Verse. 865 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْہِ الَّيْلُ رَاٰ كَوْكَبًا۝۰ۚ قَالَ ہٰذَا رَبِّيْ۝۰ۚ فَلَمَّاۗ اَفَلَ قَالَ لَاۗ اُحِبُّ الْاٰفِلِيْنَ۝۷۶
Falamma janna AAalayhi allaylu raa kawkaban qala hatha rabbee falamma afala qala la ohibbu alafileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما جن» أظلم «عليه الليل رأى كوكبا» قيل هو الزهرة «قال» لقومه وكانوا نجامين «هذا ربي» في زعمكم «فما أفل» غاب «قال لا أحب الآفلين» أن أتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأنهما من شأن الحوادث فلم ينجع فيهم ذلك.

76

Tafseer

الرازي

تفسير : في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } عطف على قوله: {قَالَ إِبْرٰهِيمُ لاِبِيهِ ءَازَرَ } وقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِى } جملة وقعت اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: يقال جن عليه الليل وأجنه الليل، ويقال: لكل ما سترته جن وأجن، ويقال أيضاً جنه الليل، ولكن الاختيار جن عليه الليل، وأجنه الليل. هذا قول جميع أهل اللغة، ومعنى {جَنَّ } ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن، وهو المقبور. والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار، وقال بعض النحويين: {جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } إذا أظلم عليه الليل. ولهذا دخلت «على» عليه كما تقول في أظلم. فأما جنه فستره من غير تضمين معنى {أَظْلَمَ }. المسألة الثالثة: اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام، فكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له رباً، فسأل الأم فقال لها: من ربي؟ فقالت أنا، فقال: ومن ربك؟ قالت أبوك، فقال للأب: ومن ربك؟ فقال: ملك البلد. فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئاً يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء. فقال: هذا ربي إلى آخر القصة. ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه، ومنهم من قال: إن هذا كان قبل البلوغ. واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه: الحجة الأولى: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء. الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل. والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر: {أية : أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَةً إِنّى أراك وقومك في ظلال مبين}تفسير : [الأنعام: 74]. الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش. ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام. فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مراراً وأطواراً، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه. فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة. الحجة الرابعة: أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى، ومن كان منصبه في الدين كذلك، وعلمه بالله كذلك، كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب؟ الحجة الخامسة: أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجهاً وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيباً من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلاً عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؟ الحجة السادسة: أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام: {أية : إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }تفسير : [الصافات: 84] وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليماً عن الكفر، وأيضاً مدحه فقال: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 51] أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة. وقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124]. الحجة السابعة: قوله: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين. ثم قال بعده: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } والفاء تقتضي الترتيب، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه. الحجة الثامنة: أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } ولم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد. لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه. الحجة التاسعة: أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار، وهذا باطل. لأنه لو كان الأمر كذلك، فكيف يقول {يا قوم إنى بَرِىء مما تشْرِكونَ} مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم. الحجة العاشرة: قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ } وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم. الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ } وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ }تفسير : [هود: 54] ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار. الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم، ثم غربت، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه. أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير، فالسؤال غير وارد، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم: هذا ربي. وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان: الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة. الأول: أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي، على سبيل الأخبار، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله، ومثاله: أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم، فيقول: الجسم قديم؟ فإذا كان كذلك، فلم نراه ونشاهده مركباً متغيراً؟ فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه، فكذا ههنا قال: {هَـٰذَا رَبّى } والمقصود منه حكاية قول الخصم، ثم ذكر غقيبه ما يدل على فساده وهو قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب، والدليل عليه: أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ }. والوجه الثاني في التأويل: أن نقول قوله: {هَـٰذَا رَبّى } معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء: أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى: {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً }تفسير : [طه: 97] وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنَـادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكآءِيَ } تفسير : [القصص: 62] وكان صلوات الله عليه يقول: «حديث : يا إله الآلهة»تفسير : . والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] أي عند نفسك. والوجه الثالث في الجواب: أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه. والوجه الرابع: أن يكون القول مضمراً فيه، والتقدير: قال يقولون هذا ربي. وإضمار القول كثير، كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا }تفسير : [البقرة: 127] أي يقولون ربنا وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى }تفسير : [الزمر: 3] أي يقولون ما نعبدهم، فكذا ههنا التقدير: إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه: يقولون هذا ربي. أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني. والوجه الخامس: أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء. الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة. وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق، وكان عليه السلام مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر، ومعلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ } تفسير : [النحل: 106] فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضاً المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال. حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب، بل نقول: أن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء. فكذا ههنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل، ومما يقوي هذا الوجه: أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله: {أية : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } تفسير : [الصافات: 88 ـ 90] وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام، فإذا جازت الموافقة في الظاهر ههنا. مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك؟ وأيضاً المتكلمون قالوا: إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده، ولكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا ههنا. وقوله: {هَـٰذَا رَبّى } لا يوجب الضلال، لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزاً والله أعلم. الوجه السابع: أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام {هَـٰذَا رَبّى } أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زماناً حتى أفل ثم قال: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ. أما الاحتمال الثاني: وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم، فقال: {هَـٰذَا رَبّى } فلما شاهد حركته قال: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال: {إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } فهذا الاحتمال لا بأس به، وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم. المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو وورش عن نافع {رئي} بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف كاف أو هاء نحو: رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر. وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو: رأى الشمس، ورأى القمر. فإن حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي يكسرون الراء ويفتحون الهمزة والباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء والهمزة، واتفقوا في رأوك، ورأوه أنه بالفتح. قال الواحدي: أما من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو: رعى ورمى. وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء وترك الراء مفتوحة على الأصل. وأما من كسرهما جميعاً فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة، والواحدي طول في هذا الباب في «كتاب البسيط» فليرجع إليه. والله أعلم. المسألة الخامسة: القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة. وقال القاضي: كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم، وهذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي. وأما عند أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم. المسألة السادسة: أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون رباً له وخالقاً له. ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين: أحدهما: أن الأفول ما هو؟ والثاني: أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟ فنقول: الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره. وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل، فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير، فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟ والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل. ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق. أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم. وأيضاً قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الإمكان أفول، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، وكل ممكن محتاج، والمحتاج: لا يكون مقطوع الحاجة، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: {أية : ٰ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر. فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل. وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين. وفيه دقيقة أخرى: وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين. ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيماً التأثير. أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة. فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي، يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير، عاجزاً عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته، والله أعلم. أما المقام الثاني: وهو بيان أن كون الكوكب آفلاً يمنع من ربوبيته. فلقائل أيضاً أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالاً على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه رباً لإبراهيم ومعبوداً له، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أرباباً للإنسان وآلهة لهذا العالم. والجواب: لنا ههنا مقامان: المقام الأول: أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثاً، فإنه يكون في وجوده محتاجاً إلى الغير. وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أرباباً وآلهة. بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أرباباً وآلهة بهذا التفسير. المقام الثاني: أن يكون المراد من الرب والإله. من يكون خالقاً لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا. فنقول: أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه: الأول: أن أفولها يدل على حدوثها. وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية. وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر، ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قادريته أزلية. وإذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدوراً له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات. فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدوراً لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى. وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول. فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، وأيضاً فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة. ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات، فأما التفريع والتفصيل، فذاك إنما يليق بعلم الجدل. فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أرباباً وآلهة لحوادث هذا العالم. الوجه الثاني: أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب، ومن كان قادراً على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادراً على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لا بد وأن يكون قادراً على خلق الشيء الأضعف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [غافر: 57] وبقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [يسۤ: 81] فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادراً على خلق البشر، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر. الوجه الثالث: أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب. أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكاً في معرفة خالقه. أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأرباباً للحيوان والإنسان. والله أعلم. فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل. فإن قيل: لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلاً في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة. والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد. فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالساً مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء. فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلهاً لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف. ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل. فأعاد عليهم ذلك الكلام، وكذا القول في الشمس، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها، وزعم أن المراد من قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود. واعلم أن هذا الكلام لا بأس به. إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم، والشمس على العقل، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها، والله أعلم. المسألة السابعة: دل قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } على أحكام: الحكم الأول هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلا لحصل معنى الأفول. الحكم الثاني هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيراً، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال. الحكم الثالث تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة. الحكم الرابع تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال. الحكم الخامس تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ }. ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع. ونجوم بوازغ. قال الأزهري: كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب. المسألة الثانية: دل قوله: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ } على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى. ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل. لأن كل ذلك كان حاصلاً، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها. واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى، وكذا في قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } وكذا في قوله: {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }. أما قوله: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبّى هَـٰذَا أَكْبَرُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة، ولم يقل هذه لوجوه: أحدها: أن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل اللفظ على التأويل فذكر. وثانيها: أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين، وثالثها: أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه، ورابعها: المقصود منه رعاية الأدب، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية. المسألة الثانية: قوله: {هَـٰذَا أَكْبَرُ } المراد منه أكبر الكواكب جرماً وأقواها قوة، فكان أولى بالآلهية. فإن قيل: لما كان الأفول حاصلاً في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية، وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى. وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب. فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار؟ قلنا: إن الأخذ من الأدون فالأدون، مترقياً إلى الأعلى فالأعلى، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره، فكان ذكره على هذا الوجه أولى. أما قوله: {قَالَ يَـا قَوْمِ إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية، لا جرم تبرأ من الشرك. ولقائل أن يقول: هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقاً وإثبات التوحيد، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقاً. والجواب: أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أرباباً ولا آلهة، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق. أما قوله: {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: فتح الياء من {وَجْهِىَ } نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، والباقون تركوا هذا الفتح. المسألة الثانية: هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره. بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره، فإنه يتوجه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة. وأما قوله: {لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ففيه دقيقة: وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض. بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله: {وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى } والمعنى: أن توجيه وجه القلب ليس إليه، لأنه متعال عن الحيز والجهة، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته، فترك كلمة «إلى» هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعالياً عن الحيز والجهة، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود، وأصله من الشق، يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} أي ستره بظلمته، ومنه الجَنّة والجِنّة والجُنّة والجَنين والمِجَنّ والجِنّ كلُّه بمعنى السّتر. وجَنان الليل ٱدلهمامُه وستره. قال الشاعر:شعر : ولولا جَنان الليل أدركَ رَكْضُنَا بذِي الرِّمْثِ والأَرْطَى عِيَاضَ بنَ ناشبِ تفسير : ويقال: جُنون الليل أيضاً. ويقال: جَنّه الليل وأجَنّه الليل، لغتان. {رَأَى كَوْكَباً} هذه قصّة أخرى، غير قصّة عرض المَلَكوت عليه. فقيل: رأى ذلك من شَقّ الصخرة الموضوعة على رأس السَّرَب. وقيل: لما أخرجه أبوه من السَّرَب وكان وقت غيبوبة الشمسِ فرأى الإبلَ والخيلَ والغَنم فقال: لا بدّ لها من رَبّ. ورأى المُشْتَرِي أو الزُّهْرة ثم القمرَ ثم الشمس، وكان هذا في آخر الشهر. قال محمد بن إسحاق: وكان ٱبن خمسَ عشرة سنة. وقيل: ٱبن سبع سنين. وقيل: لما حاجّ نمروذاً كان ٱبن سبع عشرة سنة. قوله تعالى: {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} اختُلف في معناه على أقوال؛ فقيل: كان هذا منه في مُهْلة النظر وحال الطفُولِيّة وقبل قيام الحجة؛ وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان. فاستدلّ قائلو هذه المقالة بما روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي» فعبده حتى غاب عنه، وكذلك الشمس والقمر؛ فلما تَمّ نظره قال: «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ». وٱستدلّ بالأفول؛ لأنه أظهرُ الآيات على الحدوث. وقال قوم: هذا لا يصحّ؛ وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسولٌ يأتى عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى مُوَحِّد وبه عارف، ومِن كل معبود سواه بريء. قالوا: وكيف يصحّ أن يتوهّم هذا على مَن عصمه الله وأتاه رُشده من قبلُ، وأراه مَلكوته ليكون من المُوقِنِين، ولا يجوزُ أن يُوصف بالخُلُّو عن المعرفة، بل عرف الربَّ أوّل النظر. قال الزجاج: هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله؛ وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم: 35] وقال جل وعز: {أية : إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } تفسير : [الصافات: 84] أي لم يُشرك به قَطّ. قال: والجواب عندي أنه قال: {هَذَا رَبِّي} على قولكم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر؛ ونظير هذا قوله تعالى: «أَيْنَ شُرَكَائِي» وهو جل وعلا واحدٌ لا شريك له. والمعنى: أين شركائي على قولكم. وقيل: لما خرج إبراهيم من السَّرَب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربّه؛ فظن أنه ضوءه قال: {هذا ربي} أي بأنه يتراءى لي نوره. {فَلَمَّآ أَفَلَ} علم أنه ليس بربّه. {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً} ونظر إلى ضوئه {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي} وليس هذا شركاً. إنما نَسب ذلك الضوءَ إلى ربّه فلما رآه زائلاً دَلّه العلم على أنه غير مستحقّ لذلك؛ فنفاه بقلبه وعلم أنه مَرْبُوب وليس بربّ. وقيل: إنما قال {هذا ربّي} لتقرير الحجّة على قومه فأظهر موافقتهم؛ فلما أفَلَ النَّجم قرّر الحجة وقال: ما تغيّر لا يجوز أن يكون رَبًّا. وكانوا يعظّمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها. وقال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا ما صحّ عن ٱبن عباس أنه قال في قول الله عز وجل: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35] قال: كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدلّ عليه بقلبه، فإذا عرفه ٱزداد نوراً على نور؛ وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله عز وجل بقلبه واستدلّ عليه بدلائله، فعلم أن له رَبًّا وخالقاً. فلما عرّفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال: {أَتُحَاجُّونِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}. وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، مُنْكِراً لفعلهم. والمعنى أهذا ربي، أو مثل هذا يكون رَبًّا؟ فحذف الهمزة. وفي التنزيل {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 34] أي أَفهُم الخالدون. وقال الهُذَلِيّ:شعر : رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيْلدُ لاَ تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ تفسير : آخر:شعر : لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كنتُ دارِياً بسبع رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بثَمانِ تفسير : وقيل: المعنى هذا ربي على زعمكم؛ كما قال تعالى:{أية : أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}تفسير : [القصص: 62]. وقال: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }تفسير : [الدخان: 49] أي عند نفسك. وقيل: المعنى أي وأنتم تقولون هذا رَبّي؛ فأضمر القول، وإضماره في القرآن كثير. وقيل: المعنى في هذا ربي؛ أي هذا دليل على رَبّي.

البيضاوي

تفسير : {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبّى} تفصيل وبيان لذلك. وقيل عطف على قال إبراهيم وكذلك نري اعتراض فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، وجن عليه الليل ستره بظلامه والكواكب كان الزهرة أو المشتري وقوله: {هَـٰذَا رَبّى} على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه بالإِفساد، أو على وجه النظر والاستدلال، وإنما قاله زمان مراهقته أو أول أوان بلوغه. {فَلَمَّا أَفَلَ} أي غاب. {قَالَ لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} فضلاً عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الأمان والحدوث وينافي الألوهية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا جَنَّ } أظلم {عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً } قيل هو الزهرة {قَالَ } لقومه وكانوا قوماً نَجَّامين {هَٰذَا رَبِّى } في زعمكم {فَلَمَّا أَفَلَ } غاب {قَالَ لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } أن أتخذهم أرباباً، لأنّ الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال، لأنهما من شأن الحوادث فلم ينجع فيهم ذلك.

ابن عطية

تفسير : هذه الفاء في قوله {فلما} رابطة جملة ما بعدها وهي ترجح أن المراد بالملكوت هو هذا التفصيل الذي في هذه الآية، و "جن الليل": ستر وغطى بظلامه، ويقال الجن، والأول أكثر، ويشبه أن يكون الجن والمجن والجنة والجنن وهو القبر مشتقة من جن إذا ستر، ولفظ هذه القصة يحتمل أن تكون وقعت له في حال صباه وقيل بلوغه كما ذهب إليه ابن عباس. فإنه قال: رأى كوكباً فعبده، وقاله ناس كثير إن النازلة قبل البلوغ والتكليف، ويحتمل أن تكون وقعت له بعد بلوغه وكونه مكلفاً، وحكى الطبري هذا عن فرقة وقالت إنه استفهم على جهة التوقيف بغير ألف، قال وهذا كقول الشاعر: [الطويل] شعر : رَقوني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ تفسير : يريد أهم هم وكما قال الآخر: [الطويل] شعر : لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتُ دَارِياً شَعِيثُ بْنُ سَهْمٍ أَمْ شَعِيثُ بْنُ منْقرِ تفسير : يريد أشعيث. قال القاضي أبو محمد: والبيت الأول لا حجة فيه عندي وقد حكي أن نمرود جبار ذلك الزمن رأى منجموه أن مولوداً ولد في سنة كذا في عمله، يكون خراب الملك على يديه فجعل يتبع الحبالى ويوكل بهن حراساً فمن وضعت أنثى تركت ومن وضعت ذكراً حمل إلى الملك فذبحه, وأن أم إبراهيم حملت وكانت شابة قوية فسترت حملها فلما قربت ولادتها بعثت تارخ أبا إبراهيم إلى سفر وتحيلت لمضيه إليه ثم خرجت هي إلى غار فولدت فيه إبراهيم وتركته في الغار وقد هيأت عليه، وكانت تفتقده فتجده يغتذي بأن يمص أصابعه فيخرج له منها عسل وسمن ونحوها، وحكي بل كان يغذيه ملك وحكي بل كانت تأتيه بألبان النساء اللاتي ذبح أبناؤهن، فشب إبراهيم أضعاف ما يشب غيره، والملك في خلال ذلك يحس بولادته ويشدد في طلبه فمكث في الغار عشرة أعوام وقيل خمس عشرة سنة، وأنه نظر أول ما عقل من الغار فرأى الكوكب وجرت قصة الآية. قال القاضي أبو محمد: وجلبت هذه القصص بغاية الاختصار في اللفظ وقصدت استيفاء المعاني التي تخص الآية ويضعف عندي أن تكون هذه القصة في الغار لقوله في آخرها {أية : إني بريء مما تشركون} تفسير : [الأنعام:78] وهي ألفاظ تقتضي محاجة ورداً على قوم، وحاله في الغار بعيدة عن مثل هذا اللهم إلا أن يتأول في ذلك أنه قالها بينه وبين نفسه، أي قال في نفسه معنى العبارة عنه: يا قوم إني بريء مما تشركون، وهذا كما قال الشاعر: [الرجز] شعر : ثم انثنى وَقَالَ في التّفِكيرِ إنَّ الحياةَ اليومَ في الكُرُورِ تفسير : قال القاضي أبو محمد: ومع هذا فالمخاطبة تبعده، ولو قال يا قوم إني بريء من الإشراك لصح هذا التأويل وقوي، فإن قلنا بأنه وقعت له القصة في الغار في حال الصبوة عدم التكليف على ما ذهب إليه بعض المفسرين ويحتمله اللفظ فذلك ينقسم على وجهين: إما أن يجعل قوله {هذا ربي} تصميماً واعتقاداً وهذا باطل لأن التصميم لم يقع من الأنبياء صلوات الله عليهم وإما أن يجعله تعريضاً للنظر والاستدلال كأنه قال هذا المنير البهي ربي إن عضدت ذلك الدلائل ويجيء إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى لمحمد عليه السلام: {أية : ووجدك ضالاً فهدى} تفسير : [الضحى:6] أي مهمل المعتقد، وإن قلنا بأن القصة وقعت له في حال كفره وهو مكلف فلا يجوز أن يقول {هذا ربي} مصمماً ولا معرضاً للنظر، لأنها رتبة جهل أو شك وهو عليه السلام منزه معصوم من ذلك كله، فلم يبق إلا أن يقولها على جهة التقرير لقومه والتوبيخ لهم وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه قال لهم: أهذا المنير ربي؟ أو هذا ربي وهو يريد على زعمكم؟ كما قال الله تعالى: {أية : أين شركائي} تفسير : [النحل:27، القصص: 62-74، فصلت:47] فإنما المعنى على زعمكم، ثم عرض إبراهيم عليهم من حركته وأفوله أمارة الحدوث، وأنه لا يصلح أن يكون ربّاً ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك ثم في الشمس كذلك، فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المنيرات الرفيعة أنها لا تصلح للربوبية فأصنامكم التي هي خشب وحجارة أحرى أن يبين ذلك فيها، ويعضد عندي هذا التأويل قوله: {أية : إني بريء مما تشركون} تفسير : [الأنعام:78] ومثل لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ونظر في الأفلاك، وهذا الأمر كله إنما وقع في ليلة واحدة والكوكب وهو الزهرة، في قول قتادة وقال السدي وهو المشتري جانحاً للغروب، فلما أفل بزغ القمر وهو أول طلوعه فسرى الليل أجمع فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لانتشار الصباح وخفي نوره ودنا أيضاً من مغربه فسمي ذلك أفولاً لقربه من الأفول التام على تجوز في التسمية، ثم بزغت الشمس على ذلك، وهذا الترتيب يستقيم في الليلة الخامسة عشرة من الشهر إلى ليلة عشرين، وليس يترتب في ليلة واحدة كما أجمع أهل التفسير إلا في هذه الليالي، وبذلك التجوز في أفول القمر، و {أفل} في كلام العرب معناه غاب، يقال: أين أفلت عنّا يا فلان، وقيل معناه ذهب. قال القاضي أبو محمد: وهذا خلاف في عبارة فقط، وقال ذو الرمة: [الطويل] شعر : مصابيحُ لَيْسَتْ باللّواتي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بالآفِلاتِ الدّوالِكِ تفسير : وقال {الآفلين} فجمع بالياء والنون لما قصد الأرباب ونحو ذلك وعلى هذا يخرج قوله في الشمس {هذا ربي} فذكر الإشارة إليها لما قصد ربه وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: "رَأَى" بفتح الراء والهمزة، وقرأ نافع بين الفتح والكسر، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما، وقرأ أبو عمرو بن العلاء، بفتح الراء وكسر الهمزة، وقوله تعالى: {فلما رأى القمر بازغاً} الآية، البزوغ في هذه الأنوار: أول الطلوع، وقد تقدم القول فيما تدعو إليه ألفاظ الآية وكون هذا الترتيب في ليلة واحدة من التجوز في أفول القمر لأن أفوله لو قدرنا مغيبه في المغرب لكان ذلك بعد بزوغ الشمس وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار و {يهدني} يرشدني وهذا اللفظ قول من قال: النازلة في حال الصغر، و"القوم الضالون" عبدة المخلوقات، كالأصنام وغيرها وإن كان الضلال أعمّ من هذا فهذا هو المقصود في هذا الموضع.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ} ستره، الجِن والجَنين لاستتارهما، والجنة والجنون والمجن لسترها. {رَءَا كَوْكَباً} قيل هو الزهرة طلعت عشاء. {هَذَا رَبِّى} في ظني، قاله حال استدلاله، أو اعتقد أنه ربه، أو قال ذلك وهو طفل، لأن أمه جعلته في غار حذراً عليه من نمروذ فلما خرج قال: ذلك قبل قيام الحجة عليه، لأنه في حال لا يصح منه كفر ولا إيمان، ولا يجوز أن يقع من الأنبياء ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ـ شرك بعد البلوغ، أو قاله على وجه التوبيخ والإنكار الذي يكون مع ألف الاستفهام أو أنكر بذلك عبادته [الأصنام] إذ كانت الكواكب لم تضعها يد بشر ولم تعبد لزوالها فالأصنام التي هي دونها أجدر. {لآ أُحِبُّ الأَفِلِينَ} حب الربّ المعبود، أفل: غاب.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} الآية: جَنَّ اللَّيْلُ: ستَرَ وغطَّىٰ بظلامه، ذهب ابن عباس وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه وقبل البلوغ والتكليفِ، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفاً، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ: إنه ٱستفْهَمَ قومَهُ؛ علَىٰ جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي: هذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأَىٰ له منجِّموه أنَّ مولوداً يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك علَىٰ يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحَبَالَىٰ، ويوكِّل بهن حُرَّاساً، فمن وضَعَتْ أنثَىٰ، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَراً، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذَّىٰ بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ ونحو هذا، وحُكِيَ: بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ: بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل: خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم. فإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصَّة في الغارِ في حال الصَّبْا، وعدمِ التكليفِ؛ علَىٰ ما ذهب إليه بعض المفسِّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينقسمُ علَىٰ وجْهين: إما أنْ يجعل قوله: {هَـٰذَا رَبِّي} تصميماً وٱعتقاداً، وهذا باطلٌ؛ لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء ـــ صلوات اللَّه عليهم ـــ، وإما أنْ نجعله تعريضاً للنظر والاستدلال؛ كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي؛ إنْ عَضَّدتَ ذلك الدلائلُ. وإن قلنا: إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّماً ولا مُعَرِّضاً للنظر؛ لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو ـــ عليه السلام ـــ منزَّه معصوم من ذلك كلِّه؛ فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام؛ كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد: علَىٰ زعمكم؛ كما قال تعالَىٰ: {أية : أَيْنَ شُرَكَائِيَ} تفسير : [النحل:27]، أي: على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحْرَىٰ كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك؛ فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ؛ أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحْرَىٰ أنْ يبين ذلك فيها؛ ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ: {إِنّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، قلت: وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في «الشفا»؛ قال: وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه، ومستدلاًّ عليهم. قال * ع *: ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور؛ لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزُّهْرَةُ في قولِ قتادة، وقال السُّدِّيُّ: هو المشتري جانحاً إلى الغروب، فلما أَفَلَ بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فَسَرَى الليل أجْمَعُ، فلما بزغَتِ الشمسُ، زال ضوء القمرِ قبلها؛ لانتشار الصباحِ، وخَفِيَ نوره، ودنا أيضاً مِنْ مغربه، فسمَّىٰ ذلك أفولاً؛ لقربه من الأُفُولِ التامِّ؛ علَىٰ تجوُّز في التسمية، وهذا الترتيبُ يستقيمُ في الليلة الخامسةَ عَشَرَ من الشَّهْر إلى ليلة عشْرين، وليس يترتَّب في ليلةٍ واحدة؛ كما أجمع أهل التفسير، إلاَّ في هذه الليالي، وبذلك يصحُّ التجوُّز في أفول القمر، «وأَفَلَ»؛ في كلام العرب: معناه: غاب، وقيل: معناه: ذَهَبَ، وهذا خلافٌ في العبارة فقَطْ، والبزوغُ في هذه الأنوارِ: أوَّلُ الطلوع، وما في كَوْنِ هذا الترتيب في ليلةٍ من التجوُّز في أفول القمر؛ لأنَّ أفوله لو قدَّرناه مَغِيبَهُ، لكان ذلك بَعْد بزوغ الشمسِ، وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبارُ، و {يَهْدِنِي}: يرشدْنِي؛ وهذا اللفظ يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حالِ الصِّغَر، والقومُ الضالُّون هنا عبدةُ المخلوقاتِ؛ كالأصنام وغيرها، ولما أفَلَتِ الشمسُ، لم يبقَ شيءٌ يمثِّل لهم به، فظهرَتْ حُجَّته، وقَوِيَ بذلك علَىٰ منابذتهم والتبرِّي من إشراكهم، وقوله: {إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}: يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حال الكِبر والتكليفِ، و {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}، أي: أقبلْتُ بقَصْدي وعبادتِي وتوحيدِي وإيمانِي للذي فَطَر السمواتِ والأرْضَ، أي: ٱخترعها و {حَنِيفاً}: أي مستقيماً، والحَنَف: المَيْل؛ فكأنه مال عن كلِّ جهةٍ إلى القِوَامِ.

ابن عادل

تفسير : قوله: "فَلَمَّا جَنَّ" يجوز أن تكون هذه الجملة نَسَقاً على قوله: "وإذْ قاَلَ إبْرَاهِيمُ" عطفاً للدليل على مدلوله، فيكون "وكَذلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ" معترضاً كما تقدم، ويجوز أن تكون مَعْطُوفَةً على الجملة من قوله: "وكَذلِكَ نُري إبراهيم". قال ابن عطيَّة: "الفاء" في قوله: "فَلَمَّا" رَابِطَةٌ جملة ما بعدها بما قبلها، وهي ترجح أن المراد بالملكوت التَّفْضِيلُ المذكور في هذه الآية، والأوَّل أحسن، وإليه نحا الزمخشري. و"جَنَّ": سَتَرَ وقد تقدم اشْتِقَاقُ هذه المادة عند ذكر {أية : ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة:35] وهنا خصوصية لذكر الفِعْلِ المسند إلى الليل يقال: جَنَّ عليه الليل, وأجن عليه بمعنى: أظْلَمَ فيستعمل قاصراً، وجَنَّةُ وأجَنَّةُ، فيستعمل متعدياً فهذا مما اتفق فيه فَعَلَ وأفْعَلَ لزوماً وتعدياً إلا أن الأجْوَدَ في الاستعمال جَنَّ عليه الليل, وأجنه الليل، فيكون الثلاثيّ لازماً وأفعل متعدياً. ومن مجيء الثلاثي متعدياً قوله: [المتقارب] شعر : 2212- وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَى وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأدْهَمُ تفسير : ومصدره جَنٌّ وجنان وجنون. وفرق الرَّاغِبُ بين "جَنَّه" و "أجَنَّه"، فقال: جنه إذا سترَهُ، وأجنه جعل له ما يجنه، كقولك: قَبَرْتُهُ وأقْبَرتُهُ، وسَقَيْتُهُ وأسْقَيْتُهُ وقد تقدم لك شيء من هذا عند ذكر "حزن" و "أحزن" [البقرة: 38] ويحتمل أن يكون "جنَّ" في الآية الكريمة متعدياً حذف المفعول فيها، تقدير: جَنَّ عليه الأشْيَاء والمبصرات. قوله: "رَأى كَوْكَباً" هذا جواب "لمَّا"، وللقراء فيه وفيما بعده من الفعلين خلافٌ كبير بالنسبة إلى الإمالةِ وعدمها، وتلخيصه أن "رأى" الثابت الألف فأمال رَاءَهُ وهمزته إمالة مَحْضَة الأخوان، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأمال الهمزة منه فقط دون الراء أبو عَمْرٍو وبكماله، وأمال السوسي بخلاف عنه عن ابن عَمْرٍو الراء أيضاً، فالسوسي في أحد وَجْهَيْهِ يوافق الجماعة المتقدمين، وأمال وَرْشٌ الراء والهمزة بَيْنَ بَيْنَ من هذا الحرف، حيث وقع هذا كله ما لم يَتِّصِلْ به ضمير نحو ما تقدم، فأما إن اتَّصَلَ به ضمير نحو: {أية : فَرَآهُ فِي سَوَآءِ} تفسير : [الصافات:55] {أية : فَلَمَّا رَآهَا} تفسير : [النمل:10] {أية : وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [الأنبياء:36]، فابن ذكوان عنه وجهان، والباقون على أصولهم المتقدمة. وأما "رأى" إذا حذفت ألفه فهو على قسمين: قسم لا تعود فيه ألبتة لا وَصْلاً ولا وَقْفاً، نحو: {أية : رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ} تفسير : [الفرقان:12] {أية : رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [يونس:54] فلا إمالة في شيء منه، وكذا ما انقلبت ألفه ياءً نحو: {أية : رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ} تفسير : [الإنسان:20]. وقِسْمٌ حُذِفَتْ أله لالتِقَاءِ السَّاكنين وصْلاً، وتعود وَقْفاً نحو: {أية : رَأَى ٱلْقَمَرَ} تفسير : [الأنعام:77] {أية : رَأَى ٱلشَّمْسَ} تفسير : [الأنعام: 78] {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} تفسير : [الكهف:53] {أية : وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [النحل:85] فهذا فيه خلاف أيضاً بين أهل الإمالة اعتباراً باللفظ تارة، وبالأصل أخرى، فأمال الراء وحدها من غير خلاف حمزة وأبو بكر عن عَاصِمٍ والسُّوسي بخلاف عنه وحده، وأما الهمزة فأمَالَهَا مع الراء أبو بكر والسُّوسي بخلاف عنهما، هذا كله إذا وصلت،أما إذا وقفت فإن الألف تَرْجِعُ لعدم المُقْتَضِي لِحَذْفِهَا، وحكم هذا الفعل حينئذ حكم ما لم يَتَّصِلْ به سَاكِنٌ فيعود فيه التَّفْصِيلُ المُتقدِّم، كما إذا وقفت على "رأى" من نحو: {أية : رَأَى ٱلْقَمَرَ} تفسير : [الأنعام:77]. فأمَّا إمالة الرَّاء من "رأى" فلإتباعها لإمالة الهمزة، هكذا عبارتهم، وفي الحقيقة الإمالة إنما هي الألف لانْقِلابها عن الياء، والإمالة أن تنحي بالألف نحو الياء وبالفتحة قبلها نحو الكسرة، فمن ثمَّ صحَّ أن يقال: أميلت الراء لإمالة الهمزة، وأما تفصيل ابن ذَكْوَانَ بالنسبة إلى اتِّصالِهِ بالضمير وعدمه، فوَجْهُهُ أن الفعل لما اتَّصَلَ بالضمير بعدت ألفه عن الظَّرْفِ، فلم تُمَلْ. ووجه من أمال الهمزة في "رَأى القَمَرَ" مُرَاعَاة للألف وإن كانت محذوفة، إذ حذفها عَارِضٌ، ثم منهم من اقْتَصَرَ على إمالة الهمزة؛ لأن اعتبار وُجُودهَا ضعيفٌ، ومنهم من لم يَقْتَصِرْ أعطى لها حكم الموجودة حَقِيقَةً، فأتبع الراء للهمزة في ذلك. والكوكب: النجم، ويقال فيه كَوْكَبَةٌ. وقال الراغب: "لا يقال فيه أي في النجم: كوكب إلا عند ظُهُوره". وفي اشتقاقه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من مادة "وَكَبَ" فتكون الكَافُ زائدةً، وهذا القول قاله الشيخ رضي الدين الصَّغاني قال رحمه الله تعالى: "حق كَوْكَب أن يُذكَرَ في مادة "وَكَبَ" عن حُذَّاق النحويين، فإنها وردَتْ بكاف زائدةٍ عندهم، إلا أنَّ الجوهري أوردها في تركيب "ك و ك ب" ولعلَّه تبع في ذلك اللَّيْثَ، فإنه ذكره في الرباعي ذاهباً إلى أن الواو أصْلِيَّةٌ". فهذا تصريح من الصَّغَاني بزيادة الكاف, وزيادة الكاف عند النحويين لا يجوز، وحروف الزيادة مَحْصُورةٌ في تلك العشرة، فأما قولهم: "هِنْدِيُّ وهِنْدِكيّ" بمعنى واحدٍ، وهو المنسوب إلى "الهند"، وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2213- ومُقْرَبَةٍ دُهْمٍ وَكُمْتٍ كَأنَّهَا طَمَاطِمُ مِنْ فَوْقِ الوِفَازِ هَنَادِكُ تفسير : فظاهره زيادة الكاف، ولكن خَرَّجَهَا النحويون على أنه من باب "سبط وسبطر" أي: مما جاء فيه لَفْظَان، أحدهما أطول من الآخر، وليس بأصْلٍ له، فكما لا يُقَالُ: الراء زائدة باتِّفاقٍ، كذلك هذه الكاف، وكذلك قال أبو حيَّان: "وليت عشري، من حُذَّاق النحويين الذين يَرَوْنَ زيادتها لا سيَّما أول الكلمة". والثاني: أن الكلمة كُلَّهَا أصُولٌ رباعية مما كُرِّرَتْ فيها الفاء، فوزنها فَعْفَل كـ "فَوْفَل" وهو بناء قليل. والثالث: ساق الرَّاغب أنه من مادة: كَبَّ وكَبْكَبَ، فإنه قال: والكَبْكَبَةُ تَدَهْوُرُ الشيء في هُوَّة، يقل: كَبَّ وكَبْكَبَ، نحو: كَفَّ وكَفْكَفَ، وصرَّ الريح وصَرْصَرَ. والكواكب النجوم البادية، فظاهر هذا السِّياقِ أن الواو زائدة، والكاف بَدَلٌ من إحدى الياءين وهذا غريب جداً. قوله: "قال هذا ربي" في "قال" ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه استئناف أخبر بذلك القول، أو استفهم عنه على حسب الخلاف. والثاني: أنه نعت لـ "كَوْكَباً" فيكون في محلِّ نصب، وكيف يكون نعتاً لـ "كوكباً" ولا يساعد من حَيْثُ الصِّناعةِ، ولا من حيث المعنى؟ أما الصِّناعةُ فلعدم الضمير العائد من الجملة الواقعة صِفَةً إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابط حَصَلَ باسم الإشارة؛ لأن من الجملة الواقعة صِفَةً إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابط حَصَلَ باسم الإشارة؛ لأن ذلك خَاصُّ بباب المبتدأ والخبر، ولذلك يكثر حَذْفُ العائد من الصِّفة، ويقلُّ من الخبر، فلا يَلْزَمُ من جوازِ شيء في هذا جوازُهُ في شيء، وادِّعاء حذفت ضمير بعيد، أي قال فيه: هذا رَبَّي، وأمَّا المعنى فلا يُؤدِّي إلى أن التَّقدير: رأى كوكباً مُتَّصِفاً بهذا القَوْلِ، وذلك غير مراد قطعاً. والثالث: أنه جوابُ "فَلَمَّا جَنَّ" وعلى هذا فيكون قوله: "رأى كوْكَباً" في محل نصْبٍ على الحال, فلما جَنَّ عليه الليل رائياً كوكباً و "هذا ربِّي" مَحْكِيٌّ بالقول, فقيل: هو خبر مَحْضٌ بتأويل ذكره أهْلُ التفسير. وقيل: بل هو على حَذْفِ همزة الاستفهام، أي: أهذا ربي، وأنشدوا: [الطويل] شعر : 2214- لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وَإنْ كُنْتُ دَارِياً بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ تفسير : وقوله: [المنسرح] شعر : 2215- أفْرَحُ أرْزَأ الكِرَامَ وَأنْ أورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلاَ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2216- طَرِبْتُ وَمَا شَوْقاً إلى البِيضِ أطْرَبُ وَلاَ لِعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ تفسير : وقوله: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} تفسير : [الشعراء:22] قالوا: تقديره أبسبع؟ وأأفرح؟ وأذو؟ وأتلك؟ قال ابنُ الأنْبَارِيّ: "وهذا لا يجوز إلا حَيْثُ يكون ثمَّ فاصلٌ بين الخبر والاستفهام، إن دلَّ دليل لفظي كوجود "أم" في البيت الأول، بخلاف ما بعده". والأفُولُ: الغَيْبَةُ والذَّهَابُ؛ يقال: أفَلَ يأفُلُ أفُولاً. قال ذو الرمة: [الطويل] شعر : 2217- مَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوَاتِي تَقُودُهَا نُجُومٌ ولا بالآفلاتِ شُمُوسُهَا تفسير : والإفَالُ: صِغَارُ الغَنَم. والأفيلُ: الفَصِيلُ الضَّئِيلُ. فصل في بيان رؤية الملك قال أكثر المفسرين: أن مَلِكَ ذلك الزَّمانِ رأى رُؤيا وعبرها المعبرون بأنه يُوَلدُ غلام يكون هلاكُ مُلْكِهِ على يَدَيْهِ، فأمر بذح كُلِّ غلام يُولدُ، فحملت أمُّ إبراهيم به، وما أظهرت حَمْلَهَا للناس، فلما جاءها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ، ووضعت إبراهيم - علي السلام - وسدَّت الباب بِحَجَرٍ فجاء - جبريل - عليه السلام - ووضع أصْبَعَهُ في فَمِهِ, فخرج منه رِزْقُهُ, وكان يتعَهَّدُهُ جبريل - عليه السلام - وكانت الأمُّ تأتيه أحياناً تُرْضِعُهُ، وبقي على هذه الصفة حتى كَبِرَ وعَقِلَ، وعرف أنه له رَبَّا، فسأل أمه فقال لها: مَنْ رَبي؟ قالت: أنا، فقال: ومَنْ رَبُّك؟ قالت: أبوك فقال: ومن رَبُّ أبي؟ فقالت: مَلِكُ البلد. فعرف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - جَهَالتها بربها، فنظر من باب ذلك الغارِ ليرى شيئاً يَسْتَدِلُّ به على وجود الرَّبِّ - سبحانه وتعالى - فرأى النَّجْمَ الذي كان هو أضْوَءَ نجم في السماء. فقيل: كان المشتري، وقيل: كان الزهرة، فقال: هذا ربِّي إلى آخر القِصَّةِ. ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: هذا كان بعد البُلُوغِ، ومنهم من قال: كان هذا قَبْلَ البُلُوغِ والتكليف، واتَّقَقَ أكثر المحققين على فَسَادِ هذا القول. وقالوا: لا يجوز أن يَكُونَ لله رَسُولٌ يأتي عليه وَقْتٌ من الأوْقَاتِ إلا وهو مُوَحِّدٌ به عارف، ومن كُلِّ معبود سواه بَرِيءٌ، وكيف يتوهَّمُ هذا على من عَصَمَهُ الله وطَهَّرَهُ وآتاه رُشدَهُ من قَبْلُ، وأخبر عنه فقال تعالى: {أية : إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الصافات: 84]. وأراه ملكوت السَّمواتِ والأرض، أفتراه أراه الملكُوتَ ليُوقِنَ؟ فلما أيْقَن رأى كوكباً قال: "هذا ربي" معتقداً فهذا لا يكون أبداً. واحتجوا بوجوه: أحدها: أن القول بِرُبُوبيَّةِ الجماد كُفْرٌ بالإجماع، والكفر لا يجوز على الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام - بالإجماع. والثاني: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان قد عرف رَبَّهُ قَبْل هذه الواقعة بالدليل؛ لأنه أخبر عنه أنه قال قَبل هذه الواقعة لأبيه آزر {أية : أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام:74]. الثالث: حكي عنه أنه دعا أباه إلى التَّوحيد، وتَرْكِ عبادة الأصْنامِ بالرِّفْقِ حيث قال: {أية : يَٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم:42] وحكي في هذا الموضع أنه دعا أباهُ إلى التوحيد، وتَرْكِ عبادة الأصنام بالكلام الخشنِ، ومن المعلوم أن من دعا غَيْرَهُ إلى الله، فإنه يُقَدِّمُ الرِّقْقَ على العُنْفِ، ولا يخوض في التَّغْلِيظِ إلا بعد اليَأسِ التام، فدلَّ على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه مراراً، ولا شكَّ أنه إنما اشْتَغَلَ بدعوة أبيه بعد فراغِهِ من مُهِمِّ نفسه، فَثَبَتَ أن هذه الواقعة إنما وَقَعَتْ بعد أن أراه الله مَلَكُوتَ السَّمواتِ والأرض، ومن كان مَنْصِبُهُ في الدِّين كذلك، وعلمه بالله كذلك، فكيف يليق به أن يعتقد ألُوهيَّة الكواكِبِ؟ الرابع: أنَّ دلائل الحُدُوثِ في الأفْلاكِ ظَاهِرَةٌ من وجوه كثيرة، ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقلّ العُقلاءِ نَصِيباً من العَقْلِ والفَهْمِ أن يقول بربوبية الكواكب فَضْلاً عن أعْقَلِ العُقلاءِ، وأعْلَمِ العلماء؟ الخامس: أنه قال في صفته {أية : إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الصافات:84] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء:51] أي: آتيناه رشده من قَبْلِ أوَّل زمان الفكرة وقوله {وكنا به عالمين} أي بطهارته وكماله, ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام:124]. السادس: قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام:75] أي: بسب بتلك الإراءة يكون من الموقنين، ثم قال بعده: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْل} و"الفاء" تقتضي الترتيب، فدلَّت الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْل} على أن هذه الواقعة حصلت بعد أن صار من الموقنين العارفين بربِّهِ. السابع: أن هذه الواقعة إنما حَصَلَتْ بسبب مُنَاظَرَةِ إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع قومه، لأنه - تعالى - لما ذكر هذه القصة قال: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام:83] ولم يقل: على نفسه، فعلم أن هذه المُبَاحَثَة إنما جَرَتْ مع قومه؛ لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجلِ أن إبراهيم - عليه السلام - كان يطْلُبُ الدِّينَ والمعرفة لنفسه. الثامن: أن قولهم: إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والشمس والقمر حال كونه في الغَارِ باطل؛ لأن لو كان الأمْرُ كذلك، فكيف يقول: يا قوم إني بَريءٌ مما تشركون، مع أنه كان في الغارِ لا قَوْمَ ولا صَنَمَ. التاسع: قوله: {أية : وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} تفسير : [الأنعام:80] فكيف يُحَاجُّونه وهم لم يَرَوْهُ ولم يرهم، وهذا يَدُلُّ على أنه - عليه الصَّلاة والسلام - إنما اشتغل بالنَّظَرِ في الكواكب والشمس والقمر بعد مُخَالطةِ قومه، ورآهم يَعْبُدُونَ الأصنام، ودعَوْهُ إلى عِبَادتَهَا، فقال: {لا أحِبُّ الآفلينَ} ردَّا عليهم، وتَنْبيهاً على فَسَادِ قولهم. العاشر: أنه - تعالى - حُكِيَ عنه أنه قال للقوم: {أية : وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام:81] وهذا يَدُلُّ على أن القوم خَوَّفُوهُ بالأصْنَام كما قال قوم هود عليه الصلاة والسلام: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} تفسير : [هود:54] وهذا الكلام لا يليقُ بالغَارِ. الحادي عشر: أن تلك اللَّيْلَة كانت مَسْبُوقَةً بالنهار، ولا شك أن الشمس كانت طَالِعَةً في اليوم المتقدم، ثم غَرَبَتْ، فكان ينبغي أن يستدلَّ بغروبها السَّابق على أنها لا تصلح للإلهية، وإذا بَطَلَ صَلاحيَّةُ الشمس للإلهية بطل ذلك في القمرِ والكوكب بطريق الأوْلَى. هذا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المَعْرِفَةِ لنفسه، أما إذا قلنا: المقصود منها إلْزَامُ القَوْمِ وإلجَاؤُهُمْ، فهذا السؤال غير وَاردٍ، لأنه يمكن أن يقال: إنه إنما اتَّقَقَتْ مُكالَمَتُهُ مع القوم حالَ طُلُوع ذلك النجم، ثم امْتَدَّت المُنَاظَرَةُ إلى أنْ طَلَعَ القمر، وطلع الشمس بعده، وعلى هذا التقدير فالسُّؤالُ غير واردٍ، فثبت بهذه الدلائل الظَّاهرة أنه لا يجوز أن يقال: إن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- قال على سبيل الجَزْمِ "هذا ربي"، وإذا بطل بقي ها هنا احْتِمَالانِ: الأول: أن يقال: هذا كلام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بعد البلوغ, ولكن ليس الغَرَضُ منه إثبات رُبُوبيَّةِ الكواكب, بل الغرض منه أحد أمور ستة: أولها: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لم يقل: "هذا ربي" على سبيل الإخبار، بل الغَرَضُ منه أنه كان يُنَاظِرُ عَبَدَةَ الكواكب، وكان مذهبهم أن الكواكب رَبُّهُمْ، فذكر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ذلك القَوْلَ الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم، حتى يرجع إليه فَيُبْطلَهُ كما يقول الواحد منا إذَا نَاظَرَ مَنْ يقول بِقدمِ الجِسْمِ، فيقول: الجسم قَدِيمٌ فإن كان كذلك فَلِمَ نراه؟ ولم نشاهده مركّباً متغيراً؟ فقوله: الجسم قديم إعادةٌ لكلام الخَصْمِ حتى يلزم المُحَال عليه، فكذا هاهنا قال: "هَذَا ربِّي" حكايةً لقول الخَصْمِ، ثم ذكر عَقِيِبَهُ ما يَدُلُّ على فساده، وهو قوله: {لاۤ أُحِبُّ ٱلأَفِلِين}، ويؤيد هذا أنه - تعالى - مَدَحَهُ في آخر الآية على هذه المُنَاظَرَةِ بقوله: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام:83]. وثانيها: أن قوله تعالى: "هَذَا رَبِّي" في زعمكم واعتقادكم، فلما غاب قال: لو كان إلهاً لما غاب كما قال: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان:49]، أي: عند نفسه وبزعمك، وكقوله تعالى: {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} تفسير : [طه:97] يريد إلهك بزعمك، وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} تفسير : [القصص:62] أي: في زعمهم. وثالثها: أن المراد منه الاسْتِفْهَامُ على سبيل الإنكار، تقديره: أهَذَا ربِّي، إلا أنه أسقط حرف الاسْتِفْهَام اسْتِغْنَاءً لدلالة الكلام عليه، كقوله {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُون} تفسير : [الأنبياء:34]. ورابعها: أن يكون القول مُضْمراً فيه، والتقدير: يقولون: هذا رَبِّي، وإضمار القول كثير كقوله: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا} تفسير : [البقرة:127] أي يقولون: ربنا، وقوله: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر:3] أي: يقولون: ما نعبدهم، فكذا ها هنا تقديره: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - قال لقومه: يقولون: هذا ربي، أي: هذا الذي يُدَبِّرُني ويُرَبِّيني. خامسها: أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ذكر هذا الكلام على سبيل الاسْتِهْزَاءِ. سادسها: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان مَأمُوراً بالدعوة، فأراد أن يَسْتَدْرِجَ القوم بهذا القول، ويعرفهم خَطَاهُمْ وجَهْلهُمْ في تعظيم ما عَظَّمُوهُ، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، فذكر كلاماً يُوهِمُ كونه مُسَاعداً لهم على مَذْهَبِهِمْ، وقلبه مطمئن بالإيمان، ومَقْصُودُهُ من ذلك أن يريهم النَّقْصَ الدَّاخلَ على فَسَادِ مَذْهَبِهِمْ وبُطلانِهِ، فأراهم أنه يعظم ما عظموه، فلما أفَلَ أراهم النَّقْصَ الدَّاخلَ على النجوم ليريهم، ويثبت خَطَأ ما يدَّعُون كمثل الحواري الذي وَرَد على قَوْمٍ يعبدون الصَّنَمَ فأظْهَرَ تعظيمه فأكرموه حتى صدروا عن رأيِهِ في كثير من الأمُورِ إلى أن دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ فَشَاوَرُوُه في أمْرِهِ، فقال: الرأي أن تَدْعُوا هذا الصَّنَمَ حتى يَكْشِفَ عَنَّا ما قد أظلنا, فاجتمعوا عليه يَتَضَرَّعُونَ, فلما تبيَّنَ لهم أنه لا يَنْفَعُ ولا يدفع, دعاهُمْ إلى أن يَدْعُوا الله، فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يَحْذَرُونَ وأسلموا. واعلم أن المأمور بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المُكْرَهِ على كلمة الكفر, وهو عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكُفْرِ على اللسان؛ قال تعالى {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل:106] وإذا جاز ذكر كلمة الكُفْرِ لإصلاح بقاء شخص واحد فَبِأنْ يجوز إظهار كلمة الكُفْرِ لتخليص عالم من العقلاء عن الكُفْرِ والعقاب المُؤبَّدِ أوْلى. وأيضاً المُكُرَهُ على ترك الصلاة، ثم صلَّى حتى قتل، استحقَّ الأجْرَ العظيم، ثم إذا كان وقْتُ القتالِ مع الكفار، وعلم أنه لو اشتغل بالصَّلاةِ انهزم عَسْكَرُ الإسلام وجب عليه تَرْكُ الصَّلاةِ، والاشتغال بالقتال، حتى لو صلَّى وترك القتال أثِمَ، ولو ترك الصلاة وقاتل، استحق الثُّوابَ، بل نقول: إنَّ مَنْ كان في الصلاة ورأى طِفْلاً، أو أعمى أشرف على الحَرْقِ أو غَرَقٍ، وجب عليه قَطْعُ الصلاة لإنقاذ الطفلِ، والأعمى من البلاء, فكذا ها هنا تكلم إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - بهذه الكلمات ليظهر من نفسه مُوافقةَ القوم، حتى إذا أورد عليهم الدَّليل المُبْطل لقولهم، كان قَبُولُهُمْ لذلك الدليل أتَمَّ، وانتفاعهم به أكْمَلَ، ويقوي هذا الوجه أنه - تعالى - حكى عنه مثل هذا الطريق في قوله: {أية : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} تفسير : [الصافات:88-90]. وذلك لأنهم كانوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النجوم على حصول الحوادثِ المستقبلة، فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظَّاهرِ، مع أنه كان بِرِيئاً عنه في الباطنِ، ومقصوده أن يتوسَّل بهذا الطريق إلى كَسْرِ الأصنام، فإذا جازت المُوافقةُ في الظاهر هاهنا مع كونه بريئاً عنه في الباطِنِ، فلمَ لا يجوز أن يكون في مَسْألَتِنَا كذلك؟ وأما الاحتمال الثاني: فهو أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - ذكر هذا الكلامَ قبل البلوغ، وتقريره أن يقال: كان قَدْ خُصَّ إبراهيم - عليه السلام - بالعقل الكامل، والقَريحةِ الصَّافية، فخطر ببالِهِ قبل بلوغه إثبات الصانع - تعالى - فتفكَّرَ فرأى النجوم، فقال: "هَذّا رَبِّي" فلمَّا شاهد حَرَكاتِهِ قال: {لا أحِبُّ الآفلين} ثم إنه - تعالى - أكمل بلوغه في قوله تعالى: {أية : قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام:78]. والاحتمال الأول أوْلَى بالقبول؛ لما ذكرنا من الدلائل. فإن قيل إن إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - استدلَّ بأفُولِ الكواكب، على أنه لا يجوز أن يكون رَبَّا له، والأفُولُ عبارة عن غَيْبُوبَةِ الشيء بعد ظهوره فيدلُّ على الحدوث من حيث إنه حركة، وعلى هذا التقرير فيكون الطُّلُوعُ أيضاً دليلاً على الحدوث، فَلِمَ ترك إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الاسْتدلال على حدوثها بالطلوع، وعوَّل في إثبات هذا المطلوب على الأفُولِ؟ الجواب: أن الطلوع والأفُولَ يشتركان في الدلالة على الحدوث، إلا أن الدَّليلَ الذي يحتج به الأنبياء في مَعْرَضِ دعوة الخَلْقِ كلهم إلى الله لا بُدَّ وأن يكون ظاهراً، بحيث يشترك في فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ، والعاقل والغافل، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يَقِينيَّةً إلا أنها دَقِيقَةٌ لا يعرفها إلا الأفَاضِلُ من الخَلْقِ، أما دلالة الأفُولِ على هذا المقصود، فإنها ظَاهِرةٌ يعرفها كل أحَدٍ، فإن الآفِلَ يزول سُلْطَانُهُ وَقْتَ الأفُولِ، فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتمَّ, وأيضاً فيحتمل أنه إنما اسْتَدَلَّ بالفُولِ من حيث إن الأفول غيبوبة، فإن الإله المَعْبُودَ العالم العادل لا يغيب، ولهذا استدلَّ بظهور الكواكب، وبُزُوغِ القمر والشمس على الإلهية، واستدلَّ بأفولهم على عدمِ الإلهية، ولم يتعرض للاستدلالَ بالحركة، وهل هي تَدُلُّ على الحدوث أم لا؟ قال ابن الخطيب: وفيه دقيقة وهو أنه - عليه الصَّلاة والسلام - إنما كان يُنَاظِرُهُمْ وهم كانوا مُنَجِّمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان الرُّبْعِ الشرقي، ويكون صاعداً إلى وسطِ السماء كان قويَّاً عظيم التأثير، أما إذا كان غربيَّا وقريباً ومن الأفُولِ، فإنه يكون ضَعيفَ الأثَر قليل القُوَّة، فَنَبَّهَ بهذه الدقيقة على ان الإله هو الذي تتغير قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ، وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الرُّبْعِ الغربي يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير, عاجزاً عن التَّدبير، وذلك يَدُلُّ على القَدْح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مَزِيدَ خاصية في كونه موجباً لِلْقَدْح في إلهيته والله أعلم. فإن قيل: إن تلك اللَّيْلَة كانت مَسْبُوقَةً بنهارٍ وليل، فكان أفُولُ الكواكب والقمر والشمس حاصلاً في الليل السَّابق والنهار السابق، وبهذا التقدير لا يبقى للأفولِ الحاصل في تلك الليلة فَائدةٌ؟ فالجواب: أنا قد بَيَّنَّا أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - إنما أورد هذا الدَّليلَ على القوم الذين كان يدعوهم من عِبَادَةِ النجوم إلى التوحيد، فلا يَبْعُدُ أن يقال: إنه - عليه الصلاة والسلام - كان جالساً مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي، فَزَجرهُمْ عن عبادة الكواكب، فبينما هو في تَقْريرِ ذلك الكلام، إذ رفع بَصَرَه إلى كوكب مُضيء، فلما أفَلَ قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: لو كان هذا الكوكب إلهاً لما انْتَقَلَ من الصُّعُودِ إلى الأفُولِ ومن القُوَّةِ إلى الضعف، ثم في أثناء ذلك الكلام طَلَعَ القمر وأفَلَ فأعاد عليهم ذلك، وكذا القول في الشمس. فصل في الدلالة في الآية دَلَّت الآية على أحكام: أحدها: دلَّتْ على أنه ليس بِجِسْمٍ، إذ لو كان جِسْماً غائباً أبداً لكان آفلا أبداً. وأيضاً يمتنع أن يكون - تعالى - بحيث ينزل من العَرْشِ إلى السماء تَارةً، ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلاَّ يحصل معنى الأفول. وثانيها: دَلَّتِ الآية على أنه - تعالى - ليس مَحَلاً للصِّفاتِ المحدثة، كما يقول الكرامية، وإلاَّ لكان متغيراً, وحينئذ يحصل معنى الأفولِ، وذلك مُحَالٌ. ثالثها: دلَّتِ الآية على أنَّ الدين يجب أن يكون مَبْنِياً على الدليل، لا على التَّقْلِيدِ، وإلاَّ لم يكن لهذا الاسْتِدْلالِ فَائِدَةٌ. ورابعها: دلَّتِ الآية على أن معارف الأنبياء بربِّهِمُ اسْتِدْلاليَّةٌ لا ضرورية، وإلاَّ لما احتاج إبراهيم - عليه السلام - إلى الاستدلال. وخامسها: دلَّتِ الآية على أنه لا طَرِيقَ إلى تحصيل معرفة الله - تعالى - إلاَّ بالنَّظَرِ والاستدلال في أحْوالِ مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخَر لما عدلَ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لهذه الطريقة.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ} على الأول وهو الحق المبـين عطفٌ على (قال إبراهيم) داخلٌ تحت ما أُمر بذكره بالأمرِ بذكرِ وقتِه، وما بـينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ لما سبق وما لحِق، فإن تعريفَه عليه السلام ربوبـيتَه ومالكيتَه للسمواتِ والأرض وما فيهما وكونَ الكلِّ مقهوراً تحت ملكوتِه مفتقِراً إليه في الوجود وسائرَ ما يترتبُ عليه من الكمالات، وكونَه من الراسخين في معرفة شؤونه تعالى، الواصلين إلى ذُروة عينِ اليقين مما يقضي بأن يَحكُم عليه السلام باستحالة إلٰهيةِ ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكب، وعلى الثاني هو تفصيلٌ لما ذُكر من إراءةِ ملكوتِ السموات والأرض، وبـيانٌ لكيفية استدلالِه عليه السلام، ووصولِه إلى رتبة الإيقان، ومعنى (جَنّ عليه الليلُ) ستره بظلامه، وقوله تعالى: {رَأَى كَوْكَباً} جوابُ لمّا، فإن رؤيتَه إنما تتحقق بزوال نورِ الشمس عن الحسّ، وهذا صريحٌ في أنه لم يكن في ابتداءِ الطلوع بل كان غَيبتُه عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس، والتحقيقُ أنه كان قريباً من الغروب كما ستعرفه، قيل: كان ذلك الكوكبُ هو الزُّهُرَة، وقيل: هو المشتري. وقوله تعالى: {قَالَ هَـٰذَا رَبّى} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من (الجملة) الشرطيةِ السابقةِ المتفرعة على بـيان إراءتِه عليه السلام ملكوتَ السمواتِ والأرض فإن ذلك مما يحمِلُ السامعَ على استكشاف ما ظهرَ منه عليه السلام من آثار تلك الإراءةِ وأحكامِها، كأنه قيل: فماذا صنعَ عليه السلام حين رأى الكوكب؟ فقيل: قال على سبـيل الوضْع والفرضِ: هذا ربـي مجاراةً مع أبـيه وقومِه الذين كانوا يعبُدون الأصنامَ والكواكب، فإن المستدِلَّ على فساد قولٍ يحكيه على رأي خصمِه، ثم يَكُرُّ عليه بالإبطال، ولعل سلوكَ هذه الطريقة في بـيان استحالةِ ربوبـيةِ الكواكب دون بـيانِ استحالةِ إلٰهيةِ الأصنام لما أن هذا أخفىٰ بُطلاناً واستحالةً من الأول، فلو صدَعَ بالحق من أول الأمرِ كما فعله في حقّ عبادةِ الأصنام لتمادَوْا في المكابرة والعِناد، ولجُّوا في طُغيانهم يعمَهون. وقيل: قاله عليه السلام على وجه النظر والاستدلال، وكان ذلك في زمان مراهقتِه وأولِ أوانِ بلوغه، وهو مبنيٌّ على تفسير الملكوتِ بآياتهما، وعَطْفِ قوله تعالى: {لِيَكُونَ} على ما ذُكر من العلة المقدرة، وجَعْلِ قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ} الخ، تفصيلاً لما ذُكر من الإراءة وبـياناً لكيفية الاستدلال، وأنت خبـير بأن كلَّ ذلك مما يُخِلُّ بجزالة النظمِ الجليل، وجلالةِ منصِبِ الخليلِ عليه الصلاة والسلام. {فَلَمَّا أَفَلَ} أي غرٍب {قَالَ لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان، المتغيرين من حال إلى حال، المحتجبـين بالأستار، فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبـيةِ قطعاً.

السلمي

تفسير : قوله عز اسمه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} [الآية: 76]. قال بعضهم: كَمُنَ فيه كواكب الوحدانية وشموسها وأقمارها، فغلب به الشكوك فى رؤية الأقمار والنجوم والشمس. قال الواسطى رحمة الله عليه: فى قوله رأى كوكبًا قال: إنه كان يطالع الحق بسره لا الكواكب، وكذلك فى الشمس والقمر بقوله: {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} عند رجوعه إلى أوصافه بارتفاع المعنى البادى عليه، أنى لا أحب زوال ما استوفانى من لذة المشاهدة فأذهلنى عنه وأحضرنى فيه. وقال النصرآباذى: أراه بالفرع الأفول وأراه فى الأصول نفى الأفول وبطلانه فقال: {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}. وقال أيضًا: أراه الأفول حتى هيمه فيمن لا أفول له وأنشد: شعر : أَنَّ شمسَ النَّهار تَغرُبُ باللَّيلِ وشمسَ القُلُوب ليسَ تَغِيبُ تفسير : قال ابن عطاء فى هذه الآية {هَـٰذَا رَبِّي} قال: كان الأول تفريقًا للقوم، والثانى مسأله الازدياد للهداية، فلما أزال العذر والتقريع به وقام بالحجة رجع إلى البراءة. وقال: {يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وقيل هذا دليل على ربى، لأن ربى لم يزل ولا يزال ولا يزول وهذا آفل، ومن لا يقوم بنفسه، وتحويه الأماكن ويزول منها لا يكون ربًا. وقال بعضهم: لما أظلم عليه الكون وعمى عن الاختيار وألجأه الاضطرار إلى النفس، الاضطرار ورد على قلبه من أنوار الربوبية فقال: هذا ربى ثم كشف له عن أنوار الهيبة فازداد نورًا، فصاح ثم أفنى بنور الإلهية عن معنى البشرية فقال: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} ثم أبقى ببقاء الباقى فقال: {يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

القشيري

تفسير : يعني أحاطت به (سجوف) الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربي ثم يزيد في ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، فقال: {هَـٰذَا رَبِّي}. ثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها فلم يبقَ للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: {يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عَقِبَ الظهور ستر. ويقال قوله - عند شهود الكواكب والشمس والقمر - {هَـٰذَا رَبِّي} إنه كان يلاحظ الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار محواً في الله.

البقلي

تفسير : {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} ان الله سبحانه امتحن خليله بالبلايا ومن جملتها استجابة برؤية الملكوت ليشتغل بحلاوة رؤيتها عن مشاهدة القدم وكذلك امتحنه فى بدايته بمقام الالتباس عند ظهور كوكب تجلى نور الفعل الخاص صفى صورة الشعرى فنظر اليه حين جن عليه ليل الامتحان فراى بعين الارادة نور فعله الخاص الذى مشربه انوارا لصفة فقال بلسان التعجب هذا ربى فادار عليه دور الارادة وربا بنور القربة وبلغة الى مقام القلة فلما جن عليه ليل الفرقة من مقام الاول برز نور الصفة من معدن الذات وظهر من نور الفعل الخاص فى القمر له فنظر اليه وراى مشاهدة الصفة فى الفعل فقال بلسان الشوق هذا ربى فدار عليه دور الخلة ورباه بنور الوصل ةوبلغة الى مقام العشق وذوقه طعم حقيقة طرب سره وهاج شوقه الى طلب الزايدة فظهروا انوار الذات فى الصفات وظهر انوار الصفات والذات فى الافعال الخاصة ثم ظهرت انوارها فى الشمس فلما صفا وقته واندارج ظلمة ليلة الفراق طعلت عليها الشمس فنظر اليها فراى مشاهدة جلال القدم فى مراة الشمس فقال بلسان العشق هذا ربى فوصف اليه غيره القدم وجرده عن رؤية الوسائط فى رؤية القدم عند رويته اقول الأيات بنعت فنائها فى عظمة انوار القدم وانكشف له عين القدم صرفا فرمنه اليه وتوحد وحدانيته وقال للنفس الطالبة حظها من رؤية لاكون المشيرة الى كوكب الفعل لا احب الأفلين اى الساقطين فى مهوات المحو عند بروز سطوات عظمة الله وقال للعقل الطالب حظ القدرة فى رؤية القمر الذى هو مرات نور الصفة لئن لم يهدنى ربى لا كونن من القوم الضالين الذين بقوا فى مقام الالتباس عن رؤية صرف الصفات اى لئن لم يجدنى اليه لبقيت به عنه وقال للقلب المطالب حظه من مقام العشق ورعونته فى لذة المحبة فى رؤية الوسائط وفراره من الاحتراق فى نيران الكبرياء.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما جن عليه الليل} اى ستره بظلامه {رأى كوكبا} جواب لما فان رؤيته انما تحقق بزوال نور الشمس عن الحس وهذا صريح فى انه لم يكن فى ابتداء الطلوع بل كان غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس والتحقيق انه كان قريبا من الغروب قيل كان ذلك هو الزهرة وقيل هو المشترى وكلاهما من الكواكب السبعة السيارة {قال} كأنه قيل فماذا صنع عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الموافقة مع الخصم {هذا ربى} وكان ابوه وقومه يعبدون الاصنام والكواكب والمستدل على فساد قول يحكيه على رأى خصمه ثم يكر عليه بالابطال {فلما أفل} اى غرب {قال لا أحب الأفلين} اى الارباب المنتقلين من مكان الى مكان المتغيرين من حال الى حال المحتجبين بالاستار فانهم بمعزل عن استحقاق الربوبية قطعا.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن ذكوان، وحمزة والكسائي وخلف، ويحيى والكسائي عن أبي بكر (رأى) بكسر الراء وامالة الهمزة منه ومن قوله {أية : رأى أيديهم}تفسير : في هود، و {رآى قمصه} و {أية : رأى برهان ربه}تفسير : في يوسف و {أية : رأى نارا}تفسير : في طه و {أية : لقد رأى}تفسير : في النجم سبعة مواضع. وهو ما لم يقله ساكن ولم يتصل بمكنى، وافقهم العليمي في {رأى كوكبا} حسب. وقرأ أبو عمرو - بفتح الراء - وإِمالة الهمزة فيهن. الباقون بفتح الراء والهمزة. فأن لقي (رأى) ساكنا، وهو ستة مواضع ها هنا: {رأى القمر} و {رأى الشمس} وفي النحل {أية : وإذا رأى الذين أشركوا}تفسير : وفي الكهف {أية : ورأى المجرمون}تفسير : وفى الاحزاب {أية : ولما رأى المؤمنون}تفسير : بكسر الراء وكسر الهمزة فيهن حمزة وخلف وبصير وأبو بكر الا الاعشى. البرجمي. الباقون بفتح الراء والهمزة فان اتصل رأى بمكنى نحو (رآه ورآك ورآها) فكسر الراء وامال الهمزة حيث وقع حمزة والكسائى وخلف ويحيى والكسائي عن أبي بكر. وقرأ أبو عمرو والداحوني عن ابن ذكوان - بفتح الراء وامالة الهمزة - الباقون بفتحهما. قال ابو علي الفارسي: وجه قراءة من لم يملها انه ترك الامالة كما تركوا الامالة في قولهم: دعا، ورمى. فلما لم يمل الالف لم يمل الالف التي قبلها، كما أمالها من يرى الامالة ليميل الالف نحو الياء. ومن قرأ بين الفتح والكسر كما قرأ نافع، فلا يخلو أن يريد الفتحتين اللتين على الراء والهمزة، او الفتحة التي على الهمزة وحدها، فان كان يريد فتحة الهمزة فأنما أمالها نحو الكسرة ليميل الالف التي في "رأى" نحو الياء كما أمال الفتحة التي على الدال من (هدى) والميم من (رمى). وان كان يريد أنه أمال الفتحتين جميعا التي على الراء والتي على الهمزة، فإِمالة فتحة الهمزة على ما تقدم ذكره، واما امالة الفتحة التي على الراء فأنما أمالها لاتباعه اياها امالة فتحة الهمزة، كأنه امال الفتحة كما أمال الالف في قولك: رأيت عمادا، اذ الفتحة الممالة بمنزلة الكسرة فكما أميلت الفتحة في قولك: من عامر، لكسرة الراء كذلك أميلت فتحة الراء من (رأى) لامالة الفتحة التي على الهمزة. والتقديم والتأخير في ذلك سواء. ومن كسر الراء والهمزة فالوجه فيه أنه كسر الراء من (رأى) لان المضارع منه على (يفعل) واذا كان المضارع منه على (يفعل) كان الماضى على (فعل) ألا ترى ان المضارع في الامر العام اذا كان على (يفعل) كان الماضى على فعل. وعلى هذا قالوا: إِيت بيتنا، فكسروا حرف المضارعة. كما كسروا في نحو يحيى، ويعلم، ويفهم. وكسروا الياء أيضا في هذه الحروف، فقالوا: إِيتنا، ولم يكسروها في (يعلم ويفهم) اذا كان الماضى على فعل فيما يترك كسر الراء التي هي فاء، لان العين همزة. وحروف الحلق اذا جاءت في كلمة على زنة (فعل) كسرت فيها الفاء لكسر العين في الاسم والفعل، نحو قولهم: غير قعر، ورجل حبر، وفحل، وفي الفعل نحو (شهد ولعب ونعم) فكسرة الياء على هذا كسرة مخلصة محضة، وليست بفتحة ممالة، واما كسرة الهمزة فأنه يراد به امالة فتحتها الى الكسرة، لتميل الالف نحو الياء. ومن ترك الامالة اذا لقيها ساكن، فانهم كانوا يميلون الفتحة لميل الالف نحو الياء، فلما سقطت الالف بطلت امالتها بسقوطها، وبطلت بذلك امالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الالف التي كانت الفتحة الممالة لميلها نحو الياء في مثل {رأى الشمس} و {رأى القمر} ونحوهما في جميع القرآن. ومن وافق في بعض ذلك دون بعض أحب الاخذ باللبس. ووجه قراءة أبي بكر وحمزة في {رأى الشمس} و {رأى القمر} بكسر الراء وفتح الهمزة في جميع القرآن، أن كسر الراء انما هو للتنزيل الذي ذكرناه، وهو معنى منفصل من إِمالة فتحة الهمزة، ألا ترى انه يجوز ان يعمل هذا المعنى من لا يرى الامالة كما يجوز ان يعمله من يراها. واذا كان كذلك كان انفصال أحدهما من الآخر سائغا غير ممتنع. فأما رواية يحيى عن أبي بكر - بكسر الراء والهمزة معا - فانما يريد بكسرة الهمزة إِمالة فتحتها، فوجه كسر الراء قد ذكروا امالة فتحها مع زوال ما كان يوجب امالتها من حذف الالف، فلأن الالف محذوفة لالتقاء الساكنين. وما يحذف لالتقاء الساكنين ينزل تنزيل المثبت. ألا ترى انهم أنشدوا: شعر : ولا ذاكر الله الا قليلا تفسير : فنصب الاسم بعد (ذاكر) وان كانت النون محذوفة لما كان الخذف لالتقاء الساكنين. والحذف لذلك في تقدير الاثبات، من حيث كان التقاؤهما غير لازم ولذلك لم تزد الالف في نحو (رمت المرأة) ويشهد لذلك أنهم قالوا: شهد، فكسروا الفاء لكسر العين، ثم أسكنوا فقالوا - شهد، فأبقوا الكسرة في الفاء مع زوال ما كان أصلها وانشد قول الاخطل: شعر : اذا غاب عنا غاب عنا فرأتنا وان شهد أجدى فضله وجداوله تفسير : وقالوا: صعق، ثم نسبوا اليه فقالوا: صعقي، فأقرُّوا كسرة الفاء مع زوال كسرة العين التي لها كسرت الفاء. وزعم أبو الحسن ان ذلك لغة مع ما فيه من وجوه التلبيس وأنها قراءة. يقال: جن عليه الليل، وجنه الليل، وأجنه، وأجنَّ عليه، ومع حذف "على" فأجنه بالالف أفصح من جنه الليل. وكل ذلك مسموع، فلغة أسد جنه الليل، ولغة تميم أجنه، والمصدر من جن عليه جنا وجنونا وجنانا وأجن إِجنانا. ويقال: أتانا فلان في جن الليل. والجن مشتق من ذلك، لانهم استجنوا عن أعين الناس، فلا يُرون، وكلما توارى عن أبصار الناس، فان العرب تقول: قد جن. ومنه قول الهذلي: شعر : وماء وردت قبيل الكرى وقد جنه السدف الادهم تفسير : وقال عبيد: شعر : وخرق تصيح الهام فيه مع الصدى مخوف اذا ما جنه الليل مرهوب تفسير : وتقول: اجننت الميت اذا واريته في اللحد وجننته وهو مثل جنون الليل في معنى غطيته وسمي الترس مجنا لانه يجن اي يغطي، وقال الشاعر: شعر : فلما أجن الليل بتنا كأننا على كثرة الاعداء محترسان تفسير : قوله {فلما جن عليه الليل} أي أظلم. وقوله {فلما أفل} معناه غاب يقال: أفل يأفل أفولا، وتقول اين أفلت عنا، واين غبت عنا، قال ذو الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم ولا بالآفات الدوالك تفسير : وقوله {رأى القمر بازغا} أي طالعا، يقال: بزغت الشمس بزوغا اذا طلعت، وكذلك القمر، وقوله للشمس {هذا ربي} وهي مؤنثة معناه هذا الشىء الطالع ربي او على أنه حين ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الرَّب في كلامهم، فقال لهم هذا ربي؟! وقيل في معنى هذه الآية وجوه أربعة: الوجه الاول - ما قاله الجبائي: ان ما حكى الله عن ابراهيم في هذه الآية كان قبل بلوغه، وقبل كمال عقله ولزوم التكليف له، غير انه لمقاربته كمال العقل خطرت له الخواطر وحركته الشبهات والدواعي على الفكر فيما يشاهده من هذه الحوادث، فلما رأى الكوكب - وقيل: انه الزهرة - وبان نوره مع تنبيهه بالخواطر على الفكر فيه وفي غيره ظن انه ربه، وأنه هو المحدث لما شاهده من الاجسام وغيرها {فلما أفل قال لا أحب الآفلين} لانه صار منتقلا من حال الى حال وذلك مناف لصفات القديم {فلما رأى القمر بازغا} عند طلوعه رأى كبره واشراق ما انبسط من نوره في الدنيا {قال هذا ربي} فلما راعاه وجده يزول ويأفل، فصار عنده بحكم الكوكب الذي لا يجوز ان يكون بصفة الاله، لتغيره وانتقاله من حال الى حال، {فلما رأى الشمس بازغة} أي طالعة قد ملأت الدنيا نورا ورأى عظمها وكبرها {قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت} وزالت وغابت، فكانت شبيهة بالكوكب والقمر قال حينئذ لقومه {إني برىء مما تشركون} فلما أكمل الله عقله ضبط بفكره النظر في حدوث الاجسام بأن وجودها غير منفكة من المعاني المحدثة، وأنه لا بدَّ لها من محدث، قال حينئذ لقومه {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض..} الى آخرها. والوجه الثإني - ما قاله البلخي وغيره: من أن هذا القول كان من ابراهيم في زمان مهلة النظر، لان مهلة النظر مدة، الله العالم بمقدارها، وهي اكثر من ساعة. وقال البلخي: وأقل من شهر، ولا يدري ما بينهما الا الله، فلما أكمل الله عقله وخطر بباله ما يوجب عليه النظر وحركته الدواعي على الفكر والتأمل له. قال ما حكاه الله، لان ابراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله، وانما اكتسب المعرفة لما أكمل الله عقله، وخوفه من ترك النظر بالخواطر، فلما رأى الكوكب - وقيل هو الزهرة - رأى عظمها واشراقها وما هي عليه من عجيب الخلق، وكان قومه يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها آلهة - قال هذا ربي؟! على سبيل الفكر والتأمل لذلك، فلما غابت وأفلت، وعلم ان الافول لا يجوز على الله علم انها محدثة متغيرة لتنقلها، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس، وأنه لما رأى افولهما قطع على حدوثهما واستحالة إِلهيتهما، وقال في آخر كلامه {إني برىء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله وعلمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه. فان قيل: كيف يجوز ان يقول: هذا ربي مخبرا، وهو يجوز أن يكون مخبره لا على ما اخبر، لانه غير عالم بذلك، وذلك قبيح في العقول، ومع كمال عقله لا بد أن يلزمه التحرز من الكذب؟! قلنا عن ذلك جوابان: احدهما - انه قال ذلك فارضا مقدرا، لا مخبرا بل على سبيل الفكر والتأمل، كما يقول الواحد منا لغيره اذا كان ناظرا في شىء ومحتملا بين كونه على إِحدى صفتين: انا نفرضه على احداهما لننظر فيما يؤدي ذلك الفرض اليه من صحة او فساد، ولا يكون بذلك مخبرا، ولهذا يصح من احدنا اذا نظر في حدوث الاجسام وقدمها ان يفرض كونها قديمة ليتبين ما يؤدي اليه ذلك الفرض من الفساد. والثإني - انه اخبر عن ظنه وقد يجوز ان يكون المفكر المتأمل ظانا في حال نظره وفكره ما لا اصل له ثم يرجع عنه بالادلة والعلم ولا يكون ذلك منه قبيحا. فان قيل: ظاهر الآيات يدل على ان ابراهيم ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون الى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم؟! قلنا: لا يمتنع ان يكون ما رأى السماء الا في ذلك الوقت، لانه روي أن أمه ولدته في مغارة لا يرى السماء، فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر فيها. وقد يجوز أيضا ان يكون رآها غير انه لم يفكر فيها ولا نظر في دلائلها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه، فلما كمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشىء الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه. والوجه الثالث - ان ابراهيم لم يقل ما تضمنته الآيات على وجه الشك ولا في زمان مهلة النظر بل كان في تلك الحال عالما بالله وبما يجوز عليه، فانه لا يجوز ان يكون بصفة الكوكب، وانما قال ذلك على سبيل الانكار على قومه والتنبيه لهم على ان ما يغيب وينتقل من حال الى حال لا يجوز ان يكون إِلها معبودا، لثبوت دلالة الحدث فيه. ويكون قوله {هذا ربي} محمولا على أحد وجهين. احدهما - أي هو كذلك عندكم وعلى مذهبكم كما يقول احدنا للمشبه على وجه الانكار عليه: هذا ربي جسم يتحرك ويسكن وان كان عالماً بفساد ذلك. والثإني - أن يكون قال ذلك مستفهما وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، كما قال الاخطل: شعر : كذبتك عينك أم رايت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا تفسير : وقال آخر: شعر : لعمرك ما أدري وان كنت داريا بسبع رمين الجمر ام بثمانيا تفسير : وقال ابن أبي ربيعة: شعر : ثم قالوا تحبها قلت بهرا عدد النجم والحصى والتراب تفسير : وقال أوس بن حجر: شعر : لعمرك ما أدري وان كنت داريا شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر تفسير : وانما أراد أشعيب بن سهم أم شعيب بن منقر. فان قيل: حذف حرف الاستفهام انما يجوز اذا كان في الكلام عوضا منه نحو (أم) للدلالة عليه، ولا يستعمل مع فقد العوض، وفى الابيات عوض عن حرف الاستفهام، وليس ذلك في الآية. قلنا: قد يحذف حرف الاستفهام مع ثبوت العوض تارة وأخرى مع فقده اذا زال اللبس، وبيت ابن أبي ربيعة ليس فيه عوض ولا فيه حرف الاستفهام، وانشد الطبري: شعر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وانكرت الوجوه هم هم تفسير : أي أهم هم؟، وروي عن ابن عباس في قوله {فلا اقتحم العقبة} أنه قال معناه أفلا اقتحم العقبة، وحذف حرف الاستفهام. واذا جاز ان يحذفوا حرف الاستفهام لدلالة الخطاب جاز أن يحذفوه لدلالة العقل، لان دلالة العقل أقوى من غيرها. والوجه الرابع - أن ابراهيم قال ذلك على وجه المحاجة لقومه بالنظر كما يقول القائل: اذا قلنا: ان لله ولدا لزمنا أن نقول له زوجة، وان يطأ النساء وأشباه ذلك، وليس هذا على وجه الاقرار والاخبار والاعتقاد بذلك، بل على وجه المحاجة فيجعلها مذهبا ليرى خصمه المعتقد لها فسادها. وكل هذه الآيات فيها تنبيه لمشركي العرب وزجر لهم عن عبادة الاصنام وحث على الاخذ بدين ابراهيم ابيهم وسلوك سبيله في النظر والفكر والتدين، لانهم كانوا قوما يعظمون أسلافهم وآباءهم فأعلمهم الله تعالى ان اتباع الحق من دين ابيهم الذي يقرون بفضله اوجب عليهم ان كان بهم تعظيم الآباء والكراهة لمخالفتهم. وفي الآية دلالة على ان معرفة الله ليست ضرورية، لانها لو كانت ضرورية لما احتاج ابراهيم الى الاستدلال على ذلك، ولكان يقول لقومه: كيف تعبدون الكواكب وانتم تعلمون حدوثها وحدوث الاجسام ضرورة، وتعلمون ان لها محدثا على صفات مخصوصة ضرورة، وما كان يحتاج الى تكلف الاستدلال والتنبيه على هذا. وقوله {لئن لم يهدني ربي} معناه لئن لم يلطف بي ويسددني ويوفقني لاصابة الحق في توحيده {لأكونن من القوم الضالين} الذين ضلوا عن الحق وأخطأوا طريقه، فلم يصيبوا الهدى. وليس الهداية - ها هنا - الادلة، لان الادلة كانت سبقت حال زمان النظر، فان التكليف لا يحسن من دونها ولا يصح مع فقدها. وقوله في الشمس {هذا أكبر} يعني من الكواكب وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله {إني وجهت وجهي} معناه أخلصت عبادتي وقصدت بها الى الله الذي خلق السماوات والأرض. وفيه اخبار عن ابراهيم واقرار منه واعتراف بأنه (ع) خالف قومه أهل الشرك، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قول الحق لقلة تابعيه. وقال لهم {إني برىء مما تشركون} مع الله - الذي خلقني وخلقكم - في عبادته من آلهتكم بل {وجهت وجهي} في عبادتي الي الذي خلق السماوات ولارض الذي يبقى ولا يفنى، الحي الذي لا يموت. واخبر انه يوجه عبادته ويخلصها له تعالى. والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد لا على الوجه الذي توجه له من حيث ليس بحنيف. ومعنى الحنيف هو المائل الى الاستقامة على وجه الرجوع فيه. وقوله {وما أنا من المشركين} إني لست منكم، ولا ممن يدين بدينكم، ويتبع ملتكم أيها المشركون.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} ستره بظلامه {رَأَى كَوْكَباً} هو الزّهرة كما فى الخبر {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} هذا الكلام منه يحتمل ان يكون على سبيل المماشاة مع القوم باظهاره الدّخول فى دينهم ثمّ الاستدلال بالافول والزّوال على عدم تربيته بالاستقلال ليكون اقرب الى الدّعوة والانصاف وابعد عن الشّغب والاعتساف، ولا يلزم منه الكذب المحرّم لانّه كان فى مقام الاصلاح، او قصد تربيته بنحو تربية الكواكب للمواليد باذن الله وورّى بحيث يظنّ انّه اراد المعبود، او قصد الانكار وانّه لا يصحّ ان يكون ربّاً لكنّه ورّى بصورة الاخبار وكان المقدّر فى نفسه الاستفهام الانكارىّ، ويحتمل ان يكون على سبيل الاستفهام الانكارىّ للانكار على قومه لانّهم كانوا ثلاثة اصنافٍ: صنف يعبد الزّهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشّمس، فأنكر على الثّلاثة عبادتهم، ويحتمل ان يكون على سبيل الاخبار الاحتمالىّ الّذى يصحّ لكلّ مستدلّ ان يخبر على سبيل الاحتمال عمّا أدّى اليه دليله فى بادى الامر لانّه كان فى اوّل خروجه من السّرب الّذى اخفته فيه امّه ولمّا ظهر له بعد امعان النّظر انّ ما ادّى اليه دليله فى بادى النّظر لم يكن نتيجة صحيحة انكره وقال: ليس هذا مؤدّى الدّليل الصّحيح، ومثل هذا ممدوح لكلّ من اراد التّحقيق والخروج عن التّقليد ولا يكون هذا شركاً، وكلّ هذه مروىّ عنهم (ع) لانّ القرآن ذو وجوه والحمل على جملة الوجوه ما لم يؤدّ الى فساد ورد عنهم (ع) هذا ما يقتضيه التّنزيل، وامّا بحسب التّأويل فنقول: انّ السّالك ما دام يكون فى سرب نفسه المظلم ولم يخرج بالولادة الثّانية الى فسحة عالم الملكوت يكون متحيّراً لا يدرى من اين والى اين وفى اين، ثمّ اذا ادركته العناية الآلهيّة وخرج يسيراً من قعر سربه يطرؤ وعليه حالات واطوار وظلمات وانوار ومنيرات فربّما يرى انواراً عجبية متلونّة بالوان مختلفة، وربّما يرى كواكب واقماراً وشموساً ويذهل عن التّفكّر واستعمال المقدّمات فيظنّ فى بادى رؤيته كوكباً او قمراً او شمساً انّه هو، فيصيح به جبرئيل العقل ويفيق من محوه وينظر الى افول المرئىّ وتغيّره فيعلم انّه ليس به، ولا ضير ان يكون حال ابراهيم (ع) فى بادى خروجه من سربه حال سائر السّلاك فيحسب فى بادى رؤيته الكوكب انّه هو، ثمّ ينظر بعقله الى زواله وتغيّره فيرى انّه ليس به ولا يلزم منه شرك ولا كفر لانّ تلك الانوار ظهورات نور الانوار، وقد يغلب حكم الظّاهر على المظهر بحيث يظنّ انّ المظهر هو الظّاهر {فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} لمّا لم يجد فى نفسه داعياً قويّاً على التّبرّى ونفى الرّبوبيّة وكان غرضه المماشاة مع القوم باظهار الانصاف من نفسه حتّى يدخل فى المجادلة الحسنة، نفى حبّ الآفل عن نفسه كناية خفيّة عن نفى الرّبوبيّة ولذلك لم يؤكّده بشيءٍ من المؤكّدات.

اطفيش

تفسير : {فَلما جنَّ عَليْه} ستره بظلامه واستعلى عليه، وطاف عليه من جهاته {الليلُ رأى كوكباً قالَ هذا ربِّى} عطف على نرى عطف تفصيل وتبيين للإراءة، وقوله: {كذلك نرى} معطوف على قال إبراهيم، ويجوز عطف فلما جنّ إلخ على قال إبراهيم، فتكون جملة كذلك نرى معترضة، ورأى كوكباً جواب لما قال هذا ربى جواب سؤال كأنه قيل: ماذا كان أو ماذا قال حين رآه؟ فأجابه بقوله: {قال هذا ربى} ويجوز أن يكون رأى كوكباً بدل اشتمال من جن عليه الليل، لأن رؤية الكوكب من سببيات إظلام الليل، والكوب قيل هو الزهرة، وقيل المشترى، وكان قوم آزر يعبدون الكواكب والأصنام، وجمهور المشركين لا يعبدون الأصنام فى ذلك الزمان، وبديهة العقل تبع عبادتها، وأما الكواكب فعبدوها لأنهم رأوا تجدد الفصول الأربعة، وحدوث الأحوال المختلفة بسببها، والفصول تحصل بتنقل الشمس، فزعم كفار الرصد أن السعادات والنحوسات إنما هى بالاتصالات الفلكية، والمناسبات الكوكبية، فعظموا الكواكب فبعض عبدوها واسطة إلى الله، وقالوا: إن الله تعالى فوض تدبير الخلق إليها فى العالم السفلى، فهى تدبره وتعبد الله، وبعض عبدوها وجحدوا الله وقالوا إنها واجبة الوجود، قديمه لا تفنى، وتدبر أمر العالم السفلى هم الدهرية. ولما رأى الفريقان أن الكواكب تغيب ومنها الشمس والقمر، اتخذوا أصناماً يعبدونها لا تغيب، ويقصدون بعبادتها عبادة الكواكب، فاتخذوا صنما للشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة للشمس وهى: الياقوت والماس، وصنما للقمر من الفضة وهكذا، وعباد الأصنام قليل من أهل ذلك الزمان، وكثروا بعد لعنة الله عليهم، وكان أهل الهند والصين يعتقدون أن الله سبحانه جسم أبهى ما يكون فيصورونه فى أبهى صورة، ويصورون أيضا الملائكة فى هيئة بهية دون ذلك، ويعبدون تلك الصورة تقرباً إلى الله وإلى الملائكة، واعتقدوا أيضا أن الله فوض تدبير البحار إلى ملك، وتدبير الجبال إلى ملك، والغيوم والأمطار إلى ملك، والأرزاق إلى ملك، والقتال إلى ملك، فاتخذوا لكل منهما صنما يطلبون ما يناسبه منه. فلما كان قوم آزر يعبدون الأصنام والكواكب نبههم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بطريق النظر والاستدلال على ضلالتهم تنبيهاً تنزل فيه معهم على سبيل الفرض والتقدير إذ قال: الكوكب ربى، وقال: القمر ربى، وقال: الشمس ربى، وهو فى ذلك كله موقن أن إلهه هو الله الواحد القهار، أيقن من صغره وولادته ومن بطن أمه لأن أثبت ما ترسخ عليه الخصم إذا جريت معه فى مدعاه، وسلمت بعض تسليم حتى يغتر، وزعم بعض أن إبراهيم لم يشرك، لكن عرف أنه لا بد له من إله ونفى أن يكون النجم أو الشمس أو القمر حتى تحقق أنه الله، وذلك حين خرج من السرب. وزعم بعض أن ذلك قاله إبراهيم على الاستدلال لنفسه، كالقول الثانى، لكن عند مراهقته أو أول بلوغه، وهذان القائلان هربا من نسبة الشرك لإبراهيم صراحاً، ولقد أوقعاه فيه، إذ جوزا أن يكون مضت عليه مدة لا يعرف أن الله إلهه، ولا أن إلهه غيره، والحق ما ذكرته أولا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة" تفسير : ودل على اعتقاد أن له ربا يعرفه قوله: {أية : لم يهدنى ربى لأكون من القوم الضالين}تفسير : وقوله: {أية : أتتخذ أصناماً آلهة} تفسير : إلخ وقوله: {أية : وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات} تفسير : الخ وتعقيب ذلك بالفاء فى قوله: {فلما جن عليه} إلخ وهى دالة على أن قوله هذا بعد كونه من الموقنين، وقوله تعالى: {وتلك حجتنا} إلخ، وهذه الأدلة أيضا تدل أنهُ يقول ذلك احتجاجاً على قومه لا استدلالا لنفسه، ومن أجاز على نبى الشرك قبل البلوغ فقد كفر، فقد ظهر لك بطلان قول من زعم أن إبراهيم قال هذا ربى قبل أن يعرف الله، وأنه قاله قبل البلوغ وهو غير مكلف، وهذا خطأ عظيم من قائله، وأخطأ منه من زعم أنه بلغ ولم يعرف، وقد عذر أول بلوغه مقدار النظر والتفكر، وهذا خطأ فاحش، والحق أنه قال ذلك احتجاجاً على قومه قبل البلوغ وقيل بعد الرسالة ونسب للجمهور. وأما قوله: {لئن لم يهدنى ربى} فإما أن يريد أن الله هو الذى يعلمه الشرائع، ولو لم يعلمه الشرائع لكان خالياً منها، تائها فى غيرها، وقيل ذلك من كلامهم على حذف القول، أى يقولون هذا ربى، وأما قوله: {لا أحب الآفلين} وقوله: وقوله: {لئن لم يهدنى} إلخ وقوله: {إنى برئ مما تشركون} فمنه يريهم الحق، ويشير عليهم أن الرصد قد أثمر لكم ذلك، فما بقى إلا أن تقولوه، أو يقدر هذا ربى بزعمكم، وقال: لو كان إلهاً كما قلتم لم يزل كقوله تعالى: {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم} تفسير : أى عند نفسك فى الدنيا، وقوله تعالى: {أين شركائى قالوا آذناك} أى بمن زعمتم أنهم شركائى، ويجوز تقدير الاستفهام أى أهذا ربى فى المواقع الثلاثة. قال فى عرائس القرآن وغيره: ولد إبراهيم عليه السلام فى زمان نمرود بن كنعان، وقال: نمرود من وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون وقالوا: إنه يولد فى بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، وقد قالوا له قيل ذلك: إنه يولد فى سنة كذا لهذه السنة، ويقال: إنهم وجدوا ذلك فى كتب الأنبياء، ويقال رأى نمرود فى منامه: كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع فزعاً شديداً، فدعا السحرة والكهان والمنجمين والقافة، وأهل مساحة الأرض، وسألهم عن ذلك وقالوا: هو مولود يولد فى ناحيتك فى هذه السنة، يكون هلاكك وزوال ملكك، وهلاك أهل دينك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد فى تلك السنة فى ناحيته، وإن ولدت أنثى تركها، وأمر بعزل النساء عن الرجال، وجعل على كل عشرة رجلا يحفظهم، فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون فى الحيض، فإذا طهرت حالوا بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم. قال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى فى قريته قرب ولادتها فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها، لأنها كانت جارية صغيرة لا يعرف الحبل فى بطنها، وقال السدى: خرج نمرود بالرجال إلى العسكر وعزلهم عن النساء تخوفاً من ذلك المولود، فمكث بذلك ما شاء الله، ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأمن عليها أحداً من قومه إلا آزر، فبعث إليه فأحضره عنده وقال له: إن لى إليك حاجة أحب أن أوصيك بها، ولم أبعثك فيها إلا لثقتى بك، فأقسمت عليك ألا تدنو من أهلك، فقال آزر: أنا أشح على دينى من ذلك، فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة نمرود، ثم قال لو دخلت على أهلى فنظرت إليهم، فلما دخل على أم إبراهيم ونظر إليها لم يتمالك حتى واقعها، فحملت من ساعتها بإبراهيم. قال ابن عباس: فقالت الكهان لنمرود: إن الغلام الذى أخبرنا به قد حملت أمه به الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان التى يمكن حملها من تلك الليلة، وأمر بأن تعزل النساء إلا اللاتى استبان فيهن الحمل، وظهر تقدمه على الليلة، فلا يذبح أولادهن، ولما دنت ولادة أم إبراهيم، وأخذها المخاض، هربت مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته من بطنها فى نهر يابس ولفته فى خرقة، فرجعت فأخبرت زوجها أنها ولدت، وأن الولد فى موضع كذا، فانطلق أبوه فأخذه وحفر له سرباً فى النهر وسد بابه مخافة السباع، وكلنت أمه تختلف إليه فترضعه. وعن ابن إسحاق: لما وجدت الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قرباً منها، فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصلح بالمولود، ثم سدت عليه باب المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، وكانت تختلف إليه تنظر ما فعل فتجده حياً يمحص إبهامه، قالت أم إبراهيم: لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبناً، ومن أصبع سمناً ومن أصبع عسلا، ومن أصبع تمراً. وقيل: كان يغذوه ملك، وقيل تأتيه أمه بألبان النساء التى ذبح أبناؤهن، وقال السدى: لما عظم بطن أم إبراهيم خشى آزر أن تذبح هى وما فى بطنها، فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة يقال لها أوراقا، فأنزلها هناك فى سرب من الأرض، وجعل عندها ما يصلحها، وجعل يتعهدها حتى ولدت، وذلك مخافة أن تقتل هى وأن يقتل ولدها، إذ سترت نفسها. وقال محمد بن إسحاق: سأل آزر أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت: ولدت غلاماً فمات فصدقها وسكت عنها، وكان يشب فى اليوم كالشهر، وفى الشهر كالسنة، فلم يمكث فى المغارة إلا خمسة عشر، وقيل سبع سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة، قلت: وقيل عشر سنين، وقيل خمس عشر، قال: وقيل سبع عشرة سنة قيل قال لها: أخرجينى فأخرجته عشاء، وتفكر فى خلق السماوات والأرض وقال: إن الذى خلقنى ورزقنى وأطعمنى وسقانى لربى الذى مالى إله غيره، ونظر فى السماء فرأى كوكباً قال: هذا ربى، وأتبعه بصره إليه حتى غاب، وكذا القمر والشمس كما ذكر الله جل وعلا. وعلى قول ابن إسحاق المتقدم: لما رجعت به أخبرت أباه أنه ابنه وأخبرته بما صنع فسر بذلك، وفرح فرحاً شديداً، وعلى القول بأن أباه علم به أنهُ فى الغار قيل: إنه لما شب فى السرب قال لأمه: من ربى؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبى؟ قالت: أسكت، وقيل قالت: نمرود، وقال: من رب نمرود؟ قالت: أسكت، وذلك قوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده} ويروى قالت: اسكت وضربته، ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذى كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال فأتاه أبوه آزر فقال إبراهيم: يا أبتاه من ربى؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمى؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال نمرود، قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال: اسكت، ولما جن عليه الليل دنا من باب السرب، فنظر فى خلال الصخرة فأبصر كوكباً ثم قال: هذا ربى، ويقال: إنه قال لأبويه أخرجانى فأخرجاه من السرب حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل عنها أباه قال: إبل وخيل وغنم، فقال: لا بد أن يكون لها إله وهو ربها وخالقها، ثم نظر فإذا المشترى قد طلع وقيل: الزهرة والليلة من آخر الشهر، فتأخر طلوع القمر فأقوله غيبوبته بضوء الشمس فى هذا. ونمرود مر حين قيل لهُ: إنه قد ولد كان يشدد فى طلبه مدة قعوده فى الغار، وما بعد ذلك حتى جاء يخاطبه الناس بالحق، وكان لكبره كما مر أنه يكبر فى اليوم كالشهر، وفى الشهر كالسنة، سقط طمع الذباحين الذين أمرهم نمرود بالذبح، وأظهر آزر لأصحابه أن لهُ ابنا كبيراً وأراهم إياه. {فلمَّا أفلَ} غاب قيل: يختص لفظ الأفول بالنيرات، وقيل عام {قالَ لا أُحبُّ الآفلينَ} أن أتخذهم آلهة، فحذف بدل الاشتمال لجواز حذفه أو لا أحب ربوبية الآفلين لعدم صحتها، فحذف المضاف، أو يقدر مضاف ناصب لمفعولين، أى لا أحب اتخاذ الآفلين آلهة كما قال: {أتتخذ أصناماً آلهة} ويجوز أن لا يقدر شئ فيكون المعنى لا أرغب فى الآفلين، فضلا عن أن أعبدهم، ولا يلزم من عدم حب الشئ بغضه، فلا يلزم أن يبغض النجم. وإنما جمع الله لفظ آفل جمع مذكر سالماً مع أن جنس هذا الكوكب غير عاقل، لأنهُ لم يرد هذا الكوكب وجنسه، بل أراده وأباه وأمه ونمرود وهم عقلاء، فغلب العقلاء، ويحتمل أن يكون جمع جنس النجم وأريد النجوم وحدها تنزيلا لها منزلة العقلاء، لأنهم يعيدونها ويعظمونها، وكانوا أصحاب علم النجم، ونظر فى الأفلاك، ولذلك مثل لهم بالنجم والقمر والشمس، فيظهر لهم بطلان ربوبيتها، وعلل بطلان ربوبيتها بالأفول من حيث إن التطبيق بالمشتق يؤذن بالعلية، لأن الآفل يزول أثره وسلطانه عما غاب عنه، فلا يصلح إلهاً، ولأن الأفول انتقال، والمنتقل يكون محلا للحوادث، فلا يكون لها، ومحل الحوادث حادث، والحادث يحتاج لمحدث، والمتسلسل يستحيل عقلا وأيضا المتحرك جسم، والجسم مركب محتاج إلى حيز والمركب مصنوع محدث، والمحدث لا يكون ربا، والجسم محتاج إلى حيز، والمحتاج لا يكون ربا، وقد احتاج أيضا فى ظهور نوره وسلطانه الذى يدعونه له إلى زوال ما ستره حين غاب من جبل أو بحر أو أرض.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا جَنَّ} أَظلم {عَلَيْهِ اللَّيْلُ} وستره بظلامه، وهذه القصة فى بابل، وقيل قرب حلب، وقيل: جادلهم على سبيل الترقى لعلهم يذعنون ولا ينفرون، فإِن كونه عليه السلام لا يحب الآفلين دون كونهم ضالين، دون البراءَة منهم والإِشراك، والفاءَات فى القصة للترتيب الذكرى، أَو كما قال ابن هشام: إِن التعقيب فى كل شىء بحسبه، والنجم فى ليلة والقمر فى ليلة والشمس تطلع فى يوم بعد ليلة، ولا يتصور أَن يرى الكوكب بعد ما جن الليل ويغيب ويطلع القمر بعد غيوب النجم ويغيب القمر قبل فجر يومه، أَو قبل طلوع شمسه إِلا إِن فسرنا غيوب القمر بذهاب نوره لنور الشمس فيتصور ذلك فى ليلة ويومها. وعن ابن عباس رؤية القمر آخر النهار، وروى أَنه رأَى الكوكب الذى يعبدونه فى وسط السماء، وهذا تفصيل لقوله نرى إِبراهيم، فالمراد بالملكوت ما فصل بهذه الآية، والعطف على نرى بدليل الفاء وهو الراجح، أَو عطف على قوله: قال إِبراهيم، عطف دليل على مدلوله، قيل: هذا أحسن {رَأَى كَوْكَباً} جواب لما، أَو حال من الهاء والجواب هو قوله {قَالَ هَذَا رَبِّى} وعلى الأَول يكون هذا جواب سؤال، كأَنه قيل ما صنع حين رأَى كوكباً، فقال: قال لقومه هذا الكوكب ربى فى زعمكم، أَو قاله على الاستدلال، أَو يقولون: هذا ربى، وكذا فيما بعد، وهو الزهرة بضم الزاى وفتح الهاء فى السماء الثالثة، أَو المشترى فى السماء السادسة كان قومه يعبدون النجوم ومنها الشمس والقمر، وكانوا ينظرون فى علم النجوم ويعبدونها ليتوصلوا بها إلى مقصودهم، أَو يعبدون الأَصنام ليتوصلوا بها إِلى النجوم، أَو بالنجوم إِلى الملائكة وبالملائكة إِلى مقصودهم، وأَنكروا الله، وجعلوا الأَفلاك والنجوم قدماءَ لا أَول لها ولا آخر، فاتخذوا لكل نجم مخصوص صنما وجعلوا صنم الشمس من ذهب وصنم القمر من فضة. ومن الكفرة من يثبت الله ويقول أَنه فوض أَمر الأَرض إِلى الكواكب فعبدوها وقال إِنها تعبد الله، وأَهل الهند والسند يثبتون الله إِلا أَنهم مجسمة، والملائكة وصنما لكل ملك مخصوص يعبدونه ليتوصلوا إِلى الملك والملك يعبد الله، والله فوض لكل ملك أمراً، والمذهب أَن الأَنبياءَ عليهم السلام لا يعصون الله بصغيرة ولا كبيرة قبل البعثة ولا بعدها، بعد البلوغ ولا قبله، فإِنما قال: هذا ربى، على سبيل الوضع أَعنى على فرض كلام الخصم ليرجع عليه بعد استفراغ ما عنده بالرد فيكون أَبلغ فى الاحتجاج وأَدعى إِلى الإِذعان، كما قال هذا ربى محاكاة لما عندهم، ورجع عليهم بقوله: لا أَطلب إِلا الله، وقد مدحه الله بهذه المحاجة فى قوله: "أية : وتلك حجتنا" تفسير : [الأنعام: 83] إِلخ. وكان محاجاً لقومه إِذ راهق، أَو قاله على وجه الاستدلال لنفسه حال الصغر، كأَنه يخاصم إِنساناً، والفاء تدل على الأَول وأَنه قاله بعد أَن كان من الموقنين، ويدل له أَيضاً قوله تعالى "أية : وتلك حجتنا ءَاتيناها" تفسير : [الأنعام: 83] إِلخ.. ولم يقل آتيناها إِبراهيم على نفسه وقد يقال: الأَنبياء موقنون من صغرهم، قبل المراهقة، وأَن ما احتج به علىنفسه حجة على قومه فى نفس الأَمر، وقيل بتقدير همزة الاستفهام، أَى أَهذا ربى على طريق الإِنكار والتحقير، كما قدره ابن عباس فى قوله تعالى: "أية : فلا اقتحم العقبة"تفسير : [البلد: 11] وفى قوله تعالى "أية : وتلك نعمة تمنها على" تفسير : [الشعراء: 22] وقيل: قال إِبراهيم ذلك استهزاء، وقيل كان يناظرهم فطلع النجم فقال: هذا ربى، أَى هذا الرب الذى تعبدون، وهذا لا يكفى لأَنه يحتاج إِلى ما مر أَيضاً من التأويل بتقدير الاستفهام أَو بغيره، ووزن كوكب فوعل فالزائدة الواو، والأُصول الكافان والباء، وقيل فعفل بزيادة الكاف الثانية تكرير الأُولى، وفيه أَن الأَصل فى الزيادة الواو لا الكاف، ولم يقل الله جل وعلا رأَى كوكباً بازغاً لأَنه رأَى الزهرة فى جهة الغرب ليلا، أَو رأَى المشترى فى أَى موضع من السماء ليلا، وخص أَحدهما لقوة ضوئه ولتقدير فى زعمكم، أَو تقولون نظائر، كقوله تعالى: "أية : مال هذا الرسول" تفسير : [الفرقان: 7] "أية : إن رسولكم" تفسير : [الشعراء: 27] "أية : وانظر إِلى إِلهك الذى" تفسير : [طه: 97] إِلخ... "أية : إِنك أَنت العزيز الكريم" تفسير : [الدخان: 42] وكقوله "أية : ربنا تقبل منا"تفسير : [البقرة: 127]، أَى يقولان {فَلَمَّا} أَى غاب {قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} لا أحب إِثبات ربوبية الآفلين مطلقاً فى الانتفاع لنقصهم، فضلا عن أَن أَتخذهم أَرباباً، أَو لا أحب عبادة الآفلين، أَو لا أحب ربوبية الآفلين، أَو كنى بانتفاء الحب عن انتفاء الربوبية والعبادة. الكوكب آفل وكل آفل حادث محتاج إِلى محدث، وكل ما احتاج إِلى محدث ليس بإِله، لأَن الإِله هو الموجود الذى تنقطع به سلسلة الاحتياج، {أية : وأَن إِلى ربك المنتهى} تفسير : [النجم: 42]، والكوكب متحرك وكل متحرك جسم، وكل جسم مركب وكل مركب حادث، والكوكب جسم وكل جسم محل للحوادث، وأَيضاً كل جسم محتاج إِلى حيز فهو ممكن لا واجب، إِذ الواجب بالذات يستحيل حلوله فى المكان بحدوث المكان، والكوكب يحتاج فى انبساط ضوئه إِلى عدم ساتر، والمحتاج ممكن والممكن حادث، وكقولك: المنير آفل ولا شىء من الإِله بآفل، أَو ربى ليس بآفل فهذا النير ليس بإله أَو ليس بربى، وقولنا هذا النير آفل قضية شخصية وهى فى حكم الكلية وذلك من الشكل الثانى. ولاإله يستحق العبودية ولا شىءَ من الآفل يستحقها فهذا ليس إِلها، وليس يراقب الكوكب الليل حتى يغيب لم يفته ملاحظته حتى غاب، وكذا القمر والشمس رآهما طالعين وغائبين.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } يحتمل أن يكون عطفاً على { أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } تفسير : [الأنعام: 74] وما بينهما اعتراض مقرر لما سبق ولحق، فإن تعريفه عليه السلام ربوبيته ومالكيته تعالى للسماوات والأرض وما فيهن وكون الكل مقهوراً تحت ملكوته مفتقراً إليه عز شأنه في جميع أحواله وكونه من الراسخين في المعرفة الواصلين إلى ذروة عين اليقين مما يقتضي بأن يحكم باستحالة ألوهية ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكب التي كان يعبدها قومه، واختاره بعض المحققين، ويحتمل أن يكون تفصيلاً لما ذكر من إراءة الملكوت وبيانا لكيفية استدلاله عليه السلام ووصوله إلى رتبة الإيقان، والترتيب ذكري لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر. ومعنى {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } ستره بظلامه، وهذه المادة بمتصرفاتها تدل على الستر، وعن الراغب أصل الجن الستر عن الحاسة يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه فجنه وجن عليه ستره وأجنه جعل له ما يستره. وقوله سبحانه: {رَأَى كَوْكَباً} جواب لما فإن رؤيته إنما تتحقق عادة بزوال نور الشمس عن الحس وهذا ـ كما قال شيخ الإسلام ـ صريح في أنه لم يكن في ابتداء الطلوع بل كان بعد غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس، والتحقيق عنده أنه كان قريباً من الغروب وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى سبب ذلك، والمراد بالكوكب فيما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المشتري. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنه الزهرة. {قَالَ هَـٰذَا رَبّى} استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق، وهذا منه عليه السلام على سبيل الفرض وإرخاء العنان مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فإن المستدل على فساد قول يحكيه ثم يكر عليه بالإبطال وهذا هو الحق الحقيق بالقبول. / وقيل: إن في الكلام استفهاماً إنكارياً محذوفاً، وحذف أداة الاستفهام كثير في كلامهم، ومنه قوله: شعر : ثم قالوا تحبها قلت بهرا تفسير : وقوله: شعر : فقلت وأنكرت الوجوه هم هم تفسير : وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله تعالى: { أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } تفسير : [البلد: 11] إن المعنى أفلا اقتحم وجعل من ذلك قوله تعالى: { أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ } تفسير : [الشعراء: 22] وقيل: إنه مقول على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً: هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء، وقيل: إنه عليه السلام أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوا ولم يلتفتوا فمال إلى طريق يستدرجهم إلى استماع الحجة وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإن لم يقبلوا. وقرر الإمام هذا «بأنه عليه السلام لما لم يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق وكان مأموراً بالدعوة إلى الله تعالى كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر ومعلوم أنه عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان، وإذا جاز ذلك لبقاء شخص واحد فبأن يجوز لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى، فكلام إبراهيم عليه السلام كان من باب الموافقة ظاهراً للقوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم له أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل، ثم قال: ومما يقوي هذا القول أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله تعالى: { أية : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ } تفسير : [الصافات: 88-89] وذلك لأن القوم كانوا يستدلون بعلم النجوم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم في الظاهر مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام، فمتى جازت الموافقة لهذا الغرض فلم لا تجوز في مسألتنا لمثل ذلك، وقيل: إن القوم بينما كانوا يدعونه عليه السلام إلى عبادة النجوم وكانت المناظرة بينهم قائمة على ساق إذ طلع النجم فقال: {هَـٰذَا رَبّى } على معنى هذا هو الرب الذي تدعونني إليه». وقيل وقيل والكل ليس بشيء عند المحققين لا سيما ما قرره الإمام. وتلك الأقوال كلها مبنية على أن هذا القول كان بعد البلوغ ودعوة القوم إلى التوحيد وسياق الآية وسباقها شاهدا عدل على ذلك. وزعم بعضهم أنه كان قبل البلوغ ولا يلزمه اختلاج شك مؤد إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله تعالى إلٰهاً وكان ما يعبده قومه لكان إما كذا وإما كذا والكل لا يصلح لذلك فيتعين كون الله تعالى إلٰهاً وهو خلاف الظاهر ويأباه السياق والسباق كما لا يخفى. وزعم أنه عليه السلام قال ما قال إذ لم يكن عارفاً بربه سبحانه والجهل حال الطفولية قبل قيام الحجة لا يضر ولا يعد ذلك كفراً مما لا يلتفت إليه أصلاً، فقد قال المحققون المحقون: إنه لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء، وقد قص الله تعالى من حال إبراهيم عليه السلام خصوصاً في صغره ما لا يتوهم معه شائبة مما يناقض ذلك فالوجه الأول لا غير «ولعل سلوك تلك الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكوكب دون بيان استحالة إلٰهية الأصنام ـ كما قيل ـ لما أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد ولجوا في طغيانهم يعمهون» وكان تقديم بطلان إلٰهية الأصنام على ما ذكر من باب الترقي من الخفي / إلى الأخفى. وقيل: إن القوم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنماً من المعادن المنسوبة إليه كالذهب للشمس والفضة للقمر ليتقربوا إليها فكان الصنم كالقبلة لهم فأنكر أولا عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر ثم أبطل منشآتها وما نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضاً، ولعلهم كانوا يعتقدون تأثيرها استقلالا دون تأثير الأصنام ولهذا تعرض لبطلان الإلٰهية في الأصنام والربوبية فيها. وقرأ أبو عمرو وورش من طريق البخاري «رأى» بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويحيى عن أبي بكر «رأئي» بكسر الراء والهمزة. {فَلَمَّا أَفَلَ} أي غرب {قَالَ لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ} أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال، ونفي المحبة قيل: إشارة إلى نفي اعتقاد الربوبية. وقيل كنى بعدم المحبة عن عدم العبادة لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى، وقدر بعضهم في الكلام مضافاً أي لا أحب عبادة الآفلين، وأياً ما كان فمبتدأ الاشتقاق علة للحكم لأن الأفول انتقال واحتجاب وكل منهما ينافي استحقاق الربوبية والألوهية التي هي من مقتضيات الربوبية لاقتضاء ذلك الحدوث والإمكان المستحيلين على الرب المعبود القديم.

ابن عاشور

تفسير : {فلمَّا جنّ} تفريع على قوله: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 75] بقرينة قوله: {رأى كوكباً} فإنّ الكوكب من ملكوت السماوات، وقولِه في المعطوف عليه {أية : نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 75]. فهذه الرؤية الخاصّة التي اهتدى بها إلى طريق عجيب فيه إبكات لقومه مُلجىء إيّاهم للاعتراف بفساد معتقدهم، هي فرع من تلك الإراءة التي عمَّت ملكوت السماوات والأرض، لأنّ العطف بالفاء يستدعي مزيد الاتِّصال بين المعطوف والمعطوف عليه لما في معنى الفاء من التفريع والتسبّب، ولذلك نعُدّ جعل الزمخشري {فلما جنّ} عطفاً على {أية : قال إبراهيم لأبيه}تفسير : [الأنعام: 74]، وجعْله ما بينهما اعتراضاً، غيرَ رشيق. وقوله: {جَنّ عليه الليل} أي أظلم الليل إظلاماً على إبراهيم، أي كان إبراهيم محوطاً بظلمة الليل، وهو يقتضي أنَّه كان تحت السَّماء ولم يكن في بيت. ويؤخذ من قوله بعده {قال يا قوم إنِّي بريء مِمَّا تشركون} أنَّه كان سائراً مع فريق من قومه يشاهدون الكواكب، وقد كان قوم إبراهيم صابئين يعبدون الكواكب ويصوّرون لها أصناماً. وتلك ديانة الكلدانيين قوم إبراهيم. يقال: جَنَّة الليل، أي أخفاه، وجَنان الليل ـــ بفتح الجيم ـــ، وجنُّه: ستره الأشياء المرئية بظلامه الشديد. يقال: جنَّة الليل، وهو الأصل. ويقال: جَنّ عليه الليل، وهذا يقصد به المبالغة في الستر بالظلمة حتَّى صارت كأنَّها غطاء، ومع ذلك لم يسمع في كلامهم جنّ اللَّيل قاصراً بمعنى أظلم. وظاهر قوله: {رأى كوكباً} أنَّه حصلت له رؤية الكواكب عَرَضاً من غير قصد للتأمّل وإلاّ فإنّ الأفق في الليل مملوء كواكبَ، وأنّ الكواكب كان حين رآه واضحاً في السماء مشرقاً بنوره، وذلك أنور ما يكون في وسط السماء. فالظاهر أنَّه رأى كوكباً من بينها شديد الضوء. فعن زيد بن علي أنّ الكوكب هو الزهرة. وعن السدّي أنَّه المشتري. ويجوز أن يكون نَظَر الكواكب فرأى كوكباً فيكون في الكلام إيجاز حذف مثل {أية : أنِ اضربْ بعصاك البحر فانفلق}تفسير : [الشعراء: 63]، أي فضرب فانفلق. وجملة {رأى كوكباً} جواب {لمَّا}. والكوكب: النجم. وجملة: {قال هذا ربِّي} مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن مضمون جملة {رأى كوكباً} وهو أن يسأل سائل: فماذا كان عندما رآه، فيكون قوله: {قال هذا ربِّي} جوباً لذلك. واسم الإشارة هنا لقصد تمييز الكوكب من بين الكواكب ولكنْ إجراؤه على نظيريه في قوله حين رأى القمر وحين رأى الشمس {هذا ربِّي - هذا ربِّي} يعيّن أنّ يكون القصد الأصلي منه هو الكناية بالإشارة عن كون المشار إليه أمراً مطلوباً مبحوثاً عنه فإذا عُثر عليه أشير إليه، وذلك كالإشارة في قوله تعالى: {أية : لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث}تفسير : [الروم: 56]، وقوله: {أية : قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه}تفسير : [يوسف: 32] ولم يقل فهو الذي لمتنني. ولعلّ منه قوله: {أية : هذه بضاعتُنا رُدّت إلينا}تفسير : [يوسف: 65] إذ لم يقتصروا على «بضاعتُنا ردّت إلينا». وفي «صحيح البخاري» قال الأحنف بن قيس: «ذَهَبْتُ لأنْصُر هذا الرجل» (يعني عليّ بن أبي طالب) ولم يتقدّم له ذكر، لأنّ عليّاً وشأنه هو الجاري في خواطر الناس أيام صفّين، وسيأتي قوله تعالى: {أية : فإن يكفر بها هؤلاء}تفسير : [الأنعام: 89] يعني كفَّار قريش، وفي حديث سؤال القبر: «حديث : فيقال له ما علمك بهذا الرجل»تفسير : (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم)، وهذا من الأغراض الداعية للتعريف باسم الإشارة التي أهملها علماء البلاغة فيصحّ هنا أن يجعل مستعملاً في معنييه الصريح والكناية. وتعريف الجزأين مفيد للقصر لأنَّه لم يقل: هذا ربّ. فدلّ على أنّ إبراهيم عليه السلام أراد استدراج قومه فابتدأ بإظهار أنَّه لا يَرى تعدّد الآلهة ليصل بهم إلى التوحد واستبقى واحداً من معبوداتهم ففرض استحقاقه الإلهية كيلا ينفروا من الإصغاء إلى استدلاله. وظاهر قوله {قال} إنَّه خاطب بذلك غيره، لأنّ القول حقيقته الكلام، وإنَّما يساق الكلام إلى مخاطب. ولذلك كانت حقيقة القول هي ظاهر الآية من لفظها ومن ترتيب نظمها إذْ رُتِّب قوله {فلما جنّ} على قوله: {أية : وكذلك نري إبْراهيم ملكوت السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 75] وقوله: {أية : وليكون من الموقنين}تفسير : [الأنعام: 75] ورتّب ذلك كلّه على قوله: {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتَّخذ أصناماً آلهة}تفسير : [الأنعام: 74] الآية، ولقوله تعالى: {قال هذا ربِّي} وإنَّما يقوله لمخاطب، ولقوله عقب ذلك {يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون}، ولأنَّه اقتصر على إبطال كون الكواكب آلهة واستدلّ به على براءته ممَّا يشركون مع أنَّه لا يلزم من بطلان إلهية الكواكب بطلان إلهية أجرام أخرى لولا أنّ ذلك هو مدّعى قومه؛ فدلّ ذلك كلّه على أنّ إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ قال ذلك على سبيل المجادلة لقومه وإرخاء العنان لهم ليصلوا إلى تلقّي الحجّة ولا ينفِروا من أول وهلة فيكون قد جمع جمعاً من قومه وأراد الاستدلال عليهم. وقوله: {هذا ربِّي} أي خالقي ومدبِّري فهو مستحقّ عبادتي. قاله على سبيل الفرض جرياً على معتقد قومه ليصل بهم إلى نقض اعتقادهم فأظهر أنَّه موافق لهم ليهشّوا إلى ذلك ثم يكُرّ عليهم بالإبطال إظهاراً للإنصاف وطلب الحقّ. ولا يريبك في هذا أنّ صدور ما ظاهره كُفر على لسانه ـــ عليه السلام ـــ لأنَّه لمّا رأى أنّه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر، واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح به لقصد الوصول إلى الحقّ وهو لا يعتقده، ولا يزيد قولُه هذا قومَه كفراً، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبُه مطمئنّ بالإيمان فإنَّه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من النَّاس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى. وقد يكون فعل ذلك بإذن من الله تعالى بالوحي. وعلى هذا فالآية تقتضي أنّ قومه يعبدون الكواكب وأنَّهم على دين الصابئة وقد كان ذلك الدين شائعاً في بلدان الكلدان التي نشأ فيها إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ وأنّ الأصنام التي كانوا يعبدونها أرادوا بها أنّها صور للكواكب وتماثيلُ لها على حسب تخيّلاتهم وأساطيرهم مثلما كان عليه اليونان القدماء، ويحتمل أنَّهم عبدوا الكواكب وعبدوا صوراً أخرى على أنَّها دون الكواكب كما كان اليونان يقسمون المعبودات إلى آلهة وأنصاف آلهة. على أنّ الصابئة يعتقدون أنّ للكواكب روحانيات تخدمها. وأفل النجم أفولاً: غاب، والأفول خاصّ بغياب النيِّرات السماوية، يقال: أفلّ النجم وأفَلَتْ الشمس، وهو المغيب الذي يكون بغروب الكوكب ورَاء الأفق بسبب الدورة اليومية للكرة الأرضية، فلا يقال: أفَلَتْ الشمس أو أفَل النجم إذا احتجب بسحاب. وقوله: {لا أحبّ} الحبّ فيه بمعنى الرضى والإرادة، أي لا أرضى بالآفِل إلهاً، أو لا أريد الآفل إلَهاً. وقد علم أنّ متعلَّق المحبَّة هو إرادته إلَهاً له بقوله: {هذا ربِّي}. وإطلاق المحبَّة على الإرادة شائع في الكلام، كقوله تعالى: {أية : فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا}تفسير : [التوبة: 108]. وقدّره في «الكشَّاف» بحذف مضاف، أي لا أحبّ عبادة الآفلين. وجاء بـ {الآفلين} بصيغة جمع الذكور العقلاء المختصّ بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أنّ الكواكب عاقلة متصرّفة في الأكوان، ولا يكون الموجود معبوداً إلاّ وهو عالم. ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمَّا أفلّ النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطِّلاع على النَّاس، وقد بنَى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيباً عن هذا العالم، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أنْ يُتَّخذ إلهاً لأنَّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه. وليس الاستدلال منظوراً فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عَرَض للأبصار المشاهِدة له، أمَّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعاً لهم. ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكنْ الأفول السابقُ غيرُ مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول: إنّ هذا البازغ كان من قَبلُ آفِلاً. وقوله: {فلمّا رأى القمر بازغاً} الخ عطف على جملة محذوفة دلّ عليها الكلام. والتقدير: فطلع القمر فلَّما رآه بازغاً، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أنّ القمر طلع بعد أفول الكوكب، ولعلّه اختار لمحاجّة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك، وأنَّه كان آخر اللَّيل ليعقبهما طلوع الشمس. وأظْهِر اسمُ {القمر} لأنَّه حذف معاد الضمير. والبازغ: الشارق في ابتداء شروقه، والبُزُوغ ابتداء الشروق. وقوله {هذا ربِّي} أفاد بتعريف الجزأين أنَّه أكثر ضوءاً من الكوكب فإذا كان استحقاق الإلهية بسبب النّور فالذي هو أشدّ نوراً أولى بها من الأضعف. واسم الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصّة وهو كون المشار إليه مطلوباً مبحوثاً عنه كما تقدّم آنفاً. وقوله: {فلَّما أفل قال لَئن لم يهدني ربِّي لأكونَنّ من القوم الضالِّين} قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الربّ الحقّ وأنَّه واحد، وأنّ الكوكب والقمر كليهما لا يستحقَّان ذلك مع أنَّه عَرّض في كلامه بأنّ له ربّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنَّهم قائلون بعدّة أرباب. وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأنّ له ربّاً غير الكواكب. ثم عَرّض بقومه أنَّهم ضالّون وهيّأهم قبل المصارحة للعلم بأنَّهم ضالّون، لأنّ قوله: {لأكونَنّ من القوم الضالّين} يُدخِل على نفوسهم الشكّ في معتقدهم أن يكون ضلالاً، ولأجل هذا التعريض لم يقل: لأكوننّ ضالاّ، وقال {لأكوننّ من القوم الضالّين} ليشير إلى أنّ في النَّاس قوماً ضالّين، يعني قومه. وإنَّما تريَّث إلى أفول القمر فاستدلّ به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه بمجرّد رؤيته بازغاً مع أنّ أفوله محقّق بحسب المعتاد لأنَّه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأنّ المشاهدة أقوى. وقوله: {فلمَّا رأى الشمس بازغة} أي في الصباح بعد أن أفل القمر، وذلك في إحدى الليالي التي يغرب فيها القمر قبيل طلوع الشمس لأنّ الظاهر أنّ هذا الاستدلال كلّه وقع في مجلس واحد. وقوله للشمس {هذا ربِّي} باسم إشارة المذكّر مع أنّ الشمس تجري مجرى المؤنّث لأنّه اعتبرها ربّاً، فروعي في الإشارة معنى الخبر، فكأنَّه قال: هذا الجرْم الذي تدعونه الشمس تبيّن أنَّه هو ربِّي. وجملة {هذا ربي} جارية مجرى العلَّة لجملة {هذا ربِّي} المقتضية نقض ربوبية الكوكب والقمر وحصر الرّبوبيّة في الشمس ونفيها عن الكوكب والقمر، ولذلك حذف المُفضّل عليه لظهوره، أي هو أكبر منهما، يعني أن الأكبر الأكثر إضاءة أولى باستحقاق الإلهية. وقوله: {قال يا قوم إنِّي بريء ممَّا تشركون}، إقناع لهم بأنْ لا يحاولوا موافقته إيَّاهم على ضلالهم لأنَّه لما انتفى استحقاق الإلهية عن أعظم الكواكب التي عبدوها فقد انتفى عمَّا دونها بالأحرى. والبريء فعيل بمعنى فَاعِل من بَرىءَ ـــ بكسر الرّاء لا غير ـــ يَبرَأ ـــ بفتح الرّاء لا غير ـــ بمعنى تفصّى وتنزّه ونفَى المخالطة بينه وبين المجرور بــ (مِن). ومنه {أية : أن الله بريء من المشركين}تفسير : [التوبة: 3]، {أية : فبرّأهُ الله ممَّا قالُوا}تفسير : [الأحزاب: 69]، {أية : وما أبرّىء نفسي}تفسير : [يوسف: 53]. فمعنى قوله {بريء} هنا أنَّه لا صلة بينه وبين ما يشركون. والصلة في هذا المقام هي العبادة إن كان ما يشركون مراداً به الأصنام، أو هي التلبّس والاتِّباع إن كان ما يشركون بمعنى الشرك. والأظهر أنّ (ما) في قوله {ما تشركون} موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة، أي ما تشركون به، كما سيأتي في قوله: {أية : ولا أخاف ما تشركون به}تفسير : [الأنعام: 80] لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلَّق بالذوات، ولئلاّ يتكرّر مع قوله بعده {وما أنا من المشركين}. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي من إشراككم، أي لا أتقلَّده. وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكاً لأنّ قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه، ولقوله الآتي {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}تفسير : [الأنعام: 82]. وجملة {إنّي وجَّهْت وَجْهِي} بمنزلة بدل الاشتمال من جملة {إنِّي بريء ممّا تشركون}، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة. والوجه في قوله: {وجهي}. و{وجّهت} مشتقّ من الجهة والوجهة، أي صرفته إلى جهة، أي جعلت كذا جهة له يقصدها. يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه. ويقال للمكان المقصود وجهة ـــ بكسر الواو ـــ، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة ـــ بكسر الفاء ـــ لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر. فمعنى {وجَّهت وجهي} صرفتُه وأدرته. وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره. وأتي بالموصول في قوله: {للذي فطر السماوات والأرض} ليومىء إلى علّة توجّهه إلى عبادته، لأنّ الكواكب من موجودات السماء، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى. وفعل (وجَّه) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول: توجّهت للحبيب، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة. وفَطَر: خلَق، وأصل الفَطْر الشقّ. يقال فطر فطوراً إذا شقّ قال تعالى {أية : فارجع البصر هل تَرى من فُطُور}تفسير : [الملك: 3] أي اختلال، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه، وهذا كما يقال: الفَتق والفَلْق، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل. و{حنيفاً} حال من ضمير المتكلّم في {وجهتُ}. وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً}تفسير : في سورة [البقرة: 135]. وجملة: {وما أنا من المشركين} عطف على الحال، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلاً بالمشركين وفي عدادهم. فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم، وقد جمعهما أيضاً في سورة [الممتحنة: 4] إذ قال {أية : إنّا بُرَآء منكم وممّا تعبدون من دون الله}تفسير : . وأفادت جملة {وما أنا من المشركين} تأكيداً لجملة {إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً}، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّىء من أن يكون من المشركين. وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات {هذا ربِّي} هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنّه كان موقناً بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه. ومن المفسّرين من قال: إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله: {لئن لم يهدني ربِّي}، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية، كما بيّنّاه في موضعه، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض. على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه. فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 75] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله: {رأى كوكباً} بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله: {قال هذا ربِّي} قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد: شعر : قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاً وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد تفسير : وقول العَجّاج في ثور وحشي: شعر : ثم انثنى وقال في التفكير إنّ الحياة اليوم في الكُرور تفسير : وقوله: {هذا ربِّي} وقوله: {لا أحبّ الآفلين}، وقوله: {لئِن لم يهدني ربِّي} كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي. وقوله: {قال يا قوم} هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي}. الآيات قوله: {هَـٰذَا رَبِّي} في المواضع الثلاثة محتمل، لأنه كان يظن ذلك، كما روي عن ابن عباس وغيره ومحتمل، لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله. ومراده هذا ربي في زعمكم الباطل، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار والقرآن يبين بطلان الأول، وصحة الثاني: أما بطلان الأول، فالله تعالى نفى كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله: {أية : وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 123] في عدة آيات، ونفى الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما. وأما كونه جازماً موقناً بعدم ربوبية غير الله، فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} إلى آخره "بالفاء" على قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 75] فدل على أنه قال ذلك موقناً مناظراً ومحاجاً لهم، كما دل عليه قوله تعالى: {أية : وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} تفسير : [الأنعام: 80] الآية، وقوله: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام: 83] الآية والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلُ} {رَأَى} {ٱلآفِلِينَ} (76) - فَلَمَّا تَغَشَّاهُ اللَّيلُ وَسَتَرَهُ، رَأَى نَجْماً عَظِيماً، مُمْتَازاً عَنْ سَائِرِ الكَوَاكِبِ، بِإِشْرَاقِهِ وَبَرِيقِهِ (وَقِيلَ إنَّهُ كُوْكَبُ المُشْتَرِي الذِي عَبَدَهُ كَثيرٌ مِنَ الأَقْوامِ التِي عَبَدَتِ الكَوَاكِبَ)، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ: هذا رَبِّي؛ فَلَمَّا غَابَ وَغَرَبَ (أَفَلَ) قَالَ لَهُمْ: إِنِّي لاَ أُحِبُّ الآَفِلِينَ، إِذْ أَدْرَكَ أَنَّ رَبَّهُ حَاضِرٌ دَائِمٌ لاَ يَزُولُ. وَقَالَ الأُسْتَاذُ المَراغِي - إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ لِقَوْمِهِ عَنِ الكَوْكَبِ (هَذَا رَبِّي) فِي مَقَامِ المُنَاظَرَةِ وَالحِجَاجِ، تَمْهِيداً لِلإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ فَأَوْهَمَهُمْ أَوَّلاً أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمْ عَلَى زَعْمِهِمْ أَنَّ كَوْكَباً يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلهاً. ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْضِ بَانِياً حُجَّتَهُ عَلَى الحِسِّ وَالعَقْلِ). جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ - تَغَشَّاهُ وَسَتَرَهُ بِظَلامِهِ. أَفَلَ - غَرَبَ وَغَابَ وَرَاءَ الأُفُقِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"جن" تفيد الستر والتغطية، ومنها "الجنون" أي ستر العقل، و "جن الليل" أي أظلم وستر عنك، فلا ترى غيرك ولا غيرك يراك. و "الجَّنة" كذلك لأن فيها الأشجار والأشياء التي تستر من يمشي فيها، إذن المادة كلها تفيد الستر. وكلمة "كوكب" تفيد أنه يأخذ ضوءه من غيره، ونفهم من الآية أن إبراهيم كان في ظلمة ثم طلع الكوكب فرآه، ثم غاب الكوكب أي انتقل من بزوغ وطلوع إلى أفول، وقديماً كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، فجاء لهم إبراهيم من جنس ما يعبدون، وقال: {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}. ويتابع الحق بعد ذلك: {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} معناهُ غَطّاهُ. تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّآ أَفَلَ} معناه غَابَ وزَالَ.