٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَتِلْكَ } إشارة إلى كلام تقدم وفيه وجوه: الأول: أنه إشارة إلى قوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } والثاني: أنه إشارة إلى أن القوم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم. فقال لهم: أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك بالله وسويتم في العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول؟ والثالث: أن المراد هو الكل. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَتِلْكَ } مبتدأ وقوله: {حُجَّتُنَا } خبره وقوله: {ءَاتَيْنَٰهَا إِبْرٰهِيمَ } صفة لذلك الخبر. المسألة الثانية: قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ } يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله وبإظهاره تلك الحجة في عقله، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى. ويتأكد هذا أيضاً بقوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة، ولو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل الله تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه وحينئذ كان قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } باطلاً. فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال. المسألة الثالثة: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل. لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة. المسألة الرابعة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {دَرَجَـٰتٌ } بالتنوين من غير إضافة والباقون بالإضافة، فالقراءة الأولى معناها: نرفع من نشاء درجات كثيرة، فيكون «من» في موضع النصب. قال ابن مقسم: هذه القراءة أدل على تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة والرفعة. وقال أبو عمرو: الإضافة تدل على الدرجة الواحدة وعلى الدرجات الكثيرة والتنوين لا يدل إلا على الدرجات الكثيرة. المسألة الخامسة: اختلفوا في تلك الدرجات. قيل: درجات أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة، لأنها توجب الثواب العظيم. وقيل: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب. وقيل: نرفع درجات من نشاء بالعلم. واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة في الصفات الروحانية وفي البعد عن الصفات الجسمانية. والدليل عليه: أنه تعالى قال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ }. ثم قال بعده: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة، وهذا يقتضي أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة وإطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني، إلى أعالي العالم الروحاني، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في الروحانيات. والله أعلم. وأما معنى {حَكِيمٌ عَلِيمٌ } فالمعنى أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة والمجازفة. فإن أفعال الله منزهة عن العبث والفساد والباطل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ} تلك إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة. وقال مجاهد: هي قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}. وقيل: حجته عليهم أنهم لما قالوا له: أما تخاف أن تَخْبِلك آلهُتنا لسَبِّك إياها؟ قال لهم: أفلا تخافون أنتم منها إذ سوّيتم بين الصغير والكبير في العبادة والتعظيم؛ فيغضب الكبير فيخبِلكم؟. {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي بالعلم والفهم والإمامة والملك. وقرأ الكوفيون «درجاتٍ» بالتنوين. ومثله في «يوسف» أوقعوا الفعل على «مَن» لأنه المرفوع في الحقيقة، التقدير: ونرفع من نشاء إلى درجات. ثم حذفت إلى. وقرأ أهل الحَرَمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة، والفعل واقع على الدرجات، وإذا رُفعت فقد رُفع صاحبها. يقوّي هذه القراءة قوله تعالى: {أية : رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} تفسير : [غافر: 15] وقوله عليه السلام: «حديث : اللَّهُمَّ ٱرفع درجته»تفسير : . فأضاف الرفع إلى الدرجات. وهو لا إله إلا هو الرفيع المتعالي في شرفه وفضله. فالقراءتان متقاربتان؛ لأن من رُفعت درجاته فقد رُفع، ومن رُفع فقد رفعت درجاته، فٱعلم. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} يضع كل شيء موضعه.
البيضاوي
تفسير : {وَتِلْكَ} إشارة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ} إلى قوله: {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} أو من قوله: {أَتُحَاجُّونّى} إليه. {حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ} أرشدناه إليها أو علمناه إياها. {عَلَىٰ قَوْمِهِ} متعلق بـ {حُجَّتُنَا} إن جعل خبر تلك وبمحذوف إن جعل بدله أي: آتيناها إبراهيم حجة على قومه. {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء} في العلم والحكمة. وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين. {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في رفعه وخفضه. {عَلِيمٌ} بحال من يرفعه واستعداده له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتِلْكَ } مبتدأ، ويُبْدَل منه {حُجَّتُنَا } التي احتج بها إبراهيم على وحدانية الله، أفول الكوكب وما بعده. والخبر {ءَاتَيْنَٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ } أرشدناه لها حجة {عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَاءُ } بالإضافة والتنوين[درجات] في العلم والحكمة {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في صنعه {عَلِيمٌ } بخلقه.
ابن عبد السلام
تفسير : {حُجَّتُنَآ} قوله فأي الفريقين أحقّ بالأمن؟ عبادة إله واحد أو آلهة شتى، فقالوا: عبادة إله واحد فأقرّوا على أنفسهم، أو قالوا له: [ألا] تخاف [أن] تخبلك آلهتنا؟ فقال: أما تخافون أن تخبلكم بجمعكم الصغير مع الكبير في العبادة؟ أو قال لهم: أتعبدون ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً أم من يملك الضرّ والنفع؟، فقالوا: ما لك الضرّ والنفع أحق. وهذه الحجة استنبطها بفكره، أو أمره بها ربه.
النسفي
تفسير : {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } إلى قوله {أية : وَهُمْ مُّهْتَدُونَ }تفسير : {ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } وهو خبر بعد خبر {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاءُ } في العلم والحكمة وبالتنوين كوفي وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } بالرفع {عَلِيمٌ } بالأهل. {وَوَهَبْنَا لَهُ } لإبراهيم {إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا } أي كلهم وانتصب {كَلاَّ } بـ {هَدَيْنَا } {وَنُوحاً هَدَيْنَا } أي وهدينا نوحاً {مِن قَبْلُ } من قبل إبراهيم {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير لنوح أو لإبراهيم، والأوّل أظهر لأن يونس ولوطاً لم يكونا من ذرية إبراهيم {دَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } والتقدير: وهدينا من ذريته هؤلاء {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ } أي كلهم {مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } وذكر عيسى معهم دليل على أن النسب يثبت من قبل الأم أيضاً لأنه جعله من ذرية نوح عليه السلام وهو لا يتصل به إلا بالأم، وبذا أجيب الحجاج حين أنكر أن يكون بنو فاطمة أولاد النبي عليه السلام {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ } {والليسع} حيث كان بلامين: حمزة وعلي {وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } بالنبوة والرسالة {وَمِنْ ءَابَائِهِمْ } في موضع النصب عطفاً على {كُلاَّ } أي وفضلنا بعض آبائهم {وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذٰلِكَ } أي ما دان به هؤلاء المذكورون {هُدَى ٱللَّهِ } دين الله {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فيه نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون إن الله شاء هداية الخلق كلهم لكنهم لم يهتدوا {وَلَوْ أَشْرَكُواْ } مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات العلىٰ {لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لبطلت أعمالهم كما قال{أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : [الزمر: 65] أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } يريد الجنس {وَٱلْحُكْمَ } والحكمة أو فهم الكتاب {وَٱلنُّبُوَّةَ } وهي أعلى مراتب البشر {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } بالكتاب والحكم والنبوة أو بآيات القرآن {هَٰـؤُلآء } أي أهل مكة {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } أو أصحاب النبي عليه السلام، أوكل من آمن به أو العجم. ومعنى توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. والباء في {لَّيْسُواْ بِهَا } صلة {كَـٰفِرِينَ } وفي {بِكَـٰفِرِينَ } لتأكيد النفي {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } أي الأنبياء الذين مر ذكرهم {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا بهم، وهذا معنى تقديم المفعول. والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع فهي مختلفة، والهاء في {ٱقْتَدِهْ } للوقف تسقط في الوصل، واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف ويحذفها حمزة. وعلى في الوصل ويختلسها: شامي. {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على الوحي أو على تبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد {أَجْراً } جعلاً. وفيه دليل على أن أخذ الأجر على تعليم القرآن ورواية الحديث لا يجوز {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ } ما القرآن إلا عظة للجن والإنس {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ} أي ما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك من أعظم رحمته {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] رُوي أن جماعة من اليهود ـ منهم مالك بن الصيف ـ كانوا يجادلون النبي عليه السلام فقال النبي عليه السلام له «حديث : أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين»تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : فأنت الحبر السمين»تفسير : فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. و {حَقَّ قَدْرِهِ } منصوب نصب المصدر. {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ نُوراً } حال من الضمير في {بِهِ } أو {مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } {وَهُدًى لّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } مما فيه نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعضوه وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء. وبالياء في الثلاثة: مكي وأبو عمرو {وَعُلِّمْتُمْ } يا أهل الكتاب بالكتاب {مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ } من أمور دينكم ودنياكم {قُلِ ٱللَّهُ } جواب أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ } في باطلهم الذي يخوضون فيه {يَلْعَبُونَ } حال من {ذَرْهُمْ } أو {مِنْ خَوْضِهِمْ } {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ } على نبينا عليه السلام {مُّبَارَكٌ } كثير المنافع والفوائد {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب {وَلِتُنذِرَ } وبالياء: أبو بكر، أي الكتاب وهو معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } مكة، وسميت أم القرى لأنها سرة الأرض وقبلة أهل القرى وأعظمها شأناً ولأن الناس يؤمونها {وَمَنْ حَوْلَهَا } أهل الشرق والغرب {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } يصدقون بالعاقبة ويخافونها {يُؤْمِنُونَ بِهِ } بهذا الكتاب فأصل الدين خوف العاقبة فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهراً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}: «تلك»: إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة. وقوله سبحانه: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاءُ}، «الدرجات»: أصلها في الأجسام، ثم تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة. وقوله سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ...} الآية: {وَوَهَبْنَا}: عطْفٌ على «آتينا» وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ}: المعنَىٰ: وهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في {ذُرِّيَّتِهِ}، قال الزَّجَّاج: جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ ـــ عليه السلام ـــ؛ إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ: ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أباً، وقيل: يعود الضميرُ على نُوحٍ، وهذا هو الجيِّد، ونصْبُ {دَاوُودَ}: يحتملُ أنْ يكون بـ {وَهَبْنَا}، ويحتمل أنْ يكون بـ {هَدَيْنَا}، {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}: وعدٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى ـــ عليه السلام ـــ مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم؛ بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من {ذُرِّيَّتِهِ}، وهو ابنُ ٱبْنَةٍ؛ وبهذا يستدلُّ في الأحباس علَىٰ أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ٱبْنُ مَتَّىٰ، {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ}: معناه: عالَمِي زَمَانِهِمْ.
ابن عادل
تفسير : "تلك" إشارة إلى الدَّلائل المُتقدِّمة من قوله: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنعام:75] إلى قوله: {أية : وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:79] وقيل: إشارة إلى القَوْم لمَّا خَوَّفُوهُ بأنَّ آلهتَهُمْ تُخْبِلُهُ لأجل شَتْمِهِ إيَّاهَا، فقال لهم: أفلا تَخَافُونَ أنتم حيث أقْدَمْتُمْ على الشرك باللَّهِ، وسوَّيْتُمْ في العبادة بين الخالقِ العالم ومُدبِّرِهِ، وبين الخشب المَنْحُوتِ. وقيل: إشارة إلى الكُلِّ. ويجوز في "حُجَّتنا" وجهان: أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ، وفي "آتيْنَاهَا" حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنه في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ، والعامِلُ فيها معنى الإشارة، ويَدُلُّ على ذلك التَّصْرِيحُ بوقوع الحال في نظيرتها. كقوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} تفسير : [النمل:52]. والثاني: أنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ على أنه خَبَرٌ ثانٍ أخبر عنها بِخَبَريْنِ، أحدهما مفرد، والآخر جملة. والثَّاني: أنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ على أنه خَبَرٌ ثانٍ أخبر عنها بِخَيَريْنِ، أحدهما مفرد، والآخر جملة. والثَّاني من الوَجْهِيْنِ الأوَّلين: أن تكون "حُجَّتُنَا" بدلاً أو بَيَاناً لـ "تلك"، والخبر الجملة الفعلية. وقال الحوفي: "إن الجملة مِنْ "آتَيْنَاها" في مَوْضِع النعت لـ "حُجَّتُنَا" على نِيَّةِ الانْفِصَالِ؛ إذ التقدير: حُجّة لنا" يعني الانفصال من الإضافة لِيَحْصُلَ التنكيرُ المُسَوِّغُ لوقوع الجُمْلَةِ صِفَةً لـ "حُجتنا" وهذا لا ينبغي أن يقال. وقال أيضاً: إنَّ "إبراهيم" مفعول ثانٍ لـ "آتَيْنَاهَا"، والمفعول الأول هو "هاء"، وقد تقدَّم في أوَّلِ البقرةِ، فإنَّ هذا مَذْهب السُّهَيْلِيْ عند قوله: {أية : آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} تفسير : [البقرة:53]. وأنَّ مذهب الجمهور أن تجعل الأول ما كان عَاقِلاً، والثاني غيره، ولا يبالى بتقديم ولا تأخير. فصل في الدلالة في الآية قوله: "آتَيْنَاهَا إبْرَاهيمَ" يَدُلُّ على أنَّ تلك الحُجَّةَ إنما حَصَلتْ لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - بإيتاء الله وإظهاره تلك الحُجَّةِ في عَقْلِهِ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلاَّ بِخَلْقِ الله تعالى، ويؤكده قوله: {نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشَاءُ} فإن المراد أنه - تعالى - رَفَعَ درجاتِ إبراهيم بسبب أنه - تعالى - أتاه تلك الحُجَّة. ولو كان حُصُولُ العِلْمِ بتلك الحجة من قبل إبراهيم لا من قِبَلِ اللَّهِ تعالى، لكان إبْراهيمُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - هو الذي رفع درجات نفسه. قوله: "عَلَى قَوْمِهِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتَعَلَّقٌ بـ "آياتنا" قاله ابن عطيَّة والحوفي، أي: أظهرناها لإبراهيم على قَوْمِهِ. والثاني: أنها مُتعلِّقَةٌ بمحذوف؛ على أنها حالٌ، أي: آتيناها إبراهيم حُجَّةً على قومه، أو دَلِيلاً على قومه، كذا قدَّرَهُ أبو البقاء، ويلزم من هذا التَّقديرِ أن تكون حالاً مُؤكّدة؛ إذ التَّقديرُ: وتلك حُجَّتنَا آتَيْنَاهَا له حُجَّةً. وقدَّره أبو حيَّان على حَذْفِ مُضَافٍ، فقال: أي: آتيناها إبراهيم مُسْتَعْلِيَةً على حُجَجِ قَوْمِهِ قَاهِرَةً لها وهذا أحسن. ومنع أبو البقاء أن تكون مُتعلِّقَةً بـ "حجتنا" قال: لأنها مَصْدَرٌ و "آتَيْنَاهَا" خَبَرٌ أو حالٌ، وكلاهما لا يفصل به بين المَوْصُولِ وصِلَتِهِ. ومنع أبُو حيَّان ذلك أيْضاً، ولكن لكون الحُجَّةِ لَيْسَتْ مَصْدَراً. قال: إنما هو الكلامُ المُؤلَّفُ للاستدلال على الشيء، ثم قال: ولو جعلناها مَصْدَراً لم يَجُزْ ذلك أيضاً؛ لأنه لا يُفْصَلُ بالخبرِ، ولا بمثل هذه الحال بين المصدرِ ومطلوبه. وفي مَنْعِهِ ومَنْع أبي البقاء نظرٌ؛ لأنَّ الحالَ وإن كانت جُمْلَةً لَيْسَتْ أجْنَبِيَّةً حتَّى يُمْنَعُ الفَصْلُ بها؛ لأنها من جملة مَطْلُوباتِ المصدر، وقد تقدَّم نَظِيرُ ذلك بأشبع من هذا. قوله: "نرفع" فيه وجهان: الظاهر منهما: أنها مُسْتأنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها من الإعراب. الثاني: جوَّزَهُ أبو البقاءِ، وبدأ به - أنها في مَوْضَعِ الحالِ من "آتيناها" يعني من فاعل "آتْيْنَاهَا"، أي: في حال كوننا رَافِعِينَ، ولا تكون حالاً من المفعولِ؛ إذ لا ضمير فيها يَعُودُ إليه. ويُقْرأ "نَرْفَعُ" بنون العَظَمَةِ، وبياء الغَيْبَةِ، وكذلك "نَشَاء" وقرأ أهل الكُوفة: "دَرَجَاتٍ" بالتَّنْوين، وكذلك التي في يوسف [آية 76] والباقون بالإضافة فيهما، فقرءاة الكوفيين يُحْتَمَلُ نَصْبُ "درجات" فيها من خمسة أوجه: أحدها: أنها مَنْصُوبَةٌ على الظَّرْفِ، و "مَنْ" مفعول "نرفع"؛ أي: نرفع من نَشَاءُ مراتب ومنازل. والثاني: أن يَنْتَصِبَ على أنه مفعولٌ ثانِ قُدِّم على الأوَّلِ، وذلك يحتاج إلى تَضْمين "نرفع" معنى فعل يتعدَّى لاثنين، وهو "نُعطي" مثلاً، أي: نعطي بالرفع من نشاءُ درجاتٍ، أي: رُتَباً، فالدَّرجاتُ هي المرفوعة لقوله: {أية : رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ} تفسير : [غافر:15]. وفي الحديث: "حديث : اللَّهُمَّ ارفَعْ درَجَتَهُ في عِلِّيِّينَ"تفسير : ، وإذا رُفَعت الدرجة فقد رُفِعَ صَاحِبُهَا. والثالث: يَنْتَصِبُ على حَذْفِ حرف الجرِّ؛ أي: إلى منازل، أو إلى درجات. الرابع: أن يَنْتَصِبَ على التَّمييزِ، ويكن مُحَوَّلاً مِنَ المَفْعُولِيَّةِ، فتؤول إلى قراءة الجماعة؛ إذ الأصل: "نرفع درجاتِ من نشاءُ" بالإضافة، ثُمَّ حُوِّلَ كقوله: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} تفسير : [القمر:12]، أي: عيون الأرض. الخامس: أنها مُنْتَصِبَةٌ على الحالِ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: ذوي درجات، ويشهد لهذه القِراءةِ قوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الأنعام:165] {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ} تفسير : [الزخرف:32] {أية : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى} تفسير : [البقرة:253]. وأما قراءة الجماعة: فـ "درجات" مفعول "نرفع". فصل في معنى الدرجات قيل: الدَّرَجَاتُ درجاتٌ أعماله في الآخرة. وقيل: تِلْكَ الحُجَجْ درجاتٌ رفيعة؛ لأنها تُوجِبُ الثَّوابَ العظيم. وقيل: نرفع درجات من نَشَاءُ بالعلم والفَهْمِ والفضيلة والعقل, كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهْتَدَى. والخِطَابُ في "إنَّ ربَّكَ" للرَّسُولِ محمد عليه الصلاة والسلام. وقيل: للخليل إبراهيم، فعلى هذا يَكُونُ فيه التِفَاتٌ من الغيبة إلى الخطاب مُنَبِّهاً بذلك على تَشْرِيفٍ له وقوله: "حَكِيمٌ عليمٌ"؛ أي: إنما نرفع درجاتٍ من نشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشَّهْوَةِ والمُجَازفَةِ، فإن أفعال الله - تعالى - مُنَزَّهَةٌ عن العَبَثِ.
البقاعي
تفسير : ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها، وكان التقدير تنبيهاً للسامع على حسن ما مضى ندباً لتدبره: هذه مقاولة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معدداً وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه، دالاً على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: {وتلك} أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج إبراهيم عليه السلام به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: {حجتنا} أي التي يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا {آتيناها} أي بما لنا من العظمة {إبراهيم} وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمناً لآتينا وأقمنا، فقال: {على قومه} أي مستعلياً عليهم غالباً لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفاً: {نرفع} أي بعظمتنا {درجات من نشاء} بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم عليه السلام على جميع أهل ذلك العصر. ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال: {إن ربك} أي خاصاً لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيهاً على أن حَجبَه الدليل عمن يشاء لِحِكَم أرادها سبحانه، ففيه تسلية له صلى الله عليه وسلم {حكيم} أي فلا يفعل بحزبه إلاّ ما ظنه به خليله صلى الله عليه وسلم مما يقر أعينهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما {عليم} فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، فيفعل به ما يحل بالحكمة. ولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب، فقال معلماً بأنه جعله عزيزاً في الدنيا لأن أشرف الناس الأنبياء والرسل، وهم من نسله وذريته، ورفع ذكره أبداً لأجل قيامه بالذب عن توحيده: {ووهبنا له} أي لخليلنا عليه السلام بما لنا من العظمة {إسحاق} ولداً له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته {ويعقوب} أي ولد ولد، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل عليه السلام، وهو أشد سروراً بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه، وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم عليه السلام ومختاره للسكنى بنفسه ونسله، بل مختار الله له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض بعبادته. ولما كانت النعمة لا تتم إلاّ بالهداية، قال مستأنفاً مقدماً للمفعول ليشمل الكلام إياهما: {كلاًّ} أي منهما ومن أبيهما {هدينا} ثم أتبع ذلك المهتدين قديماً وحديثاً تأكيداً لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده، فكأنه يقول: إن كنتم تلزمون دينكم لأنه عندكم حق، فقد تبين لكم بطلانه، وأن الحق إنما هو التوحيد، وإن كنتم تلزمونه لِقِدَمِه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى، ثم إلى هذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم، فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم عليه السلام، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - والله الموفق. ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه، ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما السلام لدفع ذلك، ولأن السياق لإنكار الأوثان، وهو أول من نهى عن عبادتها، وهو أجلّ آباء الخليل عليه السلام فقال: {ونوحاً هدينا} أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج. ولما كانت لم تتجاوز منه، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم، أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيراً عن زمانه فقال: {من قبل} أي ولم تكن هدايته إلاّ بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد، وطالما دعاهم إلى الله وربّاهم فلم يرجع منهم كثيراً أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه عليهم السلام إشارة إلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة، وأنه ما حفظ كلاًّ منهما على سنن الهدى طول المدى إلاّ الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعدُ بمن بنى على يده ويد ابنه مسجداً هو بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام فقال: {ومن ذريته}. ولما كان السياق كله لمدح الخليل، وكان المذكورون - إلا لوطاً - من نسله، وكان التغليب مستعملاً شائعاً في لسان العرب، لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم عليه السلام، وقولُ من قال: إن يونس عليه السلام ليس من نسله، غير صحيح، بل هو من بني إسرائيل، وهو أحد من ذكر في سفر الأنبياء، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة {والصافات} إن شاء الله تعالى، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية إبراهيم، واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل، كما اقتضى ذلك كلام البغوي في سورة الأنبياء عليهم السلام، وأما أيوب فروى؛ من نسل عيص بن إسحاق عليهم السلام {داود} أي هديناه {وسليمان} أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر الله: داود بخطه وتأسيسه، وسليمان بإكماله وتشييده. وما كان مع ذلك ملكين، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك فقال: {وأيوب} وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلاًّ منهما ابتلى بأخذ كل ما في يده ثم ردّ الله إليه {ويوسف} وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى فصبر، واغتنى فشكر، وأيوب إن لم يكن ملكاً فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة الملوك، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك، وأيضاً فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد واستنقاذهم من ذل الفلسطين، والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ثم ردوا عليه: أيوب بعد أن ماتوا، ويوسف قبل الموت، وأيضاً فداود عليه السلام شارك إبراهيم عليه السلام في أنه كان سبب سلامته من ملك زمانه الاختفاءُ في غار، وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية وأطمع فيها، وقال له منجموه: يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك على يده، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وحملت أم إبراهيم عليه السلام به في تلك السنة، فلما وجدت الطلق خرجت ليلاً إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه، ثم سدت فم الغار ورجعت، ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه، وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما داود عليه السلام فإنه لما قتل جالوت وزوَّجَه طالوتُ ابنته، وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال إليه الناس وأحبوه، فحسده فأراد قتله، فطلبه فهرب منه، فدخل غاراً فنسجت عليه العنكبوت، فقال طالوت: لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت، فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم عليهما السلام في إبطال عبادة الشمس في قصة بلقيس رضي الله عنها؛ وقصة يوسف عليه السلام في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى {أية : يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} تفسير : [يوسف: 39]. ولما كان يوسف عليه السلام ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما، فكأن بعض قصصهم وفاق، وبعضها تقابل وطباق، فقال: {وموسى وهارون} ولما كان التقدير: هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى، لم يشغل أحداً منهم منحةُ السراء ولا محنة الضراء، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جزيناهم {نجزي المحسنين *} أي كلهم، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة، وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا. ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك، أتبعهما من سلط الملوك عليهما بالقتل فقال: {وزكريا ويحيى} ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم يسلطوا عليهما, وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال: {وعيسى وإلياس} ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين، قال مادحاً لهم على وجه يعم من قبلهم: {كل} أي من المذكورين {من الصالحين *} ثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال: {وإسماعيل واليسع} هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس، كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليه السلام - فرساً من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - عدواً فقتله ونَبأ الله اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام أن كلاًّ منهما كان صادق الوعد، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليه السلام حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} تفسير : [المائدة: 12] وقوله {أية : وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} تفسير : [المائدة: 23] وأيضاً فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي في سورة يونس إن شاء الله تعالى. ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب، أتبعهما مَن هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال: {ويونس} أي هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة، ووفاق من حيث إن كلاًّ منهما أرسل إلى غير قومه فقال: {ولوطاً} ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال: {وكلاًّ} أي ممن ذكرنا {فضلنا} أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة {على العالمين *} فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السلام وختمهم بابن أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة الحسنة؛ وقيل: إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليه السلام طباق. ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضاً أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحاً عليه السلام، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره، كما أن نوحاً عليه السلام رابعه إذا عددته من أوله، والمناسبة بينهما أن نوحاً عليه السلام نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السلام الذي جعله الله أباً للأنبياء والمرسلين، وإسماعيل عليه السلام نشر الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما السلام - أهلك الله قوم كل منهما عامة، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مانع الماء، وأشقى بكل منهما زوجته، بياناً لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلاًّ من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفاً ممن يغير دينه ويسلبه ملكه، وكما أن الله تعالى أنجى إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطاً عليه السلام من ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام من ملك زمانهما المدعي للآلهة، وأنجى ذرية إبراهيم بهما، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطاً - لكونه تابعاً له - واحداً، وموسى وأخاه هارون واحداً لمثل ذلك، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي: لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون، وكان الأربعة واسطة عقدة، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله {أية : فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم، ويكون من بين يديه تسعة، ومن خلفه تسعة، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة، ومن لوط إلى هارون كذلك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسط العقد ومكمل العقد، فإنه العاشر من كل جانب، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى، وذلك طبق قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيينتفسير : . وللبخاري نحوه عن جابر، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسباً صاحب القصة إبراهيم عليه السلام، وإن جعلت موسى وهارون عليهما السلام كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السلام كان بينه وبينهما ثمانية، وإن عددت من جهة لوط عليه السلام كان كذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} قال: ذاك في الخصومة التي كانت بينه وبين قومه، والخصومة التي كانت بينه وبين الجبار الذي يسمى نمرود . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} قال: خصمهم . وأخرج أبو الشيخ من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم في قوله {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} قال: خصمهم . وأخرج أبو الشيخ من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم في قوله {نرفع درجات من نشاء} قال: بالعلم . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} [الآية: 83]. قال: الصفاء: السر وصحة الهمة. قال جعفر الخلدى: نرفع درجات من نشاء بالخلق السنى والهمة الزكية. وقال محمد بن الفضل: نرفع درجات من نشاء بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع سنته. وقال النورى: نرفع درجات من نشاء بالكون مع الله والفهم عنه. وقال بعضهم: نرفع درجات من نشاء بالسخاء وهو خلق الأنبياء ولذلك قيل حسن الخلق.
القشيري
تفسير : أشار إلى ترقِّيه من شهود آياته إلى إثبات ذاته، وذلك ترتيب أهل السلوك في وصولهم إلى الله، فالتحقيق بالآيات التي هي أفعاله ومراعاة ذلك وهي الأولى؛ ثم إثبات صفاته وهي الثانية، ثم التحقق بوجوده وذاته وهو غاية الوصول، فبرسومه يعرف العبد نعوته، وبنعوته يعرف ثبوته.
البقلي
تفسير : {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} الدرجات المقامات الشريفة فى المعرفة والحالات الرفعية فى المحبة والكرامات الزكية فى المعاملة وهى بذاتها طريق الى الله فاذا وصل اليه وفنى فيه وبقى معه لم يبق هناك درجات ولادركات انما هناك سباحة فى بحار الازل والأباد لعارفين والموحدين اى نرفع درجات من نشاء من المريدين ونوصل من نشاء الينا بلا قطع المقامات والسير فى الدرجات من العارفين وايضا نرفع درجات من نشاء درجات العشق والمحبة والشوق وهى مراق القرب رقاهم الله بها اليه بادا الابدين قيل نرفع درجات من نشاء بصفات السر وصحة الهمة وقي بخلتى السنى والهمه الزكية وقيل بالكون مع الله والفهم عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتلك} اشارة الى ما احتج به ابراهيم على قومه من قوله {أية : فلما جن} تفسير : [الأنعام: 76]. الى قوله {أية : وهم مهتدون} تفسير : [الأنعام: 82]. {حجتنا} الحجة عبارة عن الكلام المؤلف للاستدلال على الشئ {ءاتيناها ابراهيم} اى ارشدناه اليها او علمناه اياها وهو حال من حجتنا لاصفة لانها معرفة بالاضافة {على قومه} متعلق بحجتنا. والاشارة ان محجة السلوك الى الله تعالى انما هى تحقق بالآيات التى هى افعاله وهذه مرقاة لهم وهى الرتبة الاولى ثم شهود صفاته باراءته لهم وهى الرتبة الثانية ثم التحقق بوجوده وذاته عند التجلى لاسرارهم وهذا مبدأ الوصول ولا غاية له فقوله وتلك اى اراءة الملكوت وشواهد الربوبية فى مرآة الكواكب وصدق التوجه الى الحق والاعراض والتبرى مما سواه والخلاص من شرك الانانية والايمان الحقيقى والايقان بالعيان آتيناها ابراهيم واريناه بذاتنا من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه {نرفع} الى {درجات} اى رتبا عظيمة عالية من العلم والحكمة {من نشاء} رفعه كما رفعنا درجات ابراهيم حتى فاق فى زمن صباه شيوخ اهل عصره واهتدى الى ما لم يهتد اليه الا اكابر الانبياء عليهم السلام شعر : داد حق را قابليت شرط نيست بلكه شرط قابليت داد اوست تفسير : {ان ربك حكيم} فى كل ما فعل من رفع وخفض {عليم} بحال من يرفعه واستعداده له على مراتب متفاوتة. ثم ان المقصود من المباحث الجارية بين ابراهيم وبين قومه انما هو الزام القوم وارشادهم الى طريق النظر والاستدلال وتنبيههم على ضلالهم فى امر دينهم كما هو المختار عند اجلاء المفسرين وعلى هذا المسلك جريت فى تفسير الآيات كما وقفت. وقال بعضهم المقصود مما حكى الله عن ابراهيم من الاستدلال على وحدانية الله تعالى وابطال الوهية ما سواه نظره واستدلاله فى نفسه وتحصيل المعرفة لنفسه فيحمل على ان ذلك فى زمان مراهقته واول اوان بلوغه وان المراد بالملكوت الآيات. قال الحدادى وهو الاقرب الى الصحة. قال الكاشفى فى تفسيره الفارسى {أية : وكذلك} تفسير : [الأنعام: 75]. وجنانكه بدو نموده بوديم كمراهئ قوم اورا همجنان {أية : نرى إبراهيم} تفسير : [الأنعام: 75]. بنموديم ابراهيم را {أية : ملكوت السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 75]. عجائب وبدائع آسمانها وزمينها ازذروه عرش تاتحت الثرى بروى منكشف ساخته تااستدلال كندبدان در قدرت كامله حق تعالى {أية : وليكون من الموقنين} تفسير : [الأنعام: 75]. وتا باشد ازبى كمانان يا موفق بود در علم استدلال در معالم آورده كه نمرود بن كنعانكه بادشاهى روى زمين تعلق بدوداشت درشهر بابل نشستى شبى در واقعه ديدكه كوكبى اذا فق آن بلده طلوع نمود كه در شعشه جمال اونور آفتاب وماه نابود كشت ازغايت فزع بيدارشد وكاهنان وحكماء مملكت تعبير اين واقعة برين وجه كردندكه درين سال بولايت بابل مولودى حجسته طالع ازخلو تخانة عدم بفضاء صحراى وجود خرامدكه هلاك تو واهل مملكت تو بدودست او باشد وهنوز اين مولود از مستقر صلب بمستودع رحم نييوسته نمرود بفرمود تاميان زنان و شوهران تفريق كردند وبر هزده يكى برايشان مؤكل ساخت وآزررا كه يكى از محرمان ومقربان نمرود بود شبى بازن خود او فى بنت نمر بنهان زمؤكلان خلوت دست داد وحامله شد وبامدادش را كاهنان بانمرود كفتند امشب آن كودك برحم بيوسته ىست نمرود خثم كرفته بفرمود تابرهر حامله بكى مؤكل ساختند تا اكر بسر بزايد بكشند زنانى كه در تفحص احوال حامله بودند جون مادر ابراهيم را اثر حمل ظاهر نبود ازو دركذشتند وديكر كسى بدو التفات نكرد تاوقتى كه وضع حمل نزديك رسيد او فى ترسيدكه اكربسرى زايدنا كاه خبر بكسان نمرود رسد فى الحال اورابكشند ببهانه ازشهر بيرون رفت وغارى درميان كوه نشان داشت دران غار ابراهيم را بزاد ودر خرقه بيجيد وهمانجا كذاشته درغار بسنك استوار كرد وآزرراكه ازحمل خبر داشت كفت كه ازترس كما شتكان نمرود بصحرا رفتم وبسرى بزادم وفى الحال بمرد در خاكش دفن كردم وبازكشتم آزر باور كرد واوفى روز ديرك باغار آمد ديدكه ابراهيم انكشتان خودرا ازيكى شير واز ديكرى عسل بيرون ميكشد ومى نوشد او فى جون اين حال بديد خوش وقت شد وباشهر مراجعت نمود: القصه ابراهيم جون شير تر بيت از بستان عنايت الهى نوشيد بروزى جندان مى باليدكه كودك ديكر درماهى وبما هى جندان بزرك ميشدكه ديكرى درسالى شعر : جو ماه نوكه باروى دل افروز بود زاينده نورش روز تاروز تفسير : جون بانزده ماهه شد باجوانان بانزده ساله مقابل كشت وازخانه بيرون آمد وكفته اند هفت سال باسيزده سال ياهفتده سال درغار بود برهر تقدير جون ابراهيم بزرك شد او فى بآزر كفت كه بسرتو آنروز خبر مرك او بدروغ دادم جوانى رسيده است درغايت خوب رويى ونيكو خويى بس آزررا بغار آورد وابراهيم را بوى نمود آزر بجمال بسر خوش آمد وبا او كفت اين را ازغار بخانه آوركه بملازمت نمرود بريم آزر برفت واوفى ازغار بدر آوردنماز شام بود در بايان غار كلهاى اسب واشتر ورمهاى كوسفند جمه بودند ابراهيم ازمادر يرسيدكه هر آيينه اين هارا برورد كارى خواهد بودكه آفريده وروزى ميدهد يس ما دررا كفت كه هيج مخلوقى را ازخالقى جاره نيست آفريده كارا وباشد وبمدد تربيت يابد برمورد كار من كيست مادرش كفت من بروردكار توام ابراهيم كفت بروردكار توكيست كفت يدرتو ابراهيم كفت خداى او كيست كفت نمرود كفت خداى نمرود كيست مادرش بانك بر ابراهيم زدكه مثل اين سخنان مكوكه خطر عظيم دارد در زمان نمرود بعضى ستاره وآفتاب وماه مى يرستيدند وبرخى بت برست بودند وجمعى برستش نمرود مى كردند ابراهيم بامادر بشهر روانه شد {أية : فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} تفسير : [الأنعام: 76]. بس بعضى كه ستاره برست بودندى روى بوى سجده كردند {أية : قال هذا ربى} تفسير : [الأنعام: 76]. اى اينست برورد كار من بر سبيل استفهام يا بزعم آن قوم {أية : فلما أفل قال لا احب الآفلين} تفسير : [الأنعام: 76]. بس قدرى ديكر راه فتند وشب جهاردهم بودماه طبق سيمين بر كناره خوان سبز فلك نمودار شد {أية : فلما رأى القمر بازغا} تفسير : [الأنعام: 77]. جمعى ماه برستان بيش وى بسجده درفتادند {أية : قال هذا ربى فلما أفل} تفسير : [الأنعام: 77]. يعنى ازخط نصف النهار بجانب مغرب ميل كرد {أية : قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين} تفسير : [الأنعام: 77]. بس از آنجا دركذشتند ونزديك شهر رسيدند آفتاب ابتداء طلوع كرد جمعى متوجه اوشده عزم سجود كردند {أية : فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا} تفسير : [الأنعام: 78-79]. درحالتى كه من مائلم ازهمه اديان بدين توحيد {وما انا من المشركين} در تفسير منير مذ كوراست كه جون ابراهيم عليه السلام بشهر در آمد اورا بديدن نمرود بردند اومردى ديدكه كريه منظر وابراهيم اوراديد برتختى نشيسته وغلامان ماه منظر وكنيز ان برى بيكر كرد تخت او صف زده ازمادر برسيدكه اين جه كس است كه مرا بدين او آوريده آيد كفتند خداى همه كس است برسيدكه اين ملازمان بر حوالئ تخت كيانند كفت آفريدكان اويند ابراهيم تبسم فرمود وكفت اى مادر جكونه است كه اين خداى شماديكر انرا ازخود خوبتر آفريده است بايستى كه اوزايشان خوبتر بودى كذا فى ذلك التفسير للكاشفى مع اختصار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {على قومه}: متعلق بحجتنا، إن جُعل خبرًا عن {تلك}، وبمحذوف، إن جعل بدلَه، أي: وتلك الحجة آتيناها إبراهيم حُجة على قومه. ومن قرأ: {درجات}: بالتنوين؛ فَمن نشاء: مفعول، و {درجات}: تمييز. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}، إشارة إلى ما تقدم من استدلاله على وحدانيته تعالى بأُفول الكوكب والقمر والشمس، واحتجاجه بذلك على قومه، وإتيانه إياها: وإرشاده لها وتعليمه إياها، قال تعالى: {نرفع درجات من نشاء} في العلم والحكمة، أو في اليقين والمعرفة، {إن ربك حكيم} في رفعه وخفضه، {عليم} بحال من يرفعه ويخفضه، وبحال الاستعداد لذلك. الإشارة: رفعُ الدرجات في جنات الزخارف يكون بالعلم والعمل وزيادة الطاعات، ورفع الدرجات في جنة المعارف يكون بكبر اليقين. والترقي في شهود رب العالمين. وذلك بحسب التبتل والانقطاع، والتفرغ من شواغل الحس ودوام الأُنس. والله تعالى أعلم. ومما خُص به إبراهيم عليه السلام وكان زيادة في درجته أنَّ الأنبياء جُلهم من ذريته كما قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة ويعقوب {درجات من نشاء} الباقون بالاضافة، من اضاف ذهب الى ان المرفوعة هي الدرجات لمن نشاء ومن نوَّن اراد ان المرفوع صاحب الدرجات، وتقديره نرفع من نشاء درجات، والدرجات معناها المراتب. وفي أصل اللغة هي المراقي فشبه علو المنازل بها. أخبر الله تعالى ان الحجج التي ذكرها ابراهيم لقومه آتاه الله اياها واعطاها اياه، بمعنى انه هداه لها فانه احتج بها بأمر الله ورضيها منه وصوَّبه فيها، ولهذا جعلها حجة على الكفار. وقوله {نرفع درجات من نشاء} من المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويطيعونه ويبلغون من الايمان والدعاء إلى الله منزلة عظيمة وأعلا درجة ممن لم يبلغ من الايمان مثل منزلتهم، وبين انه حكيم فيما يدبره من أمور عباده عليم بهم وبأعمالهم، وفي ذلك دلالة على صحة المحاجة والمناظرة في الدين والدعاء الى توحيد الله والاحتجاج على الكافرين، لانه تعالى مدح ذلك واستصوبه. ومن حرم الحجاج فقد ردَّ - صريح القرآن.
الجنابذي
تفسير : {وَتِلْكَ} الّتى ذكرناها من استدلال ابراهيم (ع) بالزّوال والدّثور وعدم القدرة والشّعور على بطلان معبوداتهم وبعكسها على حقّيّة معبوده {حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} الهمناها باستعداده وقوّة نفسه وقدسه {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} ولمّا توهّم انّه يرفع درجاتٍ من يشاء سواء كان باستحقاقٍ او بعدم استحقاقٍ رفع ذلك الوهم حتّى يتنزّه عن ارادة جزافيّة غير مسبوقة بحكمة ومصلحة بقوله {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} لا يفعل الاّ عن حكمة واتقان للفعل {عَلِيمٌ} بقدر استحقاق كلّ وكيفيّته وما يقتضيه.
اطفيش
تفسير : {وتلْكَ حُجَّتنا} الدلائل التى استدل بها إبراهيم لقومه، من أفول الكوكب وما ذكر بعده إلى {مهتدون}، أو من قوله: {أتحآجونى فى الله} إلى {مهتدون} وقيل الإشارة إلى قوله: فلا تخافون من آلهتكم أن يغضب عليكم كبارها إذ سويتم بينها وبين صغارها لما قالوا له: نخاف عليك الجنون من سب آلهتنا فسمى الله هذا حجة، وهذا ضعيف إذ لا ذكر لذلك فى الآية، وقيل: الإشارة إلى قوله: {أى الفريقين أحق بالأمن} أى أمن يعبد آلهة أم من يعبد واحداً، قال ذلك فقالوا: من يعبد واحدا فقضوا على أنفسهم، وذلك مبتدأ وخبره قوله: {آتيناها إبراهيم عَلى قَومه} خبر ثان أو حال من حجة، لأن المبتدأ اسم إشارة كقوله تعالى: {فتلك بيوتهم خاوية} أو حجتنا بدل تلك أو عطف بيان له، وآتيناها إلخ خبر، وعلى إبراهيم يتعلق بآتيناها أو بمحذوف حال من ضمير النصب فى آتيناها، وصح أن يقال فى أدلة حجة، لأنها تمت بمجموع الأدلة، أو إضافة حجة للجنس، فصح إطلاقها على حجج، والحجة ما احتج به، فيصح أن يعلق به على قومه، ولو قلنا: إنهُ غير مصدر، وإذا جعلنا حجتنا بدلا من تلك أو عطف بيان لم يتعلق به على قومه للفصل بأجنبى، وهو الخبر الذى هو قوله آتيناها. {نَرْفعُ دَرجاتٍ مَنْ نَشاءُ} فى الدين والعلم، والحجة والجنة بتيسير الفهم والحفظ والتوفيق للعمل، وقيل بالنبوة كما رفعت درجة إبراهيم بما له من ذلك، وقرأ الكوفيون ويعقوب بتنوين درجات على أنهُ ظرف أو منصوب على نزع الخافض، أى فى درجات، فيكون من مفعولا لنرفع، أو درجات مفعول ثان، ومن مفعول أو على تضمين نرفع معنى نعطى. {إنَّ ربكّ حَكيمٌ} فى صنعه، ومنه خفض من يخفض ورفع من يرفع {عَليمٌ} بكل شئ، ومنه حال من يرفع واستعداده للرفع.
الالوسي
تفسير : {وَتِلْكَ} إشارة إلى ما احتج به إبراهيم عليه السلام من قوله سبحانه: { أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } تفسير : [الأنعام: 76] الخ، وقيل: من قوله سبحانه: { أية : أَتُحَاجُّونِّى } تفسير : [الأنعام: 80] إلى { أية : وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } تفسير : [الأنعام: 82] وتركيب حجة اصطلاحية منه يحتاج إلى تأمل وما في اسم الإشارة من معنى البعد لتفخيم شأن المشار إليه، وهو مبتدأ وقوله عز شأنه: {حُجَّتُنَا } خبره، وفي إضافته إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى. وقوله تعالى: {ءَاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ } أي أرشدناه إليها أو علمناه إياها في موضع الحال من حجة والعامل فيه معنى الإشارة أو في محل الرفع على أنه خبر ثان أو هو الخبر و {حُجَّتُنَا} بدل أو بيان للمبتدأ، وجوز أن تكون جملة (ءاتَيْنَا) الخ معترضة أو تفسيرية ولا يخفى بعده، و {إِبْرَاهِيمَ} مفعول أول لآتينا قدم على الثاني لكونه ضميراً. وقوله سبحانه: {عَلَىٰ قَوْمِهِ } متعلق بحجتنا إن جعل خبراً لتلك أو بمحذوف إن جعل بدلاً لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبـي أي آتيناها إبراهيم حجة على قومه، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه بحجتنا أصلاً للمصدرية والفصل، ولعل المجوز لا يرى المصدرية مانعة عن تعلق الظرف ويجعل الفصل مغتفراً، وقيل: يصح / تعلقه بآياتنا لتضمنه معنى الغلبة. وقوله عز شأنه: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ } أي رتباً عظيمة عالية من العلم والحكمة مستأنف لا محل له من الإعراب مقرر لما قبله، وجوز أبو البقاء أن يكون في محل نصب على أنه حال من فاعل (ءاتَيْنَا) أي حال كوننا رافعين، ونصب {دَرَجَـٰتٌ } إما على المصدرية بتأويل رفعات أو على الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على التمييز ومفعول {نَرْفَعُ } قوله تعالى: {مَّن نَّشَاء } وتأخيره على الأوجه الثلاثة الأخيرة لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ومفعول المشيئة محذوف أي من نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة. وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن ذلك سنة مستمرة فيما بين المصطفين الأخيار غير مختصة بإبراهيم عليه السلام. وقرىء {يَرْفَعُ } بالياء على طريقة الالتفات وكذا {نَشَاء } وقرأ غير واحد من السبعة {دَرَجَـٰتٍ مَّن } بالإضافة على أنه مفعول {نَرْفَعُ } ورفع درجات الإنسان رفع له، وجوز بعضهم جعله مفعولاً أيضاً على قراءة التنوين وجعل من بتقدير لمن وهو بعيد. وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } أي في كل ما يفعل من رفع وخفض {عَلِيمٌ } أي بحال من يرفعه واستعداده له على مراتب متفاوتة، وإن شئت عممت ويدخل حينئذ ما ذكر دخولاً أولياً تعليل لما قبله. وفي وضع الرب مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام موضع نون العظمة بطريق الالتفات في تضاعيف بيان حال إبراهيم عليه السلام ما لا يخفى من إظهار مزيد اللطف والعناية به صلى الله عليه وسلم. هذا وقد ذكر الإمام في هذه الآيات الإبراهيمية عدة أحكام، الأول: «أن قوله سبحانه: { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] يدل على أنه عز وجل ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا [أبداً] فيكون آفلاً [أبداً]» والأفول ينافي الربوبية، ولا يخفى أن عد تلك الغيبة المفروضة أفولاً لا يخلو عن شيء لأن الأفول احتجاب مع انتقال وتلك الغيبة المفروضة لم تكن كذلك بل هي مجرد احتجاب فيما يظهر نعم إنه ينافي الربوبية أيضاً لكن الكلام في كونه أفولاً ليتم الاحتجاج بالآية، لا يقال قد جاء في حديث الإسراء ذكر الحجاب فكيف يصح القول بأن الاحتجاب مناف للربوبية لأنا نقول: الحجاب الوارد ـ كما قال القاضي عياض ـ إنما هو في حق العباد لا في حقه تعالى فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ونص غير واحد أن ذكر الحجاب له تعالى تمثيل لمنعه سبحانه الخلق عن رؤيته. وقال السيد النقيب في «الدرر والغرر» العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب ويقولون لما يستصعب طريقه: بيني وبينه كذا حجب وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك. والظاهر على هذا أن فيما ذكر مجاز في المفرد فتدبر. الثاني: «أن هذه الآية تدل على أنه يمتنع أن يكون تعالى بحيث ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى وإلا لحصل معنى الأفول». وأنت تعلم أن الواصفين ربهم عز شأنه بصفة النزول حيث سمعوا حديثه الصحيح عن رسولهم صلى الله عليه وسلم لا يقولون: إنه حركة وانتقال كما هو كذلك في الأجسام بل يفوضون تعيين المراد منه إلى الله تعالى بعد تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين وحينئذ لا يرد عليه أنه في معنى الأفول الممتنع على الرب جل جلاله./ الثالث: «أنها تدل على أنه جل شأنه ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقول الكرامية وإلا لكان متغيراً وحينئذ يحصل معنى الأفول» (وهو ظاهر). الرابع: «إن ما ذكر يدل على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد وإلا لم يكن للاستدلال فائدة البتة». الخامس: «أنه يدل على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية وإلا لما احتاج إبراهيم عليه السلام إلى الاستدلال». السادس: «أنه يدل على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل عليه السلام إلى هذه الطريقة»، ولا يخفى عليك ما في هذين الأخيرين. السابع: «أن قوله سبحانه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} الخ يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله تعالى وإظهارها في عقله وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى؛ ويتأكد ذلك بقوله سبحانه: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ }» الخ. الثامن: «أن قوله سبحانه {نَرْفَعُ } الخ. يدل على فساد طعن الحشوية في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل»، وفيها أحكام أخر لا تخفى على من يتدبر. ومن باب الإشارة فيها: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءازَرَ } حين رآه محتجباً بظواهر عالم الملك عن حقائق الملكوت وربوبيته تعالى للأشياء معتقداً تأثير الأكوان والأجرام ذاهلاً عن الملكوت جل شأنه {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً } أي أشباحاً خالية بذواتها عن الحياة {ءالِهَةً } فتعتقد تأثيرها { أية : إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 74] ظاهر عند من كشف عن عينه الغين {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي نوقفه على القوى الروحانية التي ندبر بها أمر العالم العلوي والسفلي أو نوقفه على حقيقتها { أية : وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 75] أي أهل الإيقان العالمين أن لا تأثير إلا لله تعالى يدبر الأمر بأسمائه سبحانه {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } أي أظلم عليه ليل عالم الطبيعة الجسمانية، وذلك عند الصوفية في صباه وأول شبابه {رَأَى كَوْكَباً} وهو كوكب النفس المسماة روحاً حيوانية الظاهر في ملكوت الهيكل الإنساني ـ فقال ـ حين رأى فيضه وحياته وتربيته من ذلك بلسان الحال {هَـٰذَا رَبّى } وكان الله تعالى يريه في ذلك الحين باسمه المحي {فَلَمَّا أَفَلَ } بطلوع نور القلب { أية : قَالَ لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] {فَلَمَّا رَأَى ٱلْقَمَرَ } أي قمر القلب {بَازِغاً } من أفق النفس ووجد فيضه بمكاشفات الحقائق والمعارف وتربيته منه {قَالَ هَـٰذَا رَبّى } وكان الله تعالى يريه إذ ذاك باسمه العالم والحكيم {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى} إلى نور وجهه { أية : لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ } تفسير : [الأنعام: 77] المحتجبين بالبواطن عنه سبحانه: {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ} أي شمس الروح {بَازِغَةً} متجلية عليه {قَالَ} إذ وجد فيضه وشهوده وتربيته منها {هَـٰذَا رَبّى} وكان سبحانه يريه حينئذ باسمه الشهيد والعلي العظيم {هَـٰذَا أَكْبَرُ } من الأولين {فَلَمَّا أَفَلَتْ} بتجلي أنوار الحق وتشعشع سبحات الوجه { أية : قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 78] إذ لا وجود لغيره سبحانه {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } أي أسلمت ذاتي ووجودي {لِلَّذِى فَطَرَ } أوجد {ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي سمٰوات الأرواح وأرض النفس {حَنِيفاً} مائلاً عن كل ما سواه حتى عن وجودي وميلي بالفناء فيه جل جلاله { أية : وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 79] في شيء {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } في ترك السوى { أية : قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } تفسير : [الأنعام: 80] إلى وجوده الحق وتوحيده {ٱلَّذِينَ آمَنُوا } الايمان الحقيقي {وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } من ظهور نفس أو قلب أو وجود بقية {أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ} الحقيقي {أية : وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } تفسير : [الأنعام: 82] حقيقة إلى الحق. وقال النيسابوري: قد يدور في الخلد أن إبراهيم عليه السلام جن عليه ليل الشبهة وظلمتها فنظر أولاً: في عالم / الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغيير فلم يرها تصلح للإلٰهية فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجرد فصادفها ءافلة في أفق الإمكان فلم يبق إلا الواجب، وقيل: غير ذلك، وما ذكره مبني على أن الاحتجاج كان مع نفسه عليه السلام وهو الذي ذهب إليه البعض من المفسرين ورووا في ذلك خبراً طويلاً وهو مذكور في كثير من الكتب مشهور بين العامة، والمختار عندي ما علمت والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وحاجّه قومه}تفسير : [الأنعام: 80]. و{تلك} إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجَّة قومه، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمَّا لم يكن ثمَّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير، كقوله تعالى: {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}تفسير : [البقرة: 253]. وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحَّتها. و{آتيناها} في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر. وحقيقة الإيتاء الإعطاء، فحقَّه أن يتعدّى إلى الذّوات، ويكون بمناولة اليد إلى اليد. قال تعالى: {أية : وآتى المال على حبّه ذوي القربى}تفسير : [البقرة: 177]، ولذلك يقال: اليدُ العليا هي المعطية واليد السّفلى هي المعطاة. ويستعمل مجازاً شائعاً في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتاً أم معانيَ. يقال: آتاه الله مالاً، ويقال: آتاه الخليفة إمارة و{أية : آتاه الله المُلك}تفسير : [البقرة: 258]، {أية : وآتيناه الحكمة}تفسير : [ص: 20]. فإيتاء الحجّة إلهامُه إيّاها وإلقاءُ ما يعبِّر عنها في نفسه. وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه. و{على} للاستعلاء المجازي، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب، وهي متعلّقة {بحجّتنا} خلافاً لمن منعه. يقال: هذا حجّة عليك وشاهد عليك، أي تلك حجّتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم، ويجوز أن يتعلَّق بــ{آتيناها} لمّا يتضمّنه الإيتاء من معنى النصر. وجملة: {نرفع درجات من نشاء} حال من ضمير الرفع في {آتيناها} أو مستأنفة لبيان أنّ مثل هذا الإيتاء تفضيل للمؤتَى وتكرمة له. ورفع الدّرجات تمثيل لتفضيل الشأن، شبّهت حالة المفضّل على غيره بحال المرتقي في سُلَّم إذا ارتفع من درجة إلى درجة، وفي جميعها رفع، وكلّ أجزاء هذا التمثيل صالح لاعتبار تفريق التّشبيه، فالتّفضيل يُشبه الرّفع، والفضائل المتفاوتة تشبه الدّرجات، ووجه الشّبه عِزّة حصول ذلك لغالب النّاس. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، بإضافة {درجات} إلى {مَنْ}. فإضافة الدرجات إلى اسم الموصول باعتبار ملابسة المرتقي في الدرجة لها لأنّها إنّما تضاف إليه إذا كان مرتقياً عليها، والإتيان بصيغة الجمع في {درجات} باعتبار صلاحيّة {من نشاء} لأفراد كثيرين متفاوتين في الرفعة، ودلّ فعل المشيئة على أنّ التفاضل بينهم بكثرة موجبات التّفضيل، أو الجمعُ باعتبار أنّ المفضّل الواحد يتفاوت حاله في تزايد موجبات فضله. وقرأه البقية ـــ بتنوين {درجات} ـــ، فيكون تمييزاً لنسبة الرفع باعتبار كون الرفع مجازاً في التفضيل. والدرجات مجازاً في الفضائل المتفاوتة. ودلّ قوله {مَن نشاء} على أنّ هذا التّكريم لا يكون لكلّ أحد لأنّه لو كان حاصلاً لكلّ النّاس لم يحصل الرفع ولا التفضيل. وجملة: {إنّ ربّك حكيم عليم} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله: {نرفع درجات من نشاء} يثير سؤالاً، يقول: لماذا يرفع بعض النّاس دون بعض، فأجيب بأنّ الله يعلم مستحقّ ذلك ومقدار استحقاقه ويخلق ذلك على حسب تعلّق علمه. فحكيم بمعنى محكم، أي متّقن للخلق والتّقدير. وقدم {حكيم} على {عليم} لأنّ هذا التّفضيل مَظهر للحكمة ثمّ عقّب بــ {عليم} ليشير إلى أنّ ذلك الإحكام جار على وفق العلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ} الآية. قال مجاهد وغيره هي قوله تعالى: {أية : وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ} تفسير : [الأنعام: 81] الآية، وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 82]. والظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم، كما في قوله: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 76]، لأن الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها، وقد استدل إبراهيم عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام بالأفول على انتفاء الربوبية في قوله: {لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} فعدم إدخال هذه الحجة في قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ} [الأنعام: 83] غير ظاهر، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة صدر القرطبي، والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 83- وتلك الحُجة العظيمة على ألوهيتنا ووحدانيتنا، أعطيناها إبراهيم ليقيمها على قومه، فارتفع بها عليهم، وسنتنا فى عبادنا أن نرفع بالعلم والحكمة من نريد منهم درجات. إن ربك - أيها النبى - حكيم يضع الشئ فى موضعه، عليم بمن يستحق الرفعة ومن لا يستحق. 84- ووهبنا لإبراهيم إسحق ويعقوب بن إسحق، ووفقنا كلا منهما إلى الحق والخير كأبيهما، ووفقنا من قبلهم نوحاً إلى ذلك، وهدينا من ذرية نوح داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكما جزينا هؤلاء نجزى المحسنين بما يستحقون. 85- وهدينا زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، كل واحد من هؤلاء من عبادنا الصالحين. 86- وهدينا إسماعيل وإليسع ويونس ولوطا، وفضلنا كل واحد من هؤلاء جميعاً على العالمين فى زمانه، بالهداية والنبوة. 87- واصطفينا بعض آباء هؤلاء وذرياتهم وإخوانهم، ووفقناهم إلى طريق لا اعوجاج فيه. 88- ذلك التوفيق العظيم الذى ناله هؤلاء، هو توفيق من الله، يوفق إليه من يشاء من عباده. ولو أشرك هؤلاء المختارون لضاعت كل أعمال الخير التى يعملونها، فلا يكون عليها ثواب. 89- أولئك الذين آتيناهم الكتب المنزلة والعلم النافع وشرف النبوة، فإن يجحد بهذه الثلاثة مشركو مكة فقد عهدنا برعايتها والانتفاع بها إلى قوم لا يكفرون بها.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهَآ} {إِبْرَاهِيمَ} {دَرَجَاتٍ} (83) - وَتِلْكَ هِيَ حُجَّةُ اللهِ الدَّامِغَةُ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَرْشَدَ إِلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، لِيُوجِّهَهَا إِلَى قَوْمِهِ، وَهُمْ يُجَادِلُونَهُ فِي رَبِّهِ، وَاللهُ يَرْفَعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، دَرَجَاتٍ فِي الدِّينِ وَالفَهْمِ وَالحُجَّةِ، وَإنَّ رَبَّكَ اللهَ الذِي رَبَّاكَ وَعَلَّمَكَ وَهَدَاكَ يَا مُحَمَّدُ، وَجَعَلَكَ خَاتَمَ الرُّسُلِ، حَكِيمٌ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَهْتَدِي بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَبِمَنْ يَضِلُّ، وَبِمَنْ قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحجة هي البرهان القائم لإثبات القضية المطلوب إثباتها. وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد منا حين نحاجج أن تكون لنا غاية في الحجاج، ونحن نعلم أن الغاية في الحجاج إن تعدت موضوع الحجاج نفياً أو إثباتاً فهي تهريج، وينحصر الأمر في أنك تريد الانتصار على خصمك وأن يحاول خصمك الانتصار عليك، لكن عليك إذا ما دخلت الحجاج أن تجعل الغاية الأصلية هي الأساس، وكما يقولون تحديد وبيان محل النزاع؛ لأن الحق لا بد أن يكون أعزّ منك ومن خصمك عندك، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن تتناظروا في قضية تناظراً جماهيرياً، لماذا؟ لأن الصوت الجماهيري يلتبس فيه الحق مع الباطل، والله سبحانه وتعالى يريد من كل صوت أن يكون محسوباً على صاحبه، ومثال ذلك عندما يقوم تظاهر كبير ويهتف فيه بسقوط أحد لا يتعرف أحد على من بدأ الهتاف. والذي جعل العرب يخسرون أنهم حين استقبلوا الدعوة كانوا يعقدون اجتماعات جماهيرية، ينقدون فيها أقوال رسول الله فتاهت منهم القدرة على الحكم الموضوعي. ولذلك يقول ربنا: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} تفسير : [سبأ: 46]. أي أن تجتمعوا وفي وجهتكم الله، ومن عنده قوة فليناقش بالحجة أقوال رسول الله موضوعاً، وتاريخاً، ومنطقاً. ولا يمكن أن يجتمع اثنان ليبحثا مسألة وفي بالهما الله فقط - إلا وينتهيان فيها إلى رأي موحد. ولذلك جاء التفاوض السري في العصر الحديث مستمداً من تلك القاعدة الإيمانية. {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83]. وأول قوم إبراهيم أبوه آزر، إنه حاجّهم في الكواكب والقمر والشمس والتماثيل، وبعد ذلك انتصر بالحجة على كبيرهم وهو الملك أو السلطان، وهو النمروذ حين أراد أن يناظره في قوة الإحياء والإماتة. ويريد الحق أن نتعلم من حكمة سيدنا إبراهيم، إنك إذا رأيت خصمك يدخل فيما لا يمكن أن ينتهي فيه الجدل فانقله إلى المستوى الذي لا يستطيع منه خلاصا ولا فكاكا، فلا يغلبك؛ فالملك النمروذ قال له: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258]. وكان باستطاعة سيدنا إبراهيم أن يقول: أنت لا تميت بل تقتل، والقتل غير الموت؛ لأنك تنقض البنية، لكنه لم يرد أن يطيل الجدل، وأراد أن يكون الجدل مقتضباً، ويسقطه على الحجة ويلزمه بها من أقصر طريق، فقال الله: {أية : قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} تفسير : [البقرة: 258]. فماذا كانت نتيجة الجدل؟ يقول الله سبحانه: {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258]. وكل هذه حجج يوضحها قول الله سبحانه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] لقد أعطى الله سبحانه إبراهيم الحجة على قومه، أي كانت له عليهم درجات وسمو وارتفاع؛ لأن إقامة الحجة على الغير انتصار، والانتصار رفع لدرجة موضوعك، ورفع أيضا لموضوع عملك. وسبحانه لا يشاء إلا عن حكمة، ولا يشاء إلا عن علم؛ لأنه إن أطلقنا المشيئة لواحد من البشر فقد يفعل الفعل بدون حكمة وبدون علم، أما الحق فينبئنا بأن مشيئته هي عن حكمة وعلم لصالح الخلق؛ لأن مشيئته مبنية لا على هوى، ولا على نفع من أحد، فالله سبحانه له كل صفات الكمال والجلال والجمال قبل أن يخلق الخلق. إن خَلْق الخلق وإيمانهم لا يزيد في ملك الله، وإن عصوا لا ينقص من ملك الله شيء، ولكن الحكمة قد تفوت عن بعض الخلق فلا يهتدون إليها، وسبحانه حين يجري أمراً على خلقه ثم يقبلونه وإن لم يعلموا علته يريهم جل وعلا الحكمة في الفعل الذي كان غير مقبول لهم؛ لأنه سبحانه خلق الخلق ويعلم أزلاً أن للخلق أهواء ومرادات، ولو أعطى كل مخلوق مراده لأعطاء على حساب غيره، والحق سبحانه عادل فلا ينفع واحداً ويتعب الآخر. والحق بحكمته يعلم ما يصلح أمر خلقه، فلا يستجيب لدعوة حمقاء من عبد، فبسحانه يعلم أنه ليس في صالح العبد أن يلبي له هذا الطلب. ولذلك يقول الحق: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. إن العبد يقول: يا رب اصنع لي كذا، يسّر لي هذا الأمر، وهو خير في عرفه، وقد يكون هو الشر؛ لأن الإنسان عجول. لذلك يقول سبحانه: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} تفسير : [الأنبياء: 37]. إن الحق جل وعلا يضبط مرادات الخلق؛ فالصالح يجريه عليهم. {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} وكلمة "رب" حينما ترد لا بد أن نفهم منها معنى الخلق والتربية، وساعة تأتي كلمة "الألوهية" فلنعلم أنها للتكليف؛ لأن الله هو المعبود المطاع إن أمر أو نهى، ولكن الرب هو من خلق وربَّى، وتعهد، وأعطاك مقومات حياتك. إذن عطاء الربوبية شيء، وعطاء الألوهية شيء آخر، وعطاء الربوبية يأخذه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي؛ لأن الله هو الذي استدعاهم للوجود، وجعل الكون مسخراً لهم، لكن عطاء الألوهية يتمثل في "افعل كذا" و "لا تفعل كذا"، وهذا يدخل في منطقة الاختيار. فالذي يكفر بالله ويحسن الأخذ بالأسباب يأخذ نتائجها، ومن يؤمن بالله ولا يحسن الأخذ بالأسباب لا يأخذ النتائج؛ لأن الاستنباط في الكون من عطاء الربوبية. ويقول الحق: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الآية: 83] يعني بعبادة الأَوثان. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} [الآية: 88]. يعني: أَخلصناهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا أَبو هلال الراسبي عن الحسن قال: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ} [الآية: 90]. يعني: إن تكفر بها أُمتك {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} النَّبِيين والصالحين. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الآية: 95]. يعني تواصلكم في الدنيا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن محجة تلك الحجة بقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} [الأنعام: 83]، إلى قوله: {أية : مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 88] الإشارة فيهما أن محجة السلوك إلى الله تعالى إنما هي تتحقق بالآيات التي هي أفعاله، وهذه خرقات لهم وهي الأولى، ثم شهود صفاته بإراءته لهم وهي الرتبة الفانية، ثم التحقيق بوجوده وذاته عند التجلي لأسرارهم هذا مبدء الوصول ولا غاية له، فقوله تعالى: {وَتِلْكَ} أي: إرادة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق والإعراض والتبرؤ عما سواه والخلاص من ترك الأنانية، والإيمان الحقيقي والإيقان بالعيان ابتدائها إبراهيم أي أعطيناه ورأيناه من غير واسطة حتى جعلها حجة على قومه {نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} [الأنعام: 83]، بجذبات الألوهية عن حجب الأنانية {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} [الأنعام: 83]، فيما يرفع من يشاء بجذبات {عَلِيمٌ} [الأنعام: 83]، بمن يجذبه من حضيض البشرية وممن رفعنا به درجات إبراهيم عليه السلام {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا} [الأنعام: 84]، كما هدينا إبراهيم عليه السلام هدينا إسحاق ويعقوب وذريتهما واختصاصهما بالموهبة دون إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى جعل وجود إسحاق ويعقوب وذريتهما وهدايتهم تبعاً لوجود إبراهيم عليه السلام وموهبته له، وأن محمداً صلى الله عايه وسلم كان من ذرية إسماعيل والكائنات كان تبعاً لوجوده فما جعل الله تعالى إسماعيل عليه السلام تبعاً لوجود إبراهيم عليه السلام ولا هدايته تبعاً لهدايته لشرف محمد صلى الله عليه وسلم فأفرده عنهم بالذكر والهداية، وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين وميزتهم في سلك واحد بالذكر والهداية وسلك مع كبار الأنبياء والمرسلين والتفضيل على العالمين فمن كان قبل إبراهيم عليه السلام وبعده وجوداً وهداية، كما قال تعالى: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: 84]، هؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام يعني كما جزينا إبراهيم عليه السلام لإحسانه معنا يرانا، ولم ير أحداً معنا وهبنا لهذه الذرية وهديناهم وكذلك نجزي كل محسن معناه على حسب إحسانهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):