٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
80
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة، فالقوم أوردوا عليه حججاً على صحة أقوالهم، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 23] وكقولهم للرسول عليه السلام: {أية : أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } تفسير : [صۤ: 5] ومنها: أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليّات، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ } تفسير : [هود: 54] فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام. فأجاب الله عن حجتهم بقوله: {قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِى }، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي، فكيف يلتفت إلى حجتكم العليلة، وكلماتكم الباطلة. وأجاب عن حجتهم الثانية وهي: أنهم خوفوه بالأصنام بقوله: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر، فكيف يحصل الخوف منها؟ فإن قيل: لا شك أن للطلسمات آثاراً مخصوصة، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة؟ قلنا: الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من الله تعالى. وأما قوله: {إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى } ففيه وجوه: أحدها: إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي. وثانيها: إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه. وثالثها: إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب. ثم قال عليه السلام: {وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة، فبتقدير: أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام. ثم قال: {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } والمعنى: أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب، والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب. والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر {أَتُحَاجُّونّى } خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام. وأما قوله: {وَقَدْ هَدَانِى } قرأ نافع وابن عامر {هَدَانِى } بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف. المسألة الثالثة: أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } والقوم أيضاً حاجوه في الله، وهو قوله تعالى خبراً عنهم: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ } فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله: {قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ } ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر. وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانوناً معتبراً، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} دليلٌ على الحِجَاج والجدال؟ حاجُّوه في توحيد الله. {قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ} قرأ نافع بتخفيف النون، وشدّد النون الباقون. وفيه عن ابن عامر من رواية هشام عنه خلاف؛ فمن شدّد قال: الأصل فيه نونان، الأولى علامة الرفع والثانية فاصلة بين الفعل والياء؛ فلما اجتمع مِثلان في فعل وذلك ثقيل أدغم النون في الأخرى فوقع التشديد ولا بدّ من مدّ الواو لئلا يلتَقِي الساكنان، الواو وأوّلُ المشدّد؛ فصارت المدّةُ فاصلةً بين الساكنين. ومن خفّف حذف النونَ الثانية استخفافاً لاجتماع المِثْلين، ولم تُحذف الأولى لأنها علامةُ الرفع؛ فلو حُذفت لاشتبه المرفوع بالمجزوم والمنصوب. وحُكي عن أبي عمرو بن العَلاَء أن هذه القراءة لَحْنٌ. وأجاز سيبويه ذلك فقال: استثقلوا التضعيف. وأنشد:شعر : تراه كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً يَسوء الفالِياتِ إذا فَلْينِي تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} أي لأنه لا ينفع ولا يضر ـ وكانوا خوّفوه بكثرة آلهتهم ـ إلا أن يُحيِيَه الله ويُقدِره فيخاف ضرره حينئذٍ؛ وهو معنى قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} أي إلا أن يشاء أن يلحقني شيء من المكروه بذنب عمِلتُه فتتمّ مشيئته. وهذا استثناء ليس من الأوّل. والهاء في «بِهِ» يحتمل أن تكون لِلَّهِ عز وجل، ويجوز أن تكون للمعبود. وقال: «إلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي» يعني أن الله تعالى لا يشاء أن أخافهم. ثم قال: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي وسع علمه كل شيء. وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم، حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول، أنه قال: {أَتُحَاجُّوۤنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِى} أي تجادلونني في أمر الله، وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة؟ وقوله: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْئاً} أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه، أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئاً، وأنا لا أخافها، ولا أباليها، فإن كان لها كيد، فكيدوني بها، ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْئاً} استثناء منقطع، أي: لا يضر ولا ينفع إلا الله عز وجل {وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً} أي: أحاط علمه بجميع الأشياء، فلا يخفى عليه خافية {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أي: فيما بينته لكم، أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود عليه السلام على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه، حيث يقول: {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} تفسير : [هود: 53-56] الآية. وقوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً} قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي: حجة، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [الشورى: 21]، وقوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23]، وقوله: {فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: فأي: طائفتين أصوب؟ الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟ قال الله تعالى: { ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئاً، هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة. قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ} قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }تفسير : [لقمان: 13]. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ}، شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: «حديث : إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {يَٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} إنما هو الشرك»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس كما تظنون، إنما قال لابنه: {يَٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}» تفسير : [لقمان: 13] وحدثنا عمر بن شبَّة النميري، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] رواه البخاري، وفي لفظ قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، إنما هو الشرك» تفسير : ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعاً، قال: {أية : وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ} تفسير : [لقمان: 13] قال: «حديث : بشرك» تفسير : قال: وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغير واحد، نحو ذلك، وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قيل لي: أنت منهم» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كأن هذا الراكب إياكم يريد» تفسير : فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أين أقبلت؟» تفسير : قال: من أهلي وولدي وعشيرتي، قال: «حديث : فأين تريد؟» تفسير : قال: أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فقد أصبته» تفسير : قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان؟ قال: «حديث : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت»تفسير : قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل، فوقع على هامته، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : علي بالرجل» تفسير : فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل، قال: فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعاً» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا من الذين قال الله عز وجل فيهم: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ} تفسير : الآية، ثم قال: «حديث : دونكم أخاكم» تفسير : فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه، وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر، فقال: «حديث : ألحدوا، ولا تشقوا؛ فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا» تفسير : ثم رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن عبد الحميد بن جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير ابن عبد الله، فذكر نحوه، وقال فيه: «حديث : هذا ممن عمل قليلاً وأجر كثيراً» تفسير : ، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا علي بن عبد الله، عن أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي، فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فاعرض علي، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل، فازدحمنا حوله، فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي، فانكسرت عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق والذي بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وماله؛ ليهتدي بهداي، ويأخذ من قولي، وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلاً وأجر كثيراً؟ هذا منهم. أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم» تفسير : وفي لفظ قال: «حديث : هذا عمل قليلاً وأجر كثيراً» تفسير : وروى ابن مردويه من حديث محمد بن يعلى الكوفي، وكان نزل الري، حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظلم فاستغفر، وظلم فغفر» تفسير : وسكت، قال: فقالوا: يا رسول الله ما له؟ قال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}. وقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} أي: وجهنا حجته عليهم، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك: قوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلاَْمْنِ}الآية، وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} ثم قال بعد ذلك كله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} قرىء بالإضافة، وبلا إضافة، كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي: حكيم في أقواله وأفعاله، عليم، أي: بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96 - 97] ولهذا قال ههنا: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } جادلوه في دينه وهدّدوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن تركها {قَالَ أَتُحَاجُّونّى } بتشديد النون وتخفيفها بحذف إحدى النونين وهي نون الرفع عند النحاة، ونون الوقاية عند الفراء، أتجادلونني {فِى } وحدانية {ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } تعالى إليها {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } من الأصنام أن تصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء {إِلا } لكن {أَن يَشَاءَ رَبِّى شَيْئاً } من المكروه يصيبني فيكون {وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } أي وسع علمه كل شيء {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } هذا فتؤمنون؟
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلمٍ} في الظلم ها هنا قولان: أحدهما: أنه الشرك، قاله ابن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، روى ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين فقالوا: ما منَّا من أحد إلا وهو يظلم نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيسَ كَمَا تَظُنُّونَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لَقْمَانُ لابْنِه:{أية : يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الْشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. والثاني: أنه سائر أنواع الظلم. ومن قال بهذا اختلفوا في عمومها وخصوصها على قولين: أحدهما: أنها عامة. والثاني: أنها خاصة. واختلف من قال بتخصيصها فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أن هذه الآية نزلت في إبراهيم خاصة وليس لهذه الأمة منها شيء، قاله علي كرّم الله وجهه. والثاني: أنها فيمن هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة. واختلفوا فيمن كانت هذه الآية جواباً منه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جواب من الله تعالى فصل به بين إبراهيم ومن حَاجّه من قومه، قاله ابن زيد، وابن إسحاق. والثاني: أنه جواب قومه لما سألهم {أَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأمْنِ}؟ فأجاوبا بما فيه الحجة عليهم، قاله ابن جريج. والثالث: أنه جواب إبراهيم كما يسأل العالم نفسصه فيجيبها، حكاه الزجاج. قوله تعالى: {وَتَلْكَ جُجَّتُنآ ءَاتَينَاهآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} وفي هذه الحجة التي أوتيها ثلاثة أقاويل: أحدها: قوله لهم: {أَتَعُْبدُونَ مِنْ دِونِ اللَّهِ مَا لاَ يمْلِكُ لَكُم ضَراً وَلاَ نَفْعاً} أم تعبدون من يملك الضر والنفع؟ فقالوا: مالك الضر والنفع أحق. والثاني: أنه لما قال: {فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأمْنِ} عبادة إله واحد أم آلهة شتى؟ فقالوا: عبادة إله واحد فأقروا على أنفسهم. والثالث: أنهم لما قالوا لإِبراهيم ألا تخاف أن تخبلك آلهتنا؟ فقال: أما تخافون أن تخبلكم آلهتكم بجمعكم للصغير مع الكبير في العبادة. واختلفوا في سبب ظهور الحجَّة لإبراهيم على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أخطرها بباله حتى استخرجها بفكره. والثاني: أنه أمره بها ولقنه إياها. {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَشَاءُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: عند الله بالوصول لمعرفته. والثاني: على الخلق بالاصطفاء لرسالته. والثالث: بالسخاء. والرابع: بحسن الخلق. وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: نرفع من نشاء درجات.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّي فِي ٱللَّهِ}، أي: أتراجعوني في الحجَّة في توحيد اللَّه، {وَقَدْ هَدَٰنِ}، أي: قد أرشدني إلى معرفتِهِ وتوحيده،{وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ}، الضميرُ في {بِهِ } يعودُ على {ٱللَّهِ} والمعنى: ولا أخافُ الأصنامُ التي تشركونَهَا باللَّه في الربوبيَّة، ويحتمل أنْ يعود علَىٰ «ما»، والتقديرُ: ما تشركون بسَبَبِهِ، وقوله: {إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً}: استثناءٌ ليس من الأوَّل، و {شَيْئاً}: منصوبٌ بـ {يَشَاء}، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضرراً، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالَىٰ في أنْ يريده بضُرٍّ، و {عِلْماً}: نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل؛ كما تقول العرب: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً، المعنى: تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ؛ فكذلك المعنى هنا وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ، {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}: توقيفٌ وتنبيه وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم، وقوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ...} الآيةَ إلى {تَعْلَمُونَ}، هي كلُّها من قول إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنَىٰ: وكيف أخاف أصناماً لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ عزَّ وجلَّ، وقد أشركتم به في الربوبيَّة {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً} والسلطانُ: الحُجَّة، ثم ٱستفهم؛ علَىٰ جهة التقرير: {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ}، مني ومنكم {أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ}، قال أبو حَيَّان: {وَكَيْفَ}: ٱستفهام، معناه التعجُّب والإنكار. انتهى. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ...} الآية، قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما: هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم وغيره، ولكلِّ مؤمن تقدَّم أو تأَخَّر. قال * ع *: هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ، و {يَلْبِسُواْ}: معناه: يَخْلِطُوا، والظُّلْم؛ في هذا الموضع: الشِّرْك؛ تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة مجاهدٍ: «وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ» {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}، أي: راشدون.
ابن عادل
تفسير : لما أورد إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - الحُجَّة عليهم المذكورة، أورد القوم عليه حُجَجاً على صحة أقوالهم: منها: أنهم تَمَسَّكُوا بالتقليد، كقولهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف:22] وكقولهم للرسول عليه الصلاة والسلام: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} تفسير : [ص:5] وكقول قوم هود: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} تفسير : [هود:54] فذكروا من جِنْس هذا الكلام، وإلا فالله - تعالى - لم يَحْكِ محاجتهم. فأجاب الله - تعالى - عن حُجَّتِهِمْ بقوله تعالى: {قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ}. قرأ نافع، وابن ذكوان، وهشام بخلاف عنه بنون خفيفة، والباقون بنون ثقيلة، والتثقيل هو الأصل؛ لأن النون الأولى نون الرفع في الأمثلة الخمسة، والثانية نون الوقاية، فاستثقل اجتماعهما، وفيهما لغات ثلاث: الفَكُّ وتركهما على حالهما، والإدغام، والحذف، وقد قرئ بهذه اللغات كلها في قوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} تفسير : [الزمر:64] وهنام لم تقرأ إلا بالحذف أو الإدغام، ونافع بالحذف، والباقون يفتحون النون، لأنها عندهم نون رفع, وفي سورة النحل: {أية : تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} تفسير : [آية:27] بفتح النون عند الجمهور، لأنها نون رفع، ويقرؤه نافع بنون مكسورة خفيفة على الحذف، فنافع حذف إحدى النونين في جميع المواضع المذكورة فإنه يقرأ في الزُّمر أيضاً بحذف أحدهما. وقوله تعالى: {أية : أَتَعِدَانِنِيۤ} تفسير : في الأحقاف [آية:17] قرأه هشام بالإدغام، والباقون بالإظهار دون الحذف. واختلف النحاة في أيَّتهما المحذوفة؛ فمذهب سيبويه ومن تبعه أن المحذوفة هي الأولى واستدلَّ سيبويه على ذلك بأن نون الرفع قد عُهِدَ حذفها دون مُلاقاةِ مِثْلٍ رفعاً؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 2220- فإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرًّهُمْ مَا صَنَعْتُمُ سَتَحْتَلِبُوهَا لاقِحاً غَيْرَ بِاهِلِ تفسير : أي: فَسَتَحْتَلِبُونَهَا، لا يقال: إن النون قد حذفت جَزْماً في جواب الشرط؛ لأن الفاء هنا واجبة الدخول لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطاً, وإذا تقرر وجوب الفاء, وإنما حذفت ضَرُورةً ثبت أن نون الرفع كان من حقها الثبوت، إلا أنها حذفت ضرورة، وأنشدوا أيضاً قوله: [الرجز] شعر : 2221- أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتي تَدْلُكِي وَجْهَكِ بالعَنْبَرِ والْمِسْكِ الذّكِي تفسير : أي: تبيتين وتدلكين. وفي الحديث: "حديث : والَّذِي نَفْسِي بَيدهِ لا تَدْخُلُوا الجَنَّة حَتَّى تُؤمِنُوا ولا تُؤمنُوا حتَّى تَحَابُّوا" تفسير : فـ "لا" الدّاخلة على "تدخلوا" و"تؤمنوا" نافية لا ناهية لفساد المعنى عليه، وإذا ثبت حَذْفُهَا دون مُلاقاة مِثْلٍ رفعاً فلأن تحذف مع ملاقاة مِثلٍ استثقالاً بطريق الأوْلى, وأيضاً فإن النون نائبة عن الضمة, والضمة قد عهد حذفها في فَصيحِ الكلام؛ كقراءة أبي عمرو {يَنصُرْكُمُ} [آل عمران:160] و {يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام:109] و {يَأْمُرُكُمْ} [البقرة:67] وبابه بسكون آخر الفعل، وقول الشاعر: [السريع] شعر : 2222- فَاليْومَ أشْرَبْ غَيْرُ مُسْتَحْقِبٍ إثْماً مِنْ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ تفسير : وإذا ثَبَتَ حذف الأصْلِ، فليثبت حذف الفَرْعِ لئلا يلزم تَفْضِيلُ فَرْعٍ على أصله، وأيضاً فإنَّ ادِّعاءَ حذف نوع الرفع لا يُحْوِجُ إلى حَذْفٍ آخر, وحذف نون الوقاية قد يُحْوِجُ إلى ذلك, وبيانه بأنه إذا دَخَلَ نَاصِبٌ أو جازم على أحد هذه الأمثلة، فلو كان المحذوف نُونَ الوقاية لكان ينبغي أن تُحْذَفَ هذه النون، وهي تسقط للناصب والجازم، بخلاف ادِّعاءِ حذف نون الرفع، فإنه لا يحوج إلى ذلك؛ لأنه لا عمل له في الَّتِي للوقاية. ولقائل أن يقول: لا يلزم من جوازِ حذف الأصل حَذْفُ الفرع؛ لأن في الأصل قوةً تقتضي جوازَ حذفه، بخلاف نون الوقاية، ودخول الجازم والناصب لم نجد له شيئاً يحذفه؛ لأن النون حذفت لعارِضٍ آخر. واستدلُّوا لسيبويه بأن نون الوقاية مَكْسُورةٌ، فبقاؤها على حالها لا يلزم منه تغيير، بخلاف ما لو ادَّعَيْنَا حذفها، فإنَّا يلزمنا تغيير نون الرفع من فتح إلى كسر، وتعليل العمل أوْلى، واستدلوا أيضاً بأنها قد حذفت مع مثلها، وإن لم تكن نون وقاية؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2223- كُلُّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صَاحبهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكُمْ وَتَقْلُونَا تفسير : أي: وتَقْلُونَنَا، فالمحذوف نون الرفع لا نون "نا"؛ لأنها ضمير, وعورض هذا بأن نون الرفع أيضاً لها قوة لدلالتها على الإعراب, فحذفها أيضاً لا يجوز، وجعل سيبويه المحذوفة من قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2224- تَرَاهُ كالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً يَسُوءُ الفَالِيَاتِ إذَا فَلَيْنِي تفسير : نون الفاعل لا نون الوقاية، واستدلَّ الأخفش بأن الثقل إنما حصل بالثانية؛ ولأنه قد اسْتُغْنِيَ عنها، فإنه إنما أتى بها لِتَقِيَ الفعل من الكسر، وهو مَأمُونٌ لوقوع الكسْرِ على نون الرفع، ولأنها لا تَدُلُّ على معنى، بخلاف نون الرفع، وأيضاً فإنها تُحْذَفُ في نحو ليتني, فيقال: ليتي؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2225- كَمُنْيَةِ جَابِرٍ إذْ قَالَ: لَيْتِي أصَادِفُهُ وأتْلِفُ بَعْضَ مَالِي تفسير : واعلم أن حَذْفَ النون في هذا النحو جائز فصيح، ولا يلتفت إلى قَوْلِ مَنْ مَنَعَ من ذلك إلاَّ في ضرورة أو قليل من الكلام، ولهذا عيبَ على مكي بن ابي طالب حيث قال: "الحذف بِعِيدٌ في العربية قبيح مكروه، وإنما يجوز في الشعر لِلْوزْنِ، والقرآن لا يحتمل ذلك فيه؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه". وتَجَاسَرَ بعضهم فقال: "هذه القراءة - أعني تخفيف النون - لَحْنٌ". وهذان القولان مَرْدُودَانِ عليهما؛ لتواتر ذلك، وقد تقدم الدليل على صِحَّته لغة. وأيضاً فإن الثِّقات نقلوا أنها لغة ثابتة للعرب, وهم "غطفان" فلا معنى لإنكارها. و "في الله" متعلِّقٌ بـ "أتُحَاجُّونِّي" لا بـ "حَاجَّهُ"، والمسألة من باب التَّنَازُعِ، وأعْمِلَ الثاني؛ لأنه لمَّا أضمر في الأول حذف، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني من غير حَذْفٍ، ومثله: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ} تفسير : [النساء:176] كذا قال أبو حيَّان، وفيه نظر من حيث إن المعنى ليس على تَسَلُّطِ "وَحَاجَّهُ" على قوله: "في اللَّه"؛ إذ الظاهر انْقِطَاعُ الجملة القولية عما قبلها. وقوله: "في اللَّهِ" أي: في شأنه، ووحدانيته. قوله "وَقَدْ هَدَانِي" أي: للتوحيد والحق, وهذه الجملة في مَحَلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أنَّهُ الياء في "أتحاجونني"، أي: أتجادلونني فيه حال كوني مهديّاً من عنده. والثاني: أنَّهُ حالٌ من "الله" أي: أتخاصمون فيه حال كونه هادياً لي، فحجتكم لا تُجْدِي شيئاً؛ لأنها دَاحِضَةٌ. قوله: "ولا أخَافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ" هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه لا يخاف ما يشركون به، وإنما ثِقتُهُ برَبِّه، وكانوا قد خَوَّفُوهُ من ضَرَر يحل لَهُ بسبب سَبِّ آلهتهم. ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصبٍ على الحال باعتبارين: أحدهما: أن تكون ثانيةً عَطْفاً على الأولى, فتكون الحالان من الياء في "أتُحَاجُّونِّي". والثاني: أنها حالٌ من "الياء" في "هداني"، فتكون جملةً حاليةً من بعض جملة حاليةٍ، فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلاَّ أنه لا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أنَّ الفعل المضارع المنفي بت "لا" حُكْمُهُ حُكْمُ المثبت من حيث إنه لآ تُبَاشِرُهُ الواو. و"ما" يجوز فيها الأوجه الثلاثة: أن تكون مصدريَّة، وعلى هذا فالهاء في "به" لا تعود على "ما" عند الجمهور، بل تَعُودُ على اللَّهِ تعالى، والتقديرُ: ولا أخَافُ إشراككم باللَّهِ، والمفعول محذوف؛ أي: ما تشركون غير اللَّهِ به، وأن تكون بمعنى "الذي"، وأن تكون نَكِرَةً موصوفةً، والهاء في "به" على هَذيْنِ الوجهين تعود على "ما"، والمعنى: ولا أخاف الذين تشركون الله به، فحذف المفعول أيضاً، كما حذفه في الوجه الأوَّلِ. وقدَّرَ أبو البقاءِ قبل الضمير مُضَافاً، فقال: ويجوز أن تكون الهاء عائدة على "ما"؛ أي: ولا أخافُ الذي تشركون به، ولا حاجةَ إلى ذلك. قوله: "إلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً" في هذا الاستثناء قولان: أظهرهما: أنه متَّصِلٌ. والثاني: أنه منقطع، والقائلون بالاتِّصالِ اختلفوا في المستثنى منه، فجعله الزمخشري زماناً، فقال: "إلاَّ وقت مشيئة ربِّي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني: لا أخافُ معبوداتكم في وقتٍ قَطُّ؛ لأنها لا تَقْدِرُ على منفعة ولا مضرَّة، إلاَّ إذا شاء رَبِّي". وجعله أبو البقاء حالاً، فقال: تقديره إلاَّ في حال مشيئة ربِّي, أيْ: لا أخافها في كُلِّ حالٍ إلاَّ في هذه الحالِ. وممن ذهب إلى انْقِطَاعِهِ ابن عطية، والحوفي، وأبو البقاء في أحَدِ الوجهين. فقال الحوفي: تقديره: "ولكنْ مشيئة اللَّهِ أيَّاي بضُرٍّ أخاف". وقال غيره: معناه: ولكن إن شاء ربِّي شيئاً، أي سواء فيكون ما شاء. وقال ابن عطية: استثناءً ليس من الأوَّلِ، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضُرّاً، استثنى مشيئة ربِّه في أن يريده بِضُرٍّ. قوله: "شيئاً" يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه مَنْصُوبٌ على المصدر تقديره: إلاَّ أن يشاء ربي شيئاً من المَشِيئةِ. والثاني: أنَّهُ مفعول به لـ "شيئاً"، وإنما كان الأوَّلُ أظْهَرَ لوجهين: أحدهما: أن الكلام المؤكّد أقوى وأثبت في النَّفْس من غير المؤكّد. والثاني: أنَّهُ قد تقدَّمَ أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكران إلاَّ إذا كان فيهما غرابة كقوله: [الطويل] شعر : 2226- وَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ .......................... تفسير : فصل في بيان معنى الاستثناء إنما ذكر عليه الصَّلاة والسَّلام هذا الاستثناء؛ لأنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المَكَارِهِ، والحَمْقَى من الناس يحملون ذلك على أنَّهُ إنما حَدَثَ ذلك المكروه بسبب أن طَعَنَ في إلهية الأصنام، فذكر إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - ذلك حتى إنَّهُ لو حَدَثَ به شيء من المَكَارِهِ لم يحمل على هذا السبب. وقوله: {وسِعَ ربِّي كُلَّ شَيءٍ عِلْماً} يعني: أنه عالم الغيوب، فلا يفعل إلاَّ الخير والصلاح والحكمة، فبتقدير أن يحدث من مَكَارِهِ الدنيا شيءٌ، فذلك؛ لأنه - تعالى - عرف وَجْهَ الصَّلاحِ والخير فيه، لا لأجل أنه عقوبة على الطَّعْنِ في إلهية الأصْنَام. قوله: "علماً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على التمييز، وهو مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ، تقديره: "وسع علم ربّي كُلَّ شيء" كقوله: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم:4] أي: شيب الرأس. والثاني: أنه مَنصُوبٌ على المفعولِ المطلق، لأن معنى وَسِعَ: عَلِمَ. قال أبو البقاء: "لأنَّ ما يَسَعُ الشَّيْءَ فَقَدْ أحَاطَ به، والعالم بالشيء مُحيطٌ بعلمه". قال شهابُ الدِّين: وهذا الَّذِي ادَّعَاهُ من المجاز بعيدٌ. و "كل شيء" مفعول لت "وسع" على التقديرين. و "أفَلا تَتَذَكَّرُونَ" جملة تقرير وتوبيخ، ولا مَحَلَّ لها لاستئنافها، والمعنى: أفلا تتذكرون أن نَفْيَ الشركاء والأضداد والأنداد عن اللَّهِ لا يوجبُ حلول العذاب ونزول العقاب، والسَّعْي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العذاب والعقاب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {وحاجه قومه} يقول: خاصموه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أتحاجوني} قال: أتخاصمونني . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {أتحاجوني} مشددة النون . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {وحاجه قومه} قال: دعوا مع الله إلهاً {قال أتحاجوني في الله وقد هدان} وقد عرفت ربي، خوّفوه بآلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال {ولا أخاف ما تشركون به} ثم قال {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون} أيها المشركون {أنكم أشركتم} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فأي الفريقين أحق بالأمن} قال: قول إبراهيم حين سألهم أي الفريقين أحق بالأمن، ومن حجة إبراهيم! . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {فأي الفريقين أحق بالأمن} أمن خاف غير الله ولم يخفه، أم من خاف الله ولم يخف غيره؟ فقال الله {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} تفسير : [الأنعام: 82] .
القشيري
تفسير : يعني قال لهم أترومون سَتْرَ الشموسِ بإسبال أكمامكم عليها أو تريدون أن تجروا ذيولكم وأن تُسْدِلوا سجوفَكم على ضياء النهار وقد تعالى سلطانُه وتوالى بيانُه؟
اسماعيل حقي
تفسير : {وحآجه قومه} اى جادلوه فى دينه وهددوه بالاصنام ان تصيبه بسوء ان تركها {قال أتحآجونى} بنون ثقيلة اصله أتحاجوننى بنونين اولاهما نون الرفع والثانية نون الوقاية فاستثقل اجتماعهما فادغم الاولى فى الثانية اى أتجادلوننى {فى الله} اى فى شأنه تعالى ووحدانيته {وقد هدٰن} اى والحال ان الله تعالى هدانى الى الحق {ولا أخاف ما تشركون به} اى ما تشركون به تعالى من الاصنام ان يصيبنى بسوء لعدم قدرتها على شئ {إلا أن يشاء ربى شيئاً} استثناء متصل والمستثنى منه وقت محذوف والتقدير لا اخاف معبوداتكم فى وقت من الاوقات الا وقت مشيئته تعالى شيئاً من اصابة مكروه بى من جهتها وذلك انما يكون من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم فيه اصلا {وسع ربى كل شئ علما} كأنه تعليل للاستثناء اى احاط بكل شئ علما فلا يبعد ان يكون فى علمه تعالى ان يحيق به مكروه من قبلها بسبب من الاسباب لا بالطعن فيها {أفلا تتذكرون} اى أتعرضون عن التأمل فى ان آلهتكم جمادات غير قادرة على شئ ما من نفع ولا ضر فلا تتذكرون انها غير قادرة على اضرارى.
ابن عجيبة
تفسير : {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونّيِ فيِ اللهِ وقد هَدَآنِ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: { وحاجه قومه} أي: خاصموه في التوحيد، فقال لهم: {أتحاجُّوني في الله} أي: في وحدانيته، أو في الإيمان به، وقد هداني إلى توحيده وأرشدني إلى معرفته، فلا ألتفت إلى غيره، ولا أعبأ بمن خاصمني فيه، والأصل: تحاجونني، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع، وأبقى نون الوقاية، وقيل: العكس، وأدغم الباقون أحدى النونين في الأخرى. الإشارة: مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سُنَّة ماضية؛ {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً } تفسير : [الأحزاب:62]؛ لأنَّ من أنكر شيئًا عاداه، فأهل الخصوصية يَعذرون من أنكر عليهم؛ لأن ذلك مبلغهم من العلم، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية؛ لخروجهم عن بلادهم؛ فلا يعرفون ما هم فيه. والله تعالى أعلم. ولما خاصموا إبراهيم عليه السلام فلم يلتفت إليهم، خوفوه بأصنامهم، فقال لهم: {... وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} قلت: الاستثناء في قوله: {إلا أن يشاء}: منقطع. قاله ابن جزي. وظاهر كلام البيضاوي: أنه متصل، وهو المتبادر، أي: ولا أخاف ما تشركون في حال من الأحوال إلا أن يشاء ربي أن يصيبني بمكروه من جهتها؛ استدراجًا لكم، وفتنة. وقال الواحدي: لا أخاف إلا مشيئة ربي أن يعذبني. يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكيًا عن خليله إبراهيم: {ولا أخاف ما تُشركون به} أي: لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء؛ لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع، {إلا أن يشاء ربي شيئًا} يصيبني بقدَره وقضائه، فإنه يصيبني لا محالة، لا بسببها، {وَسِعَ ربي كل شيء علمًا}، كأنه علَّة الاستثناء، أي: لا أخاف إلا ما سبق في مشيئة الله، لأنه أحاط بكل شيء علمًا، فلا يبعد أن يكون في علمه وقدره أن يحيق بي مكروه من جهتها، {أفلا تتذكرون} فتُمَيزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز؟. {وكيف أخافُ ما أشركتم} وهو جامد عاجز لا يتعلق به ضرر ولا نفع؟ {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} وهو أحق أن يُخاف منه كل الخوف، لأنه القادر على الانتقام ممن أشرك معه غيره، وسوَّى بينه وبين مصنوع عاجز، لا يضر ولا ينفع، فأنتم أحق بالخوف؛ لأنكم {أشركتم بالله ما لم يُنزِّل به عليكم سلطانًا} أي: لم يُنَزل بإشراكه كتابًا، ولم ينصب عليه دليلاً، {فأيُّ الفريقين أحق بالأمن}: أهل التوحيد والإيمان، أو أهل الشرك والعصيان؟ {إن كنتم تعلمون} ما يَحق أن يُخاف منه. ثم أجاب عن الاستفهام: الحق تعالى أو خليلهُ، فقال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} أي: يخلطوا {إيمانهم بظلم} أي: بشرك، بل آمنوا بالله ولم يعبدوا معه غيره، {أولئك لهم الأمن} في الآخرة، {وهم مهتدون} في الدنيا. أما الطائع فأمنه ظاهر، وأما العاصي فيؤمن من الخلود وتحريم الجنة عليه. ولمَّا نزلت الآية أشفق منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ لأنهم فهموا عموم الظلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمانُ لابنه: { يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إَنَّ الشِرْكِ لَظُلْمٌ } [لقمَان:13]" تفسير : . وقد كان المشركون يُقِرُّون بالصانع ويخلطون معه التصديق بربوية الأصنام، فقد آمنوا بوجود الصانع، ولكنهم لبسوا إيمانهم بالشرك، فلا آمن لهم ولا هداية. وبهذا يرد جهالة الزمخشري في إنكاره الحديث الصحيح، ولو بقي الظلم على عمومه ـ أي: ولم يخلطوا إيمانه بمعصية ـ لصَحَّ، ويكون المراد بالأمن أمنًا خاصًا وهداية خاصة، لكن ما قاله ـ عليه الصلاة والسلام ـ يُوقف عنده. الإشارة: العارف بالله، المتحقق بوحدانية الله، لا يسكن خوفْ الخلق في قلبه، ولا ينظر إلا إلى ما يبرُز من عند ربه، فإن وعدَه بالعصمة أو الحفظ لم يترك بذلك التضرعَ والالتجاء إلى ربه؛ لسعة علمه تعالى، وقد يكون ذلك متوقفًا على أسباب وشروط، أخفاها الحق تعالى إظهارًا لقهريته، ولذلك قال الخليل عليه السلام: {ولا أخاف ما تُشركون به إلا أن يشاء ربي شيئًا وسع ربي كل شيء علمًا}. وقال سيدنا شعيب عليه السلام: {أية : وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلآَّ أّن يَشَآءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا }تفسير : [الأعراف:89]. فالعارف لا يزول اضطرارهُ، ولا يكون مع غير الله قراره، وأما الأمن من التحويل والانقلاب، فاختلف فيه؛ فقال بعضهم: يحصُل للوليِّ الأمنُ، إذا تحقق بمقام القُرب، وحصل له الفناء والبقاء، متمسكًا بقوله تعالى: {الَّذِين آمَنُوا وَلَم يَلبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمن}. وقال بعضهم: لا يحصل الأمن إلا للأنبياء ـ عليهم السلام ـ؛ للعصمة. قال الورتجبي: مقام الأمن لا يحصل لأحد، ما دام هو بوصف الحدثَية، وكيف يكون آمنًا منه وهو في رِقِّ العبودية ويعرف نفسه بها، ويعرف الحق بوصف القدم والبقاء وقهر الجبروت؟ وقال تعالى: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }تفسير : [الأعراف:99]. فإذا رأى الله تعالى بوصف المحبة والعشق والشوق، وذاق طعم الدنو، واتّصف بصفات الحق، بدا له أوائل الأمن، لأن في صفة القدم لا يكون علة الخوف والرجاء، لأن هناك جنة القرب والوصال، وهم فيها آمنون من طوارق القهر، وهم مهتدون ما داموا متصفين بصفاته، وإن كانوا في تسامح من مناقشة الله بدقائق خفايا مكره. هـ. فظاهر كلامه، أن المتحقق بمقام الفناء والبقاء، يحصل له الأمن من الشقاء، وكذلك قال أبو المواهب: من رجع إلى البقاء أمِنَ من الشقاء. وقال في نوادر الأصول: مَن حَظُّه من أهل التقريب: الجلال والجمال، وقد أقيم في الهيبة والأنس، قد غاب عن خوف العقوبة، ولكنه يخاف التحويل والهُوِي والسقوط، لِما رُكب في نفوس بني آدم من الشهوات، فهن أبدًا يُهوِين بصاحبهن عن الله إلى الإخلاد والبُطء، وإنما يسكن خوف التحويل إذا خلَص إلى الفردانية وتعلَّق بالوحدانية؛ لتلاشِي الهوى منه والشهوة؛ بكشف الغطاء، ولا يذهب خوف ذلك بالكُلِّية عنه، وإن سكن؛ لبقاء خيال ذلك في حق غير الأنبياء. وأما هُم فلم يبقَ لهم ظِلُّ الهوى، فبُشِّروا بالنجاة؛ فلَم تَغُرهم البُشرى؛ لأنهم لم يبق لهم نفوس، فتستبدّ وتجور إذا أمِنَت السقوط، ومَن بعَدَهم بَقِي لهم في نفوسهم شيء فمُنعوا البشرى، وأُبهم عليهم الأمر؛ صنعًا بهم؛ ونظرًا لهم، لتكون نفوسهم منقمعة بخوف الزوال. هـ. هذا هو الأصل فافهمه. هـ. وحاصل كلامه: أن غير الأنبياء لا ينقطع عنه خوفُ التحويل، بل يسكن خوفه فقط، ولا يُبَشِّر بالأمن إلا الأنبياء، وهو الصواب، لبقاء قهر الربوبية فوق ضعف العبودية، قال تعالى: {أية : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } تفسير : [الأنعَام:18]. والله تعالى أعلم. ثم مدح خليله بما أظهر على يديه من الحُجة والعلم، فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة وابن ذكوان {أتحاجوني} بتخفيف النون. الباقون بتشديدها. وقرأ الكسائي والعبسي {وقد هداني} بالامالة. الباقون بالتفخيم. قال ابو علي: من شدد فلا نظر في قوله. ومن خفف فانه حذف النون الثانية لالتقاء الساكنين. والتضعيف يكره، فيتوصل الى ازالته تارة بالحذف نحو علم أني فلان، وتارة بالابدال نحو لا املاه عني تفارقا، ونحو ديوان وقيراط، فحذفوا الثانية منهما كراهية التضعيف. ولا يجوز ان يكون المحذوفة الاولى، لان الاستثقال يقع بالتكرير في الامر الاعم وفي الاولى أيضا أنها دلالة الاعراب ولذا حذفت الثانية كما حذف الشاعر في قوله: شعر : ليتي أصادفه وافقد بعض مالي تفسير : وقال بعضهم حذف هذه النون لغة غطفان. وحكى سيبويه هذه القراءة مستشهدا بها في حذف النونات كراهية التضعيف. اما إِمالة (هداني) فحسنة، لانه من هدى يهدي، فهو من الياء. واذا كانوا أمالوا (غزا، ودعا)، لانه قد يصير الى الياء في غزي ودعي. فهذا لا اشكال في حسنه. قوله {وحاجة قومه} يعني في وجوب عبادة الله وترك عبادة آلهتهم وخوَّفوه من تركها وان لا يأمن ان تخبله آلهتهم من الاصنام وغيرها، فقال لهم ابراهيم (ع) {أتحاجوني في الله وقد هداني} بأن وفقني لمعرفته ولطف بي في العلم بتوحيده وترك الشرك واخلاص العبادة له {ولا أخاف ما تشركون به} أي لا اخاف منه ضررا ان كفرت به ولا أرجو نفعا إِن عبدته، لانه بين صنم قد كسر، فلم يدفع عن نفسه أو نجم دل أفوله على حدوثه، فكيف تحاجوني وتدعونني الى عبادة من لا يخاف ضرره ولا يرجا نفعه {إلا أن يشاء ربي شيئا} فيه قولان: احدهما - الا أن يقلبها الله، فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع، فيكون ضررها ونفعها اذ ذاك دليلا على حدوثها أيضا، وعلى توحيد الله وأنه المستحق للعبادة دون غيره وانه لا شريك له في ملكه، ثم أثنى عليه تعالى فأخبر بأنه عالم بكل شىء، وامرهم بالتذكر والتدبر لما أورده عليهم مما لا يدفعونه ولا يقدرون على انكاره ان انصفوا. الثاني - قال الحسن: قوله: {ولا أخاف ما تشركون به} أي لا اخاف الاوثان {إلا أن يشاء ربي شيئا} استوجبه على الله تعالى، او يشاء الله ان يدخلني في ملتكم بالكفر. والاول هو الاجود. {أتحاجوني} أصله (أتحاجونني) بنونين احداهما للجمع والاخرى لاسمه، فأدغمت احداهما في الاخرى، فشددت ومثله (تأمر ونني) وقد يخفف مثل هذا في بعض المواضع، قال الشاعر: شعر : أبا لموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني تفسير : فجاء بنون واحدة وخففها، والاول أجود واكثر في العربية.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وحاجَّه قومه} أي خاصموه وما دلوه وقالوا له: كيف خالفت دين آبائك وقومك وجئت بدين لا يعرف، وقيل: قالوا فلتخاف آلهتنا أن تصيبك {إلا أن يشاء ربي شيئاً}، قيل: الاستثناء منقطع ومعناه لكن أخاف ربي أن يعاقبني إذا أذنبت، وقيل: لا أخاف الا أن يشاء ربي فيما يفعله من ضرر لأنه القادر عليه، وقيل: الاستثناء حقيقة ومعناه لا أخاف الأصنام إلاَّ أن يشاء ربي بأن يجعلهم أحياء متمكنين من ظلمي فحينئذ أخافهم {وكيف أخاف ما أَشركتم} يعني الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} أي حجةً وبرهاناً، وهو القاهر القادر على كل شيء، قال: {فأي الفريقين أحق بالأمن} يعني فريق الموحدين والمشركين {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم} بمعصية توجب الفسق {أولئك لهم الأمن} من عذاب الله تعالى {وهم مهتدون}، قيل: إلى الجنة، وقيل: إلى الحق والدين، قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} إشارة إلى ما احتج على قومه من قوله: {أية : فلمَّا جنَّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي} تفسير : [الأنعام: 76] إلى قوله: {وهم مهتدون}، ومعنى {آتيناها} أرشدناه إليها {نرفع درجات من نشاء} يعني في الحلم والحكمة، قوله تعالى: {ووهبنا له اسحاق} أي اعطينا إبراهيم اسحاق وهو ابنه من سارة {ويعقوب} بن اسحاق {كُلاًّ هدينا} وفقنا وأرشدنا، وقيل: هدينا بالنبوة، وقيل: بالكرامة والمدح والثواب {ونوحاً هدينا من قبل} أي من قبل إبراهيم وولده {ومن ذريته} أي من ذرية نوح (عليه السلام) لأنه أقرب المذكورين، وقيل: من ذرية ابراهيم ولوطاً لم يكن من ذرية ابراهيم {داوود} ابن آشا {وسليمان} ابنه {وأيوب} ابن أموص {ويوسف} ابن يعقوب {وموسى} هو موسى بن عمران بن يصهره {وهارون} هو أخو موسى وأكبر منه سناً بسنةٍ {وكذلك} أي وكما جزينا إبراهيم على توحيده كذلك {نجزي المحسنين} {وزكريا} ابن أذف بن كنَّا {ويحيى}، وهو ابنه {وعيسى} ابن مريم بنت عمران {وإلياس} قيل: هو إدريس {كلٌّ من الصالحين} يعني الأنبياء {واسماعيل} ابن ابراهيم مِن هاجر الذي أنزله مكة وهو جدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هو الذبيح {واليسع ويونس} ابن متى {وكُلاًّ فضلنا على العالمين} عالمي زمانهم روي ذلك في الثعلبي {واجتبيناهم} اخترناهم واصطفيناهم {وهديناهم} أرشدناهم {ولو أشركوا لحبط} يعني ولو أشركوا هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم فعبدوا غيره {لحبط عنهم ما كانوا يعملون}.
الهواري
تفسير : قال الله: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ} قالوا يا إبراهيم أما تخاف من آلهتنا أن تخبلك أو تفسدك وأنت تسبّها؟ فقال: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}. {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} [يعني من هذه الأوثان] {ولاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أي حجة {فَأَيُّ الفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ} على الاستفهام {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: من عبد إلهاً واحداً أحق أن يأمن، أو من يعبد آلهة شتى، ذكراناً وإناثاً، صغاراً وكباراً، كيف لا يخاف من الكبير إذ يسوّيه بالصغير؟ وكيف لا يخاف من الذكر إذ يسوّيه بالأنثى؟ اخبروني أي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون.
اطفيش
تفسير : {وحاجَّه قَومُه} خاصموه فى الله إذا أظهر توحيده تعالى وأبوا، ودل على أنهم حاجوه فى الله قوله تعالى: {قال} إبراهيم وكلما قدرت المستتر ظاهراً فذلك تقدير معنوى لا إعرابى {أتحاجُّونِّى فى الله} فى توحيده {وقَدْ هدانِ} إلى معرفته وتوحيده، وهذه الجملة حال لفظ الجلالة أو من الباء فى أتحاجونى، فالربط بالواو والضمير، أو من واو أتحاجونى فالرابط بالواو والنون فى أتحاجونى نون الوقاية، ونون الرفع محذوفة لأنها مفتوحة، وهذه مكسورة، أو هذه نون الرفع كسرت للياء وحذفت نون الوقاية لأنها آخر، والحذف بالأخير أولى، ولأن التكرير يحصل بها وبسطت فى ذلك كلاماً فى غير هذا، وذلك قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بتشديد النون إثباتا للنونين، وإدغاماً لنون الرفع فى نون الوقاية. {ولا أخافُ ما تُشْركونَ بهِ} أى لا أخاف ما تعبدونه الأصنام والكواكب من دون الله أن يضرنى على عيبى إياها، وإنكارى لألوهيتها، والزجر عن عبادتها، أو لا أخاف مضرة ما تشركون به، لأنها لا تدفع عن نفسها، ولا تجلب فكيف تضر غيرها، أو تنفعه، وكانوا يقولون: يمسك بها جنون لأنك تعيبها، والهاء عائدة إلى الله، والرابط محذوف، أى ما تشركونه، وقيل: عائدة إلى ما، وهى الرابط أى ما تقع به فى الإشراك، ويجوز كون ما مصدرية والهاء لله. {إلا أنْ يَشاءُ ربِّى شَيئاً} الاستثناء منقطع، أى إلا مشيئة ربى لشئ من الضر فإنه يصيبنى بإذنه تعالى بلا مدخل لها فيه، أو إلا أن يشاء ربى أن يرحمنى بقطعة من الكوكب أو من القمر أو من الشمس أو بقدرها على مضرتى لذنبى، وكل ذلك ليس لترك عبادتها، وفى نفى الخوف عن نفسه على ما أشركوا تهديد لهم بتلويح أن الواجب عليهم الخوف مما يشرك به، لأن لهم عذاباً عظيماً ولا يجوز عليه السلام وقت يخاف فيه ما يشركون به، ولا وقت يشاء الله أن يخاف ذلك، وجملة لا أخاف ما تشركون به شيئا حال من هاء هدانى أو من المستتر فيه. {وَسِع ربِّى كلِّ شئٍ علْماً} تمييز محول عن الفاعل، أى كفى علم ربى كل شئ وأحاط بكل شئ، فلا يشذ عنه شئ، فلعل فى عبادة ما تعبدون مضرة لى يعلمها الله لو عبدتها {أفلاَ تَتَذكَّرونَ} تعتذرون أن الصنم والكوكب جماد لا يضر ولا ينفع، والضار والنافع هو الله.
اطفيش
تفسير : {وَحَاجَةُ قَومُهُ} جادلوه فى الأَصنام ونفى ألوهيتها حين شهر أمره جدال تهديد، وجادلهم جدال برهان، أَو جادلوه بمثل "أية : وجدنا آباءَنا"تفسير : [الزخرف: 23] ومثل "أية : أَجعل الآلهة إِلهاً واحداً"تفسير : [ص: 5]، وأَنك وقعت أَو تقع فى الآفات حين طعنت فيها، مثل "أية : إِلا اعتراك بعض ءَالهتنا بسوء"تفسير : [هود: 54] وكان أَبوه آزر يصنع الأَصنام ويعطيه إِياها ليبيعها، فيقول: من يشترى ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أَحد، فيذهب إِلى نهر فيضرب رءُوسها ويقول لها: اشربى، استهزاء بهم، وحل له أَن يمسكها لأَنه أَراد إِظهار بطلانها، و فشا فيهم ذلك فحاجوه {قَالَ أَتُحَاجُّونِّى فِى اللهِ} فى توحيد الله، حذفت نون الرفع لتوالى مثلين وفيه عمل واحد، أَو نون الوقاية لتطرفها، والحذف بالآخر أَليق، لأَنه محل التغيير، ولحصول التكرير بها، ولأَن الأُولى نابت عن الضمة، ولأَنها تحذف للجازم والناصب، وفيه عملان حذف نون الوقاية وكسر نون الرفع للياء {وَقَدْ هَدَانِ} إِلى توحيده وهو الحق، والجملة حال من الواو، والربط بالواو، ومن لفظ الجلالة، أَو من الياء المحذوفة المدلول عليها النون وكسرها والربط بالواو والضمير {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرَكُونَ} لا أَخاف ما تشركونه من الأَصنام {بِهِ} بالله، أَن تضرنى لأَنها لا تقدر على ضر ولا على نفع، أَو لا أَخاف مضرتها لأَنها لا تحصل، كقوله تعالى "أية : فكيدونى جميعاً ثم لا تنظرون"تفسير : [هود: 55] أَى أَنتم وأَصنامكم لا قدرة لكم، أَو فكيدونى بها، والجملة حال من ياء هدان، أَو من مستتر على قول أَن المضارع المنفى بلا كالمثبت لا يقرن بواو الحال كالمثبت يقدر: وقد لا أَخاف، أَو وأَنا لا أَخاف، أَو معطوفة على قد هدان {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّى شَيْئاً} من المضرة فإِنه الذى يضرنى لا أَصنامكم، فالاستثناء منقطع، أَى إِلا مشيئة الله، فإِنها المعتبرة، فإِن حصل ضر فمن الله لا من جهة إِنكار الأصنام، وليس تقدير وقت ما إِلا وقت مشيئة ربى شيئاً، على أَن مصدر يشاء نائباً عن الزمان يخاف مدخلا له فى الاتصال لأَنها لا تضره أَلبتة، ولم يقض الله لها قوة أَو قدرة على الضر ألبتة، إِلا أَن يراد إِلا أَن يشاءَ ربى شيئاً يقدرها أَن تصيبنى به، بأَن يخلق لها تمييزاً وكيداً، والمصدر الصريح هو الذى يصح أَن ينوب عن الزمان، وقال ابن جنى: ينوب عنه المؤول أيضاً {وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَئٍ عِلْماً} أَى وسع علم ربى كل شئٍ، أَو وسع ربى كل شئ وسعاً، أَى كفى أَو علم ربى كل شئ علماً، والجملة تعليل لقوله إِلا أَن يشاءَ ربى شيئاً، أَى لا بد من اعتبار مشيئة ربى لأَنه القادر على كل شئ والكافى، أَو لأنه العالم بكل شئ، ومن كذلك تخاف مضرته {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} وسع ربى كل شئ علماً فتعلموا أَنه القادر وأَن توحيده الحق، والتقدير: أَتعرضون عما أَوضحت لكم فلا تتذكرون.
الالوسي
تفسير : {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} أي خاصموه ـ كما قال الربيع ـ أو شرعوا في مغالبته في أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد وأخرى بالتخويف والتهديد {قَالَ} منكراً عليهم محاجتهم له عليه السلام مع قصورهم عن تلك المرتبة وعزة المطلب وقوة الخصم ووضوح الحق {أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ} أي في شأنه تعالى ووحدانيته سبحانه. وقرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان بتخفيف النون ففيه حذف إحدى النونين. واختلف في أيهما المحذوفة فقيل: نون الرفع وهو مذهب سيبويه ورجح بأن الحاجة دعت إلى نون مكسورة من أجل الياء ونون الرفع لا تكسر، وبأنه جاء حذفها كما في قوله: شعر : كل له نية في بغض صاحبه بنعمة الله نقليكم وتقولنا تفسير : أراد تقلوننا والنون الثانية هنا ليست وقاية بل هي من الضمير وحذف بعض الضمير لا يجوز وبأنها نائبة عن الضمة وهي قد تحذف تخفيفاً كما في قراءة أبـي عمرو (ينصركم) و (يشعركم) (ويأمركم). وقيل نون الوقاية وهو مذهب الأخفش، ورجح بأنها الزائدة التي حصل بها الثقل. وقوله تعالى: {وَقَدْ هَدَانَ} في موضع الحال من ضمير المتكلم مؤكدة للإنكار فإن كونه عليه الصلاة والسلام مهدياً من جهة الله تعالى ومؤيداً من عنده سبحانه مما يوجب الكف عن محاجته صلى الله عليه وسلم وعدم المبالاة بها والالتفات إليها إذا وقعت. قيل: والمراد وقد هدان إلى إقامة الدليل عليكم بوحدانيته عز شأنه، وقيل: هدان إلى الحق بعد / ما سلكت طريقتكم بالفرض والتقدير وتبين بطلانها تبيناً تاماً كما شاهدتموه، وعلى القولين لا يقتضي سبق ضلال له عليه الصلاة والسلام وجهل بمعرفة ربه جل وعلا و {هدان} يرسم ـ كما قال الأجهوري ـ بلا ياء. {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} جواب كما روى عن ابن جريج عما خوفوه عليه السلام من إصابة مكروه من جهة معبودهم الباطل كما قال لهود عليه السلام قومه { أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } تفسير : [هود: 54] وهذا التخويف قيل: كان على ترك عبادة ما يعبدونه، وقيل: بل على الاستخفاف به واحتقاره بنحو الكسر والتنقيص. قيل: ولعل ذلك حين فعل بآلهتهم ما فعل مما قص الله تعالى علينا، وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما شب وكبر جعل آزر يصنع الأصنام فيعطيها له ليبيعها فيذهب وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها اشربـي استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه فجادلوه حينئذ وخوفوه. و(ما) موصولة إسمية حذف عائدها، والضمير المجرور لله تعالى أي لا أخاف الذي تشركونه به سبحانه، وجوز أن يكون عائداً إلى الموصول والباء سببية أي: الذي تشركون بسببه، وأن تكون نكرة موصوفة وأن تكون مصدرية. وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبّى شَيْئاً} بتقدير الوقت عند غير واحد مستثنى من أعم الأوقات استثناء مفرغاً. وقال بعضهم: إن المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت، ومنع ذلك ابن الأنباري مفرقاً بين المصدر الصريح فيجوز نصبه على الظرفية وغير الصريح فلا يجوز فيه ذلك. وابن جني لا يفرق بين الصريح وغيره ويجوز ذلك فيهما على السواء، والاستثناء متصل في رأي. و {شَيْئاً } مفعول به أو مفعول مطلق أي لا أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئته تعالى شيئاً من إصابة مكروه لي من جهتها أو شيئاً من مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم في إيجاده وإحداثه. وجوز بعضهم أن يكون الاستثناء منقطعاً على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربـي خوفي ما أشركتم به. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام إشارة إلى أن مشيئته تلك إن وقعت غير خالية عن مصلحة تعود إليه بالتربية أو إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى واستسلام لأمره واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته تعالى. {وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً} كأنه تعليل للاستثناء أي أحاط بكل شيء علماً فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بـي من جهتها بسبب من الأسباب. ونصب {عِلْمًا } على التمييز المحول عن الفاعل، وجوز أن يكون نصباً على المصدرية لوسع من غير لفظه. وفي الإظهار في موضع الإضمار تأكيد للمعنى المذكور واستلذاذ بذكره تعالى. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أي أتعرضون بعدما أوضحته لكم عن التأمل في أن آلهتكم بمعزل عن القدرة على شيء ما من النفع أو الضر فلا تتذكرون أنها غير قادرة على إضراري. وفي إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن أمر آلهتكم مركوز في العقول لا يتوقف إلا على التذكير.
ابن عاشور
تفسير : لمّا أعلن إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ معتَقَده لقومه أخذوا في محاجّته، فجملة {وحاجَّة} عطف على جملة {أية : إنِّي وجَّهْتُ وجهِي للذي فطر السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 79]. وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلَّة بالإخبار بمضمونها مع أنّ تفرّع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام. والمحاجَّة مفاعلة متصرّفة من الحُجَّة، وهي الدّليل المؤيّد للدعوى. ولا يعرف لهذه المفاعلة فعْل مجرّد بمعنى استدلّ بحجّة، وإنَّما المعروف فِعْل حَجّ إذا غَلب في الحُجَّة، فإن كانت احتجاجاً من الجانبين فهي حقيقة وهو الأصل، وإن كانت من جانب واحد باعتبار أنّ محاول الغَلَب في الحجَّة لا بدّ أن يتلقَّى من خصمه ما يرُدّ احتجاجه فتحصل المحاولة من الجانبين، فبذلك الاعتبار أطلق على الاحتجاج محاجَّة، أو المفاعلة فيه للمبالغة. والأوْلى حملها هنا على الحقيقة بأن يكون المعنى حصول محاجَّة بينهم وبين إبراهيم. وذكر الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره: أنّ صيغة المفاعلة تقتضي أنّ المجعول فيها فاعلاً هو البادىء بالمحاجَّة، وأنّ بعض العلماء استشكل قوله تعالى في سورة [البقرة: 258] {أية : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيمَ في ربِّه}تفسير : حيث قال: {أية : إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت}تفسير : [البقرة: 258]. فبدأ بكلام إبراهيم وهو مفعول الفعل وأجاب بأنّ إبراهيم بدأ بالمقاولة ونمروذ بدأ المحاجَّة. ولم يذكر أئمَّة اللّغة هذا القيد في استعمال صيغة المفاعلة. ويجوز أن يكون المراد هنا أنَّهم سلكوا معه طريق الحجَّة على صحَّة دينهم أو على إبطال معتقده وهو يسمع، فجعل سماعه كلامهم بمنزلة جواب منه فأطلق على ذلك كلمة المحاجَّة. وأبهم احتجاجهم هنا إذ لا يتعلَّق به غرض لأنّ الغرض هو الاعتبار بثبات إبراهيم على الحقّ. وحذف متعلّق {حاجّة} لدلالة المقام، ودلالة ما بعده عليه من قوله: {أتحاجّوني في الله} الآيات. وقد ذكرت حججهم في مواضع في القرآن، منها قوله في سورة [الأنبياء: 52 - 53] {أية : إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} تفسير : إلى قوله {أية : وأنا على ذلكم من الشاهدين}تفسير : [الأنبياء: 56]، وقوله في سورة [الشعراء:72، 73] {أية : قال هل يَسْمعونكم إذْ تدعون أو ينفعونكم أو يضُرّون} تفسير : الآيات، وفي سورة [الصافات:85 - 86] {أية : إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون} تفسير : إلى قوله {أية : فجعلناهم الأسفلين }تفسير : [الصافات: 98] وكلّها محاجَّة حقيقيّة، ويدخل في المحاجّة ما ليس بحجَّة ولكنَّه ممّا يرونه حججاً بأن خوّفُوه غضب آلهتهم، كما يدلّ عليه قوله: {ولا أخاف ما تشركون به} الآية. والتقدير: وحاجّه قومه فقالوا: كيت وكيت. وجملة {قال أتحاجّوني في الله} جوابُ محاجَّتهم، ولذلك فصلت، على طريقة المحاورات كما قدّمناه في قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربّك للملائكة إنِّي جاعل في الأرض خليفة}تفسير : في سورة [البقرة: 30]، فإن كانت المحاجَّة على حقيقة المفاعلة فقوله {أتحاجّوني} غلق لباب المجادلة وخَتْم لها، وإن كانت المحاجّة مستعملة في الاحتجاج فقوله: {أتحاجّوني} جواب لمحاجّتهم، فيكون كقوله تعالى: {أية : فإن حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي لله}تفسير : [آل عمران: 20]. والاستفهام إنكار عليهم وتأييس من رجوعه إلى معتقدهم. و{في} للظرفية المجازية متعلّقة بــ {تحاجّوني} ودخولها على اسم الجلالة على تقدير مضاف، لأنّ المحاجَّة لا تكون في الذّوات، فتعيّن تقدير ما يصلح له المقام وهو صفات الله الدّالَّة على أنَّه واحد، أي في توحيد الله وهذا كقوله تعالى: {أية : يُجَادلُنا في قوم لُوط}تفسير : [هود: 74] أي في استئصالهم. وجملة {وقد هدانِ} حال مؤكَّدة للإنكار، أي لا جدوى لمحاجَّتكم إيّاي بعد أن هداني الله إلى الحقّ، وشأن الحال المؤكّدة للإنكار أن يكون اتّصاف صاحبها بها معروفاً عند المخاطب. فالظاهر أنّ إبراهيم نزّلهم في خطابه منزلةَ من يعلم أنّ الله هَداه كناية على ظهور دلائل الهداية. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر {أتحاجّوني} ـــ بنون واحدة خفيفة ـــ وأصله أتحاجّونني ـــ بنونين ـــ فحذفت إحداهما للتخفيف، والمحذوفة هي الثانية التي هي نون الوقاية على مختار أبي علي الفارسي. قال: لأنّ الأولى نون الإعراب وأمّا الثّانية فهي موطّئة لياء المتكلّم فيجوز حذفها تخفيفاً، كما قالوا: ليْتِي في لَيْتَنِي. وذهب سيبويه أنّ المحذوفة هي الأولى لأنّ الثانية جلبت لتحْمِل الكسرة المناسبة للياء ونون الرفع لا تكون مكسورة، وأيَّاً ما كان فهذا الحذف مستعمل لقصد التخفيف. وعن أبي عمرو بن العلاء: أنّ هذه القراءة لحن، فإن صحّ ذلك عنه فهو مخطىء في زعمه، أو أخْطَأ من عزاه إليه. وقرأه البقية ـــ بتشديد النّون ـــ لإدغام نون الرفع في نون الوقاية لقصد التخفيف أيضاً، ولذلك تمدّ الواو لتكون المدّة فاصلة بين التقاء الساكنين، لأنّ المدّة خفّة وهذا الالتقاءُ هو الذي يدعونه التقاء الساكنين على حَدّه. وحذفت ياء المتكلّم في قوله {وقد هدانِ} للتخفيف وصلاً ووقفاً في قراءة نافع من رواية قالون، وفي الوقف فقط في قراءة بعض العشرة. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : أجيب دعوة الداعي إذا دَعَانِ}تفسير : [البقرة: 186]. وقوله: {ولا أخاف ما تشركون به} معطوف على {أتحاجّوني} فتكون إخباراً، أو على جملة {وقد هَدَانِ} فتكون تأكيداً للإنكار. وتأكيدُ الإنكار بها أظهر منه لقوله {وقد هدانِ} لأنّ عدم خوفه من آلهتهم قد ظهرت دلائله عليه. فقومُه إمَّا عالمون به أو منزّلون منزلة العالم، كما تقدّم في قوله: {وقد هدَانِ} وهو يؤذن بأنَّهم حاجّوه في التّوحيد وخوّفوه بطش آلهتهم ومسَّهم إيَّاه بسوء، إذ لا مناسبة بين إنكار محاجَّتهم إيَّاه وبين نفي خوفه من آلهتهم، ولا بين هدى الله إيّاه وبين نفي خوفه آلهتهم، فتعيَّن أنّهم خوّفوه مكر آلهتهم. ونظير ذلك ما حكاه الله عن قوم هود {أية : إنْ نقول إلاّ اعتراك بعضُ آلهتنا بسوء}تفسير : [هود: 54]. و(ما) من قوله: {ما تشركون به} موصولة ماصْدقها آلهتهم التي جعلوها شركاء لله في الإلهيّة. والضمير في قوله {به} يجوز أن يكون عائداً على اسم الجلالة فتكون الباء لتعدية فعل {تشركون}، وأن يكون عائداً إلى (ما) الموصولة فتكون الباء سببية، أي الأصنام التي بسببها أشركتم. وقوله: {إلاّ أن يشاء ربِّي شيئاً} استثناء ممّا قبله وقد جعله ابن عطية استثناء منقطعاً بمعنى لكنْ. وهو ظاهر كلام الطبري، وهو الأظهر فإنَّه لمّا نفى أن يكون يخاف إضرار آلهتهم وكان ذلك قد يتوهَّم منه السّامعون أنَّه لا يخاف شيئاً استدرك عليه بما دلّ عليه الاستثناءُ المنقطع، أي لكن أخاف مشيئة ربِّي شيئاً ممَّا أخافه، فذلك أخافُه. وفي هذا الاستدراك زيادة نكاية لقومه إذ كان لا يخاف آلهتهم في حين أنَّه يخشى ربَّه المستحقّ للخشية إن كان قومه لا يعترفون بربّ غير آلهتهم على أحد الاحتمالين المتقدّمين. وجعل الزمخشري ومتابعوه الاستثناء متّصلاً مفرّغاً عن مستثنى منه محذوف دلّ عليه الكلام، فقدّره الزمخشري من أوقات، أي لا أخاف ما تشركون به أبداً، لأنّ الفعل المضارع المنفي يتعلّق بالمستقبل على وجه عموم الأزمنة لأنَّه كالنَّكرة المنفية، أي إلاّ وقت مشيئة ربِّي شيئاً أخافه من شركائكم، أي بأنْ يسَلّط ربِّي بعضها عليّ فذلك من قدرة ربِّي بواسطتها لا من قدرتها عليّ. وجوّز أبو البقاء أن يكون المستثنى منه أحوالاً عامّة، أي إلاّ حالَ مشيئة ربِّي شيئاً أخافه منها. وجملة: {وسع ربِّي كلّ شيء علما} استئناف بياني لأنَّه قد يختلج في نفوسهم: كيف يشاء ربّك شيئاً تخافه وأنت تزعم أنَّك قائم بمرضاته ومؤيد لدينه فما هذا إلاّ شكّ في أمرك، فلذلك فُصلت، أي إنَّما لم آمن إرادة الله بي ضُرّا وإن كنت عبده وناصر دينه لأنَّه أعلم بحكمة إلحاق الضرّ. أو النفع بمن يشاء من عباده. وهذا مقام أدب مع الله تعالى {أية : فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون}تفسير : [الأعراف: 99]. وجملة {أفلا تتذكَّرون} معطوفة على جملة {أتحاجّوني في الله وقد هَدانِ}. وقُدّمت همزة الاستفهام على فاء العطف. والاستفهام إنكار لعدم تذّكرهم مع وضوح دلائل التذكّر. والمراد التذكّر في صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية، وفي صفات الإله الحقّ التي دلَّت عليها مصنوعاته.
الواحدي
تفسير : {وحاجَّة قومه} جادلوه وخاصموه في تركه آلهتهم، وعبادة الله، وخوَّفوه أن تصيبه آلهتهم بسوء، فقال: {أتحاجوني في الله} أَيْ: في عبادته وتوحيده {وقد هدان} بيَّن لي ما به اهتديت {ولا أخاف ما تشركون به} من الأصنام أن تصيبني بسوء {إلاَّ أن يشاء ربي شيئاً} إني لا أخاف إلاَّ مشيئة الله أن يعذِّبني {وسع ربي كلَّ شيء علماً} علمه علماً تاماً {أفلا تتذكرون} تتعظون وتتركون عبادة الأصنام. {وكيف أخاف ما أشركتم} يعني: الأصنام. أنكر أن يخافها {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} ما ليس لكم في إشراكه بالله حجَّةٌ وبرهانٌ {فأيُّ الفريقين أحق بالأمن} بأن يأمن العذاب، الموحِّدُ أم المشرك؟ {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} لم يخلطوا إيمانهم بشركٍ {أولئك لهم الأمن} من العذاب {وهم مهتدون} إلى دين الله. {وتلك حجتنا} يعني: ما احتجَّ به عليهم {آتيناها إبراهيم} ألهمناها إبراهيم، فأرشدناه إليها {نرفع درجات مَنْ نشاء} مراتبهم بالعلم والفهم، ثمَّ ذكر نوحاً ومَنْ هدى من الأنبياء من أولاده.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حاجة قومه: جادلوه وحاولوا غلبه بالحجة، والحجة: البينة والدليل القوي. أتحآجّوني في الله: أتجادلونني في توحيد الله وقد هداني إليه، فكيف أتركه وأنا منه على بينة. سلطاناً: حجة وبرهاناً. الأمن: خلاف الخوف. ولم يلبسوا إيمانهم بظلم: أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك. معنى الآيات: لما أقام إبراهيم الدليل على بطلان عبادة غير الله تعالى وتبرأ من الشرك والمشركين حاجه قومه في ذلك فقال منكراً عليهم ذلك: {أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} أي كيف يصح منكم جدال لي في توحيد الله وعبادته, وترك عبادة من سواه من الآلهة المدعاة وهي لم تخلق شيئاً ولم تنفع ولم تضر، ومع هذا فقد هداني إلى معرفته وتوحيده وأصبحت على بينة منه سبحانه وتعالى، هذا ما دل عليه قوله تعالى، {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}. ولا شك أنهم لما تبرأ من آلهتهم خوفوه بها وذكروا له أنها قد تصيبه بمكروه فرد ذلك عليهم قائلا: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} من آلهة أن تصيبني بأذى، {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} فإنه يكون قطعاً فقد {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}، ثم وبخهم قائلا {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} فتذكروا ما أنتم عليه هو الباطل، وأن ما أدعوكم إليه هو الحق، ثم رد القول عليهم قائلا {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} وهي أصنام جامدة لا تنفع ولا تضر لعجزها وحقارتها وضعفها، ولا تخافون أنتم الرب الحق الله الذي لا إله إلا هو المحيي المميت الفعال لما يريد، وقد أشركتم به أصناماً ما أنزل عليكم في عبادتها حجة ولا برهاناً تحتجون به على عبادتها معه سبحانه وتعالى. ثم قال لهم استخلاصاً للحجة وانتزاعا لها منهم فأي الفريقين أحق بالأمن من الخوف: أنا الموحد للرب، أم أنتم المشركون به؟ والجواب معروف وهو من يعبد رباً واحداً أحق بالأمن ممن يعبد آلهة شتى جمادات لا تسمع ولا تبصر. وحكم الله تعالى بينهم وفصل فقال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} أي في الدنيا والآخرة {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} في حياتهم إلى طريق سعادتهم وكمالهم وهو الإِسلام الصحيح ثم قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} إشارة إلى ما سبق من محاجة إبراهيم قومه ودحض باطلهم وإقامة الحجة عليهم. وقوله {نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} تقرير لما فضَّل به إبراهيم على غيره من الإِيمان واليقين والعلم المبين. ثم علل تعالى لذلك بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. حكيم في تدبيره عليم بخلقه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية جدال المبطلين والمشركين لإِقامة الحجة عليهم علهم يهتدون. 2- بيان ضلال عقول أهل الشرك في كل زمان ومكان. 3- التعجب من حال مذنب لا يخاف عاقبة ذنوبه. 4- أحق العباد بالأمن من الخوف من آمن بالله ولم يشرك به شيئاً. 5- تقرير معنى {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257].
القطان
تفسير : حاجّهُ: جادله. السلطان: الحدة والبرهان. لم يلبسوا: لم يخلطوا الظلم هنا: الشرك في العقيدة او العبادة. وبعد ان اطمأن قلب إبراهيم بالايمان، جاء قومه يجادلونه فيما انتهى اليه من يقين، ليخوّفوه آلهتهم التي تنكّر لها. فظل صامداً يواجههم بيقين حازم، واعتمادٍ على ربه وخالقه الذي هداه. {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ...}. وجادله قومه في توحيد الله وخوفوه من غضب آلهتهم، فقال لهم: ما كان لكم ان تجادلوني في التوحيد بعد ان هداني الله الى الحق. أما آلهتكم التي تدْعونها فلا أخشاها، بل انها لا تضر ولا تنفع. لكن اذا شاء ربّي شيئا من الضر وقع ذلك، لأنه وحده القادر على كل شيء. ثم اتى ابراهيم بما هو كالعلة لما قبله فقال: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} واحاط بكل شيء. {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ؟}. أتُعْرضون أيها الناس عن قولي بعدما أوضحته لكم من أنَّ آلهتكم ليس بيدها نفع ولا ضر، وتغفلون عن أن العاجز الجاهل لا يستحق ان يُعبد؟. {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً}. إنه لمن العجب أن أخاف ألهتكم الباطلة ولا تخافون أنكم عبدتم مع الله، الذي لا إله إلا هو، آلهةً باطلة!. {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. فأيّ فريق - أنا أم أنتم - في هذه الحال أحق بالطمأنينة، واجدر بالأمن على نفسه من عاقبة عقيدته وعبادته ان كنتم تعلمون الحق وتدركونه!؟ {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}. هنا يأتي الجواب. وهو لا شكَ في ان الذين آمنوا بالله تعالى، ولم يخلطوا إيمانهم بظلم عظيم، كعبادة احد سواه، هم الاكثر أمناً، كما انهم هم المهتدون الى طريق الحق والخير. حديث : روى ابن جرير قال لما نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شقّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ "فقال: رسول الله: "ليس كما تظنُون، وإنما هو كما قال لقمان لابنه: "لا تُشرِك بالله إنّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم" ". تفسير : {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }. هذه هي الحجة التي أعطيناهها ابراهيم ليقيمها على قومه، فارتفع بها عليهم، وسنّتُنا في عبادنا ان نرفع بالعلم والحكمة من نريد منهم درجات، ان ربك يا محمد حكيمٌ يضع الشيء في موضعه، عليم بمن يستحق الرفعة ومن لا يستحقها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَتُحَاجُّوۤنِّي} {هَدَانِ} (80) - وَجَادَلَ إِبراهِيمَ قَوْمُهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَنَاظَرُوهُ بِشُبَهٍ مِنَ القَوْلِ، وَبَيَّنُوا لَهُ أَوْهَامَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَمْرِ اللهِ، وَفِي أنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ؟ لَقَدْ بَصَّرَنِي رَبِّي بِالحَقِّ، وَهَدَانِي إِليهِ، وَأَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ، فَكَيْفَ أَلْتَفِتُ إِلَى أَقْوَالِكُمْ وَحُجَجِكُمُ البَاطِلَةِ؟ وَمِنَ الدَّلاَئِلِ عَلَى بُطْلاَنِ اعْتِقَادِكُمْ أَنَّ هَذِهِ الأَصْنَامُ آلِهَةٌ تَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ، أَنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ ضَرّاً وَلا نَفْعاً لأَِحَدٍ، وَأَنَا لا أَخَافُهَا، وَلا أُبالي بِها، فَإِنْ كَانَ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى الكَيْدِ وَالإِيذَاءِ، فَكِيدُونِي بِهَا، وَلاَ تُنْظِرُونَ. أَمَّا الذِي يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، حَقِيقَةً، فَهُوَ اللهُ، فَهُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَنَا لاَ أَخَافُ الضَّرَرَ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبِّي ذَلِكَ، وَلَقْدَ أَحَاطَ رَبِّي بِكُلِّ شَيءٍ عِلْماً، فَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَكَيْفَ لا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ، وَلاَ تُدْرِكُونَ أَنَّ الحَجَرَ العَاجِزَ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ؟. حَاجَّةُ قَوْمُهُ - جَادَلُوهُ وَخَاصَمُوهُ فِي التَّوْحِيدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحاجّه أي حاججه بإدغام الجيمين في بعضهما. أي أن كل طرف يقول حجة والطرف الآخر يرد عليه بالحجة، فإذا كنت في نقاش وكل واحد يدلي بحجته، فهذا اسمه الحجاج، أو الجدل المبطل، أي أنك تبطل كلامه وهو يبطل كلامك. {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام: 80] وإذا كان إبراهيم قد جادلهم بمجاراة أفكارهم وأثبت بطلانها، فكيف يجادلونه إذن؟. كأن الغرض من الحِجاج صرف إبراهيم عن دينه الحنيف الذي ارتآه في قوله سبحانه: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 79]. ويرد عليهم: {أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام: 80]. أي أن مسألة الإيمان قد حُسمت. فقد آمن إبراهيم بالله ويعلن للقوم {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} وهذا القول يدل على أنهم قد هددوه؛ لأن كلمة "الخوف" جاءت ونفاها عن نفسه. ويعلنها إبراهيم قوية: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} أي لا أخاف من الكواكب التي تأفل سواء أكانت نجماً أم قمراً أم شمساً أم تلك الأصنام التي تعبدونها فليس لها نفع ولا ضر، والضر والنفع هما من صنع الله فقط. ولذلك تتجلى الدقة في الأداء العقدي فيقول الحق على لسان إبراهيم عليه السلام: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80]. فإن شاء الحق أن يُنزل على عبدٍ كوكباً يصعقه أو يحرقه فهذا موضع آخر لا دخل لمن يعبد الكواكب به، ولا دخل للكواكب فيه أيضا؛ لأن النافع والضار هو الله، فحين يشاء الله الضر، يأتي الضر وحين يشاء النفع يأتي النفع. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} [الأنعام: 80] أي اذكروا جيداً، وافرقوا بين فعل يقع من فاعل، وفعل يقع من آلة فاعلها غير تلك الآلة، فحين يشاء الله أن يوقع على إنسان كوكباً، أو صخرة فليست الصخرة هي التي صنعت وقوعها، ولا الكوكب هو الذي أسقط نفسه، إنما الفاعل هو الله: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] وقوله {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة، وإقبال النفس على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة، فليس المطلوب منك أيها الإنسان إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر فقط، والتذكر أمر فطري طبيعي؛ لأن الإنسان الخليفة في الأرض هو الذي تناسل من آدم إلى أن وصل إلينا؛ فقد جاء آدم إلى الأرض ومعه منهج سماوي ينظم به حركة الحياة، ولقن آدم المنهج لأولاده، وكذلك فعل أبناء آدم مع أولادهم، ولكن المناهج تنطمس؛ لأن المناهج تتدخل في أهواء الناس وتثنيهم عن شهواتهم وتصدهم عن المفاسد فيعرضون عنها أو يتجاهلونها، إذن فهي عرضة أن تُنسى، والرسالات إنما تذكر بالمنهج الأصلي الذي أخذناه عن الحق سبحانه وتعالى، لذلك يعلنها إبراهيم: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال تعالى: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: 80]؛ أي: جادلوه ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه. {قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ} [الأنعام: 80]؛ أي: في معرفته يعني أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها؟ أو تريدون أن تسبلوا ذيولكم على ضياء نهار الشهود؟ {وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام: 80]، ربي إليه بالعيان وتوالى البرهان كما كان في مرامي إذ قلت {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99]، {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} [الأنعام: 80]، بعد ما ترى على سلطان الحق ولاح برهان الصدق {إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} [الأنعام: 80]، من الخذلان بعد العرفان وهذا مستحيل؛ لأنه {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [الأنعام: 80]؛ أي: هو أعم بمن هو أهل الخذلان وبمن هو أهل العرفان {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80]، فترجعون من طريق الخذلان إلى طريق العرفان. ثم أخبر عمن هو أحق بالخوف، ومن هو أحق بالأمن بقوله تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} [الأنعام: 81]، الآيتان الإشارة فيهما أن من أمارات موت القلب وفساد الروحانية واستيلاء النفس عليه لخوف الحيواني حتى يخاف من الجمادات كالأنعام لا يخاف من الله وعذابه، كما كان حال الكفار يخوفون إبراهيم عليه السلام عن الأصنام ولا يخافون الله وعذابه، حتى قال إبراهيم عليه السلام: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} [الأنعام: 81] من جماد {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} [الأنعام: 81]، جماداً {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً} [الأنعام: 81]، من الله يعني وكيف أخاف الجماد، وقد نزل علي من الله سلطان بإرائة ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها، وإن كلا ليس إلهاً إلا الله وهو الذي يهاب ويرجى وأنتم لا تحافون وتشركون به جمادات لا سلطان لها ويخافونها {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} [الأنعام: 81]، الذي يخافون الله يرجونه أم الذين لا يخافون الله ولا يرجونه ويخافون ويرجون غيره {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81]، الحق من الباطل فلما لم يعلموا وكانوا موتى لا يسمعون الحق ولا يجيبون بالحق أجابهم وقال تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، أي كانوا مؤمنين إذ رآهم الله تعالى من شواهد الحق عند تجلي صفات ربوبيته في مرآة الكواكب، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان والكواكب، وقد صح توجههم لخالقها بحيث قالوا لجبريل عليه السلام: "أما إليك فلا" {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} [الأنعام: 82]، عن الانقطاع بعد الوصول {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، إلى الوصال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):