Verse. 873 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَوَہَبْنَا لَہٗۗ اِسْحٰقَ وَيَعْقُوْبَ۝۰ۭ كُلًّا ہَدَيْنَا۝۰ۚ وَنُوْحًا ہَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِہٖ دَاوٗدَ وَسُلَيْمٰنَ وَاَيُّوْبَ وَيُوْسُفَ وَمُوْسٰي وَہٰرُوْنَ۝۰ۭ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِـنِيْنَ۝۸۴ۙ
Wawahabna lahu ishaqa wayaAAqooba kullan hadayna wanoohan hadayna min qablu wamin thurriyyatihi dawooda wasulaymana waayyooba wayoosufa wamoosa waharoona wakathalika najzee almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهبنا له إسحاق ويعقوب» ابنه «كلا» منهما «هدينا ونوحا هدينا من قبل» أي قبل إبراهيم «ومن ذريته» أي نوح «داوود وسليمان» ابنه «وأيوب ويوسف» ابن يعقوب «وموسى وهارون وكذلك» كما جزيناهم «نجزي المحسنين».

84

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه. فأولها: قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ } والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها. وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك. فعلنا، وقلنا، وذكرنا. ولما ذكر نفسه تعالى ههنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب. وثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة. وهي قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } وثالثها: أنه جعله عزيزاً في الدنيا، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد، فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ } لصلبه {وَيَعْقُوبَ } بعده من إسحق. فإن قالوا: لم لم يذكر إسمعيل عليه السلام مع إسحق، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟ قلنا: لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب. وأما إسمعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام، لأنه تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولاداً كانوا أنبياء وملوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسمعيل مع إسحق. وأما قوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب، وذلك لأنه رزقه أولاداً مثل إسحق، ويعقوب. وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح. وإدريس، وشيث. فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء. أما قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ } فقيل المراد ومن ذرية نوح، ويدل عليه وجوه: الأول: أن نوحاً أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب. الثاني: أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح عليه السلام، وكان رسولاً في زمان إبراهيم. الثالث: أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته، فعلى هذا إسمعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم، بل هو من ذرية نوح عليه السلام. الرابع: قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام، وكان من ذريةنوح عليه السلام. والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام، والتقدير: ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان. واحتج القائلون بهذا القول: بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحاً لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم. واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أربعة من الأنبياء، وهم: نوح، وإبراهيم، وإسحق، ويعقوب. ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء: داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهرون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسمعيل، واليسع، ويونس، ولوطاً، والمجموع ثمانية عشر. فإن قيل: رعاية الترتيب واجبة، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه؟ قلنا: الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب ألبتة، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل. فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك والسلطان والقدرة، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيباً عظيماً. والمرتبة الثانية: البلاء الشديد والمحنة العظيمة، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية. والمرتبة الثالثة: من كان مستجمعاً لهاتين الحالتين، وهو يوسف عليه السلام، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر. والمرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام، وذلك كان في حق موسى وهرون. والمرتبة الخامسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا، وترك مخالطة الخلق، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين. والمرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع، وهم إسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه. المسألة الثانية: قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم؟ وكذا الكلام في قوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } وكذا قوله في آخر الآية: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ }. قال بعض المحققين: المراد من هذه الهداية الثواب العظيم، وهي الهداية إلى طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة. فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه، فإنه لا يكون جزاء له على عمله، وأيضاً لا يبعد أن يقال: المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق، كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ } تفسير : [العنكبوت: 69]. والقول الثالث: أن المراد من هذه الهداية: الإرشاد إلى النبوة والرسالة، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك. فإن قالوا: لو كان الأمر كذلك لكان قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل، وذلك عندكم باطل. قلنا: يحمل قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة، فيزول الإشكال. والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام: {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل في لفظ العالم الملائكة، فقوله تعالى: {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين. وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء، لأن عموم قوله تعالى: {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } يوجب ذلك. قال بعضهم: {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } معناه فضلناه على عالمي زمانهم. قال القاضي: ويمكن أن يقال المراد: وكلاًّ من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين. ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول والله أعلم. المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي {واللسيع} بتشديد اللام وسكون الياء، والباقون { وَٱلْيَسَعَ } بلام واحدة. قال الزجاج: يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها. المسألة الخامسة: الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته، ويقال: إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف. المسألة السادسة: قوله تعالى: {وَمِنْ ءابَائِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ } يفيد أحكاماً كثيرة: الأول: أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والأخوان، فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والاخوان فروع الأصول، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة، والثاني: أنه تعالى قال: {وَمِنْ ءابَائِهِمْ } وكلمة «من» للتبعيض. فإن قلنا: المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة. أما لو قلنا: المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك. الثالث: أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان / قوله: {وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ } كالدلالة على أن شرط كون الإنسان رسولاً من عند الله أن يكون رجلاً، وأن المرأة لا يجوز أن تكون رسولاً من عند الله تعالى، وقوله تعالى بعد ذلك: {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ } يفيد النبوة، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا الحمل على النبوة والرسالة. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك، لأنه قال بعده: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }تفسير : [الأنعام: 88] وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جارياً مجرى الأمر المضاد للشرك. وإذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة الله بوحدانيته. ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من الله تعالى، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ } والمعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم. والمقصود منه تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك. وأما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي جزاءً له على الاحتجاج في الدِّين وبذل النفس فيه. {كُلاًّ هَدَيْنَا} أي كل واحد منهم مهتد. و«كُلاًّ» نصب بـ«هدينا» {وَنُوحاً} نصب بـ«هدينا» الثاني. {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} أي ذرّية إبراهيم. وقيل: من ذرية نوح؛ قاله الفرّاء وٱختاره الطَّبريّ وغير واحد من المفسرين كالقُشيرِيّ وابن عطية وغيرهما. والأوّل قاله الزجاج، واعترض بأنه عُدّ من (هذه) الذرّية يونس ولوط وما كانا من ذرّية إبراهيم. وكان لوطٌ ابن أخيه. وقيل: ابنَ أختِه. وقال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء جميعاً مضافون إلى ذرّية إبراهيم، وإن كان فيهم مَن لم تلحقه وِلادة من جهته من جهة أب ولا أمّ؛ لأن لوطاً ٱبن أخي إبراهيم. والعرب تجعل العَمَّ أباً كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}تفسير : [البقرة: 133]. وإسماعيل عمُّ يعقوب. وعدّ عيسى من ذريّة إِبراهيم وإنما هو ٱبن البنت. فأولاد فاطمة رضي الله عنها ذرّية النبيّ صلى الله عليه وسلم. وبهذا تمسّك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد وهي: ـ الثانية: قال أبو حنيفة والشافعيّ: من وقَف وقفاً على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات. والقرابة عند أبي حنيفة كلُّ ذي رَحِم مَحْرم. ويسقط عنده ٱبن العَمّ والعمة وابن الخال والخالة؛ لأنهم ليسوا بمَحْرمين. وقال الشافعيّ: القرابة كلّ ذي رحم مَحرَم وغيره. فلم يسقط عنده ابن العمّ ولا غيره. وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولد البنات. وقوله: لقرابتي وعقبي كقوله: لولدي وولد ولدي. يدخل في ذلك ولد البنين ومن يرجع إلى عَصَبة الأب وصُلْبه، ولا يدخل في ذلك ولد البنات. وقد تقدّم نحو هذا عن الشافعيّ في «آل عمران». والحجة لهما قوله سبحانه: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11] فلم يَعقِل المسلمون من ظاهر الآية إلا ولدَ الصُّلْب وولد الابن خاصّةً. وقال تعالى: {أية : وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الأنفال: 41] فأعطى عليه السلام القرابة منهم من أعمامه دون بني أخواله. فكذلك ولد البنات لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب. قال ابن القصّار: وحجة من أدخل البنات في الأقارب حديث : قولُه عليه السلام للحسن بن عليّ: «إن ٱبني هذا سيّد»تفسير : . ولا نعلم أحداً يمتنع أن يقول في ولد البنات إنهم ولد لأبي أمّهم. والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن الولد مشتق من التولُّد وهم متولدون عن أبي أمّهم لا محالة؛ والتولّد من جهة الأمّ كالتولّد من جهة الأب. وقد دلّ القرآن على ذلك، قال الله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} فجعل عيسى من ذرّيته وهو ٱبن ٱبنته. الثالثة: قد تقدّم في «النساء» بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء. ولم ينصرف داود لأنه ٱسم أعجمِيّ، ولمّا كان على فاعول لا يحسُن فيه الألف واللام لم ينصرف. وإلياس أعجمِيّ. قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل. وذكر القُتَبي قال: كان من سِبط يُوشع بن نون. وقرأ الأعرج والحسن وقَتادة «وٱلياس» بوصل الألف. وقرأ أهل الحَرَمين وأبو عمرو وعاصم «والْيَسَع» بلام مخففة. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً «واللَّيْسع». وكذا قرأ الكسائِيّ، وردّ قراءة من قرأ «والْيَسع» قال: لأنه لا يقال اليَفْعَل مثل الْيَحْيَـى. قال النحاس: وهذا الردّ لا يلزم، والعرب تقول: الْيَعْمَل والْيحْمَد، ولو نكّرت يحيى لقلت اليحيى. وردّ أبو حاتم على من قرأ «اللَّيْسع» وقال: لا يوجد لَيْسع. وقال النحاس: وهذا الرّد لا يلزم، فقد جاء في كلام العرب حَيْدَر وزَيْنَب، والحَقُّ في هذا أنه ٱسم أعجمِيّ، والعُجْمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعاً والعرب تغيّرها كثيراً، فلا يُنكر أن يأتي الإسم بلغتين. قال مَكِّيّ: من قرأ بلامين فأصل الاسم لَيْسع، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. ولو كان أصله يسع ما دخلته الألف واللام؛ إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر: ٱسمين لرجلين؛ لأنهما معرفتان علَمان. فأما «ليسع» نكرة فتدخله الألف واللام للتعريف، والقراءة بلام واحدة أحبّ إليّ؛ لأن أكثر القراء عليه. وقال المَهْدَوِيّ: من قرأ «اليسع» بلام واحدة فالاسم يسع، ودخلت الألف واللام زائدتين، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر، وفي نحو قوله:شعر : وَجَدْنا اليَزِيدَ بنَ الوليد مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهِلُه وقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله: فيستخرج اليَرْبُوع من نافِقَائه ومن بيته بالشِّيخة الْيَتَقَصّعُ تفسير : يريد الذي يتقصّع. قال القُشَيْريّ: قرىء بتخفيف اللام والتشديد. والمعنى واحد في أنه ٱسم لنبيّ معروف؛ مثل إسماعيل وإبراهيم، ولكن خرج عما عليه الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام. وتوهّم قوم أن اليسع هو إلياس، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذِّكر. وقال وهب: اليسع هو صاحب إلياس، وكانا قبل زكرياء ويحيـى وعيسى. وقيل: إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس جدّ نوح وإلياس من ذرّيته. وقيل: إلياس هو الخضر. وقيل: لا، بل الْيَسع هو الخضر. «ولوطاً» اسم أعجميّ انصرف لخفّته. وسيأتي اشتقاقه في «الأعراف».

البيضاوي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} أي كلا منهما. {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} من قبل إبراهيم، عد هداه نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه وشرف الوالد يتعدى إلى الولد. {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام إذ الكلام فيه. وقيل لنوح عليه السلام لأنه أقرب ولأن يونس ولوطاً ليسا من ذرية إبراهيم، فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك الآية والتي بعدها والمذكورون في الآية الثالثة عطف على نوحاً. {دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ} أيوب بن أموص من أسباط عيص بن إسحاق. {وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ونجزي المسحنين جزاء مثل ما جزينا إبراهيم برفع درجاته وكثر أولاده والنبوة فيهم.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة، وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: {أية : يٰوَيْلَتَا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} تفسير : [هود:72-73] فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلاً وعقباً، كما قال تعالى: {أية : وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الصافات: 112] وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ} تفسير : [هود: 71] أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به، كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد؛ لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب؛ لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام، حين اعتزل قومه، وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهباً إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته، بأولاد صالحين من صلبه على دينه؛ لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 49] وقال ههنا {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا}. وقوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي: من قبله، هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح عليه السلام، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام، فلم يبعث الله عز وجل بعده نبياً، إلا من ذريته، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} تفسير : [العنكبوت: 27] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [مريم: 26] وقال تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} تفسير : [مريم: 58]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} أي: وهدينا من ذريته {دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ} الآية، وعود الضمير إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير. وعوده إلى إبراهيم؛ لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه مادان بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليباً، وكما قال في قوله: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَآئِكَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 133] فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليباً، وكما قال في قوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون إِلاَّ إِبْلِيسَ} تفسير : [الحجر:30-31] فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذم على المخالفة؛ لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليباً، وإلا فهو كان من الجن، وطبيعته من النار، والملائكة من النور، وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح، على القول الآخر، دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل؛ لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام، بأمه مريم عليها السلام، فإنه لا أب له. قال ابن أبي حاتم: حدثنا سهل بن يحيى العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا علي بن عابس، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره، فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ} حتى بلغ {وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ}؟ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم، وليس له أب؟ قال: صدقت. فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم، دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي:شعر : بَنُونا بَنُو أَبْنائِنا وبَناتُنا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرجالِ الأجانِبِ تفسير : وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضاً؛ لما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: «حديث : إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» تفسير : فسماه ابناً، فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز، وقوله: {وَمِنْ ءابَائِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ} ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم، وأن الهداية والاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم، {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } تفسير : [الزخرف: 81] وكقوله: {أية : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 17] وكقوله: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [الزخرف: 4]. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} أي: أنعمنا عليهم بذلك؛ رحمة للعباد بهم، ولطفاً منا بالخليقة، {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب والحكم والنبوة، وقوله: {هَـٰؤُلاَۤءِ} يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ} أي: إن يكفر بهذه النعم مَنْ كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض؛ من عرب وعجم، وملّيين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوماً آخرين، أي: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، {لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ} أي: لا يجحدون منها شيئاً، ولا يردون منها حرفاً واحداً، بل يؤمنون بجميعها؛ محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه وإحسانه. ثم قال تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم:{أُوْلَـٰئِكَ} يعني: الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان، وهم الأشباه، {ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي: هم أهل الهدى، لا غيرهم: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}، أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمراً للرسول صلى الله عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به، قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول: أن مجاهداً أخبره: أنه سأل ابن عباس: أفي (ص) سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} إلى قوله: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} ثم قال: هو منهم، زاد يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، وسهل بن يوسف، عن العوام عن مجاهد: قلت لابن عباس، فقال: نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدى بهم. وقوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجراً، أي: أجرة، ولا أريد منكم شيئاً، {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ} أي: يتذكرون به، فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ } ابنه {كُلاًّ } منهما {هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } أي قبل إبراهيم {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ } أي نوح {دَاوُودَ وَسُلَيْمَٰنَ } ابنه {وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ } بن يعقوب {وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ وَكَذَلِكَ } كما جزيناهم {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ } معطوف على جملة {وتلك حجتنا} عطف جملة فعلية على جملة اسمية. وقيل: معطوف على {آتيناها} والأوّل أولى. والمعنى: ووهبنا له ذلك جزاء له على الاحتجاج في الدين وبذل النفس فيه، و {كُلاًّ هَدَيْنَا } انتصاب {كلاً} على أنه مفعول لما بعده مقدّم عليه للقصر، أي كل واحد منهما هديناه، وكذلك نوحاً منصوب بهدينا الثاني، أو بفعل مضمر يفسره ما بعده {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } أي من ذرية إبراهيم، وقال الفراء: من ذرية نوح. واختاره ابن جرير الطبري، والقشيري، وابن عطية، واختار الأوّل الزجاج، واعترض عليه بأنه عدّ من هذه الذرية يونس ولوطاً، وما كان من ذرية إبراهيم، فإن لوطاً هو ابن أخي إبراهيم، وانتصب {دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ } بفعل مضمر، أي وهدينا من ذرية داود وسليمان، وكذلك ما بعدها، وإنما عدّ الله سبحانه هداية هؤلاء الأنبياء من النعم التي عدّدها على إبراهيم، لأن شرف الأبناء متصل بالآباء. ومعنى {من قبل} في قوله: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } أي من قبل إبراهيم، والإشارة بقوله: {وَكَذٰلِكَ } إلى مصدر الفعل المتأخر، أي ومثل ذلك الجزاء {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ }. {وَإِلْيَاسَ } قال الضحاك: هو من ولد إسماعيل، وقال القتيبي: هو من سبط يوشع ابن نون، وقرأ الأعرج والحسن، وقتادة "وَإِلْيَاسَ" بوصل الهمزة، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم «واليسع» مخففاً. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بلامين، وكذلك قرأ الكسائي، ورد القراءة الأولى، ولا وجه للردّ فهو اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس، بل تؤدي على حسب السماع، ولا يمتنع أن يكون في الاسم لغتان للعجم، أو تغيره العرب تغييرين. قال المهدوي: من قرأ بلام واحدة فالاسم يسع والألف واللام مزيدتان، كما في قول الشاعر:شعر : رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديداً بأعباء الخلافة كاهله تفسير : ومن قرأ بلامين فالاسم ليسع، وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم، فإن الله أفرد كل واحد منهما، وقال وهب: اليسع صاحب إلياس، وكانوا قبل يحيـى وعيسى وزكريا. وقيل: إلياس هو إدريس، وهذا غير صحيح، لأن إدريس جدّ نوح وإلياس من ذريته. وقيل: إلياس هو الخضر وقيل: لا بل اليسع هو الخضر {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي كل واحد فضلناه بالنبوّة على عالمي زمانه، والجملة معترضة. قوله: {وَمِنْ ءابَائِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ } أي هدينا، و«من» للتبعيض، أي هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ } معطوف على فضلنا. والاجتباء: الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار، مشتق من جبيت الماء في الحوض جمعته، فالاجتباء: ضم الذي تجتبيه إلى خاصتك. قال الكسائي: جبيت الماء في الحوض جباً مقصورة، والجابية الحوض، قال الشاعر:شعر : كجابية الشيخ العراقي تفهق تفسير : والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ } إلى الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة {يَهْدِى بِهِ } الله {مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق {وَلَوْ أَشْرَكُواْ } أي هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله {لَحَبِطَ عَنْهُمْ } من حسناتهم {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } والحبوط البطلان. وقد تقدّم تحقيقه في البقرة. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } إلى الأنبياء المذكورين سابقاً، أي جنس الكتاب، ليصدق على كل ما أنزل على هؤلاء المذكورين: {وَٱلْحُكْمَ } العلم {وَٱلنُّبُوَّةَ } الرسالة، أي ما هو أعمّ من ذلك {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء } الضمير في بها للحكم والنبوّة والكتاب، أو للنبوّة فقط، والإشارة بهؤلاء إلى كفار قريش المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } هذا جواب الشرط، أي ألزمنا بالإيمان بها قوماً {لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } وهم المهاجرون والأنصار أو الأنبياء المذكورون سابقاً، وهذا أولى لقوله فيما بعد: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار، إذ لا يصح أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم، وتقديم بهداهم على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء. والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله. وقيل المعنى: اصبر كما صبروا. وقيل: اقتد بهم في التوحيد، وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة، وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نصّ. قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجراً على القرآن، وأن يقول لهم ما {هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ } يعني القرآن {لّلْعَـٰلَمِينَ } أي موعظة وتذكير للخلق كافة، الموجودين عند نزوله، ومن سيوجد من بعد. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: الخال والد والعم والد، نسب الله عيسى إلى أخواله فقال: {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } حتى بلغ إلى قوله: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ }. وأخرج أبو الشيخ، والحاكم، والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحيـى بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي، فقال يحيـى: كذبت، فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة، فتلا: {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } إلى قوله: {وَعِيسَى } فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه، فقال: صدقت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيـى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي تجده في كتاب الله؟ وقد قرأته من أوّله إلى آخره فلم أجده، فذكر يحيـى بن يعمر نحو ما تقدم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ } قال: أخلصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال: يريد هؤلاء الذين هديناهم وفعلنا بهم. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال: الحكم: اللب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء } يعني أهل مكة. يقول: إن يكفروا بالقرآن {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } يعني أهل المدينة والأنصار. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } قال: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله فيهم {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي رجاء العطاردي قال في الآية: هم الملائكة. وأخرج البخاري، والنسائي وغيرهما، عن ابن عباس، في قوله: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم وكان يسجد في صۤ، ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد: سألت ابن عباس عن السجدة التي في صۤ، فقال هذه الآية، وقال: أمر نبيكم أن يقتدي بداود عليه السلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } قال: قل لهم يا محمد: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عروض الدنيا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {...فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} فيهم خمسة أقاويل: أحدها: فإن تكفر بها قريش فقد وكلنا بها الأنصار، قاله الضحاك. والثاني: فإن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا بها أهل المدينة، قاله ابن عباس. والثالث: فإن تكفر بها قريش فقد وكلنا بها الملائكة، قاله أبو رجاء. والرابع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى من قبل بقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}، قاله الحسن، وقتادة. والخامس: أنهم كل المؤمنين، قاله بعض المتأخرين. ومعنى قوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي أقمنا بحفظها ونصرتها، يعني: كتب الله وشريعة دينه.

ابن عطية

تفسير : {ووهبنا} عطف على {أية : آتينا} تفسير : [الأنعام:83] و {إسحاق} ابنه من سارة، {ويعقوب} هو ابن إسحاق، و {كلاً} و {نوحاً} منصوبان على المفعول مقدمان على الفعل، وقوله: {من قبل} لقومه صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ومن ذريته} المعنى وهدينا من ذريته، والضمير في {ذريته} قال الزجّاج جائز أن يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكر "لوط" عليه السلام وهو ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه وقيل ابن أخته ويتخرج عند من يرى الخال أباً وقيل: يعود الضمير على نوح وهذا هو الجيد، و {داود} يقال هو ابن إيشى {وسليمان} ابنه، {وأيوب} هما فيما يقال أيوب بن رازح بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، {ويوسف} هو ابن يعقوب بن إسحق، {وموسى وهارون} ها ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، ونصب {دواد} يحتمل أن يكون بـ {وهبنا} ويحتمل أن يكون بـ {هدينا} وهذه الأسماء كلها فيها العجمة والتعريف، فهي غير مصروفة، {وموسى} عند سيبويه وزنه مفعل فعلى هذا يتصرف في النكرة، وقيل وزنه فعلى، فعلى هذا لا يتصرف في معرفة ولا نكرة، {وكذلك نجزي المحسنين} وعد من الله عز وجل لمن أحسن في عمله وترغيب في الإحسان، {وزكريا} فيما يقال هو ابن آذر بن بركنا، {وعيسى} ابن مريم بنت عمران بن ياشهم بن أمون بن حزينا، {والياس} هو ابن نسي بن فنحاص بن العيزان بن هارون بن عمران، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال إدريس هو الياس ورد ذلك الطبري وغيره بأن إدريس هو جد نوح تظاهرت بذلك الروايات "وزكرياء" قرأته طائفة بالمد وقرأته طائفة بالقصر "زكريا"، وقرأ ابن عامر باختلاف عنه، والحسن وقتادة بتسهيل الهمزة من الياس، وفي هذه الآية أن عيسى عليه السلام من ذرية نوح أو إبراهيم بحسب الاختلاف في عود الضمير من ذريته، وهو ابن ابنته، وبهذا يستدل في الأحباس على أن ولد البنت من الذرية، وإسماعيل هو أكبر ولدي إبراهيم عليه السلام وهو من هاجر واليسع قال زيد بن أسلم وهو يوشع بن نون، وقال غيره: هو أليسع بن أخطوب بن العجوز، وقرأ جمهور الناس "وأليسع" وقرأ حمزة والكسائي "والليسع" كأن الألف واللام دخلت على فيعل، قال أبو علي الفارسي: فالألف واللام في "اليسع" زائدة لا تؤثر معنى تعريف لأنها ليست للعهد كالرجل والغلام ولا للجنس كالإنسان والبهائم ولا صفة غالبة كالعباس والحارث لأن ذلك يلزم عليه أن يكون "اليسع" فعلاً، وحينئذ يجري صفة. وإذا كان فعلاً وجب أن يلزمه الفاعل ووجب أن يحكى إذ هي جملة ولو كان كذلك لم يجز لحاق اللام له إذ اللام لا تدخل على الفعل فلم يبق إلا أن تكون الألف واللام زائدة كما هي زائدة في قولهم الخمسة العشر درهماً، وفي قول الشاعر: [الرجز] شعر : يا ليت أمَّ العمرِ كَانَتْ صَاحبي تفسير : بالعين غير منقوطة، وفي قوله: [الطويل] شعر : وَجَدْنَا الوليدَ بْنَ اليزيدِ مُبَارَكاً شديداً بأعباءِ الخلافةِ كاهِلُهْ تفسير : قال وأما الليسع فالألف واللام فيه بمنزلتها في الحارث والعباس لأنه من أبنية الصفات لكنها بمنزلة "اليسع" في أنه خارج عما عليه الأسماء الأعجمية إذ لم يجىء فيها شيء هو على هذا الوزن كما لم يجىء منها شيء فيه لام تعريف فهما من الأسماء الأعجمية إلا أنهما مخالفات للأسماء فيما ذكر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وأما اليزيد فإنه لما سمي به أزيل منه معنى الفعل وأفردت فيه الاسمية فحصل علماً وزيدت فيه الألف واللام لا لتعريف، وقال الطبري دخلت الألف واللام إتباعاً للفظ الوليد، {ويونس} هو ابن متَّى ويقال يونس ويونَس ويونُس وكذلك يوسِف ويوسَف ويوسُف وبكسر النون من يونِس والسين من يوسِف قرأ الحسن وابن مصرف وابن وثاب وعيسى بن عمر والأعمش في جميع القرآن و {العالمين} معناه عالمي زمانهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {واليسع} بتشديد اللام: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالتخفيف، {اقتده} بإشباع الهاء: ابن عامر الحلواني عن هشام مختلسة، وبحذف الهاء في الوصل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بسكون هاء السكت على الأصل. الوقوف: {ويعقوب} ط {كلاً هدينا} ج لأن {ونوحاً} مفعول ما بعده، ولو وصل التبس بأنه مفعول ما قبله مع اتفاق الجملتين {وهارون} ط {المحسنين} ه لا للعطف {وإلياس} ط {من الصالحين} ه لا للعطف {ولوطا} ط {العالمين} ه لا للعطف. {وإخوانهم} ج لبيان أن قوله{واجتبيناهم} يعود إلى قوله {كلاً هدينا} كقوله {أية : وممن هدينا واجتبينا} تفسير : [مريم: 58] ولاحتمال الواو الحال أي وقد اجتبيناهم وذكر هديناهم بعده {مستقيم} ه {من عباده} ط {يعملون} ه {والنبوّة} ج {بكافرين} ه {اقتده} ط {أجراً} ط {للعالمين} ه. التفسير: لما حكى حجج إبراهيم صلوات الرحمن عليه في التوحد والذب عن الدين الحنيفي عدّد وجوه نعمه وإحسانه عليه بعد نعمة إيتاء الحجة ورفع الدرجة فقال {ووهبنا له} باللفظ الدال على العظمة كما يقوله عظماء الملوك ليدل بذلك على عظم العطية، وذلك أنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وعقبه. قيل: وإنما لم يذكر إسماعيل مع إسحق وإن كان هو أيضاً ابنه لصلبه، لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب، وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام لأنه أمر محمداً أن يحتج على العرب بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد شرفه الله بالنعم الجسام في الدين والدنيا، ومن جملة ذلك أن آتاه أولاداً كانوا ملوكاً وأنبياء، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق. أما قوله {ونوحاً هدينا من قبل} فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم بحسب الآباء أيضاً مثل نوح وإدريس وشيث، وأما الضمير في قوله {ومن ذريته} فقد قيل: إنه يعود إلى "نوح" لأنه أقرب ولأنه تعالى ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخي إبراهيم وما كان من ذريته، بل كان من ذرية نوح، ولأن ولد الإنسان لا يقال إنه ذريته فعلى هذا إسماعيل ما كان من ذرية إبراهيم وكان من ذرية نوح، ولأن يونس عليه السلام لم يكن من ذرية إبراهيم على قول بعضهم. وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم لأنه هو المقصود بالذكر هو هذا المقام. واعلم أن الله تعالى ذكر أربعة من الأنبياء وهم: نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب. ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً. فالمجموع ثمانية عشر. وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة، فاستدل العلماء بذلك على أن الواو لا تفيد الترتيب. وقال في التفسير الكبير: إن وجه الترتيب أنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الكرامة. فمن المراتب المعتبرة عند الجمهور الملك والسلطنة وقد أعطى داود وسليمان من ذلك نصيباً عظيماً، والمرتبة الثانية البلاء والمحنة وقد خص أيوب بذلك، والثالثة استجماع الحالتين وذلك في حق يوسف فإنه ابتلي أوّلاً ثم أوتي الملك ثانياً. الرابعة قوّة المعجزات وكثرة البراهين والبينات وذلك حال موسى وهارون الخامسة الزهد الكامل كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ولهذا وصفهم بأنهم من الصالحين. السادسة الأنبياء الذين ليس لهم في الخلق أتباع ولا أشياع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط. وأما المراد بقوله {كلاً هدينا ونوحاً هدينا} قيل: المراد الهداية إلى طريق الجنة بدليل قوله {وكذلك نجزي المحسنين} فإن جزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب. وقيل: لا يبعد أن يقال: المراد الهداية إلى الدين والمعرفة لأنهم اجتهدوا في طلب الحق فجازاهم الله بالوصال والوصول كما قال {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت: 69] وقيل: إنها الإرشاد إلى النبوّة والرسالة لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك، وهذا إنما يصح عند من جوز أن تكون الرسالة جزاء على عمل. واستدل بعضهم بقوله {وكلاً فضلنا على العالمين} على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وذلك أن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فيدخل فيه الملائكة وكذا الأولياء. وقيل: فضلناهم على عالمي زمانهم فلا يتم الاستدلال. قال القاضي: ويمكن أن يقال: المراد وكل من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين. ثم الكلام في أن أي الأنبياء أفضل من بعض كلام آخر لا تعلق له بالأول. ثم قال {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} معطوف على {كلاً} أي فضلنا بعض آبائهم. فالآباء هم الأصول، والذريات هم الفروع، والإخوان فروع الأصول. وفيه دليل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء بنوع من الشرف والكرامة. ثم إن قلنا المراد من الهداية الهداية إلى الثواب والجنة فقوله {من آبائهم} وكلمة "من" للتبعيض يدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة، وإن فسرنا الهداية بالنبوة لم يفد ذلك إلا أنه يفيد أن لا تكون المرأة رسولاً ولا نبياً {واجتبيناهم} أي اصطفيناهم من جبيت الماء في الحوض وجبوته في جمعته، {ذلك هدى الله} إشارة إلى معرفة التوحيد والتنزيه بدليل قوله {ولو أشركوا لحبط} وفيه دليل على أن الهداية من الله تعالى وليس للعبد فيها اختيار. وفيه تهديد عظيم كقوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : [الزمر: 65] والغرض من ذلك زجر الأمة. {أولئك} يعني الأنبياء الثمانية عشر. {الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} ولا بد بحكم العطف من تغاير الأمور الثلاثة. ووجه بأن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: الحكام على بواطن الناس وهم العلماء، والحكام على ظواهر الخلق وهم السلاطين، والجامعون بين الأمرين وهم الأنبياء. فالأمور الثلاثة إشارة إلى هذه الأصناف الثلاثة. ومعنى إيتاء الكتاب الفهم التام بما في هذا الجنس والعلم المحيط بحقائقه وأسراره. ولو قيل: المراد بالإيتاء الإبتداء بالوحي والتنزيل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى لم يشمل كل المذكورين لأنه تعالى ما أنزل على كل واحد منهم كتاباً على التعيين. {فإن يكفر بها} أي بالأمور الثلاثة أو بالنبوة {هؤلاء} يعني أهل مكة {فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} أي ليسوا كافرين بها ومن توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. ومن القوم؟ قيل: كل مؤمن وقيل: أهل المدينة وهم الأنصار. وقيل: هم المهاجرون. وقال الحسن: هم الأنبياء الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج لقوله عقيب ذلك {أولئك الذين هدى الله} وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وضعف بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم. وفي الآية دلالة على أنه تعالى سينصر نبيه ويظاهر دين الإسلام على كل الأديان وقد وقع ما وعد وكان إخباراً بالغيب فصح إعجاز القرآن. وفيها استدلال للأشاعرة على أنه تعالى خلق قوماً للإيمان ولو كان خلق الكل للإيمان والبيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً بين الكل لم يصح هذا التخصيص. أجاب الكعبي بأنه زاد المؤمنين من الألطاف ما لا يحصيه إلا الله، وبتقدير أن يستوي فإذا لم ينتفع به الكافر صح بحسب الظاهر أن يقال إنه لم يحصل له تلك الألطاف. ورد بأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشترك فيها بين الكافر والمؤمن، وبأن الوالد لما سوّى بين الولدين في العطية ثم إن أحدهما ضيع نصيبه فأي عاقل يجوّز أن يقول أحد إن الأب ما أنعم عليه وما أعطاه شيئاً {فبهداهم اقتده} من حذف الهاء في الوصل فعلى الأصل، ومن أثبتها في الوصل كما في الوقف أراد موافقة المصحف فإن الهاء ثابتة في الخط فكره مخالفة الخط في الحالين. وأما قراءة ابن عامر بكسر الهاء بغير إشباع فقال أبو بكر بن مجاهد: إنها غلط. وقال أبو علي الفارسي: ليست بغلط ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر الدال عليه الفعل. والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء. وتقديم المفعول للاختصاص أي لا تقتد إلا بهم. ولا خلاف في أنه أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء المذكورين. إنما الكلام في تفسير الهدى. فمن الناس من قال: المراد الذي أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال. وقال آخرون: المراد به الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وعلى هذا فيلزمنا شرع من قبلنا، وقيل: اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلا ما خصه الدليل المفصل. وقال القاضي: هذا بعيد لأن شرائعهم مختلفة متناقضة ولا يمكن الإتيان بالأمور المتناقضة معاً، ولأن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل، ودليل إثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات، ولأن منصبهم يلزم أن يكون أجل من منصبه وأنه باطل بالإجماع، وأجيب بأن العام يجب تخصيصه في الصورة المتناقضة فيبقى فيما عداها حجة، وبأن المستدل بالدليل فصل في ذلك الحكم فلا معنى للاقتداء بالدليل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبأنه يلزم أن يكون منصبه أجل من منصبهم لأنه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيها كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، ولهذا قال "حديث : لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي ". تفسير : ولما أمره بالاقتداء بالأنبياء وكان من جملة هداهم أن لا يطلبوا الأجر أي المال والجعل في ايصال الدين وإبلاغ الشريعة قيل له: {قل لا أسألكم} أيها الأمة {عليه} على البلاغ {أجراً إن هو} يعني القرآن {إلا ذكرى للعالمين} يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد. وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الناس كافة لا إلى قوم دون قوم. التأويل: ومما رفعنا به درجات إبراهيم أنا وهبنا له إسحق ويعقوب. ولعله أفرد ذكر إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم وآله كيلا يقع ذكره تبعاً لموهبة إبراهيم، فإن الكائنات تبيع لوجود محمد صلى الله عليه وسلم وآله، ومن آبائهم إلى آدم ومن ذرياتهم إلى محمد {واجتبيناهم} في الأزل لهذا الشأن {وهديناهم} إلى الأبد {ولو أشركوا} بأن لاحظوا غيرنا فأثبتوا شيئاً من دوننا ونسبوا شيئاً من الحوادث إلى غير قدرتنا، أو لم يبدلوا أنانيتهم في هويتنا {لحبط عنهم ما كانوا يعملون} لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم {فبهداهم اقتده} لأنهم سلكوا حتى انتهى مسير كل منهم إلى ما قدر له: آدم في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وجميع الملائكة المقربين إلى سدرة المنتهى، وأنت محمد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى {قل لا أسألكم} أيها الأنبياء على الاقتداء {أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين} ليعلموا أن الطريق إلى الله لا يسلك إلا بالاقتداء، أو {لا أسألكم} أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق {أجراً أن هو إلا ذكرى للعالمين} من الله وبه وإليه وهو المستعان.

ابن عادل

تفسير : في "وهبنا" وجهان: أصحهما: أنها مَعْطُوفةٌ على الجملة الاسمية من قوله: "وتِلْكَ حُجَّتُنَا" وعطف الاسْمِيَّة على الفعلية وعكسه جائز. والثاني: أجازه ابن عطيَّة، وهو أن يكون نَسَقاً علت "آتَيْنَاهَا" ورَدَّهُ أبُو حيَّان بأن "آتَيْنَاهَا" لها مَحَلٌّ من الإعراب، إمَّا الخبر وإمَّا الحال، وهذه لا مَحَلَّ لها؛ لأنها لو كانت مَعْطُوفَةً على الخَبَر أو الحال لاشترط فيها رابط، و"كُلاً" مَنْصُوبٌ بـ "هَدَيْنَا" بعده. والتقدير: وكلّ واحدٍ من هؤلاء المذكورين. فصل في المراد بالهداية اختلفوا في المُرادِ بهذه الهداية، وكذا في قوله: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} وقوله في آخر الآيات {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ} قال بعض المُحَقَّقين: المُرَادُ بهذه الهداية الثَّوابُ العظيم، وهو الهداية إلى طريق الجنَّةِ؛ لقوله بعده {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} وجزاء المحسنين هو الثواب، وأمَّا الإرشاد إلى الدين، فلا يكون جَزَاءً على عَمَلِهِ. وقيل: لا يَبْعُدُ أن يكون المُرَادُ الهدايةَ إلى الدِّينِ، وإنما كان جَزاءً على الإحسان الصادر منهم؛ لأنهم اجْتَهَدُوا في طَلَبِ الحقِّ، فاللَّهُ - تعالى - جَازَاهُمْ على حُسْنِ طلبهم بإيصالهم إلى الحقِّ، كقوله {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت:69]. وقيل: المُرَادُ بهذه الهداية الإرْشَادُ إلى النُّبُوَّةِ والرسالة؛ لأن الهداية المَخْصُوصَةَ بالأنبياء ليست إلاَّ ذلك. فإن قيل: لو كان كذلك لكان قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يقتضي أن يكون الرِّسَالةُ جزاءً على عملٍ، وذلك باطلٌ. فالجوابُ أنَّ قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يحمل على الجزاءِ الذي هو الثَّوابُ، فيزول الإشْكَالُ. واعلم أنَّهُ - تعالى - لمَّا حَكى عن إبراهيم أنه أظْهَرَ حُجَّةَ اللَّهِ في التوحيد، وذَبَّ عنها عدَّدَ وجوه نعمِهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ. فأوّلها: قوله: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام:83] أي: نحن آتَيْنَاهُ تلك الحُجَّةَ، وهديناه إليها، وأفَقْنَا عَقْلَهُ على حقيقتها، وذكر نَفْسَهُ باللفظ الدَّالِّ على العظمةِ [وذلك يوجب] أن تكون تلك النعمة عظيمة. وثانيها: أنه - تعالى - خَصَّهُ بالرِّفْعَةِ إلى الدَّرجاتِ العالية، وهو قوله: {أية : نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} تفسير : [الأنعام:83]. وثالثها: أنه - تعالى - جَعَلهُ عَزيزاً في الدُّنْيَا؛ لأنه جُعِلَ للأنبياء والداً، والرُّسُلُ من نَسْلِهِ ومن ذُرَّيَّتِهِ، وأبقى هذه الكَرَامَةَ في نَسْلِه إلى يوم القيامةِ فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} لِصُلْبِهِ و "يَعْقُوبَ" بعده من إسحاق. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر إسماعيل - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع إسحاق، بل أخَّرَ ذِكْرَهُ [عنه] بدرَجَاتٍ؟ فالجوابُ: أن المقصود بالذِّكْرِ هاهنا أنبياء بني إٍسرائيل، وهم بِأسْرِهِمْ أولاد إسحاق. وأمَّا إسماعيلُ فإنه لم يخرج من صُلْبِهِ نَبِيُّ إلاَّ محمدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام، [ولا يجوز ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام - في هذا المقام؛ لأنه تعالى أمر محمداً] أن يحتجَّ على العربِ في نفي الشِّرْكِ باللَّهِ بأنَّ إبراهيم لمَّا تركَ الشرك وأصَرَّ على التَّوحيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العظيمة في الدنيا بأن آتاه أوْلاداً كانوا أنبياء ومُلُوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحُجَّةِ هو محمد - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - امتنع أن يذكر في هذا المعرض. فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق. قوله: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} فالمُرَادُ أنَّهُ - تعالى - جعل إبراهيم في أشْرَفِ الأنْسَابِ؛ لأنه رَزَقَهُ أوْلاداً مثل إسحاق ويعقوب، وجعل أنبياء بني إسرائيل من نَسْلِهِمَا، وأخرجه من أصْلابِ آباءِ طَاهِرينَ مثل "نوح" و "شيث" و "إدريس"، والمقصود بيانُ كرامَةِ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بحسب الأولاد والآباء. قوله: "من ذُرِّيتِهِ" "الهاء" فيها وجهان: أحدهما: أنها تعود على نُوح؛ لأنه أقْرَبُ مذكورٍ, ولأنَّ إبراهيم ومن بعده من الأنبياء كلهم مَنْسُوبُون إليه، [ولأنه ذّكر من جملتهم لُوطاً، وهو كان ابن أخي إبراهيم أو أخته، ذكره مَكِّي وغيره، وما كان من ذُرِّيَّتِهِ، بل كان من ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عليه السلام، وكان رسولاً في زمن إبراهيم. وأيضاً: يونس - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان من ذُرِّيَّةِ إبراهيم. وأيضاً قيل: إنَّ ولد الإنسان لا يُقالُ: إنَّهُ ذُرِّيَّةٌ، فعلى هذا إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - ما كان من ذُرِّيَّةِ إبراهيم]. الوجه الثاني: أنها تعود على إبراهيم؛ لأنه المحدث عنه والقِصَّةٌ مَسُوقَةٌ إلى ذكره وخبره، وإنما ذكر نوحاً، لأن إبراهيم كونه من أولاده أحد موجبات رَفْعِهِ إبراهيم. ولكن رُد‍َّ هذا القَوْلُ بما تقدَّم من كون لوط ليس من ذُرِّيَّتِهِ إنما هو ابن أخيه أو أخته ذكر ذلك مكي وغيره. وقد أجيب عن ذلك, فقال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مُضَافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبراهيم، وإن كان فيهم من لم يلحقه بولادةٍ من قبلِ أمٍّ ولا أبٍ؛ لأن لُوطاً ابن أخي إبراهيم، والعربُ تجعلُ العَمَّ أباً، كما أخبر اللَّهُ - تعالى - عن ولدِ "يعقوب" أنهم قالوا: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [البقرة:133] وقال أبو سليمان الدِّمَشْقِيُّ: "ووهَبْنَا لَهُ لُوطاً" في المُعَاضَدَةِ والمُناصَرَةِ، فعلى هذا يكون "لوطاً" منصوباً بـ "وَهْبَنَأ" من غير قَيْدٍ؛ لكونه من ذُرِّيَّتِهِ. وقوله: "داود" وما عطف عليه مَنْصُوبٌ إما بفعل الهِبَةِ، وإما بفعل الهداية. و"مِنْ ذُرِّيَّتِهِ" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنه متعلّق بذلك الفعل المحذوف، وتكون "مِنْ" لابتداء الغاية. والثاني: أنها حال أي: حال كون هؤلاء الأنبياء مَنْسُوبِينَ إليه. قوله: "وكذَلِكَ نَجْزِي" الكاف في مَحَلِّ نَصْبٍ نعتاً لمصدر محذوف، أي: نجزيهم جَزَاءً مِثْلَ ذلك الجَزَاء، ويجوز أن يكون في مَحَلِّ رفع، أي الأمر كذلك، وقد تقدَّم ذلك في قوله: "وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ". ومعنى "كذلك" أي: كما جزينا إبراهيم على تَوْحِيدِهِ بأن رفعنا درجته، ووهبنا له أولاداً أنبياء أتْقِيَاءَ، كذلك نجزي المحسنين على إحسانهم. فصل في بيان نسب بعض الأنبياء "داود" ابن إيشا. و "سليمان" هو ابنه. و "أيوب" ابن موص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. و "يوسف" إبن يَعْقُوبَ بن إسحاق بن إبراهيم. و "موسى" ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. و"هارون" أخو موسى أكبر منه بِسَنَةٍ، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم. واعلم أنه - تعالى - ذكر أوَّلاً أربعة من الأنبياء، وهم: "نوح" و "إبراهيم" و "إسحاق" و "يعقوب"، ثم ذكر من ذُرِّيَّتِهِمْ أربعة عشر من الأنبياء: "داود" و "سليمان" و "أيُّوب"، و "يوسف"، و "موسى"، و "هارون" و "زكريا"، و "يحيى"، و "عيسى"، و "إلياس"، و "إسماعيل"، و "إليسع"، و "يونس"، و "لوطاً". فإن قيل: رعاية التَّرْتِيبِ وَاجِبَةٌ، والترتيب إمّا أن يعتبر بحسب الفَضْلِ والدرجة، وإما أن يعتبر بحسبِ الزمان، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر هنا فما السَّبَبُ فيه؟ فالجوابُ أن "الواو" لا توجب التَّرْتِيبَ، وهذه الآية أحَدُ الدلائل على صِحَّةِ هذا المطلوب. قوله: "وزكريا" وهو ابن إدّ وبرخيَّا و "يحيى" هو ابنه و "عيسى" هو ابن مريم ابنة عمران. واسْتُدِلَّ بهذه الآية على أن الحسنَ والحُسيْنَ من ذُرِّيَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله - تعالى - جعل عيسى من ذُرِّيَّة إبراهيم، وهو لا ينسب إلى إبراهيم إلاَّ بالأمِّ، فكذلك الحَسَنُ والحُسيْنُ ويقال: إن أبا جعفر البَاقِرَ اسْتَدلَّ بهذه الآية عند الحَجَّاجِ بن يوسف الثقفي. فصل فيما يستفاد من الآية قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف على ولده وولد ولده دخل فيه أولاد بَنَاتِهِ أيضاً ما تَنَاسَلُوا، وكذلك في الوَصيَّةِ للقَرَاباتِ يدخل فيه ولد البنات، والقرابةُ عند أبي حنيفةَ كلُّ ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ويسقط عنده ابن العَمِّ وابن العمة وابن الخال وابن الخالة؛ لأنهم ليسوا بمِحْرَمِينَ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: القَرَابَةُ كُلُّ ذي رَحمٍ مَحْرَمٍ وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولدُ البنات. وإذا قال: لقرابتي وعقبي فهو كقوله: لولدي وولد ولدي. قوله: "وإلياس" قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل "يعقوب" و "إسرائيل"، والصحيح أنه غيره؛ لأن - تعالى - ذكرهُ في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح، وهذا إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران "كُلُّ مِنَ الصَّالحينَ". وقوله: "وإسماعيل" هو ابن إبراهيم. و"إليسع" [وهو ابن أخطوب بن العجوز]. قرأ الجمهور "اليَسَعَ" بلام واحدة وفتح الياء بعدها. وقرأ الأخوان: اللَّيْسَع بلام مشددة وياء ساكنة بعدها، فقراءة الجمهور فيها تأويلان: أحدهما: أنه منقُولٌ من فعل مضارع، والأصل: "يَوْسَع" كـ "يَوْعِد"، فَوقَعَتِ الواو بين ياء وكسرة تقديرية؛ لأن الفَتْحَةَ جيء بها لأجْلِ حرف الحَلْقِ، فحُذِفَتْ لحذفها في "يضع" و "يدع" و "يهب" وبابه، ثم سمي به مُجَرَّداً عن ضمير، وزيدت فيه الألف واللام على حَدِّ زيادتها في قوله: [الطويل] شعر : 2228- رأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبَارَكاً شَدِيداً بِأعْبَاءِ الخِلافَةِ كَاهِلُهْ تفسير : وكقوله: [الرجز] شعر : 2229- بَاعَدَ أمَّ العَمْرِ مِنْ أسِيرِهَا حُرَّاسُ أبْوابٍ عَلَى قُصُورِهَا تفسير : وقيل الألف واللام فيه للتعريف كأنّه قدَّر تنكيره. والثاني: أنه اسم أعْجَمِيٌّ لا اشتقاق له؛ لأن "اليسع" يقال: إنه يوشع بن نون فَتَى موسى، فالألف واللام فيه زائدتان، أو معرفتان كما تقدم. وهل "أل" لازمة له على تقدير زيادتها؟ فقال الفَارِسيُّ: إنها لازِمَةٌ شُذُوذاً، كلزومها في "الآن". وقال ابن مالك: "ما قَارَنتِ الأدَاةُ نَقْلَهُ كالنَّضْرِ والنُّعْمَانِ، أو ارتِجَالَهُ كاليسع والسموءل، فإنَّ الأغْلَبَ ثُبُوتُ أل فيه وقد تحذف". وأما قراءة الأخوين، فأصله لَيْسَع، كـ "ضَيْغَم وصَيْرَف" وهو اسم أعْجَمِيُّ، ودخول الألف واللام فيه على الوَجْهَيْنِ المتقدمين. واختار أبو عبيدة قراءة التخفيف، فقال: "سمعنا هذا الشيء في جميع الأحاديث: اليسع ولم يُسَمِّهِ أحدٌ منهم اللَّيْسع"، وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه روى اللفظ بأحد لُغَتَيْه، وإنما آثَرَ الرُّواةُ هذه اللفظة لِخِفَّتِهَا لا لعدم صِحَّةِ الأخرى. وقال الفراء في قراءة التشديد: "هي أشبهُ بأسماء العجمِ". قوله "يونس": هو يونس بن متى، وقد تقدم أن فيه ثلاث لغات [النساء:163] وكذلك في سين "يُوسف" وقوله: "ولوطاً" وهو لوط بن هارون ابن أخي إبراهيم. قوله: "وكلاَّ فَضَّلْنَا" كقوله: "كُلاًّ هَدَيْنَا". قوله: "عَلَى العَالَمِينَ" اسْتَدَلُّوا بهذه الآية على أن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن "العالم" اسم لكل موجود سوى الله - تعالى - فيدخل فيه الملائكة. وقال بعضهم: معناه فَضَّلْنَاهُمْ على عالمي زمانهم. قوله: "ومِنْ آبائِهِمْ" "آبائهم": فيه وجهان: أحدهما: أنه مُتعلِّقٌ بذلك الفعل المقدر، أي: وهدينا من آبائهم، أو فضَّلنا من آبائهم، و"مِنْ" تَبْعِيضيَّةٌ قال ابن عطية: "وهَدَيْنَا مِنْ آبَائِهِمْ وذرِّيَّاتهم وإخوانهم جماعات"، فـ "مِنْ" للتبعيض، والمفعول محذوف. الثاني: أنه معطوف على "كُلاًّ"، أي: وفضَّلنا بعض آبائهم. وقدَّر أبو البقاء هذا الوجه بقوله: "وفضلنا كلاًّ من آبائهم، وهدينا كُلاًّ من آبائهم". وإذا كانت للتَّبْعِيضِ دلَّت على أن آباء بعضهم كانوا مشركين. وقوله: "وذُرِّيَّاتهم"، أي: وذرِّيَّة بعضهم، لأن "عيسى" و "يحيى" لم يكن لهما وَلَدٌ، وكان في ذرية بعضهم من كان كَافِراً. وقوله: "وإخوانهم" "واجْتَبَيْنَاهُمْ" يجوز أن يعطف على "فضَّلنا"، ويجوز أن يكون مُسْتأنفاً وكرر لفظ الهداية توكيداً، ولأن الهِدايةَ أصْلُ كل خير، والمعنى: اصْطَفَيْنَاهُمْ، وأرشدناهم إلى صراط مستقيم. قوله: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ} المشار إليه هو المَصْدَرُ المفهوم من الفعل قبله؛ إما الاجْتِبَاءُ، وإما الهداية؛ أي: ذلك الاجتباء هو هُدَى، أو ذلك الهدى إلى الطريق المستقيم هدى الله، ويجوز أن يكون "هدى الله" خبراً، وأن يكون بدلاً من "ذلك" والخبر "يهدي به"، وعلى الأول يكون "يهدي" حالاً، والعامل فيه اسم الإشارة ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، و"مِنْ عِبَادِهِ" تَبْيِينٌ أو حال؛ إما مِنْ "مَنْ" وإما من عَائِدِهِ المحذوف. فصل في تحرير معنى الهداية يجوز أن يكون المراد من هذه الهداية معرفة الله - تعالى - وتَنْزِيههُ عن الشرك؛ لقوله تعالى بعده: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وإذا ثبت ذلك ثَبَتَ أن الإيمان لا يَحْصُلُ إلاَّ بِخَلْقِ الله تعالى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده. قال ألست تقرأ سورة الأنعام {ومن ذريته داود وسليمان} حتى بلغ {ويحيى وعيسى} قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت . وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحيى بن يعمر على الحجاج، فذكر الحسين فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم: فقال يحيى: كذبت. فقال لتأتيني على ما قلت ببينة. فتلا {ومن ذريته داود وسليمان} إلى قوله {وعيسى وإلياس} فأخبر تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه. قال صدقت . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: الخال والد، والعم، والد، نسب الله عيسى إلى أخواله قال {ومن ذريته} حتى بلغ إلى قوله {وزكريا ويحيى وعيسى} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل} ثم قال في إبراهيم {ومن ذريته داود وسليمان} إلى قوله {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين} ثم قال في الأنبياء الذين سماهم الله في هذه الآية {فبهداهم اقتده} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {واجتبيناهم} قال أخلصناهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} قال: يريد هؤلاء الذين قال: هديناهم وفضلناهم .

ابو السعود

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} عطفٌ على قوله [تعالى]: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} الخ، فإن عطفَ كلَ من الجملة الفعلية والاسميةِ على الأخرى مما لا نزاعَ في جوازه ولا مَساغ لعطفه على (آتيناها)، لأن له محلاً من الإعراب نصْباً ورفعاً حسبما بُـيِّن من قبلُ، فلو عُطف هذا عليه لكان في حُكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ولا سبـيلَ إليه هٰهنا {كَلاَّ} مفعولٌ لِمَا بعده، وتقديمُه عليه للقصر، لكن لا بالنسبة إلى غيرهما مطلقاً، بل بالنسبة إلى أحدهما أي كلُّ واحدٍ منهما {هَدَيْنَا} لا أحدَهما دون الآخَر، وتركُ ذكر المُهْدَىٰ إليه لظهور أنه الذي أوتيَ إبراهيمُ وأنهما مقتدِيان به {وَنُوحاً} منصوبٌ بمضمر يفسِّره {هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي من قبلِ إبراهيمَ عليه السلام، عَدَّ هُداه نعمةً على إبراهيمَ عليه السلام لأن شرفَ الوالدِ سارٍ إلى الولد {وَمِن ذُرّيَّتِهِ} الضمير لإبراهيمَ، لأن مَساقَ النظمِ الكريم لبـيانِ شؤونه العظيمةِ من إيتاءِ الحجةِ ورفعِ الدرجاتِ وهبةِ الأولادِ الأنبـياءِ وإبقاءِ هذه الكرامةِ في نسله إلى يوم القيامة، كلُّ ذلك لإلزام مَنْ ينتمي إلى ملتِه عليه السلامُ من المشركين واليهود، وقيل: لنوحٍ، لأنه أقربُ، ولأن يونُسَ ولوطاً ليسا من ذرِّية إبراهيمَ، فلو كان الضميرُ له لاختصَّ بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها، وأما المذكورون في الآية الثالثةِ فعطفٌ على (نوحاً) وروي عن ابن عباس أن هؤلاءِ الأنبـياءَ كلَّهم مُضافون إلى ذرِّية إبراهيمَ وإن كان منهم من لم يلْحَقه بولادةٍ من قِبَلِ أمَ ولا أب، لأن لوطاً ابنُ أخي إبراهيم، والعربُ تجعل العمَّ أباً، كما أخبر الله تعالى عن أبناءِ يعقوبَ أنهم قالوا: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة، الآية 133] مع أن إسماعيل عمُّ يعقوب. {دَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ} منصوبان بمُضمرٍ مفهومٍ مما سبق وكذا ما عُطف عليهما، وبه يتعلق (من ذريته) وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيلِ من نَوْع طولٍ ربما يُخلُّ تأخيرُه بتجاوب النظم الكريم، أي وهدينا من ذريته داودَ وسليمان {وَأَيُّوبَ} هو ابنُ أموصَ من أسباطِ عيصِ بنِ إسحاقَ {وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ} أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المذكورين أي وهديناهم حال كونهم من ذريته {وَكَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من جزاءِ إبراهيمَ عليه السلام، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، وأصلُ التقدير {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ} جزاءً مثلَ ذلك الجزاءِ، والتقديمُ للقصر، وقد مر تحقيقُه مراراً، والمرادُ بالمحسنين الجنسُ، وبمماثلة جزائِهم لجزائه عليه السلام مطلقُ المشابهةِ في مقابلةِ الإحسانِ بالإحسان والمكافأةِ بـين الأعمال والأجْزِية من غير بخسٍ لا المماثلةُ من كل وجه، ضرورةَ أن الجزاءَ بكثرةِ الأولاد الأنبـياءِ مما اختص به إبراهيمُ عليه السلام، والأقربُ أن لامَ المحسنين للعهد، وذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل الذي بعده، وهو عبارةٌ عما أوتيَ المذكورون من فنُون الكرامات، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتِه، والكافُ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُّها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائناً مثل ذلك الجزاء فقدم الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف مُقحَمةٌ للنكتة المذكورة، فصارَ المشارُ إليه نفسَ المصدر المؤكد لا نعتاً له، أي وذلك الجزاءَ البديعَ نجزي المحسنين المذكورين لا جزاءً آخرَ أدنى منه، والإظهارُ في موضع الإضمارِ للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بالأعمال الحسنة على الوجه اللائق الذي هو حُسْنُها الوصفيُّ المقارِنُ لحُسنها الذاتي، وقد فسَّره عليه الصلاة والسلام بقوله: «حديث : أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك»تفسير : والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبلها.

القشيري

تفسير : ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق. ثم قال: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ ... يَعْمَلُونَ} يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان (يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ووهبنا له} الهبة فى اللغة التبرع والعطية الخالية عن تقدم الاستحقاق والضمير لابراهيم عليه السلام {اسحق} ابنه الصلبى وهو اب انبياء بنى اسرائيل {ويعقوب} ابن اسحق {كلا هدينا} اى كل واحد منهما وفقنا وارشدنا الى الفضائل الدينية والكلمات العلمية والعملية لا احدهما دون الآخر {ونوحا} منصوب بمضمر يفسره {هدينا من قبل} اى من قبل ابراهيم وعّد هداه نعمة على ابراهيم من حيث انه ابوه وشرف الوالد يتعدى الى الولد {و} هدينا {من ذريته} اى ذرية نوح ولم يرد من ذرية ابراهيم لانه ذكر فى جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية ابراهيم كذا قال البغوى. وقال ابن الاثير فى جامع الاصول يونس من ذرية ابراهيم لانه كان من الاسباط فى زمن شعيب ارسله الله الى نينوى من بلد الموصل ولابعد فى عد لوط من ذرية ابراهيم ايضا باعتبار انه كان ابن اخيه هاجر معه الى الشام. قال سعدى جلبى المفتى ومحيى السنة يعنى البغوى اوثق من ابن الاثير {داود} ابن ايشا {وسليمان} ابنه وسلسلتهما تنتهى الى يهودا بن يعقوب {وايوب} من اموص بن رازخ بن روم بن عيصا بن اسحق بن ابراهيم {ويوسف} ابن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم {وموسى} ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب {وهرون} هو اخو موسى اكبر منه بسنة وليس ذكرهم على ترتيب ازمانهم {وكذلك} اى كما جزيناهم برفعة الدرجات {نجزى المحسنين} على احسانهم على قدر استحقاقهم فاللام للجنس ويجوز ان تكون الكاف مقحمة واللام للعهد والمعنى ذلك الجزاء البديع الذى هو عبارة عما اوتى المذكورون من فنون الكرامات نجزيهم لا جزاء آخر ادنى منه فالمراد بالمحسنين هم المذكورون والاظهار فى موضع الاضمار للثناء عليهم بالاحسان الذى هو عبارة عن الاتيان بالاعمال الحسنة على الوجه اللائق الذى هو حسنها الوصفى المقارن لحسنها الذاتى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في {ذريته} لإبراهيم عليه السلام؛ لأن الحديث عليه، أو لنوح عليه السلام؛ لذكر لوط، وليس من ذرية إبراهيم، لكنه ابن أخيه فكأنه ابنه، و {داود}: عطف على {نوح}؛ أي: وهدينا من ذريته داود، و {من آبائهم}: في موضع نصب، عطف على {نوح}؛ أي وهدينا بعض آبائهم، والهاء في {اقتده}: للسكت، فتحذف في الوصل، ومن أثَبتها راعَى فيها خط المصحف، وكأنه وصلَ بنية الوقف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ووهبنا} لإبراهيم {إسحاق} ابنه، {ويعقوب} حفيده، {كُلاًّ} منهما {هدينا} {ونوحًا} قد هديناه {من قبل} إبراهيم، وعدَّه نعمة على إبراهيم؛ من حيث إنه أبوه، وشَرفُ الوالد يتعدَّى إلى الولَد، {ومن ذريته} أي: إبراهيم، {داود} بن أيشا، {وسليمان وأيوب} بن قوص بن رَازَح بن عيصُو بن إسحاق {ويوسف} بن يعقوب بن إسحاق، {وموسى وهارون} ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. {وكذلك نجزي المحسنين} أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جازينا إبراهيم؛ برفع درجاته وكثرة أولاده، وجعل النبوة فيهم. {وزكريا} بن آذنِ بن بَركيَا، من ذرية سليمان، {ويحيى} بن زكريا، {وعيسى} ابن مريم بنت عمران، وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت، {وإلياس} بن نُسى فنحاص بن إلعَازر بن هارون. وقيل: هو إدريس جَد نوح، وفيه بُعد. {كلٌّ من الصالحين} الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي والتحرز مما لا ينبغي. {وإسماعيل} بن إبراهيم، قد هدينا أيضًا، وهو أكبر ولد إبراهيم، وهو ابن هاجر، {واليسع} بن أخطوب بن العجوز، وقرىء: "والليسع" بالتعريف، كَأن أصله: ليسع، و "أل" فيه: زائدة، لا تفيد التعريف؛ لأنه علَم، {ويونس} بن متى، اسم أبيه، وهو من ذرية إبراهيم، خلافًا للبيضاوي. قال القرطبي: لم يبعث الله نبيًا من بعد إبراهيم إلا من صُلبه. هـ. ويونس مثلث النون كيوسف، يعني بتثليث السين. {ولوطًا} هو ابن هاران أخى إبراهيم، فهو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، فقد يُطلق على العم أب مجازًا، {وكُلاًّ فضلنا على العالمين} أي: عالَمِي زمانِهم بالنبوة والرسالة، فكل واحد فِضِّل على أهل زمانه. {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} أي: فضَّلنا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، {واجتبيناهم} أي: اخترناهم للرسالة واصطفيناهم للحضرة، {وهديناهم إلى صراط مستقيم}؛ الذي يُوصل إلى حضرة قدسنا. {ذلك هُدَى الله} أي: ذلك الدين الذي دانوا به هو هدى الله {يهدي به} أي: بسببه، {من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}، تحذيرًا من الشرك، وإن كانوا معصومين منه. {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي: جنس الكتب، {والحُكم} أي: الحكمة، أو الفصل بين العباد، على ما يقتضيه الحق، {والنبوة}؛ الرسالة {فإن يكفر بها هؤلاء}: أهل مكة، {فقد وكَّلنا بها} أي: بالإيمان بها والقيام بحقوقها، {قومًا ليسوا بها بكافرين}؛ وهُم الأنبياء المذكورون، وتابعوهم، وقيل: الصحابة المهاجرون والأنصار، وهو الأظهر. وقيل: كل مؤمن، وقيل: الفرس. والأول أرجح؛ لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: {أولئك الذين هَدى الله}، الإشارة إلى الأنبياء المذكورين، {فبهداهم اقتَدِه} أي: اتبع آثارهم، والمراد بهديهم: ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافًا إلى الكل، ولا يمكن التأسِّي بهم جميعًا؛ فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبّد بشرع مَن قبله. قاله البيضاوي. {قل لا أسألُكم عليه} أي: التبليغ أو القرآن، {أجرًا} أي: جُعلاً من جهتكم، كحال الأنبياء قبلي؛ اقتداء بهم فيه، فهو من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه، {إن هو} أي: ما هو، أي: التبليغ أوالقرآن، {إلا ذكرى للعالمين}؛ إلا تذكرة وموعظة لهم. الإشارة: فُضَّل هؤلاء السادات على أهل زمانهم بما هداهم إليه من أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وبما خصهم به من كمال العبودية والآداب مع عظمة الربوبية. وفي قوله لحبيبه: {فبهداهم اقتده} فتح لباب اكتساب التفضيل، فكلَّ مَن اقتدَى بهم فيما ذُكر شُرِّف على أهل زمانه، وقد جمع في حبيبه صلى الله عليه وسلم ما افترق فيهم، وزاد عليهم بالمحبة ورفع الدرجات، فكان هو سيد الأولين والآخرين، فكل من اقتدى به في أفعاله وأقواله وأخلاقه نال من السيادة بقدر اقتدائه، وأمرُه سبحانه له بالاقتداء بهم، إنما هو في الآداب، وكان ذلك قبل أن يتَرقَّى عنهم إلى مقامه الذي خصَّه الله به. للأنبياء سيرًا وتَرَقِّيَا يليق بهم. كما للأولياء سيرٌ وتَرَقٍّ يليق بهم. قال الورتجبي: أمَر حبيبَه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالاقتداء بالأنبياء والرسل قبلَه في آداب الشريعة، لأن هناك منازلَ الوسائط، فإذا أوصله بالكُلِّية إليه، وكَحّل عيون أسراره بكُحل الربوبية، جعَله مستقلاً بذاته مستقيمًا بحاله، وخرج عن حَدِّ الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة، وأمره بإسقاط الوسائط، حتى قال:" حديث : لَو كَانَ مُوسَى حَيًا ما وَسِعَهُ إلاَّ اتّبِاعي " تفسير : ، وغير ذلك. هـ. وقال الشاذلي رضي الله عنه: أمَره بالاقتداء بهم فيما شاركوه فيه، وإن انفرد عنهم بما خُصَّ به. هـ. ولمّا ذكر مشاهير الرسل، وما أتحفَهم به من الهداية وإنزال الوحي، رد على من أنكر ذلك، فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف {اليسع} بتشديد اللام، وفتحها وسكون الياء ها هنا، وفي (ص). الباقون بسكون اللام وفتح الياء. قال الزجاج التشديد والتخفيف لغتان. وقال ابو علي الالف واللام ليستا للتعريف بل هما زائدتان وكان الكسائي يستصوب القراءة بلامين ويخطىء من قرأ بغيرهما كأن الاسم عنده {ليسع} ثم يدخل الالف واللام. قال ولو كانت (يسع) لم يجز أن يدخل الالف واللام، كما لا يدخل في (يزيد) و {يحيى}. قال الاصمعي فقلت له، فـ (اليرصع) من الحجارة و (اليعمل) من الابل و (اليحمد) حي من اليمن، فكأنما ألقمته حجرا، وبعدها فانا قد سمعناهم يسمعون بـ (يسع) ولم نرهم يسمعون بـ (ليسع). وقال الفراء: القراءة بالتشديد اشبه بالاسماء العجمية التخفيف. قال لانهم لا يكادون يدخلون الالف واللام في ما لا يجرّ مثل (يزيد، ويعمر) الا في الشعر أنشدني بعضهم: شعر : وجدنا الوليد بن اليزيد مباركاً شديدا بأعباء الخلافة كاهله تفسير : قال وانما أدخلوا الالف واللام في يزيد لدخولهما في الوليد، فاذا فعلوا ذلك فقد أمسَّوا الحرف مدحا. قوله {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} الهاء في (له) كناية عن ابراهيم (ع) {كلا هدينا} نصب كلا بـ (هدينا) و {نوحا هدينا من قبل} معناه هديناه قبل ابراهيم. وقوله {ومن ذريته داود وسليمان} تقديره وهدينا داود وسليمان نسقا على نوح. ويحتمل أن يكون قوله {ومن ذريته} الهاء راجعة الى نوح لان الانبياء المذكورين كلهم من ذريته. قال الزجاج ويجوز أن يكون من ذريته ابراهيم لان ذكرهما جميعا قد جرى، وأسماء الانبياء التي جاءت بعد قوله {ونوحا هدينا من قبل} نسق على (نوح) نصب كلها، ولو رفعت على الابتداء كان صوابا. قال أبو علي الجبائي: الهاء لا يجوز أن تكون كناية عن ابراهيم، لان فيمن عدد من الانبياء لوطا وهو كان ابن اخته، وقيل ابن اخيه، ولم يكن من ذريته. وهذا الذي قاله ليس بشىء، لانه لا يمنع أن يكون غلب الاكثر. وجميع من ذكر من نسل ابراهيم، على أنه قال فيما روى عنه ابن مسعود أن الياس: إِدريس، وهو جدُّ نوح، ولم يكن من ذريته، ومع هذا لم يطعن على قول من قال: إِنها كناية عن نوح. وقال ابن اسحاق: الياس هو ابن اخي موسى ويجوز أن تكون الهاء كناية عن ابراهيم ويكون مَنْ سَّماهم الى قوله {وكل من الصالحين} من ذريته، ثم قال {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً} فعطفهم على قوله {ونوحا هدينا}. وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين من ولد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لأن عيسى جعله الله من ذرية ابراهيم أو نوح، وإنما كانت أمه من ذريتهما، والوجه في الآيات أن الله تعالى أخبر أنه رفع درجة ابراهيم بما جعل في ذريته من الانبياء وجزاه بما وصل اليه من السرور والابتهاج عندما أعلمه عن ذلك وبما أبقى له من الذكر الرفيع في الاعقاب، والجزاء على الاحسان لذة وسرور من أعظم السرور واكثر اللذات إِذا علم الانسان بأنه يكون من عقبة وولده المنسوبين اليه أنبياء يدعون الى الله ويجاهدون في سبيله ويكونون ملوكا وخلفاء يطيعون الله ويحكمون بالحق في عباد الله. ثم اخبر انه جزى نوحا بمثل ذلك على قيامه في الدعاء اليه والجهاد في سبيله. والهداية في الآيات كلها هو الارشاد الى الثواب دون الهداية التي هي نصب الادلة، لانه تعالى قال في آخر الآيات: {وكذلك نجزي المحسنين} فبين أن ذلك جزاء ولا يليق إلا بالثواب الذي يختص به المحسنون دون الهداية التي هي الدلالة ويشترك فيها المؤمن والكافر، وهو قول أبي علي الجبائي والبلخي. وقوله: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} إِشارة الى من تقدم ذكره من الانبياء. وقوله {فإن يكفر بها هؤلاء} يعني الكفار الذين جحدوا نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك الوقت، {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} معنى {وكلنا بها} اي وكلنا بمراعاة أمر النبوة وتعظيمها والأخذ بهدي الانبياء قوما ليسوا بها بكافرين. وإِنما اضاف ذلك إِلى المؤمنين وان كان قد فعل بالكافرين أيضا ازاحة العلة في التكليف من حيث أن المؤمنين هم الذين قاموا بذلك وعملوا به فأضافه اليهم، كما أضاف قوله {هدى للمتقين} وان كان هداية لغيرهم. وقيل في المعنيين بقوله {ليسوا بها بكافرين} ثلاثة اقوال: احدها - انه عنى بذلك الانبياء الذين جرى ذكرهم آمنوا بما أتى به النبي (صلى الله عليه وسلم) في وقت مبعثهم وهو قول الحسن والزجاج والطبري والجبائي. قال الزجاج لقوله تعالى {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وذلك اشارة الى الانبياء الذين ذكرهم ووصفهم وامر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالاقتداء بهداهم. والثاني - انه عنى به الملائكة، ذهب اليه أبو رجاء العطاردي. وقال قوم عنى به من آمن من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) في وقت مبعثه. وقال الفراء والضحاك: قوله {فإن يكفر بها هؤلاء} يعني أهل مكة {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} يعني أهل المدينة، والأول أقوى. وفى الآية دلالة على ان الله تعالى يتوعد من يعلم انه لا يشرك ولا يفسق وان الوعد والوعيد قد يكونان بشرط. وقوله: {أولئك الذين هدى الله} معناه اولئك الذين حكم الله لهم بالهدى والرشاد، وزادهم هدى حين اهتدوا. والمراد به الانبياء الذين تقدم ذكرهم ألثمانية عشر. وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن يسلك سبيلهم ويأخذ بهداهم في تبليغ الرسالة والصبر على المحن وان يقول لقومه {لا أسألكم عليه أجراً} يعني على الاداء والابلاغ، ولكنه يذكر به العالمين وينبههم على ما يلزمهم من عبادة الله والقيام بشكره. وقوله {فبهداهم اقتده} قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب والكسائي عن ابي بكر بحذف الهاء في الوصل واثباتها في الوقف. الباقون باثباتها في الوصل والوقف وسكونها، إِلا ابن ذكوان فانه كسرها، ووصلها بياء في اللفظ وإِلا هشاما فانه كسرها من غير صلة بتاء، ولا خلاف في الوقف انها بالهاء ساكنة. قال ابو علي الفارسي الوجه الوقف بالهاء لاجتماع الكثرة، والجمهور على إِثباته، ولا ينبغي أن يوصل والهاء ثابتة، لانه هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة في الوصل كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء. قال ابو علي وقراءة ابن عامر بكسر الهاء وإِشمام الهاء الكسرة من غير بلوغ ياء ليس بغلط، ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق للوقف. وحسن اضماره لذكر الفعل الدال عليه، ومثل ذلك قول الشاعر: شعر : فجال على وحشية وتخاله على ظهره سبأ حديداً يمانيا تفسير : كأنه قال تخال خيلا على ظهره سبأ حديدا، ومثل ذلك قول الشاعر: شعر : هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرؤ عند الرشا أن يلقها ذئب تفسير : فالهاء كناية عن المصدر، ويدل يدرسه على الدروس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن، لان الفعل قد تعدى اليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى اليه والى ضميره كما أنك إِذا قلت أزيداً ضربته لم ينصب زيدا بضربت لتعديه الى الضمير، وقياسه إِذا وقف عليه أن يقول اقتده فيكسر (هاء) الضمير، كما تقول اشتره في الوقف. وفي الوصل اشتريه لنا يا هذا. واستدل قوم بقوله {فبهداهم اقتده} على ان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان متعبدا بشريعة من قبله من الانبياء وهذا لا دلالة فيه، لان قوله {فبهداهم اقتده} معناه فبأدلتهم اقتده. والدلالة ما اوجبت العلم ويجب الاقتداء بها، لكونها موجبة للعلم لا غير ولذلك قال تعالى {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} فنسب الهدى الى نفسه، فعلم بذلك أنه أراد ما قلناه. وقوله {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} يدل على أن الهدى في قوله {واجتبيناهم وهديناهم} هداية الثواب على الاعمال الصالحة، لان الثواب على الاعمال هو الذي ينحبط تارة ويثبت اخرى دون الهداية التي هي الادلة الحاصلة للمؤمن والكافر. وقوله {وكلا فضلنا على العالمين} يعني على عالمي زمانهم الذين ليسوا أنبياء وإِنما دخلت (من) في قوله {من آبائهم وذرياتهم} للتبعيض كأنه قال: وبعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض اخوانهم هديناهم ولو لم تدخل (من) لاقتضى انه هدى جميعهم الهداية التي هي الثواب، والامر بخلافه. وقوله {اجتبيناهم} معناه اخترناهم. وقوله {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} لا يدل على صحة ثواب طاعاتهم التي اشركوا في توجيهها الى غير الله لانهم اوقعوها على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، فأما ما تقدم فليس في الآية ما يقتضي بطلانه غير أنا قد عملنا أنه إِذا أشرك لا ثواب معه أصلا، لاجماع الامة على أن المشرك لا يستحق الثواب، فلو كان معه ثواب وقد ثبت أن الاحباط باطل، لكان يؤدي الى أن معه ثوابا وعقابا، لانا قد بينا بطلان القول بالتحابط في غير موضع وذلك خلاف الاجماع.

الجنابذي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} تعظيم له ببيان ما منّ به عليه {كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} عن الباقر (ع) فى بيان اتّصال الوصيّة من لدن آدم (ع) الى زمانه (ع) هديناهم لنجعل الوصيّة فى اهل بيتهم، وفيه اشعار بانّ هدايتهم امتنان من الله على محمّد (ص) واهل بيته لانّهم آباؤهم او اولاد آبائهم كما انّ هداية نوح (ع) امتنان من الله على ابراهيم (ع) لكونه جدّه {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} عطف على ابراهيم والتّقدير تلك حجّتنا آتيناها ابراهيم (ع) وآتيناها بعضاً من ذرّيّته او عطف على اسحق او يعقوب، او عطف على نوحاً، او عطف على وهبنا، او هدينا، بتقدير أرسلنا وهذا على ان يكون من التّبعيضيّة واقعاً موقع الاسم الخالص لقوّة معنى البعضيّة فيها ويكون داود وسليمان (الى الاخر) بدلاً تفصيليّاً والاّ فهو حال من داود وسليمان ويجرى حينئذٍ فى داود وسليمان الوجوه المذكورة فى عطف من ذرّيّته والضّمير المضاف اليه لابراهيم او لاسحق او ليعقوب، وعلى هذا كان المعدودون فى الآية الثّالثة عطفاً على نوحاً لانّ لوطاً ليس من ذرّيّة ابراهيم (ع) وكذلك من ذكر فى الآية الثّانية على ان يكون الياس هو ادريس جدّ نوح (ع) وعلى هذا لو كان الضّمير لنوح (ع) لم يكن من فى الآية الثّانية عطفاً على داود، ويحتمل ان يكون الضّمير لنوح (ع) لانّه اقرب والامتنان بهداية ذرّيّته على ابراهيم (ع) لانّ اكثرهم كانوا ذرّيّة ابراهيم (ع) ومن لم يكن ذرّيّة كان ذرّيّة آبائه {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ} بن اموص من اسباط عيصا بن اسحاق كذا قيل {وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ} لم يراع فى ذكر الانبياء التّرتيب الوجودىّ ولا التّرتيب الشّرفىّ {وَكَذَلِكَ} الجزاء الّذى جزينا ابراهيم (ع) من ايتاء الحجّة ورفع الدّرجات وجعل الانبياء من ذرّيّته ومن فروع آبائه وهداية كثير من آبائه وذرّيّاته {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} يعنى انّ جزاءنا ابراهيم (ع) بما جزينا انّما هو لكونه محسناً فكلّ من اتّصف بصفة الاحسان نجزيه مثله.

الهواري

تفسير : قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} بالنبوّة {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي من قبل إبراهيم. قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} أي ومن ذرية نوح هدينا {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ} أي: على عالم زمانهم. {وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} أي استخلصناهم للنبوّة {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى الجنة. {ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ} يعني الفهم والعقل {وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ} يعني المشركين {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي بالنبوّة {قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني النبيين الذين ذكر. وقال بعضهم: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ} يعني أهل مكة {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي بالنبوّة {قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني أهل المدينة. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ} يعني النبيين الذين قصّ الله {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} يا محمد. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على القرآن {أَجْراً إِنْ هُوَ} أي القرآن {إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}. قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي وما عظّموا الله حقّ عظمته، يعني المشركين {إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}، يعني المشركين في تفسير بعضهم. وقال الحسن: هم اليهود، كانوا يقولون: هؤلاء قوم أميّون، يعنون النبي وأصحابه، ولَبِسوا عليهم فكانوا يقولون، أي يقول بعضهم لبعض: {ءَامِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا}، أي بمحمد {وَجْهَ النَّهَارِ} أي أول النهار (أية : وَاكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) تفسير : [آل عمران:72]، أي إلى دين اليهود، وقد فسّرناه في سورة آل عمران. ثم قالوا: {مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} فقد كانت الأنبياء تجيء من عند الله فلم تكن تجيء بالكتاب، فأين جاء محمد بهذا الكتاب؟ قال الله لمحمد عليه السلام. {قُلْ} لهم {مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} أي: لمن اهتدى به {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} مقرأ الحسن على التاء. {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} والقراطيس الكتب التي كتبوا بأيديهم بما حرّفوا من التوراة. {وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ} يقول: علّمتم علماً فلم يصر لكم علماً بتضييعكم إياه ولا لآبائكم. {قُلِ اللهُ} الذي أنزل الكتاب {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} وهذا قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب. وقال مجاهد: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} يعني مشركي العرب. {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} وهو مقرأ مجاهد على الياء، يعني أهل الكتاب {وَعُلِّمْتُم} أنتم معاشر العرب {مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ} أنزله. {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.

اطفيش

تفسير : {ووهبْنا له إسْحاقَ ويعْقُوبَ كلاًّ هَديْنا} بدين الإسلام، وقيل: للنبوة والرسالة، أو حذف للعموم لكل خبر تصلح الهداية إليه ولذلك فى قوله: {ونُوحاً هَديْنا مِنْ قَبَلُ} أى الأمر قبل إبراهيم، وقد صح أن الهداية المخصوصة بالأنبياء هى الإرشاد إلى أمر النبوة والرسالة، فتحتمل عليها هدايتهم حيث ذكرت، لما ذكر إبراهيم عليه السلام بذكر احتجاجه على المشركين فى إبطال الأصنام كاحتجاج رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو جده، وإليه انتسب العرب قريش وغيرهم، وتنتحل أنهُ على دينه، فبين الله بذلك أنه لا يعبد الأصنام، وأنه يقول ابنه محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قدمه ناسب أن يذكر من وهب له من الأنبياء وهو إسحاق، فإنهُ ابنه من صلبه، ويعقوب ابنه بواسطة إسحاق، فإن يعقوب ابن إسحاق، ولما اجتمع ذكرهم متقدماً لما ذكر مع تأخر زمانهم، ناسب أن يضم إليهم من يجتمع معهم فى أمر معهم معتبر، ولو تقدم زمانه وهو نوح عليه السلام، وهو أنهم أصول الأنبياء، ولا يخفى ذلك فى نوح وإبراهيم فأنبياء بنى إسرائيل من ذرية إبراهيم، وذلك فضيلة لإبراهيم، لأن فضل الولد يتعدى للوالد، وكذا كون نوح أباً له فضيلة له، لأن فضيلة الولد تتعدى للولد، والمقام لذكر فضائل إبراهيم عليه السلام، فإنه أنعم عليه بالحجة على قومه، ويرفع درجاته {نرفع درجات من نشاء} ويجعل أشراف الأنبياء من نسله. {ومِنْ ذُرَّيته داودَ وسُليمانَ} جمعهما بأن أحدهما أبو الآخر، ولتوافقهما فى أمر آخر مهم يلى النبوة وهو الملك، وكذا القدرة والسلطان، وسليمان أشد سلطاناً، والهاء فى ذريته عائدة إلى إبراهيم عليه السلام، وقيل إلى نوح وهو مذهب الجمهور، لقرب ذكره، ووجه الأول أن الكلام مبنى على فضائل إبراهيم، وإبراهيم أقرب زماناً إلى داود وسليمان، وكلاهما مذكور، واختير قول الجمهور، لذكر لوط وهو ليس من ذرية إبراهيم بل ابن أخته، وقيل ابن أخيه، لكن يحتمل أن يقدر له هدينا، وكذا يونس ليس من ذريته، أو يعطف على "نوحاً" فقد تسلطت عليه الهداية، أو على إسحاق فتسلط عليه الهبة، ومن تتعلق بمحذوف حال من داود وسليمان، ومن للتبعيض، ويجوز تعليقها بوهبنا محذوفاً ناصباً لداود وما بعده كله، ومن للابتداء، ويدل للعطف على كلا أو على "نوحا" أن لوطا ويونس لم يوهبا لإبراهيم، فالعطف على من ذكر بالهداية لا على ما يرسم الهبة، إلا أن يقال: إنهما موهوبان له بالقيام بشرعه، وليسا ذرية له، أو يقدر لهما هدينا محذوفاً، وينصب الباقى على الهبة. {وأيُّوب ويُوسفَ} جمعهما لأنهما جميعاً بليا بالمحن الشديدة المتطاولة فصابراها، وأورثهما الصبر الجميل الملك، فليوسف ملك مصر، ولأيوب أهله ومثلهم معهم، ومطمورة ذهباً وهو أيوب بن أحوص بن رازح ابن رو بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم {ومُوسَى وهَارُون} جمعهما الله لكثرة المعجزات والبراهين، وكلاهما رسول وهما أخوان فى زمان واحد، وهارون تبع لموسى عليهما السلام فى المعجزات والبراهين. {وكذلك نَجْزى المحْسِنين} كما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره لأذى قومه نجزى داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون على إحسانهم،فهم المراد بالمحسنين وضع الظاهر موضع المضمر ليوصف بالإحسان أو يجزيهم بكثرة الأولاد أو بالنبوة فيهم، ورفع الدرجات كما فعلنا ذلك بإبراهيم، وإذا جزاهم فأولى أن يجازى نوحاً.

اطفيش

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ} لإِبراهيم {إِسْحَاقَ} من سارة، عاش مائة وثمانين سنة، ولفظ إِسحاق أَعجمى، وذكر بعض أَن معناه بالعربية الضحاك {وَيَعْقُوبَ} ابن إِسحاق، عاش مائة وسبعا وأَربعين سنة، وفى هذا دليل أَن ولد ولدك ولدك لأَنه جعله فى الهبة مع الولد، والعطف على تلك حجتنا عطف قصة على أُخرى عطف فعلية على اسمية، لا على آتيناها؛ لخلوها عن ضمير تستحقه جملة آتيناها فى الربط بما قبلها، وفى الجملة إِلى آخره مدح لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إِذ كان من ذرية إِبراهيم من جهة إِسماعيل، ومدح لسيدنا إِبراهيم إِذ جعل أَشرف الخلق من نسله وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من جملة ما رفع به درجات إِبراهيم عليه السلام خليل الرحمن إِذ سلم قلبه للعرفان، ولسانه لإِقامة البرهان على فساد طريق أَهل الشرك والطغيان، وسلم بدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، واعترف بفضله جميع أَهل الأَديان، ومن جملة درجاته أَن أَكثر الأَنبياء من نسله {كُلاًّ} كل واحد من إِسحاق ويعقوب {هَدَيْنَا} لم يذكر ما إِليه الهداية ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن حسن فى الهداية لإِبراهيم من كل شرف وفضيلة دنيوية وأخروية، وللعلم به وهو ما هدى إِليه إِبراهيم عليه السلام، وقدم كلا للاهتمام أَو للحصر الإِضافى، أَى إِنما هديناهما جميعاً لا واحداً فقط، وفيه ضعف، وقيل: كلا من إِبراهيم وإِسحاق ويعقوب، والأَول أَولى لأَن شرف إِبراهيم مشهور معروف مفروغ منه قبل هذه الآية، والآية سبقت لمدحه بأَنه وهب له ولدين مهديين، وبأَنه من ولد مهدى عظيم هو نوح {وَنُوحاً} معناه بالسريانية الساكن، وقيل سمى نوحاً لكثرة بكائه، فهو لقب، واسمه عبد الغفور، وصحح الأَول {هَدَيْنَا} قدم نوحاً للاهتمام {مِنْ قَبْلُ} من قبل إِبراهيم، عد هدى نوح نعمة لإِبراهيم، لأَن شرف الأَب يتعدى إِلى الولد، فشرف إِبراهيم عليه السلام من جهة أَبيه نوح وهو جده، وجهة أَولاده وهم أَنبياء بنى إِسرائيل، وقيل بين آدم ونوح أَلف سنة، وعاش آدم تسعمائة سنة وستين، وبين إِدريس ونوح أَلف سنة، وبعث نوح لأَربعين وعاش فى قومه أَلف سنة إِلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ستين، وقيل: بعث ابن ثلاثمائة وخمسين، وبين إِبراهيم ونوح عشرة قرون، وعاش إِبراهيم مائة وخمساً وسبعين وبينه وبين آدم ألفا سنة، ونوح هو ابن لَمْك -بفتح فإِسكان - ابن متوشلخ - بفتح فضم وشد وفتح الشين واللام - وقيل - بضم ففتحتين فإِسكان الشين وكسر اللام - أَخنوخ - بفتحتين وضم النون - وهو إِدريس بن برد ابن مهلائيل بن قينان بن أَنوش بن شيت، والذى يتبادر إِلى النفس أَن إِدريس قبل نوح، وقد قيل أَنه ولد بعد آدم بمائة وستة وعشرين عاماً، لكن فى الطبرانى: أَول الأَنبياء آدم ثم نوح فإِدريس بعد نوح، وعليه أَكثر الصحابة، وقد قيل إِدريس بن برد بن مهلائيل بن أَنوش بن قينان بن شيت بن آدم وهو جد نوح بينهما أَلف سنة، كما روى عن ابن مسعود ووهب ابن منبه {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} من ذرية نوح، أَو من ذرية إِبراهيم، والأَول أَولى لأَن لوطاً ويونس ليسا من ذرية إِبراهيم، ووجه الثانى أَن الكلام سبق فيه والعطف بعد فى الأَول على نوحاً فيكون الهدى متسلطاً عليهم أَو على إِسحاق، فتكون الهبة متسلطة عليهم وفى الثانى على إِسحاق. ومن للابتداء أَو للتبعيض على كل حال متعلقة بوهبنا، أَو لهدينا على الابتداء، وأَما على التبعيض فتتعلق بمحذوف حال من داود وما بعده، ويعطف لوطاً ويونس على نوحاً، وجاءَ عطفه على مفعول وهبنا، ووجهة أَن لوطاً ابن أخت إِبراهيم عليه السلام، وقيل ابن أَخيه، وبيونس اتصال بابراهيم عليه السلام لاقتدائه به فصح أَنهما وهبا له به. فى جامع الأُصول أَن يونس من الأَسباط فى زمان شعيب فلا إِشكال، ويعمل بالتغليب فيمن ليس من ذريته والخال كالأُم، والعم كالأَب، والمذكور فى الآية ثمانية عشر رسولا، وبقى آدم وإِدريس وشعيب وصالح وهود وذو الكفل ومحمد، فهم خمسة وعشرون، قيل: يجب الإِيمان بهم تفصيلا، ولعله على من قامت الحجة عليه بالسماع ذكر السبعة فى غير هذه السورة، وذكر الباقين من الآية بقوله {دَاوُدَ} بن إِيشا بن عوبر - بموحدة على وزن جعفر - ابن عابر - بمهملة وفتح الموحدة - بن سلمون بن يخيئون بن عذودب ابن إِرم بن حضرموت بن فارض بن يهوذا بن يعقوب {وَسُلَيْمَانَ} ابنه، وبين داود وموسى خمسمائة وتسع وستون سنة، وعاش داود مائة وسليمان نيفاً وخمسين سنة، وقيل ثلاثاً وخمسين سنة، وبينه وبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أَلف وسبعمائة سنة. أو كان داود يشاور سليمان مع صغر سنة لوفور عقله وعلمه، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأَ بناءَ بيت المقدس بعد ملكه بأَربع سنين {وَأَيُّوبَ} بن أَموص من أَسباط عيص بن إِسحاق، وقيل أَيوب ابن روم بن إِسحاق، وقيل ابن روم بن إِبراهيم، ويقال: أَيوب بن أَموص بن رازح بن عيص بن إِسحاق بن إِبراهيم، عاش ثلاثاً وستين، ومدة بلائه سبع سنين، وذكر ابن عساكر أَن أمه بنت لوط، وآمن أَبوه بإِبراهيم فهو قيل موسى، وفى الطبرى أَنه بعد شعيب، وفى ابن خيثمة أَنه بعد سليمان، وفى الطبرانى عمره ثلاث وتسعون سنة، {وَيُوسُفَ} بن يعقوب، عاش مائة وعشرين، قيل: بينه وبين موسى بعده أَربعمائة سنة، وبين إِبراهيم وموسى خمسمائة وخمس وستون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إِسحاق ابن إِبراهيم"تفسير : {وَمُوسَى} هو ابن عمران، عاش مائة وعشرين، وبينه وبين داود بعده خمسمائة وتسع وستون {وَهَأرُونَ} أَخو موسى، أَكبر من موسى بسنة، ابن عمران بن يصهر بن لوى بن يعقوب، أَخو موسى لأَبيه وأمه، وقيل: لأَبيه، وقيل: لأُمه. ومات قبل موسى، رآه صلى الله عليه وسلم ليلة الإِسراء فى السماء الخامسة، ونصف لحيته أَبيض تكاد تضرب سرته، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: المحبب إِلى قومه، هارون بن عمران، وكذا قيل أَن هارون بالعبرية المحبب. {وَكَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنِينَ} نجزى المحسنين بالتشريف والتفضيل بأَنواع الكرامات كما جزينا بذلك موسى وهارون وداود وسليمان ويوسف، أَو كما جزينا إِبراهيم برفع درجاته وكثرة أَولاده والنبوة فيهم، والمطلق مطلق الإِحسان لا خصوص النبوة وكثرتها، وليس فى ذلك تشبيه الشئ بنفسه، وفى الحديث: حديث : الإِحسان أَن تعبد الله كأَنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراكتفسير : ، أَى فإِن لم تكن تراقبه كما تراقب من تراه.

الالوسي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ} أي لإبراهيم عليه السلام {إِسْحَـٰقَ } وهو ولده من سارة عاش مائة وثمانين سنة. وفي «نديم الفريد» أن معنى إسحٰق بالعربية الضحاك {وَيَعْقُوبَ } وهو ابن إسحٰق عاش مائة وسبعاً وأربعين سنة. والجملة عطف على قوله تعالى: { أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } تفسير : [الأنعام: 83] الخ، وعطف الفعلية على الاسمية مما لا نزاع في جوازه، ويجوز على بعد أن تكون عطفاً على جملة { أية : آتَيْنَاهَآ } تفسير : [الأنعام: 83] بناء على أنها لا محل لها من الإعراب كما هو أحد الاحتمالات. وقوله تعالى: {كُلاًّ } مفعول لما بعده وتقديمه عليه للقصر لا بالنسبة إلى غيرهما بل بالنسبة إلى أحدهما أي كل واحد منهما {هَدَيْنَا} لا أحدهما دون الآخر، وقيل: المراد كلا من الثلاثة، وعليه الطبرسي. واختار كثير من المحققين الأول لأن هداية إبراهيم عليه السلام معلومة من الكلام قطعاً وترك ذكر المهدي إليه لظهور أنه الذي أوتى إبراهيم عليه السلام فإنهما (متعبدان به). وقال الجبائي: المراد هديناهم بنيل الثواب والكرمات. {وَنُوحاً} قال شيخ الإسلام: منصوب بمضمر يفسره {هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} ولعله إنما لم يجعله مفعولاً مقدماً للمذكور لئلا يفصل بين العاطف والمعطوف بشيء أو يخلو التقديم عن الفائدة السابقة أعني القصر ولا يخلو ذلك عن تأمل أي من قبل إبراهيم عليه السلام. ونوح ـ كما قال الجواليقي ـ أعجمي معرب زاد الكرماني: ومعناه بالسريانية الساكن، وقال الحاكم في «المستدرك»: إنما سمي نوحاً لكثرة بكائه على نفسه واسمه عبد الغفار، والأول: أثبت عندي. وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ـ كما قال الحاكم ـ أنه عليه السلام كان قبل إدريس عليه السلام. وذكر النسابون أنه ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام والخاء المعجمة ابن أخنوخ بفتح المعجمة وضم النون الخفيفة وبعدها واو ساكنة ثم معجمة وهو إدريس فيما يقال. وروى الطبراني حديث : عن أبـي ذر رضي الله تعالى عنه قال: "قلت يا رسول الله من أول الأنبياء؟ قال: آدم عليه السلام قلت: ثم من؟ قال نوح عليه السلام: وبينهما عشرة قرون"تفسير : وهذا ظاهر في أن إدريس عليه السلام لم يكن قبله وذكر ابن جرير أن مولده عليه السلام كان بعد وفاة آدم عليه السلام بمائة وستة وعشرين عاماً. وذكره سبحانه هنا قيل لأنه لما ذكر سبحانه إنعامه على خليله من جهة الفرع ثنى بذكر إنعامه عليه من جهة الأصل فإن شرف الوالد سار إلى الولد، وقيل: إنما ذكره سبحانه لأن قومه عبدوا الأصنام فذكره ليكون له به أسوة، وأما أنه ذكر لما مر فلا إذ لا دلالة على علاقة الأبوة ليقبل ودلالة {مِن قَبْلُ } على ذلك غير ظاهرة. وقنع بعضهم بالشهرة عن ذلك. {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير عند جمع لإبراهيم عليه السلام لأن مساق النظم الجليل لبيان شؤونه / وما منَّ الله تعالى به عليه من إيتاء الحجة ورفع الدرجات وهبة الأولاد الأنبياء وإبقاء هذه الكرامة في نسله كل ذلك لإلزام من ينتمي إلى ملته من المشركين واليهود، واختار آخرون كونه لنوح عليه السلام لأنه أقرب ولأنه ذكر في الجملة لوطاً عليه السلام وليس من ذرية إبراهيم بل كان ابن أخيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى آمن به وشخص معه مهاجراً إلى الشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، وكذلك يونس عليه السلام لم يكن من ذريته فيما ذكر محيـي السنة فلو كان الضمير له لاختص بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها، وأما المذكورون في الآية الثالثة فعطف على {نُوحاً } ولا يجب أن يعتبر في المعطوف ما هو قيد في المعطوف عليه، ولا يضر ذكر إسماعيل هناك وإن كان من ذرية إبراهيم عليهما السلام لأن السكوت عن إدراجه في الذرية لا يقتضي أنه ليس منهم وإنما لم يعد ـ كما قال بعض المحققين ـ: في موهبته كإسحاق لأن هبة إسحاق كانت في كبره وكبر زوجته فكانت في غاية الغرابة، وذكر يعقوب لأن إبقاء النبوة بطناً بعد بطن غاية النعمة، ولم يعطف {كُلاًّ هَدَيْنَا } لأنه مؤكد لكونه نعمة. ومن الناس من ادعى أن يونس عليه السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام وصرح في «جامع الأصول» إنه كان من الأسباط في زمن شعيا، وحينئذ يبقى لوط فقط خارجاً ولا يترك له إرجاع الضمير على إبراهيم وجعله مختصاً بالمعدودين في الآيات الثلاث لأنه لما كان ابن أخيه آمن به وهاجر معه أمكن أن يجعل من ذريته على سبيل التغليب كما قال الطيبـي. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الأنبياء عليهم السلام كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان منهم من لم يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب لأن لوطاً ابن أخي إبراهيم والعرب تجعل العم أباً كما أخبر الله تعالى عن أبناء يعقوب أنهم قالوا { أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } تفسير : [البقرة: 133] مع أن إسماعيل عم يعقوب. والجار والمجرور متعلق بفعل مضمر مفهوم مما سبق، وقيل: بمحذوف وقع حالاً من المذكورين في الآية واختير الأول أي وهدينا من ذريته. {دَاوُودَ} هو ـ كما قال الجلال السيوطي ـ ابن إيشا بكسر الهمزة وسكون الياء المثناة التحتية وبالشين المعجمة ابن عوبر بمهملة وموحدة بوزن جعفر ابن عابر بموحدة ومهملة مفتوحة ابن سلمون بن يخيثون بن عمي بن يارب ـ بتحتية وآخره باء موحدة ـ ابن رام بن حضرموت بمهملة ثم معجمة بن فارص بفاء وآخره مهملة بن يهوذا ابن يعقوب. قال كعب: كان أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت والخلق وجمع له بين النبوة والملك. ونقل النووي عن المؤرخين أنه عاش مائة سنة ومدة ملكه منها أربعون وله اثنا عشر ابناً. {وَسُلَيْمَـٰنَ } ولده، قال كعب: كان أبيض جسيماً وسيماً وضيئاً جميلاً خاشعاً متواضعاً كان أبوه يشاوره في كثير من أموره في صغر سنه لوفور عقله وعلمه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ملك الأرض، وعن المؤرخين أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ملكه بأربع سنين وتوفي وله ثلاث وخمسون سنة. وتقديم المفعول الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيل من نوع طول ربما يخل تأخيره بتجاوب النظم الكريم {وَأَيُّوبَ} قال ابن جرير: هو ابن موص بن روم بن عيص بن إسحاق. وقيل: ابن موص بن تارخ بن روم الخ، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فهو قبل موسى عليه السلام؛ وقال ابن جرير: إنه كان بعد شعيب، وقال / ابن أبـي خيثمة كان بعد سليمان، وروى الطبراني أن مدة عمره كانت ثلاثاً وتسعين سنة {وَيُوسُفَ} وهو على الصحيح المشهور ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ويشهد له ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبـي هريرة مرفوعاً «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». عاش مائة وعشرين سنة وفيه ست لغات تثليث السين مع الياء والهمز والصواب أنه أعجمي لا اشتقاق له. {وَمُوسَىٰ } وهو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوي بن يعقوب ولاخلاف في نسبه وهو اسم سرياني. وأخرج أبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما سمي موسى لأنه ألقي بين شجر وماء فالماء بالقبطية مو والشجر شا، وفي الصحيح وصفه بأنه آدم طوال جعد كأنه من رجال شنوءة وعاش ـ كما قال الثعلبـي ـ مائة وعشرين سنة {وَهَـٰرُونَ } أخوه شقيقه، وقيل: لأمه، وقيل: لأبيه فقط حكاهما الكرماني في «عجائبه» مات قبل موسى عليهما السلام وكان ولد قبله بسنة وفي بعض أحاديث الإسراء " حديث : صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته أبيض ونصفها أسود تكاد تضرب سرته من طولها فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: المحبب في قومه هارون بن عمران "تفسير : وذكر بعضهم أن معنى هارون بالعبرانية المحبب. {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } قيل: أي نجزيهم مثل ما جزينا إبراهيم عليه السلام برفع درجاته وكثرة أولاده والنبوة فيهم. والمراد مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان بالإحسان والمكافآت بين الأعمال والأجزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه لأن اختصاص إبراهيم صلى الله عليه وسلم بكثرة النبوة في عقبه أمر مشهور. واختار بعض المحققين كون التشبيه على حد ما تقدم في قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] ونظائره، وأل في {ٱلْمُحْسِنِينَ } للعهد. والإظهار في موضع الإضمار للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارة عن الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المقارن لحسنها الذاتي، وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله: « حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » تفسير : والجملة اعتراض مقرر لما قبلها.

ابن عاشور

تفسير : جملة {ووهبنا} عطف على جملة {أية : آتيناها}تفسير : [الأنعام: 83] لأنّ مضمونها تكرمة وتفضيل. وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل المقصود منها إبطال الشرك وإقامةُ الحجج على فساده وعلى أنّ الصالحين كلّهم كانوا على خلافه. والوَهْب والهِبة: إعطاء شيء بلا عوض، وهو هنا مجاز في التّفضّل والتّيسير. ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنّه وُلد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوّج في حياته فكان قرّة عين لإبراهيم. وقد مضت ترجمة إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ عند قوله تعالى: {أية : وإذْ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات}تفسير : [البقرة: 124]. وترجمةُ إسحاق، ويعقوب، عند قوله تعالى: {أية : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب}تفسير : [البقرة: 132] وقوله: {أية : وإله آبائك إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق}تفسير : [البقرة: 133] كلّ ذلك في سورة البقرة. وقوله: {كلاّ هدينا} اعتراض، أي كلّ هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التّنوين في «كلّ» تنوينَ عوض عن المضاف إليه كما هو المختار. وفائدة ذكر هديهما التّنويه بإسحاق ويعقوب، وأنّهما نبيئان نالا هدى الله كهَدْيه إبراهيم، وفيه أيضاً إبطال للشرك، ودمغ، لقريش ومشركي العرب، وتسفيه لهم بإثبات أنّ الصالحين المشهورين كانوا على ضدّ معتقدهم كما سيصرّح به في قوله: {أية : ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}تفسير : [الأعراف: 88]. وجملة: {ونوحاً هدينا من قبل} عطف على الاعتراض، أي وهدينا نوحاً من قبلهم. وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى، وإشارة إلى أنّ الهدى هو الأصل، ومن أعظم الهدى التّوحيد كما علمت. وانتصب {نوحاً} على أنّه مفعول مقدّم على {هدينا} للاهتمام، و{من قبل} حال من {نوحا}. وفائدة ذكر هذا الحال التّنبيه على أنّ الهداية متأصّلة في أصول إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وبُني {قبل} على الضمّ، على ما هو المعروف في (قبلُ) وأخواتتِ غيرٍ من حذف ما يضاف إليه قبلُ وينوى معناه دون لفظه. وتقدمت ترجمة نوح عند قوله تعالى: {أية : إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً}تفسير : في سورة آل عمران (33). وقوله: {من ذرّيته} حال من داوود، و{داود} مفعول (هدينا) محذوفاً. وفائدة هذا الحال التّنويه بهؤلاء المعدودين بشرف أصلهم وبأصل فضلهم، والتّنويه بإبراهيم أو بنوح بفضائل ذرّيّته. والضمير المضاف إليه عائد إلى نوح لا إلى إبراهيم لأنّ نوحاً أقرب مذكور، ولأنّ لوطاً من ذرّية نوح، وليس من ذرية إبراهيم حسبما جاء في كتاب التّوراة. ويجوز أن يكون لوط عومل معاملة ذرّيّة إبراهيم لشدّة اتّصاله به. كما يجوز أن يجعل ذكر اسمه بعد انتهاء أسماء من هم من ذرّيّة إبراهيم منصوباً على المدح بتقدير فعللٍ لا على العَطف. وداود تقدّم شيء من ترجمته عند قوله تعالى: {أية : وقَتل داودُ جالوتَ}تفسير : في سورة البقرة (251). ونكمّلها هنا بأنّه داود بن يِسيِّ من سبط يهوذا من بني إسرائيل. ولد بقرية بيت لحم سنة 1085 قبل المسيح، وتوفّي في أورشليم سنة 1015. وكان في شبابه راعياً لغنم أبيه. وله معرفة النغَم والعزف والرمي بالمقلاع. فأوحى الله إلى (شمويل) نبيء بني إسرائيل أنْ يبارك داودَ بن يسيّ، ويمسحه بالزيت المقدّس ليكون ملكاً على بني إسرائيل، على حسب تقاليد بني إسرائيل إنباء بأنّه سيصير ملكاً على إسرائيل بعد موت (شاول) الذي غضب الله عليه. فلمّا مسحه (شمويل) في قرية بيت لحم دُون أن يعلم أحد خطر لشاول، وكان مريضاً، أن يتّخذ من يضرب له بالعود عندما يعتاده المرض، فصادف أن اختاروا له داود فألحقه بأهل مجلسه ليسمع أنغامه. ولما حارب جنُدُ (شاول) الكنعانيين كما تقدّم في سورة البقرة، كان النصر للإسرائيليين بسبب داود إذ رمى البطل الفلسطيني (جالوت) بمقلاعه بين عينيه فصرعه وقطع رأسه، فلذلك صاهره (شاولُ) بابنته (ميكال)، ثم أن (شاول) تغيّر على داود، فخرج داود إلى بلاد الفلسطينيين وجمع جماعة تحت قيادته، ولما قُتل (شاول) سنة 1055 بايعت طائفة من الجند الإسرائيلي في فلسطين داودَ ملكاً عليهم. وجعل مقرّ ملكه (حَبْرُون)، وبعد سبع سنين قُتل ملك إسرائيل الذي خلف شاولَ فبايعت الإسرائيليون كلّهم داود ملكاً عليهم، ورجع إلى أورشليم، وآتاه الله النّبوءة وأمره بكتابة الزبور المسمّى عند اليهود بالمزامير. وسليمان تقدّمت ترجمته عند قوله تعالى:{أية : واتّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان}تفسير : في سورة البقرة (102). وأيّوب نبيء أثبت القرآنُ نبوءته. وله قصّة مفصّلة في الكتاب المعروف بكتاب أيّوب، من جملة كتب اليهود. ويظُنّ بعض المؤرّخين أنّ أيّوب من ذرّيّة (ناحور) أخي إبراهيم. وبعضهم ظنّ أنّه ابن حفيد عيسو بننِ إسحاق بننِ إبراهيم، وفي كتابه أنّ أيّوب كان ساكناً بأرض عُوص (وهي أرض حَوران بالشّام، وهي منازل بني عوص بن إرَم بن سام بن نوح، وهم أصول عاد) وكانت مجاورة لحدود بلاد الكلدان، وقد ورد ذكر الكلدان في كتاب أيّوب وبعض المحقّقين يظنّ أنّه من صنف عَربي وأنّه من عُوص، كما يدلّ عليه عدم التّعرض لنسبته في كتابه، والاقتصار على أنّه كان بأرض عوص (الذين هم من العرب العاربة). وزعموا أنّ كلامه المسطور في كتابه كان بلغة عربيّة، وأنّ موسى عليه السلام نقله إلى العبرانيّة. وبعضهم يظنّ أنّ الكلام المنسوب إليه كان شِعراً ترجمه موسى في كتابه وأنّه أوّل شعر عرف باللّغة العربيّة الأصليّة. وبعضهم يقول: هو أوّل شعر عرفه التّاريخ، ذلك لأنّ كلامه وكلام أصحابه الثّلاثة الّذين عَزّوه على مصائبه جَارٍ على طريقة شعريّة لا محالة. ويوسف هو ابن يعقوب ويأتي تفصيل ترجمته في سورة يوسف. وموسى وهارون وزكرياء تقدّمت تراجمهم في سورة البقرة. وترجمة عيسى تقدّمت في سورة البقرة وفي سورة آل عمران. ويحيى تقدّمت ترجمته في آل عمران. وقوله: {وكذلك نجزي المحسنين} اعتراض بين المتعاطفات، والواو للحال، أي وكذلك الوهْب الّذي وهبنا لإبراهيم والهدي الّذي هدينا ذرّيّته نجزي المحسنين مثله، أو وكذلك الهدي الّذي هدينا ذرّيّة نوح نجزي المحسنين مثل نوح، فعلم أنّ نوحاً أو إبراهيم من المحسنين بطريق الكناية، فأمّا إحسان نوح فيكون مستفاداً من هذا الاعتراض، وأمّا إحسان إبراهيم فهو مستفاد ممّا أخبر الله به عنه من دعوته قومه وبذله كلّ الوسع لإقلاعهم عن ضلالهم. ويجوز أن تكون الإشارة هنا إلى الهدي المأخوذ من قوله: {هدينا} الأول والثّاني، أي وكذلك الهدي العظيم نجزي المحسنين، أي بمثله، فيكون المراد بالمحسنين أولئك المهديّين من ذرّيّة نوح أو من ذرّيّة إبراهيم. فالمعنى أنّهم أحسنوا فكان جزاء إحسانهم أن جعلناهم أنبياء. وأمّا إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليّين باسم إيليا، ويسمّى في بلاد العرب باسم إلياس أو (مَار إلياس) وهو إلياس التشبي. وذكر المفسّرون أنّه إلياس بن فنحاص بن إلعاز، أو ابن هارون أخي موسى فيكون من سبط لاوي. كان موجوداً في زمن الملك (آخاب) ملك إسرائيل في حدود سنة ثمان عشرة وتسعمائة قبل المسيح. وهو إسرائيلي من سكان (جِلْعاد) ـــ بكسر الجيم وسكون اللاّم ـــ صقع جبلي في شرق الأرْدُن ومنه بَعْلبك. وكان إلياس من سبط روبين أو من سبط جَاد. وهذان السّبطان هما سكّان صقع جِلْعاد، ويقال لإلياس في كتب اليهود التشبي، وقد أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل لمّا عبدوا الأوثان في زمن الملك (آخاب) وعبدوا (بَعْل) صنم الكنعانيّين. وقد وعظهم إلياس وله أخبار معهم. أمره الله أن يجعل اليسع خليفة له في النّبوءة، ثمّ رفع الله إلياس في عاصفة إلى السّماء فلم يُر له أثر بعدُ، وخلفه اليسع في النّبوءة في زمن الملك (تهورام) بن (آخاب) ملك إسرائيل. وقوله: {كلّ من الصّالحين} اعتراض. والتّنوين في كلّ عوض عن المضاف إليه، أي كلّ هؤلاء المعدودين وهو يشمل جميع المذكورين إسحَاقَ ومن بعده. وأمّا إسماعيل فقد تقدّمت ترجمته في سورة البقرة. واليسع اسمه بالعبرانيّة إليشع ـــ بهمزة قطع مكسورة ولام بعدها تحتيّة ثمّ شين معجمة وعين ـــ وتعريبه في العربيّة اليسع ـــ بهزة وصل ولام ساكنة في أوّله بعدها تحتيّة مفتوحة ـــ في قراءة الجمهور. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف «اللَّيْسَع» ـــ بهمزة وصل وفتح اللاّم مشدّدة بعدها تحتيّة ساكنة ـــ بوزن ضَيْغَم، فهما لغتان فيه. وهو ابن (شافاط) من أهل (آبل محولة). كان فلاّحاً فاصطفاه الله للنّبوءة على يد الرّسول إلياس في مدّة (آخاب) وصحب إلياسَ. ولمّا رفع إلياس لازم سيرة إلياس وظهرت له معجزات لبني إسرائيل في (أريحا) وغيرها. وتوفّي في مدّة الملك (يُوءَاش) ملك إسرائيل وكانت وفاته سنة أربعين وثمانمائة840 قبل المسيح ودفن بالسّامرة. والألف واللاّم في اليسع من أصل الكلمة، ولكن الهمزة عوملت معاملة همزة الوصل للتّخفيف فأشبه الاسم الّذي تدخل عليه اللاّم الّتي للمْححِ الأصللِ مثل العبّاس، وما هي منها. وأمّا يونس فهو ابن متَّى، واسمه في العبرانيّة (يونان بن أمِتَّاي)، وهو من سبط (زَبولُون). ويجوز في نونه في العربيّة الضمّ والفتح والكسر. ولد في بلدة (غاث ايفر) من فلسطين، أرسله الله إلى أهْل (نَيْنوَى) من بلاد أشور. وكان أهلها يومئذٍ خليطاً من الأشوريين واليهود الّذين في أسر الأشوريّين، ولمّا دعاهم إلى الإيمان فأبوا توعّدهم بعذاب فتأخّر العذاب فخرج مغاضِباً وذهب إلى (يافا) فركب سفينة للفنيقيّين لتذهب به إلى ترشيش (مدينة غربي فلسطين إلى غربي صور وهي على البحر ولعلّها من مراسي الوجه البحري من مصر أو من مراسي برقة لأنّه وصف في كتب اليهود أنّ سليمان كان يجلب إليه الذهب والفضّة والقرود والطواويس من ترشيش، فتعيّن أن تكون لترشيش تجارة مع الحبشة أو السّودان، ومنها تصدر هذه المحصولات. وقيل هي طرطوشة من مراسي الأندلس. وقيل (قرطاجنّة) مرسى إفريقيّة قرب تونس. وقد قيل في تواريخنا أنّ تونس كان اسمها قبل الفتح الإسلامي ترشيش. وهذا قريب لأنّ تجارتها مع السّودان قد تكون أقرب) فهال البحر على السّفينة وثقلت وخيف غرقها، فاقترعوا فكان يونس ممّن خاب في القرعة فرُمي في البحر والتقمه حوت عظيم فنادى في جوفه: {أية : لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين}تفسير : [الأنبياء: 87]، فاستجاب الله له، وقذفه الحوت على الشاطىء. وأرسله الله ثانياً إلى أهل نينوى وآمنوا وكانوا يزيدون على مائة ألف. وكانت مدّته في أوّل القرن الثامن قبل الميلاد. ولم نقف على ضبط وفاته. وذكر ابن العربي في «الأحكام» في سورة الصافات أنّ قبره بقرية جلجون بين القدس وبلد الخليل، وأنّه وقف عليه في رحلته. وستأتي أخبار يونس في سورة يونس وسورة الأنبياء وسورة الصافات. وأمّا لوط فهو ابن هَارَان بن تارح، فهو ابن أخي إبراهيم. ولد في (أور الكلدانيين). ومات أبوه قبل تارح، فاتّخذ تارحُ لوطاً في كفالته. ولمّا مات تارح كان لوط مع إبراهيم ساكنيْن في أرض حاران (حوران) بعد أن خرج تارحُ أبُو إبراهيم من أور الكلدانيّين قاصدين أرض كنعان. وهاجر إبراهيم مع لوط إلى مصر لقحط أصاب بلاد كنعان، ثمّ رجعا إلى بلاد كنعان، وافترق إبراهيم ولوط بسبب خصام وقع بين رُعاتهما، فارتحل لوط إلى (سَدُوم)، وهي من شَرق الأرْدُن إلى أن أوحي إليه بالخروج منها حين قدّر الله خسفها عقاباً لأهلها فخرج إلى (صوغر) مع ابنته ونسله هناك، وهم (المؤابيون) و(بنو عمون). وقوله: {وكلاّ فضّلنا على العالمين} جملة معترضة، والواو اعتراضيّة، والتّنوين عوض عن المضاف إليه، أي كلّ أولئك المذكورين من إسحاق إلى هنا. و(كلّ) يقتضي استغراق ما أضيف إليه. وحكم الاستغراق أن يثبت الحكم لكلّ فرد فرد لا للمجموع. والمراد تفضيل كلّ واحد منهم على العالمين من أهل عصره عدا من كان أفضلَ منه أو مساوياً له، فاللاّم في {العالمين} للاستغراق العرفي، فقد كان لوط في عصر إبراهيم وإبراهيم أفضلُ منه. وكان من غيرهما من كانوا في عصر واحد ولا يعرف فضل أحدهم على الآخر. وقال عبد الجبّار: يمكن أن يقال: المراد وكلّ من الأنبياء يُفضّلون على كلّ مَن سواهم من العالمين. ثمّ الكلام بعد ذلك في أنّ أي الأنبياء أفضل من الآخر كلام في غرض آخر لا تعلّق له بالأوّل اهــ. ولا يستقيم لأنّ مقتضى حكم الاستغراق الحكم على كلّ فردٍ فردٍ. وتتعلّق بهذه الآية مسألة مهمّة من مسائِل أصول الدّين. وهي ثبوت نبوءة الّذين جرى ذكر أسمائهم فيها، وما يترتّب على ثبوت ذلك من أحكام في الإيمان وحقّ النّبوءة. وقد أعرض عن ذكرها المفسّرون وكان ينبغي التّعرّض لها لأنَّها تتفرّع إلى مسائل تهمّ طالب العلوم الإسلاميّة مَعرفتُها، وأحقّ مظِنّة بذكرها هو هذه الآية وما هو بمعنى بعضها. فأمّا ثبوت نبوءة الّذين ذُكرت أسماؤهم فيها فلأنّ الله تعالى قال بعد أن عدّ أسماءهم {أولئك الّذين آتيناهم الكِتاب والحُكم والنّبوة}. فثبوت النّبوءة لهم أمر متقرّر لأنّ اسم إشارة {أولئك} قريب من النصّ في عوده إلى جميع المسمَّيْنَ قبله مع ما يعضّده ويكمّله من النصّ بنبوءة بعضهم في آيات تماثِل هذه الآية، مثل آية سورة النّساء (163) {أية : إنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح }تفسير : الآيات، ومثل الآيات من سورة مريم (41) {أية : واذكر في الكتاب إبراهيم} تفسير : الآيات. وللنّبوءة أحكام كثيرة تتعلّق بموصوفها وبمعاملة المسلمين لمن يتّصف بها. منها معنى النّبيء والرّسوللِ، ومعنى المعجزة الّتي هي دليلُ تحقّق النّبوءة أو الرّسالة لمن أتى بها، وما يترتّب على ذلك من وجوب الإيمان بما يبلّغه عن الله تعالى من شرع وآداب، ومَسائلُ كثيرة من ذلك مبسوطة في علم الكلام فليرجع إليها. إنّما الّذي يهمّنا من ذلك في هذا التّفسير هو ما أومأ به قوله تعالى في آخرها {أية : فإنْ يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}تفسير : [الأنعام: 89]. فمن علم هذه الآيات في هذه السّورة وكان عالماً بمعناها وجب عليه الإيمان بنبوءة من جَرت أسماؤهم فيها. وقد ذكر علماؤنا أنّ الإيمان بأنّ الله أرْسَلَ رسلاً وَنَبَّأ أنبياء لإرشاد النّاس واجب على الجملة، أيْ إيماناً بإرسال أفرادٍ غير معيّنين، أو بنبوءة أفراد غير معيّنين دون تعيين شخص معيَّن باسمه ولا غير ذلك ممّا يميّزه عن غيره إلاّ محمّداً صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد في «الرسالة» «الباعثثِ (صفة لله تعالى) الرسلِ إليهم لإقامة الحجّة عليهم». فإرسال الرسل جائز في حقّ الله غير واجب، وهو واقع على الإجمال دون تعيين شخص معيّن. وقد ذكر صاحب «المقاصد» أنّ إرسال الرّسل محتاج إليه، وهو لطف من الله بخلقه وليس واجباً عليه. وقالت المعتزلة وجمع من المتكلمين (أي من أهل السنّة) ممّا وراء النّهر بوجوب إرسال الرّسل عليه تعالى. ولم يذكر أحد من أيمّتنا وجوب الإيمان بنبيء معيّن غير محمدّ صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الخلق كافّة. قال أبو محمّد بن أبي زيد: «ثُمّ ختَم ـــ أي اللّهُ ـــ الرّسالةَ والنِّذارةَ والنّبوءةَ بمحمّد نبيئه صلى الله عليه وسلم إلخ»، لأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الّذي رواه عمر بن الخطّاب من سؤال جبريلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: «حديث : أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله»تفسير : إلخ. فلم يعيّن رسلاً مخصوصين. وقال في جواب سؤاله عن الإسلام «حديث : الإسلام أن تشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله»تفسير : . فمن علم هذه الآيات وفهم معناها وجب عليه الاعتقاد بنبوءة المذكورين فيها. ولعلّ كثيراً لا يقرأونها وكثيراً ممّن يقرأونها لا يفهمون مدلولاتها حقّ الفهم فلا يطالبون بتطلّب فهمها واعتقاد ما دلّت عليه إذ ليس ذلك من أصول الإيمان والإسلام ولكنّه من التّفقّه في الدّين. قال القاضي عياض في فصللٍ (سابعٍ) من فصول الباب الثّالث من القسم الرّابع من كتاب «الشّفاء» «وهذا كلّه (أي ما ذكره من إلزام الكفر أو الجُرم الموجببِ للعقوبة لمن جاء في حقّهم بما ينافي ما يجب لهم) فيمن تكلّم فيهم (أي الأنبياء أو الملائكة) بما قلناه على جملة الملائكة والنّبيئين (أي على مجموعهم لا على جميعهم ـــ قاله الخفاجي ـــ يريد بالجميع كلّ فرد فرد) مِمّن حقّقنا كونَه منهم ممّن نصّ الله عليه في كتابه أو حقّقنا عِلمه بالخبر المتواتر والإجماع القاطع والخبرِ المشتهر المتّفق عليه (الواو في هذا التّقسيم بمعنى أو). فأمّا من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقَع الإجماع على كونه من الأنبياء كالخِضِر، ولقمانَ، وذي القرنين، ومريم، وآسية (امرأة فرعون) وخالدٍ بن سنان المذكورِ أنّه نبيء أهل الرسّ، فليس الحكم في سابّهم والكافر بهم كالحكم فيما قدّمناه» اهــ. فإذا علمت هذا علمت أنّ ما وقع في أبيات ثلاثةٍ نظمها البعض، (ذكرها الشّيخ إبراهيم البيجوري في مبحث الإيمان من شرحه على «جوهرة التَّوحيد»: شعر : حَتم على كلّ ذي التكليف معرفة بأنبياءٍ على التفصيل قد علموا في «تلك حُجّتنا» منهم ثمانية من بعد عَشر ويبقَى سبعة وهمُ إدريس. هود. شعيب، صالح وكذا ذو الكِفّل، آدم، بالمختار قد ختموا تفسير : لا يستقيم إلاّ بتكلّف، لأنّ كون معرفة ذلك حتماً يقتضي ظاهره الاصطلاحيّ أنّه واجب، وهذا لا قائل به فإنْ أراد بالحتم الأمرَ الّذي لا ينبغي إهماله كان مُتأكّداً لقوله: على كلّ ذي التّكليف. فلو عوّضه بكلّ ذي التّعليم. ولعلّه أراد بالحتم أنّه يتحتّم على من علم ذلك عدمُ إنكار كوننِ هؤلاء أنبياءَ بالتّعيين، ولكن شاء بين وجوب معرفة شيء وبين منع إنكاره بعد أن يُعرف. فأمّا رسالة هود وصالح وشعيب فقد تكرّر ذكرها في آيات كثيرة. وأمّا معرفة نبوءة ذي الكفل ففيها نظر إذ لم يصرّح في سورة الأنبياء بأكثر من كونه من الصّابرين والصّالحين. واختلف المفسّرون في عدّه من الأنبياء، ونسب إلى الجمهور القول بأنّه نبيء. وعن أبي موسى الأشعري ومجاهد: أنّ ذا الكفل لم يكن نبيئاً. وسيأتي ذكر ذلك في سورة الأنبياء. وأمّا آدم فإنّه نبيء منذ كونه في الجنّة فقد كلّمه الله غيرَ مرّة. وقال {أية : ثمّ اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى}تفسير : [طه: 122] فهو قد أهبط إلى الأرض مشرّفاً بصفة النّبوءة. وقصّة ابني آدم في سورة المائدة دالّة على أنّ آدم بلّغ لأبنائه شَرعاً لقوله تعالى فيها {أية : إذ قرّبا قرباناً فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنّما يتقبّل الله من المتّقين لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النّار وذلك جزاء الظّالمين}تفسير : [المائدة: 27 - 29]. فالّذي نعتمده أنّ الّذي ينكر نبوءة معيَّن ممّن سمّي في القرآن في عداد الأنبياء في سورة النّساء وسورة هود وسورة الأنعام وسورة مريم، وكان المنكر محقّقاً علمُه بالآية الّتي وصف فيها بأنّه نبيء ووقف على دليل صحّة ما أنكره وروجع فصمّم على إنكاره، إنّ ذلك الإنكار يكون كفراً لأنّه أنكر معلوماً بالضّرورة بعد التّنبيه عليه لئلاّ يعتذر بجهللٍ أو تأويللٍ مقبول. واعلَمْ أنّي تطلّبت كشف القناع عن وجه الاقتصار على تسمية هؤلاء الأنبياء من بين سائر الأنبياء من ذرّيّة إبراهيم أو ذرّيّة نوح، (على الوجهين في معاد ضمير {ذرّيّته}). فلم يتّضح لي وتطلّبت وجه ترتيب أسمائهم هذا التّرتيبَ، وموالاة بعض هذه الأسماء لبعض في العطف فلم يَبْدُ لي، وغالب ظنّي أنّ من هذه الوجوه كون هؤلاء معروفون لأهل الكتاب وللمشركين الّذين يقتبسون معرفة الأنبياء من أهل الكتاب، وأنّ المناسبة في ترتيبهم لا تخلو من أن تكون ناشئة عن الابتداء بذكر أنّ إسحاق ويعقوب موهبة لإبراهيم وهما أب وابنه، فنشأ الانتقال من واحد إلى آخر بمناسبة للانتقال، وأنّ توزيع أسمائهم على فواصل ثلاث لا يخلو عن مناسبة تجمع بين أصحاب تلك الأسماء في الفاصلة الشّاملة لأسمائهم. ويجوز أنّ خفّة أسماء هؤلاء في تعريبها إلى العربيّة حُروفاً ووزناً لها أثر في إيثارها بالذّكر دون غيرها من الأسماء نحو (شَمعون وشمويل وحزقيال ونحميا)، وأنّ المعدودين في هذه الآيات الثّلاث توزّعوا الفضائل إذ منهم الرّسل والأنبياء والملوك وأهل الأخلاق الجليلة العزيزة من الصّبر وجهاد النّفس والجهاد في سبيل الله والمصابرة لتبليغ التّوحيد والشّريعة ومكارم الأخلاق، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى في آخر الآيات {أية : أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوة}تفسير : [الأنعام: 89] ومن بينهم أصلاً الأمّتين العربيّة والإسرائيليّة. فلمّا ذكر إسحاق ويعقوب أردف ذكرُهما بذكر نبيئيْن من ذرّيّة إسحاق ويعقوب، وهما أب وابنه من الأنبياء هما داوود وسليمان مبتدءاً بهما على بقيّة ذرّيّة إسحاق ويعقوب، لأنّهما نالا مَجْدَين عظيمين مجدِ الآخرة بِالنّبوءة ومجد الدنيا بالملك. ثمّ أردف بذكر نبيئين تماثلاً في أنّ الضرّ أصاب كليهما وأنّ انفراج الكرب عنهما بصبرهما. وهما أيّوب ويوسف. ثمّ بذكر رسولين أخوين هما موسى وهارون، وقد أصاب موسى مثلُ ما أصاب يوسفَ من الكيد له لقتله ومن نجاته من ذلك وكفالته في بيت المُلك، فهؤلاء الستّة شملتهم الفاصلة الأولى المنتهية بقوله تعالى: {وكذلك نجزي المحسنين}. ثمّ بذكر نبيئين أب وابنه وهما زكرياء ويحيى. فناسبَ أن يذكر بعدهما رسولان لا ذرّيّة لهما، وهما عيسى وإلياس، وهما متماثلان في أنّهما رفعا إلى السّماء. فأمّا عيسى فرفْعه مذكور في القرآن، وأمّا إلياس فرفعه مذكور في كتب الإسرائليين ولم يذكره المفسّرون من السلف. وقد قيل: إنّ إلياس هو إدريس وعليه فرفعه مذكور في قوله تعالى: {أية : واذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً}تفسير : في سورة مريم (56، 57). وابتدىء بعيسى عطفاً على يحيى لأنّهما قريبان ابنا خالة، ولأنّ عيسى رسول وإلياس نبيء غير رسول. وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّانية المنتهية بقوله تعالى: {كلّ من الصّالحين}. وعُطف اليسع لأنّه خليفة إلياس وتلميذه، وأدمج بينه وبين إلياس إسماعيل تنهية بذكر النّبيء الّذي إليه ينتهي نسب العرب من ذرّيّة إبراهيم. وخُتموا بيونس ولوط لأنّ كلاً منهما أرسل إلى أمّة صغيرة. وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّالثة المنتهية بقوله: {وكلاً فضّلنا على العالمين}. وقوله: {ومن آبائهم} عطف على قوله: {كُلاً}. فالتَّقدير: وهدينا من آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم. وجعل صاحب «الكشاف» (مِن) اسما بمعنى بعض، أي وهدينا بعض آبائهم على طريقته في قوله تعالى: {أية : من الَّذين هادوا يحرّفون}تفسير : [النساء: 46]. وقدّر ابنُ عطيّة ومن تبعه المعطوف محذوفاً تقديره: ومن آبائهم جمعاً كثيراً أو مهديين كثيرين، فتكون (مِن) تبعيضية متعلّقة بــ {هدينا}. والذرّيَّات جمع ذرّيَّة، وهي مَن تناسل من الآدمي من أبناء أدْنَيْن وأبنائهم فيشمل أولاد البنين وأولاد البنات. ووجه جمعه إرادة أنّ الهدى تعلّق بذرّيّة كلّ من له ذرّيّة من المذكورين للتنبيه على أنّ في هدي بعض الذرّية كرامة للجدّ، فكلّ واحد من هؤلاء مراد وقوعُ الهدي في ذرّيَّته. وإنْ كانت ذرّياتهم راجعين إلى جدّ واحد وهو نوح ـــ عليه السّلام ـــ. ثمّ إن كان المراد بالهدى المقدّر الهُدَى المماثل للهُدى المصرّح به، وهو هُدى النّبوءة، فالآباء يشمل مثل آدم وإدريس ـــ عليهم السلام ـــ فإنّهم آباء نوح. والذّرّات يشمل أنبياء بني إسرائيل مثل يوشّع ودانيال. فهم من ذرّيّة نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، والأنبياءَ من أبناء إسماعيل ـــ عليه السّلام ـــ مثل حنظلة بن صَفوان وخالدٍ بن سنان، وهوداً، وصالحاً، من ذرّيّة نوح، وشعيباً، من ذرّيّة إبراهيم. والإخوانُ يشمل بقيّة الأسباط أخوة يوسف. وإن كان المراد من الهدى ما هو أعمّ من النّبوءة شمل الصالحين من الآباء مثل هابيل ابن آدم. وشمل الذّريّاتُ جميع صالحي الأمم مثل أهل الكهف، قال تعالى: {أية : وزدناهم هدى}تفسير : [الكهف: 13]، ومثل طالوتَ ملكَ إسرائيل، ومثل مضر وربيعة فقد ورد أنّهما كانا مسلمَيْن. رواه الديلمي عن ابن عبّاس. ومثل مؤمن آل فرعون وامرأةِ فرعون. ويَشمل. الإخوانُ هَارانَ بنَ تارح أخا إبراهيم، وهو أبو لوط، وعيسو أخا، يعقوب وغيرَ هؤلاء ممّن علمهم الله تعالى. والاجتباء الاصطفاء والاختيار، قالوا هو مشتقّ من الجَبْي، وهو الجمع، ومنه جباية الخَراج، وجَبْيُ الماء في الحَوض الّذي سمّيت منه الجابية، فالافتعال فيه للمبالغة مثل الاضطرار، ووجه الاشتقاق أنّ الجمع إنّما يكون لشيء مرغوب في تحصيله للحاجة إليه. والمعنى: أنّ الله اختارهم فجعلهم موضع هديه لأنّه أعَلُم حيث يجعل رسالته ونبوءته وهديَه. وعُطف قوله: {وهديناهم} على {اجتبيناهم} عطفاً يؤكّد إثبات هداهم اهتماماً بهذا الهَدْي، فبيّن أنّه هَدى إلى صراط مستقيم، أي إلى ما به نوال ما يَعمل أهلُ الكمال لنواله، فَضَرب الصّراط المستقيم مثلاً لذلك تشبيهاً لهيئة العامل لينال ما يطلبه من الكمال بهيئة الساعي على طريق مستقيم يوصله إلى ما سار إليه بدون تردّد ولا تحيّر ولا ضلال، وذُكر من ألفاظ المركّب الدّال على الهيئة المشبّه بها بعضُه وهو الصّراط المستقيم لدلالته على جميع الألفاظ المحذوفة للإيجاز. والصراط المستقيم هو التّوحيد والإيمان بما يجب الإيمان به من أصول الفضائل الّتي اشتركت فيها الشّرائع، والمقصود مع الثّناء عليهم التّعريض بالمشركين الّذين خالفوا معتقدهم، كما دلّ عليه قوله بعد ذلك {أية : هدى الله} تفسير : [الأنعام: 88] إلى قوله {أية : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}تفسير : [الأنعام: 88].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وهبنا له: أعطيناه تكرماً منا وإفضالا. إسحاق ويعقوب: إسحاق بن إبراهيم الخليل ويعقوب ولد إسحاق ويلقب بإسرائيل. كلا هدينا: أي كل واحد منهما هداه إلى صراطه المستقيم. ومن ذريته: أي ذرية إبراهيم. داود وسليمان: داود الوالد وسليمان الولد وكل منهما ملك ورسول. وزكريا ويحيى: زكريا الوالد ويحيى الولد وكل منهما كان نبياً رسولا. على العالمين: أي عالمي زمانهم لا على الإِطلاق، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. ومن ذرياتهم: أي من بعض الآباء والذرية والإِخوة لا الجميع. اجتبيناهم: اخترناهم للنبوة والرسالة وهديناهم إلى الإِسلام. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى ما آتى إبراهيم خليله من قوة الحجة والغلبة على أعدائه ذكر منَّة أخرى منَّ بها عليه وهي أنه وهبه إسحاق ويعقوب بعد كبر سنه، إسحاق الولد ويعقوب الحفيد وأنه تعالى هدى كلاً منهم الوالد والولد والحفيد، كما أخبر تعالى أنه هدى من قبلهم نوحاً، وهدى من ذريته أي إبراهيم، وإن كان الكل من ذرية نوح، أي هدى من ذرية إبراهيم داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وأشار تعالى إلى أنهم كانوا محسنين، فجزاهم جزاء المحسنين والإِحسان هو الإِخلاص في العمل وأداؤه على الوجه الذي يرضي الرب تبارك وتعالى مع الإِحسان العام لسائر المخلوقات بما يخالف الإِساءة إليهم في القول والعمل. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [84] وأما الآية الثانية [85] فقد ذكر تعالى أنه هدى كذلك إلى حمل رسالته والدعوة إليه والقيام بواجباته وتكاليف شرعه كلاً من زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وأخبر أن كل واحد منهم كان من الصالحين الذين يؤدون حقوق الله كاملة وحقوق عباده كذلك كاملة غير ناقصة وكانت المجموعة الأولى داود وسليمان ومن ذكر بعدهما الصفة الغالبة عليهم الإِحسان لأنه كان فيهم ملك وسلطان ودولة، والمجموعة الثانية وهي زكريا ويحيى وعيسى وإلياس الصفة الغالية عليهم الصلاح لأنهم كانوا أهل زهد في الدنيا وأعراضها، والمجموعة الثالثة والأخيرة في الآية الثالثة [86] وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط لم يغلب عليهم وصف مما وصف به المجموعتان الأولى والثانية، لأنهم وسط بين المجموعتين، فذكر تعالى أن كل واحد منهم فضله على عالمي زمانه، وكفى بذلك شرفاً وكرماً وخيراً. وأما الآية الأخيرة [87] فإن الله تعالى يقول فيها، ومن آباء المذكورين من الأنبياء ومن ذرياتهم وإخوانهم هديناهم أيضاً وإن لم نذكر أسماءهم فهم كثير هديناهم إلى ما هدينا إليه آباءهم من الحقِّ والدين الخالص الذي لا شائبة شرك فيه، واجتبينا الجميع اخترناهم للنبوة والرسالة {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الدين الإِسلامي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- سعة فضل الله. 2- خير ما يعطى المرء في هذه الحياة الهداية إلى صراط مستقيم. 3- فضيلة كل من الإِحسان والصلاح. 4- لا منافاة بين الملك والنبوة أو الإِمارة والصلاح. 5- فضيلة الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.

القطان

تفسير : وهب: اعطى بغير عوض. هدينا. أرشدنا. احسن: فعَلَ ما هو حسن. اجتبينا: اصطفينا حبط علمه: بطل. بعد ان حكى الله تعالى أنَّ ابراهيم اظهر حجة الله في التوحيد، وعدد وجوه نعمه واحسانه اليه، ذكر هنا انه جعله عزيزاً في الدنيا، وابقى له هذه الكرامة الى يوم القيامة. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا}. ووهبنا لإِبراهيم إسحاق نبيّاً، ثم جعلنا من ذريته يعقوب وغيره من الأنبياء والمرسلين. وانما ذكر إسحاق هنا دون اسماعيل لأنه هو الذي وهبه الله تعالى لأبراهيم بعد كبر سنه وعقم امرأته سارة، جزاءَ ام ظهر من إيمانه في قصة ذبح ولده إسماعيل، ولم يكن له ولد سواه. {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ}. ووفقنا من قبلهم نوحاً الى مثل ما هدينا ابراهيم وذريته. وقد ذُكر نوح هنا إيماءً الى شرف نسب ابراهيم. {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}. ومن ذريّة إبراهيم تناسل هؤلاء الأنبياء المرسلون. فقد ذكر في هذه الآيات سبعة عشر نبيّاً. وستأتي الاشارة إلى آخرين من ذرياتهم وآبائهم واخوانهم.. كل هذا ليدل على فضل إبراهيم ونوح عليهما السلام، حيث جعل الله الكتاب والنبوة في نسلهما. وقد جاء في سورة الحديد، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} وهدينا من ذريته (إبراهيم) كلاً من داود وسليمان وغيرهما. فداود وسليمان وأيّوب وموسى وهارون، آتاهم الله الإمارة والملك مع النبوة والرسالة. وأيّوب كان أميراً غنياً محسنا ويوسف كان وزيراً عظيما وحاكماً متصرفا وموسى وهارون كانا حاكمَين ولم يكونا ملكين. وزكريا ويحيى وعيسى والياس، كانت لهم ميزة الزهد والاعراض عن لذات الدينا ومن ثم خصّهم بوصف الصالحين. واسماعيل وإليسع ويونس ولوط، وهؤلاء لم يكن لهم من ملك الدنيا ما كان للقسم الأول، ولا من المبالغة في الزهد ما كان للقسم الثاني. {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ...}. وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم واخوانهم واصطفيناهم، فسلكوا طريق الخير والصراط الذي لا اعوجاج فيه. {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}. إن ذلك التوفيق العظيم الذي نالته هذه النخبة الكرام لهو توفيق من عند الله يُكرم به من يشاء من عباده. {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. ولو أشرك هؤلاء النخبة المختارة، لضاعت كل اعمال الخير التي عملوها، فلم يكن عليها ثواب. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ}. اولئك الذين آتيناهم الكتُب المنزلة والعلم النافع، وشرفَ النبوة، كما آتيناهم الحُكم، والقضاء بين الناس. فإن يكفر المشركون من أهل المكة بالكتاب والحكم والنبوة، فقد وفقنا للإيمان بها وتولِّي نصر الداعي اليها قوماً كراماً لن يكفروا، وهؤلاء هم مسلمو مكة، ثم الانصار في المدينة، ومن أسلم بعد الهجرة. وحُكْمُ هذه الآية مستمر وباق الى الابد ما دامت السماوات والارض. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}. أولئك الانبياء الثمانية عشر الذين ذكرت اسماؤهم في الآيات السالفة، هم الذين وفقهم الله وهداهم، فاتّبعهم أيها النبي أنت ومن معك واقتدِ بهم. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ}. قل ايها الرسول لقومك، كما قال الانبياء لأقوامهم: إنني لا أسألكم على هذا القرآن أجراً من مال أو منصب، وما هو الا تذكير للعالمين، كل غايتي من تبليغه ان ينتفع به البشر جميعا ويهتدوا بهديه. قراءات: قرأ ابن ذكوان، وحمزة والكسائي وخلف ويحيى، "رأى" بكسر الراء وامالة الهمزة. وقرأ ابو عمرو بفتح الراء وامالة الهمزة والباقون "رأى" بفتح الراء والهمزة. وقرأ اهل المدينة وابن ذكوان "اتحاجوني" بتخفيف النون والباقون "اتحاجوني" بتشديدها. وقرأ الكسائي "وقد هداني" بالامالة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف "اللَّيْسع" بتشديد اللام وفتحها وسكون الياء. والباقون "إلْيَسع" بسكون اللام وفتح الياء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب، بحذف الهاء في "اقتده" في الوصل، واثباتها في الوقف، والباقون باثبات الهاء في الوصل والوقف.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِسْحَاقَ} {دَاوُودَ} {وَسُلَيْمَانَ} {وَهَارُونَ} (84) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ وَهَبَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ شَاخَ وَطَعَنَ فِي السِّنِّ، وَبَشَّرَتْهُ المَلاَئِكَةُ بِأنَّ ابْنَهُ إِسْحَاقَ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، فِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ هَدَى كُلاًّ مِنْ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِمَا آتَاهُمَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالحِكْمَةِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى هَدَى مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ: (أَوْ مِنْ ذُرِّيَةِ إَبْرَاهِيمَ - وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ): دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَيُوسُفَ وَأَيُّوبَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَآتَاهُمُ الحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُحْسِنِينَ فَيَهْدِيهِمْ إلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ وَالإِيمَانِ.

الثعلبي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ} لإبراهيم {إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا} وفقنا وأرشدنا {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} إبراهيم وولده {وَنُوحاً هَدَيْنَا} يعني ومن داود ونوح لأن داود لم يكن من ذرية إبراهيم وهو داود بن أيشا {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} يعني إبنه {وَأَيُّوبَ} وهو أيوب بن [أموص بن رانزخ بن] روح ابن عيصا بن إسحاق بن إبراهيم {وَيُوسُفَ} وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الذي قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"تفسير : {وَمُوسَىٰ} وهو موسى بن عمران بن (صهر بن فاعث بن لادي) بن يعقوب. وهارون وهو أخو موسى أكبر منه بسنة {وَكَذَلِكَ} أي كما جزينا إبراهيم على توحيده وثباته على دينه بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولاداً أنبياء أتقياء {نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} على إحسانهم {وَزَكَرِيَّا} وهو زكريا بن أزن بن بركيا {وَيَحْيَىٰ} وهو إبنه {وَعِيسَىٰ} وهو إبن مريم بنت عمران بن أشيم بن أمون بن حزقيا {وَإِلْيَاسَ}. واختلفوا فيه، فقال عبد اللّه بن مسعود: هو إدريس مثل يعقوب وإسرائيل. وقال غيره: هو إلياس بن بستي بن فنخاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبي اللّه (عليه السلام) وهو [النصيح] لأن اللّه تعالى نسب في هذه الآية الناس إلى نوح وجعله من ذريته ونوح هو إبن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو إدريس ومحال أن يكون جدّ أبيه منسوباً إلى أنه من ذريته و{كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} يعني الأنبياء والمؤمنين {وَإِسْمَاعِيلَ} وهو إبن إبراهيم {وَٱلْيَسَعَ} وهو اليسع بن إخطوب بن العجون {وَيُونُسَ} وهو يونس بن متى {وَلُوطاً} وهو لوط بن هارون أو ابن أخي إبراهيم (عليه السلام) {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يعني عالمي زمانهم {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} اختبرناهم واصطفيناهم {وَهَدَيْنَاهُمْ} سددناهم وأرشدناهم، {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ} يعني ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره فعبدوا معه غيره {لَحَبِطَ عَنْهُمْ} بطل عنهم وذهب عنهم {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني تلك الكتب {وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ} يعني قريشاً {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} يعني الأنصار وأهل المدينة. وقال قتادة: يعني الأنبياء الثمانية عشر الذين قال اللّه عز وجل {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} بسنّتهم وسيرتهم اقتده الهاء فيه هاء الوقف {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} جعلا ورزقاً {إِنْ هُوَ} ما هو يعني محمد صلى الله عليه وسلم { إِلاَّ ذِكْرَىٰ} عظة {لِلْعَالَمِينَ * وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموا اللّه حق عظمته. وما وصفوا اللّه حق صفته {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}. قال سعيد بن جبير: حديث : جاء رجل من يهود الأنصار يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي: أتشرك باللّه الذي أنزل التوراة على موسى؟ ما تجد في التوراة إن اللّه يبغض الحبر السمين وكان حبراً سميناً فغضب وقال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال لأصحابه الذين معه ويحك ولا موسى؟ فقال: [واللّه] ما أنزل اللّه على بشر من شيء. فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية . تفسير : وقال السدي: إنها نزلت في فحاص بن عازورا، وهو قائل بهذه المقالة. محمد بن كعب القرضي: حديث : جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب وقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى (عليه السلام) ألواحاً يحملها من عند اللّه؟ فأنزل اللّه عز وجل {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} الآية [النساء: 153]. فجاء رجل من اليهود فقال: ما أنزل اللّه عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً. فأنزل اللّه هذه الآية . تفسير : وقال ابن عباس: حديث : قالت اليهود: يا محمد أنزل اللّه عليك كتاباً؟ قال: نعم. قالوا: واللّه ما أنزل اللّه من السماء كتاباً فأنزل اللّه {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] . تفسير : معلى بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت في الكفار أنكروا قدرة اللّه تعالى عليهم فمن أقرّ أن اللّه على كل شيء قدير فقد قدر اللّه حق قدره. ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر اللّه حق قدره. وقال مجاهد: نزلت في بشر من قريش. قالوا: ما أنزل اللّه على بشر من شيء. وقوله {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ} إلى قوله {وَتُخْفُونَ كَثِيراً} قال: هم اليهود. وقوله {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قال هذه المسلمين وهكذا. روى أيوب عنه إنه قرأ {وَعُلِّمْتُمْ} معشر العرب {مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} وقوله {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} أي دفاتر كتبنا جمع قرطاس أي تفرقونها وتكتبونها في دفاتر مقطعة حتى لا تكون مجموعة لتخفوا منها ما شئتم ولا يشعر بها العوام، تبدونها وتخفون كثيراً من ذكر محمد وآية الرجم ونحوها مما كتبوها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء: يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً كلها بالياء على الإخبار عنهم. وقرأها الباقون: بالتاء على الخطاب، ودليلهم قوله تعالى ممّا قبله من الخطاب. قل من أنزل الكتاب. وقرأ بعده {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} فإن أجابوك وقالوا: الله، وإلاّ فـ {قُلِ ٱللَّهُ} فعل ذلك {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} حال وليس بجواب تقديره ذرهم في خوضهم لاعبين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إننا نعرف أن إسحاق هو الابن الثاني لسيدنا إبراهيم بعد إسماعيل، ويعقوب ابن إسحاق، وساعة ترى الهِبَة افهم أنها ليست هي الحق، فالهبة شيء، و "الحق" شيء آخر. الهبة. إعطاء معطٍ لمن لا يستحق؛ لأنك حين تعطي إنساناً ما يستحقه فليس ذلك هبة بل حقاً. والحق سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن تعتقدوا أن أحداً من خلقي له حتى عندي إلا ما أجعله أنا حقاً له، ولكن كل شيء هِبة مني. والقمة الأولى في الهبات والعطايا هي قمة السيادة الأولى في الكون للإنسان، ثم التكاثر من نوعية الذكر والأنثى، حيث الذرَّية من البنين والبنات. يقول سبحانه: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} تفسير : [الشورى: 49]. فهبة الأولاد لا تأتي من مجرد أنه خلق الرجل والمرأة، وأنّ اللقاء بينهما يوجد الأولاد بل يقول سبحانه: {أية : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 50]. فلو أن المسألة مجرد إجراء ميكانيكي لجاء الأولاد، لكن الأمر ليس كذلك؛ فمن يفهم في الملكوت تطمئن نفسه أن ذلك حاصل عن حكمة حكيم يعرف أنها هبة من الله، حتى العقم هو هبة أيضاً؛ فالذي يستقبله من الله على أنه هبة ويرضاه، ولم ينظر إلى أبناء الغير بحقد أو بحسد سيجعل الله كل من تراه أبناء لك بدون تعب في حمل أو ولادة، وبدون عناية ورعاية منك طول عمرك. ومن يرض بهبة الله من الإناث سيجد أنهن رزق من الله ويبعث له من الذكور من يتزوج الإناث ويكونون أطوع له من أبنائه؛ لأنه رضي. إذن لا بد أن تأخذ الهبة في العطاء، والهبة في المنع. والحق يوضح: أنا وهبت لإبراهيم إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، والإنسان منا يعرف أن الإنسان بواقع أقضية الكون ميّت لا محالة، وحين يكبر الإنسان يرغب في ولد يصل اسمه في الحياة وكأنه ضمن ذلك، فإن جاء حفيد يكون الجد قد ضمن نفسه جيلاً آخر. ولكن لنعرف قول الحق: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} تفسير : [الكهف: 46]. وبقاء الذِّكْرِ في الدنيا لا لزوم له إن كان الله يحط من قدر الإنسان في الآخرة!! ونلحظ أن الحق قال في موقع آخر: {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 5-6]. وامتن الله على إبراهيم لا بإسحاق فقط بل بيعقوب أيضاً، وفوق ذلك قال: {كُلاًّ هَدَيْنَا} أي أنهما كانا من أهل الهداية. {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} أي أن الهداية لا تبدأ بإسحاق ويعقوب، بل بنوح من قبل: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}. ويتابع الحق: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ...}

الأندلسي

تفسير : {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} الآية. هذه الجملة معطوفة على قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ}، عطف جملة فعلية على إسمية. قال ابن عطية: ووهبنا، عطف على آتيناها. "انتهى". لا يصح هذا لأن آتيناها لها موضع من الإِعراب، إما خبر، وإما حال، ولا يصح في ووهبنا شىء منهما وذكر ما منّ عليه به من هبته له هذا النبي الذي تفرعت منه أنبياء بني إسرائيل. {كُلاًّ هَدَيْنَا} أي كل واحد من إسحاق ويعقوب هدينا وفي قوله: من قبل تنبيهاً على قدمه، وفي ذكره لطيفة وهو أن نوحاً عليه السلام عبدت الأصنام في زمانه وقومه أول قوم عبدوا الأصنام ووحّد هو الله تعالى، وكذلك إبراهيم عبدت الأصنام في زمانه ووحد هو الله تعالى ودعا برفضها. {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ} الضمير عائد على نوح لأنه أقرب مذكور ولأن في المذكورين لوطاً، وليس هو من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه فهو من ذرية نوح عليه السلام. {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} وقدم داود لتقدمه في الزمان، ولكونه صاحب كتاب، ولكونه أصلاً لسليمان وهو فرعه. {وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ} قرنهما لاشتراكهما في الامتحان أيوب بالبلاء في جسده ونبذ قومه له، ويوسف بالسجن وتغريبه عن أهله، وفي مآلهما إلا السلامة والعافية. وقدم أيوب لأنه أعظم في الامتحان. {وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ} قرنهما لاشتراكهما في الاخوة. وقدم موسى عليه السلام لأنه كليم الله وصاحب كتاب وهو التوراة والمعجزات التي ذكرها الله تعالى في كتابه. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي مثل ذلك الجزاء من إيتاء الحجة وهبة الأولاد الخيّرين نجزي من كان محسناً في عبادتنا مراقباً في أعماله لنا. {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ} قرن بينهم لاشتراكهم في الزهد الشديد والإِعراض عن الدنيا. وبدأ بزكريا ويحيى لسبقهما عيسى في الزمان، وقدم بزكريا لأنه والد يحيى فهو أصل ويحيى فرع. وقدم عيسى لأنه صاحب كتاب ودائرة متسعة. وتقدم ذكر أنساب هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إلا الياس، وهو الياس بن بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، وقيل: الياس هو الخضر عليه السلام. وفي ذكر عيسى عليه السلام هنا دليل على أن ابن البنت داخل في الذرية وبهذه الآية استدل على دخوله في الوقف على الذرية، وسواء أكان الضمير في ومن ذريته عائداً على نوح أو على إبراهيم فنقول الحسن والحسين ابنا فاطمة رضي الله عنهم هما من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذه الآية استدل أبو جعفر الباقر ويحيى بن يعمر على ذلك، وكان الحجاج بن يوسف طلب منهما الدليل على ذلك إذ كان هو ينكر ذلك فسكت في قصتين جرتا لهما معه. {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} لا يختص كل بهؤلاء الأربعة بل يعم جميع من سبق ذكره. {وَإِسْمَاعِيلَ} هو ابن إبراهيم من هاجر وهو أكبر ولده. وقيل: هو نبي من بني إسرائيل وكان زمان طالوت وهو المعني بقوله: {أية : ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 246]. {وَٱلْيَسَعَ} قرأ الجمهور: واليَسع، كأنّ أل دخلت على مضارع وَسِعَ يسَعَ فقيل: هو عربي دخلت أل عليه. وقرىء: والليسع على وزن فيعل كضيغم، والصحيح أنه في القراءتين أعجمي لزمته أل في القراءتين. وقال ابن مالك: ما قارنت ألْ نقله كالمسمى بالنضر أو بالنعمان أو ارتجاله كاليسع والسمَؤل فإِن الأَغلب ثبوت ألْ فيه، وهذه الأسماء لا تنصرف للعلمية والعجمة الا اليسع فإِنه منصرف يجر بالكسرة ولا ينون وإلا لوطا ونوحاً فإِنهما مصروفان لخفة البناء وسكون وسطهما وإن كانت العلتان موجودتين فيهما وهما العلمية والعجمة الشخصية. {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} فيه دلالة على أن الأنبياء أفضل من الأولياء. فالبعض من ينتمي إلى التصوف في زعمهم أن الولي أفضل من النبي كمحمد بن العربي الحاتمي صاحب كتاب الفصوص، وكتاب الفتوح المكية، وعنقا مغرب وغيرهما من كتب الضلال وفيه دلالة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة لعموم العالمين وهم الموجودون سوى الله تعالى فيندرج في العموم الملائكة. {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} المجرور في موضع نصب. قال الزمخشري: عطفاً على كلا بمعنى وفضلنا بعض آبائهم فمن للتبعيض، والمراد من آمن منهم نبياً كان أو غير نبي. {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} عطف على فضلنا أي اصطفيناهم وكرر الهداية على سبيل التوضيح والتوكيد. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الهدى السابق. وفيه دليل على أن الهدى بمشيئة الله تعالى. {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} فرض تقديري لا يقع من الأنبياء عليهم السلام كقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65]. والحبوط مترتب على مستحيل إذ الأنبياء معصومون فلا يمكن أن يقع منهم إشراك البتة. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى من سبق ذكره فذكر ما فضلوا به. و{ٱلْكِتَابَ} جنس للكتب الإِلهية كصحف إبراهيم والتوراة والإِنجيل والزبور. {وَٱلْحُكْمَ} الحكمة، أو الحكم بين الخصوم. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} الضمير في بها عائد على النبوة، أو على الكتاب والحكم والنبوة. والإِشارة بهؤلاء إلى كفار قريش وكل كافر في ذلك العصر، قاله ابن عباس. ومعنى: {وَكَّلْنَا بِهَا} أي أرصدنا للإِيمان بها. والتوكيل هنا استعارة للتوفيق للإِيمان بها والقيام بحقوقها والقوم الموكلون بها هم مؤمنوا أهل الكتاب من أهل المدينة، قاله ابن عباس. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} الإِشارة بأولئك إلى المشار إليهم بأولئك الأولى وهم الأنبياء السابق ذكرهم وأمره تعالى أن يقتديَ بهداهم. والهداية السابقة هي توحيد الله تعالى وتقديسه عن الشريك، فالمعنى فبطريقتهم في الإِيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإِنها مختلفة فلا يمكن أن يؤمر بالاقتداء بالمختلفة وهي هدى ما لم تنسخ، فإِذا نسخت لم تبق هدى بخلاف أصول الدين فإِنها كلها هدى أبداً. {فَبِهُدَاهُمُ} متعلق باقتده. وقرىء اقده بالهاء الساكنة وصلاً ووقفاً، وهي هاء السكت أجروها وصلاً مجراها وقفاً. وقرىء: بحذفها وصلاً وإثباتها وقفاً وهذا هو القياس. وقرىء: اقتده باختلاس الكسرة في الهاء وصلاً وسكونها وقفاً. وقرىء: بكسرها ووصلها بياء وصلاً، وسكونها وقفاً، وتؤول على أنها ضمير المصدر لا هاء السكت. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي على الدعاء إلى القرآن وهو الهدى والصراط المستقيم. أجراً أي أجرة، أتكثر بها وأخص بها أن القرآن إلا ذكرى أي موعظة لجميع العالمين.