٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
79
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} أي قصدت بعبادتي وتوحِيدي لِلَّه عز وجل وحده. وذَكَر الوجه لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه. {حَنِيفاً} مائلاً إلى الحق. {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} اسم «ما» وخبرها. وإذا وقفت قلت: «أنا» زدت الألف لبيان الحركة، وهي اللغة الفصيحة. وقال الأخفش: ومن العرب من يقول: «أن». وقال الكسائي: ومن العرب من يقول: «أنَّهْ». ثلاث لغات. وفي الوصل أيضاً ثلاث لغات: أن تحذف الألف في الإدراج؛ لأنها زائدة لبيان الحركة في الوقف. ومن العرب من يثبت الألف في الوصل؛ كما قال الشاعر:شعر : أنَـا سَيْف العشِيـرة فٱعرفونـي تفسير : وهي لغة بعض بني قيس وربيعة؛ عن الفرّاء. ومن العرب من يقول في الوصل: آن فعلت، مثل عان فعلت؛ حكاه الكِسائي عن بعض قُضَاعة.
البيضاوي
تفسير : {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وإنما احتج بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضاً انتقال لتعدد دلالته، ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال. {وَحَاجُّهُ قَوْمُهُ} وخاصموه في التوحيد. {قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ} في وحدانيته سبحانه وتعالى. وقرأ نافع وابن عامر بخلاف عن هشام بتخفيف النون. {وَقَدْ هَدَانِ} إلى توحيده. {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} أي لا أخاف معبوداتكم في وقت لأنها لا تضر بنفسها ولا تنفع. {إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً} أن يصيبني بمكروه من جهتها، ولعله جواب لتخويفهم إياه من آلهتهم وتهديد لهم بعذاب الله. {وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً} كأنه علة الاستثناء، أي أحاط به علماً فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه من جهتها. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال{إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } قصدت بعبادتي {لِلَّذِى فَطَرَ } خلق {ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } أي الله {حَنِيفاً } مائلاً إلى الدين القيِّم {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } به
ابن عادل
تفسير : المراد: وجهت عبادتي وطاعتي لعبادته ورضاه، كأنهم نَفوا بذلك وَهْمَ من يَتَوهَّمُ الجهة، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مُطِيعاً لغيره مُنْقَاداً لأمره، فإنه يتوجَّه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كِنايةً عن الطاعة. وفتح الباء من وجهي نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، والباقون تركوا هذا الفتح. قوله: "لِلَّذي فَطَرَ" قدروا قبله مُضافاً؛ أي: وجهت وَجْهِي لعبادته كما تقدم و "حنيفاً" حال من فاعل "وجَّهْتُ". وقد تقدَّم تفسير هذه الألفاظ، و"ما" يحتمل أن تكون الحجازية، وأن تكون التميمية.
ابو السعود
تفسير : فقال: {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} التي هذه الأجرامُ التي تعبدونها من أجزائها {وٱلأَرْضِ} التي تغيب هي فيها {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الباطلة والعقائدِ الزائغة كلِّها {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في شيء من الأفعال والأقوال {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} أي شرَعوا في مغالبته في أمر التوحيد. {قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية مُحاجَّتهم، كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام حين حاجّوه؟ فقيل: قال منكِراً لما اجترأوا عليه من مُحاجَّته مع قصورهم عن تلك الرُتبة وعِزّةِ المطلب وقوةِ الخصم {أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ} بإدغام نونِ الجمعِ في نون الوقاية، وقرىء بحذف الأولى وقوله تعالى: {وَقَدْ هَدَانِ} حال من ضمير المتكلم مؤكِّدة للإنكار، فإن كونه عليه السلام مَهدِياً من جهة الله تعالى ومؤيَّداً من عنده مما يوجب استحالةَ مُحاجَّتِه عليه السلام أي أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيّتِه والحال أنه تعالىٰ هداني إلى الحق بعد ما سلكت طريقتَكم بالفرض والتقدير وتبـيَّن بُطلانُها تبـيناً تاماً كما شاهدتموه، وقوله تعالى: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} جوابٌ عما خوّفوه عليه السلام في أثناء المُحاجّة من إصابة مكروهٍ من جهة أصنامِهم كما قال لهودٍ عليه السلام قومُه: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } تفسير : [هود، الآية 54] ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل عليه السلامُ بآلهتهم ما فعل، و(ما) موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأوقات، أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقات إلا في وقتِ مشيئتِه تعالى شيئاً من إصابة مكروهٍ بـي من جهتها، وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرِه عليه السلام إظهارٌ منه لانقيادِه لحُكمه سبحانه وتعالى، واستسلامِه لأمره واعترافِه بكَوْنه تحتَ ملَكوتِه ورُبوبـيتِه. وقوله تعالى: {وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيْء عِلْماً} كأنه تعليلٌ للاستثناء، أي أحاط بكل شيءٍ علماً فلا يبعُد أن يكونَ في علمه تعالى أن يَحيقَ بـي مكروهٌ مِنْ قِبَلها بسببٍ من الأسباب، وفي الإظهار في موضع الإضمارِ تأكيدٌ للمعنى المذكور، واستلذاذٌ بذكره تعالى {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أي أتُعرضون عن التأمل في أن آلهتَكم جماداتٌ غيرُ قادرةٍ على شيء ما مِنْ نفع ولا ضرر؟ فلا تتذكرون أنها غيرُ قادرة على إضراري، وفي إيراد التذكّرِ دون التفكر ونظائرِهِ إشارةٌ إلى أن أمرَ أصنامِهم مركوزٌ في العقول لا يتوقفُ إلا على التذكر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [الآية: 79]. قال جعفر: يعنى أسلمت قلبى للذى خلقه وانقطعت إليه من كل شاغل وشغلى للذى فطر السماوات والأرض قال: الذى رفع السماوات والأرض بغير عمد، وأظهر فيها بدائع صنعه قادر على حفظ قلبى من الخواطر المذمومة والوساوس التى لا تليق بالحق.
القشيري
تفسير : أفردتُ قصدي لله، وطهَّرت عقدي عن غير الله، وحفظت عهدي في الله لله، وخلصت وجدي بالله، فإني لله وبالله، بل محو في الله والله الله.
البقلي
تفسير : {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} اى انى متوجه عبد تبراى من الحدث بنعت تجريدى فى التوحيد الى شرق القدم الذى بدا من انوار فعله كل وسيلة وهذا معنى قوله تعالى {حَنِيفاً} مسلما حنيفا قائلا عما دونه مسلما منقادا بنعت الرضا عنده {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الذين يشيرون الى الوسائط فانى ذاهب الى ربى سيهدنى منى اليه حتى ابقى بنعت الفناء فيه كمن فيه كواكب الوحدانية وشموسها واقمار فغلب بها الشكوك فى رؤية الاقمار والنجوم والشموس قال الواسطى فى قوله راى كوكبا قال انه كان يطلع الحق بصره لا الكوكب وكذلك الشمس والقمر بقوله الا احب الأفلين عند رجوعه الى اوصلافه بارتفاع المعنى البادى عليه اى لا احب زوال ما استوذانى من لذة المشاهدة فاذهلنى واحضرنى فيه وقال بعضهم لما اظلما عليه الكون وعمى عن الاختيار والجاه والاضطرار الى نفس الاضطرار ورد على قلبه من الربوبية فقال هذا ربى ثم كوشف له عن انوار الهيبة فاداد نورا فصاح ثم افنى بنور الالهية عن معنى البشرية فقال لئن لم يهدنى ربى ثم ابقى ببقاء الباقى فقال يا قوم انى برئ مما تشركون قال الواسطى فى قوله لئن لم يهدانى ربى لئن لم يقمنى ربى على الهداية التى شاهدتها باعلام بواديه لا كونن من الضالين فى نظرى الى أنفسى وبقائى فى صفاتى قيل فى قوله انى برئ مما تشركون من الاستلال بالخلوقات على الخالق بعلمى انه لا دليل على الله قال الواسطى فى قوله وما انا من المشركين منى الدعوة ومن الله الهداية وقال جعفر عليه السلام فى قوله انى وجهت وجهى يعنى اسملمت قلبى اذى خلقه وانقطعت اليه من كل شاغل وشغل بالذى فطر السموات والارض فان الذى رفع السموات بغير عمد ترونها واظهر فيها بدائع صنعه قادر على حفظ قلبى من الخواطر المذمومة والوساوس التى لا يليق بالحق قال بعضهم كان لابراهيم خليل الرتحمن عليه السلام مقامات الاول مقام الفاقة والثانى مقام النعمة والثالث مقام المعذرة والرابع مقام المحبة والخامس مقام المعرفة والسادس مقام الهيبة فتكلم فى مقام الفاقة بلسان الدعوة فقال اجعلنا مقيم الصلاة وفى مقام النعمة بلسان الشكر وقال الذى هو يطعمنى ويسقين وفى مقام الاعتذار بقلوه والذى ااطمع ان يغفر لى خطيئتى يوم الدين وفى مقام المحبة بلسان المودة انى برئ مما تشركون وفى مقام المعرفة بلسان الانبساط رب ارنى كيف تحيى الموتى وفى مقام الهيبة بالسكون لما قال له جبرئيل هل لك من حاجة قال اما اليك له نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان فقال هذا ربى ثم زد فى ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان فقال هذا ربى ثم اسفر الصبح ومنه النهار فطلع شموس العرفان عن برج شرقها فلم يبق للطلب مكان ولا للتوجيز حكم والا لتهمة قرار فيقال يا قوم انى برئ مما تشكرون اذ ليس بعد الغيب ريب ولا عقب الظهور سر قوله تعالى لآٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} اى الذين شاهدوا الله بوصف المعرفة والتوحيد لا برسم الاستدلال بالاكوان والحدثان ولم يتجاوز وافى مقام المشاهدة عن مقام العبودية الى مقام الانانية من مباشرة احكام الربوبية وحسن تجليها فان العارف اذا بقى عند المشاهدة فى مقام العبودية فنعته صحو تمكين وهو فى غاية المعرفة وهو مقام النبى صلى الله عليه وأله وسلم عند قوله انا العبد لا اله الا الله فاذا تجاوز منه بذوق ادراك نور الربوبية الا الانانية فنعته السكر والتولين وهو فى مقام الاضطراب غير بالغ فى المعرفة كمن ادعى الانانية بقوله انا الحق وسبحانه فان دعوى الانانية ههنا ظالم والظلم وضع الشئ فى غيره وضعه فمن بقى بوصف العبودية فى المشاهدة وقاه بوقاية التوحيد والمعرفة الخاصة عن يسلبه غمرات السكر التى توقع السكران الى هتك الاسرار ودعوى الانانية وهذا معنى قوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} به اليه وايضا اشارة الأية الى من لا يرجع فى مشاهدة الله الى الحدثان كما وصف نبينا عليه السلام بمقام دنو الدنو بنعت الاستقامة فى مشهد القرب حيث ما زاغ سره الى غيره بقلوه ما زاغ البصر وما طغى لان من التفت منه الى غيره وان كان الجنة فقد اشرك فى حقائق التوحيد اولئك لهم الامن مقام الامن لا يحصل لاحد ما دام بوصف الحدثية وكيف يكون أمنا منه وهو فى رق العبودية ويرعف نفسه بها ويعرف الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت وقال الله تعالى فلايا من مكر اله الا القوم الخاسرون فاذا راى الله سحبانه بوصف المحبة والعشق والشوق وذاق طعم الدنو واتصف بصفات الحق بدأ له اوائل الامن لان فى صفة القدم لا يكون علة الخوف والرجا لان هناك جنة القربة والوصال وهم فيها أمنون من طارق القهر وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته وان كانوا فى تسامح من مناقشة الله بدقائق خفايا مكره قال ابن طاهر فى قوله لم يلبسوا المرجع وقال الاستاد اى الذين اشاروا الى اله ثم لم يرجعوا الى غير الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {إنى وجهت وجهى} اى اخلصت دينى وعبادتى وجعلت قصدى {للذى فطر السموات والأرض} اى لله الذى خلقهما {حنيفا} اى مائلا عن الاديان الباطلة كلها الى الدين الحق ميلا لا رجوع فيه {وما انا من المشركين} به تعالى فى شئ من الافعال والاقوال وهذه حال من كملت صقالة مرآة قلبه عن طبع الطبع وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها فانه لا يلتفت الى الاجرام والاكوان بل الى اليمين والشمال لان شوق الخلة الى الحضرة نصبه فى محاذاة ذاته المقدسة عن الجهة: قال فى المثنوى شعر : آفتاب از امر حق طباخ ماست ابلهى باشد كه كوئيم اوخداست آفتابت كر بكيرد جون كنى آن سياهى زوتوجون بيرون كنى نى بدركاه خدا آرى صداع كه سياهى را ببرداده شعاع كركشندت نيم شب خورشيدكو تابنالى يا امان خواهى ازو حادثات اغلب بشب واقع شود وان زمان معبود تو غائب شود سوى حق كرر استانه خم شوى وارهى از اختران محرم شوى
الجنابذي
تفسير : {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً} خالصاً {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} فلا ينبغى لكم ان تحاجّونىّ لانّى على هداية وبيّنة وانتم على عمى وضلالة {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} كأنّهم كانوا يحاجّونه بالتّخويف من آلهتهم وبما اراهم الشّيطان منهم من بعض ما لا يعتاد {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} وحينئذٍ لا يكون خوفى منهم بل من ربّى {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} فلا أخاف ان يصيبنى مكروه من غير علم ربّى به {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} بما اقول لكم من انّ ربّى خالق آلهتكم وانّ علمه محيط بالكلّ ولا قدرة ولا علم لالهتكم كما انّ ربّى له القدرة الكاملة والعلم الكامل.
اطفيش
تفسير : {إنِّى وجَّهْت وجْهِىَ} الذى فى رأسى هذا لفظه، ومراده أخلصت عبادتى، أو وجهت قصدى {للَّذى فَطَر السَّماوات والأرْض} بدعهما {حَنيفاً} حالا من تاء وجهت، أى مائلا عن عبادة غيره إليه سبحانه وتعالى أميل مائلا عن استقبال غير الكعبة فى الصلاة إلى استقبالها {وما أنا مِنَ المشْرِكين} به شيئاً.
اطفيش
تفسير : {إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً} هذه استعارة تمثيلية، شبه إِعراضه عن المعاصى والشرك ومالا نفع فيه واشتغاله بالطاعة والتوحيد وما فيه نفع بجعل الوجه مستقبلا لخالق السماوات والأَرض، وهو منزه عن الجهات، ومائلا عن سائر الجهات، واللام على أَصلها أَو بمعنى إِلى وجردها بقوله {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بالله شيئاً، أَو ذلك استعارة بالكناية، وما أَنا من المشركين رمز إِلى المراد، وذلك حقيقة، أَى صرفت قصدى لعبادة الذى خلق السماوات والأَرض حنيفاً، أَى مائلا إِلى توحيده وعبادته خاصة، وإِنما احتج بالأَفول دون البزوغ مع أَن فى البزوغ ما فى الأفول من الدلالة على الحدوث بالحركة المنافية للربوبية، لأَن الأفول فيه دلالة على الحدوث بها وبالاحتجاب والغيبة، والبزوغ يدل على الحركة فقط، ولم يعتبر الاحتجاب الذى قبل البزوغ لأَن الاحتجاب يكون بعد الظهور، فلعله حدث البزوغ بدون احتجاب، أَو اقتصر على الأفول لأَنه أَول ما تحقق فى مناظرته، ولو كان البزوغ صالحاً أَيضاً للاستدلال فإِنه لا بد ظهور بعد خفاء ولو بوجود بعد عدم على أَن المعدوم خفى أَيضاً، بمعنى عدم ظهوره، والأفول أَعم. كان نمرود لعنه الله أَول من وضع التاج على رأْسه ودعا الناس إِلى عبادته، وأَخبره كهنته ومنجموه أَنه يولد فى هذه السنة فى بلدك من تهلك ويزول ملكك به، أَو رأَوا ذلك فى بعض كتب الأَنبياء، أَو رأَى فى السماء نجماً طالعاً مضيئاً مذهباً لضوء الشمس والقمر كله، ففزع وسأَل الكهان وأَمر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته، وعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجلا يمنعهم عن نسائهم، وإِذا حاضت خلاه، إِذ لا يجامعون فى الحيض وحبس الحبالى عنده إِلام أُم إِبراهيم فصغيرة لا تتهم بالحمل وخرج بالرجال إِلى العسكر تخوفاً عن الجماع فظهرت له حاجة لم يأمن عيها إِلا آزر فخلفه، فقال: أَنا أَشح بدينى فرجع فقضى حاجة نمرود، ودخل على زوجته لينظر إِليها فجامعها فحملت بإِبراهيم، فقال الكهان والمنجمون: إِن الغلام حمل به الليلة، فأَمر بذبح كل من ولد، ولما قربت ولادتها ذهبت إِلى نهر يابس، أَو مغارة فولدته ولفته فى خرقة ووضعته فى حلفاءَ، وأَخبرت زوجها بموضعه، وحفر له سرباً فى النهر وسد عليه، وسد عليه فى المغارة بصخرة، أَو سدت هى عليه فيها، وكانت تختلف عليه فتجده يمص من أصبع ماء ومن اصبع لبناً ومن آخر سمناً ومن آخر عسلا ومن آخر تمراً، وقيل: قالت لآزر: ولدت ولداً فمات، وصدقها، وكان يشب فى اليوم كالشهر، وفى الشهر كالسنة، ومكث فى الغار خمسة عشر شهراً، أَو سبع سنين، أَو ثلاث عشرة، أَو سبع عشرة سنة، وقال لأُمه: أَخرجينى فأَخرجته عشاء، فتفكر فى السماوات والأَرض والسماء والنجوم، فكان ما ذكر الله عز وجل عنه من قوله "أية : فلما جن عليه الليل"تفسير : [الأنعام: 76] إِلخ... ورجعت به إِلى أَبيه وقالت أَنه ابنه، وأَخبرته بما فعلت، ففرح، وقالت: إِنه الغلام الذى ذكر الكهنة، وقال: يا أُمى، من ربى؟ قالت: أَبوك. قال: فمن رب أَبى؟ قالت: اسكت، وقال لأَبيه: من ربى؟ قال: أمك. قال: من رب أمى؟ قال: أَنا. قال: من ربك؟ قال: نمرود. قال: من رب نمرود؟ فلطمه وقال: اسكت. وقيل: رأى الكوكب من خلل الصخرة، وقيل: قال لهما: أَخرجاني، فأَخرجاه فى مغيب الشمس، فرأَى الإِبل والخيل والغنم، فسأَل عنها أَباه، فقال: إِبل وخيل وغنم، وقال له ولأُمه: لا بد لهذه ولنا من خالق ورازق لا رب غيره، فرأَى المشترى قد طلع، وقيل الزهرة، من آخر الشهر آخر طلوع القمر، كذا قيل، وفيه أَنه لو كان كذلك لم يره آفلا، اللهم إِلا بتخصيص له.
الالوسي
تفسير : {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ} أي أوجد وأنشأ {ٱلسَّمَـٰوَاتِ} التي هذه الأجرام من أجزائها {وٱلأَرْضِ} التي تلك الأصنام من أجزائها {حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الباطلة والعقائد الزائغة كلها {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أصلاً في شيء من الأقوال والأفعال، والمراد من توجيه الوجه للذي فطر الخ قصده سبحانه بالعبادة. وقال الإمام: «المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يتوجه بوجهه إليه فجعل توجه الوجه إليه كناية عن الطاعة» والظاهر أن اللام صلة وجه. وفي «الصحاح» «وجهت وجهي لله وتوجهت نحوك وإليك» وظاهره التفرقة بين وجه وتوجه باستعمال الأول باللام والثاني بإلى، وعليه وجه اللام هنا دون إلى ظاهر، وليس في «القاموس» تعرض لهذا الفرق. وادعى «الإمام أنه حيث كان المعنى توجيه وجه القلب إلى خدمته تعالى وطاعته لأجل عبوديته لا توجه القلب إليه جل شأنه لأنه متعالٍ عن الحيز والجهة تركت إلى واكتفى باللام فتركها. والاكتفاء باللام هٰهنا دليل ظاهر على كون المعبود متعالياً عن الحيز والجهة» وفي القلب من ذلك شيء. فإن قيل: إن قصارى ما يدل عليه الدليل أن الكوكب / والشمس والقمر لا يصلح شيء منها للربوبية والألوهية ولا يلزم من هذا القدر نفي الشرك مطلقاً وإثبات التوحيد فلم جزم عليه السلام بإثبات التوحيد ونفي الشرك بعد إقامة ذلك الدليل؟ فالجواب بأن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل على أن هذه الأشياء ليست أرباباً ولا آلهة وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق. ثم إن المشهور أن هذا الاستدلال من أول ضروب الشكل الثاني، والشخصية عندهم في حكم الكلية كأنه قيل: هذا أو القمر أو هذه أفل أو أفلت ولا شيء من الإلٰه بآفل أو ربـي ليس بآفل ينتج هذا أو القمر أو هذه ليس بإلٰه أو ليس بربـى، أما الصغرى فهي كالمصرح بها في قوله تعالى: { أية : فَلَمَّا أَفَلَ } تفسير : [الأنعام: 76 ،77] في الموضعين، وقوله سبحانه: { أية : فَلَمَّا أَفَلَتْ } تفسير : [الأنعام: 78] في الأخير، وأما الكبرى فمأخوذة من قوله تعالى: { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] لأنه يشير إلى قياس وهو كل آفل لا يستحق العبودية، وكل من لا يستحق العبودية فليس بإلٰه ينتج من الأول كل آفل ليس بإلٰه، ويستلزم لا شيء من الآفل بإلٰه لاستلزام الموجبة المعدولة السالبة المحصلة. ويصح جعل الكبرى ابتداء سالبة فينتج ما ذكر وينعكس إلى لا شيء من الإلٰه بآفل، وهي إحدى الكبريين، ويعلم من هذا بأدنى التفات كيفية أخذ الكبرى الثانية. وقال الملوي: الأحسن أن يقال إن قوله تعالى: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ} يتضمن قضية وهي لا شيء من الآفل يستحق العبودية فتجعل كبرى لصغرى ضرورية وهي الإلٰه المستحق للعبودية ينتج لا شيء من الإلٰه بآفل وإذا ضمت هذه النتيجة إلى القضية السابقة وهي هذا آفل ونحوه أنتج من الثاني هذا ليس بإلٰه أو لا شيء من القمر بإلٰه، وإن ضممت عكسها المستوي إليها أنتج من الأول المطلوب بعينه فلا يتعين الثاني في الآية بل الأول مأخوذ منها أيضاً اهـ. فتأمل فيه ولا تغفل.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (79) - وَبَعْدَ أَنْ تَبَرَّأَ إِبراهيمُ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ وَالكَوَاكِبِ التِي عَكَفَ قَوْمُهُ عَلَى عِبَادَتِهَا، أَعْلَنَهُمْ بَأَنَّهُ عَبَدَ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وِالأَرْضَ، وَسَخَّرَهَا وَقَدَّرَهَا، وَهُوَ الذِي بِيَدِهِ مُلْكُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. وَقَالَ إِنَّهُ أَفْرَدَ اللهَ وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ مُخْلِصاً فِيهَا، مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ، وَمُتَبَرِّئاً مِنَ المُشْرِكِينَ. فَطَرَ - أَوْجَدَ وَأَنْشَأَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والسمٰوات والأرض هما المظهر الأول للكون الذي طرأ عليه الإنسان؛ لأن الكون طرأ عليه الإنسان - الخليفة في الأرض - ووجد كل الخيرات والمسخرات، ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى: إياكم أن تقولوا إني خلقتكم فقط، بل خلقت لكم الكون. {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] ويقدم سيدنا إبراهيم برهانه لقومه، إنه يعبد الله وحده الذي خلق السمٰوات والأرض، رافضاً كل فساد في الكون، ويتمثل هذا في قوله: {حَنِيفاً}، و "الحنف" في اللغة هو ميل القدمين، ونجد القدم مقوسة إلى الخارج. وهذا يعني أنه لا يسير على طريق الفساد الموجود في الكون؛ لأن السماء تتدخل بالرسالات حين يطم الفساد في الأرض، وحين يأتي الرسول مائلاً عن الفساد فهو يسير معتدلاً؛ لأن الميل عن الفساد اعتدال واستقامة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ...}
الأندلسي
تفسير : {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} الآية. وهذا من التجنيس المغاير الأول فعل والثاني اسم والمعنى قصدي وعبادتي. {لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} السماوات ظرف للكواكب والشمس والقمر معبوداتهم من دون الله تعالى. {وَٱلأَرْضَ} ذكر الظرف الذي فيه أصنامهم المتخذة من الخشب والحجارة. وانتصب: {حَنِيفاً}، على الحال. وذو الحال الثاني وجهت. والعامل فيها الفعل وتقدم تفسير الحنيف وهو المائل عن الأديان كلها إلى دين الحق. وختم ذلك بانتفاء كونه من المشركين وما أحسن ختم هذه الجمل، ختم أولاً في رؤية الكوكب بقوله: لا أحب الآفلين، وثانياً في تعليق الضلالة على انتفاء الهداية، وثالثاً في البراءة من الشرك، ورابعاً على سبيل التوكيد في انتفائه أن يكون من المشركين. {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} المحاجة: مفاعلة من اثنين مختلفين في حكمين يولي كل واحد منهما بحجته على صحة دعواه، والمعنى وحاجه قومه في توحيد الله تعالى ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك ومحاجة مثل هؤلاء إنما هي بالتمسك باقتفاء آبائهم تقليداً وبالتخويف مما يعبدونه من الأصنام كقول قوم هود: ان تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، فأجابهم بأن الله تعالى قد هداه بالبرهان القاطع على توحيده ورفض ما سواه، وأنه لا يخاف من آلهتهم. {وَقَدْ هَدَانِ} جملة حالية. {وَلاَ أَخَافُ} استئناف اخبار. و{إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي} إستثناء منقطع، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضراً استثنى مشيئة الله تعالى. {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} ذكر عقب الاستثناء سعة علم الله تعالى في تعلقه بجميع الكوائن وانتصب علماً على التمييز المحول من الفاعل أصله وسع علم ربي كل شيء وأكثر ما يجيء التمييز المحول من الفاعل مع الفعل اللازم نحو: تصبب زيد عرقاً، وهنا جاء مع الفعل المتعدي لأن كل شىء مفعول بوسع ووسع متعد قال تعالى: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ}تفسير : [البقرة: 255]. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} تنبيه لهم على غفلتهم حيث عبدوا ما لا يضر ولا ينفع وأشركوا بالله وعلى ما حاجهم به من إظهار الدلائل التي أقامها على عدم صلاحية هذه الأصناف للربوبية. {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} هذا استفهام معناه التعجب والإِنكار كأنه تعجب من فساد عقولهم حيث خوفوه خشباً وحجارة لا تضر ولا تنفع، وهم لا يخافون عقبى شركهم بالله تعالى وهو الذي بيده النفع والضر والأمر كله. {وَلاَ تَخَافُونَ} معطوف على أخاف فهو داخل في التعجب والإِنكار واختلف متعلق الخوف فبالنسبة إلى إبراهيم علق الخوف بالأصنام وبالنسبة إليهم علقه بإِشراكهم بالله تركاً للمقابلة ولئلا يكون الله تعالى عديل أصنامهم لو كان التركيب ولا تخافون الله وأتى بلفظ ما الموضوعة لما لا يعقل لأن الأصنام لا تعقل إذ هي خشب وحجارة وكواكب. والسلطان: الحجة. والإِشراك لا يصح أن يكون عليه حجة وكأنه أقام الدليل العقلي على بطلان الشركاء وربوبيتهم نفي أيضاً أن يكون على ذلك دليل سمعي، فالمعنى أن ذلك ممتنع عقلاً وسمعاً فوجب إطراحه. {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} لما خوفوه في مكان الأمن ولم يخافوا في مكان الخوف، أبرز الاستفهام في صورة الاحتمال وإن كان قد علم قطعاً أنه هو الآمن لا هم، قال الشاعر: شعر : فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أيّي وأيك فارس الأحزاب تفسير : أي أينا. ومعلوم عنده أنه فارس الأحزاب لا المخاطب، وأضاف أيا إلى الفريقين ويعني فريق المشركين وفريق الموحدين وأعدل عن أينا أحق بالأمن أنا أم أنتم احترازاً من تجريد نفسه فيكون ذلك تزكية لها. وجواب الشرط محذوف أي إن كتم ذوي العلم والاستبصار فأخبروني أي هذين الفريقين أحق بالأمن. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية الظاهر أنه من كلام إبراهيم لما استفهم استفهام عالم بمن هو الآمن نص على من له الأمن فقال: الذين آمنوا. الذين خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين أو مبتدأ. و{أُوْلَـٰئِكَ} مبتدأ ثان. و{لَهُمُ ٱلأَمْنُ} خبر أولئك، والجملة من أولئك وما بعده خبر عن الأول ولم يلبسوا يحتمل أن يكون معطوفاً على الصلة فلا موضع لها من الإِعراب، ويحتمل أن تكون الجملة المنفية حالاً والعامل فيها آمنوا أي آمنوا غير لابسي إيمانهم بظلم. وما ذهب إليه ابن عصفور من أن وقوع الجملة المنفية بلم قليل جداً ليس كذلك. ألا ترى إلى قوله: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} تفسير : [آل عمران: 174]. وكذلك ما ذهب إليه ابن خروف من وجوب الواو فيها إذا كان فيها ضمير يعود على ذي الحال خطأ. ألا ترى إلى قوله: لم يمسسهم، فيه ضمير يعود على ذي الحال، وهو ضمير النصب في يمسسهم ولم تدخل الواو على لم. {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ} الآية. الإِشارة بتلك الى ما وقع به الاحتجاج من قوله: فلما جن عليه الليل إلى قوله: وهم مهتدون، هذا هو الظاهر وأضافها إليه تعالى على سبيل التشريف وكان المضاف إليه بنون العظمة لا بياء المتكلم. وآتيناها أي أحضرناها بياناً له وخلقناها في نفسه إذ هي من الحجج العقلية أو آتيناها بوحي منا ولقناه إياها. وتلك مبتدأ وحجتنا خبره، وآتيناها خبر ثان. {عَلَىٰ قَوْمِهِ} في موضع الحال من الهاء في آتيناها أي آتيناها مستعلية على قومه هو على حذف مضاف تقديره على حجج قومه. {نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي مراتب ومنزلة من نشاء. وأصل الدرجات في المكان ورفعها بالحجة والبيان. وقرىء: درجات بالتنوين فمن مفعول بنرفع، ودرجات منصوب على الظرف أي في درجات. وقرىء: مضافاً لمن فدرجات مفعول بنرفع. {إِنَّ رَبَّكَ} الظاهر أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بقوله: وتلك حجتنا إلى آخره.
الجيلاني
تفسير : {إِنِّي} بعدما اجتهدت في طريق التوحيد، وبذلت جهدي في مسالكه {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} أي: وجه قلبي الذي هو يلي الحق نحوه بتوفيق منه، وجذب من جانبه وتوجهت {لِلَّذِي فَطَرَ} قدره وأظهره بلا مادة ومدة {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: العالم العلوي والسفلي {حَنِيفاً} مائلاً عن جميع الأديان الباطلة والآراء الفاسدة {وَ} بعدما تحققت بما تحققت {مَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] بإثبات الوجود لغير الحق بل الوجود منحصر به وما سواه أظلال أوصافه وعكوس تجلياته، لا إله إلا هو، وكل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون رجوع الظل إلى ذي الظل. {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} أي: خاصموا في توحيد الله قالوا: أتترك ما يعبد آباؤنا بتسويلات نفسك يا إبراهيم؟ {قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي} وتخاصموني {فِي} حق {ٱللَّهِ} وتجادلونني في توحيده وتخوفونني بهذه التماثيل الزائفة.! {وَ} الحال أنه {قَدْ هَدَانِ} بلطفه إلى مقر توحيده {وَ} بعدما كوشفت بتوحيد الله واستقلاله بالتصرف في مظاهره {لاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} إذ لا نفع منه ولا ضر {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} مكروهاً يلحقني من جهتها؛ لأنه من جملة مظاهره إذ {وَسِعَ} وأحاط {رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] وتتفكرون؛ لتميزوا بين المظهر والظاهر والعاجز والقادر. {وَكَيْفَ أَخَافُ} من {مَآ أَشْرَكْتُمْ} مع أنه لا ضرر يتوقع منه {وَلاَ تَخَافُونَ} أنتم من غضب الله مع {أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} المتوحد بالألوهية المنزه في ذاته عن الشريك والنظير {مَا لَمْ يُنَزِّلْ} الله {بِهِ} بشركته {عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً} حجة وبرهاناً {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي: الموحدون والمشركون {أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ}؟ بينوا {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81] أي: من ذوي العلوي والعقول.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):