٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول، والتقدير: وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر، وأنتم لا تخافون من الشرك الذي هو أعظم الذنوب. وقوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً } فيه وجهان: الأول: أن قوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً } كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة. ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } تفسير : [المؤمنون: 117] والمراد منه امتناع حصول البرهان فيه، والثاني: أنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } معناه: عدم ورود الأمر به. وحاصل هذا الكلام: مالكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ احترازاً من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله: {فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } يعني فريقي المشركين والموحدين. ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } وهذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة، والمعنى: أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين: أولهما: الإيمان وهو كمال القوة النظرية. وثانيهما: {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } وهو كمال القوة العملية. ثم قال: {أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر. أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثاً، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين، الإيمان وعدم الظلم، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له. وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: الوجه الأول: أن قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } المراد من الظلم الشرك، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه: {أية : يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] فالمراد ههنا الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكاً في المعبودية. والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك. الوجه الثاني: في الجواب: أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله، ويحتمل أن يعفو عنه، وعلى كلا التقديرين: فالأمن زائل والخوف حاصل، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب؟ والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} ففي «كيف» معنى الإنكار؛ أنكر عليهم تخويفهم إيّاه بالأصنام وهم لا يخافون الله عز وجل؛ أي كيف أخاف مواتاً وأنتم لا تخافون الله القادر على كل شيء. {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أي حجة؛ وقد تقدّم. {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} أي من عذاب الله: الموَحِّد أم المشرك؛ فقال الله قاضياً بينهم: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي بشرك؛ قاله أبو بكر الصدّيق وعليّ وسَلْمان وحُذيفة، رضي الله عنهم. وقال ابن عباس: هو من قول إبراهيم؛ كما يسأل العالِمُ ويجيب نفسه. وقيل: هو من قول قوم إبراهيم؛ أي أجابوا بما هو حجة عليهم؛ قاله ابن جُريج. وفي الصحيحين عن ابن مسعود لما نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أي في الدنيا.
البيضاوي
تفسير : {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} ولا يتعلق به ضر. {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع بالصانع، وتسوية بين المقدور العاجز بالقادر الضار النافع. {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً} ما لم ينزل بإشراكه كتاباً، أو لم ينصب عليه دليلاً. {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} أي الموحدون أو المشركون، وإنما لم يقل أينا أنا أم أنتم احترازاً من تزكية نفسه. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ما يحق أن يخاف منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } بالله وهي لا تضرّ ولا تنفع {وَلاَ تَخَافُونَ } أنتم من الله {أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ } في العبادة {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } بعبادته {عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً } حجة وبرهاناً، وهو القادر على كل شيء {فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ } أنحن أم أنتم؟ {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } مَن الأحق به- أي وهو نحن- فاتبعوه.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية إلى {تعلمون} هي كلها من قول إبراهيم عليه السلام لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، المعنى: وكيف أخاف الأصنام التي لا خطب لها وهي حجارة وخشب إذا أنا نبذتها ولم أعظمها، ولا تخافون أنتم الله عز وجل وقد أشركتم به في الربوبية أشياء لم ينزل بها عليكم حجة، و "السلطان": الحجة، ثم استفهم على جهة التقرير {فأي الفريقين أحق بالأمن} أي من لم يشرك بالقادر العالم أحق أن يأمن وقوله تعالى: {الذين آمنوا} الآية، {الذين} رفع بالابتداء، و {يلبسوا} معناه يخلطوا، و"الظلم" في هذه الآية الشرك تظاهرت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة أنه لما نزلت هذه الآية أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إنما ذلك كما قال لقمان: إن الشرك لظلم عظيم تفسير : وروي أن عمر بن الخطاب قرأ في المصحف فلما أتى عليها عظمت عليه، فلبس رداءه ومر إلى أبي ابن كعب، فقال: يا أبا المنذر وسأله عنها، فقال له إنه الشرك يا أمير المؤمنين، فسري عن عمر، وجرى لزيد بن صوحان مع سلمان نحو مما جرى لعمر مع أبي بن كعب رضي الله عنهم، وقرأ مجاهد، "ولم يلبسوا إيمانهم بشرك" وقرأ عكرمة "يُلبسوا" بضم الياء، و {الأمن} رفع بالابتداء وخبره في المجرور والجملة خبر {أولئك} ، {وهم مهتدون} أي راشدون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المراد بهذه الآية إبراهيم خاصة، وقال عكرمة: نزلت في مهاجري أصحاب محمد عليه السلام خاصة، وقالت فرقة: هي من قول إبراهيم لقومه فهي من الحجة التي أوتيها، وقال ابن جريج هي من قول قوم إبراهيم ويجيء هذا من الحجة أيضاً أن أقروا بالحق وهم قد ظلموا في الإشراك، وقال ابن إسحاق وابن زيد وغيرهما: بل ذلك قول من الله عز وجل ابتداء حكم فصل عام لوقت محاجة إبراهيم وغيره ولكل مؤمن تقدم أو تأخر. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ويحسن ورصفها، وهو خبر من الله تعالى {وتلك} إشارة إلى هذه الحدة المتقدمة وهي رفع بالابتداء و {حجتنا} خبره و {آتيناها} في موضع الحال، ويجوز أن تكون {حجتنا} بدلاً من تلك وآتيناها خبر "تلك" "وإبراهيم" مفعول بـ "آتيناها", والضمير مفعول أيضاً بـ {آتيناها} مقدم و {على} متعلقة بقوله {حجتنا} وفي ذلك فصل كثير، ويجوز أن تتعلق على بـ " آتيناها" على المعنى إذ أظهرناها لإبراهيم على قومه ونحو هذا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "نرفع درجاتِ من نشاء" بإضافة الدرجات إلى {من} ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "نرفع درجاتٍ من نشاء". قال القاضي أبو محمد: وهما مأخذان من الكلام، والمعنى المقصود بهما واحد، و {درجات} على قراءة من نون نصب على الظرف، و {عليم حكيم} صفتان تليق بهذا الموضع إذ هو موضع مشيئة واختيار فيحتاج ذلك إلى العلم والإحكام، والدرجات أصلها في الأجسام ثم تستعمل في المراتب والمنازل المعنوية.
الخازن
تفسير : {وكيف أخاف ما أشركتم} يعني وكيف أخاف الأصنام التي أشركتم بها لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} يعني وأنتم لا تخافون وقد أشركتم بالله وهو من أعظم الذنوب {ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} يعني ما ليس لكم فيه حجة وبرهان {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} يعني يقول من أولى بالأمن من العذاب في يوم القيامة الموحد أم المشرك {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} وهذا فصل قضاه الله بين إبراهيم وبين قومه يعني أن الذين يستحقون الأمن يوم القيامة هم الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. وقيل: هو من تمام كلام إبراهيم في المحاجَّة لقومه. والمعنى: إن الذين يحصل لهم الأمن يوم القيامة هم الذين آمنوا يعني آمنوا بالله وحده ولم يشركوا به شيئاً ولم يلبسوا إيمانهم بظلم يعني ولم يخلطوا إيمانهم بشرك (ق). عن ابن مسعود قال: حديث : لما نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على المسلمين وقالوا أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لَظلم عظيم}"تفسير : وفي رواية: "حديث : ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه"تفسير : . وذكره. وقيل: في معنى قوله ولم يلبس إيمانهم بظلم، يعني: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم وذلك بأن يفعل بعض ما نهى الله عنه أو يترك ما أمر الله به فعلى هذا القول تكون الآية على العموم لأن الله لم يخص معنى من معاني الظلم دون غيره والصحيح أن الظلم المذكور في هذه الآية هو الشرك لما تقدم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر الظلم هنا بالشرك وفي الآية دليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئاً كانت عاقبته الأمن من النار لقوله {أولئك} يعني الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم {لهم الأمن} يوم القيامة من عذاب النار {وهم مهتدون} يعني إلى سبيل الرشاد. وقوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} يعني ما جرى بين إبراهيم وبين قومه واستدل على حدوث الكوكب والقمر والشمس بالأفول وقيل لما قالوا لإبراهيم إنّا نخاف عليك من آلهتنا لسبك إياها قال أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير والكبير في العبادة أن يغضب الكبير عليكم؟ وقيل: إنه خاصم قومه المشركين فمالوا أي الفريقين أحق بالأمن من يعبد إلهاً واحداً مخلصاً له الدين والعبادة أم من يعبد أرباباً كثيرة فدلوا من يعبد إلهاً واحداً فقضوا على أنفسهم فكانت هذه حجة إبراهيم عليه {نرفع درجات من نشاء} يعني بالعلم والفهم والعدل والفضيلة كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى إلى محاجَّة قومه. وقيل: نرفع درجات من نشاء في الدنيا بالنبوة والعلم والحكمة وفي الآخرة بالثواب على الأعمال الصالحة {إن ربك حكيم عليم} يعني أنه تعالى حكيم في جميع أفعاله عليم بجميع أحوال خلقه لا يفعل شيء إلا بحكمة وعلم. قوله عز وجل: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} لما أظهر إبراهيم عليه السلام دينه وغلب خصمه بالحجج القاطعة والبراهين القوية والدلائل الصحيحة التي فهمه الله تعالى إياه وهداه إليها عدد الله نعمه عليه وإحسانه إليه بأن رفع درجته في عليين وأبقى النبوة في ذريته إلى يوم الدين فقال تعالى: {ووهبنا له} يعني لإبراهيم إسحاق يعني ابنا لصلبه ويعقوب يعني ابن إسحاق وهو ولد الولد {كلاًّ هدينا} يعني هدينا جميعهم إلى سبيل الرشاد ووفقناهم إلى طريق الحق والصواب {ونوحاً هدينا من قبل} يعني من قبل إبراهيم أرشدنا نوحاً ووفقناه للحق والصواب ومنَنّا عليه بالهداية {ومن ذريته} اختلفوا في الضمير إلى من يرجع فقيل يرجع إلى إبراهيم يعني ومن ذرية إبراهيم {داود وسليمان} وقيل: يرجع إلى نوح وهو اختيار جمهور المفسرين، لأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور ولأن الله ذكر في جملة هذه الذرية لوطاً وهو ابن أخي إبراهيم ولم يكن من ذريته فثبت بهذا أن هاء الكناية ترجع إلى نوح وقال الزجاج: كلا القولين جائز لأن ذكرهما جميعاً قد جرى. وداود هو ابن بيشا وكان ممن آتاه الله الملك والنبوة وكذلك سليمان بن داود {وأيوب} هو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم {ويوسف} هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم {وموسى} هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب {وهارون} هو أخو موسى وكان أكبر منه بسنة {وكذلك نجزي المحسنين} يعني: وكما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه كذلك نجزي المحسنين على إحسانهم.
ابن عادل
تفسير : قد تقدَّم الكلامُ على "كيف" في أوَّل البقرة [آية 28]، و"ما" يجوز فيها ثلاثة أوجهٍ، أعني كونها مَوْصُولةً اسميةً, أو نكرة موصوفة, أو مصدريَّة, والعائد على الأوَّلَيْنِ محذوف, أي: ما أشركتموه باللَّهِ, أو إشراككم باللَّهِ غيره. وقوله: "وَلاَ تَخَافُون" يجوز في هذه الجملة أن تكون نَسَقاً على "أخَاف" فتكون داخِلَةً في حيِّز التَّعْجُّبِ والإنكار، وأن تكون حاليةً، أي: وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم، ولا بُدَّ من إضْمَارِ مبتدأ قبل المضارع المنفي بـ "لا" لما تقدَّم غير مرَّةٍ، أيك كيف أخاف الذي تشركون، أو عاقبة إشراككم حال كونكم آمنين من مَكْرِ اللَّهِ الذي أشركتم به غيره، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رَابِطٌ يعود على ذِي الحالِ لا يَضُرُّ ذلك، لأن الواو بنفسها رابطة. وانظر إلى حُسْنِ هذا النَّظْمِ السَّوِيِّ, حيث جعل متعلّق الخَوْفِ الواقع منه الأصنام، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشراكهم باللَّهِ غيره تَرْكاً لأن يعادل الباري - تعالى - لأصنامهم لو أبْرَزَ التركيب على هذا، فقال: "ولا تخافون اللَّه" مُقَابَلَةً لقوله: "وكيف أخافُ معبوداتكم". وأتى بـ "ما" في قوله: "ما أشركتم" وفي قوله: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} إلاَّ أنهم غير عقلاء؛ إذ هي جماد وأحْجَارٌ وخشبٌ كانوا يَنْحِتُونَهَا ويعبدونها. وقوله: "مَا لَمْ يُنَزِّلْ" مفعول لـ "أشركتم"، وهي موصولة اسميَّة أو نكرة، ولا تكون مَصْدريَّةً لفساد المعنى، و "به" و "عليكم"، متعلقان بـ "يُنَزِّلْ" ويجوز في "عَلَيْكُمْ" وجه آخر، وهو أن يكون حالاً، من "سُلْطَاناً"؛ لأنَّهُ لو تَأخَّر عنه لجاز أن يكون صِفَةً. وقرا الجمهور: "سُلْطَاناً" ساكن اللام حيث وقع، وقُرِئَ بِضَمِّهَا، وهل هي لغة مُسْتَقِلَّةٌ، فيثبت فيها بناء فعل بضم الفاء والعين، أو هي إتباع حركةٍ لأخرى. ومعنى الآية: وكيف أخَافُ الأصنام التي لا قُدْرَةَ لها على النَّفْعِ والضُّرِّ ولا تُبْصرُ ولا تَسْمَعُ, وأنتم لا تخافون من الشِّرْكِ الذي هو أعظم الذنوب، وليس لكم حُجَّةٌ على ذلك. وقوله: {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} أي: ما لكم تنكرون عَلَيَّ الأمْنَ في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمْنَ في موضع الخوفِ فقال: {فَأيُّ الفريقَيْنِ أحَقُّ} ولم يَقُل: "فايُّنَا أحَقُّ نَحْنُ أم أنتم" إلزاماً لِخَصْمِهِ بما يدَّعيهِ عليه, واحترازاً من تَزْكِيَة نفسه، فعدل عنه إلى قوله: {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ}، يعني: فريق المشركين أم الموحدين؟ وهذا بخلاف قول الآخر: [الكامل] شعر : 2227- فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعلَمَنْ أيِّي وأيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ تفسير : فَلِلِّهِ فَصَاحَة القُرْآن وآدابه. وقوله: "إنْ كُنْتُمْ" جوابه محذوف، أي: فأخبروني، ومتعلّق العلم محذوف، ويجوز ألاَّ يُرَادَ له مفعول؛ أي: إن كنتم من ذوي العلم. قوله: "الَّذِينَ آمَنُوا" هل هو من كلام إبراهيم، أو من كلام قومه، أو من كلام اللَّهِ تعالى؟ ثلاثة أقوالٍ، وعليها يَتَرتَّبُ الإعرابُ. فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم كانت جواباً عن السؤال في قوله "فأيُّ الفَريقَيْنِ". وكذا إن قلنا: إنها كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حُجَّة عليهم كأن الموصول خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين آمنوا، وإن جعلناه من كلام اللَّهِ تعالى، وأنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بأن يجيب به السُّؤال المتقدم، فكذلك أيضاً. وإن جعلناه لِمُجَرَّدِ الإخبار من الباري - تعالى - كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه: أحدها: أنه الجملة بعده، فإن "أولئك"، و "أولئك" مبتدأ ثانٍ، و "الأمن" مبتدأ ثالث، و"لهم" خبره، والجملةُ خَبَرُ "أولئك"، و "أولئك" وخبره خبر الأوَّلِ. الثاني: أن يكون "أولئك" بَدَلاً أو عطف بَيَان، و"لهم" خبر الموصول، و "الأمن" فاعلٌ به لاعتماده. الثالث: كذلك، إلا أنَّ "لهم" خبرٌ مقدَّم، و "الأمن" مبتدأ مؤخر، والجُمْلَةُ خبر الموصُول. الرابع: أن يكون "أولئك" مبتدأ ثانياً، و "لهم" خبره، و "الأمن" فاعل به، والجملةُ خبر الموصول. الخامس: وإليه ذهب أبو جَعْفَرٍ النحاسُ، والحوفي أن "لهم الأمن" خبر الموصول، وأن "أولئك" فَاصِلَةٌ، وهو غريب؛ لأن الفَصْلَ من شَأنِ الضمائر لا من شَأنِ أسماء الإشارة. وأمَّا على قولنا بأن "الذين" خبر مبتدأ محذوف، فيكون "أولئك" مبتدأ فقط، وخبره الجملة بعده، أو الجار وَحْدَهُ، و "الأمْن" فاعل به، والجملة الأولى على هذا مَنْصُوبةٌ بقولٍ مُضْمَرٍ، أي: قُلْ لهم الذين آمنوا إن كانت من كلام الخليل, أو قالوا هم الذين إن كانت من كلام قومه. قوله: "وَلَمْ يَلْبِسُوا" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنها مَعْطُوفَةٌ على الصِّلةِ، فلا مَحضلِّ لها حينئذٍ. والثاني: أن تكون الواو للحال، الجملة بعدها في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: آمنوا غير مُلْبسينَ بِظُلْم. وهو كقوله تعالى: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تفسير : [مريم:20]، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول ابن عصفور، حيث جعل وقوع الجُمْلَةِ المنفية حالاً قليلاً، ولا إلى قَوْلِ ابن خَرُوفٍ، حيث جعل الواو واجِبَة الدخول على هذه الجملة، وإن كان فيها ضَمِيرٌ يعود على الحالِ. والجمهور على "يَلْبِسُوا" بفتح الياء بمعنى "يخلطونه". وقرأ عكرمةُ بضمها من الإلْبَاسِ. "وهُمْ مُهْتَدُونَ" يجوز اسْتِئْنَافُهَا وحاليتها. فصل في تفسير الآية روى عَلْقَمَةُ عن عَبْدِ اللَّهِ قال: لما نزلت {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شقَّ ذلك على المُسلمينَ، فقالوا: يا رسول اللَّهِ، فأيُّنَا لا يَظْلِمُ نفسه، فقال: لَيْسَ ذلِكَ، إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، ألَمْ تَسْمَعُوا إلى ما قال لُقْمان لابنه: {أية : يَٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان:13].
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ لنفي الخوفِ عنه عليه السلام بحسَب زعمِ الكفَرةِ بالطريق الإلزاميِّ كما سيأتي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفسِ الأمر، والاستفهامُ لإنكار الوقوعِ ونفيِه بالكلية، كما في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة، الآية 7]، لا لإنكار الواقعِ واستبعادِه مع وقوعه، كما في قوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ }تفسير : [البقرة، الآية 28] الخ، وفي توجيه الإنكارِ إلى كيفية الخوفِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقالَ أأخافُ لِما أن كلَّ موجود يجب أن يكونَ وجودُه على حال من الأحوال وكيفيةٍ من الكيفيات قطعاً، فإذا انتفىٰ جميعُ أحواله وكيفياتِه فقد انتفىٰ وجودُه من جميع الجهات بالطريق البرهاني، وقوله تعالى: {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} حال من ضمير (أخاف) بتقدير مبتدأ والواوُ كافيةٌ في الربط من غير حاجة إلى الضمير العائد إلى ذي الحال، وهو مقرِّرٌ لإنكار الخوفِ ونفيِه عنه عليه السلام ومُفيدٌ لاعترافهم بذلك، فإنهم حيث لم يخافوا في محلِّ الخوف فلأَنْ لا يَخافُ عليه السلام في محل الأمنِ أولى وأحرى، أي كيف أخافُ أنا ما ليس في حيز الخوفِ أصلاً وأنتم لا تخافون غائلةَ ما هو أعظمُ المخلوقات وأهولُها، وهو إشراكُكم بالله الذي ليس كمثله شيءٌ في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته، وإنما عبّر عنه بقوله تعالى: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ} أي بإشراكه {عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً} على طريقة التهكّم مع الإيذان بأن الأمورَ الدينية لا يُعوَّل فيها إلا على الحُجة المنزلةِ من عند الله تعالى، وفي تعليق الخوفِ الثاني بإشراكهم من المبالغةِ ومراعاةِ حسنِ الأدب ما لا يخفىٰ. هذا، وأما ما قيل من أن قوله تعالى: {وَلاَ تَخَافُونَ} الخ، معطوفٌ على أخاف داخل معه في حكم الإنكار والتعجيب فمما لا سبـيلَ إليه أصلاً، لإفضائه إلى فساد المعنى قطعاً، كيف لا وقد عرَّفتُك أن الإنكارَ بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوفِ عنه عليه الصلاة والسلام، ونفي نفيه عنهم، وأنه بـيِّنُ الفساد، وحملُ الإنكارِ في الأول على معنى نفي الوقوعِ وفي الثاني على استبعاد الواقع مما لا مَساغَ له، على أن قوله تعالى: {فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} ناطقٌ ببُطلانه حتماً، فإنه كلام مرتَّبٌ على إنكار خوفِه عليه الصلاة والسلام في محل الخوف، مَسوقٌ لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه الصلاة والسلام لما هو عليه من الأمن، وبعدم استحقاقِهم لما هم عليه، وإنما جيءَ بصيغة التفضيلِ المُشعِرَةِ باستحقاقهم له في الجملة لاستنزالهم عن رُتبة المكابرةِ والاعتسافِ بسَوْق الكلام على سنن الإنصاف، والمرادُ بالفريقين الفريقُ الآمنُ في محل الأمن والفريقُ الآمنُ في محلِّ الخوف، فإيثارُ ما عليه النظمُ الكريم على أن يُقال فأيُّنا أحقُّ بالأمن أنا أم أنتم؟ لتأكيد الإلجاءِ إلى الجواب الحقِّ بالتنبـيه على علّة الحُكم، والتفادي عن التصريح بتخطئتهم لا لمجردِ الاحترازِ عن تزكية النفس {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} المفعولُ إما محذوفٌ تعويلاً على ظهوره بمعونه المقام، أي إن كنتم تعلمون من أحقُّ بذلك، أو قصداً إلى التعميم أي إن كنتم تعلمون شيئاً، وإما متروكٌ بالمرة، أي إن كنتم مِنْ أوُلي العلم، وجوابُ الشرط محذوفٌ أي فأخبروني.
القشيري
تفسير : يعني وأي خوفٍ يقع على قلبي ظِله ولم أُلِمْ بِشِرْكٍ ولم أَجْنَحْ قطُّ إلى جحد؟ وأنتم ما شممتم رائحة التوحيد في طول عمركم، ولا ذقتم طعم الإيمان في سالف دهركم! ثم بسوء ظنِّكم تجاسرتم وما ارعويتم، وخسرتم وما باليتم. فأيُّنَا أَوْلى أن يُعْلِن بسرِّه ما هو بصدده من سوءِ مَكْرِه وعاقبةِ أَمْرِه؟
اسماعيل حقي
تفسير : {وكيف أخاف ما أشركتم} بالله من الاصنام وهى لا تضر ولا تنفع والاستفهام انكار الوقوع ونفيه بالكلية {ولا تخافون انكم اشركتم بالله} حال من ضمير اخاف بتقدير مبتدأ اى وكيف اخاف انا ما ليس فى حيز الخوف اصلا وانتم لا تخافون غاثلة ما هو اعظم المخوفات واهولها وهو اشراككم بالله الذى ليس كمثله شئ فى الارض ولا فى السماء ما هو من جملة مخلوقاته وانما عبر عنه بقوله {ما لم ينزل به} اى باشراكه {عليكم سلطانا} اى حجة وبرهانا على طريقة التهكم مع الايذان بان الامور الدينية لا يعول فيها الا على الحجة المنزلة من عند الله تعالى {فأى الفريقين أحق بالأمن} أنحن ام انتم. قال المولى ابو السعود المراد بالفريقين الفريق الآمن فى محل الأمن والفريق الآمن فى محل الخوف {ان كنتم تعلمون} من احق به فاخبرونى.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية احتجاج من ابراهيم (ع) على قومه وتأكيد لما قدم من الحجاج لانه قال لهم: وكيف تلزمونني ان اخاف ما أشركتم به من الاوثان المخلوقة وقد تبين حالهم، وانهم لا يضرون ولا ينفعون، وانتم لا تخافون من هو القادر على الضرِّ والنفع بل تتجرؤن عليه وتتقدمون بين يديه بأن تجعلوا له شركاء في ملكه وتعبدونهم من دونه، فأي الفريقين احق بالامن: نحن المؤمنون الذين عرفنا الله بأدلته ووجهنا العبادة نحوه؟ ام أنتم المشركون بعبادته غيره من الاصنام والاوثان؟ ولو أطرحتم الميل والحمية والعصبية لما وجدتم لهذا الحجاج مدفعا. وقوله {ما لم ينزل به سلطانا} أي حجة لان السلطان هو الحجة في اكثر القرآن، وذلك يدل على ان كل من قال قولا واعتقد مذهبا بغير حجة مبطل. وقوله {إن كنتم تعلمون} معناه ان كنتم تستعملون عقولكم وعلومكم وتحكِّمونها على ما تهوونه وتميل اليه أنفسكم. وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول بالتقليد وتحريم النظر والحجاج، لان الله تعالى مدح ابراهيم لمحاجته لقومه وامر نبيه بالاقتداء به في ذلك فقال {أية : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}تفسير : . ثم قال بعد ذلك: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} اي بأدلتهم اقتده.
الجنابذي
تفسير : {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ} يعنى لا ينبغى لى ان اخاف ما اشركتم به بعد ما بان انّ الشّركاء عاجزون جاهلون وانّ ربّى قادر عالم {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} يعنى انّ هذا امر عجيب اى تخويفى من العاجز الجاهل مع عدم خوفكم من اشراككم الجاهل العاجز بالعالم القادر {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} بيان لحال الشّركاء لا انّه قيد للاشراك او تقييد للاشراك باعتبار انّ الشّخص ما لم يخرج من بيت نفسه وسجن طبعه لا يمكنه الخروج عن الشّرك بل ليس طاعته وتبعيّته للانبياء والاولياء الاّ الاشراك بالله ورؤية الثّانى له لكن هذا الاشراك ممّا نزّل الله به سلطاناً وحجّةً وهو طريق الى التّوحيد ومجاز وقنطرة الى الحقيقة وقد سبق تحقيق ذلك {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} نبّه على غباوتهم بانّ من له علم يميّز بين الامن وغيره، وعدم تميزهم لعدم شعورهم.
اطفيش
تفسير : {وكَيفَ أخافُ ما أشْركْتُم} ما أشركتموه من الكواكب والأصنام بالله، مع أنها لا قدرة لها على مضرة أو إمساك خير عنى حتى إنى أعبدها لخوفى منها، هذا ما لا يكون من عاقل، ومن وقع منه هذا فهو أهل لأن يتعجب منه. {ولا تَخافُون أنكُم أشْركْتُكم باللهِ ما لم يُنزِّل بهِ} أى ما لم ينزل الله به أى بعبادته أو بإشراكه {عَليْكم سُلطاناً} حجة من السماء ككتاب أو ملك، أو ما لم ينصب عليه دليلا ولا شئ مما يعبد من دون الله، نزلت به حجة، فليس قوله: {ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} قيداً واحترازاً، بل بيان لحقيقة الأمر، وهى أنه لا شئ مما يعبد من دون الله تعالى به حجة، والجملة داخلية فى التعجب، والإنكار بكيف، أى كيف أخاف ما لا تلحقنى منه مضرة وهو معبوداتكم، ولا تخافون أنتم ما يلحقكم به ما لا يوصف من العذاب، وهو إشراككم بالله تعالى، وذلك أنهم أخافوه عليه السلام فى موضع الأمن وهو التوحيد، فإنه لا مضر تلحق بالتوحيد، وآمنوا فى موضع الخوف وهو الإشراك بالله الذى هو أعظم الذنوب، والواو عاطفة على أخاف كما علمت من قولى إن الجملة داخلة فى التعجب والإنكار، أو واو الحال. {فأىُّ الفَرِيقَينِ} الفريق الموحدين، والفريق المشركين، ولم يقل ولا تخافون من أشركتم به ما لم ينزل الآية، لئلا يكون قابل الأصنام والكواكب بخالقها {أحقُّ} أى حقيق، فاسم التفضيل ليس على بابه، إذ لا تثبت لهما الحقيقة ويتفاضلان فيها، بل هى لأحدهما فقط، إلا أن تنزل لهم فى ثبوت الحقيقة من وجه ما على زعمهم فى الشرك، ولم يقل: أينا أنا أم أنتم احترازاً من تزكية النفس التى يتوهمونها، لأنه إذا توهموها منه لنفس أبعدهم ذلك عن الإيمان، وليس كقوله: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين} بأنهما ذكر الخبر فقط لصيغة اسم التفضيل، وفى نسب ذكر الشر أيضا وذكر الجماعة وهى أقرب فى التزكية الإنسان نفسه. {بالأمْنِ} من عاقبة السوء المؤمن أحق بالأمن، بمعنى أنه إن ختم له بخير كان أمناً بخلاف المشرك فلا آمن له حتى يتقدم إسلام من الشرك {إنْ كُنتم تعْلمُون} ما يحق أن يخاف منه، أو إن كنتم تعلمون أيهما أحق بالأمن، وعلى كل حال جواب إن محذوف دل عليه: {أى الفريقين أحق بالأمن} أى إن كنتم تعلمون فأخبرونى أيهما أحق به، قال أبو حيان: هذا الاستفهام تعجب وإنكار.
اطفيش
تفسير : {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} تعجب وإِنكار أَن يخاف ما أَشركوه بالله عز وجل أَن يضره، وهذا نفى للخوف، وليس متكرراً مع قوله {ولا أَخاف ما تشركون به} لأَن قوله ولا أَخاف نفى للخوف على جهة الإِخبار بما فى نفس الأَمر من أَنه لا خوف عنده من جهة الأَصنام، وقوله: {وكيف أَخاف} نفى للخوف بطريق الاستدلال الإِلزامى أَى يلزم من عدم خوفكم من الإِشراك بالله كما قال {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ} فى العبادة، ذكر لفظ الجلالة هنا دون ما قبله لأَن المراد هنا تهويل الأَمر، والمشرك به أَدخل فى ذلك، وقيل: لأَنه لو ذكره فيما قبله لكان كالمتكرر ما هنا فاختصر بالحذف، وأَيضاً لم يذكره قبله إِشارة إِلى بعد وحدانيته عن الإِشراك فلا ينبغى ذكره مع لفظ الإِشراك، ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه عند الشرك ذكره {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أَى لا أَخاف من أَصنامكم على أَن الجملة هذه مع صدرها المحذوف حال، أَى كيف أَخافها وأَنتم لا تخافون الله، وقدرت المبتدأ لأَن المضارع المنفى بلا كالمثبت لا يقرن بواو الحال، واختار بعض جواز قرنه بها، وإِن عطفت على أَخاف انسحب عليها التعجب والإِنكار فيكون متعجباً من أَن يليق به خوف الأَصنام ومن لياقة ألا يخافوا من الإِشراك به تعالى، وأَنا أشترط فى العطف اتحاد المسند إليه فى الجملتين وبين الخوفين فرق فإِنه نفى عن نفسه الخوف من ذات الأَصنام، ونفى الخوف من الإِشراك لا من الله، إِذ لو قال: كيف أَخافهم وأَنتم لا تخافون الله لكان معادلا لله بها، فالهاء فى به عائد إِلى ما لم ينزل وهو ما يعبدونه من الأَصنام على حذف مضاف أَى بإِشراكه، وجاز عوده إِلى الإِشراك المقيد بتعلقه بالموصول على قول الأَخفش بجواز الاكتفاء فى الربط برجوع العائد إِلى ملابس صاحبه وسلطانا حجة من وحى فى كتاب أَو بلا كتاب ومن دليل مطلقاً ولو عقلياً مع أَن الدليل الموحى به والعقلى أَن لا يعبد مع غير الله لأَنه وحده الخالق القادر الضار النافع فلا يشرك معه غيره {فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ} المؤمنين والمشركين {أَحَقُّ} أَى حقيقاً، فهو خارج عن التفضيل ويجوز إِبقاؤه عليه كأَنه لهم حقية ما تنزيلا لهم عن شدة المكابرة {بالأَمْنِ} فى الآخرة من عذاب الآخرة، المؤمنون لإِيمانهم أَم المشركون لإِشراكهم، قيل: لم يقل أَينا أَنا أَم أَنتم لأَنه فى صورة تزيكة النفس، وقيل لتأكيد إِلجاء إِلى الجواب بالتنبيه على علة الحكم والعدول عن خطابهم فى ذلك فإِنه يؤدى إِلى اللجاج، وإِنما قدرت على هذا أَنا وبعض نحن لأَن إِبراهيم مؤمن وحده، ولو فرض تقدير نحن فكان المراد نوع من يؤمن ولو لم يوجد منه فى ذلك الوقت إِلا هو وأَى الفريقين صيغة إِنصاف، وهى أَدعى للقبول، وأَما "وإِنا أَو إِياكم" فلنكتة {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَى تعرفون ما يحق أَن يخاف أَو تعرفون من هو أَحق بالأَمن منه، أَو إِن كنتم من ذوى العلم فلا مفعول له على هذا، والجواب محذوف أَى فأَخبرونى أَو فاتبعونى، أَو أَغنى عن جوابه قوله{أَى الفريقين}بحسب المراد لأَن المعنى إِنكار كون فريق الإِشراك أَحق بالأَمن، وأَنت خبير أَن أَحق خارج عن التفضيل، وليس المراد أَينا أَحق من الآخر لأَنه لا شىءَ من الأَمن للمشرك إِلا أَن تنزل معهم إِبراهيم فى لين الخطاب جلبا لهم فإِنه قال إِن كان لكل منى ومنكم أَمن فأَينا يزيد أَمنه.
الالوسي
تفسير : {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } «استئناف كما قال شيخ الإسلام مسوق لنفي الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم الكفرة بالطريق الإلزامي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر؛ والاستفهام لإنكار / الوقوع ونفيه بالكلية؛ وفي توجيه الانكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال: أأخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية فإذا انتفى جميع كيفياته فقد انتفى وجوده من جميع الجهات بالطريق البرهاني» و {كَيْفَ} حال والعوامل فيها {أَخَافُ} و (ما) موصولة أو نكرة موصوفة والعائد محذوف، وجوز أن تكون مصدرية. وقوله تعالى: {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} في موضع الحال من ضمير {أَخَافُ} بتقدير مبتدأ لمكان الواو. وقيل: لا حاجة إلى التقدير لأن المضارع المنفي قد يقرن بالفاء، ولا حاجة هنا إلى ضمير عائد إلى ذي الحال لأن الواو كافية في الربط وهو مقرر لإنكار الخوف ونفيه عنه عليه السلام ومفيد لاعترافهم بذلك فإنهم حيث لم يخافوا في محل الخوف فلأن لا يخاف عليه السلام في محل الأمن أولى وأحرى أي كيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلاً وأنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوفات وأهولها وهو إشراككم بالله تعالى الذي (فطر السماوات والأرض) ما هو من جملة مخلوقاته. وعبر عنه بقوله سبحانه: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً} أي حجة على طريق التهكم ـ قيل ـ مع الإيذان بأن الأمور الدينية لا يعول فيها إلا على الحجة المنزلة من عند الله تعالى. وضمير {بِهِ} عائد على الموصول والكلام على حذف مضاف أي بإشراكه. وجوز أن يكون راجعاً إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول ولا حاجة إلى العائد، وهو ـ على ما قيل ـ مبني على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع العائد إلى ما يتلبس بصاحبه. وذكر متعلق الإشراك وهو الاسم الجليل في الجملة الحالية دون الجملة الأولى ـ قيل ـ لأن المراد في الجملة الحالية تهويل الأمر وذكر المشرك به أدخل في ذلك. وقال بعض المحققين: الظاهر أن يقال في وجه الذكر في الثانية والترك في الأولى أنه لما قيل قبيل هذا { أية : وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 80] كان (ما) هنا كالتكرار له فناسب الاختصار وأنه عليه السلام حذفه إشارة إلى بعد وحدانيته تعالى عن الشرك فلا ينبغي عنده نسبته إلى الله تعالى ولا ذكر معه. ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه سبحانه عن ذلك صرح به، وقيل: إن ذكر الاسم الجليل في الجملة الثانية ليعود إليه الضمير في {مَا لَمْ يُنَزّلْ} وليس بشيء لأنه يكفي سبق ذكره في الجملة، وقيل: لأن المقصود إنكاره عليه السلام عدم خوفهم من إشراكهم بالله تعالى لأنه المنكر المستبعد عند العقل السليم لا مطلق الإنكار ولا كذلك في الجملة الأولى فإن المقصود فيها إنكار أن يخاف عليه السلام غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا؛ وليس بشيء أيضاً لأن الجملة الثانية ليست داخلة مع الأولى في حكم الإنكار إلا عند مدعي العطف وهو مما لا سبيل إليه أصلاً لإفضائه إلى فساد المعنى قطعاً لما تقدم أن الإنكار بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه عليه السلام ونفي نفيه عنهم وإنه بين الفساد، وأيضاً إن {مَا أَشْرَكْتُمْ} كيف يدل على ما سوى الله تعالى غير الشريك؟ إن هذا إلا شيء عجاب ثم إن الآية نص في أن الشرك مما لم ينزل به سلطان. وهل يمتنع عقلاً حصول السلطان في ذلك أم لا؟ ظاهر كلام بعضهم. وفي أصول الفقه ما يؤيده في الجملة الثاني والذي اختاره الأول، وقول الإمام: «إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء» ليس من محل الخلاف كما لا يخفى على الناظر فانظر. {فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} كلام مرتب على إنكار خوفه عليه السلام في محل الأمن مع تحقق عدم / خوفهم في محل الخوف مسوق لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه السلام لما هو عليه من الأمن وبعدم استحقاقهم لما هم عليه، وبهذا يعلم ما في دعوى أن الانكار في الجملة الأولى لنفي الوقوع وفي الثانية لاستبعاد الواقع. وإنما جيء بصيغة التفضيل المشعرة باستحقاقهم له في الجملة لاستنزالهم عن رتبة المكابرة والاعتساف بسوق الكلام على سنن الانصاف. والمراد بالفريقين الفريق الآمن في محل الأمن والآمن في محل الخوف، فإيثار ما في النظم الكريم ـ كما قيل ـ على أن يقال: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ لتأكيد الإلجاء إلى الجواب [الحق] بالتنبيه على علة الحكم والتفادي عن التصريح بتخطئتهم التي ربما تدعو إلى اللجاج والعناد مع الإشارة بمافي النظم إلى أن أحقية الأمن لا تخصه عليه السلام بل تشمل كل موحد ترغيباً لهم في التوحيد. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي من هو أحق بذلك أو شيء من الأشياء أو إن كنتم من أولي العلم فأخبروني بذلك. وقرىء {سُلْطَـٰناً} بضم اللام، وهي لغة اتبع فيها الضم الضم.
ابن عاشور
تفسير : عُطفت جملة {وكيف أخاف} على جملة: {أية : ولا أخاف ما تشركون به}تفسير : [الأنعام: 80] ليبيّن لهم أنّ عدم خوفه من آلهتهم أقلّ عجباً من عدم خوفهم من الله تعالى، وهذا يؤذن بأنّ قومه كانوا يعرفون الله وأنَّهم أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتجّ عليهم بأنّهم أشركوا بربّهم المعتَرف به دون أن يُنَزّل عليهم سلطاناً بذلك. و{كيف} استفهام إنكاري، لأنَّهم دعَوه إلى أن يخاف بأس الآلهة فأنكر هو عليهم ذلك وقلب عليهم الحجَّة، فأنكر عليهم أنَّهم لم يخافوا الله حين أشركوا به غيره بدون دليل نصبه لهم فجَمَعَت (كيف) الإنكارَ على الأمرين. قالوا وفي قوله: {ولا تخافون أنَّكم أشركتم} يجوز أن تكون عاطفة على جملة: {أخاف ما أشركتم} فيدخل كلتاهما في حكم الإنكار، فخوفُه من آلهتهم مُنكر، وعدم خوفهم من الله منكر. ويجوز أن تكون الواو للحال فيكون محلّ الإنكار هو دعوتَهم إيّاه إلى الخوف من آلهتهم في حال إعراضهم عن الخوف ممَّن هو أعظم سلطاناً وأشدّ بطشاً، فتفيد (كيف) مع الإنكار معنى التعجيب على نحو قوله تعالى: {أية : أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 44]. ولا يقتضي ذلك أنّ تخويفهم إيَّاه من أصنامهم لا ينكَر عليهم إلاّ في حال إعراضهم عن الخوف من الله لأنّ المقصود على هذا إنكار تحميق ومقابلة حال بحال، لا بيان ما هو منكر وما ليس بمنكر، بقرينة قوله في آخره {فأي الفريقين أحقّ بالأمن}. وهذا الوجه أبلغ. و{ومَا أشركتُم} موصولة والعائد محذوف، أي ما أشركتُم به. حذف لدلالة قوله: {أية : ولا أخاف ما تشركون به} تفسير : [الأنعام: 80] عليه، والموصول في محلّ المفعول (به)، لــ{ما أشركتم}. وفي قوله: {أنَّكم أشركتم} حُذفت (من) المتعلِّقة بــ {تخافون} لاطِّراد حذف الجارّ مع (أنّ)، أي من إشراككم، ولم يقل: ولا تخافون الله، لأنّ القوم كانوا يعرفون الله ويخافونه ولكنَّهم لم يخافوا الإشراك به. {وما لم ينزّل به عليكم سلطاناً} موصول مع صلته مفعول {أنَّكم أشركتم}. ومعنى {لم يُنزّل به عليكم} لم يخبركم بإلهية الأصنام التي عبدتموها ولم يأمركم بعبادتها خبَراً تعلمون أنَّه من عنده فلذلك استعار لذلك الخبر التنزيل تشبيهاً لعظم قدره بالرفعة، ولبلوغه إلى من هم دون المخبِر، بنزول الشيء العالي إلى أسفلَ منه. والسلطان: الحجّة لأنَّها تتسلَّط على نفس المخاصم، أي لم يأتكم خبر منه تجعلونه حجَّة على صحَّة عبادتكم الأصنام. والفاء في قوله: {فأي الفريقين} تفريع على الإنكار، والتعجيب فَرع عليهما استفهاماً ملجئاً إلى الاعتراف بأنَّهم أوْلى بالخوف من الله من إبراهيم من آلهتهم. والاستفهام بــ {أيّ} للتقرير بأنّ فريقه هو وحده أحقّ بالأمن. والفريق: الطائفة الكثيرة من النّاس المتميِّزة عن غيرها بشيء يجمعها من نسب أو مكان أو غيرهما، مشتقّ من فَرَق إذا ميّز. والفِرْقَة أقلّ من الفريق، وأراد بالفريقين هنا قومه ونفسه، فأطلق على نفسه الفريق تغليباً، أو أراد نفسه ومن تبعه إن كان له أتباع ساعتئذٍ، قال تعالى: {أية : فآمن له لوط}تفسير : [العنكبوت: 26]، أو أراد من سيوجد من أتباع ملَّته، كما يناسب قوله {أية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}تفسير : [الأنعام: 82]. والتعريف في {الأمن} للجنس، وهو ضدّ الخوف، وجملة {إن كنتم تعلمون} مستأنفة ابتدائية، وجواب شرطها محذوف دلّ عليه الاستفهام، تقديره: فأجيبوني، وفيه استحثاث على الجواب.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَاناً} (81) - وَكَيْفَ أَخَافُ أَنَا مِنْ هَذِهِ الأَصْنَامِ التِي تَعْبُدُونَهَا، وَهِيَ لاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا، وَلا لِغَيْرِهَا نَفْعاً وَلا ضَرّاً، وَلاَ تَخَافُونَ أَنْتُمْ مِنْ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ فِي عِبَادِةِ اللهِ هَذِهِ الأَصْنَامَ، وَهُوَ القَادِرُ القَاهِرُ، وَهُوَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ حُجَّةً وَلا بُرْهَاناً وَلاَ دَلِيلاً عَلَى وُجُوبِ عِبَادَةِ هَذِهِ الأَصْنَامِ؟ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ التِي نَحْنُ فِيهَا: أَيُّ الجَانِبَيْنِ - أَنَا وَأَنْتُمْ - أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ مُطْمَئِنّاً مِنْ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ أَذًى: الذِي عَبَدَ اللهَ الذِي بِيَدِهِ الخَلْقُ والنَّفْعُ والضُّرُّ، أَمْ مَنْ عَبَدَ أَصْنَاماً حِجَارَةً لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ؟ هَذا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَتُقَدِّرُونَ الأُمُورَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول لهم سيدنا إبراهيم: أنا لا أخاف إلا الله، ولا أخاف ما أشركتم أنتم به مما لا يضر ولا ينفع. و"كيف" هنا تأتي للتعجيب؛ لأن المنطق أن نخاف من الله وحده الذي يضر وينفع. وحين تدور مجادلة تستيقظ في كل طرف ذاتية المجادل، وهناك من يستنكفون من الحق، ليس لأنه حق لكن لخوفهم أن ينهزموا أمام واحد مثيل لهم، ومن يريد أن يصل إلى الحقيقة بدون استعلاء لا يعطي الحكم بما يحرك الذاتية في الخصم المجادل؛ لذلك لم يقل سيدنا إبراهيم: أنا أم أنتم أحق بالأمن؟ بل قال: {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} مثلما علم ربنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. وهذا منتهى الحيدة في الجدل، فلم يصرح بأن منهجهم هو الضلال وأن منهجه هو الصواب المستقيم ثقة منه أنهم حين يستعرضون منهجه ويستعرضون منهجهم سيحكمون بأنه صلى الله عليه وسلم على هدى وأنهم على ضلال. وهذا هو الجدل الارتقائي، مثلما يعلم الحق رسوله ليقول لخصومه: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [سبأ: 25]. هل يفعل الرسول جرائم؟ حاشا لله أن يفعل ذلك فهو المعصوم. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: اسألوا عني إن كنت أجرّمت؛ ولم يقل لهم وصفا لأعمالهم: "ولا نسأل عما تجرمون" بل قال" {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. فلم يأت بمسألة الإجرام بالنسبة لهم؛ وجاء بها بالنسبة له، لأنه واثق أنهم إن أعادوا دراسة القضية فكرياً وعقدياً وعاطفياً فسينتهون إلى الإيمان بمنهجه. وهذامنتهى اللطف في الجدل. ويتجلى اللطف في الجدل في قوله الحق: {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 81]. والعِلْمُ هو أن تأخذ قضية تعتقدها ولها واقع وتستطيع أن تدلل عليها، وإن اختل شرط فيها فهذا خروج عن العلم، ومثال ذلك ألفاظ اللغة؛ كل لفظ وضع لمعنى، وساعة تسمع اللفظ وأنت تعرف اللغة تفهم المعنى؛ فحين أقول: الشمس. تتصور أنت الشمس في ذهنك، وكذلك الأرض والماء والجبل. فأنت عرفت مدلول هذه الألفاظ بدون أن تكون هناك نسبة. ونعلم أن هناك فرقاً بين معنى اللفظ مفرداً، وما يعطيه ويفيده اللفظ إذا جاء في نسبة. فإذا جاء اللفظ في نسبة فلا بد أن توجد قضية، فإذا قلنا الشمس محجوبة بالغيم فهذه قضية، أو قلنا: الشمس تغيب فهذه قضية أخرى وهنا نسبنا شيئاً لشيء، ولكننا قبل أن نأتي بالقضايا النسبية لا بد أن يكون للفظ معنى في ذاته، وهذه اسمها معاني اللغة، وتضم من خلالها لفظا إلى لفظ فتنشأ نسبة أو قضية شريطة أن نعرف معنى مفرداتها، وبعد ذلك نعرف النسب، وهي ما نقول عنه: مبتدأ وخبر، موضوع ومحمول، مسند ومسند إليه، فعل وفاعل أي أمر منسوب إلى أمر. والعلم - كما قلنا - هو قضية واقعية، تعتقدها وتستطيع أن تدلل عليها. وإن اختل أمر من هذا لا يكون علماً، فإن كنت تعتقد في قضية إلا أنها غير واقعية، فهذا كذب. وعندما أقول: إن هناك من يعتقدون أن الأرض كروية فهل الواقع كذلك أولا؟. وإن كنت تعتقد شيئاً وهو واقع، ولم تستطع أن تدلل عليه فهذا تقليد، وإن لم يكن الشيء متيقنا وقد تساوى فيه الطرفان فهذا هو الشك. وإن كان هناك طرف راجح عن طرف آخر فهو الظن. والطرف المرجوح هو ما يسمّى بالوهم. وكل قضايا نسبية لا تخرج عن هذه. وقول إبراهيم: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تتيقنون من قضية نسبية واقعة معتقدة تستطيعون أن تدللوا عليها. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):