Verse. 874 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيٰى وَعِيْسٰي وَاِلْيَاسَ۝۰ۭ كُلٌّ مِّنَ الصّٰلِحِيْنَ۝۸۵ۙ
Wazakariyya wayahya waAAeesa wailyasa kullun mina alssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وزكريا ويحيى» ابنه «وعيسى» ابن مريم يفيد أن الذرية تتناول أولاد البنت «وإلياس» ابن أخي هارون أخي موسى «كل» منهم «من الصالحين».

85

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ} هو ابن مريم وفي ذكره دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت. {وَإِلْيَاسَ} قيل هو إدريس جد نوح فيكون البيان مخصوصاً بمن في الآية الأولى. وقيل هو من أسباط هارون أخي موسى. {كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} الكاملين في الصلاح وهو الإِتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ } ابنه {وَعِيسَى } ابن مريم، يفيد أنّ الذرّية تتناول أولاد البنت {وَإِلْيَاسَ } بن أخي موسى {كُلٌّ } منهم {مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ }.

الخازن

تفسير : {وزكريا} هو ابن آذن بن بركيا {ويحيى} هو ابن زكريا {وعيسى} هو ابن مريم بنت عمران {والياس}. قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل وقال محمد بن إسحاق: هو الياس بن سنا ابن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. وهذا هو الصحيح لأن أصحاب الأنساب يقولون: إن إدريس جد نوح لأن نوحاً بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو أدريس ولأن الله تعالى نسب الياس في هذه الآية إلى نوح وجعله من ذريته {كل من الصالحين} يعني أن كل من ذكرنا وسمينا من الصالحين {وإسماعيل} هو ابن إبراهيم وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق وذكر أولاده من بعده على نسق واحد فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا {واليسع} هو ابن أخطوب بن العجوز {ويونس} هو ابن متى {ولوطاً} هو ابن أخي إبراهيم: {وكلاًّ فضلنا على العالمين} يعني على عالمي زمانهم. ويستدل بهذه الآية من يقول إن الأنبياء أفضل من الملائكة لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فيدخل فيه الملك فيقتضي أن الأنبياء أفضل من الملائكة. واعلم أن الله تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبياً من الأنبياء عليهم السلام من غير ترتيب لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل، لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولكن هنا لطيفة أوجبت هذا الترتيب وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء عليهم السلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولاً نوحاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم ترجع أنسابهم جميعاً ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان قد أعطى الله داود وسليمان من ذلك حظاً وافراً من المراتب: الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف عليه السلام فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن أعطاه الله ملك مصر مع النبوة ثم من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله تعالى موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر ثم من المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا والإعراض عنها وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى والياس عليهم السلام ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين ثم ذكر الله من بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه كان هذا الترتيب من أحسن شيء يذكر والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قوله تعالى: {ومن آبائهم} يعني ومن آباء الذين سميناهم ومَن هنا للتبعيض لأن من آباء بعضهم من لم يكن مسلماً {وذرياتهم} يعني ومن ذرياتهم أي بعضهم لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من هو كافر كابن نوح {وإخوانهم} يعني ومن إخوانهم والمعنى أن الله تعالى وفق من آباء المذكورين ومن إخوانهم وذرياتهم للهداية وخالص الدين وهو قوله تعالى: {واجتبيناهم} يعني اخترناهم واصطفيناهم {وهديناهم} يعني وأرشدناهم {إلى صراط مستقيم} أي إلى دين الحق {ذلك هدى الله} قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي كان عليه هؤلاء الأنبياء. وقيل: المراد بهدى الله معرفة الله وتنزيهه عن الشركاء والأضداد والأنداد {يهدي به من يشاء من عباده} يعني يوفق من يشاء من عباده ويرشده إلى دينه وطاعته وخلع الأضداد والشركاء {ولو أشركوا} يعني هؤلاء الذين سميناهم {لحبط} يعني لبطل وذهب {عنهم ما كانوا يعملون} من الطاعات قبل ذلك لأن الله تعالى لا يقبل مع الشرك من الأعمال شيئاً.

ابو السعود

تفسير : {وَزَكَرِيَّا} وهو ابنُ آذَنَ {وَيَحْيَىٰ} ابنُه {وَعِيسَى} هو ابنُ مريم، وفيه دليلٌ على أن الذرية تتناول أولادَ البنات {وَإِلْيَاسَ} قيل: هو إدريسُ جدُّ نوحٍ، فيكونُ البـيانُ مخصوصاً (بمِنْ) في الآية الأولى، وقيل: هو من أسباطِ هارونَ أخي موسى عليهما السلام {كُلٌّ} أي كلُّ واحدٍ من أولئك المذكورين {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي من الكاملين في الصلاحِ الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بما ينبغي، والتحرُّز عما لا ينبغي، والجملة اعتراضٌ جيءَ به للثناءِ عليهم بالصلاح {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ} وهو ابنُ أخطوبَ بنِ العجوز، وقرىء واللَّيْسعَ وهو على القراءتين علم أعجميٌّ أُدخل عليه اللام ولا اشتقاق له، ويقال: إنه يوشَعُ بن نون، وقيل: إنه منقولٌ من مضارعِ وسِعَ واللام كما في يزيدَ في قوله من قال: شعر : رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيدَ مباركاً شديداً بأعباءِ الخِلافة كاهلُه تفسير : {وَيُونُسَ} وهو ابن متى {وَلُوطاً} هو ابنُ هارونَ بنِ أخي إبراهيمَ عليه السلام {وَكُلاًّ} أي وكلَّ واحدٍ من أولئك المذكورين {فَضَّلْنَا} بالنبوة لا بعضَهم دون بعض {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} على عالَمي عصرهم، والجملةُ اعتراضٌ كأختَيْها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وزكريا} اى وهديناه ايضا وهو ابن اذن وسلسلته تنتهى الى سليمان {ويحيى} ابنه {وعيسى} ابن مريم ابنة عمران من بنى ماثان الذين هم ملوك بنى اسرائيل. وفى ذكره دليل على ان الذرية تتناول اولاد البنت فيكون الحسن والحسين من ذرية سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم مع انتسابهما اليه بالام ومن آذاهما فقد آذى ذريته عليه السلام. يقول الفقير فاذا كان النسب من طرف الام صحيحا معتبرا فالذى كانت سيادته من طرفها مقبول كما هو من طرف الاب اذ المعتبر انتهاء السلسلة الى الحسنين من أى جانب كان {والياس} ابن اخ هارون اخى موسى. قال البغوى الصحيح ان الياس غير ادريس لان الله تعالى ذكره فى ولد نوح وادريس هو جد ابى نوح {كل} منهم {من الصالحين} الكاملين فى الصلاح وهو الاتيان بما ينبغى والتحرز عما لا ينبغى.

الجنابذي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ} قيل: هو ادريس، وقيل: هو من اسباط هرون اخى موسى (ع) {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} استيناف واشارة الى استعدادهم واستحقاقهم وانّ هداية الله منوطة بالاستعداد من قبل القابل لا انّ له ارادة جزافيّة.

اطفيش

تفسير : {وزَكريَّا ويَحْيى وعِيسى وإلياسَ} جمعهم لأنهم كلهم زهداء فى الدنيا معرضين عنها، ولأن زمانهم واحد بمداركة إلياس، وذكر زكريا وبعده يحيى لأنه أبو يحيى، وذكر عيسى وإلياس لأنهما حيان إلى الآن، وقدم عيسى لِيَلى قريبه، ولزهدهم وصفهم بالصلاح فى قوله: {كلٌّ مِنَ الصَّالحِينَ} أى كل واحد من الأربعة، أو كل من ذكر من الصالحين وهم الآتون بما ينبغى، المتحرزون عما لا ينبغى، وزكريا هو بن برخيا بن آدر بن مسلى بن صدوق بن يحيى بن داود بن سليمان بن صديقة بن باخور بن سليم بن مهداسى بن أنيا بن رجعيم بن سليمان بن داود عليه السلام، وإلياس بن سنا بن فنحاص بن العزار بن هارون بن عمران. وعن ابن مسعود: هو إدريس والمشهور الأول، وإدريس قبل نوح، وعلى الثانى فليس من ذرية إبراهيم، وفى ذكر عيسى من ذرية إبراهيم دليل على أن ولد البنت من ذرية أبى البنت، فلو أوصى أحد لذرية فلان، أو حبس عليهم، أو أوصى أو حبس لذرية نفسه، فأجيزت الوصية والحبس، أو أوصى أو حبس لذرية بعد وارثه لدخل ابن البنت وابنها، فإن عيسى عليه السلام لا أب له، ولم يلحق بإبراهيم عليه السلام إلا بأمه مريم عليها السلام، وكذا هو من ذرية نوح بأمه، وإذا عطفنا المنصوبات على المهدى كان فكونه من ذريته يعلم من غير الآية.

اطفيش

تفسير : {وَزَكَرِيَّا} هو ابن يوحيا بن مدن بن مسلم بن صدوق بن بحسان بن داود بن سليمان بن ناخور بن سلوم بن تهفاساط بن أَبيا ابن رجهم بن سليمان بن داود. وقيل زكريا بن أَزن بن بركيا من ذرية سليمان، قتل بعد قتل ولده يحيى. بشر بابنه يحيى وله اثنان وتسعون عاماً وقيل تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون {وَيَحْيَى} هو ابن زكرياء سمى لأَنه حيى به رحم أمه، وقيل: أَصله حيا زيدت أَوله ياء من اسم جدته يسارة زوج إِبراهيم، {وَعِيسَى} هو ابن مريم بنت عمران بن ماتان، أَو عمران بن ساهم بن أَهور بن ميشا ابن حزقيل، بن أَحريف بن يؤام بن عزاريا بن أَمضياءَ بن تاوس ابن نوثا بن بارض بن بهو شاباط بن وادم بن أَبيا بن رجهم بن سليمان بن داود، وليس عمران أَبا موسى، فبينهما أَلف وثمانمائة، إِذا رددنا ضمير ذريته لإِبراهيم أَفادت الآية أَن ابن البنت داخل فى الذرية لأَن عيسى لا أَب له، وأُمه من ذرية إِبرهيم ونوح، وإِن رددناه إِلى نوح كانت من ذرية نوح، ومن آذى الحسن أَو الحسين فقد آذى ذرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز العنف فيه إِلا بحق، كما عنفوا الحسن فى تسليم الخلافة لمعاوية، وقومنا مدحوه بذلك لحديث يرونه أَن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وأَيضاً دعا بالحسن والحسين فى قوله تعالى "أية : ندع أَبناءَنا"تفسير : [آل عمران: 61] إلخ.. فادعى بعض أَن دخول ولد البنت فى الذرية مختص به صلى الله عليه وسلم ومن أمه هاشمية رجحوا أَنه يعطى الزكاة، واعترض الاستدلال بالآية على أَن ولد البنت داخل فى الذرية بالآية بأَن عيسى لا أَب له فلا يقاس عليه غيره، وكذا ابن الملاعنة لا أَب له يحكم المشرع فلا يقاس عليه {وَإِلْيَاسَ} هو ابن أَخى هارون، والجمهور على أَنه متأَخر، وأَنه من أَسباط هارون، وأَنه ابن ياسين بن فنحاص ابن عيزار بن هارون بن عمران، وعن ابن مسعود: إِلياس هو إِدريس، ولعله لم يصح عنه ذلك، لأَن إِدريس جد نوح لا من أَولاد نوح، وقيل: من سبط يوشع، وقيل: من ولد إِسماعيل {كُلٌّ} كل واحد من زكرياءَ ويحيى وعيسى وإِلياس {مِنَ الصَّالِحينَ} القائمين بحقوق الله وحقوق العباد، أَو من الكاملين فى الصلاح، وهو فعل الواجب والمستحب وترك المحرم والمكروه.

الالوسي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا } هو ابن ازن بن بركيا كان من ذرية سليمان عليهما السلام وقتل بعد قتل ولده وكان له يوم بشر به اثنتان وتسعون، وقيل: تسع وتسعون، وقيل: مائة وعشرون سنة وهو اسم أعجمي وفيه خمس لغات أشهرها المد والثانية القصر وقرىء بهما في السبع وَزكَرِيُّ بتشديد الياء وتخفيفها وزكر كقلم. {وَيَحْيَىٰ } ابنه وهو اسم أعجمي، وقيل: عربـي، وعلى القولين ـ كما قال الواحدي ـ لا ينصرف، وسمي بذلك على القول الثاني لأنه حيـي به رحم أمه، وقيل: غير ذلك {وَعِيسَى } ابن مريم وهو اسم عبراني أو سرياني وفي «الصحيح» «أنه ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس» وفي ذكره عليه السلام دليل على أن الذرية يتناول أولاد البنات لأن انتسابه ليس إلا من جهة أمه وأورد عليه أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه فلا يظهر قياس غيره عليه في كونه ذرية لجده من الأم. وتعقب بأن مقتضى كونه بلا أب أن يذكر في حيز الذرية وفيه منع ظاهر والمسألة خلافية، والذاهبون إلى دخول ابن البنت في الذرية يستدلون بهذه الآية وبها احتج موسى الكاظم رضي الله تعالى عنه على ما رواه البعض عن الرشيد. وفي «التفسير الكبير» «أن أبا جعفر رضي الله تعالى عنه استدل بها عند الحجاج بن يوسف» / وبآية المباهلة حيث دعا صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما بعد ما نزل { أية : تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 61]. وادعى بعضهم أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد اختلف إفتاء أصحابنا في هذه المسألة، والذي أميل إليه القول بالدخول. {وَإِلْيَاسَ } قال ابن إسحاق في «المبتدأ»: هو ابن يس بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران عليهم السلام. وحكى القتبـي أنه من سبط يوشع، وقيل: من ولد إسمعيل عليه السلام. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إدريس وهو ـ على ما قال ابن إسحاق ـ ابن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم وهو جد نوح كما أشرنا إليه وروي ذلك عن وهب بن منبه، وفي «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان بين نوح وإدريس ألف سنة وعلى القول بأنه قبل نوح يكون البيان مختصاً بمن في الآية الأولى. ونص الشهاب أن قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا } وما بعده حينئذ معطوفاً على مجموع الكلام السابق. {كُلٌّ } أي كل واحد من أولئك المذكورين {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي الكاملين في الصلاح الذي هو عبارة عن الإتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي وهو مقول بالتشكيك فيوصف بما هو من أعلى مراتب الأنبياء عليهم السلام والجملة اعتراض جيء بها للثناء عليهم بمضمونها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّالِحِينَ} (85) - وَهَدَى اللهُ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ أَيْضاً: زَكَرِيّا وَابْنَهُ يَحْيِى وَعِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَإِلْيَاسَ، وَقَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ جَمِيعاً مِنَ الصَّالِحِينَ. وَكَانَتْ لِهَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ مِيزَةُ الزُّهْدِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَلَذَّاتِها، وَزِينَتِهَا، لِذَلِكَ خَصَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِوَصْفِ الصَّالِحِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} ولم يأت الحق بالثمانية عشر نبياً متتابعين بل قسمهم بحكمة، فيقول: {وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} ولا يقتصر الأمر على هؤلاء بل يقول سبحانه: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وأنت إن نظرت إلى هؤلاء الثمانية عشر نبياً المذكورين هنا، ستجد أنهم من الخمسة والعشرين رسولاً الذين أمرنا بالإيمان بهم تفصيلا. وقد جمعوا في قول الناظم: شعر : في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار وقد ختموا تفسير : والحق سبحانه وتعالى لم يجعل من الأنبياء ملوكا إلا اثنين: داود وسليمان حتى يعطينا فكرة أن الله إذا أراد أن يقهر خلقاً على شيء لا يقدر عليه أحد يبعث مَلِكاً رسولاً؛ لأن المَلِك لا يقدر عليه عبد لأنَّ القدرة معه، والمجتمع آنذاك كان في حاجة إلى ملك يدير أمره ويضبط شأنه، وسبحانه لا يريد الإيمان بالقوة والخوف والرهبوت إنما يريده بالاختيار، ولذلك جعل أغلب الأنبياء ليسوا ملوكاً. وفي الحديث "حديث : أفملكا نبيا يجعلك أو عبداً رسولاً" تفسير : فاختار أن يكون عبدا رسولا؛ لأن الملك يأتي بسلطانه وبماله، وقد يطغى. وأراد الحق أن يكون سليمان وداود من الأنبياء وهما ملكان، وتتمثل فيهما القدرة وسعة الملك والسلطان. أمّا أيوب فقد أخذ زاوية أخرى من الزوايا وهي الابتلاء والصبر مع النبوة، وكل نبي فيه قدر مشترك من النبوة، وفيه تميّز شخصي. وكذلك يوسف أخذ الابتلاء أولاً، ثم أخذ الملك والسلطان في النهاية. وموسى وهارون أخذ شهرة الاتْبَاع، ونكاد لا نعرف من الأديان إلا اليهودية والنصرانية، أما زكريا ويحيى وعيسى وإلياس فقد أخذوا ملكة الزهد. وأما إسماعيل واليسع ويونس ولوطاً فقد أخذوا ما زخرت به حياتهم من عظيم الفعال وكريم الخصال والسلوك القويم والقدوة الطيبة وبقي لهم الذكر الحسن. إذن فهناك زوايا متعددة للأنبياء. وعندما وقف العلماء عند "عيسى" هل يدخل في ذريتهم، وجدوا من يستنبط ويقول: من ذريتهم من ناحية الأم. شعر : وإنما أمهات القوم أوعية مستحدثات وللأحساب آباء. تفسير : والعنصر البشري في عيسى هو الأم. وبمثل هذا احتج أبو جعفر محمد الباقر أمام الحجاج حين قال له: أنتم تدعون أنكم من آل رسول الله ومن نسله، مع أن رسول الله ليس له ذرية! قال له الإمام الباقر رضي الله عنه: كأنك لم تقرأ القرآن. قال له: وأي شيء في القرآن؟ قال اقرأ: "ومن ذريته . . . . ." إلى أن تقرأ: "وعيسى" فعيسى من ذرية نوح، من أب أَم من أُمّ؟. قال له: من أُمّ. فقال له: نحن كذلك من ذرية محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق من بعد ذلك: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الأنعام: 85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض النبوة من الله تعالى. ثم قال: {وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض الربوبية بلا واسطة {وَمِنْ آبَائِهِمْ} [الأنعام: 87]، يعني الذين فضلناهم أيضاً في الأزل لهذه الشأن {وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [الأنعام: 87]، إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء {وَإِخْوَانِهِمْ} [الأنعام: 87]، من المؤمنين {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه الشأن {وَهَدَيْنَاهُمْ} [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على قدر الاجتباء {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 87]، إلينا بنا ذلك {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئاً من دوننا أو نسبوا شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء وغيرهم من المصطفين الأخيار {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا مكر الله إلا القوم الخاسرون. ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد بالهداية بقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا {هَـٰؤُلاۤءِ} [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً} [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل إلى الأبد {لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89]، جاحدين ومنكرين أبداً. ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكاً غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: "حديث : أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة"تفسير : ؛ فاقتد بهم إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام {أية : قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9]، مقاماً لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياءء على اقتدائي بكم أجراً منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكاً لم تسلك أمة قبلكم أجراً من دنياكم وآخرتكم {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر الله تعالى عبده وخليله، إبراهيم عليه السلام، وذكر ما مَنَّ الله عليه به، من العلم والدعوة، والصبر، ذكر ما أكرمه الله به من الذرية الصالحة، والنسل الطيب. وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله، وأعظم بهذه المنقبة والكرامة الجسيمة، التي لا يدرك لها نظير فقال: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } ابنه،الذي هو إسرائيل، أبو الشعب الذي فضله الله على العالمين. { كُلا } منهما { هَدَيْنَا } الصراط المستقيم، في علمه وعمله. { وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ } وهدايته من أنواع (1) الهدايات الخاصة التي لم تحصل إلا لأفراد من العالم؛ وهم أولو العزم من الرسل، الذي هو أحدهم. { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ } يحتمل أن الضمير عائد إلى نوح، لأنه أقرب مذكور، ولأن الله ذكر مع من ذكر لوطا، وهو من ذرية نوح، لا من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه. ويحتمل أن الضمير يعود إلى إبراهيم لأن السياق في مدحه والثناء عليه، ولوط -وإن لم يكن من ذريته- فإنه ممن آمن على يده، فكان منقبة الخليل وفضيلته بذلك، أبلغ من كونه مجرد ابن له. { دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ } بن داود { وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ } بن يعقوب. { وَمُوسَى وَهَارُونَ } ابني عمران، { وَكَذَلِكَ } كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل، لأنه أحسن في عبادة ربه، وأحسن في نفع الخلق { نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } بأن نجعل لهم من الثناء الصدق، والذرية الصالحة، بحسب إحسانهم. { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى } ابنه { وَعِيسَى } ابن مريم. { وَإِلْيَاسَ كُلٌّ } هؤلاء { مِنَ الصَّالِحِينَ } في أخلاقهم وأعمالهم وعلومهم، بل هم سادة الصالحين وقادتهم وأئمتهم. { وَإِسْمَاعِيلَ } بن إبراهيم أبو الشعب الذي هو أفضل الشعوب، وهو الشعب العربي، ووالد سيد ولد آدم، محمد صلى الله عليه وسلم. { وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ } بن متى { وَلُوطًا } بن هاران، أخي إبراهيم. { وَكُلا } من هؤلاء الأنبياء والمرسلين { فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } لأن درجات الفضائل أربع - وهي التي ذكرها الله بقوله: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ } فهؤلاء من الدرجة العليا، بل هم أفضل الرسل على الإطلاق، فالرسل الذين قصهم الله في كتابه، أفضل ممن لم يقص علينا نبأهم بلا شك. { وَمِنْ آبَائِهِمْ } أي: آباء هؤلاء المذكورين { وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ } أي: وهدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم وإخوانهم. { وَاجْتَبَيْنَاهُمْ } أي: اخترناهم { وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . { ذَلِكَ } الهدى المذكور { هُدَى اللَّهِ } الذي لا هدى إلا هداه. { يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فاطلبوا منه الهدى فإنه إن لم يهدكم فلا هادي لكم غيره، وممن شاء هدايته هؤلاء المذكورون. { وَلَوْ أَشْرَكُوا } على الفرض والتقدير { لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فإن الشرك محبط للعمل، موجب للخلود في النار. فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار، لو أشركوا -وحاشاهم- لحبطت أعمالهم فغيرهم أولى. { أُولَئِكَ } المذكورون { الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } أي: امش -أيها الرسول الكريم- خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، واتبع ملتهم وقد امتثل صلى الله عليه وسلم، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وبهذا الملحظ، استدل بهذه من استدل من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل الرسل كلهم. { قُلْ } للذين أعرضوا عن دعوتك: { لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي: لا أطلب منكم مغرما ومالا جزاء عن إبلاغي إياكم، ودعوتي لكم فيكون من أسباب امتناعكم، إن أجري إلا على الله. { إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } يتذكرون به ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم،فيذرونه، ويتذكرون به معرفة ربهم بأسمائه وأوصافه. ويتذكرون به الأخلاق الحميدة، والطرق الموصلة إليها، والأخلاق الرذيلة، والطرق المفضية إليها،فإذا كان ذكرى للعالمين، كان أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم، فعليهم قبولها والشكر عليها.