Verse. 871 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اَلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْۗا اِيْمَانَہُمْ بِظُلْمٍ اُولٰۗىِٕكَ لَہُمُ الْاَمْنُ وَہُمْ مُّہْتَدُوْنَ۝۸۲ۧ
Allatheena amanoo walam yalbisoo eemanahum bithulmin olaika lahumu alamnu wahum muhtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين آمنوا ولم يلبسوا» يخلطوا «إيمانهم بظلم» أي شرك كما فسر بذلك في حديث الصحيحين «أولئك لهم الأمن» من العذاب «وهم مهتدون».

82

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} استئناف منه أو من الله بالجواب عما استفهم عنه، والمراد بالظلم ها هنا الشرك لما روي أن الآيـة لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : ليس ما تظنون إنما هو ما قال لقمان لابنه {يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}»تفسير : وليس الإِيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم ويخلط بهذا التصديق الإِشراك به. وقيل المعصية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ } يخلطوا {إِيمَٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } أي شرك كما فُسِّرَ بذلك في حديث الصحيحين. {أُوْلَئِكَ لَهُمُ ٱلاْمْنُ } من العذاب {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ} من قول الله ـ تعالى ـ، أو من قول إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو من قول قومه قامت به الحجة عليهم {بِظُلْمٍ} بشرك لما نزلت شق على المسلمين، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس كما تظنون، وإنما هو كقول لقمان لابنه" {أية : لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] أو المراد جميع أنواع الظلم فعلى هذا هي عامة، أو خاصة بإبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحده، قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو خاصة فيمن هاجر إلى المدينة.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] إنما هو الشرك ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي بكر الصديق. أنه سئل عن هذه الآية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: ما تقولون؟ قالوا: لم يظلموا. قال: حملتم الأمر على أشده، بظلم: بشرك، ألم تسمع إلى قول الله {إن الشرك لظلم عظيم}؟ . وأخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: بشرك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن حذيفة {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: بشرك . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي. أنه سئل عن هذه الآية {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: إنما عنى به الشرك، ألم تسمع الله يقول {إن الشرك لظلم عظيم}؟ . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طرق عن أبي بن كعب في قوله {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: ذاك الشرك . وأخرج ابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس. أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف يقرأه، فدخل ذات يوم فقرأ سورة الأنعام، فأتى على هذه الآية {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} إلى آخر الآية، فانتقل وأخذ رداءه ثم أتى أبي بن كعب، فقال: يا أبا المنذر أتيت على هذه الآيه {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} وقد نرى أنا نظلم ونفعل ونفعل؟ فقال: يا أمير المؤمنين ان هذا ليس بذاك. يقول الله {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] إنما ذلك الشرك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: بشرك . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: بعبادة الأوثان. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} يقول: لم يخلصوا إيمانهم بشرك . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه خاصة، ليس في هذه الأمة . وأخرج أحمد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن جرير بن عبد الله قال: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فانتهى إلينا فسلم، فقال له النبي صلى الله وعليه وسلم "من أين أقبلت؟ فقال: من أهلي وولدي وعشيرتي أريد رسول الله. قال: أصبته. قال: علمني ما الإِيمان؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: قد أقررت. ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ووقع الرجل على هامته فمات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من الذين عملوا قليلاً وأجروا كثيراً، هذا من الذين قال الله {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} إني رأيت حور العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أن الرجل مات جائعا" . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: والذي بعثك بالحق لقد خرجت من بلادي وتلادي لأهتدي بهداك وآخذ من قولك فاعرض علي، فأعرض عليه الإِسلام فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في ثقب جردان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسمعتم بالذي عمل قليلاً وأجر كثيراً هذا منهم؟ أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم هذا منهم؟ ". تفسير : وأخرج أبن أبي حاتم عن بكر بن سوادة قال: حمل رجل من العدوّ على المسلمين فقتل رجلاً، ثم حمل فقتل آخر، ثم حمل فقتل آخر، ثم قال: أينفعني الإِسلام بعد هذا؟ قالوا: ما ندري، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم. فضرب فرسه فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه فقتل رجلاً، ثم آخر، ثم قتل. قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيه {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي " حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فسكت حتى جاء رجل فأسلم، فلم يلبث إلا قليلاً حتى قاتل فاستشهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا منهم من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمم " . تفسير : وأخرج البغوي في معجمه وابن حاتم وابن قانع والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سخبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر، ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله ما له؟ قال {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ".

ابو السعود

تفسير : . {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} استئنافٌ من جهته تعالى مبـينٌ للجواب الحقِّ الذي لا محيدَ عنه أي الفريقُ الذين آمنوا {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ} ذلك أي لم يخلِطوه {بِظُلْمٍ} أي بشركٍ كما يفعلُه الفريقُ المشركون حيث يزعُمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وأن عبادتَهم للأصنام من تتماتِ إيمانهم وأحكامِه لكونها لأجْل التقريبِ والشفاعة كما قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى} تفسير : [الزمر، الآية 3] وهذا معنى الخلْطِ {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول من حيث اتصافُه بما في حيز الصلة، وفي الإشارة إليه بعدَ وصْفِه بما ذُكر إيذانٌ بأنهم تميَّزوا بذلك عن غيرهم، وانتظموا في سلك الأمورِ المشاهَدة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعُلوِّ درجتِهم وبُعدِ منزلتهم في الشرف، وهو مبتدأ ثانٍ، وقولُه تعالى: {لَهُمُ ٱلأَمْنُ} جملة من خبرٍ مقدمٍ ومبتدأ مؤخَّرٍ وقعت خبراً لأولئك، وهو مع خبره خبرٌ للمبتدأ الأول الذي هو الموصول، ويجوز أن يكونَ (أولئك) بدلاً من الموصول أو عطفَ بـيانٍ له، ولهم خبراً للموصول، والأمنُ فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ، ويجوز أن يكون لهم خبراً مقدماً، والأمنُ مبتدأً والجملةُ خبراً للموصول، ويجوز أن يكون أولئك مبتدأً ثانياً (لهم) خبره والأمن فاعلاً له، والجملة خبراً للموصول، أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الإيمان الخالصِ عن شَوْب الشرك لهم الأمنُ فقط {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} إلى الحق، ومَنْ عداهم في ضلال مبـين. روي أنه لما نزلت الآيةُ شقَّ ذلك على الصحابة رضوانُ الله عليهم وقالوا: أينا لم يظْلِمْ نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس ما تظنون، إنما هو ما قال لقمانُ لابنه: يا بني لا تُشرِكْ بالله إن الشرْكَ لظُلم عظيم» تفسير : وليس الإيمانُ به أن يُصَدِّقَ بوجود الصانعِ الحكيم ويخلِطَ بهذا التصديق الإشراكَ به، وليس من قضية الخلطِ بقاءُ الأصلِ بعد الخلطِ حقيقةً، وقيل: المرادُ بالظلم المعصيةُ التي تُفسِّق صاحبَها، والظاهرُ هو الأولُ لوروده موردَ الجواب عن حال الفريقين. {وَتِلْكَ} إشارةٌ إلى ما احتج به إبراهيمُ عليه السلام من قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَنَّ} تفسير : [الأنعام، الآية 76] وقيل: من قوله: {أية : أَتُحَاجُّونّى} تفسير : [الأنعام، الآية 80] إلى قوله: {أية : مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الأنعام، الآية 80] وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لتفخيم شأن المُشار إليه والإشعارِ بعلو طبقته وسموِّ منزلتِه في الفضل، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: {حُجَّتُنَا} خبرُه، وفي إضافتها إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى، وقوله تعالى: {آتَيْنَاهَا إِبْرٰهِيمَ} أي أرشدناه إليها أو علّمناه إياها في محل النصب على أنه حال من (حجتُنا)، والعاملُ فيها معنى الإشارة كما في قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ }تفسير : [النمل الآية 52] أو في محل الرفع على خبر ثان، أو هو الخبر و(حجتُنا) بدل أو [عطفُ] بـيانٍ للمبتدأ، و(إبراهيمَ) مفعولٌ أولٌ لآتينا قُدِّم عليه الثاني لكونه ضميراً، وقوله تعالى: {عَلَىٰ قَوْمِهِ} متعلِّقٌ بحجتُنا إن جُعل خبراً (لتلك)، أو بمحذوفٍ إن جُعل بدلاً، أي آتينا إبراهيمَ حجةً على قومه، وقيل: بقوله: آتينا {نَرْفَعُ} بنون العظمةِ، وقرىء بالياء على طريقة الالتفات وكذا الفعل الآتي {دَرَجَـٰتٍ} أي رتباً عظيمةً عالية من العلم، وانتصابُها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض، أي إلى درجات أو على التميـيز، والمفعولُ قولُه تعالى: {مَّن نَّشَاء} وتأخيرُه على الوجوه الثلاثة الأخيرةِ لما مر من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ، أي من نشاء رفعَه حسْبما تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المصلحةُ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على أن ذلك سُنةٌ مستمرَّة جاريةٌ فيما بـين المُصطَفَيْنَ الأخيارِ غيرُ مختصةٍ بإبراهيمَ عليه السلام، وقرىء بالإضافة إلى (من)، والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها لا محل لها من الإعراب، وقيل: هي في محل النصب على أنها حالٌ من فاعل (آتينا) أي حال كوننا رافعين الخ. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في كل ما فعل من رفْعٍ وخفضٍ {عَلِيمٌ} بحال من يرفعُه واستعدادِه له على مراتبَ متفاوتة، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها، وفي وضع الرب ـ مضافاً إلى ضميره عليه السلام موضِعَ نونِ العظمةِ بطريق الالتفاتِ في تضاعيف بـيانِ أحوالِ إبراهيمَ عليه السلام ـ إظهارٌ لمزيد لُطفٍ وعنايةٍ به عليه السلام.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الآية: 82]. قال ابن طاهر: لم يلبسوا إيمانهم أى: لم يرجعوا فى النوائب والمهمات إلى غير الله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} راجعون إلى من إليه المرجع.

القشيري

تفسير : أي الذين أشاروا إلى الله ثم لم يرجعوا إلى غير الله؛ فإن من قال "الله" ثم رجع بالتفضيل - عند حاجاته أو مطالباته أو شيءٍ من حالاته إلى غير الله فخِصْمُه - في الدنيا والعقبى - اللهُ. والظلمُ - في التحقيق - وضعُ الشيء في غير موضعه، وأصعبه حسبان أن من الحدثان ما لم يكن وكان؛ فإِنَّ المنشئَ اللهُ، والمُجْرِىَ اللهُ، ولا إله إلا الله، وسقط ما سوى الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين ءامنوا} اى احد الفريقين الذين آمنوا {ولم يلبسوا إيمانهم} اى لم يخلطوه {بظلم} اى بشرك كما يفعله الفريق المشركون حيث يزعمون انهم يؤمنون بالله تعالى وان عبادتهم للاصنام من تتمات ايمانهم واحكامه لكونها لاجل التقريب والشفاعة كما قالوا {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} تفسير : [الزمر: 3]. وهذا معنى الخلط {أولئك لهم الأمن} فقط من العذاب {وهم مهتدون} الى الحق ومن عداهم فى ضلال مبين.

الطوسي

تفسير : تحتمل هذه الآية ان تكون اخبارا عن الله تعالى دون الحكاية عن ابراهيم بأنه قال تعالى: ان من عرف الله تعالى وصدق به وبما أوجب عليه ولم يخلط ذلك بظلم، فان له الامن من الله بحصول الثواب والامان من العقاب وهو المحكوم له بالاهتداء - وهو قول ابن اسحاق وابن زيد والطبري والجبائي وابن جريج - وقال البلخي: ان ذلك من قول ابراهيم، لانه لما قطع خصمه والزمه الحجة أخبر ان الذين آمنوا ولم يلبسوا إِيمانهم بظلم فانهم الآمنون المهتدون. قال: وكذلك يفعل من وضحت حجته وانقطع بعد البيان خصمه. والظلم المذكور في الآية هو الشرك عند أكثر المفسرين: ابن عباس وسعيد ابن المسيب وقتادة ومجاهد وحماد بن زيد وأبيُّ بن كعب وسلمان (رحمة الله عليه) قال أبيُّ ألم تسمع قوله{أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : وهو قول حذيفة. وروي عن عبد الله بن مسعود انه قال لما نزلت هذه الآية شق على الناس، وقالوا يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه، فقال: انه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا الى ما قال العبد الصالح {أية : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}. تفسير : وقال الجبائي والبلخي واكثر المعتزلة: انه يدخل فيه كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، قال فان من هذه صورته لا يكون آمنا ولا مهتديا. قال البلخي: ولو كان الامر على ما قالوه انه يختص بالشرك لوجب ان يكون مرتكب الكبيرة اذا كان مؤمنا يكون آمنا وذلك خلاف القول بالارجاء. وهذا الذي ذكروه خلاف أقاويل المفسرين من الصحابة والتابعين. وما قاله البلخي لا يلزم لانه قول بدليل الخطاب لان المشرك غير آمن بل هو مقطوع على عقابه بظاهر الآية، ومرتكب الكبيرة غير آمن لانه يجوز العفو، ويجوز المؤاخذة وان كان ذلك معلوما بدليل، وظاهر قوله {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} وان كان عاما في كل ظلم، فلنا ان نخصه بدليل أقوال المفسرين وغير ذلك من الادلة الدالة على أنه يجوز العفو من غير توبة. وروي عن علي (ع): أن الآية مخصوصة بابراهيم. وقال عكرمة مختصة بالمهاجرين. واما الظلم في أصل اللغة فقد قال الاصمعي هو وضع الشيء في غير موضعه، قال الشاعر يمدح قوما: شعر : هرت الشقاشق ظلامون للجزر تفسير : فوصفهم انهم ظلامون للجزر، لانهم عرقبوها فوضعوا النحر في غير موضعه، وكذلك الارض المظلومة سميت بذلك لانه صرف عنها المطر، ومنه قول الشاعر: شعر : والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : سماها مظلومة لانهم كانوا في سفر فتحوضوا حوضا لم يحكموا صنعته ولم يضعوه في موضعه.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ} كرّر المسند اليه باسم الاشارة البعيدة احضاراً لهم فى الّذهن واشعاراً بعظم شأنهم وتأكيداً للحكم وتمييزاً لهم بحصر الامن والاهتداء فيهم {لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} عن امير المؤمنين (ع) انّه من تمام قول ابراهيم (ع) ويحتمل بحسب اللّفظ ان يكون مستأنفاً من الله، ونقل عن رسول الله (ص) انّ المراد بالظّلم ما قاله العبد الصّالح {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] ويستفاد من هذا الخبر انّ المراد بالايمان الايمان الخاصّ الولوىّ الحاصل بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة وانّ تنكير الظّلم للتّفخيم، والنّفى وارد على تفخيمه وليس من قبيل النّكرة فى سياق النّفى ليفيد العموم.

فرات الكوفي

تفسير : قال فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي عليه السلام في قول الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} قال أبو جعفر [عليه السلام. ر]: يا أبان أنتم تقولون هو الشرك بالله ونحن نقول هذه الآية نزلت في [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام لأنه لم يشرك بالله طرفة عين قط ولم يعبد اللات والعزى وهو أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم [القبلة. أ، ر] وهو [أول، ب، ر] من صدقه فهذه الآية نزلت فيه. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي مريم قال: سألت جعفر بن محمد عليه [ر:عليهما] السلام عن قول الله [جلّ ذكره. أ، تعالى. ب، مث]: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} قال: يا أبا مريم هذه والله [نزلت. أ، ب] في علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة ما ألبس إيمانه بشرك ولا ظلم ولا كذب ولا سرقة ولا خيانة [هذه والله نزلت فيه خاصة. أ، ب].

الهواري

تفسير : قال الله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [أي ولم يخلطوا] {إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} أي: بشرك {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}. قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. وقال الحسن: {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} أي: ملك السماوات والأرض. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ} أي: أتاه الليل {رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا أحب الذاهبين. وأَهمَّه النظر في ذلك فراعى الكوكب حتى ذهب وغاب، قال: وطلع القمر، وكان ذلك في آخر الشهر. {فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً}، أي طالعاً {قَالَ هَذَا رَبِّي}. فراعاه حتى غاب، {فَلَمَّا أَفَلَ} أي: ذهب {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ}. قال: فأراد تقرباً من معرفة الله؛ {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً}، أي طالعة {قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} أي من القمر والكوكب. قال فراعاها حتى غابت. {فَلَمَّا أَفَلَتْ}، أي ذهبت {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، أي للذي خلق السماوات والأرض {حَنِيفاً}، والحنيف المخلص {وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكَين. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ} أي: إلى الإِسلام {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} يعني أصنامهم التي كانوا يعبدون {إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمَا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ}. قال الحسن: وكيف أخاف ما أشركتم من هذه الأوثان المخلوقة {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً} أي حجة، أي بعبادة الأوثان، ولم يأمر بعبادتها، ولم يأمر إلا بعبادة نفسه، وأنتم لا تخافون الذي يملك موتكم وحياتكم. {فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: من عبد الله أو من عبد الأوثان. وقال مجاهد: هي حجة إبراهيم. وقول الله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} أي بشرك {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} يوم القيامة {وَهُم مُّهْتَدُونَ} أي: في الدنيا. على طريق الجنة. ذكر الحسن أن عمر بن الخطاب قال لأبي بن كعب: يا أبا المنذر، آية في كتاب الله أحزنتني. قال: وأيّ آية يا أمير المؤمنين؟ قال: قول الله: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} قال: أينا لم يظلم؟ قال: يا أمير المؤمنين إنها ليست حيث تذهب، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح حيث يقول لابنه: (أية : يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) تفسير : [لقمان:13]، إنما هو الشرك. ذكروا أن أبا بكر الصديق قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُم بِظُلْمٍ} أي بشرك. وقال بعضهم: الآية محتملة لظلم الشرك وظلم النفاق، جامعة لهما جميعاً، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. وهذا حقيقة التأويل. قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} قال الحسن: بالنبوّة.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ آمنُوا} بالله ورسوله وكل ما يجب الإيمان به {ولم يَلبِسُوا} يخلطوا {إيمانَهم بظُلمٍ} هو الكبائر الشرك وما دونه {أولئكَ لَهم الأمنُ} من عذاب النار، الذين مبتدأ، وأولئك مبتدأ ثانٍ، والأمن مبتدأ ثالث، ولهم خبره، والجملة خبر الثانى، والمجموع خبر الأول، وذلك من كلام الله جل وعلا من كلام الله، بين به أى الفريقين أحق بالأمن، وتم كلام إبراهيم فى قوله تعالى، ويجوز أن يكون تمام كلام إبراهيم مهتدون من قوله: {وهُم مُهتَدُون} إلى الحق، ثم رأيت الوجهين للقاضى والحمد لله، وإنما اخترت أنه من كلام الله تعالى، لأن الأنسب بالمشرك المتوغل فى الشرك، الحريص فيه، يزحزح عنه بالتدريج فالأليق بإبراهيم أن يذكر لأبيه الإيمان، فالولاية تفيد أنهُ من آمن ومات على ذنب مصر عليه ليس له الأمن، فذلك كقوله تعالى:{أية : أو كسبت فى إيمانها خيراً}تفسير : وسواء فى ذلك الظلم ظلم نفسه بذنب ما بينه وبين الله، أو ظلم غيره. وما أكثر تخالط الأشعرية، فتارة يقولون: الفساق بعضهم فى النار ثم يخرجون منها، وبعضهم لا يدخلونها ولو ماتوا مصرين، وتارة قالوا: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وقالوا فى الآية: {إن الشرك لظلم} وقالوا عن ابن مسعود رضى الله عنه: حديث : لما نزلت {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على المسلمين وقالو: أينا لا يظلم نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" تفسير : وفى رواية: "حديث : ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" تفسير : فإن صحت الرواية عن ابن مسعود رضى الله عنه فالمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الآية وردت فى الشرك وخطأهم فى تفسيرها بمطلق الكبائر، أو أراد أن مطلق الكبائر كالشرك بدليل الآى والأحاديث مثل: {أية : وعملوا الصالحات} تفسير : ومثل: {أية : إنما يتقبل الله من المتقين}تفسير : ومثل:{أية : أو كسبت فى إيمانها خيراً} تفسير : "وهلك المصرون". وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لأبى بن كعب: يا أبا المنذر آية فى كتاب الله أحزنتنى؟ قال: أية آية يا أمير المؤمنين؟ قال: قول الله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال أينا لم يظلم، قال: يا أمير المؤمنين إنها ليست حيث تذهب، ألم تسمع إلى قول العبد الصالح: {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : إنما هو الشرك، وفهم عمر على العموم هو الحق، ولعله صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن الآية فى أبى إبراهيم، وأنها تفسر بالشرك، لأن تفسيرها به أليق بجلبه إلى الإسلام، بأن يذكر له أولا الإيمان لله، ويذكر له أن لا يخلطه بالإشراك حتى إذا آمن وخرج عن الشرك ذكر له تفصيل الشرع، وذلك أنه يمكن أن يقر بوجود الله ويعبد الأصنام مع ذلك فقال له إبراهيم: إنما الآمن من أقر به، وخرج عن عبادة الأصنام وذلك فى الشرك، يجبُّ الإسلام ما قبله، ويستقبل بعده تفاصيل الشرع ومنها شرط الإصرار لما بعد وذلك لدلالة الآيات والأحاديث. ثم إن الواضح أنها من كلام الله جل وعلا، وبه قال ابن زيد، وابن إسحاق، وصححوه وأن الظلم ما دون الشرك، لأن الشرك أغنى عن نفيه ذكر الإيمان، لتبادر أنه التصديق كما هو المتبادر فى آيات القرآن، حيث يذكر بعده عمل الصالحات، ولو كان يستعمل أيضا بمعنى الطاعة التوحيد وما دونه، وأما قراءة مجاهد: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، فإنما أراد بها التفسير الذى يذكر عن ابن مسعود، وليس لفظ الآية، فإن صح ذلك التفسير عن ابن مسعود فقدم تأويله، وكذا إن صح عن الصديق أن الظلم فى الآية الشرك.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله وكل ما يجب الإِيمان به عليهم {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ} ولم يخلطوا {بِظُلْمٍ} لأَنفسهم بكبيرة فيما بينهم وبين الله، أَو فيما بينهم وبين الخلق، والتنوين للتعظيم، فإِن الكبيرة ذنب عظيم كاسمها {أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} فى الآخرة من عذَابها {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} إِلى ما ينفعهم دنيا وأُخرى، وأَما من آمن ومات على كبيرة غير تائب فلا أَمن لهم وهم ضالون، وهذا رد على المرجئة الخلص الذين لا يجزمون بالهلاك على من مات وهو مصر وعلى الأَشعرية الذين أَجازوا دخول المصر الجنة، وقالوا بأَنه يقع لبعض والبعض الاخر يدخل النار، ويخرج منها عندهم فكانوا فى طرف من المرجئة، وأَما حديث البخارى ومسلم بسندهما عن ابن مسعود أَنه لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين قالوا: أَينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ليس ذلك، إِنما هو الشرك، أَلم تسمعوا قول لقمان لابنه يا بنى لا تشرك بالله إِن الشرك لظلم عظيم} تفسير : وفى رواية: حديث : ليس هو كما تظنون إِنما هو كما قال لقمان لابنهتفسير : ، فإِن صح فإِنما هو بيان لهذه الآية أَن المراد بالظلم فيها الإشراك، ويناسبه أَن الآية فى الفريقين فتبقى سائر آى الوعيد وأَحاديثه الدالة على هلاك من مات على كبيرة من الكبائر السبع أَو سائر الكبائر، ومنها الإِصرار على الصغائر وقد ذكر الله جل وعلا في آخر السورة أَنه من آمن ولم يكسب فى إِيمانه خيراً لا ينفعه إِيمانه، ولنا أَيضاً دليل عقلى لا يقاومه حديث الآحاد، وهو أَن الإِيمان لا يجامع الكفر، وأَما ما أَجابت به الأَشعرية من أَن المراد بالإِيمان التصديق بوجود الصانع وهو يجامع تعديد الآلهة، أَو المراد بالإِيمان باللسان دون القلب، وأَن المراد بالظلم الإِشراك بتعديد الآلهة، أَو بالقلب دون اللسان فيرده إن ظلماً نكرة فى سياق النفى، فهى إِما استغراق لكل كبيرة، وإِما ظاهرة فى الاستغراق، وأَيضاً لم يذكر فى القرآن آمن وأُريد به مجرد التصديق، ولو مع التعديد، أَو التصديق باللسان فقط إِلا وهو مقرون بما يدل على ذلك ولا دليل هنا، وأَما آيات المشيئة مثل {أية : يغفر لمن يشاء} تفسير : [آل عمران: 129، المائدة: 18، الفتح: 14]، {أية : ويغفر ما دون ذلك} تفسير : [النساء: 48، 116]، فمعناه المغفرة لمن يشاء توفيقه للتوبة، وإِلا لزم أَن يغفر للنصارى مع بقائهم على الشرك، فى قوله "أية : وإِن تغفر لهم فإِنك أَنت العزيز الحكيم" تفسير : [المائدة: 118] والآية من كلام الله عزو جل على الصحيح، أَو من كلام إِبراهيم كما روى عن على مستأنفة، أَو يقدر خبر لمبتدأ محذوف، أَى الفريق الأَحق بالأَمن الذين آمنوا.. إِلخ.. وعلى هذا يكون أُولئك مستأنف ولا حاجة إِلى تقدير قال إِبراهيم: الذين آمنوا.. إِلخ.. ولا يصح ما قيل أَنها من كلام قومه، أَجابوا بما هو حجة عليهم {وَتِلْكَ} القصة التى ذكرناها عن إِبراهيم من قوله تعالى "أية : فلما جن عليه الليل"تفسير : [الأنعام: 76] إِلى {مهتدون} أَو تلك القولة التى قالها إِبراهيم، سمى ما ذكر عنه كله قولة، لأَنه متوارد على معنى واحد وهو التوحيد، أَو تلك الأَقوال وأَفردها بتأويل الجملة، وآخر ذلك مهتدون على ما مر من تمام كلام إِبراهيم أَين هو مع أَن ما كان من الله هو حجة لإِبراهيم ولو لم يذكر عن إِبراهيم بلفظة، وضعف جعل الإِشارة إِلى قوله "أية : أَتحاجونى"تفسير : [الأنعام: 80] إِلى {مهتدون} لأَنه لا دليل على تخصيصه، ولأَن الاحتجاج بقوله "أية : رأَى كوكباً قال هذا ربى"تفسير : [الأنعام: 76] إِلخ أَظهر {حُجَّتُنَا} خبر، أَو بدل أَو بيان، وعلى الأَول يكون {آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمَهِ} خبراً ثانياً أَو حالا من حجة لأَن المبتدأَ إِشارة، وعلى الثانى والثالث يكون خبراً وعلى قومه حال من ضمير النصب أَو متعلق بحجة بمعنى الشئ المحجوج به، وإِن جعلناه مصدرا لزم الفصل بينه وبين معموله بالخبر أَو الحال، ولا مانع من تعليقه بآتينا لأَن المعنى أَلقيناها على قومه لإِبراهيم {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} فى العلم والحكمة، كما فاق إِبراهيم عليه السلام فى صباه شيوخ عصره واهتدى إِلى ما لم يهتد إِليه الأَنشاء والأَكابر {إِنَّ رَبَّكَ} هذا رجوع إِلى خطاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله "أية : قل إِن هدى الله" تفسير : [البقرة: 120] {حَكِيمٌ} فى قوله وفعله، ومن ذلك رفعه درجات من يشاء وخفض من يشاء {عَلِيمٌ} بأَحوال خلقه، ومنها استعداد من يستعد لرفع درجاته.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} استئناف يحتمل أن يكون من جهته تعالى مبين للجواب الحق الذي لا محيد عنه، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق وابن زيد والجبائي، ويحتمل أن يكون من جهة إبراهيم عليه السلام وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه. واستشكل كونه استئنافاً بأنه لا يمكن جعله بيانياً لأنه ما كان جواب سؤال مقدر، وهذا جواب سؤال محقق ولا نحوياً لما قال ابن هشام: إن الاستئناف النحوي ما كان في ابتداء الكلام ومنقطعاً عما قبله وهذا مرتبط بما قبله لارتباط الجواب والسؤال ضرورة وليس عندنا غيرهما. وأجيب باختيار كونه نحوياً، ومعنى كونه منقطعاً عما قبله أن لا يعطف عليه ولا يتعلق به من جهة الإعراب وإن ارتبط بوجه آخر، وقيل: المراد بابتداء الكلام ابتداؤه تحقيقاً أو تقديراً أي الفريق الذين آمنوا بما يجب الإيمان به. {وَلَمْ يَلْبِسُواْ} أي لم يخلطوا {أَيْمَـٰنِهِمْ} ذلك {بِظُلْمٍ} أي شرك كما يفعله الفريق المشركون حيث يزعمون أنهم مؤمنون بالله تعالى وأن عبادتهم لغيره سبحانه معه من تتمات إيمانهم وأحكامه لكونها لأجل التقريب والشفاعة كما ينبىء عنه قولهم: { أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] وإلى تفسير الظلم بالشرك هنا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن المسيب وقتادة ومجاهد وأكثر المفسرين، ويؤيد ذلك أن الآية واردة مورد الجواب عن حال الفريقين. ويدل عليه ما أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ليس ما تظنون إنما هو ما قال لقمان عليه السلام لابنه { أية : يٰبُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] ولا يقال: إنه لا يلزم من قوله: {إِنَّ ٱلشّرْكَ} الخ أن غير الشرك لا يكون ظلماً لأنهم قالوا: إن التنوين في {بِظُلْمٍ} للتعظيم فكأنه قيل: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم، ولما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك أو أن المتبادر من المطلق أكمل أفراده. وقيل: المراد به المعصية وحكي ذلك عن الجبائي والبلخي وارتضاه الزمخشري تبعاً لجمهور المعتزلة. واستدلوا بالآية على أن صاحب الكبيرة لا أمن له ولا نجاة من العذاب حيث دلت بتقديم (لهم) الآتي على اختصاص الأمن بمن لم يخلط إيمانه بظلم أي بفسق وادعوا أن تفسيره بالشرك يأباه ذكر اللبس أي / الخلط إذ هو لا يجامع الإيمان للضدية وإنما يجامع المعاصي، والحديث خبر واحد فلا يعمل به في مقابلة الدليل القطعي. والقول بأن الفسق أيضاً لا يجامع الإيمان عندهم أيضاً فلا يتم لهم الاستدلال لكونه اسماً لفعل الطاعات واجتناب السيئات حتى أن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر مدفوع ـ كما قيل ـ بأنه كثيراً ما يطلق الإيمان على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى أنه يعطف عليه عمل الصالحات كما جاء في غير ما آية. وأجيب بأنه أريد بالإيمان تصديق القلب وهو قد يجامع الشرك كأن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته كما أشرنا إليه آنفاً، ومن ذلك قوله تعالى: { أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } تفسير : [يوسف: 106] وكذا إذا أريد به مطلق التصديق سواء كان باللسان أو غيره بل المجامعة على هذا أظهر كما في المنافق ولو أريد به التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر يقال: إنه لا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوباً مضمحلاً أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر مراراً. وبعد تسليم جميع ما ذكر نقول: إن قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} إنما يدل على اختصاص الأمن بغير العصاة وهو لا يوجب كون العصاة معذبين البتة بل خائفين ذلك موقعين للاحتمال ورجحان جانب الوقوع. وقيل المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب لا الأمن من العذاب مطلقاً. والموصول مبتدأ واسم الإشارة مبتدأ ثان والإشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة وفي الإشارة إليه بما فيه معنى البعد بعد وصفه بما ذكر ما لا خفى. وجملة {لهم ٱلأمن} من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول، وجوز أن يكون {أُوْلَـٰئِكَ } بدلاً من الموصول أو عطف بيان له و {لهم} هو الخبر و {ٱلأمن} فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ، وأن يكون {لهم} خبراً مقدماً و {ٱلأمن} مبتدأ مؤخراً والجملة خبر الموصول، وجوز أبو البقاء كون الموصول خبر مبتدأ محذوف وقال: التقدير هم الذين ولا يخلو عن بعد والأكثرون على الأول {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} إلى الحق ومن عداهم في ضلال مبين، وقدر بعضهم إلى طريق توجب الأمن من خلود العذاب.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة من حكاية كلام إبراهيم على ما ذهب إليه جمهور المفسِّرين فيكون جواباً منه عن قوله: {أية : فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن}تفسير : [الأنعام: 81]. تولّى جوابَ استفهامه بنفسه ولم ينتظر جوابهم لكون الجواب ممَّا لا يسع المسؤول إلاّ أن يجيب بمثله، وهو تبكيت لهم. قال ابن عبَّاس: كما يسأل العالم ويُجيبُ نفسه بنفسه، أي بقوله: «فإن قلتَ قلتُ». وقد تقدّمت نظائره في هذه السورة. وقيل: ليس ذلك من حكاية كلام إبراهيم، وقد انتهى قول إبراهيم عند قوله {أية : إن كنتم تعلمون}تفسير : [الأنعام: 81] بل هو كلام مستأنف من الله تعالى لابتداء حكم، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تصديقاً لقول إبراهيم. وقيل: هو حكاية لكلام صدر من قوم إبراهيم جواباً عن سؤال إبراهيم {أية : فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن}تفسير : [الأنعام: 81]. ولا يصحّ لأنّ الشأن في ذلك أن يقال: قال الذين آمنوا الخ، ولأنَّه لو كان من قول قومه لما استمرّ بهم الضلال والمكابرة إلى حدّ أن ألقَوا إبراهيم في النّار. وحذف متعلّق فعل {آمنوا} لظهوره من الكلام السابق. والتقدير: الذين آمنوا بالله. وحقيقة {يلبسوا} يخلطوا، وهو هنا مجاز في العمل بشيئين متشابهين في وقت واحد. شبّه بخلط الأجسام كما في قوله: {أية : ولا تلبسوا الحقّ بالباطل}تفسير : [البقرة: 42]. والظّلم: الاعتداء على حقّ صاحب حقّ، والمراد به هنا إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة، قال تعالى: {أية : إنّ الشِّرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13] لأنَّه أكبر الاعتداء، إذ هو اعتداء على المستحقّ المطلق العظيم، لأنّ من حقّه أن يفرد بالعبادة اعتقاداً وعملاً وقولاً لأنّ ذلك حقّه على مخلوقاته. ففي الحديث «حديث : حقّ العباد على الله أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً»تفسير : . وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود «حديث : لمّا نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه»تفسير : . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان لابنه: {إنّ الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] اهــ.»تفسير : وذلك أنّ الشرك جمع بين الاعتراف لله بالإلهية والاعتراف لغيره بالربوبيّة أيضاً. ولمَّا كان الاعتراف لغيره ظلماً كان إيمانهم بالله مخلوطاً بظلم وهو إيمانهم بغيره، وحَمله على هذا المعنى هو الملائم لاستعارة اسم الخَلط لهذا المعنى لأنّ الإيمان بالله وإشراكَ غيره في ذلك كلاهما من جنس واحد وهو اعتقاد الربوبيّة فهما متماثلان، وذلك أظهر في وجه الشبه، لأنّ شأن الأجسام المتماثلة أن يكون اختلاطها أشدّ فإنّ التَّشابُه أقوى أحوال التّشبيه عند أهل البيان. والمعنى الذين آمنوا بالله ولم يشركوا به غيره في العبادة. وحَمَل الزمخشري الظلم على ما يشمل المعاصي، لأنّ المعصية ظلم للنَّفس كما في قوله تعالى: {أية : فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم}تفسير : [التوبة: 36] تأويلاً للآية على أصول الاعتزال لأنّ العاصي غير آمن من الخلود في النّار فهو مساو للكافر في ذلك عندهم، مع أنَّه جَعَل قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} إلى آخره من كلام إبراهيم، وهو إن كان محكيّاً من كلام إبراهيم لا يصحّ تفسير الظلم منه بالمعصية إذ لم يكن إبراهيم حينئذٍ داعياً إلاّ للتَّوحيد ولم تكن له بعدُ شريعة، وإن كان غير محكي من كلامه فلا يناسب تفسيره فيه بالمعصية، لأنّ تعقيب كلام إبراهيم به مقصود منه تأييد قوله وتبيينُه، فالحقّ أنّ الآية غير محتاجة للتّأويل على أصولهم نظراً لهذا الذي ذكرناه. والإشارة بقوله: {أولئك لهم الأمن} للتنبيه على أنّ المسند إليه جدير بالمسند من أجل ما تقدّم من أوصاف المسند إليه وهذا كقوله {أية : أولئك على هدى من ربّهم}تفسير : [البقرة: 5]. وقوله {لهم الأمْن} أشارت اللاّم إلى أنّ الأمن مختصّ بهم وثابت، وهو أبلغ من أن يُقال: آمنون. والمراد الأمن من عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه وما عُذّبت به الأمم الجاحدة، ومِن عذاب الآخرة إذ لم يكن مطلوباً منهم حينئذٍ إلاّ التوّحيد. والتّعريف في {الأمن} تعريف الجنس، وهو الأمن المتقدّم ذكره، لأنَّه جنس واحد، وليس التّعريف تعريف العهد حتَّى يجيء فيه قولهم: إنّ المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثّانية عين الأولى إذ لا يحتمل هنا غير ذلك. وقوله: {وهم مهتدون} معطوف على قوله: {لهم الأمن} عطفَ جزء جملة على الجملة التي هي في حكم المفرد، فيكون {مهتدون} خبراً ثانياً عن اسم الإشارة عُطف عليه بالواو على إحدى الطريقتين في الأخبار المتكرّرة. والضمير للفصل ليفيد قصر المسند على المسند إليه، أي الاهتداء مقصور على الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلم دون غيرهم، أي أنّ غيرهم ليسوا بمهتدين، على طريقة قوله تعالى: {أية : وأولئك هم المفلحون}تفسير : [البقرة: 55] وقوله: {أية : ألم يعلموا أنّ الله هو يقبل التّوبة عن عباده}تفسير : [التوبة: 104]. وفيه إشارة إلى أنّ المخبَر عنهم لمَّا نَبذوا الشِّرك فقد اهتدوا. ويجوز أن يكون قوله: {وهم مهتدون} جملة، بأنْ يكونَ ضمير الجمع مبتدأ و{مهتدون} خبره، والجملة معطوفة على جملة {أولئك لهم الأمن}، فيكون خبراً ثانياً عن اسم الموصول، ويكون ذكر ضمير الجمع لأجل حُسن العطف لأنَّه لمّا كان المعطوف عليه جملة اسميّة لم يحسن أن يعطف عليه مفرد في معنى الفعل، إذ لا يحسن أن يقال: أولئك لهم الأمن ومهتدون؛ فصيغ المعطوف في صورة الجملة. وحينئذٍ فالضمير لا يفيد اختصاصاً إذ لم يؤت به للفصل، وهذا النظم نظير قوله تعالى: {أية : له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير}تفسير : [التغابن: 1] وقوله: تعالى: {أية : له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير}تفسير : [الحديد: 2] على اعتبار {وهو على كلّ شيء قدير} عطفاً على {له مُلك السماوات والأرض} وما بينهما حال، وهذا من محسِّنات الوصل كما عُرف في البلاغة، وهو من بدائع نظم الكلام العربي.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الآية. المراد بالظلم هنا الشرك كما ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد بينه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، وقوله: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254]، وقوله: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [يونس: 106].

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {إِيمَانَهُمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} (82) - ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ مَنْ هُوَ الحَقيقُ بِالأَمْنِ عَلَى سَبيلِ التَّفْصِيلِ فَقَالَ: الذِينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ (يَلْبِسُوا) بِظُلْمٍ، وَلاَ كُفْرٍ، وَلاَ شِرْكٍ بِاللهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخُلُودِ فِي العَذَابِ، وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. لَمْ يَلْبِسُوا - لَمْ يَخْلِطُوا. بِظُلْمٍ - بِشِرْكٍ أَوْ كُفْرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حينما سمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية اشفقوا على أنفسهم؛ لأنهم استعرضوا حركة أعمالهم فوجدوها لا تخلو من ظلم، وخافوا أن يكونوا من غير الداخلين في {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ}. وشق عليهم ذلك، فرفعوا أمرهم إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح لهم صلى الله عليه وسلم مُطَمْئِناً: إن ذلك الظلم هو الذي قال الله فيه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. والآية تدل بمعطياتها على أن ذلك الظلم هو المتعلق بالإيمان لا بالعمل؛ لأننا نعلم أن التقاء الإنسان بربه مشروط أولاً بعقيدة القمة، وهي أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن تشهد أن محمداً رسول الله؛ ومعناها؛ لا معبود بحق إلا الله، أولا أمر لأحد في خلق الله إلا لله، ولا فعل لأحد من خلق الله إلا من الله، ولا استمداد لأحد قدرة وعلماً وحكمة وقبضاً وبسطاً إلا من الله، تلك هي دائرة الإيمان العقدية. ويقول الحق: {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} فكأن هذه المسألة هي منطقة الظلم، أما العمل فسبحانه فصَّل لنا بين إيمان ينفجر عنه العمل وعمل تنفجر عنه الطاقات فقال سبحانه: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...} تفسير : [العصر: 1-3] والعطف في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} يقتضي المغايرة، فالإيمان شيء وعمل الصالحات شيء آخر، إذن فالإيمان عمل ينبوعي في القلب، ولكن العمل ناشئ عن الالتزام الذي شرعه الإيمان فيه، وعلى المؤمن أن يتنبه إلى أن الله واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، لا ندّ له ولا شريك معه، فإن وجدت صفة في الله ووجدت صفة مثلها فيك فاعلم أن الصفة في الله في دائرة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فى قدرة كقدرته، ولا ذات كذاته، ولا فعل كفعله. فإن اختل شئ من ذلك في اليقين فهذا ظلم واقع في الإيمان. فمثلاً: أنت تقبل على الأشياء بالطاقات المخلوقة لك من الحق سبحانه وتعالى، وقبل أن تفعل أي فعل لا بد أن يمر على بالك نسبة ذهنية، قبل أن تكون نسبة قولية أو فعلية. هذا هو العمل المنوط بك والمطلوب منك، أما العمل الذي لا يمر ببالك فلست مسئولا عنه، مثال ذلك: هب أنك سائر في الطريق، ثم وجدت حفرة تكاد تسقط فيها، فهناك أمر غريزي لحفظ الإنسان فيبعد رجله، وهو لا يستطيع في هذه المسألة أن يمررها بباله. وتلك أعمال نسميها الأعمال الاضطرارية أو الغريزية أو القسرية. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع) تفسير : "حديث شريف" وقال صلى الله عليه وسلم: (حديث : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع) تفسير : "حديث شريف" و "ذي بال" أي كل أمر تفعله بعد أن يمر ببالك أن تفعله يجب أن تذكر فيه اسم الله. ويغفل أناس كثيرون عن هذه المسألة فنقول لهم: منطقياً لا بد أن تضعوا هذا الأمر في بالكم لأن الفعل الذي لا يمر ببالك هو فعل أعطى الله غريزتك - بدون أمر - أن تفعله. ومثال ذلك إذا أكل الإنسان ثم نزل شيء في قصبته الهوائية غير الهواء؛ نجده يسعل بلا شعور حتى يخرج هذا الشيء، لأنها عملية قسرية. أما الأمر ذو البال فهو الذي تمر ببالك نسبته الذهنية ثم يمر بالفعل، إن كان قولاً تقوله، وإن كان فعلاً تفعله؛ فمطلوب منك فيه ابتداء أن تسمّى الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا ألا تشغلنا الأسباب عن المسبب لها. فأنت مثلاً حين تزرع الأرض تحرثها، ثم تضع البذرة وتغطيها، ثم ترويها وبعد ذلك ينبت الزرع. ألك في ذلك شيء؟. إنه ليس لك إلاّ تجميع فعل؛ فالبذرة مخلوقة لله، والتربة التي وضعت فيها البذرة مخلوقة لله، والعناصر الموجودة في الأرض لتغذي النبات مخلوقة لله، والخاصية الموجودة في البذرة لتمتص شيئاً ينّمي جذيرها ثم تنفلق الحبة، كل هذه أسباب ليس لك فيها شيء أبداً. ولكن الله احترم فعلك فقط فقال سبحانه: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} تفسير : [الواقعة: 63] ثم قال سبحانه: {أية : أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 64] ومن مخصصات الإيمان أنك حين تقبل على أي شيء ذي بال ألا تنسى من سخر لك هذا، فليس في قدرتك أن تفعل لنفسك وبنفسك أي شيء إلا بإرادة الله، وإذا ما فعلت ذلك وتذكرت من سخر لك هذا تكون قد نسبت الأمر كله له سبحانه. ونحن في قوانيننا الوضعية ساعة يجلس القاضي ليحكم بين الناس حُكماً وهناك سلطة تنفذ هذا الحكم فهو يقول: "باسم الشعب" أو "باسم القانون"، إذن الشعب أو القانون هو الذي أعطاه الصلاحية لأن يحكم هذا الحكم، فما هي القدرة التي جعلتك تحكم على الأشياء أن تنفعل لك؟ لا بد أن تقول إذن: باسم الله الذي سخر لي هذا، فإذا أقبلت على عمل بغير ذلك، تكون مفتاتا ومختلقا ومدعيٍّا أمراً لا تستطيعه؛ لأنه ليس في سلطتك ولا في قدرتك أن تسخر الكائنات لك. إن الحق سبحانه وتعالى هو الذي سخر لك الكائنات، فعليك أن تذكر اسم الحق لتنفعل لك تلك الكائنات، ومن يغفل عن ذلك فقد لبَّس وخلط إيمانه بظلم. وإذا ما رأيت ثمرة من ثمارك إياك أن تقول كما قال قارون: {أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} بل اذكر وقل: "ما شاء الله"؛ لأنك إن قلت: {أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} فالحق قد قال في شأن قارون: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} تفسير : [القصص: 81] أين ذهب علم قارون الذي جاء به؟. إذن فكل أمر من الأمور يجب أن تنسبه لله، فإن اختل شيء فيك من هذه المسألة فاعلم أنك لبَّست وخلطت إيمانك بظلم، والحق سبحانه وتعالى منا ذلك حتى تكون النعمة مباركة إقبالاً عليها أو انتفاعاً بها، ولا ينشأ من العمل الذي تعمله مبتدئاً بـ "بسم الله" إلا ما يعينك على طاعته، ويعينك على بر، ويعينك على خير، ولا تصرفه إلا في عافية. وبعد ذلك يؤهلك مجموع هذه الأشياء في كل حركاتك وأعمالك إلى أن تأخذ أمناً آخر أجمع وأتم وأكمل من أمن الدنيا؛ إنّك تأخذ أمن الآخرة بأن تدخل الجنة. إذن {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} أي الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، والحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل دائماً بمنهجه؛ لأن إمدادات الله سبحانه وتعالى مستمرة، ورحماته وتجلياته لا تنقطع عن خلقه أبداً؛ لأنه قيوم أي إنه بطلاقة قدرته وشمول قيوميته يقوم سبحانه باقتدار وحكمة على كل أسباب مخلوقاته، فكن دائماً في صحبة القيوم؛ ليتجلى عليك بصفات حفظه، وصفات قدرته، وصفات علمه، وصفات حكمته فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (حديث : يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديّ في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أنّي لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلاّ صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي ). تفسير : ويقول - صلى الله عليه وسلم -: (حديث : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجههُ خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليه بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطرة الماء حتى يخرج نقيَّا من الذنوب ). تفسير : إذن الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل بمنهجه اتصالاً وثيقا؛ ليعطينا، لا ليأخذ منا؛ لأن الفرق بين عبودية البشر للبشر والعبودية الخالصة لله أن البشر يأخذ خير عبده، ولكن عبوديتنا لله تعطينا خيره من خزائن لا تنفد، نأخذ منه كلما ازددنا له عبودية، إذن الحق دائماً يريد أن يصلنا به. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} الأمن في الدنيا؛ والأمن بمجموع ما كان في الدنيا مع الأمن في الآخرة. ولقائل أن يقول: هناك اناس لا يسمون باسم الله، ولا يخطر الله على بالهم، ويتحركون في طاقات الأرض ومادتها، وينعمون بها ويسعدون، وقد يسعدون بابتكارات سواهم. ونقول: نعم هذا صحيح؛ لأن فيه فرقاً بين عطاء الفعل، والبركة في عطاء الفعل. إذا زرع الكافر فالأرض تعطى له، وإذا قام بأي عمل يأخذ نتيجته، لكن لا يأخذ البركة في العطاء. وما هي البركة في العطاء؟ البركة في العطاء أن يكون ما أخذته من هذا العطاء لا يعينك على معصية، بل دائماً يعينك على طاعة. ونحن نرى كثيراً من الناس يصدق عليهم قوله سبحانه: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} فإياك أن تغالط وتقول: إنهم لا يقولون: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} ومع ذلك فهم قد أخذوا طيبات الحياة الدنيا، إنك حين تنظر إليهم تجد كل مرتقيات حضارتهم، وطموحات بحوثهم واكتشافاتهم تتجه دائماً إلى الشر، لم يأت لهم ابتكار إلا استعملوه في الشر إلى أن يأذن الله فيشغلهم عن أشيائهم بما يصب عليهم من العذاب والنكبات ولهم في الآخرة العقاب على شركهم وكفرهم. إذن {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} أي إنّ هؤلاء الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك لهم الأمن في جزيئات أعمالهم والأمن المتجمع من جزيئات أعمالهم يعطي لهم الأمن في الجنة. {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} والهداية هي الطريق الذي يوصل إلى الغاية. ولا يقال إنك موفق في الحركة إلا إذا أدت بك هذه الحركة إلى غاية مرسومة في ذهنك من نجاح بعد المذاكرة والاجتهاد. ولا مخلوق ولا مصنوع يحدد غايته، فاترك لله تحديد مهتمك، فسبحانه هو الذي خلقك، وفي عرف البشر، لا توجد صنعة تحدد مهمتها أبداً، بل إن الصانع هو الذي يحدد لها الغاية منها؛ فالغاية توجد أولاً قبل الصنعة، وما دامت الغاية موجودة قبل الصنعة فمن الذي يشقى بالتجارب إذن؟. في الابتكارات العلمية المعملية المادية التي تنشأ من التفاعل مع المادة نجد أن الذي يشقى بالتجربة أولاً هو العالم، وأنت لا تعلم التجربة إلا بعد ما تظهر نتائجها الطيبة، والمسائل النظرية التي تتعب العالم يأتي التعب منها لأنها ليست مربوطة أولاً بالماديات المقننة وبمعرفة الغاية، ولا بمعرفة الوسيلة لهذه الغاية. فمن المهتدي إذن؟ إن المهتدي هو من يعرف الغاية التي يسعى إليها، والوسيلة التي تؤهله إلى هذه الغاية. وإذا حدث له عطب في ملكات نفسه، يستعين في إصلاح العطب ويلجأ إلى من صنع هذه الملكات، وهو الله سبحانه، كما يرد الإنسان الآلة التي تتعطل لصانعها. ونجد كثيراً من الشعراء يسرحون في خيالهم فيقول الواحد منهم: شعر : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ومن أين للغايات بعد المذاهب؟ تفسير : ونقول له: من خلقك أوضح لك الغاية. ويقول الحق بعد ذلك: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ ...}

الجيلاني

تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله {وَ} بعدما آمنوا {لَمْ يَلْبِسُوۤاْ} أي: لم يخلطوا ولم يستروا {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي: بخروجهم عن مقتضى الإيمان والتوحيد {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الكله {لَهُمُ ٱلأَمْنُ} في مأمن التوحيد {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] مقصرون على الهداية لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. {وَتِلْكَ} القصة التي سمعت {حُجَّتُنَآ} ودليل توحيدنا {ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ} امتناناً له وإرشاداً؛ ليغلب بها {عَلَىٰ قَوْمِهِ} ومن سنتنا أنَّا {نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} من عبادنا في العلم والحكمة والإيقان والمعرفة {إِنَّ رَبَّكَ} أيها المظهر الجامع {حَكِيمٌ} في رفع درجات بعض عباده {عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] باستعداداتهم وقابلياتهم. {وَ} من رفعنا إياه {وَهَبْنَا لَهُ} من محض فضلنا وجودنا {إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} أي: هدينا كلاً منهما إلى توحيدنا {وَ} كذلك {نُوحاً} هو جد إبراهيم {هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} فيكون إبراهيم وارثاً لهداية نوح، ومورثاً لهداية إسحاق ويعقوب، وهو من أعظم النعم والهداية {وَ} كذا {مِن ذُرِّيَّتِهِ} أي: من ذرية إبراهيم {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ} أي: مثل جزاء هؤلاء {نَجْزِي} جميع {ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: 84] مع الله المتشوقين بلقائه. {وَ} هدينا أيضاً {زَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ} و{كُلٌّ} منهم {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الأنعام: 85] لعناية الله وهدايته.

النسائي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [82] 186- أنا بشر بن خالد، أنا محمد بن جعفر، عن شُعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّنا لم يَظلم؟ فأنزل الله جل وعزَّ {أية : لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13].

همام الصنعاني

تفسير : 822- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}: [الآية: 82]، قال: بشرك. 823- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الأعمش، أن ابن مسعود قال: لما نزلت: {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الآية: 82]، قال: كبُرَ ذَلِك عَلَى المسلمين، وقالوا يا رَسُولَ الله مَا ها هنا أحدٌ إلاَّ وهو يظلم نفسه! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلكم، أما سمعتم قول لقمان لابنه: {أية : يٰبُنَيَّ ... إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : : [لقمان: 13].