٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً} نصب على الحال؛ لأن هذا من رؤية العين. بَزَغ يَبْزُغ بزوغاً إذا طلع. وأفلَ يأفِلُ أفولاً إذا غاب. وقال: «هذا» والشمس مؤنثة؛ لقوله: {فَلَمَّآ أَفَلَتْ}. فقيل: إن تأنيث الشمس لتفخيمها وعِظمها؛ فهو كقولهم: رجل نَسّابة وعلاّمة. وإنما قال: «هَذَا رَبِّي» على معنى: هذا الطالِعُ ربِّي؛ قاله الكسائِيّ والأخفش. وقال غيرهما: أي هذا الضوء. قال أبو الحسن عليّ بن سليمان: أي هذا الشخص؛ كما قال الأعشى:شعر : قامت تبكِّيه على قبرِهِ مَن لِيَ مِن بعدِك يا عامِرُ تركتَنِي في الدار ذا غُرْبةٍ قد ذَلّ من ليس له ناصرُ
البيضاوي
تفسير : {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبّى} ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث. {هَـٰذَا أَكْبَرُ} كبره استدلالاً أو إظهاراً لشبهة الخصم. {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنّى بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال:
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا } ذكَّره لتذكير خبره {رَبّى هَٰذَا أَكْبَرُ } من الكوكب والقمر {فَلَمَّا أَفَلَتْ } وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا {قَالَ يَٰقَوْمِ إِنّى بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث، فقالوا له: ما تعبد؟.
ابن عطية
تفسير : لما قصد قصد ربه قال هذا فذكر أي هذا المرئيّ أو المنير ونحو هذا، فما أفلت الشمس لم يبق شيء يمثل لهم به، فظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم والتبري من إشراكهم، وقوله: {إني بريء مما تشركون} يؤيد قول من قال: النازلة في حال الكبر والتكليف: و {وجهت وجهي} أي أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني وغير ذلك مما يعمه المعنى المعبر عنه بـ {وجهي}، و {فطر} معناه: ابتدع في أجرام، و {حنيفاً} معناه مستقيماً، والحنف الميل في كلام العرب، وأصله في الأشخاص وهو في المعاني مستعار، فالمعوج في الأجرام أحنف على الحقيقة أي مائل والمستقيم فيها أحنف على تجوز كأنه مال عن كل جهة إلى القوام و {حاجه} فاعله من الحجة، قال أتراجعوني في الحجة في توحيد الله، وقرأت فرقة "أتحاجونني" بإظهار النونين وهو الأصل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "أتحاجوني" بإدغام النون الأولى في الثانية، وقرأ نافع وابن عامر "أتحاجوني" بحذف النون الواحدة فقيل: هي الثانية وقيل هي الأولى, ويدل على ذلك أنها بقيت مكسورة, قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تحذف الأولى لأنها للإعراب وإنما حذفت الثانية التي هي توطئة لياء المتكلم كما حذفت في "ليتي" وفي قول الشاعر: [الوافرُ] شعر : يسوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي تفسير : وكسرت بعد ذلك الأولى الباقية لمجاورتها للياء {وقد هداني} أي أرشدني إلى معرفته وتوحيده، وأمال الكسائي "هدانِ" والإمالة في ذلك حسنة وإذا جازت الإمالة في غزا ودعا هما من ذوات الواو فهي في "هدانِ" التي هي من ذوات الياء أجوز وأحسن، وحكي أن الكفار قالوا لإبراهيم عليه السلام خف أن تصيبك آلهتنا ببرص أو داء لإذايتك لها وتنقصك، فقال لهم لست أخاف الذي تشركون به، لأنه لا قدرة له ولا غناء عنده و {ما} في هذا الموضع بمعنى الذي، والضمير في {به} يحتمل أن يعود على الله عز وجل فيكون على هذا في قوله {تشركون} ضمير عائد على {ما} تقدير الكلام ولا أخاف الأصنام التي تشركونها بالله في الربوبية، ويحتمل أن يعود الضمير على {ما} فلا يحتاج إلى غيره، كأن التقدير ما تشركون بسببه، وقوله تعالى: {إلا أن يشاء ربي شيئاً} استثناء ليس من لأول و {شيئاً} منصوب بـ {يشاء}، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضراً استثنى مشيئتة ربه تعالى في أن يريده بضر، و {علماً} نصب على التمييز وهو مصدر بمعنى الفاعل، كما تقول العرب: تصبب زيد عرقاً، المعنى تصبب عرق زيد فكذلك المعنى هنا وسع علم ربي كل شيء {أفلا تتذكرون} توقيف وتنبيه وإظهار لموضع التقصير منهم.
ابن عادل
تفسير : إنما ذكر اسم الإشارة مذكراً والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه: إما ذهاباً بها مذهب الكواكب، وإما ذهاباً بها مذهب الضوء والنور، وإما بتأويل الطَّالع أو الشخص؛ كما قال الأعشى: [السريع] شعر : 2218- قَامَتْ تُبَكِّيهِ عَلَى قَبْرِهِ مَنْ لِيَ بَعْدكَ يَا عَامِرُ تَرَكْتَنِي فِي الدَّارِ ذَا غُرْبَةٍ قَدْ ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ نَاصِرُ تفسير : أو الشيء، أو لأنه لما أخبر عنها بمذكَّرٍ أعْطِيَتْ حُكْمَه؛ تقول: هند ذاك الإنسان وتيك الإنسان؛ قال: [البسيط] شعر : 2219- تَبِيتُ نُعْمَى عَلَى الهِجْرَانِ غَائِبَةً سَقْياً ورعْياً لِذاكَ الغَائِبِ الزَّاري تفسير : فأشار إلى "نعمى" وهي مؤنث إشارةَ المُذكرِ لوصفها بوصف الذكور, أو لأن فيها لُغَتَيْنِ: التذكير والتأنيث، وإن كان الأكثر التأنيث، فقد جمع بينهما في الآية الكريمة فأنَّث في قوله: "بازغة"، وذكَّرَ في قوله: "هذا". وقال الزمخشري: "جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارةً عن شيء واحد؛ كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و{أية : لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا} تفسير : [الأنعام:23] وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرَّبِّ عن شُبْهَةِ التأنيث، إلا تَرَاهُمْ قالوا في صفة الله: علاَّم، ولم يقولوا: عَلاَّمة، وإن كان أبْلَغَ، احترازاً من علامة التأنيث". قلت: وهذا قريبٌ مِمَّا تقدَّم في أن المؤنث إذا أخبر عنه بمذكَّرِ عومل معاملة المُذكَّرِ، نحو: "هند ذاك الإنسان". وقيل: لأنها بمعنى: هذا النَّيِّر، أو المرئي. قال أبو حيَّان: "ويمكن أن يقال: إن أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في الضمائر، ولا في الإشارة بين المُذَكَّرِ والمؤنث سواء، فلذلك أشار إلى المؤنَّثِ عندنا حين حكى كلام إبراهيم بما يشار به إلى المذكر، بل لو كان المؤنث بِفَرْجٍ لم يكن له علامة تَدُلُّ عليه في كلامهم، وحين أخبر - تعالى - عنها بقوله: "بَازِغَةً" و "أفَلَتْ" أتت على مقتضى العربية، إذ ليس ذلك بحكاية" انتهى. وهذا إنما يظهر أن لو حكى كلامهم بِعَيْنِهِ في لغتهم، أما شيء يعبر عنه بلغة العرب، ويعطى حكمه في لغة العَجَمِ، فهو مَحَلُّ نَظَرٍ. فصل في بيان سبب تسمية العبرية والسريانية. قال الطبري: إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إنما نطق بالعبرانية حين عَبَرَ النَّهْرَ فاراً من النَّمْرُودِ حيث قال للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم من يتكلم بالسريانية فأتُونِي به، فلما أدْرَكُوُ اسْتَنْطَقُوهُ، فَحوَّلَ الله نُطْقَهُ لساناً عبرانياً، وذلك حين عبر النَّهْرَ، فسميت العبرانية لذلك. وأما السُّرْيَانِيَّةُ فذكر ابن سلام أنها سميت بذلك؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - حين علم آدم الأسماءَ علَّمهُ سِرَّا من الملائكة، وأنطقه بها حينئذ، فَسُمِّيتِ السريانية لذلك، والله أعلم. قوله: "هَذَا أكْبَرُ" أي: أكبر الكواكب جِرْماً، وأقواها قوة، فكان أوْلَى بالإلهية، قوله: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} "ما" مصدرية، أي: بريء من إشراككم، أو موصولة أي: من الذين يشركونه مع الله في عبادته، فحذف العائد, ويجوز أن تكون الموصوفة والعائد محذوف أيضاً, إلا أنَّ حَذْفَ عائد الصِّفَةِ أقل من حَذْفِ عائد الصِّلة، فالجملة بعدها لا محلًّ لها على القولين الأوَّليْنِ، ومحلها الجر على الثالث، ومعنى الكلام أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للرُّبُوبيَّةِ والإلهية، لا جَرَمَ تبَرَّأ من الشِّرْكِ. فإن قيل: هَبْ أن الدليل دَلَّ على أن الكواكب لا تصلح للربوبية، لكن لا يلزم من هذا نَفْيُ الشرك مطلقاً؟ فالجواب: أن القوم كانوا مُسَاعدين على نَفْي سائر الشُّركاءِ، وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة، فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشْياءَ ليست أرْبَاباً، وثبت بالاتفاق نَفْيُ غيرها، لا جرم حصل الجَزْمُ بنفي الشركاء.
البقلي
تفسير : {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} يشرون اليه من غيره ان كان وسلية اليه فانى اراه بلا واسطة رايته به لا غير برئت من حظى فى الوسائط.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما رأى الشمس بازغة} اى مبتدئة فى الطلوع {قال هذا} الجرم المشاهد {ربى هذا اكبر} من الكوكب والقمر وهو تأكيد لما رامه من اظهار النصفة بقوله {أية : لأكونن من الضالين} تفسير : [الأنعام: 77] {فلما أفلت} كما افل الكوكب والقمر وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا {قال} مخاطبا للكل صادعا بالحق بين اظهرهم {يا قوم انى بريئ مما تشركون} بالله تعالى من الاصنام والاجرام المحتاجة الى محدث فقالوا له ما تعبد قال.
الجنابذي
تفسير : {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ} تذكير الاشارة باعتبار الخبر ولتنزيه الرّبّ عن سمة التّأنيث {فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} بعد ما قوى الدّاعى وتمّ الحجّة نادى القوم صريحاً واظهر التّبرّى ونفى الرّبوبيّة صريحاً واكّد الحكم بانّ واسميّة الجملة ثمّ لم يكتف به واظهر ربوبيّة الله الّذى هو خالق الكلّ باخلاص الوجه له وصرّح بنفى الاشراك به مؤكّداً فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً}.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا رأى الشَّمس بازغةً قالَ هَذا ربِّى} ذكر بلغته عليه السلام أن هذا الشئ المنير الطالع ربى، وإذا ذكره عنه الله تعالى مذكراً مع أن الشمس مؤنث، لأن المؤنث المجازى يؤنث فى الإشارة، أو ذكره الله تعالى لتذكير الخبر، والمراد أن هذا الطالع ربِّى، وأن هذا الكوكب ربِّى، فإن الشمس كوكب يزول به الليل، واختير أن يقال ذلك صيانة عن التأنيث فى حق الله، كما يقال: الله علام الغيوب، ولا يقال علامة مع أن علامة أبلغ لصورة تاء التأنيث، ولو كان يستعمل فيما ذكره. {هذا أكبر} من الوكب والقمر، فإن كان فى الكواكب شئ من الآلهة فهو الشمس، وذلك منه مجاراة للخصم حتى يعثر وقد عثروا، وافتضحوا بقوله الذى ذكره الله عنه جل وعلا وهو قوله: {ولما أفلَتْ قالَ يا قَوْم إنِّى برئٌ مما تُشْركونَ} مما تشركونه بالله تعالى من مخلوقاته، أو برئ من إشراككم، وإنما احتج فى الشمس بالأفول على أنها ليست رباً لا بالبزوغ، مع أن البزوغ أيضا انتقال وتحرك لزيادة دلالة الأفول على دلالة البزوغ، بأن الأفول احتجاب، والمحتجب لا يكون رباً لزوال حكمه عن مربوبه إذا احتجب، والبزوغ ولو دل على الاحتجاب لكن مشاهدة الاحتجاب بعد الظهور وهو الأفول أعظم دلالة من احتجاب المنزه عن البزوغ، ولأن فى الأفول انتقالا من القوة إلى الضعف، بخلاف البزوغ، وأيضا بينما هو فى النظر والتفكر وقع بصره على كوكب مضئ بعيد، ولما رآه انتقل إلى الأفول من الحضور علم أنهُ غير إله لانتقاله من القوة إلى الضعف. ثم طلع القمر فى أثناء تقرير هذا الدليل، فأعاد ذلك الكلام، وكذا الشمس وأفول النجم والقمر حقيق كأفول الشمس، والمتحقق فى مجلس المناظرة هو الأفول دون البزوغ فاحتج به، ولو صلح البزوغ للاستدلال، وقيل: سهر الليل كله، فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لانتشار ضوئها، أو دنا من مغربه فسمى ذلك أفولا لقربه من الأفول التام على تجوز فى التسمية، وهذا الترتيب يستقيم فى الليلة الخامسة عشر من الشهر إلى ليلة عشرين، ولو قدرنا هذا الترتيب بغيوب القمر فى مغربه لم يغب إلا بعد طلوع الشمس، ولما بطل أن تكون الأشياء المذكورة آلهة لم يبق أن يكون إلهاً إلا الله فقال:
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 78- ثم رأى الشمس طالعة بعد ذلك، فقال محدثاً نفسه: هذا ربى، لأنه أكبر ما يرى من الكواكب، فلما غابت قال: يا قوم إنى برئ من الأصنام التى تشركونها مع الله فى العبادة. 79- بعد أن رأى ضعف المخلوقات اتجه إلى خالقها قائلا: إنى وجهت قصدى إلى عبادة الله - وحده - الذى خلق السموات والأرض، مجانباً كل سبيل غير سبيله وما أنا بعد الذى رأيت من دلائل التوحيد - ممن يرضى أن يكون من المشركين مثلهم. 80- ومع ذلك جادله قومه فى توحيد الله، وخوفوه غضب آلهتهم، فقال لهم: ما كان لكم أن تجادلونى فى توحيد الله وقد هدانى إلى الحق، ولا أخاف غضب آلهتكم التى تشركونها مع الله، لكن إذا شاء ربى شيئاً من الضر وقع ذلك، لأنه - وحده - القادر، وقد أحاط علم ربى بالأشياء كلها، ولا علم لآلهتكم بشئ منها. أتغفلون عن كل ذلك فلا تدركون أن العاجز الجاهل لا يستحق أن يعبد؟! 81- وكيف تتصورون أنى يمكن أن أخاف آلهتكم الباطلة، على حين لا تخافون الإله الحق الذى أشركتم به غيره فى العبادة الذي قامت الحجة على وحدانيته؟! فأى فريق منا فى هذه الحالة أحق بالطمأنينة والأمان، إن كنتم تعلمون الحق وتدركونه؟ 82- الذين آمنوا بالله، ولم يخلطوا إيمانهم هذا بعبادة أحد سواه، هؤلاء - وحدهم - هم الأحق بالطمأنينة، وهم - وحدهم - المهتدون إلى طريق الحق والخير.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَأَى} {يٰقَوْمِ} (78) - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً، وَرَأَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ النُّورِ السَّاطِعِ، وَالحَجْمِ الكَبِيرِ، تَظَاهَرَ أَمَامَ قَوْمِهِ بِأنَّهُ اهْتَدَى إِلَى الصَّوَابِ فِي مَعْرِفَةِ المَعْبُودِ الذِي عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُشِيراً إِلَى الشَّمْسِ: هَذَا رَبِّي، هَذَا أَكْبَرُ مَا رَأَيْتُ مِنَ الكَوَاكِبِ، وَأَكْثَرُهَا نُوراً. فَلَمَّا غَابَتْ تَبَرَّأَ، مِنْ كُلِّ المَعْبُودَاتِ التِي جَعَلَهَا قَوْمُهُ أَرْبَاباً لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يثبت له أن كل كوكب - حتى الشمس - مصيره إلى أفول، فكأنه قد وصل بهم بالمنطق إلى أن عبادة الكواكب لا تصلح، واستخدم المنطق الذي يحقق نيته في أن ينكر هذه الربوبية، ويستأنس به آذان من يسمعه. وهناك أشياء يجعلها الحق سبباً مبرراً لارتكاب أشياء كثيرة، إلا أننا نعقد مقارنة بين بعضهم البعض مثلما قال الحق: {أية : وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} تفسير : [النحل: 106] وقد جاءت بعد قوله سبحانه: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106] فإذا كان الله قد أباح إجراء كلمة الكفر على لسان المؤمن المطمئن لينجي حياته وهو فرد، أفلا يصح لإبراهيم أن يقول لهم: {هَـٰذَا رَبِّي} بما تحتمل من أساليب حتى ينجي أمة بأسرها من أن تعبد الأصنام؟. إذن فيقول إبراهيم {هَـٰذَا رَبِّي} يؤخذ على محملين: ألم يقل الله سبحانه وتعالى بنفسه عن نفسه: {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي} تفسير : [فصلت: 47] وسبحانه يعلم أنّه لا شركاء له، ولكن الشركاء هم مِن زعْم المشركين. "حديث : ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان ينادي في بعض القوم: يا إله الآلهةلأنه يعلم أن قوماً قد ألهوا ظواهر طبيعية في الكون لما يرون من الخير فيها، فأراد أن ينبههم إلى أن هناك إلهاً حقًّا ". تفسير : ويوضح القرآن عدم جدوى الشرك حين يقول: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [المؤمنون: 91] ويقول سبحانه: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] والحق سبحانه وتعالى يقول للكافر الذي كان يعتز بجاهه في دنياه: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] فهل هذا القول اعتراف بأن الكفر عزيز كريم أو هو قول تهكمي؟. إنه تهكم؛ لأن الكافر لو كان عزيزاً كريماً عند نفسه لما كفر ولما استقر في الجحيم. وكان المنطق في اللغة أن يقول: فلما رأى الشمس بازغة قال هذه ربي؛ لأن الشمس مؤنثة، ولكنه قال: {هَـٰذَا رَبِّي} كما قال في القمر وفي غيره من الكواكب، فجعل الأمر على سياق أو حالة واحدة، أو هو بهذا القول يريد أن ينزه كلمة الرب تنزيها مطلقا عن أن تلحق بها علامة التأنيث؛ لأن علامة التأنيث فرع التذكير، وأيضاً لأن الشمس ليست مؤنثاً حقيقياً، بل هي مؤنث مجازي، ولذلك يفطن العلماء إلى هذه المسألة فيقولون: إنك إذا أعطيت واحداً صفة العلم، وقلت: فلان عالم، أما إذا صار علمه ملكة عنده فنقول: "فلان عليم"؛ ولذلك يقول الحق: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76] وإذا كان العالم متمكناً من علمه بشكل غير مسبوق نقول عنه: "علاَّم". والحق سبحانه يصف نفسه فيقول: {أية : عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116] ولم يقل العلماء في وصف الله علامة، وإن كان هذا الوصف أبلغ احترازا من أن تلحق علامة التأنيث صفة من صفات الله - عز وجل -. وحين تأفل الشمس يقول سيدنا إبراهيم: {فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] وجاء الأمر صريحاً لأنه سبق المسألة بالترقيات الجدلية التي قالها، وحين يسمعها أي عاقل فلا بد أن يعلن اتفاقه في هذا الأمر، ولذلك قال: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. ولأنه كإنسان مؤمن لن يغش نفسه، وبالتالي لن يغش قومه، وهذا ما ينبه العقل حين يعطيه الله هبة الهداية. والبراءة من الشرك تخلية عن المفسد، والتخلية تعني أن تنفك أو تنقطع عن العمل المفسد، وبعد ذلك تدخل في العمل المصلح. . العمل الإيجابي. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):