٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} أي طالعاً. يقال: بَزَغ القمر إذا ٱبتدأ في الطلوع، والبَزْغ الشق؛ كأنه يشق بنوره الظلمة؛ ومنه بَزَغ البَيْطار الدابة إذا أسال دمها. {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} أي لم يُثَبِّتني على الهداية. وقد كان مهتدياً؛ فيكون جرى هذا في مُهلة النظر، أو سأل التثبيت لإمكان الجواز العقليّ؛ كما قال شعيب: {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأعراف: 89]. وفي التنزيل: «إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» أي ثبّتنا على الهداية. وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} مبتدئاً في الطلوع. {قَالَ هَـٰذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ} استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشاداً لقومه وتنبيهاً لهم على أن القمر أيضاً لتغير حاله لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلهاً فهو ضال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً } طالعاً {قَالَ } لهم {هَٰذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى } يثبتني على الهدى {لاَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ } تعريض لقومه بأنهم على ضلال فلم ينجع فيهم ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَازِغاً} طالعاً بزغ: طلع.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فلما رأى القمر بازغاً} يعني طالعاً منتشر الضوء {قال هذا ربي} معناه ما تقدم من الكلام في الكوكب {فلما أفل} يعني غاب {قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} يعني إن لم يثبتني ربي على الهدى وليس المراد أنه لم يكن مهتدياً لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة وفي الآية دليل على أن الهداية من الله تعالى لأن إبراهيم أضاف الهداية لله تعالى: {فلما رأى الشمس بازغة} يعني طالعة {قال هذا ربي} يعني هذا الطالع أو أنه إشارة إلى الضياء والنور لأنه رأى الشمس أضوأ من الكوكب والقمر وقيل إنما قال هذا ولم يقل هذه لأن تأنيث الشمس غير حقيقي فلهذا أتى بلفظ التذكير {هذا أكبر} يعني من الكوكب والقمر {فلما أفلت} يعني فلما غابت الشمس {قال يا قوم إني برئ مما تشركون} يعني أنه لما أثبت إبراهيم عليه السلام بالدليل القطعي أن هذه النجوم ليست بآلهة ولا تصلح للربوبية تبرأ منها وأظهر لقومه أنه بريء مما يشركون ولما أظهر خلاف قومه وتبرأ من شركهم أظهر ما هو عليه من الدين الحق فقال {إني وجهت وجهي} يعني إني صرفت وجه عبادتي وقصرت توحيدي {للذي فطر السموات والأرض} يعني للذي خلقهما وأبدعهما {حنيفاً} يعني مائلاً عن عبادة كل شيء سوى الله تعالى. وأصل الحنف: الميل، وهو ميل عن طريق الضلالة إلى طريق الاستقامة. وقيل: الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة في صلاته {وما أنا من المشركين} تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه. قوله عز وجل: {وحاجَّه قومه} يعني وخاصمه قومه وذلك لما أظهر إبراهيم عليه السلام عيب آلهتهم التي كانوا يعبدونها وأظهر التوحيد لله عز وجل خاصمه قومه وجادلوه في ذلك فقال: أتحاجوني في الله. يعني تجادلونني في توحيدي لله وقد هداني وقد بين لي طريق الهداية إلى توحيده ومعرفته. وقال البغوي: لما رجع إبراهيم إلى أبيه وصار من الشباب بحالة تسقط عنه طمع الذابحين وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها فيذهب إبراهيم وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يكتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤوسها وقال اشربي استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته حاجه قومه يعني خاصمه وجادله قومه في دينه {قال} يعني إبراهيم {أتحاجّوني في الله وقد هدان} يعني إلى توحيده ومعرفته {ولا أخاف ما تشركون به} وذلك أنهم قالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسَّك بخبل أو جنون لعيبك إياها فأجابهم بقوله ولا أخاف ما تشركون به فإنها جمادات لا تضر ولا تنفع وإنما يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضر وهو قوله {إلا أن يشاء ربي شيئاً} يعني لكن أن يشأ ربي شيئاً كان ما يشاء لأنه قادر على النفع والضر وإنما قال إبراهيم ذلك لاحتمال أن الإنسان قد يصيبه في بعض حالاته وأيام عمره ما يكرهه فلو أصابه مكروه نسبوه إلى الأصنام فنفى هذه الشبهة بقوله {إلا أن يشاء ربي شيئاً} وهذا استثناء منقطع وليس هو من الأول في شيء. والمعنى ولكن إن شاء ربي شيئاً كان {وسع ربي كل شيء علماً} يعني أحاط علمه بكل شيء فلا يخرج شيء عن علمه {أفلا تتذكرون} يعني أفلا تعتبرون أن هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع وأن الضار هو الذي خلق السموات والأرض ومن فيهما.
ابن عادل
تفسير : "بَازِغاً" حالٌ من "القمر", والبزوغ: الطُّلُوع، يقال: بَزَغَ بفتح الزاي: يَبْزُغ بضمها بزوغاً، والبُزُوغُ: الابتداء في الطلوع. قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البَزْغ وهو الشَّقُّ كأنه بنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقاً، ويستعمل قاصراً ومتعدياً، يقال: بَزَغ البَيْطَارُ الدَّابَّةَ، أي: أسال دَمَها، فبزغ هو، أي: سال، هذا هو الأصل. ثم قيل لكل طلوع: بزوغ، ومنه بَزَغَ نَابُ الصبي والبعير تَشْبيهاً بذلك. والقمر معروف سُمِّيَ بذلك لِبَيَاضِهِ، وانتشار ضَوْئِهِ، والأقْمَرُ: الحمار الذي على لون الليلة القمراء، والقَمرَاءُ ضوء القمر. وقيل سُمِّيَ القمر قمراً؛ لأنه يقمر ضوء الكواكب ويفوز به، واللَّيَالي القُمْرُ: ليالي تَدَوُّرِ القمر، وهي الليالي البِيضُ؛ لأن ضوء القمر يستمر فيها إلى الصباح. قيل: ولا يقال له قمراً إلا بعد امتلائه في ثالث ليلة وقبلها هِلالٌ على خلاف بين أهل اللغة تقدم في البقرة عند قوله: {أية : عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} تفسير : [البقرة:189] فإذا بلغ بعد العشر ثالث ليلة، قيل له: "بدر" إلى خامس عشر. ويقال: قمرت فلاناً، أي: خدعته عنه، وكأنه مأخوذ من قَمِرَت القِرْبَةُ: فَسَدَت بالقَمْراء. قوله: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي} يدلُّ على أن الهدايةَ ليست إلاَّ من الله، ولا يمكن حمل لفظ الهداية إلا على التمكين, وإزاحة الأعْذَارِ، ونَصْبِ الدلائل؛ لأن كل ذلك كان حاصلاً لإبراهيم عليه السلام.
البقاعي
تفسير : ولما بصرهم قصور صغير الكواكب، رقي النظر إلى أكبر منه، فسبب عن الإعراض عن الكواكب لقصوره قولَه: {فلما رأى القمر بازغاً} أي طالعاً أول طلوعه؛ قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق، كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً {قال هذا ربي} دأبَه في الأولى. ولما كان تأمل أن الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج صدورهم، قال: {فلما أفل قال} مؤكداً غاية التأكيد {لئن لم يهدني ربي} أي الذي قدر على الإحسان إليّ بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك له بخلق الهداية في قلبي، فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره، ولا تحمل على نصب الأدلة، لأنها منصوبة قبل ذلك، ولا على معرفة الاستدلال فإنه عارف به {لأكونن} أي بعبادة غيره {من القوم الضالين *} فكانت هذه أشد من الأولى وأقرب إلى التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن الرب غيرها، مع الملاطفة وإبعاد الخصم عما يوجب عناده. ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ربما يضل به الخصم قال: {فلما رأى} أي بعينه {الشمس بازغة} أي عند طلوع النهار وإشراق النور الذي ادعوا فيه ما ادعوا {قال} مبيناً لقصور ما هو أكبر من النور وهو ما عنه النور {هذا} مذكراً إشارتَه لوجود المسوغ، وهو تذكير الخبر إظهاراً لتعظيمها إبعاداً عن التهمة، وتنبيهاً من أول الأمر على أن المؤنث لا يصلح للربوبية {ربي} كما قال فيما مضى؛ ثم علل ذلك بياناً للوجه الذي فارق فيه ما مضى فأورث شبهة، فقال: {هذا أكبر} أي مما تقدم {فلما أفلت} أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها وهزمه جيش الظلام بقدرة الملك العلام {قال يا قوم} فصرح بأن الكلام لهم أجمعين، ونادى على رؤوس الأشهاد. ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة، وتهيأت لقبول الحق، ختم الآية بقوله: {إني بريء مما تشركون *} أي من هذا وغيره من باب الأولى، فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم العلوي كوكب أكبر من الشمس ولا أنور، فلما أبطل بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه إلى الإله الحق، وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر، والمراد هم، ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه، فقال مستنتجاً عما دل عليه الدليل العقلي في الملكوت: {إني وجهت وجهي} أي أخلصت قصدي غير معرج على شيء أصلاً، فعبر بذلك عن الانقياد التام، لأن من انقاد لشيء أقبل عليه بوجهه، ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاتُه، وعبر باللام دون إلى لئلا يوهم الحيز، فقال: {للذي فطر} أي لأجل عبودية من شق وأخرج {السماوات والأرض} فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله "الذي خلق السماوات والأرض" وأدل دليل على ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه الميل مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها - قولُه بعد نصب هذا الدليل: {حنيفاً} أي سهلاً هيناً ليناً لطيفاً ميالاً مع الدليل غير كزّ جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد، وأكد البراءة منهم بقوله: {وما أنا من المشركين} أي منكم، ولكنه أظهر الوصف المقتضي للبراءة والتعميم، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به. ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه، فقال: {وحاجه قومه} بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك، وأنه إن لم يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض، نزه المقام عن ذكرها، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله: {قال} أي بقول منكراً عليهم موبخاً لهم: {أتحاجوني} وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله: {في الله} أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد {وقد} أي والحال أنه قد {هدان} أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه، أي لأنه قادر، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان، ويخافه من عواقب العصيان، لأن من رُجي خيره خيف ضيره، ومن كان بيده النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه المحاجة، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم، فقال عاطفاً على ما تقديره: فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر: {ولا أخاف ما تشركون به} ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف، وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر. وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه. كل ذلك تلويحاً لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلاّ من يأمن ضره، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر، لا يرتكبها عاقل، والآية من الاحتباك. ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبداً في الحال والاستقبال، وكان من الأمر البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلاّ مع الإقرار بخفاء العواقب على العباد وإثبات العلم بها لله تسليماً لمفاتيح الغيب إليه، وقصرها عليه؛ قال مستثنياً من سبب النفي، وهو أنها لا تقدر على شيء: {إلا أن يشاء ربي} المحسن إليّ في حال الضر كما هو محسن في حال النفع {شيئاً} أي من تسليطها بأنفسها أو باتباعها، لأنه قادر على ما يريد، فإن أراد أنطق الجماد وأقدره، وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه، فأنا لا أخاف في الحقيقة غيره. ولما كان هذا في صورة التعليق، وكان التعليق وما شابهه من شأنه أن لا يصدر إلاّ من متردد، فيكون موضع إطماع للخصم فيه، علله بما أزال هذا الخيال فقال: {وسع ربي كل شيء علماً} أي فأحاط بكل شيء قدرة، فهو إذا أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة، وأثبت له كل مقتض لها، وذلك ثمرة شمول العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه، فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب إعلاماً بأن تلك رتبة لا تصلح إلاّ لله الذي وسع علمه كل شيء، وأدل دليل على هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدمَ الإبلاغ في التذكر بقوله مظهراً تاء التفعل إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر الصاد عن الشرك: {أفلا تتذكرون} أي يقع منكم تذكر، فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم بأن من غاب عن مربوبه فسد أو كاد، وأن هذه الجمادات لا تنفع ولا تضر، وأنها مصنوعكم، وتعجب منهم في ظنهم خوفه من معبوداتهم بقوله منكراً: {وكيف أخاف ما أشركتم} أي من دون الله من الأصنام وغيرها مع أنها لا تقدر على شيء {ولا} أي والحال أنكم أنتم لا {تخافون أنكم أشركتم بالله} أي المستجمع لصفات العظمة والقدرة على العذاب والنقمة. ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء قال: {ما لم ينزل به} أي بإشراكه؛ ولما كان المقام صعباً لأنه أصل الدين، أثبت الجار والمجرور وقدمه فقال: {عليكم سلطاناً} أي حجة تكون مانعة من إنزاله الغضبَ بكم، والحاصل أنه عليه السلام أوقع الأمن في موضعه وهم أوقعوه في موضع الخوف، فعجب منهم لذلك فبان أن هذا وقول شعيب عليه السلام في الأعراف {أية : وما يكون لنا أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله ربنا}تفسير : [الأعراف: 89] - الآية، وقوله تعالى في الكهف {أية : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله} تفسير : [الكهف: 24] من مشكاة واحدة؛ ولما كان المحذور المنفي هنا إنما هو خوف الضرر من آلهتهم، وكان حصول الضرر لمخالفها بواسطة أتباعها أو غيرهم من سنن الله الجارية في عباده، اقتصر الخليل عليه السلام على صفة الربوبية المقتضية للرأفة والرحمة والكفاية والحماية، وقد وقع في قصته الأمران: إمكانهم من أسباب ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها، ورحمته بجعلها عليه برداً وسلاماً؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب عليه السلام العود في ملتهم، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من دنو ساحات الكفر - والله الموفق. ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم، قال مسبباً عما مضى تقريراً لهم: {فأيّ الفريقين} أي حزب الله وحزب ما أشركتم به، ولم يقل: فأيّنا، تعميماً للمعنى {أحق بالأمن} وألزمهم بالجواب حتماً بقوله: {إن كنتم تعلمون} أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه؛ ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلاً ليخبروا عما سئلوا عنه قولَه مستأنفاً: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الفعل {ولم} أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم {يلبسوا إيمانهم} أي يخالطوه ويشوبوه {بظلم}. ولما كان المعنى: أحق بالأمن، عدل عنه إلى قوله مشيراً إليهم بأداة البعد تنبيهاً على علو رتبتهم: {أولئك لهم} أي خاصة {الأمن} أي لما تقدم من وصفهم {وهم مهتدون} أي وأنتم ضالون، فأنتم هالكون لإشرافكم على المهالك "وتفسيرُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لهذا الظلم المطلق في قوله تعالى {بظلم} بالشرك" الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13] تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على أن هذا التنوين للتعظيم، ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه، ولا شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك، وأنه دال على الحث على التبريء عن قليل الشرك وكثيره، فآل الأمر إلى أن المراد: ولم يلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك، فالتنوين حينئذٍ للتحقير كما هو للتعظيم، فهو من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معاً - والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} أي مبتدئاً في الطلوعِ إثرَ غروبِ الكوكب {قَالَ هَـٰذَا رَبّى} على الأسلوب السابق {فَلَمَّا أَفَلَ} كما أفل النجم {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى} إلى جَنابه الذي هو الحقُّ الذي لا محيدَ عنه {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ} فإن شيئاً مما رأيته لا يليق بالربوبـية، وهذا مبالغةٌ منه عليه السلام في إظهار النَّصَفة، ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في موضعٍ كان في جانبه الغربـيِّ جبلٌ شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل، وكان الكوكب قريباً منه وأُفقُه الشرقيُّ مكشوفٌ أولاً وإلا فطلوعُ القمر بعد أفولِ الكوكب ثم أفولُه قبل طلوع الشمس كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} أي مبتدئةً في الطلوع مما لا يكاد يُتصور {قَالَ} أي على النهج السابق {هَـٰذَا رَبّى} وإنما لم يؤنِّثْ لما أن المشارَ إليه والمحكومَ عليه بالربوبـية هو الجِرمُ المشاهَدُ من حيث هو لا من حيث هو مسمّىً باسم من الأسامي فضلاً عن حيثيةِ تسميتِه بالشمس، أو لتذكير الخبر وصيانةِ الربِّ عن وَصْمة التأنيث، وقوله تعالى: {هَـٰذَا أَكْبَرُ} تأكيدٌ لما رامه عليه السلام من إظهار النَّصَفة مع إشارةٍ خفيةٍ إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببـيان أن الأكبرَ أحقُّ بالربوبـية من الأصغر {فَلَمَّا أَفَلَتْ} هي أيضاً كما أفل الكوكبُ والقمرُ {قَالَ} مخاطباً للكلِّ صادِعاً بالحق بـين أظهُرِهم {قَالَ يٰقَوْمِ إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ} أي من الذي تشركونه من الأجرام المُحْدَثةِ المتغيرةِ من حالة إلى أخرى المسخَّرة لمحدِثها، أو من إشراككم، وترتيبُ هذا الحكمِ ونظيرَيْه على الأفول دون البزوغِ والظهور من ضروريات سَوْق الاحتجاجِ على هذا المَساق الحكيم، فإن كلاًّ منهما وإن كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضِه للربوبـية قطعاً، لكن لما كان الأولُ حالةً موجبةً لظهور الآثارِ والأحكامِ ملائمةً لتوهُّم الاستحقاقِ في الجملة رُتِّب عليها الحكمُ الأول على الطريقة المذكورة، وحيث كان الثاني حالة مقتضِيةً لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافية للاستحقاق المذكور منافاةً بـيّنةً يكاد يعترف بها كلُّ مكابرٍ عنيدٍ رُتّب عليها ما رتب، ثم لما تبرأ عليه السلام منهم توجَّه إلى مبدعِ هذي المصنوعات ومُنشئها.
التستري
تفسير : قيل: ما معنى قوله: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي}[77] قال: يعني لئن لم يدم لي الهداية، {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ}[77] ثم قال: كانت ملة إبراهيم عليه السلام السخاوة، وحالة التبري من كل شيء سوى الله تعالى، ألا تراه حين قال جبريل عليه السلام: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. لم يعتمد على أحد سواه في كل حال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} [الآية: 77]. قال الواسطى رحمة الله عليه: لئن لم يقمنى ربى على الهداية التى شاهدتها بإعلام بواديه {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} فى نظرى إلى نفسى وبقاءى فى صفاتى. وقال سهل فى هذه الآية: لئن لم يهدنى ربى بمعُونة منه لأكونن مثلكم فى الضلالة. وقال بعضهم: لئن لم يزدنى هدى ولم يثبتنى على الهداية. وقال بعضهم: لئن لم يكرمنى بمزيد الهداية لأكونن كما أنتم فى عبادتكم، فلما ثبتت الحجة عليهم إنها ليست بآلهة رجع إلى وطنه فقال: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وقيل فى قوله: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} من الاستدلال بالمخلوقات على الخالق بعلمى أن لا دليل على الله سواه. وقيل فى قوله: {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. قال الواسطى: منى الدعوة ومن الله الهداية. قال ابن عطاء فى قوله: {هَـٰذَا رَبِّي} قال: كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم من شدة حبه لربه وشغفه به لما رأى الصنع والآثار غاب عنها وتعلق بالصنائع، وهذا من عطشه وامتلائه بربه، لم يكن فيه فضل من ربه أن يقول هذا صنع ربى الذى يظهر مثل هذه البدائع والآثار، وهذا مقام الجمع أن لا يكون فيه فضل من ربه أن يذكر سواه أو يرى سواه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما رأى القمر بازغا} اى مبتدئا فى الطلوع اثر غروب الكوكب {قال هذا ربى فلما افل} كما افل النجم {قال لئن لم يهدنى ربى} الى جنابه {لأكونن من القوم الضالين} تعريض لقومه بانهم على ضلال ولعله عليه السلام كان اذ ذاك فى موضع كان من جانبه الغربى جبل شامخ يستتر به الكواكب والقمر وقت الظهر من النهار او بعده بقليل وكان الكوكب قريبا منه وافقه الشرقى مكشوف والا فطلوع القمر بعد افول الكوكب ثم افوله قبل طلوع الشمس مما لا يكاد يتصور.
الجنابذي
تفسير : لمّا قوى الدّاعى لنفى الرّبوبيّة فى نفسه ونبّه القوم بالكناية الخفيّة على نفى ربوبيّته مثل هذا كنّى كناية اظهر من الاولى بنسبة الضّلال الى نفسه اوّلاً ليكون اقرب الى الانصاف بالكناية بقوله لئن لم يهدنى ربّى، ونسبة التّمكّن فى الضّلال صريحاً ثانياً بقوله لا كوننّ من القوم الضّالّين واكّد الحكم بمؤكّدات عديدة.
اطفيش
تفسير : {فلما رَأى القَمر بَازغاً} طالعاً طرفه أو طالعا كله، كما انفصل عن جسم طلع من جهته مبتدئاً فى الطلوع {قالَ هذا ربِّى فلمَّا أفل قالَ لئنْ لم يهْدِنى ربِّى لأكوننَّ من القَوم الضَّالين} عن الحق فاتخذوا القمر رباً، مع أنه أفل فالعلة فى انتفائه عليه السلام من ربوبية القمر هى أفوله على حد ما مر فى الكوكب كله، وتعرض بهم أنهم مخذولون إذ اتخذوه ربا، وأنه إن لم يهده الله كان مثلهم فى الضلال، وأنه عاجز عن الهدى إلا بتوفيق الله، وأيضا تعدد الآلهة مستحيل عقلا كما استحال شرعاً، وكذا الكلام فى الشمس، والقوم الضالون قوم أبيه، وضع الظاهر موضع المضمر يسميهم باسم الضلال أو كل من ضل.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً} مبتدئاً فى الطلوع من بزغ بمعنى ظهر، أَو بزغ بمعنى شق، فإِنه شق الظلمة، أَو من بزغ بمعنى سال كأَن ضوءَه سال وانتشر {قَالَ} لهم أَو لنفسه، أَو قال يقولون {هذا ربىّ} فى زعمكم، أَو بطريق الاستدلال، {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ} والله {لَمْ يَهْدِنِى رَبِّى} يعنى الله، أَى لئن لم يثبتنى على الهدى لأَنَّ أَصل إِلى الهدى من حين كان حياً فى البطن وما زال يزداد، فليس المراد لئن لم يعطنى ربى الهدى {لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} تلويح بقومه، أَو لمطلق من لم يكن على ما كان عليه بأنهم على ضلال، جادلهم بأفول الكوكب، أَو استدل ولما لم يؤثر فيهم، أَو فرض أَلاَّ يؤثر فيهم وهو مستدل، استدل ببزوغ القمر وأَفوله، ولما لم يؤثر أَو فرض عدم التأثير جادلهم بأفول الشمس، كما قال: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّى} فى زعمكم، أَو بطريق الاستدلال، أَو قال: يقولون هذا ربى، وذكَّر الإِشارة لأَن الخبر غير مؤنث وهو الراجح فى المؤنث المخبر عنه بالمذكر، ولأَن الله سبحانه منزه عن صيغة التأْنيث، يقال: الله خلاق وعلام لا خلاقة وعلامة بالتاء مع أَنها آكد، وعندى: لا يجوز فى الله أَن تقول: الذات الواجبة بل الواجب بلا تاء، وينبغى أَلا يطلق عليه الذات أَيضاً لأَنه لفظ تأنيث لكن جرى التعبير به والصواب أَن يقال: الشىء الواجب بالنفس أَى لا بغيره، فإِن الصحيح إِطلاق النفس على الله، أَو ذكَّر الإِشارة لأَن الشمس نجم أَو أَراد هذا الجسم البازغ {هَذَا} ذكَّره لتأْويل النجم، أَو هذا الجسم البازغ لا لتذكير الخبر لأَن هذا الخبر المذكور لا يذكَّر له المؤنث لأَنه اسم تفضيل شأْنه ذلك لتنكيره، تقول فى المرأَة هذه أَكبر لا هذا أَكبر، ولا صحة لقول من قال أَنه لا تأْنيث فى لغة العجم لاسم الإِشارة، ولا لقول من قال أَن الإِضافة مقلوبة فى لغة العجم فإِن الذى شاهدناه غير ذلك فى أَكثر اللغات ونسبى فى بنى عدى من العرب، ولسانى بربرى موافق للعربية كلها إِلا قليلا، ولا يذكر فى العربية شىء من أَلفاظ العجمية ولا من قواعدها إِلا الأَسماءَ {أَكْبَرُ} من الكواكب والقمر جرماً وضوءاً ونفعاً وتأَثيراً بإِذن الله، فلعلها الرب بطريق الاستدلال، أَو فى زعمكم، ويقال أَن الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع وثمن مثل الأَرض، وستة آلاف وستمائة وأَربعون وأَربعون مثلا وثلثاً مثل للقمر، وأَن الأَرض تسعة وثلاثون مثلا وخمس وعشر مثل للقمر {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ} لنفسه كأَنه يخاطب قومه بحضرتهم وهم غائبون، وهذا على طريق الاستدلال، أَو خاطبهم تحقيقاً وهو المتبادر من قوله يا قوم، وعلى كل حال لما قويت الحجة فى الاستدلال أَو فى خطابه قومه صرح بالبراءَة من دين قومه {يَا قَوْمِ إِنِّى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} من إِشراككم، أَو من الأَشياء التي تشركونها بالله سبحانه وتعالى، من الشمس والقمر والكواكب والأَصنام والآدميين، كما أَن الأَب عندهم رب لزوجه، وهى رب لولدها، ونمرود رب لهم لعنهم الله، والمخلوق العاجز المحدث كيف يكون إِلهاً؟، وإِنما الإِله هو القديم الموجود لغيره على أَنواع من الجائزات يخصها بها زماناً ومكاناً وذاتاً وأَحوالاً، وسائر العوارض، وأَفعاله على صفاته وذاته.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} أي مبتدأ في الطلوع منتشر الضوء، ولعله ـ كما قال الأزهري ـ مأخوذ من البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ويقال بزغ الناب إذا ظهر وبزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها. ويقال: بزغ الدم أي سال، وعلى هذا فيمكن أن يكون بزوغ القمر مشبهاً بما ذكر وكلام الراغب صريح فيه. وظاهر الآية أن هذه الرؤية بعد غروب الكوكب. وقوله سبحانه: {قَالَ هَـٰذَا رَبّى} جواب لما وهو على طرز الكلام السابق {فَلَمَّا أَفَلَ} كما أفل الكوكب {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } إلى جنابه الحق الذي لا محيد عنه {لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالّينَ} فإن شيئاً مما رأيته لا يصلح للربوبية، وهذا مبالغة منه عليه السلام في النصفة. «وفيه ـ كما قال الزمخشري ـ تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلٰهاً وهو نظير الكواكب في الأفول فهو ضال». «والتعريض بضلالهم هنا ـ كما قال ابن المنير ـ أصرح وأقوى من قوله أولا { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] وإنما ترقى عليه السلام إلى ذلك لأن الخصوم قد أقامت عليهم بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض لهم عليه السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم له إلى آخره. والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم (والتصريح) بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة عليهم وتبلج الحق وبلغ من الظهور غايته». وفي هذه الجملة دليل من غير وجه على أن استدلاله عليه السلام ليس لنفسه بل كان محاجة لقومه وكذا ما سيأتي. وحمل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام استعجز نفسه فاستعان بربه عز وجل في درك الحق وما سيأتي على أنه إشارة إلى حصول اليقين من الدليل خلاف الظاهر جداً، على أنه قيل: إن حصول اليقين من الدليل لا ينافي المحاجة مع القوم. ثم الظاهر على ما قال شيخ الإسلام «انه عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان في جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل وكان الكوكب قريباً منه وأفقه الشرقي مكشوف أولاً وإلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما / ينبىء عنه قوله تعالى: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} أي مبتدأة في الطلوع مما لا يكاد يتصور» وقال آخر: إن القمر لم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان وراء جبل ثم طلع منه أو في جانب آخر لا يراه وإلا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكوكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس انتهى. وأنت تعلم أن القول بوجود جبل في المغرب أو المشرق خلاف الظاهر لا سيما على قول شيخ الإسلام لأن هذا الاحتجاج كان في نواحي بابل على ما يشير إليه كلام المؤرخين وأهل الأثر وليس هناك اليوم جبل مرتفع بحيث يستتر به الكوكب وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل، واحتمال كونه كان إذ ذاك ولم يبق بتتالي الأعوام بعيد، وكذا يقال على القول المشهور عند الناس اليوم: إن واقعة إبراهيم عليه السلام كانت قريباً من حلب لأنه أيضاً ليس هناك جبل شامخ كما يقوله الشيخ على أن المتبادر من البزوغ والأفول البزوغ من الأفق الحقيقي لذلك الموضع والأفول عنه لا مطلق البزوغ والأفول. وقال الشهاب: إن الذي ألجأهم إلى ما ذكر التعقيب بالفاء ويمكن أن يكون تعقيباً عرفياً مثل تزوج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين ذلك سواء كان استدلالاً أو وضعاً واستدراجاً لا أنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكر إذا كان كوكباً مخصوصاً وإنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمل انتهى. ولا يخفى أن القول بالتعقيب العرفي والتزام أن هذا الاستدلال لم يكن في ليلة واحدة وصبيحتها هو الذي يميل إليه القلب، ودعوى إمكان طلوع القمر بعد أفول الكوكب حقيقة وقبل طلوع الشمس وأفوله قبل طلوعها لا يدعيها عارف بالهيئة في هذه الآفاق التي نحن فيها لأن امتناع ذلك عادة ولو أريد كوكب مخصوص أمر ظاهر لا سيما على ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن رؤية القمر كانت في ءاخر الشهر. نعم قد يمكن ذلك في بعض البروج في عروض مخصوصة لكن بيننا وبينها مهامه فيح، ولعله لذلك أمر بالتأمل فتأمل. {قَالَ} أي على المنوال السابق {هَـٰذَا رَبّى} إشارة إلى الجرم المشاهد من حيث هو لا من حيث هو مسمى باسم من الأسامي فضلاً عن حيثية تسميته بالشمس ولذا ذكر اسم الإشارة. وقال أبو حيان «يمكن أن يقال: إن أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر عندهم سواء فأشير في الآية إلى المؤنث بما يشار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم عليه السلام وحين أخبر سبحانه عن المؤنث ببازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية». وتعقب بأن هذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فالمعتبر حكم لغة العرب، وقد صرح غير واحد بأن العبرة في التذكير والتأنيث بالحكاية لا المحكي ألا ترى أنه لو قال أحد: الكوكب النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت: الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعي فيه الحكاية على أن القول بأن محاورة إبراهيم عليه السلام كانت بالعجمية دون العربية مبني على أن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية والصحيح خلافه. وقيل: التذكير لتذكير الخبر وقد صرحوا في الضمير واسم الإشارة مثله أن رعاية الخبر فيه أولى من رعاية المرجع لأنه مناط الفائدة في الكلام وما مضى فات. وفي «الكشاف» «بعد جعل التذكير لتذكير الخبر / وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ألا تراهم قالوا في صفة الله تعالى: علام ولم يقولوا علامة وإن كان العلامة أبلغ احترازاً من علامة التأنيث» واعترض عليه بأن هذا في الرب الحقيقي مسلم وما هنا ليس كذلك. وأجيب بأن ذلك على تقدير أن يكون مسترشداً ظاهر، والمراد على المسلك الآخر إظهار صون الرب ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سبباً لعدم إصغائهم. وقوله تعالى: {هَـٰذَا أَكْبَرُ } تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة مع إشارة خفية ـ كما قيل ـ إلى فساد دينهم من جهة أخرى ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر. وكون الشمس أكبر مما قبلها مما لا خفاء فيه، والآثار في مقدار جرمها مختلفة. والذي عليه محققو أهل الهيئة أنها مائة وستة وستون مثلاً وربع وثمن مثل الأرض وستة آلاف وستمائة وأربعة وأربعون مثلاً وثلثا مثل للقمر، وذكروا أن الأرض تسعة وثلاثون مثلاً وخمس وعشر مثل للقمر، وتحقيق ذلك في «شرح مختصر الهيئة» للبرجندي. {فَلَمَّا أَفَلَتْ } كما أفل ما قبلها {قَالَ} لقومه صادعاً بالحق بين ظهرانيهم. {قَالَ يٰقَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } أي من إشراككم أو من الذي تشركونه من الأجرام المحدثة المتغيرة من حال إلى أخرى المسخرة لمحدثها، وإنما احتج عليه السلام بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضاً انتقال قيل لتعدد دلالته لأنه انتقال مع احتجاب والأول: حركة وهي حادثة فيلزم حدوث محلها، والثاني: اختفاء يستتبع إمكان موصوفه ولا كذلك البزوغ لأنه وإن كان انتقالاً مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال. واعترض بأن البزوغ أيضاً انتقال مع احتجاب لأن الاحتجاب في الأول لاحق وفي الثاني: سابق، وكونه عليه السلام رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء ـ كما قيل ـ ولم يشاهد بزوغه فإنما يصير نكتة في الكوكب دون القمر والشمس إلا أن يقال بترجح الأفول بعمومه بخلاف البزوغ. والأولى ما قيل: «إن ترتيب هذا الحكم ونظيريه على الأفول دون البزوغ والظهور من ضروريات سوق الاحتجاج على هذا المساق الحكيم فإن كلاً منهما وإن كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضه للربوبية قطعاً لكن لما كان الأول حالة موجبة لظهور الآثار والأحكام ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة رتب عليه الحكم الأول أعني {هَـٰذَا رَبّى } على الطريق المذكورة، وحيث كان الثاني حالة مقتضية لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافيين للاستحقاق المذكور منافاة بينة يكاد يعترف بها كل مكابر عنيد رتب عليها ما رتب» انتهى. وبمعنى هذا ما قاله الإمام في وجه الاستدلال بالأفول من «أن دلالته على المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول، ونَقَلَ عن بعض المحققين أن الهوى في (حضيض) الإمكان أفول؛ وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان وكل ممكن محتاج والمحتاج لا يكون (مقطعاً للحاجة) فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال سبحانه: { أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] وأما الأوساط فهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة وكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلٰهاً بل الإلٰه هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل، وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوؤه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن / كان كذلك لم يصلح للإلٰهية ثم قال: فكلمة {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ} مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين. وهناك أيضاً دقيقة أخرى وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي وكان صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف الأثر قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإلٰه هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربـي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجزاً عن التدبير وذلك يدل على القدح في إلٰهيته. ويظهر من هذا أن للأفول على قول المنجمين مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلٰهيته». ولا يخفى أن فهم الهوى في حضيض الإمكان من { أية : فَلَمَّا أَفَلَ } تفسير : [الأنعام: 77] في هذه الآية مما لا يكاد يسلم، وكون المراد فلما تحقق إمكانه لظهور أمارات ذلك من الجسمية والتحيز مثلاً قال الخ لا يخفى ما فيه، نعم فهم هذا المعنى من { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] ربما يحتمل على بعد. ونقل عن حجة الإسلام الغزالي أنه «حمل الكوكب على النفس الحيوانية التي لكل كوكب والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل فلك، وعن بعضهم أنه حمل الكوكب على الحس، والقمر على الخيال والوهم والشمس على العقل، والمراد أن هذه القوى المدركة قاصرة متناهية القوة ومدبر العالم مستولي عليها قاهر لها» وهو خلاف الظاهر أيضاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة نظير ذلك، وإنما لم يقتصر عليه السلام في الاحتجاج على قومه بأفول الشمس مع أنه يلزم من امتناع صفة الربوبية فيها لذلك امتناعها في غيرها من باب أولى. وفيه أيضاً رعاية الإيجاز والاختصار ترقياً من الأدون إلى الأعلى مبالغة في التقرير والبيان على ما هو اللائق بذلك المقام ولم يحتج عليهم بالجسمية والتحيز ونحوهما مما يدركه الرائي عند الرؤية في أمارات الحدوث والإمكان اختياراً لما هو أوضح من ذلك في الدلالة وأتم. ثم إنه عليه السلام لما تبرأ مما تبرأ منه توجه إلى مبدع هذه المصنوعات وموجودها فقال: {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ...}
د. أسعد حومد
تفسير : {رَأَى} {لَئِن} (77) - فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ طَالِعاً قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: هذا رَبِّي. فَلَمَّا غَرَبَ وَغَابَ، سَأَلَ رَبَّهُ الهِدَايَةَ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ إنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي إِلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ فِي تَوْحِيدِهِ لأَكُونَنَّ ضَالاً. بَازِغاً - طَالِعاً مِنَ الأُفُقِ مُنْتَشِرَ الضَّوْءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا قال إبراهيم عليه السلام: هذا ربي، ووقف العلماء هنا وتساءلوا: كيف يقول إبراهيم هذا ربي، وهي جملة خبرية من إبراهيم، وكيف يجري إبراهيم على نفسه لفظ الشرك، وأراد العلماء أن يخلصوا إبراهيم من هذه المسألة. ونقول لهؤلاء العلماء: جزاكم الله كل خير، وكان يجب أن تؤخذ هذه المسألة من باب قصير جداً؛ لأن الذي قال: إن إبراهيم قال: هذا ربي، هو الذي قال في إبراهيم: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124] إذن فقوله {هَـٰذَا رَبِّي} لا تخدش في وفائه الإيماني، ولا بد أن لها وجهاً. ونعلم أن القوم كانوا يعبدون الكواكب، ويريد إبراهيم أن يلفتهم إلى فساد هذه العقيدة، فلو أن إبراهيم من أول الأمر قال لهم: يا كذابون، يا أهل الضلال، وظل يوجه لهم السباب لما اهتموا به ولا سمعوا له. لكن إبراهيم استخدم ما يسمي في الجدل بـ "مجاراة الخصم"؛ ليستميل آذانهم ويأخذ قلوبهم معه، وليعلموا أنه غير متحامل عليهم من أول الأمر، فيأخذ بأيديهم معه. مثال ذلك في حياتنا، تجد رجلاً له ابنة وجاء لها خطيب، وهذا الخطيب قصير جداً، بينما البنت - ما شاء الله - طويلة، وحين جاء الخطيب ليراها وتراه تقول لأمها: هذا خطيبي؟! وهذا القول يعني أنها تنكر أن يكون هذا القصير عنها هو خطيبها، وحين قال إبراهيم: {هَـٰذَا رَبِّي} معناه إنكار أن يكون مثل هذا الكوكب أو ذلك القمر أو تلك الشمس هي الرب. ونلحظ أنه يحدد لهم مصير من يعبد تلك الكواكب، فقال: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ}، وفي هذا معرفة بمن على هدى أو على ضلال، ويكون قوله: {هَـٰذَا رَبِّي} لونا من التهكم؛ لأنهم قالوا بما جاء به القرآن على لسانهم: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ}. فكأنه قال: سلمنا جدلاً أنه ربكم، لكنه يأفل ويغيب عنكم، وقوله: {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} يعني أنه غير متعصب ضدهم. وكذلك حين يقول الحق: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً} معناهُ طَالِعٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):