٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة. واعلم أن العطف يوجب المغايرة، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل على أمور ثلاثة متغايرة. واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: أحدها: الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم، وهم العلماء. وثانيها: الذين يحكمون على ظواهر الخلق، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة، وثالثها: الأنبياء، وهم الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم، وأيضاً أعطاهم من القدرة والمكنة ما لأجله يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق. إذا عرفت هذه المقدمة فقوله: {آتيناهم ٱلْكِتَـٰبَ} إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله: {وَٱلْحُكْمَ } إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاماً على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر. وقوله: {وَٱلنُّبُوَّةَ } إشارة إلى المرتبة الثالثة، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة، والمختار عندنا ما ذكرناه. واعلم أن قوله: {آتيناهم ٱلْكِتَـٰبَ} يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى، وإنجيل عيسى عليه السلام، وقرآن محمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه الله تعالى فهماً تاماً لما في الكتاب وعلماً محيطاً بحقائقه وأسراره، وهذا هو الأولى. لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل الله تعالى على كل واحد منهم كتاباً إلهياً على التعيين والتخصيص. ثم قال تعالى: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاء } والمرادفان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك القوم من هم؟ على وجوه، فقيل: هم أهل المدينة وهم الأنصار، وقيل: المهاجرون والأنصار، وقال الحسن: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج. قال الزجاج: والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } وقال أبو رجاء: يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم، وقال مجاهد هم الفرس، وقال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكاً أو نبياً أو من الصحابة أو من التابعين. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان. وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركاً فيه بين المؤمن وغير المؤمن، وحينئذ لا يبقى لقوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } معنىٰ. وأجاب الكعبي عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله، وذكر في الجواب وجهاً ثانياً، فقال: وبتقدير: أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر أن لم يحصل له نعم الله كالوالد الذي يسوي بين الولدين في العطية، فإنه يصح أن يقال: إنه أعطى أحدهما دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده. واعلم أن الجواب الأول ضعيف، لأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشتركة فيما بين الكافر والمؤمن؛ والتخصيص عند المعتزلة غير جائز، والثاني: أيضاً فاسد. لأن الوالد لما سوى بين الولدين في العطية، ثم إن أحدهما ضيع نصيبه، فأي عاقل يجوز أن يقال أن الأب ما أنعم عليه، وما أعطاه شيئاً. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه ويقوي دينه، ويجعله مستعلياً على كل من عاداه، قاهراً لكل من نازعه، وقد وقع هذا الذي أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع، فكان هذا جارياً مجرى الأخبار عن الغيب، فيكون معجزاً. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} ابتداء وخبر «والحكم» العلم والفقه. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} أي بآياتنا. {هَـٰؤُلاۤءِ} أي كفار عصرك يا محمد. {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} جواب الشرط؛ أي وكلنا بالإيمان بها {قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} يريد الأنصار من أهل المدينة والمهاجرين من أهل مكة. وقال قتادة: يعني النبيّين الذين قصّ الله عز وجل. قال النحاس: وهذا القول أشبه بالمعنى؛ لأنه قال بعدُ: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ». وقال أبو رجاء: هم الملائكة. وقيل: هو عام في كل مؤمن من الجن والإنس والملائكة. والباء في «بكافرين» زائدة على جهة التأكيد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } بمعنى الكتب {وَٱلْحُكْمَ } الحكمة {وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } أي بهذه الثلاثة {هَٱؤُلاَءِ } أي أهل مكة {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } أرصدنا لها {قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ } هم المهاجرون والأنصار.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَإِنَ يَكْفُرْ بِهَا} قريش {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا} الأنصار، أو إن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا أهل المدينة، أو إن يكفر بها قريش فقد وكلنا بها الملائكة، أو الأنبياء الثمانية عشر المذكورين من قبل {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ}تفسير : [الأنعام: 84]، أو جميع المؤمنين. {وَكَّلْنَا بِهَا} أقمنا لحفظها ونصرها يعني الكتب والشرائع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} يعني أولئك الذين سميناهم من الأنبياء أعطيناهم الكتب التي أنزلناها عليهم وآتيناهم العلم والفهم وشرفناهم بالنبوة وإنما قدم ذكر الكتاب والحكمة على النبوة وإن كانت النبوة هي الأصل لأن منصب النبوة أشرف المراتب والمناصب فذكروا أولاً الكتاب والحكم لأنهما يدلان على النبوة {فإن يكفر بها هؤلاء} يعني فإن يجحد بدلائل التوحيد والنبوة كفار قريش {فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} قال ابن عباس: هم الأنصار وأهل المدينة. وقيل: هم المهاجرون والأنصار وقال الحسن وقتادة: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم واختاره الزجاج قال: والدليل عليه قوله {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وقال رجاء العطاردي: هم الملائكة وفيه بعد لأن اسم القوم لا ينطلق إلا على بني آدم وقيل هم الفرس. قال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكاً أو نبياً أو من الصحابة أو التابعين وفي الآية دليل على أن الله تعالى ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم ويقوي دينه ويجعله عالياً على الأديان كلها وقد جعل ذلك فهو إخبار عن الغيب... قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله} يعني النبيين الذين تقدم ذكرهم لأنهم هم المخصوصون بالهداية {فبهداهم اقتده} إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني فبشرائعهم وسننهم اعمل وأصل الاقتداء في اللغة طلب موافقة الثاني للأول في فعله. وقيل أمره أن يقتدي بهم في أمر الدين الذي أمرهم أن يجمعوا عليه وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عن جميع النقائص التي لا تليق بجلاله في الأسماء والصفات والأفعال. وقيل: أمره الله أن يقتدي بهم في جميع الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية والصفات الرفيعة الكاملة مثل: الصبر على أذى السفهاء، والعفو عنهم. وقيل: أمره أن يقتدي بشرائعهم إلا ما خصه دليل آخر فعلى هذا القول يكون في الآية دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا. (فصل) احتج العلماء بهذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. بيانه أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف وكانت متفرقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى قومه، وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله عز وجل، وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن، وكان داود عليه السلام وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، قال الله فيهم:{أية : اعملوا آل داود شكراً}تفسير : [سبأ: 13] وكان أيوب صاحب صبر على البلاء، قال الله فيه {أية : إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب}تفسير : [ص: 44] وكان يوسف قد جمع بين الحالتين، يعني: الصبر والشكر، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع وإخبات ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع له جميع الخصال المحمودة المتفرقة فيهم فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم كان أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال التي كانت متفرقة في جميعهم والله أعلم. وقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً} يعني: قل يا محمد لا أطلب على تبليغ الرسالة جعلاً قيل لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين وكان من جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم فقال: لا أسألكم عليه أجراً {إن هو} يعني ما هو يعني القرآن {إلا ذكرى للعالمين} يعني أن القرآن موعظة وذكرى لجميع العالم من الجن والإنس وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى جميع الخلق من الجن والإنس وإن دعوته عمَّت جميع الخلائق. قوله عز وجل: {وما قدروا الله حق قدره} قال ابن عباس: لما عظموا الله حق عظمته وعنه أن معناه ما آمنوا أن الله على شيء قدير. وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق وصفه. وقال الأخفش: ما عرفوا الله حق معرفته. يقال: قدر الشيء إذا حزره وسبره وأراد ان يعلم مقداره يقال قدره يقدره بالضم قدراً ثم يقال لمن عرف شيئاً هو يقدره قدره وإذا لم يعرفه بصفاته يقال فيه إنه لا يقدر قدره فقوله {وما قدروا الله حق قدره} يصح فيه جميع الوجوه المذكورة في معناه {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} يعني الذين قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته إذ لو عرفوه حق معرفته لما قالوا هذه المقالة، ثم اختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في كفار قريش وهذا على قول من يقول إن جميع هذه السورة مكية وهو قول السدي. ويروي ذلك عن مجاهد وصححه الطبري قال: لأن من أول السورة إلى هذا الموضع هو خبر عن المشركين من عبدة الأصنام وكان قوله {وما قدروا الله حق قدره} موصولاً بذلك غير مفصول عنه فلا يكون قوله إذ قالوا: {ما أنزل الله على بشر من شيء} خبراً عن غيرهم وأورد فخر الدين الرازي على هذا القول إشكالاً وهو أن كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء فكيف يمكن إلزامهم بنبوة موسى وأيضاً فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش إنما يليق بحال اليهود وأجاب عنه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود وقد سمعوا منهم أن موسى جاءهم بالتوراة وبالمعجزات الباهرات وإنما أنكر كفار قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيمكن إلزامهم بقوله {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} وأجاب عن كون سياق الآية لا يليق إلا بحال اليهود بأن كفار قريش واليهود لما كانوا مشتركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يبعد أن بعض الآية يكون خطاباً لكفار قريش وبعضها خطاباً لليهود. والقول الثاني: في سبب نزول هذه الآية وهو قول جمهور المفسرين أنها نزلت في اليهود وهذا على قول من يقول: إن هذه الآية نزلت بالمدينة وأنها من الآيات المدنيات التي في السور المكية. قال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام بمكة إلا ست آيات منها قوله: {وما قدروا الله حق قدره} فإنها نزلت بالمدينة ثم اختلف القائلون بهذا القول في اسم من نزلت هذه الآية فيه فقال سعيد بن جبير: حديث : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى أما تجدون في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين وكان حبراً سميناً فغضب. وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال أصحابه الذين معه ويحك ولا على موسى فقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره} تفسير : {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} نوراً وهدى للناس الآية. قال البغوي: وفي القصة أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى فلمَ قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد فقلت ذلك. فقالوا له: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق؟ فنزعوه عن الحبرية وجعلوا مكانه كعب الأشرف. وقال السدي: لما نزلت هذه الآية في فنحاص بن عازوراء اليهودي وهو القائل هذه المقالة. وقال ابن عباس: قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: نعم فقالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً فأنزل الله: {وما قدروا الله حق قدره} {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} الآية وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب؟ فقالوا يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً يحملونها من عند الله فأنزل الله {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء}تفسير : [النساء: 153] الآية التي في سورة النساء فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة جثا رجل منهم وقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً فأنزل الله: {وما قدروا الله حق قدره} إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء وأورد الرازي على هذا القول إشكالاً أيضاً وهو أنه قال: إن اليهود مُقِرّوُن بإنزال التوراة على موسى فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء مع اعترافهم بإنزال التوراة ولم يجب عن هذا الإشكال بشيء وأجيب عنه بأن مراد اليهود إنكار إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فقط ولهذا ألزموا بملا لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى فقال تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين أنكروا إنزال القرآن عليك بقولهم ما أنزل الله على بشر من شيء من أنزل التوراة على موسى وفي هذا الإلزام توبيخ اليهود بسوء جهلهم وإقدامهم على إنكار الحق الذي لا ينكر {نوراً وهدى للناس} يعني التوراة ضياء من ظلمة الضلالة وبياناً يفرق بين الحق والباطل من دينهم وذلك قبل أن تبدل وتغير {تجعلونه قراطيس} يكتبونه في قراطيس مقطعة {تبدونها} يعني القراطيس المكتوبة {وتخفون كثيراً} يعني ويخفون كثيراً مما كتبوه في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في التوراة ومما أخفوه أيضاً آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في التوراة {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} أكثر المفسرين على أن هذا خطاب لليهود ومعناه: أنكم علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من قبل. قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به. وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم {قل الله} هذا راجع إلى قوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} فإن أجابوك يا محمد وإلا فقل أنت الله الذي أنزله: {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} يعني: دعهم يا محمد فيما هم فيه يخوضون من باطلهم وكفرهم بالله. ومعنى يلعبون: يستهزؤون ويسخرون. وقيل: معناه يا محمد إنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء فذرهم فيما هم فيه من الخوض واللعب وفيه وعيد وتهديد للمشركين. وقال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف وفيه بُعد لأنه مذكور لأجل التهديد والوعيد.
ابن عادل
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي: الكتب المُنَزَّلة عليهم، و"الحكم" يعني العلم والفِقْهَ، و"النبوة". والإشارة بـ "أولئك" إلى الأنبياء الثمانية عشر المذكورين، ويحتمل أن يكون المراد بـ "آتيناهم الكتاب" أي: الفَهْمَ التَّامَّ لما في الكتاب، والإحاطة بحقائقه، وهذا هو الأولى؛ لأن الثمانية عشر لم ينزل على كل واحد منهم كتاباً إلهياً على التعيين. قوله {فإنْ يَكْفُرْ بِهَا} هذه "الهاء" تعود على الثلاثة الأشياء، وهي: الكتاب والحكم والنبوة، وهو قول الزمخشري. وقيل: يعود على "النبوة" فقط، لأنها أقرب مذكور، والباء في قوله: "لَيْسُوا بِهَا" مُتعَلِّقَةٌ بخبر "ليس"، وقدم على عاملها، والباء في "بكافرين" زائدة توكيداً. فصل في معنى الآية معنى قوله: "يَكْفُرْ بِهَا هَؤلاءِ" يعني أهل "مَكة" {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِين}؛ قال ابن عباس: المراد بالقَوْمِ الأنْصَارُ، وأهل "المدينة"، وهو قول مجاهد. وقال قَتَادَةُ والحسن: يعني الأنبياء الثمانية عشر. قال الزجاج: ويدلُّ عليه قوله بعد هذه الآية: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}. وقال أبو رَجَاءٍ العطاردي فإن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكلَّنا بها أهل السماء، يعني الملائكة، وهو بعيد؛ لأن اسم القوم كُلُّ ما يقع على غير بني آدم. وقال مجاهد: هم الفرس. وقال ابن زيد: كل من لم يكفر، فهو منهم، سَوَاءً كان ملكاً، أو نبيًّا، أو من الصحابة، أو من التابعين. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} "أولئك" مفعول مُقدَّمٌ لـ "هدى الله" ويَضْعُفُ جعله مبتدأ على حذف العائد، أي: هداهم الله كقوله: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تفسير : [المائدة:50] برفع "حُكْمُ" [والإشارة بـ "أولئك" إلى الأنبياء المتقدم ذكرهم]. قوله: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} قرأ الأخوان بحذف الهاء في الوَصْلِ والباقون أثبتوها وَصْلاً وَوَقْفاً، إلا أن ابن عامر بكسرها، ونقل ابن ذكوان عنه وجهين: أحدهما: الكَسْر من غير وَصْلٍ بمدة، والباقون بسكونها. أما في الوقف فإن القراء اتَّفَقُوا على إثباتها سَاكِنةً واختلفوا في "مَالِيَه" و"سُلْطَانِيَه" في "الحاقَّة" وفي "مَاهِيَهْ" في "القارعة" بالنسبة إلى الحذف والإثبات، واتفقوا على إثباتها في "كِتَابِيَهْ" و "حِسَابِيِهْ" فأما قراءة الأخوين، فالهاء عندهما للسَّكْتِ، فلذلك حَذَفَاهَا وصْلاً؛ إذ محلها الوَقْفُ، وأثبتاها وقفاً إتْبَاعاً لِرَسْمِ المصحف, وأما من أثبتها ساكنة، فيحتمل عنده وجهين: أحدهما: هي هاء سَكْتٍ، ولكنها ثبتت وَصْلاً إجْرَاءً للوصْلِ مجرى الوَقْفِ، كقوله: {أية : لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ} تفسير : [البقرة:259] في أحد الأقوال كما تقدم. والثاني: أنها ضمير المصدر سُكِّنَتْ وَصْلاً إجْرَاءً للوَصْلِ مجرى الوَقْفِ، نحو: {أية : نُؤْتِهِ}تفسير : [آل عمران:145] {أية : فَأَلْقِهْ} تفسير : [النمل:28] و {أية : أَرْجِهْ} تفسير : [الأعراف:111] و {أية : نُوَلِّهِ} تفسير : [النساء:115] {أية : وَنُصْلِهِ} تفسير : [النساء:115]. واختلف في المصدر الذي تعُودُ عليه هذه "الهاء"، فقيل: الهدى، أي اقتدى الهدى، والمعنى اقْتد اقْتداء الهدى، ويجوز أن يكون الهدى مفعولاً لأجله؛ أي: فبهداهم اقتد لأجل الهدى. وقيل: الاقتداء؛ أي: اقتد الاقتداء، ومن إضمار المصدر قول الشاعر: [البسيط] شعر : 2230- هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إنْ يَلْقَها ذِيبُ تفسير : أي: يَدْرُسُ الدَّرْسَ، ولا يجوز أن يتكون "الهاء" ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدَّى له، وإنما زيدت "اللام" تَقْوِيَةً له، حيث تقدَّم معموله، وكذلك جعل النُّحَاةُ نَصْب "زيداً" من "زيداً ضَرَبْتُهُ" بفعل مُقدَّرٍ، خلافاً للفراء. قال ابن الأنْبَارِيّ: "إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، وإن الأصل: اقتد اقتد، ثم جعل المَصْدَرُ بَدَلاً من الفعل الثاني، ثم أضْمِرَ فاتَّصَلَ بالأول". وأما قراءة ابن عامر فالظَّاهِرُ فيها أنها ضمير، وحُرِّكَتْ بالكَسْرِ من غير وَصْلٍ وهو الذي يسميه القُرَّاء الاخْتِلاَس تَارَةً، وبالصلة وهو المُسَمَّى إشْبَاعاً أخرى كما قرئ: {أية : أَرْجِهْ} تفسير : [الأعراف:111] ونحوه. وإذا تقرَّرَ هذا فقول ابن مُجَاهِدٍ عن ابن عامر "يُشِمُّ الهاء من غير بُلُوغِ ياء" وهذا غلط؛ لأن هذه "الهاء" هاء وَقْفٍ لا تعرب في حالٍ من الأحوال، أي: لا تحرك وإنما تدخل ليتبيَّنَ بها حركةُ ما قبلها ليس بِجَيِّدٍ لما تقرر من أنها ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وقد رَدَّ الفَارِسيُّ قول ابن مجاهد بما تقدم. والوجه الثاني: أنها هاء سَكْتٍ أجْرِيَتْ مُجْرَى الضمير، كما أجريت هاء الضمير مُجْرَاهَا في السكُونِ، وهذا ليس بِجَيِّدٍ، ويروى قول المتنبي: [البسيط] شعر : 2231- واحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ ....................... تفسير : بضم "الهاء" وكسرها على أنها "هاء" السَّكْتِ، شُبِّهَتْ بهاء الضمير فحركت، والأحسن أن تجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبهها بالضمير؛ لأن "هاء" الضمير لا تكسر بعد الألف، فكيف بما يشبهها؟ والاقتداءُ في الأصْلِ طَلَبُ المُوافَقَةِ قاله اللَّيْث. ويقال: قدوة وقدو وأصله من القدو وهو أصل البِنَاءِ الذي يتشعب منه تصريف الاقتِدَاءُ. قال الواحِدِيُّ: الاقتِدَاءُ في اللغة: الإتيان بِمِثْلِ فِعْل الأول لأجل أنه فعله و"بِهُداهِمِ" متعلق بـ "اقْتَدِهْ". وجعل الزمخشري تقديمه مُفيداً للاختصاص على قاعدته. فصل فيما يقتدى بهم فيه هذا خِطَابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الشيء الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه. فقيل: المُرَادُ أن يَقْتَدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه، وهو التوحيد والتَّنْزِيه عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بالباري سبحانه وتعالى في الذَّاتِ والصِّفاتِ والأفْعَالِ. وقيل: المراد الاقْتِدَاءُ بهم في شَرَائِعِهمْ إلا ما خَصَّهُ الدليل على هذا، فالآية دَلِيلٌ على أن شَرْعَ من قبلنا يلزمنا وقيل: المراد به إقَامَةُ الدلالة على إبْطَالِ الشِّرْكِ، وإقامة التوحيد؛ لأنه ختم الآية بقوله: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعام:88] ثم أكد إصْرَارَهُمْ على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} أي: اقْتَدِ بهم في نَفْيِ الشرك، وإثبات التوحيد، وتَحَمُّلِ سَفَاهَاتِ الجُهَّال. وقال آخرون: اللفظ مُطْلَقٌ فيحمل على الكل إلاَّ ما خَصَّهُ الدَّليل المُنْفَصِلُ. قال القاضي يبعد حَمْلُ هذه الآية على أمْرٍ الرَّسُولِ بِمُتَابَعَةِ الأنبياء المُتقدِّمين في شَرَائِعِهمْ لوجوه: أحدها: أن شرائعهم مختلفة مُتناقِضَةٌ فلا يَصِحُّ مع تَنَاقُضِهَا أن يكون مأموراً بالاقْتِدَاءِ بهم في تلك الأحْكَامِ المُتناقِضَةِ. وثانيها: أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العملِ، وإذا ثبت هذا، فنقولُ: دليل ثباتِ شَرْعِهِمْ كان مخصوصاً بتلك الأوْقَاتِ فقط، فكيف يُسْتَدَلُّ بذلك على اتِّبَاعِهِمْ في شرائعهم في كل الأوقات. وثالثها: أن كونه - عليه الصَّلاة والسَّلام - مُتَّبعاً لهم في شرائعهم يوجب أن يكون مَنْصِبُهُ أقَلَّ من مَنْصِبِهِمْ، وذلك بَاطِلٌ بالإجماع، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حَمْلُ الآية على وُجُوبِ الاقْتِداءِ بهم في شَرَائِعِهمْ. والجواب عن الأول، أن قوله: "فَبُهَداهمُ اقْتَدِه" يتناول الكل فأما ما ذكرتم من كون بعض تلك الأحْكَامِ مُتَنَاقِضَةً بحسب شرائعهم، فنقول: العام يجب تخصيصه في هذه الصُّورة، ويبقى فيما عداها حُجَّة. وعن الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - لو كان مأموراً بأن يَسْتَدِلَّ بالدليل الذي اسْتَدَلَّ به الأنبياءُ المتقدِّمُون لم يكن ذلك مُتَابَعَةً؛ لأن المسلمين لما اسْتَدَلُّوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال: إنهم مُتَّبِعُونَ لليهود والنَّصارى في هذا الباب؛ لأن المستدلَّ بالدليل يكون أصلاً في ذلك الحكم، ولا تعلُّق له بمن قبله ألْبَتَّةَ، والاقتداء والاتِّبَاعُ لا يحصل إلا إذا كان فعل الأوَّل سَبَباً لوجوب الفِعْلِ عن الثاني. وعن الثالث: أنه أمر الرَّسُولَ بالاقْتِدَاءِ بجميعهم في جميع الصِّفَاتِ الحميدة، والأخلاق الشريفة، وذلك لا يوجب كونه أقَلَّ مرتبة من الكُلِّ على ما يأتي في الفَصْلِ الذي بعده. فصل في أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم احْتَجَّ العملاء بهذه الآية على أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلام؛ لأن خِصَالَ الكمالِ وصفاتِ الشَّرفِ كانت مفرّقة فيهم فـ "داود" و "سليمان" كانا من أصحاب الشكر على النعمة، و "أيُّوب" كان من أصحاب الصَّبْرِ على البلاءِ، و "يوسف" كان جَامِعاً لِهَاتيْنِ الحالتين، و "موسى" عليه الصلاة والسلام كان صاحب الشريعةِ القويَّةِ القاهرة، والمعجزات الظاهرة و "زكريا" و "يحيى" و "عيسى" و "إلياس" كانوا أصحاب الزُّهْدِ، و "إسماعيل" كان صاحب الصِّدْق و "يونس" كان صاحب التَّضَرُّعِ. وثبت أنه - تعالى - إنما ذكر كُلُّ واحد من هؤلاء الأنبياء؛ لأن الغالب عليه خَصْلةٌ مُعيَّنةٌ من خِصال المَدْح والشرف، ثم إنه تعالى لما ذكر الكلّ أمر محمداً - عليه الصَّلاة والسَّلام - بأن يقتدي بهم بأسْرِهمْ، فكان التقدير كأنه - تعالى - أمر محمداً أن يجمع من خِصالِ العُبُوديَّة والطاعة كُل الصفات التي كانت مُتفرِّقَةً فيهم بأجمعهم، ولما أمره الله - تبارك وتعالى - بذلك امْتَنَعَ أن يقال: إنه قَصَّر في تحصيلها، فثبت أنه حَصَّلَهَا، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يقال: إنه أفْضَلُهُمْ بكليتهم. قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء المتقدمين، وكان من جُمْلَةِ هدايتِهِمْ تَرْكُ طلب الأجْرِ في إيصال الدينِ، وإبلاغ الشريعة لا جَرَم اقتدى بهم في ذلك فقال: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} [و "الهاء" في "عليه"] تعود على القرآن والتبليغ أضمرا وإن لم يَجْرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة السِّياق عليهما، و "أن" نافية ولا عمل لها على المَشْهُور، ولو كانت عَامِلةً لبطل عملها بـ "إلاَّ" في قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ} أن يذكره ويعظه. "وللعالمين" متعلق بـ "ذكرى" و "اللام" معدية أي: إن القرآن العظيم إلاَّ تذكير للعالمين، ويجوز أن تكون متعلِّقَةً بمحذوف على أنها صِفَةٌ للذِّكْرَى، وهذه الآية تَدُلُّ على أنه صلى الله عليه وسلم مَبْعُوثٌ إلى كل أهْلِ الدنيا لا إلى قَوْمِ دون قَوْمٍ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن حوثرة بن بشير. سمعت رجلاً سأل الحسن عن قوله {الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة} من هم يا أبا سعيد؟ قال: هم الذين في صدر هذه الآية . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم} قال: الحكم اللب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فإن يكفر بها هؤلاء} يعني أهل مكة يقول: أن يكفروا بالقرآن {فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} يعني أهل المدينة والأنصار . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فإن يكفر بها هؤلاء} قال: أهل مكة كفار قريش {فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} وهم الأنبياء الذين قص الله على نبيه الثمانية عشر، الذين قال الله {فبهداهم اقتده} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء العطاردي في قوله {فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} قال: هم الملائكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان أهل الإيمان قد تبوّأوا الدار والإِيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله الآيات جحد بها أهل مكة، فقال الله {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} . وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في الآية قال: إن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا بها أهل المدينة من الأنصار .
القشيري
تفسير : يعني إِنْ أعرض قومُك - يا محمد - فليس كلُّ من (....) على الجحود أظهرناهم، بل كثير من عبادنا نزَّهنا - عن الجحود - قلوبَهم، وعَجَنَّا بماء السعادة طينتهم وهم لا يحيدون عن التوحيد لحظةً، ولا يزيغون عن التحصيل شمَّة.
اسماعيل حقي
تفسير : {اولئك} المذكورون من الانبياء الثمانية عشر {الذين آتيناهم الكتاب} اى جنس الكتاب المتحقق فى ضمن اى فرد كان من افراد الكتب السماوية والمراد بايتائه التفهيم التام بما فيه من الحقائق والتمكين من الاحاطة بالجلائل والدقائق اعم من ان يكون ذلك بانزال ابتداء او بالايراث بقاء فان المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين {والحكم} اى الحكمة او فصل الخطاب على ما يقتضيه الحق والصواب {والنبوة} اى الرسالة {فان يكفر بها} اى بهذه الثلاثة {هؤلاء} اهل مكة {فقد وكلنا بها} اى امرنا بمراعاتها وفقنا للايمان بها والقيام بحقوقها {قوما ليسوا بها بكافرين} فى وقت من الاوقات بل مستمرون على الايمان بها وهم اصحاب النبى عليه السلام والباء صلة كافرين وفى بكافرين لتأكيد النفى.
الجنابذي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} قد يراد به النّبوّة فانّها انتقاش القلب بالاحكام الآلهيّة وقد يراد به الرّسالة فانّها انتقاش الصّدر بالاحكام الآلهيّة والكتاب التّدوينىّ صورة ذلك والمراد به هنا المعنى الثّانى {وَٱلْحُكْمَ} بمعنى الحكمة الّتى هي الدّقّة فى العلم المستتبع للاتقان فى العمل وهى مسبّبة عن الولاية والمراد بها هنا الولاية {وَٱلنُّبُوَّةَ} يعنى انّا تفضّلنا عليهم بالمراتب الثّلاث الّتى لا كمال اتمّ منها {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا} اى بالمراتب الثّلاث {هَـٰؤُلاۤءِ} يعنى انّهم مقرّون بالمذكورين فان كان اقرارهم لاجل اتّصافهم بتلك المراتب فينبغى ان يقرّوا بك ايضاً لاتّصافك بها، وان كان اقرارهم لاشخاصهم البشرية مع كفرهم بتلك المراتب ولذا كفروا بك فلا يضرّونها شيئاً {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} وهم اهل بيت محمّد (ص) واتباعهم وقد قيل: انّهم ابناء الفرس.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء} يعني الكتاب والحكم والنبوة هؤلاء يعني أهل مكة {فقد وكَّلْنَا بها قوماً} وهم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم، وقيل: هم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل من آمن به، وقيل: هم الملائكة وادعى الأنصار أنها لهم رواه في الحاكم، وقوله: {وكلنا بها} يعني أنهم وفقوا للايمان بها والقيام بحقوقها {فبهداهم اقتده} والمراد: بطريقتهم في الايمان بالله تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع فانها مختلفة {قل} يا محمد {لا أسألكم عليه أجراً} جُعلاً ورزقاً {إن هو}، يعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: القرآن {إلاَّ ذكرى للعالمين} قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} يعني وما عرفوه حق معرفته أو ما عظَّموه حق تعظيمه والآية نزلت في مالك بن الصيف كان يخاصم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون في التوراة ان الله يبغض الحبر السمين" وكان هو حبراً سميناً فغضب، وقال: والله {ما أنزل الله على بشر من شيء} فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟ فقال: {ما أنزل الله على بشر من شيء} وكان يومئذ بمكة فلما رجع إلى المدينة عزلته اليهود، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف لأنه كان حاكمهم، وقيل: نزلت في فنحاص اليهودي، وقيل: في علماء اليهود، وقيل: القائلون قريش، قوله تعالى: {تجعلونه قراطيس} أي كتباً وصحفاً {تبدونها وتخفون كثيراً} أي تظهرون بعضاً وتكتمون بعضاً مثل آية الرجم وذكر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {وعُلِّمْتُم ما لم تعلموا}، قيل: هو خطاب للمسلمين تذكيراً لهم نعمة الله تعالى، وقيل: خطاب لليهود أي جعل لهم علماً فضيَّعوه ولم ينتفعوا به، قال جار الله: الخطاب لليهود أي علمتم على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أوحى إليه {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} وأنتم حملة التوراة ولم يعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كذبوا وكانوا أعلم منكم {أية : إنَّ هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون}تفسير : [النمل: 76]، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله تعالى: {أية : لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم}تفسير : [يس: 6]، قوله تعالى: {قل الله} أي الله أنزله فإنهم لا يناكرونك {ثم ذرهم في خوضهم} يعني في باطلهم الذي يخوضون فيه {وهذا كتاب} يعني القرآن {مصدق الذي بين يديه} يعني الكتب التي أنزلها الله تعالى {ولتنذر أم القرى} أي لتخوفهم، وأم القرى مكة لأن الخلق يجتمعون إليها، ولأن الأرض دحيت من تحتها {والذين يؤمنون بالآخرة} يعني يصدقون بالنشأة الآخرة {يؤمنون به} قيل: بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: بالقرآن {وهم على صلاتهم يحافظون} يعني الصلوات الخمس يداومون عليها.
اطفيش
تفسير : {أولئكَ} الأنبياء مبتدأ {الَّذينَ} خبر {آتيناهُم الكِتابَ} جنس الكتاب، والمراد الصحف والتوراة والزبور والإنجيل {والحُكْم} الحكمة وهى الوعظ البليغ النافع والعلم، ويجوز أن يراد الحكم بين الناس بالحق، وإنفاذ الحقوق {والنبوَّة} قبل الرسالة، والظاهر أن المراد مطلق النبوة، ونعلم من خارج أنهم مرسلون، وقدم الكتاب والحكم ليدلا أولا عليها، والحكم لا يوجبها، ولكن يناسبها، فزادت دلالة الكتاب بها، وإعطاء النبوة على من أعطاه الكتاب والحكم، لكنها تستلزم الحكم. {فإنْ يكْفُر بها} أى بالنبوة، أو بهذه الجملة التى هى الكتاب والحكم والنبوة {هؤلاءِ} كفار قريش، وعن ابن عباس: كفار قريش، وكل كافر فى ذلك العصر، وظاهر الآية، فإن يكفر بالنبوة أو بها وبالحكم والنبوة فى حق من ذكر من الأنبياء، وفى حقه صلى الله عليه وسلم بالأولى، ويحتمل أن يكون المعنى: فإن يكفر هؤلاء بذلك فى حقك يا محمد، وذلك على طريق الاستخدام {فَقَد وكَّلنا بها} أى بإقامتها {قوماً ليسُوا بها بكَافِرين} وهم مؤمنو أهل كل عصر من أعصار هؤلاء الأنبياء، وعلى أن يراد كفر هؤلاء بذلك فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالعصر المهاجرون والأنصار، ومن آمن به صلى الله عليه وسلم قبل بعثه وقبل وجوده، وبعد ذلك من كل من آمن به فى زمانه. وعن ابن عباس الأنصار، وقيل المهاجرون والأنصار، ولو قيل: المراد من آمن به قبل الهجرة لجاز، وقال الحسن وقتادة والزجاج: الأنبياء ومن تابعهم له أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، وقيل: كل من آمن به قبل وجوده وبعده إلى يوم القيامة، وقيل: الفرس، وقال ابن زيد: هم كل من آمن به من إنس وجان وملك فى أى عصر، وقال أبو رجاء العطاردى: الملائكة، واستشكال بأن القوم لا يطلق عليهم، والآية مشعرة أن دين رسوله منصور عال الأديان، وأن الله تكفل بذلك، أى أن يكفر بها هؤلاء فليست مخذولة مضمحلة، بل قد وكل بها من يقوم بها.
اطفيش
تفسير : {أُولَئِكَ} الأَنبياءَ المذكورون {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} بلا واسطة نبى قبله، أَو بواسطة إِنزاله على نبى قبله، فإِن هؤلاءِ لم ينزل على كل واحد منهم كتاب، بل على بعضهم وهو القليل منهم كموسى وعيسى وإِبراهيم وداود، والصحف داخلة فى الكتاب، والمراد به الجنس الصادق بالمتعدد {وَالْحُكْمَ} الحكمة، وهى ما يكمل به نفوسهم من المعارف والأَحكام، وذلك شامل للعلم الظاهر والحكم بين الناس بالحق والإِفتاءِ به {وَالنُّبُوَّةَ} الكاملة المترتب عليها الرسالة أَو المراد النبوة والرسالة وحذف العطف {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا} أَى بالنبوءَة الشاملة للكتاب والحكم لأَنها أَقرب مذكور، أَو بالثلاثة: الكتاب أَو إِيتاؤه والحكم والنبوءَة، ولو كان هذا لكان الأَولى بهن لأَنهن ثلاث غير عواقل جمع قلة بالعطف {هَؤلاَءِ} كفار قريش أَو أَهل مكة، أَو كل من كفر لكن المقام أَنسب بمن كفر من قريش أَو أَهل مكة كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما وقتادة أَنهم أَهل مكة، {فَقَدْ وَكَّلُنَا بِهَا} بمراعاتها وأَداء حقوقها، وهذا تعليل نائب عن الجواب، أَى فلا ضير، أَو فلا نقص، أَو فلا اعتداد بهم لأَنا قد وكلنا، أَى وفقنا وأَرصدنا {قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} أَى ليسوا كافرين بها فى وقت، ليس معنى الجملة الاسمية مثل قولك هم كافرون الدالة على الثبوت فى كل زمان بل معناها عدم التعرض للحدوث فلا تهم، ولا تتوهم أَن الظاهر نفى الدوام فى الأَزمنة، وقدم بها للفاصلة وطريق الاهتمام، وكذا كلما قلت للاهتمام فالمراد طريق العرب فيه لأن الله لا يوصف به، والقوم هم الأَنبياءُ المذكورون وغير المذكورين ومن تبعهم من آباء وذرية وإِخوان وغيرهم، وقيل: الأَنصار، وعليه ابن عباس ومجاهد، وقيل: المراد المهاجرون والأَنصار، وقيل: الصحابة، وقال أَبو زيد: كل من آمن به، وقيل: الفرس، وضعف القول بأَن المراد الملائكة لأنهم لم يتعارفوا باسم القوم، ولأَن المتبادر العمل بها والملائكة لم يكلفوا بكل ما كلفنا به من الأَعمال، والقوم الرجال، والملائكة ليسوا رجالا ولو كان اللفظ قد يطلق عليهم.
الالوسي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة كما قيل. واقتصر الإمام على المذكورين من الأنبياء، وعن ابن بشير قال: سمعت رجلاً سأل الحسن عن (أولئك) فقال له: من في صدر الآية. وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسه. والمراد بإيتائه التفهيم التام لما فيه من الحقائق والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق أعم من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء وبالإيراث بقاء فإن ممن ذكر من لم ينزل عليه كتاب معين. {وَٱلْحُكْمَ } أي فصل الأمر بين الناس بالحق أو الحكمة وهي معرفة حقائق الأشياء {وَٱلنُّبُوَّةَ } فسرها بعضهم بالرسالة وعلل بأن المذكورين هنا رسل لكن في «المحاكمات» لمولانا أحمد بن حيدر الصفوي أن داود عليه السلام ليس برسول وإن كان له كتاب ولم أجد في ذلك نصاً. وذهب بعضهم إلى أن يوسف بن يعقوب عليه السلام ليس برسول أيضاً، ويوسف في قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ جَاءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } تفسير : [غافر: 34] ليس هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام وإنما هو يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وهو غريب. وأغرب منه القول بأنه كان من الجن رسولاً إليهم. وقال الشهاب: قد يقال إنما ذكر الأعم في النظم الكريم لأن بعض من دخل في عموم {أية : آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}تفسير : [الأنعام: 87] ليسوا برسل. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين {هَـؤُلاء } أي أهل مكة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة مع دلالة الإشارة والمقام على ما قيل. وقيل: المراد بهم الكفار الذين جحدوا بنبوته صلى الله عليه وسلم / مطلقاً، وأياً ما كان فكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن يستلزم كفرهم بما يصدقه جميعاً. وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة. {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } أي أمرنا برعايتها ووفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها {قَوْماً} فخاماً {لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ} في وقت من الأوقات بل مستمرون على الإيمان بها. والمراد بهم على ما أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب أهل المدينة من الأنصار. وقيل: أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم مطلقاً، وقيل: كل مؤمن من بني آدم عليه السلام. وقيل: الفرس فإن كلاً من هؤلاء الطوائف موفقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المنزلة إليهم عاملون بما فيها من أصول الشرائع وفروعها الباقية في شريعتنا. وعن قتادة أنهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون وعليه يكون المراد بالتوكيل الأمر بما هو أعم من إجراء أحكامها كما هو شأنهم في حق كتابهم ومن اعتقاد حقيتها كما هو شأنهم في حق سائر الكتب التي (نور فرقها) القرآن، ورجح واختار هذا الزجاج ورجحه الزمخشري بوجهين، الأول: أن الآية التي بعد إشارة إلى الأنبياء المذكورين عليهم السلام فإن لم يكن الموكلون هم لزم الفصل بالأجنبـي. الثاني: أنه مرتب بالفاء على ما قبله فيقتضي ذلك. واستبعده بعضهم فإن الظاهر كون مصدق النبوة ومنكرها مغايراً لمن أوتيها. وأخرج ابن حميد وغيره عن أبـي رجاء العطاردي أنهم الملائكة فالتوكيل حينئذ هو الأمر بإنزالها وحفظها واعتقاد حقيتها، واستبعده الإمام لأن القوم قلما يقع على غير بني آدم، وأياً ما كان فتنوين {قَوْماً } للتفخيم كما أشرنا إليه. وهو مفعول {وَكَّلْنَا } و {بِهَا } قبله متعلق بما عنده، وتقديمه على المفعول الصريح لما مر ولأن فيه طولاً ربما يؤدي تقديمه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم أو إلى الفصل بين الصفة والموصوف. والباء التي بعد صلة لكافرين قدمت محافظة على الفواصل والتي بعدها لتأكيد النفي. وجواب الشرط محذوف يدل عليه جملة {فَقَدْ وَكَّلْنَا } الخ أي فإن يكفر بها هؤلاء فلا اعتداد به أصلاً فقد وفقنا للإيمان قوماً مستمرين على الإيمان بها والعمل بما فيها ففي إيمانهم مندوحة عن إيمان هؤلاء «ومن هذا يعلم أن الأرجح ـ كما قال شيخ الإسلام ـ تفسير القوم بإحدى الطوائف ممن عدا الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام إذ بإيمانهم بالقرآن والعمل بأحكامه يتحقق الغنية عن إيمان الكفرة به والعمل بأحكامه ولا كذلك إيمان الأنبياء والملائكة عليهم السلام».
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للتّنويه بهم، فهي فذلكة ثانية، لأنّ الفذلكة الأولى راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من المهديّين. واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان. والمشار إليهم هم المعيَّنون بأسمائهم والمذكورون إجمالاً في قوله: {أية : ومن آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم}تفسير : [الأنعام: 87]. و{الّذين آتيناهم الكتاب} خبر عن اسم الإشارة. والمراد بالكتاب الجنس: أي الكتب. وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب، كما أنزل على الرسل وبعضضِ الأنبياء، وما أنزل عليهم يعتبر كتاباً، لأنّ شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب. وقد نصّ القرآن على أنّ إبراهيم كانت له صُحُف بقوله: {أية : صحف إبراهيم وموسى}تفسير : [الأعلى: 19] وكان لعيسى كلامه الذي كتب في الإنجيل. ولداوود الكلام الصادر منه تبليغاً عن الله تعالى، وكان نبيئاً ولم يكن رسولاً، ولسليمان الأمثال، والجامعة، والنشيد المنسوب في ثلاثتها أحكامٌ أمر الله بها. ويقال: إنّ إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الّذي يُسمّيه الإسرائليون (أخنوخ) ويدعوه القبط (توت) ويدعوه الحكماء (هُرْمس). ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء الّنبيء فهْم ونبيِينَ الكتب المنزّلة قبله، كما أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له {أية : يا يحيى خذ الكتاب بقوّة}تفسير : [مريم: 12]. والحُكم هو الحكمة، أي العلم بطرق الخير ودفع الشرّ. قال تعالى في شأن يحيى {أية : وآتيناه الحكم صبياً}تفسير : [مريم: 12]، ولم يكن يحيى حاكماً أي قاضياً، وقد يفسّر الحكم بالقضاء بالحقّ كما في قوله تعالى في شأن داوود وسليمان {أية : وكلاً آتينا حُكماً وعلماً}تفسير : [الأنبياء: 79]. وإيتاء هذه الثلاث على التّوزيع، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم والأنبياء الّذين حكموا بين النّاس مثل داوود وسليمان، ومنهم من أوتي بعضَها وهم الأنبياء غير الرّسل والصّالحون منهم غير الأنبياء، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم. والفاء في قوله: {فإن يكفر} عاطفة جملة الشّرط على جملة {أولئك الّذين آتيناهم الكتاب} عقّبت بجملة الشّرط وفرّعت عليها لأنّ الغرض من الجمل السابقة من قوله {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر}تفسير : [الأنعام: 74] هو تشويه أمر الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إيّاه، فكان للفاء العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام. وضمير {بها} عائد إلى المذكورات: الكتاب والحكم والنّبوءة. والإشارة في قوله: {هؤلاء} إلى المشركين من أهل مكّة، وهي إشارة إلى حاضر في أذهان السّامعين، كما ورد في حديث سؤال القبر «حديث : فيقال له ما علمك بهذا الرجل»تفسير : (يعني النّبيء صلى الله عليه وسلم). وفي «البخاري» قال الأحنف بن قيس: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل (يعني عليّ بن أبي طالب). وقد تقصيت مواقع آي القرآن فوجدته يعبّر عن مشركي قريش كثيراً بكلمة (هؤلاء)، كقوله {أية : بل متّعت هؤلاء وآباءهم}تفسير : [الزخرف: 29] ولم أر من نبّه عليه من قبل. وكُفر المشركين بنبوءة أولئك الأنبياء تابع لكفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك حكى الله عنهم بعْدُ أنّهم {أية : قالوا ما أنزل الله على بشر مِن شيء}تفسير : [الأنعام: 91]. ومعنى: {وكَّلْنا بها} وفّقْنا للإيمان بها ومراعاتها والقياممِ بحقّها. فالتّوكيل هنا استعارة، لأنّ حقيقة التّوكيل إسناد صاحب الشيء تدبيرَ شيئه إلى من يتولّى تدبيره ويكفيه كلفةَ حفظه ورعاية ما به بقاؤُه وصلاحُه ونماؤُه. يقال: وكَّلته على الشيء ووكَّلته بالشيء فيتعدّى بعلى وبالباء. وقد استعير في هذه الآية للتّوفيق إلى الإيمان بالنّبوءة والكتاب والحكم والنّظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيهاً لتلك الرّعاية برعاية الوكيل، وتشبيهاً للتّوفيق إليها بإسناد النّظر إلى الوكيل، لأنّ الوكالة تقتضي وُجود الشيء الموكّل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته، فكانت استعارةُ {وكَّلنا} لهذا المعنى إيجازاً بديعاً يقابل ما يتضمّنه معنى الكفر بها من إنكارها الّذي فيه إضاعة حدودها. والقوم هم المؤمنون الّذين آمنوا برسالة محمّد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبمَن قبله من الرّسل وما جاءهم من الكتب والحكم والنّبوءة. والمقصود الأوّل منهم المؤمنون الّذين كانوا بمكّة ومن آمن من الأنصار بالمدينة إذ كانت هذه السّورة قد نزلت قُبيل الهجرة. وقد فسّر في «الكشاف» القوم بالأنبياء المتقدّم ذكرُهم وادّعى أنّ نظم الآية حمله عليه، وهو تكلّف لا حامل إليه. ووصفُ القوم بأنّهم {ليسوا بها بكافرين} للدّلالة على أنّهم سارعوا إلى الإيمان بها بمجرّد دعوتهم إلى ذلك فلذلك جيء في وصفهم بالجملة الإسميّة المؤلّفة من اسم (ليس) وخبرها لأنّ ليس بمنزلة حرف نفي إذ هي فعل غير متصرّف فجملتها تدلّ على دوام نفي الكفر عنهم، وأدخلت الباء في خبر (ليس) لتأكيد ذلك النّفي فصار دوامَ نفي مؤكّداً. والمعنى إنْ يكفر المشركون بنبوءتك ونبوءةِ مَن قبلك فلا يضرّك كفرهم لأنَّا قد وفّقنا قوماً مؤمنين للإيمان بك وبهم، فهذا تسلية للرّسول صلى الله عليه وسلم على إعراض بعض قومه عن دعوته. وتقديم المجرور على عامله في قوله {ليسوا بها بكافرين} لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بمعاد الضمير: الكتاب والحكم والنّبوءة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {آتَيْنَاهُمُ} {ٱلْكِتَابَ} {بِكَافِرِينَ} (89) - أُولَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمْ، بِأَنْ آتَاهُمُ الكِتَابَ (صُحُفَ إِبراهيمَ، وَتَوْرَاةِ مُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى) كَمَا آتَاهُمُ العِلْمَ وَالفِقْهَ فِي الدِّينِ (الحُكْمَ)، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّةَ لِيَهْدُوا النَّاسَ إِلَى اللهِ، وَذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَلُطْفٌ مِنْهُ بِخَلْقِهِ، فَإِنْ يَكْفُرْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ فِي الأَرْضِ مِنَ البَشَرِ (هَؤلاءِ) بِالكِتَابِ وَالحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِرِعَايَتِهَا قَوماً مُؤْمِنِينَ، لاَ يَجْحَدُونَ مِنْهَا شَيئاً، وَلاَ يَرُدُّونَ مِنْهَا حَرْفاً. (وَهُمُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَالمُؤْمِنُونَ - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هذا المَقْطَعِ مِنَ الآيَة).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والكتاب هو المنهج، والحكم وهو ما أعطاه الله لبعضهم من السيطرة والغلبة، والنبوة؛ أي أنّه جعلهم نماذج سلوكية للبشر. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} وسبحانه وتعالى أعطانا نماذج من المهديين في الرسل، والأنبياء؛ وفيمن اجتباهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم؛ فهؤلاء القوم الذي جئت لتأخذ بيدهم من الظلمات إلى النور، فإن امتنع بعض الناس عن الهداية فسيوكل الله قوماً آخرين ليحملوا المناهج ليكونوا عنصر الخير الباقي إلى أن تقوم الساعة. ومَنْ القوم؟. قال بعضهم المشار إليه هم قريش، والمقصود من قوله: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} هم أهل المدينة أي الأنصار. أو المقصود من النص الكريم كل ممتنع وكافر وكذلك كل مقبل على الله وطائع له أي إن يكفر بها طائفة يوكل الله من يقوم بها ويدافع عنها ويحميها؛ لأن الله لا ينزل قضية الخير في الخلق وبعد ذلك يطمسها بل لا بد أن يبقيها كحجة على الخلق. {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً} وهذا يدل على أن أهل الخير دائما وكلاء عن الله؛ لأن الذي يمد يده بالمعونة لضعيف من خلق الله؛ هذا الضعيف قد استدعاه الله إلى الوجود، ومن يمد يده بالمعونة فقد جعل من نفسه وكيلاً لربنا؛ لأنه يقوم بالمطلوب له - سبحانه - وجعل من نفسه سبباً له؛ لأن الله رب الجميع، ومربي الجميع، وراعي الجميع، ورزّاق الجميع، وليثق من يقوم بالخير ويجعل من نفسه وكيلاً عن الله في أن يشيع الخير في خلق الله، ليثق أن الله سيكرمه أضعاف أضعاف ما أعطى. ويقول الحق من بعد ذلك: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً} معناهُ فَقدْ رَزَقْنَاهَا قَوماً.
همام الصنعاني
تفسير : 824- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ}: [الآية: 89]. يعني قوم محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} [الآية: 89]، يعني النبيين الذين قص الله عليهم، ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}: الآية: 90].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):