Verse. 876 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمِنْ اٰبَاۗىِٕہِمْ وَذُرِّيّٰــتِہِمْ وَاِخْوَانِہِمْ۝۰ۚ وَاجْتَبَيْنٰہُمْ وَہَدَيْنٰہُمْ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسْتَـقِيْمٍ۝۸۷
Wamin abaihim wathurriyyatihim waikhwanihim waijtabaynahum wahadaynahum ila siratin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن آبائهم وذرِّيَّاتهم وإخوانهم» عطف على كلا أو نوحا ومن للتبعيض لأن بعضهم لم يكن له ولد وبعضهم كان في ولده كافر «واجتبيناهم» إخترناهم «وهديناهم إلى صراط مستقيم».

87

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} «من» للتبعيض؛ أي هدينا بعض آبائهم وذرّياتهم وإخوانهم. {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} قال مجاهد: خلّصناهم، وهو عند أهل اللغة بمعنى اخترناهم؛ مشتق من جبيت الماء في الحوض أي جمعته. فالاجتباء ضم الذي تجتبيه إلى خاصتك. قال الكسائي: وجبيت الماء في الحوض جَباً، مقصور. والجابية الحوض. قال:شعر : كجَابِيَـة الشَّيخ العِرَاقِـيّ تَفْهَق تفسير : وقد تقدّم معنى الاصطفاء والهداية.

البيضاوي

تفسير : {وَمِنْ ءابَائِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ} عطف على {كَلاَّ} أو {نُوحاً} أي فضلنا كلاً منهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن منهم من لم يكن نبياً ولا مهدياً. {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ} عطف على {فَضَّلْنَا} أو {هَدَيْنَا}. {وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تكرير لبيان ما هدوا إليه. {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ} إشارة إلى ما دانوا به. {يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية. {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع فضلهم وعلو شأنهم. {لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها. {أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يريد به الجنس. {وَٱلْحُكْمَ} الحكمة أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق. {وَٱلنُّبُوَّةَ} والرسالة. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} أي بهذه الثلاثة. {هَـؤُلاء} يعني قريشاً. {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي بمراعاتها. {قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم. وقيل هم الأنصار أو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو كل من آمن به أو الفرس. وقيل الملائكة. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} يريد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدم ذكرهم. {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} فاختص طريقهم بالاقتداء والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافاً إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعاً. فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله، والهاء في {ٱقْتَدِهْ} للوقف ومن أثبتها في الدرج ساكنة كابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وأشبعها بالكسر ابن عامر برواية ابن ذكوان على أنها كناية المصدر وكسرها بغير إشباع برواية هشام. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على التبليغ أو القرآن. {أَجْراً} جعلاً من جهتكم كما لم يسأل من قبلي من النبيين، وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه. {إِنْ هُوَ} أي التبليغ أو القرآن أو الغرض. {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ} إلا تذكيراً وموعظة لهم. {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} وما عرفوه حق معرفته في الرحمة والإِنعام على العباد. {إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء} حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك من عظائم رحمته وجلائل نعمته أو في السخط على الكفار وشدة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة، والقائلون هم اليهود قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن بدليل نقض كلامهم، وإلزامهم بقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لّلنَّاسِ} وقراءة الجمهور {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} بالتاء وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملاً على قالوا وما قدروا، وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمهم على تجزئتها بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة وإخفاء بعض لا يشتهونه. وروي (حديث : أن مالك بن الصيف قاله لما أغضبه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين قال: نعم إن الله يبغض الحبر السمين، قال عليه الصلاة والسلام: فأنت الحبر السمين) تفسير : وقيل هم المشركون وإلزامهم بإنزال التوراة لأنه كان من المشهورات الذائعة عندهم ولذلك كانوا يقولون {أية : لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ }تفسير : [الأنعام: 157] {وَعُلّمْتُمْ} على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. {مَا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ} زيادة على ما في التوراة وبياناً لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم ونظيره {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }تفسير : [النمل: 76] وقيل الخطاب لمن آمن من قريش {قُلِ ٱللَّهُ} أي أنزله الله، أو الله أنزله. أمره بأن يجيب عنهم إشعاراً بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيهاً على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ } في أباطيلهم فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة. {يَلْعَبُونَ} حال من هم الأول، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال منهم الأول، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال من مفعوله، أو فاعل يلعبون أو من هم الثاني والظرف متصل بالأول. {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} كثير الفائدة والنفع. {مُّصَدّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني التوراة أو الكتب التي قبله. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} عطف على ما دل عليه مبارك أي للبركات ولتنذر أو علة لمحذوف أي ولتنذر أهل أم القرى أنزلناه، وإنما سميت مكة بذلك لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأناً. وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء «وليندز» الكتاب. {وَمَنْ حَوْلَهَا} أهل الشرق والغرب. {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب، والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعة وتخصيص الصلاة لأنها عماد الدين وعلم الإِيمان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وَذُرّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ } عطف على(كلاًّ) أو (نوحاً)، و(من) للتبعيض لأنّ بعضهم لم يكن له ولد، وبعضهم كان في ولده كافر {وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ } اخترناهم {وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.

ابن عطية

تفسير : والمعنى وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات، فـ {من} للتبعيض؛ والمراد من آمن منهم نبياً كان أو غير نبي، ويدخل عيسى عليه السلام في ضمير قوله: {ومن آبائهم}، ولهذا قال محمد بن كعب الخال أب والخالة أم، {واجتبيناهم} معناه تخيرناهم وأرشدناهم وضممناهم إلى خاصتنا وأرشدناهم إلى الإيمان والفوز برضى الله تعالى. قال مجاهد معناه أخلصناهم، و "الذرية" الأبناء وينطلق على جميع البشر ذرية لأنهم أبناء، وقال قوم: إن الذرية تقع على الآباء لقوله تعالى: {أية : وآية لهم أنّا حملنا ذريتهم في الفلك} تفسير : [يس:41] يراد به نوع البشر وقوله تعالى: {ذلك هدى الله يهدي به} الآية، {ذلك} إشارة إلى النعمة في قوله: {واجتنبناهم} وإضافة الهدى إلى الله إضافة ملك، و {حبط} معناه تلف وذهب لسوء غلب عليه، و {أولئك} إشارة إلى من تقدم ذكره و {الكتاب} يراد به المصحف والتوراة والإنجيل والزبور، و {الحكم} يراد به اللب والفطنة والفقه في دين الله، و {هؤلاء} إشارة إلى كفار قريش المعادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى كل كفار في ذلك العصر، قاله قتادة وابن عباس والسدي وغيرهم، و {قوماً} يراد به مؤمنو أهل المدينة، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم، فالآية على هذا التأويل وإن كان القصد في نزولها هذين الصنفين فهي تعم الكفرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال قتادة أيضاً والحسن بن أبي الحسن المراد بـ "القوم" من تقدم ذكره من الأنبياء والمؤمنين، وقال أبو رجاء: المراد الملائكة، والباء في {به} متعلقة بقوله: {بكافرين} والباء في قوله {بكافرين} زائدة للتأكيد وقوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله} الآية، الظاهر في الإشارة بـ {أولئك} أنها إلى المذكورين قبل من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين المهديين ومعنى الاقتداء اتباع الأثر في القول والفعل والسيرة، وإنما يصح اقتداؤه بجميعهم في العقود والإيمان والتوحيد الذي ليس بينهم فيه اختلاف وأما أعمال الشرائع فمختلفة، وقد قال عز وجل: {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} تفسير : [المائدة:48] ويحتمل أن تكون الإشارة بـ {أولئك} إلى قوله {قوماً}. قال القاضي أبو محمد: وذلك يترتب على بعض التأويلات في المراد بالقوم ويقلق بعضها، قال القاضي ابن الباقلاني: واختلف الناس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه متعبداً بشرع من كان قبله، فقالت طائفة كان متعبداً، واختلف بشرع من؟ فقالت فرقة بشرع إبراهيم، وفرقة بشرع موسى، وفرقة بشرع عيسى، وقالت طائفة بالوقف في ذلك، وقالت طائفة لم يكن متعبداً بشرع من كان قبله وهو الذي يترجح. قال القاضي أبو محمد: ولا يحمل كلام القاضي على أنه لم يكن متعبداً بشرع من كان قبله في توحيد ولا معتقد لأنَّا نجد شرعنا ينبىء أن الكفار الذين كانوا قبل النبي عليه السلام كأبويه وغيرهما في النار ولا يدخل الله تعالى أحداً النار إلا بترك ما كلف، وذلك في قوله تعالى: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [الإسراء:15] وغير ذلك وقاعدة المتكلمين أن العقل لا يوجب ولا يكلف وإنما يوجب الشرع، فالوجه في هذا أن يقال إن آدم عليه السلام فمن بعده دعا إلى توحيد الله دعاء عاماً واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي البالغ أن يبحث على الشرع الآمر بتوحيد الله تعالى وينظر في الأدلة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلاً إلى العلم بشرع آمر بتوحيد الله وهو مع ذلك لم يكفر ولا عبد صنماً بل تخلى فأولئك أهل الفترات الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث فعبد صنماً وكفر فهذا تارك للواجب عليه مستوجب العقاب بالنار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث ومن كان معه من الناس وقبله مخاطبون على ألسنة الأنبياء قبل بتوحيد الله عز وجل، وغير مخاطبين بفروع شرائعهم إذ هي مختلفة وإذ لم يدعهم إليها نبي، وأما بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهل هو وأمته مخاطبون بشرع من تقدم فقالت فرقة لسنا مخاطبين بشيء من ذلك وقالت فرقة نحن مخاطبون بشرع من قبلنا. قال القاضي أبو محمد: ومن قال من هذه الطائفة إن محمداً عليه السلام وأمته مخاطبون بكل شرائع من تقدم على الإطلاق فقد أحال لأن أحكام الشرائع تأتي مختلفة, وإنما يتحدق قول من قال منها إنَّا متعبدون بما صح نقله من شرائع من قبلنا ولم تختلف فيه الشرائع وبالآخر مما اختلفت فيه لأنه الناسخ المتقدم ويرتبط في صحة نقل ذلك إلى ما وقع في القرآن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من حكاية أحكام سالفة كقوله تعالى: {أية : وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به} تفسير : [ص:44] وكقوله: {أية : أقم الصلاة لذكري} تفسير : [طه:14] وكحكاية تزويج شعيب ابنته بموسى عليهما السلام، وكحديث النبي عليه السلام في قضية سليمان بين المرأتين في الولد ونحو ذلك، ولا يقتضي قولهم أكثر من جواز أن يتعبد بذلك وأما وجوب أن تعبد فغير لازم، ولا يتعلق عندي أشبه في ذلك من أن يقال إن النبي عليه السلام شرع لأمته أن يصلي الناس صلاته إذا ذكرها، ثم مثل في ذلك لا على طريق التعليل بقوله عز وجل لموسى {أية : وأقم الصلاة لذكري} تفسير : [طه:14] فننقل نحن هذا إلى غير ذلك من النوازل ونقول إنه كما شرع عندنا المثال في نسيان الصلاة كذلك نشرع هذه الأمثلة كلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قياس ضعيف، ولو ذكر النبي عليه السلام قوله تعالى: {أية : وأقم الصلاة لذكري} تفسير : [طه:14] على جهة التعليل لكانت الحجة به قوية، ولا يصح أن يقال يصح عندنا نقل ما في الشرائع من جهة من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وغيره صحة ننقلها، وكذلك ما شرعه الحواريون لا سبيل إلى صحة شرع عيسى عليه السلام له، وقرأ ابن كثير وأهل مكة ونافع وأبو عمرو وأهل المدينة وعاصم "اقتده" بهاء السكت ثابتة في الوقف والوصل، وقرأ حمزة والكسائي "اقتد" قال بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف، وهذا هو القياس، وهي تشبه ألف الوصل في أنها تقطع في الابتداء وتوصل غير مبتدأ بها، فكذلك هذه تثبت في الوقف وتحذف في الوصل، وقرأ ابن عامر "اقتدهِ" بكسر الهاء دون بلوغ الياء، قال ابن مجاهد وهذا غلط لأنها هاء وقف لا تعرب على حال، قال أبو علي ووجه ذلك أن تكون ضمير المصدر كأنه قال اقتد الاقتداء، وقرأ ابن ذكوان على هذه "اقتدهِ" بإشباع الياء بعد الهاء، وقالت فرقة إن كسر الهاء إنما هو في هاء السكت كما قد تسكن هاء الضمير أحياناً. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ولا تجوز عليه القراءة بإشباع الياء، وقوله تعالى: {قل لا أسألكم} الآية، المعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين لا أسألكم على دعائي إياكم بالقرآن إلى عبادة الله وتوحيده أستكثر بها وأختص بدنياها، إن القرآن إلا موعظة، وذكرى ودعاء لجميع العالمين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ}: المعنى: وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، فـ «مِنْ» للتبعيض، والمراد: مَنْ آمن منهم، نبيًّا كان أو غير نبيٍّ، و {ٱجتبيناهم}، أي: تخيَّرناهم وهَدَيْنَاهم، أيْ: أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه عزَّ وجلَّ، والذرية: الأبناءُ، ويطلَقُ علَىٰ جميعِ البَشَر ذرِّيَّة؛ لأنهم أبناء. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ...} الآية: {ذٰلِكَ}: إشارة إلى النعمة في قوله: {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ} و {أُوْلَـٰئِكَ}: إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ يراد به الصُّحُفُ والتوراةُ والإنجيل والزَّبُور. وقوله سبحانه: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلآءِ}: إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر؛ قاله ابن عباس وغيره، وقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ}: هم مؤمنو أهْل المدينة؛ قاله ابن عباس وغيره، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره: المراد بـــ «القَوْم»: مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين، وقال أبو رجاء: المرادُ: الملائكةُ. قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ. وقوله سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}، والظاهر في الإشارة بـ {أُوْلَـٰئِكَ} إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهدِّيين، ومعنى الاقتداء: ٱتباع الأثر في القول والفعل والسِّيرة، وإنما يصحُّ ٱقتداؤه صلى الله عليه وسلم بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه ٱختلافٌ، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ: {أية : لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } تفسير : [المائدة:48]، وٱعْلَمْ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ؛ لأنا نجد شرعنا ينبىء أنَّ الكفار الذين كانوا قبل النبيِّ صلى الله عليه وسلم كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالَىٰ أحداً النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء:15]، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين: أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال: إنَّ آدم ـــ عليه السلام ـــ فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه (عزَّ وجلَّ) دعاءً عامًّا، وٱستمرَّ ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميِّ أنْ يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالَىٰ، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة علَىٰ ذلك؛ بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ، ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلاً إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنماً، بل تخلَّىٰ، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنماً أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه ـــ مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ شرائعهم؛ إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ؛ قال الفَخْر: واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية علَىٰ أن محمداً صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ ـــ عليهم السلام ـــ؛ وتقريره: أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالَىٰ، لمَّا ذكر الكل، أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، ٱمْتَنَعَ أنْ يقال: إنه قصَّر في تحصيلها؛ فثبت أنه حَصَّلها، ومتَىٰ كان الأمر كذلك، ثبت أنه ٱجتمَعَ فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقاً بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال: إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم؛ واللَّه أعلم. انتهى. وقرأ حمزة والكسائيُّ: «فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِ» ـــ بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف ـــ، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوَصْل. وقوله سبحانه: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً}، أي: قل لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالَىٰ ـــ أُجْرَةً؛ إن هو إلا موعظةٌ وذكْرَىٰ ودعاءٌ لجميع العالمين.

البقاعي

تفسير : ولما نص سبحانه على هؤلاء، وختم بتفضيل كل على العالمين، أتبعه على سبيل الإجمال أن غيرهم كان مهدياً، وأن فضل هؤلاء علة النص لهم على أسمائهم، فقال ترغيباً في سلوك هذا السبيل بكثرة سالكيه وحثاً على منافستهم في حسن الاستقامة عليه والسلوك فيه: {ومن} أي وهدينا أو وفضلنا من {آبائهم} أي أصولهم {وذرياتهم} أي من فروعهم من الرجال والنساء {وإخوانهم } أي فروع أصولهم، وعطف على العامل المقدر قوله: {واجتبيناهم} أي واخترناهم، ثم عطف عليه بيان ما هدوا إليه حثاً لنا على شكره على ما زادنا من فضله فقال: {وهديناهم} أي بما تقدم من الهداية {إلى صراط مستقيم *} وأما الصراط المستقيم فخصصناكم به وأقمناكم عليه، فاعرفوا نعمتنا عليكم واذكروا تفضيلنا لكم. ولما كان ربما أوهم تنكيرُه نقصاً فيه، قال مستأنفاً بياناً لكماله وتعظيماً لفضله وإفضاله: {ذلك} أي الهدى العظيم الرتبة {هدى الله} أي المستجمع لصفات الكمال {يهدي} أي يخلق الهداية {به} أي بواسطة الإقامة عليه {من يشاء من عباده} أي سواء كان له أب يعمله أو كان له من يحمله على الضلال أولا؛ ولما بين فضل الهدى ونص على رؤوس أهله، تهدد من تركه كائناً من كان، فقال مظهراً لعز الإلهية بالغنى المطلق منزهاً نفسه عما لوحظ فيه غيره ولو بأدنى لحظ: {ولو أشركوا} أي هؤلاء الذين ذكرنا من مدحهم ما سمعتَ وبينّا من اختصاصنا لهم ما علمت - شيئاً من شرك وقد أعاذهم الله من ذلك، وأقام بهم معوج المسالك، وأنار بهم ظلام الأرض بطولها والعرض {لحبط عنهم} أي فسد وسقط {ما كانوا يعملون *} أي وإن كان في غاية الإتقان بقوانين العلم، وزاد في الترهيب من التواني في السير والزيغ عن سوء القصد بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة الذين قدمنا ذكرهم وأخبرنا أنهم لو أشركوا سقطت أعمالهم {الذين آتيناهم} أي بعظمتنا {الكتاب} أي الجامع لكل خير، فمن ملك ما فيه من العلوم والمعارف حكم على البواطن، وذلك لأن الناس يحبونه فينقادون له ببواطنهم {والحكم} أي العمل المتقن بالعلم، ومنه نفوذ الكلمة على الظواهر بالسلطنة وإن كرهت البواطن {والنبوة} أي العلم المزين بالحكم وهي وضع كل شيء في أحق مواضعه، فهي جامعة للمرتبتين الماضيتين، فلذلك كان الأنبياء يحكمون على البواطن بما عندهم من العلم، وعلى الظواهر بما يظهر من المعجزات؛ ثم سبب عن تعظيمها بذلك تعظيمَها بأنها لا تبور، فقال تسلية عن المصيبة بطعن الطاعنين فيها وإعراض الجاهلين عنها وترجية عندما يوجب اليأس من نفرة اكثر المدعوين: {فإن يكفر بها} أي هذه الأشياء العظيمة {هؤلاء} أي أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم، وقد حبوناهم بها على أتم وجه وأكمله وأعلاه وأجمله، وأنت تدعوهم إلى أن يكونوا سعداء بما اشتملت عليه من الهدى وهم عنه معرضون، ولعل الإشارة على هذا الوجه لتحقيرهم {فقد وكلنا} أي لما لنا من العظمة في الماضي والحال والاستقبال {بها قوماً} أي ذوي قوة على القيام بالأمور بالإيمان بها والحفظ لحقوقها {ليسوا} وقدم الجار اهتماماً فقال: {بها بكافرين *} أي بساترين الشيء مما ظهر من شموس أدلتها، وهم الأنبياء ومن تبعهم، وقد صدق الله - ومن أصدق من الله حديثاً! فقد جاء في هذه الأمة من العلماء الأخيار والراسخين الأحبار من لا يحصيهم إلا الله. ولما كان المراد بسوقهم هكذا - والله أعلم - أن كلاًّ منهم بادر بعد الهداية إلى الدعاء إلى الله والغيرة على جلاله من الإشراك، لم يُشْغِل أحداً منهم عن ذلك سراء ولا ضراء بملك ولا غيره من ملك أو غيره بل لازموا الهدى الدعاء إليه على كل حال؛ قال مستأنفاً لتكرار أمداحهم بما يحمل على التحلي بأوصافهم، مؤكداً لإثبات الرسالة: {أولئك} أي العالو المراتب {الذين هدى الله} أي الملك الحائز لرتب الكمال، الهدى الكامل، ولذلك سبب عن مدحهم قوله: {فبهداهم} أي خاصة في واجبات الإرسال وغيرها {اقتده} وأشار بهاء السكت التي هي أمارة الوقوف - وهي ثابتة في جميع المصاحف - إلى أن الاقتداء بهم كان غير محتاج إلى شيء؛ ثم فسر الهدى بمعظم أسبابه فقال: {قل} أي لمن تدعوهم كما كانوا يقولون مما ينفي التهمة ويمحص النصيحة فيوجب الاتباع إلا من شقى {لا أسئلكم} أي أيها المدعوون {عليه} أي على الدعاء {أجراً} فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي والاستجابة للمرشد؛ ثم استأنف قوله: {إن} أي ما {هو} أي هذا الدعاء الذي أدعوكم به {إلا ذكرى} أي تذكير بليغ من كل ما يحتاج إليه في المعاش والمعاد {للعالمين *} أي الجن والإنس والملائكة دائماً، لا ينقضي دعاؤه ولا ينقطع نداؤه، وفي التعبير بالاقتداء إيماء إلى تبكيت كفار العرب حيث اقتدوا بمن لا يصلح للقدوة من آبائهم، وتركوا من يجب الاقتداء به. ولما حصر الدعاء في الذكرى، وكان ذلك نفعاً لهم ورفقاً بهم، لا تزيد طاعتهم في ملك الله شيئاً ولا ينقص إعراضُهم من عظمته شيئاً، لأن كل ذلك بإرادته؛ بني حالاً منهم، فقال تأكيداً لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاماً لهم بما هم معترفون به، أما أهل الكتاب فعلماً قطعياً، وأما العرب فتقليداً لهم ولأنهم سلموا لهم العلمَ وجعلوهم محط سؤالهم عن محمد صلى الله عليه وسلم: {وما} أي فقلنا ذلك لهم خاصة والحال أنهم ما {قدروا} أي عظموا {الله} أي المستجمع لصفات الكمال {حق قدره} أي تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه بالكفر له؛ قال الواحدي: يقال قدر الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره - يقدره - بالضم - قدراً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : فإن غم عليكم فاقدروا لهتفسير : ، أي فاطلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة، ثم قيل لمن عرف شيئاً: هو يقدر قدره، وإذا لم يعرفه بصفاته: إنه لا يقدر قدره {إذ } أي حين {قالوا} أي اليهود، والآية مدنية وقريش في قبولهم لقولهم، ويمكن أن تكون مكية، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى الله عليه وسلم في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السلام وإنزال التوراة عليه {ما أنزل الله} أي ناسين ما له من صفات الكمال {على بشر من شيء} لأن من نسب مَلِكاً تام الملك إلى أنه لم يُثبِت أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم، فكيف إذا كانت تلك النسبة كذباً! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب الذين هم بعض العالمين، أسند إلى الكل، لأنهم لم يردوا على قائله ولم يعاجلوه بالأخذ تفظيعاً للشأن وتهويلاً للأمر، وبياناً لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها ويتعرف أمرها، فإذا تحققه فمن طعن فيها أخذ على يده بما يصل إليه قدرته، كما أنه كذلك كان يفعل لو كان ذلك ناشئاً عن أبيه أو أحد ممن يكون فخره به من أبناء الدنيا، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الأمور كلها، من فرّط فيه هلك وأهلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تعالى - يعني هذه الآية، فقال مشيراً إلى أن اليهود قائلو ذلك، وملزماً بالاعتراف بالكذب أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخاً لهم ناعياً عليهم سوء جهلهم وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم حيائهم: {قل} أي لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة غير ناظرين في عاقبتها وما يلزم منها توبيخاً لهم وتوقيفاً على موضع جهلهم {من أنزل الكتاب} أي الجامع للأحكام والمواعظ وخيري الدنيا والآخرة {الذي جاء به موسى} أي الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه، حال كون ذلك الكتاب {نوراً} أي ذا نور يمكن الأخذ به من وضع الشيء في حاقّ موضعه {وهدى للناس} أي ذا هدى لهم كلهم، أما في ذلك الزمان فبالتقيد به، وأما عند إنزال الإنجيل فبالأخذ بما أرشد إليه من اتباعه، وكذا عند إنزال القرآن، فقد بان أنه هدى في كل زمان تارة بالدعاء إلى ما فيه وتارة بالدعاء إلى غيره؛ ثم بين أنهم اخفوا منه ما هو نص وصريح في الدعاء إلى غيره اتباعاً منهم للهوى ولزوماً للعمى فقال: {تجعلونه} أي أيها اليهود {قراطيس} اي أوراقاً مفرقة لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم {تبدونها} أي تظهرونها للناس {وتخفون كثيراً} أي منها ما تريدون به تبديل الدين - هذا على قراءة الجماعة بالفوقانية، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة الغضب مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله! ثم التفت إليهم للزيادة في تبكيتهم إعلاماً بأنهم متساوون لبقية الإنسان في أصل الفطرة، بل العرب أزكى منهم وأصح أفهاماً، فلولا ما أتاهم به موسى عليه السلام ما فاقوهم بفهم، ولا زادوا عليهم في علم، فقال: {وعلمتم} أي أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى {ما لم تعلموا أنتم} أي أيها اليهود من أهل هذا الزمان {ولا آباؤكم} أي الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم. ولما كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم، قال مشيراً إلى عنادهم: {قل} أي أنت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم فإنهم أجلف الناس وأعتاهم {الله} أي الذي أنزل ذلك الكتاب {ثم} بعد أن تقول ذلك لا تسمع لهم شيئاً بل {ذرهم في خوضهم} أي قولهم وفعلهم المثبتين على الجهل المبنيين على أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملون ما لا يعلمون {يلعبون *} أي يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضراً مع تضييع الزمان.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنْ ءابَائِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ} إما متعلقٌ بما تعلق به (من ذريته) ومن ابتدائية، والمفعول محذوف، أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ كثيرةً، وإما معطوف على (كلاًّ) ومن تبعيضية، أي وفضلنا بعضَ آبائهم الخ {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ} عطفٌ على (فضلنا) أي اصطفيناهم {وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تكريرٌ للتأكيدِ وتمهيدٌ لبـيان ما هُدوا إليه. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من مصادرِ الأفعال المذكورة وقيل: ما دانوا به، وما في ذلك من معنى البُعد لما مر مراراً {هُدَى ٱللَّهِ} الإضافة للتشريف {يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} وهم المستعدّون للهداية والإرشاد، وفيه إشارةٌ إلى أنه تعالى متفضِّلٌ بالهداية {وَلَوْ أَشْرَكُواْ} أي هؤلاءِ المذكورون {لَحَبِطَ عَنْهُمْ} مع فضلهم وعلوِّ طبقاتِهم {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الأعمال المَرْضيّة الصالحة، فكيف بمَنْ عداهم وهُم هُم وأعمالُهم أعمالُهم {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المذكورين من الأنبـياء الثمانيةَ عشَرَ، والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من الهداية وغيرِها من النعوت الجليلةِ الثابتةِ لهم، وما فيه من معنى البعد لما مرّ غيرَ مرة من الإيذان بعلوِّ طبقتهم وبُعْدِ منزلتهم في الفضل والشرف، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسَ الكتاب المتحقِّقِ في ضمن أيِّ فردٍ كان من أفراد الكتب السماوية، والمرادُ بإتيانِه التفهيمُ التام، بما فيه من الحقائق، والتمكينُ من الإحاطةِ بالجلائلِ والدقائق أعمُّ من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداءً، أو بالإيراث بقاءً، فإن المذكورين لم يُنْزَلْ على كل واحد منهم كتابٌ معين {وَٱلْحُكْمَ} أي الحِكمةَ أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ والصواب {وَٱلنُّبُوَّةَ} أي الرسالة {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين {هَـؤُلاء} أي كفارُ قريشٍ فإنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن كافرون بما يصدِّقه جميعاً، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتشويق إلى المؤخّر {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} أي أمَرْنا بمراعاتها ووفَّقْنا للإيمان بها والقيامِ بحقوقها {قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ} أي في وقت من الأوقات، بل مستمرون على الإيمان بها، فإن الجملةَ الاسميةَ الإيجابـية كما تفيد دوامَ الثبوت كذلك السلبـيةُ تُفيدُ دوامَ النفي بمعونةِ المقام، لا نفيَ الدوام كما حُقِّق في مقامه، قال ابنُ عباس ومجاهدٌ رضي الله تعالى عنهما: هم الأنصارُ وأهلُ المدينة، وقيل: أصحابُ النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كل مؤمن من بني آدم، وقيل: الفرس، فإن كلاًّ من هؤلاء الطوائف موَفّقون للإيمان بالأنبـياء وبالكتب المُنْزَلة إليهم، عاملون بما فيها من أصول الشرائعِ وفروعِها الباقية في شريعتنا، وبه يتحقق الخروجُ عن عُهدة التوكيل والتكليفِ دون المنسوخة منها، فإنها بانتساخها خارجة عن كونها من أحكامها، وقد مر تحقيقُه في تفسير سورة المائدة. وقيل: هو الأنبـياءُ المذكورون، فالمرادُ بالتوكيل الأمرُ بما هو أعمُّ من إجراء أحكامِها كما هو شأنُها في حق كتابهم ومِنِ اعتقاد حقِّيتِها كما هو شأنُها في حق سائرِ الكتبِ التي من جملتها القرآنُ الكريم، وقيل: هم الملائكةُ فالتوكيل هو الأمرُ بإنزالها وحفظِها واعتقادِ أحقّيتها، وأياً ما كان فتنكيرُ (قوماً) للتفخيم. والباء الأولى صلة وكلنا على مفعوله الصريح، فلِما ذكر آنفاً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ولأن فيه نوعَ طولٍ ربما يؤدِّي تقديمُه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم، أو إلى الفصلِ بـين الصفةِ والموصوف، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه المذكور، أي فإن يكفُرْ بها هؤلاءِ فلا اعتدادَ به أصلاً، فقد وفّقنا للإيمان بها قوماً فِخاماً ليسوا بكافرين بها قطعاً، بل مستمرون على الإيمان بها، والعملِ بما فيها، ففي إيمانهم بها مندوحةٌ عن إيمان هؤلاء، ومن هذا تبـيّن أن الوجه أن يكونَ المرادُ بالقوم إحدى الطوائفِ المذكورة، إذْ بإيمانهم بالقرآن والعملِ بأحكامه تتحقّقُ الغُنية عن إيمان الكَفَرة به والعملِ بأحكامه وأما الأنبـياءُ والملائكةُ عليهم السلام فإيمانُهم به ليس من قبـيل إيمانِ آحادِ الأمةِ كما أشير إليه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الآية: 87]. قال الجنيد: فى هذه الآية أخلصناهم لنا وأدَّبناهم بحضرتنا ودللناهم على الاكتفاء بنا عما سوانا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} اى اجتبيناهم فى الازل بمعرفتنا قبل ايجادهم وهديناهم الى مشاهدتنا بعد ايجادهم لان هناك استقامة كل عارف لا يدخل فيهم اعوجاج الخطرات واضطراب البشريات قال اجنيد اخلصناهم لنا وبناهم لحضرتنا ودللناهم على الاكتفاء بنا عما سوانا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن آبائهم} من تبعيضية اى وفضلنا بعض آباء المذكورين كآدم وشيث وادريس اذ من الآباء من لم يكن نبيا ولا مفضلا مهديا {وذرياتهم} اى وبعض ذرياتهم من بعضهم كأولاد يعقوب ومن جملة ذرياتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما فى تفسير الحدادى وانما اراد ذرية بعضهم لان عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان ذرية بعضهم من كان كافرا {وإخوانهم} كأخوة يوسف فى عصرهم ويحتمل ان يكون المراد بهم كل من آمن معهم فانهم كلهم دخلوا فى هداية الاسلام {واجتبيناهم} عطف على فضلنا اى اصطفيناهم {وهديناهم} اى ارشدناهم {الى صراط مستقيم} لا يضل من سلك اليه.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ} عطف على كلاًّ او نحواً وجعلت من التّبعيضيّة لقوّة معنى البعض فيها موقع الاسم {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} عطف على فضّلنا او هدينا {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تكرار هديناهم لتعيين المهدىّ اليه، او المراد بالاوّل الاراءة وبالثّانى الايصال او الاوّل هداية طريق النّبوّة والثّانى هداية طريق الولاية والصّراط المستقيم قد يراد به الولاية مطلقاً سواء كانت قبولاً ام تحقّقاً، وقد يراد به الولاية الجامعة بين الكثرة والوحدة والجمع والفرق وهو المراد هنا والاصل فى الكلّ ولاية علىّ (ع) وهى متّحدة مع علىّ (ع) ولذلك فسّر قوله تعالى {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الصافات:83] بشيعة علىّ (ع) مع رجوع الضّمير ظاهراً الى نوح (ع).

اطفيش

تفسير : {ومن آبائهم وذُريَّاتهم وإخْوَانهم} متعلق بمحذوف نعت لمحذوف، والمحذوف مفعول لمحذوف، ومن للتبعيض، أى وهدينا ناساً ثابتين من آبائهم، أو فضلنا ناساً ثابتين من آبائهم على أهل زمانهم أو أقرانهم بالدين والعلم، وليسوا بأنبياء فإن من آبائهم وأبنائهم من هو مشرك أو فاسق، كما دلت عليه من التبعيضية، وذلك كآزر وابن نوح. {واجْتَبيناهم} اخترناهم عطف على فضَّلنا أو هدينا المحذوف، وقيل: على هدينا أو فضلنا المذكور {وهَديْناهم إلى صِراطٍ مُستقيمٍ} كرر ذكر الهداية لبيان ما هداهم إليه، وضمير هديناهم واجتبيناهم عائد إلى الناس المهديين من آباء هؤلاء الأنبياء ومن ذريتهم ومن إخوانهم، وقيل إلى الأنبياء المذكورين.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ} عطف على كلا أَو نوحا، أَى وفضلنا وبعض آبائهم إِلخ. وهدينا نوحا وبعض ذرياتهم، ومن للتبعيض حرفا أَو اسما، ووجه التبعيض أَن آباءَهم وذرياتهم منهم مؤمنون وكافرون كآزر وولد نوح الغريق، وإِن إِخوانهم فى النسب منهم مؤمنون وكافرون، والكلام مفروض فيمن له أَخ أَو ذرية أَو كلاهما، ولا ولد لعيسى ولا أَب، ولا ولد ليحيى، ولا أَخ لهما، وقدر بعضهم وهدينا من آبائهم وأَبنائهم وإِخوانهم جماعات {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} اخترناهم، والعطف على فضلنا أَو هدينا {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} تكرير أُريد به بيان ما هدوا إِليه.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ} يحتمل ـ كما قيل ـ أن يتعلق بما تعلق به { أية : مِنْ ذُرّيَّتَهُ } تفسير : [الأنعام: 84] و (من) ابتدائية والمفعول محذوف أي وهدينا من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم جماعات كثيرة أو معطوف على { أية : كَلاَّ فَضَّلْنَا } تفسير : [الأنعام: 86] و (من) تبعيضية أي فضلنا بعض ءابائهم الخ / وجعله بعضهم عطفاً على { أية : نُوحاً } تفسير : [الأنعام: 84]، و (من) واقعة موقع المفعول به مؤولاً ببعض. واعتبار البعضية لما أن منهم من لم يكن نبياً ولا مهدياً قيل. وهذا في غير الآباء لأن آباء الأنبياء كلهم مهديون موحدون، وأنت تعلم أن هذا مختلف فيه نظراً إلى ءاباء نبينا صلى الله عليه وسلم وكثير من الناس من وراء المنع فما ظنك بآباء غيره من الأنبياء عليهم السلام. ولا يخفى أن إضافة الآباء والأبناء والإخوان إلى ضميرهم لا يقتضي أن يكون لكل منهم أب أو ابن أو أخ فلا تغفل. {وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ } عطف على { أية : فَضَّلْنَا } تفسير : [الأنعام: 86] أي اصطفيناهم {وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تكرير للتأكيد وتمهيد لبيان ما هدوا إليه ولم يظهر لي السر في ذكر هؤلاء الأنبياء العظام عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل السلام على هذا الأسلوب المشتمل على تقديم فاضل على أفضل ومتأخر بالزمان على متقدم به وكذا السر في التقرير أولاً بقوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ نَجْزِى } تفسير : [الأنعام: 84] الخ وثانياً بقوله سبحانه: { أية : كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الأنعام: 85] والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَائِهِمْ} {وَذُرِّيَّاتِهِمْ} {وَإِخْوَانِهِمْ} {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} {وَهَدَيْنَاهُمْ} {صِرَاطٍ} (87) - وَهَدَى اللهُ بَعْضَ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ - لاَ كُلّهُمْ إذْ إِنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الأَقْرَبِينَ لَمْ يَهْتَدِ بِهَدْيِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، كَآزَرَ أَبِي إِبْرَاهِيم، وَابْنِ نُوحٍ وَزَوْجَةِ لُوطٍ -. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ اخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَهَدَاهُمُ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ} معناهُ اخْتَرنَاهُمْ.