلام الأمر من العبد الصالح: {أية : قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} تفسير : [الكهف: 70] لماذا؟ لأن العبد الصالح يعلم أن موسى سيتكلم عن عالم الفلك، وهو يتكلم من عالم الملكوت. وحين ركبا السفينة، وخرقها العبد الصالح، والخرق إفساد ظاهري في عالم المُلْك. يوضح سيدنا موسى للعبد الصالح أن هذا الفعل إخلال بالقانون، وكيف يعتدي على السفنية بالإفساد؟ فيرد العبد الصالح: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً، وليست لك طاقة على مثل هذه المسائل، فيتذكر موسى، ثم تأتي حكاية الغلام، وحكاية الجدار. وحين ندقق النظر في هذه الأمور نجد عالم الملكوت يصحح الأمور الشاذّة في عالم الملك؛ فخرق السفينة إفساد ظاهري لكن إذا علم موسى أن هناك مَلِكاً يأخذ السفن السليمة الصالحة ويستولي عليها غصبا وهذه السفينة لمساكين يعملون في البحر، ويريد العبد الصالح أن يحافظ لهم على السفينة فيخرقها حتى لا يأخذها المغتصب؛ وحين يقارن الملك المغتصب بين سفينة سليمة وسفينة مخروقة. فلن يأخذ السفينة غير السليمة، ويمكن لأصحابها إصلاحها. إذن لو علم موسى بهذه المسألة، ألا يجوز أن يكون موسى هو الذي كان يقوم بخرق السفينة؟ إنه كان سيخرقها، إذن لو علم صاحب نظرية الملك ما في نظرية الملكوت من أسرار، لفعل هو الفعل نفسه. وحين نأتي لقتل الغلام، لا بد من التساؤل: وما ذنب الغلام؟ فيفسر العبد الصالح الأمر: {أية : وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} تفسير : [الكهف: 80] والأبوان قد يدللان هذا الابن، ويطعمانه من مال حرام، ويكون فتنة لهما، فقتل الغلام ليظلا على الإيمان، وعجلّ ربنا بالولد إلى الجنة مباشرة. وفي مسألة الجدار تجد الخلاف بين رؤية عالم المُلْك، ورؤية عالم الملكوتففي ظاهر الأمر أنهما حين أتيا أهل القرية طلباً للطعام، وطلب الطعام شهادة صدق على الضرورة، لأنه ليس طلباً للنقود، فقد يطلب أحد النقود ليدخرها، لكن من يقول: "أعطني رغيفاً لآكل" فهذه آية صدق الضرورة في طلب الطعام. ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما، إذن هم لئام لا كرام. ويرى العبد الصالح جداراً يريد أن ينقض، وآيلاً للسقوط فأقامه، وغضب سيدنا موسى، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم يطعموهما، فكيف تبني جداراً لهم؟! وكان يصح أن تأخذ عليه أجراً، وغضب سيدنا موسى سببه ظاهر، لكن العبد الصالح يشرح المسألة: لقد أقام الجدار لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاماً، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه، وهم أطفال، وقد بناه العبد الصالح بهندسة إيمانية ألهمه الله بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار. أي أنه بناء موقوت، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد، كذلك الجدار بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز. وهذا يوضح لنا الخلاف بين عالم المُلْك وبين عالم الملكوت؛ فعالم الملكوت هو الذي يغيب عنا وراء الأسباب. وكثير من الناس يقف عند الأسباب، ولا ينتقل من الأسباب إلى السبب المباشر، إلى أن ينتهي إلى مسبب ليس بعده سبب. {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]. فهل تيقن أو لم يتيقن؟. و "موقنين" جمع "موقن" والجمع أقله ثلاثة، واليقين ينقسم إلى ثلاث مراحل: يقين بعلم من تثق فيه لأنه لا يكذب؛ ويقين بعين ما تخبر به، ويقين بحقيقة المُخْبَر به. وحين عرض الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة في سورة التكاثر قال: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 1-5] إذا أخبرتكم فهذا الخبر هو الصورة العلمية، وكان يجب أن يكون ما أخبركم به علم اليقين. {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 5-7]. لأننا سوف نرى النار في الآخرة، لكن لم تأت حقيقة اليقين، وجاءت حقيقة اليقين في سورة الواقعة: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 90-95] وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان حقا من الموقنين في كل أدوار حياته؛ لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك، ما وراء مظاهر الأشياء؛ وعواقبها. فمثلا عندما أُخذ ليطرح في النار جاء له جبريل ليقول: ألك حاجة؟ قال سيدنا إبراهيم: أمّا إليك فلا. ويقول ذلك وهو يعرف أن النار تحرق، ولكن هذا ظاهر المُلك، وظواهر الأشياء، وسيدنا ابراهيم يعلم أن الذي خلقها جعلها محرقة، ويستطيع ألا يجعلها محرقة، وهو متيقن به، ولذلك لم يطفئ الله النار بظاهر الأسباب ولكن جعلها الله ليّاً لأعناق خصومه، فأوضح الحق: يا نار أنا خلقت فيك قوة الإحراق، وأنا أقول لك الآن: لا تحرقي. {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69] إذن فإبراهيم يعرف هذه الحقائق المختفية وراء المُلك الظاهر، وهذا من الابتلاءات الأولى في حياته، ويملك أن يرد على سيدنا جبريل لحظة أن سأله قبل أن يلقوا به في النار: ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: أمّا إليك فلا. ثم يأتي له الابتلاء في آخر حياته بذبح ولده. ونعلم أن الإنسان تمر عليه أطوار تكوين ذاتيته، وأحياناً تكون الذات هي المسيطرة، وفي طور آخر تبقى ذاتية أولاده فوق ذاتيته، أي أنه يحب أولاده أكثر من نفسه. يتمنى أن يحقق لأولاده كل ما فاته شخصياً. فلما كبر إبراهيم ووهبه الله الولد يأتيه الابتلاء بأن يذبح ابنه إنه ابتلاء شديد قاس، وهو ابتلاء لا يأتي بواسطة وحي بل بواسطة رؤيا. وكلنا نعلم أن رؤيا الأنبياء حق. لكن إبراهيم يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يطلب من خلقه إلا أن يستسلموا لقضائه، ولذلك إذا رأيت إنساناً طال عليه قضاء ربه في أي شيء؛ في مرض، في مصيبة، في مال، أو غير ذلك فاعلم أنه لم يرض بما وقع له، ولو أنه رضي لانتهى القضاء. فالقضاء لا يُرفع حتى يُرضى به، ولا يستطيع أحد أن يلوي يد خالقه. إذن فالناس هم الذين يطيلون على أنفسهم أمد القضاء. ولذلك عرف سيدنا إبراهيم هذه القضية: قضية فهمه لعالم الملكوت. فلما قيل له: "اذبح ابنك" لم يرد أن يمر ابنه بفترة سخط على تصرف أبيه؛ لأنه إن أخذه من يده وفي يده الأخرى السكين فلا بد أن تكون هذه اللحظة مشحونة بالسخط، فيحرم من الجزاء، فيبين له المسألة. ويقول القرآن حكاية عن إبراهيم: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} تفسير : [الصافات: 102] وهذا القول يريد به إبراهيم أن ينال ابنه ثواب الاستسلام وهو دليل محبة إبراهيم لولده، فماذا قال إسماعيل: {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] قال إسماعيل ذلك ليأخذ عبودية الطاعة. ويؤكد القرآن رضا إبراهيم وابنه بالقضاء فيقول: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} تفسير : [الصافات: 103] وهذا القبول بالقضاء هو ما يرفعه. لذلك يقول القرآن بعدها: {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الصافات: 104-105] ويفدي الله إسماعيل بذبح عظيم، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يرزق الله إبراهيم بولد آخر؛ لأنه فهم ملكوت السموات والأرض، وعرف نهاية الأشياء. فإذا ما أصيب الإنسان بمصيبة فما عليه إلا أن يرضى ويقول: ما دامت هذه المصيبة لا دخل لحركتي فيها، وأجراها عليّ خالقي فهي اختبار منه - سبحانه - ولا يوجد خالق يفسد ما خلق. ولا صانع يفسد ما صنع، ولا بد أن لذلك حكمة عنده لا أفهمها أنا، لكني واثق في حكمته. إن طريق الخلاص من أي نائبة من النوائب أن يرضى المؤمن بها، فتنتهي. ومن تحدث له مصيبة بأن يموت ولد له، ويظل فاتحاً لباب الحزن في البيت، وتبكي الأم كلما رأت من في مثل سنّه فسيظل باب الحزن مفتوحا، وإن أرادوا أن يزيل الله عنهما هذا الابتلاء فليقفلا باب الحزن بالرضا. وليعلم كل مؤمن أن ما أخذ منه هو معوض عنه بأجر خير منه، والمأخوذ الذي قبضه الله إليه وتوفاه معوض بجزاء خير مما يترك في الدنيا، ولذلك يقال: المصاب ليس من وقعت عليه مصيبة وفارقه الأحباب، بل المصاب من حُرم الثواب، فكأنه باع نكبته بثمن بخس. ويقول الحق بعد ذلك: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناه مَلِكُهَا. ويقال سُلْطانُها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهراً يعبر عنه تارة لجسمانية لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحق وباطناً، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من لا شيء بأمر {أية : كُن}تفسير : [غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 185]، فنبّه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقاً فقال: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}تفسير : [الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقناً عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب {رَأَى كَوْكَباً} [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعاً كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: {هَـٰذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: "هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن"، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب {هَـٰذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوَّكِب {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ} [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب {قَالَ} [الأنعام: 76]، سره {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ} [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: {هَـٰذَآ أَكْبَرُ} [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله {فَلَمَّآ أَفَلَتْ} [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفرداً وتعظيماً ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني لا أقول له كما قيل: شعر : إِنَّ شَمسَ النَهارِ تَغرُبُ بِاللَيـ ـلِ وَشَمسُ القُلوبِ لَيسَ تَغيبُ تفسير : شبراً عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك {قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78]. ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي {حَنِيفاً} [الأنعام: 79]، أي: مائلاً ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.

همام الصنعاني

تفسير : 821- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}: [الآية: 75]، قال: خبئ إبراهيم عليه السلام من جبار من الجبابرة فجَعَلَ الله له في أصابعه رزقاً: فإذا مَصَّ اصْبُعاً منْ أصابِعِه وَجَدَ فيها رزقاً. فلما خرج أراه الله ملكوت السماوات والأرض فكان ملكوت السماوات: الشمش والقمر والنجومَ، وملكوت الأرض الجبال والشجر البحار.