Verse. 879 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ ہَدَى اللہُ فَبِہُدٰىہُمُ اقْتَدِہْ۝۰ۭ قُلْ لَّاۗ اَسْــــَٔـلُكُمْ عَلَيْہِ اَجْرًا۝۰ۭ اِنْ ہُوَاِلَّا ذِكْرٰي لِلْعٰلَمِيْنَ۝۹۰ۧ
Olaika allatheena hada Allahu fabihudahumu iqtadih qul la asalukum AAalayhi ajran in huwa illa thikra lilAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك الذين هدى» هم «الله فبهداهم» طريقهم من التوحيد والصبر «اقتده» بهاء السكت وقفا ووصلا وفي قراءة بحذفها وصلا «قل» لأهل مكة «لا أسألكم عليه» أي القرآن «أجرا» تعطونيه «إن هو» ما القرآن «إلا ذكرى» عظة «للعالمين» الإنس والجن.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: لا شبهة في أن قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } هم الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء، ولا شك في أن قوله: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } أمر لمحمد عليه الصلاة والسلام، وإنما الكلام في تعيين الشيء الذي أمر الله محمداً أن يقتدي فيه بهم، فمن الناس من قال: المراد أنه يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال وسائر العقليات، وقال آخرون: المراد الاقتداء بهم في جميع الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم، وقال آخرون: المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلاً على أن شرع من قبلنا يلزمنا، وقال آخرون: إنه تعالى إنما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة ليبين أنهم كانوا محترزين عن الشرك مجاهدين بإبطاله بدليل أنه ختم الآية بقوله: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 88] ثم أكد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ }. ثم قال في هذه الآية: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } أي هداهم إلى إبطال الشرك وإثبات التوحيد {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } أي اقتد بهم في نفي الشرك وإثبات التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا الباب. وقال آخرون: اللفظ مطلق فهو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل. قال القاضي: يبعد حمل هذه الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياء عليهم السلام المتقدمين في شرائعهم لوجوه: أحدها: أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن يكون مأموراً بالاقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة. وثانيها: أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل. وإذا ثبت هذا فنقول: دليل ثبات شرعهم كان مخصوصاً بتلك الأوقات لا في غير تلك الأوقات. فكان الاقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم وجوب تلك الأفعال في تلك الأوقات فقط، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل الأوقات؟ وثالثها: أن كونه عليه الصلاة والسلام متبعاً لهم في شرائعهم يوجب أن يكون منصبه أقل من منصبهم وذلك باطل بالإجماع، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم. والجواب عن الأول: أن قوله: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } يتناول الكل. فأما ما ذكرتم من كون بعض الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم. فنقول: ذلك العام يجب تخصيصه في هذه الصورة فيبقى فيما عداها حجة. وعن الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام لو كان مأموراً بأن يستدل بالدليل الذي استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ذلك متابعة، لأن المسلمين لما استدلوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال: إنهم متبعون لليهود والنصارى في هذا الباب، وذلك لأن المستدل بالدليل يكون أصيلاً في ذلك الحكم، ولا تعلق له بمن قبله البتة، والاقتداء والاتباع لا يحصل إلا إذا كان فعل الأول سبباً لوجوب الفعل على الثاني، وبهذا التقرير يسقط السؤال. وعن الثالث: أنه تعالى أمر الرسول بالاقتداء بجميعهم في جميع الصفات الحميدة والأخلاق الشريفة، وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة منهم، بل يوجب كونه أعلى مرتبة من الكل على ما سيجيء تقريره بعد ذلك إن شاء الله تعالى، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا. المسألة الثانية: احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام، وتقريره: هو أنا بينا أن خصال الكمال، وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان مستجمعاً لهاتين الحالتين. وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس صاحب التضرع، فثبت إنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمداً عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بهم بأسرهم، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك، امتنع أن يقال: إنه قصر في تحصيلها، فثبت أنه حصلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرقاً فيهم بإسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أن يقال: إنه أفضل منهم بكليتهم. والله أعلم. المسألة الثالثة: قال الواحدي: قوله: {هدَى ٱللَّهُ } دليل على أنهم مخصوصون بالهدى، لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } فائدة تخصيص. المسألة الرابعة: قال الواحدي: الاقتداء في اللغة إتيان الثاني بمثل فعل الأول لأجل أنه فعله. روى اللحياني عن الكسائي أنه قال: يقال لي بك قدوة وقدوة. المسألة الخامسة: قال الواحدي: قرأ ابن عامر {ٱقْتَدِهْ } بكسر الدال وبشم الهاء للكسر من غير بلوغ ياء، والباقون {ٱقْتَدِهْ } ساكنة الهاء، غير أن حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف، والباقون يثبتونها في الوصل والوقف. والحاصل: أنه حصل الإجماع على إثباتها في الوقف. قال الواحدي: الوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل، لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء، وذلك لأن الهاء للوقف، كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا موافقة المصحف، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا. وأما قراءة ابن عامر: فقال أبو بكر ومجاهد: هذا غلط، لأن هذه الهاء هاء وقف، فلا تعرب في حال من الأحوال، وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها. قال أبو علي الفارسي: ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر، والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء، فيضمر الاقتداء لدلالة الفعل عليه، وقياسه إذا وقف أن تسكن الهاء، لأن هاء الضمير تسكن في الوقف، كما تقول: اشتره. والله أعلم. أما قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } فالمراد به أنه تعالى لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء عليهم السلام المتقدمين، وكان من جملة هداهم ترك طلب الأجر في إيصال الدين وإبلاغ الشريعة. لا جرم اقتدى بهم في ذلك، فقال: {لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } ولا أطلب منكم مالاً ولا جعلاً {إِنْ هُوَ } يعني القرإن {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ } يريد كونه مشتملاً على كل ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم وقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ } يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون قوم. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} الاقتداء طلب موافقة الغير في فعله. فقيل: المعنى ٱصبر كما صبروا. وقيل: معنى {فَبِهُدَاهُم ٱقْتَدِهْ} التوحيد والشرائع مختلفة. وقد احتجّ بعض العلماء بهذه الآية على وجوب ٱتباع شرائع الأنبياء فيما عدم فيه النص؛ كما في صحيح مُسْلم وغيره: حديث : أن أخت الرُّبَيِّع أمّ حارثة جرحت إنساناً فٱختصموا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القصاصَ القصاصَ» فقالت أمّ الرَّبيع: يا رسول الله أيقتصّ من فلانة؟ٰ والله لا يقتصّ منها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله يا أمّ الرَّبيع القصاصُ كتاب الله». قالت: والله لا يقتص منها أبداً. قال: فما زالت حتى قَبلوا الدِّية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مِن عباد الله مَن لو أقسم على الله لأَبَرّه»تفسير : . فأحال رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوله: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}تفسير : [المائدة: 45] الآية. وليس في كتاب الله تعالى نصّ على القصاص في السِّنّ إلا في هذه الآية؛ وهي خبر عن شرع التوراة ومع ذلك فحكم بها وأحال عليها. وإلى هذا ذهب مُعْظَم أصحاب مالك وأصحاب الشافعيّ، وأنه يجب العمل بما وجد منها. قال ابن بكير: وهو الذي تقتضيه أصول مالك وخالف في ذلك كثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعيّ والمعتزلة؛ لقوله تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} تفسير : [المائدة: 48]. وهذا لا حجّة فيه؛ لأنه يحتمل التقييد: إلا فيما قصّ عليكم من الأخبار عنهم مما لم يأت في كتابكم. وفي «صحيح البخاريّ» عن العوّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة {صۤ} فقال: سألت ٱبن عباس عن سجدة {صۤ} فقال: أوَ تقرأ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}؟ وكان داود عليه السلام ممن أُمر نبيّكم صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به. الثانية: قرأ حمزة والكسائِيّ {اقتد قل} بغير هاء في الوصل. وقرأ ابن عامر {اقْتَدِ هِي قُلْ}. قال النحاس: وهذا لَحْنٌ؛ لأن الهاء لبيان الحركة في الوقف وليست بهاء إضمار ولا بعدها واو ولا ياء، وكذلك أيضاً لا يجوز {فبهداهم اقتد قل}. ومن اجتنب اللّحن وٱتبع السَّواد قرأ «فبهداهم ٱقْتَدِهْ» فوقف ولم يصل؛ لأنه إن وصل بالهاء لحن وإن حذفها خالف السّواد. وقرأ الجمهور بالهاء في الوصل على نية الوقف وعلى نية الإدراج ٱتباعاً لثباتها في الخطّ. وقرأ ابن عيّاش وهشام {اقْتَدِهِ قُلْ} بكسر الهاء، وهو غلط لا يجوز في العربية. قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي جُعْلاً على القرآن. {إِنْ هُوَ} أي القرآن. {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} أي هو موعظة للخلق. وأضاف الهداية إليهم فقال: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} لوقوع الهداية بهم. وقال: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ} لأنه الخالق للهداية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى } هم {ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ } طريقهم من التوحيد والصبر {ٱقْتَدِهْ } بهاء السكت وقفاً ووصلاً. وفي قراءة بحذفها وصلاً {قُلْ } لأهل مكة {لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي القرآن {أَجْراً } تعطونيه {إِنْ هُوَ } ما للقرآن {إِلاَّ ذِكْرَىٰ } عظة {لِّلْعَٰلَمِينَ } الإِنس والجنّ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهداهم، وكان يسجد في ص. ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد: سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص؟ فقرأ هذه الآية وقال: أمر نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قص الله عليه ثمانية عشر نبياً، ثم أمره أن يقتدي بهم. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم. أنه قرأ {فبهداهم اقتده} بين الهاء إذا وصل ولا يدغمها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس. في قوله {قل لا أسألكم عليه أجراً} قال: قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عرض الدنيا. والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الأنبـياء المذكورين، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوِّ رُتبتهم، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي إلى الحق والنهج المستقيم، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} أي فاختصَّ هداهم بالاقتداء، ولا تقتَدِ بغيرهم والمرادُ بهداهم طريقتُهم في الإيمان بالله تعالى وتوحيدِه وأصولِ الدين دون الشرائعِ القابلةِ للنسخ، فإنها بعد النسخ لا تبقى هُدىً والهاء في (اقتده) للوقف حقها أن تسقط في الدّرْج، واستُحسن إثباتُها فيه أيضاً إجراءً له مُجرى الوقفِ واقتداءً بالإمام، وقرىء بإشباعها على أنها كناية المصدر. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على القرآن أو على التبليغ، فإن مَساقَ الكلامِ يدل عليهما وإن لم يَجْرِ ذكرُهما {أَجْراً} من جهتكم كما لم يسألْه مَنْ قبلي من الأنبـياء عليهم السلام، وهذا من جملة ما أُمر صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه {إِنْ هُوَ} أي ما القرآنُ {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ} أي عظةٌ وتذكيرٌ لهم كافةً من جهته سبحانه فلا يختَصُّ بقوم دون آخرين. {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ} لما بـيَّن شأنَ القرآنِ العظيم وأنه نعمةٌ جليلةٌ منه تعالى على كافة الأمم حسبما نطَقَ به قولُه تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنبياء، الآية 107] عقّب ذلك ببـيان غمْطِهم إياها، وكفرِهم بها على وجْهٍ سرَى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلٰهية، وأصلُ القدْر السبْرُ والحزْرُ، يقال: قدَر الشيء يقدرُه بالضم قدْراً إذا سبَره وحزَره ليعرِف مقداره ثم استُعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحوالِه وأوصافِه. وقوله تعالى: {حَقَّ قَدْرِهِ} نُصب على المصدرية، وهو في الأصل صفةٌ للمصدر أي قدْرَه الحقَّ، فلما أضيف إلى موصوفه انتصبَ على ما كان ينتصبُ عليه موصوفُه، أي ما عرفوه تعالى حقَّ معرفتِه في اللُطف بعباده والرحمةِ عليهم، ولم يُراعوا حقوقَه تعالى في ذلك، بل أخلّوا بها إخلالاً {إِذْ قَالُواْ} منكرين لبِعثة الرسلِ وإنزالِ الكتُب كافرين بنعمته الجليلةِ فيهما {أية : مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء}تفسير : [آل عمران، الآية 32] فنفىٰ معرفتَهم لقَدْره سبحانه كنايةً عن حطِّهم لقدرِه الجليل ووصفهم له تعالى بنقيضِ نعتِه الجميل كما أن نفيَ المحبةِ في مثل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} كنايةٌ عن البغض والسُخط، وإلا فنفيُ معرفةِ قدرِه تعالى يتحقق مع عدم التعرُّض لحطِه، بل مع السعْي في تحصيل المعرفةِ كما في قول مَن يناجي ـ مستقصِراً لمعرفته وعبادته ـ: سبحانك ما عرَفناك حقَّ معرفتِك، وما عبدناك حقَّ عبادتك. أو ما عرفوه حقَّ معرفتِه في السُخط على الكفار وشدّةِ بطشِه تعالى بهم حسْبما نطقَ به القرآنُ حين اجترأوا على التفوُّه بهذه العظيمةِ الشنعاءِ، فالنفيُ بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهودُ وقد قالوه مبالغةً في إنكار إنزالِ القرآنِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُلزِموا بما لا سبـيلَ إلى إنكاره أصلاً حيث قيل: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ} أي قل لهم ذلك على طريقة التبكيت وإلقامِ الحجر، و «حديث : روي أن مالكَ بنَ الصيف من أحبار اليهودِ ورؤسائِهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشُدُك الله الذي أنزل التوراةَ على موسى هل تجدُ فيها الله يُبغض الحِبرَ السمين؟ فأنت الحِبرُ السمين، قد سمِنْتَ من مالك الذي تُطعمُك اليهود" فضحك القومُ فغضبَ ثم التفت إلى عمرَ رضي الله عنه فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء فنزعوه وجعلوا مكانه كعبَ بنَ الأشرف»تفسير : ، وقيل: هم المشركون وإلزامُهم إنزالُ التوراة لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعةِ، ولذلك كانوا يقولون: {أية : لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ }تفسير : [الأنعام، الآية 157] ووصفُ الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريعِ وتشديدِ التبكيت، وكذا تقيـيدُه بقوله تعالى: {نُوراً وَهُدًى} فإن كونَه بـيّناً بنفسه ومبـيِّناً لغيره مما يؤكد الإلزامَ أيَّ تأكيدٍ، وانتصابُهما على الحالية من الكتاب، والعامل (أَنزل) أو من الضمير في (به)، والعامل (جاء) واللام في قوله تعالى: {لِلنَّاسِ} إما متعلقٌ بهدىً، أو بمحذوفٍ هو صفة له، أي هدى كائناً للناس وليس المرادُ بهذا مجردَ إلزامِهم بالاعتراف بإنزال التوراةِ فقط بل إنزالِ القرآنِ أيضاً، فإن الاعترافَ بإنزالها مستلزِمٌ للاعتراف بإنزاله قطعاً، لما فيها من الشواهد الناطقةِ به، وقد نعىٰ عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغيـيرِ حيث قيل: {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ} أي تضعونه في قراطيسَ مقطَّعةٍ، وورَقاتٍ مفرَّقة، بحذف الجارِّ بناءً على تشبـيه القراطيس بالظرف المُبْهم، أو تجعلونه نفسَ القراطيس المقطعة، وفيه زيادةُ توبـيخٍ لهم بسوء صنيعِهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزّلوه منزلةَ القراطيسِ الخاليةِ عن الكتابة، والجملة حالٌ كما سبق وقوله تعالى: {تُبْدُونَهَا} صفةٌ لقراطيسَ، وقوله تعالى: {وَتُخْفُونَ كَثِيراً} معطوفٌ عليه، والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ، أي كثيراً منها، وقيل: كلامٌ مبتدأ لا محل له من الإعراب، والمرادُ بالكثير نعوتُ النبـي عليه الصلاة والسلام وسائرُ ما كتموه من أحكام التوراة، وقرىء الأفعالُ الثلاثة بالياء حملاً على قالوا وما قدروا. وقوله تعالى: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ} قيل: هو حالٌ من فاعل تجعلونه بإضمار قد، أو بدونه على اختلاف الرأيـين. قلت: فينبغي أن يجعل (ما) عبارةً عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائعِ ليكون التقيـيدُ بالحال مفيداً لتأكيد التوبـيخِ وتشديدِ التشنيع، فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيعِ لما ذُكر من الإبداءِ والإخفاءِ شناعةٌ عظيمة في نفسها، ومع ملاحظة كونه مأخذاً لعلومهم ومعارفِهم أشنعَ وأعظمَ، لا عما تلقَّوْه من جهة النبـي صلى الله عليه وسلم زيادةً على ما في التوراة وبـياناً لما التَبَس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها حسْبما ينطِقُ به قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } تفسير : [النمل، الآية 76] كما قالوا لأنّ تلقِّيَهم لذلك من القرآن الكريم ليس مما يزجُرهم عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادةً على ما فيها فلأنه لا تعلّقَ له بها نفياً ولا إثباتاً، وأما ما ورد بطريق البـيانِ فلأن مدارَ ما فعلوا بالتوراة من التبديل والتحريفِ ليس ما وقع فيها من التباس الأمرِ واشتباهِ الحال حتى يُقلِعوا عن ذلك بإيضاحه وبـيانِه فتكونَ الجملةُ حينئذ خاليةً عن تأكيد التوبـيخ، فلا تستحق أن تقعَ موقع الحال بل الوجهُ حينئذٍ أن تكون استئنافاً مقرِّراً لما قبلها من مجيءِ الكتابِ بطريق التكملةِ والاستطراد والتمهيدِ لما يعقُبه من مجيءِ القرآن، ولا سبـيلَ إلى جعل (ما) عبارةً عما كتموه من أحكام التوراةِ كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [المائدة، الآية 15] فإن ظهورَه وإن كان مزْجَرةً لهم عن الكتم مخافةَ الافتضاح ومصحِّحاً لوقوعِ الجملة في موقع الحالِ لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً. هذا، وقد قيل: الخطابُ لمن آمن من قريش كما في قوله تعالى: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ }تفسير : [يس، الآية 6]. وقولُه تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ} أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُجيبَ عنهم إشعاراً بتعيّن الجواب بحيث لا محيدَ عنه وإيذاناً بأنهم أُفحموا ولم يقدِروا على التكلم أصلاً {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ} في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزامِ الحجة وإلقامِ الحجر {يَلْعَبُونَ} حال من الضمير الأول، والظرفُ صلة للفعل المقدّم أو المؤخر أو متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من مفعولِ الأولِ أو من فاعل الثاني أو من الضمير الثاني لأنه فاعلٌ في الحقيقة والظرفُ متَّصل بالأول.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} [الآية: 90]. قيل: أولئك الذين هدى الله لآداب عبادته وطرق خدمته، فاقتدِ بهم فى آداب العبودية. قال الواسطى: هذَّبهم بذاته وقدَّسهم بصفاته، فأسقط عنهم الشواهد والأغراض ومطالبات الاعتراض، فلا لهم إشارة فى سرائرهم ولا عبارة عن أماكنهم. وقيل فى هذه الآية: لا تصح الإرادة إلا بالأخذ عن الأئمة وبركات نظرهم ألا ترى كيف أثر نظر المصطفى صلى الله عليه وسلم فى وزيريه بين أصحابه فقال: " حديث : اقتدوا باللذين من بعدى " تفسير : فلا يصح الاقتداء إلا بمن صحت بدائته ويسلك سلوك السادات وأثر فيه بركات شواهدهم، ألا ترى المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول: " حديث : طوبى لمن رآنى " تفسير : أى فاز من أثر فيه رؤيتى.

القشيري

تفسير : أولئك الذين طهَّر اللهُ عن الجحد أسرارَهم، ورَفَعَ على الكافة أقدارَهم، فاقْتَفِ - يا محمد - هداهم، فإنّ مَنْ سلك الجادَّة أَمِن من العناء.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} امر حبيبه عليه السلام بالافتداء بالانبياء والرسل قبله فى اداب الشريعة والطريقة لان هناك منازل الوسائط فاذا اوصله بالكلية اليه وكحل عيون اسراره بكحل الربوبية وجعله مستقلا بذاته مستقيما بحاله وخرج من حد الارادة الى حد المعرفة لاستقامة امره باسقاط الوسائط بقوله قل لما اتبع ما يوحى الى من ربى الا ترى كيف زجر عليه السلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه جب نجاء اليه بورق من التوارة ليستاذن منه عليه السلام بقراءته والعمل به فقال متهوكون انتم كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتم بيضاء نقية لو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعى وايضا اولئك الذين هدى الله اى عرفهم ذاته لصفاته وعلمهم حقائق ادابه وامر صفية عليها السلام بان يامر امته بالاقتداء بشريعته التى هى شريعة الانبياء الا ترى كيف قال الله شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا وقال الواسطى فى هذه الأية هداهم بذاته وقدسهم بصفاته فاسقط عنهم الشواهد والاعراض ومطالبات الاعواض ملألهم اشارة فى سرائرهم ولا عبارة عن اماكنهم قيل فى هذه الأية لا يصح الارادة الا بالاخذ من الائمة وبركات نظرهم الا ترى كيف اثر نظر المصطفى صلى الله عليه وسلم فى وزيره من اصحابه فقال اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر وعمر فلا يصح الاقتداء ابلا بمن صحت دبايته وسلك سلوك السادات واثر فيه بركات شواهدهم الا ثرى االمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول ولى لمن رانى ارى فاز من اثر فيه رؤيتى.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} الانبياء المتقدم ذكرهم {الذين هدى الله} اى هداهم الله الى الحق والمنهج المستقيم {فبهداهم اقتده} اى فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد بغيرهم والمراد بهداهم طريقتهم فى الايمان بالله تعالى وتوحيده واصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ فانها بعد النسخ لا تبقى هدى* واحتج العلماء بهذه الآية على انه عليه السلام افضل جميع الانبياء عليهم السلام لان خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم. فداود وسليمان كانا من اصحاب الشكر على النعمة. وايوب كان من اصحاب الصبر على البلية. ويوسف كان جامعا بينهما. وموسى كان صاحب المعجزات القاهرة. وزكريا. ويحيى. وعيسى. والياس كانوا اصحاب الزهد. واسماعيل كان صاحب الصدق فكل منهم قد غلب عليه خصلة معينة فجمع الله كل خصلة فى حبيبه عليه السلام لانه اذا كان مأموراً بالاقتداء لم يقصر فى التحصيل شعر : هرجه بخوبان جهان داده اند قسم تونيكوتر ازان داده اند هرجه بنازند بدان دلبران جمله تراهست زيادت بران تفسير : وفى التأويلات النجمية {أية : أولئك الذين هداهم الله} تفسير : [الزمر: 18]. بصفاته الى ذاته {فبهداهم اقتده} لا انهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم الى منتهى قدرٍ له كما اخبرت انى رأيت آدم فى السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى السماء الثانية ويوسف فى السماء الثالثة وادريس فى السماء الرابعة وهارون فى السماء الخامسة وموسى فى السماء السادسة وابراهيم فى السماء السابعة فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم الى ان تنتهى الى سدرة المنتهى وهو منتهى مقام الملائكة المقربين ثم يعجر بك الى المحل الادنى والمقام الارفع حتى تخرج من نفسك وتدنو اليه به الى ان تصل الى مقام قاب قوسين او ادنى مقاما لم يصل اليه احد قبلك لا ملك مقرب ولا نبى مرسل {قل} لكفار قريش {لا اسئلكم عليه} اى على القرآن {اجرا} اى جعلا من جهتكم كما لم يسأله من قبلى من الانبياء عليهم السلام وهذا من جملة ما امر بالاقتداء بهم فيه {ان هو} اى ما القرآن {الا ذكرى للعالمين} اى الاعظة وتذكير لهم من جهته سبحانه فلا يختص بقوم دون آخرين وعلى هذا جرى الاولياء من اهل الارشاد اذلا اجر للتعليم والارشاد اذ الاجر من الدنيا ولا يجوز طمع الدنيا لاهل الآخرة ولا لاهل الله تعالى وانما خدمة الدين مجردة عن الاغراض مطلقا.

الجنابذي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} الهاء للسّكت، امره تعالى مع كمال مرتبته وجلالة قدره بالاقتداء تعظيماً لشأن الاقتداء وترغيباً للامّة عليه فانّه لا يمكن خروج نفسٍ من ظلمات اهويتها ومضيق سجنها الاّ بالاقتداء والارادة الّتى هى التّولّى وقبول الولاية والانقياد لولىّ الامر ولذلك ورد: لو انّ عبداً عبد الله تحت الميزاب سبعين خريفاً قائماً ليله صائماً نهاره ولم يكن له ولاية ولىّ امره (وفى خبر) ولاية علىّ بن ابى طالب لاكبّه الله على منخريه فى النّار، ونقل عن الصّادق (ع): لا طريق للاكياس من المؤمنين اسلم من الاقتداء لانّه المنهج الاوضح والمقصد الاصحّ، قال الله تعالى لأعزّ خلقه محمّد (ص): {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِه}، فلو كان لدين الله مسلك اقوم من الاقتداء لندب اولياءه وانبياءه اليه، ويجوز ان يكون الخطاب عامّاً لكلّ من يتأتّى منه الخطاب {قُل} لهؤلاء الكافرين برسالتك {لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} اى على التّبليغ {أَجْراً} حتّى يثقل عليكم فتكفروا برسالتى {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ} عظة {لِلْعَالَمِينَ} فمن شاء اتّعظ ومن شاء كفر لكنّهم لا يتّعظون وجهلوا الله وقيّوميّته.

اطفيش

تفسير : {أولئكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ} إلى دينه، وهم هؤلاء الأنبياء، والجملة مبتدأ وخبر {فَبهدَاهم} لا بغيره {اقْتَدِه} بهداهم متعلق باقتده قدم للحصر، ولطريق العرب فى التقديم للاهتمام، أى تمسك بهداهم واتبعه، والمراد بهداهم التوحيد وأصول الدين، وما لا يختلف فى الأمم، وليس ذلك أمراً بتقليدهم فضلا عن أن يدل ذلك على أنه أفضل، بل قد أمره الله فى القرآن بالتوحيد وأصول الدين، وما لا يختلف، فقال: اتبع ما أمرتك به فإنه الذى هدينا به من قبلك، والعامل بالدليل، لا يسمى مقلداً، ولو وافق غيره، ولو كان الدليل عقلياً. بل أقول: الآية دليل على فضله صلى الله عليه وسلم بأن يكون المراد بهداهم كلّ ما فيه من التوحيد وأصول الدين، وما لا يختلف، وما فيهم من الخصال الحميدة كشكر نوح وداود وسليمان ويوسف على النعم، وصبر أيوب ويوسف على البلاء، وزهد زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وصدق إسماعيل، والمداومة على الاحتجاج كموسى وهارون بمعجزاتهما، وتضرع يونس، وإذا أمره الله بأن يتخلق بهذه الخصال فلا بدّ أن يكون قد امتثل، وإذا امتثل فقد اجتمع فيه ما فيهم، فإذا اجتمتع فيه ما فيهم، كان أفضلهم، والهاء للوقف، وليست ضميراً أثبتها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم، عن أبى بكر فى الوصل أيضا إجراء له مجرى الوقف، وسكنوها وقفا ووصلا، وإنما أثبتوها فى الوصل لأنها مكتوبة فى الصحف، فكرهوا مخالفته وأثبتها حمزة والكسائى فى الوقف، وأسقطاها وصلا، كما هو شأن الوقف، ويريانها كهمزة الوصل تكتب ولا تقرأ إلا إذا وقف على ما قبلها، وكالمحذوف من الآخر لساكن قبله إذا كتب ألفا أو واواً أو ياء، فإنه يكتب ولا يقرأ إلا إذا وقف عليه. وجعلها ابن عامر ضميراً مفعولاً مطلقا، وأثبتها وصلا ووقفاً وأشبعها بياء أعنى مدها مداً طبعياً، وذلك فى رواية ابن ذكوان، وكسرها هشام عن ابن عامر باختلاس، والمعنى عند ابن عامر اقتد اقتداء برد الهاء إلى المصدر المعلوم من اقتد، ولا يخفى أن هذا بعيد، ولو ورد كثير رد الضمير إلى المصدر المدلول عليه بالفعل لكن يجئ من كلام العرب رد الضمير إلى المصدر المفهوم من الفعل الذى عمل فيه، بحيث يسلم، بل ورد على غير هذه الطريقة كقوله تعالى: {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى} تفسير : وكما ذكر سيبويه: من كذب كان شراً له، وقد خطأ مجاهد وقال: إن هذه هاء وقف لا تحرك بحال، وإنما تذكر لتظهر حركة ما قبلها. واستدل بعض بهذه الآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما لم ينسخ، وقد تقدم فى قوله تعالى: {أية : أن النفس بالنفس} تفسير : الكلام فى ذلك، وأن قوما من أصحابنا اختاروا أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما نسخ وهو الصحيح ولو شهر خلافه، وإذا علمت أن الخلاف فى المذهب فليحمل كلام أصحابنا الدال على أنه شرع لنا على ظاهره، كقول الشيخ عامر رحمه الله فى الاستدلال على ثبوت الإجارة بقوله تعالى: {أية : إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى} تفسير : وهذا فى مطلق الدلالة على مطلق الإجارة، ولو كان أصحابنا لا يجيزون الصداق بالتمنى، وكما استدل الشيخ إسماعيل بقوله تعالى:{أية : فبعث الله غراباً} تفسير : الآية، وكما قال فى السؤالات. قال أبو الربيع، عن أبى محمد عبد الله بن محمد: أول من رمى العُرة للأرض إدريس صلى الله عليه وسلم وهو رد على الشكاك، أى لإصلاح الأرض للحرث، وكما قال فى الوضع: جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله عنه فسأله عن الصيام فقال له ابن عباس: إنى لأحدثك بحديث كان عندى من القُحُف المخزونة: "حديث : إن كنت تريد صيام داود عليه السلام فإنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" تفسير : إلخ، فجعل شرع من قبلنا شرعاً لنا، إذ جعل استحباب جملة من الأنبياء صوماً مخصوصاً شرعاً مستحباً، ومن ذلك كل ما ذكر أصحابنا فى الفروع أنهُ كان نبى من الأنبياء يفعله أو يتركه، ولم يكن فى القرآن ولا فى السنة، أو ذكر فى السنة عمن يقدم من الأنبياء من واجب أو مندوب إليه، أو محرم أو مكروه، فإنهم رحمهم الله إنما يذكرونه لنعمل به، واختار ابن السبكى من الشافعية الوقف قبل النبوة والمنع بعدها إذ قال: اختلفوا هل كان المصطفى صلى الله عليه وسلم متعبداً قبل النبوة والمنع بعدها إذ قال: اختلفوا هل كان المصطفى صلى الله عليه وسلم متعبداً قبل النبوة بشرع؟ واختلف المثبت قال المحلى: فقد فقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: ما ثبت أنهُ شرع من غير تعيين. وهذه أقوال مرجعها التاريخ والمختار كما قاله كثير هو الوقف تأصيلا عن النفى والإثبات، وتفريعاً على الإثبات عن تعيين قول من أقواله، والمختار بعد النبوة المنع من تعبده بشرع من قبله، لأن له شرعاً يخصه، وقيل: تعبد بما لم ينسخ من شرع ما قبله استصحاباً لتعبده به قبل النبوة، وأراد بالتاريخ اسم كتاب للطبرانى ومختار المالكية أنهُ شرع لنا، إلا إن ورد ما يخالفه. {قُلْ} يا محمد للكفرة {لا أسألكُم عليه} أى على التبليغ أو القرآن وكلاهما يعلم من المقام والحال {أجراً} أجرة كما لو يسألها الأنبياء الذين أمرت بالاقتداء بهم من أممهم على التبليغ، ولا على كتاب لمن أنزل عليه أو فسره، وكل الأنبياء كذلك، فإنى أمرت بالاقتداء بهم فلا أسألها كما لم يسألوها {إنْ هُو} أى ما القرآن أو التبليغ أو غرضى فى التبليغ {إلا ذِكْرى} تذكيراً وموعظة {للعَالمينَ} الإنس والجن كلهم.

اطفيش

تفسير : {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ} هم الأَنبياءُ المتقدم ذكرهم، وقيل: المؤمنون، ولا يخفى ضعف أَن يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: اقتد بالمؤمنين، وإنما هم المقتدون به، بل اقتد بالأَنبياءِ. أَخبر بالذين هدى الله إِفادة للكمال، إِذ أَسند الهدى إِلى الله بلفظ الجلالة، إِذ كان معناه جامع صفات الكمال، ولا هداية فوق هداية جامعها، ولذلك جاءَ الكلام بطريق الالتفات من التكلم إِلى الغيبة، فإِن مقتضى "أية : وكلنا بها قوما" تفسير : [الأَنعام: 89] أَن يقال: أُولئك الذين هديناهم، وفى ذلك أَيضا تمهيد لقوله {فِبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} اتبعهم فى عبادتهم وديانتهم وصبرهم وتقواهم إِلا ما نسخ فهو أَفضل منهم جملة، وكل فرد فرد مع تعظيمه بقوله بهداهم ولم يقل بهم، لأَنه اجتمع فيه ما تفرق فيهم مما لم يتناقض، وليس ذلك تقليدا فى الأُصول والديانات فإِن العلماءَ اختلفوا فيه فى توحيد المقلد واعتقاده أُصول الديانة بلا دليل هل يجزى وكيف يجزى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يقتدى بهم من طريق الوحى والأَدلة العقلية، أَو المعنى: كن ودم على ما أَنت عليه فإِنك على ما هم عليه، أَو اعتقد بالوحى منا ما اعتقدوه بالوحى منا إِليهم، والعطف على الاسمية أَو الصلة والباء متعلق باقتده. وقدم بطريق الاهتمام وللحصر، أَى بهداهم لا بغيره كمذهب مشركى قريش وأَهل الكتاب المخالفين للحق، والحاء للوقف ولكنها تقرأ وقفا ووصلا عند نافع وابن كثير وأَبى عمرو وعاصم، والدليل على أَنها تقرأ وصلا أَيضا إِجراءً له مجرى الوقف قراءَة نافع {ماليه هلك} بادغام هاء ماليه فى هاء هلك، وذلك أَنه نزل القرآن بها وكتبت فى المصاحف فهى تقرا وصلا كالوقف لئلا يتخالف النزول والخط، وعن ابن عامر كسر الهاء بلا إِشباع وكسرها بإِشباع، فقيل: الهاء ضمير المصدر فهى مفعول مطلق، أَى اقتد الاقتداء، أَو مفعول به عائدة إِلى الدرس ويردها إِسكانها، وأَن هاءَ السكت قد تحرك تشبيها بهاء الضمير كقوله" واحر قلباه مما قلبه شبم. بضم الهاء الأُولى وكسرها، ولا يحسن تغليظ أَبى بكر بن مجاهد ابن عامر فى قراءته، وهاء الندبة لا تحرك للساكن وإِنما حركت تشبيها واستدل بالآية على أَن شرع من قبلنا شرع لنا، فإِنه ولو كان لا يمكن الاقتداء بهم جميعا لاختلافهم فى الفروع، ولكن لا مانع من اقتدائه بالفروع المحتوم بها المخالف لمن قبله، أَو بما شاءَ الله من الفروع المتناقضة، أَو شرع لنا فيما لا يتناقض من الفروع أَو فيما ذكر الله منها مثل قوله "أية : أَن النفس بالنفس"تفسير : [المائدة: 45] إِلخ، وأَنت خبير بما مر وفى السؤالات: فإِن كان فى شريعة غير هذه ذكر شئ ولم يكن فى هذه هل يعمل به، قال: نعم، قال الله فبهداهم اقتده، وقال بعضهم: كل واحد منهم وشريعته قال الله عز وجل "أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" تفسير : [المائدة: 48] فإِن قال: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعبدا بشريعة من قبله؟ قال: نعم، ما لم ينسخ، وقيل: لا إِلا بشريعة أَبيه إِبراهيم، "أية : ثم أَوحينا إِليك أَن اتبع ملة إِبراهيم حنيفا" تفسير : [النحل: 123] واختلف الناس فى شرع من قبلنا، فقيل ليس شرعا لنا، وقيل: شرع لنا إِلا ما نسخ، وقيل شرع إِبراهيم وحده، وقال الشيخ يخلفتن بن أَيوب: شرع إِبراهيم شرع لنا فى الحج خاصة، وقيل: شريعة موسى شرع لنا إِلا ما نسخ بالإِنجيل، وقيل: شريعة عيسى شرع لنا، وقيل: شريعة نوح تعبدنا بها لقوله تعالى: "أية : وإِن من شيعته لإِبراهيم"تفسير : [الصافات: 83] أَى من دينه، وقيل: من ذريته. وقيل: لم نتعبد بشئ من شرائعهم إِلا مالا ينسخ كالتوحيد ومحاسن الأَخلاق، وإِليه يتوجه قوله تعالى: {فبهداهم اقتده}. وبهذا القول يقول بعض أَصحابنا الإِجماع الأُمة أَنه ليس على المجتهد أَن يرجع ما فى الكتب المتقدمة، ا هـ كلام السؤالات، والبعض الآخر من أَصحابنا على أَن شرائع من قبلنا شرع لنا إِلا ما نسخ بالقرآن وغيره، ومن التشرع بشرع من قبلنا قول صاحب الوضع فى الصوم "فصل فى صوم التطوع" وروى أَن رجلا جاءَ إِلى ابن عباس إِلخ.. {قُلْ} لقومك {لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على القرآن أَو التبليغ لدلالة المقام عليهما، وإِن لم يجر لهما ذكر {أَجْراً} من جهتكم تعطونيه، بل أَجرى عند الله، كما أَن الأَنبياءَ لا يأْخذون الأُجرة فذلك مما أَمر صلى الله عليه وسلم أَن يقتدى فيه بهم {إِنْ هُوَ} القرآن أَو التبليغ أَو المراد {إِلاَّ ذِكْرَى} عظة أَو تذكير لكم من الله لا أَخص به أَحدا ولا آخذ عليه الأَجر منكم كما لا يأخذه الأَنبياء قبلى، وهو لكم من الله، فكيف آخذ الأَجر {لِلعَالَمِينَ} الإِنس والجن كلهم من لم يكن له كتاب، ومن كان له كتاب، وهذا دليل على أَنه أرسل إِلى الناس كافة، وغيرهم.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} أي الأنبياء المذكورون كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي وابن زيد، وقيل: الإشارة إلى المؤمنين الموكلين وروى ذلك عن الحسن وقتادة ولا يخفى ما فيه. وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } أي هديناهم إلى الحق والصراط المستقيم. والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية وحفظ المهدي إليه اعتماداً على غاية ظهوره {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } أي اجعل هداهم منفرداً بالاقتداء واجعل الاقتداء مقصوراً عليه. والمراد بهداهم عند جمع طريقهم في الإيمان بالله تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ فإنها بعد النسخ لا تبقى هدى وهم أيضاً مختلفون فيها فلا يمكن التأسي بهم جميعاً، ومعنى أمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بذلك الأخذ به لا من حيث إنه طريق أولئك الفخام بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ففي ذلك تعظيم لهم وتنبيه على أن طريقهم هو الحق الموافق / لدليل العقل والسمع، وبهذا أجاب العلامة الثاني عما أورده سؤالاً من أن الواجب في الاعتقادات وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل والسمع فلا يجوز سيما للنبـي صلى الله عليه وسلم أن يقلد غيره فما معنى أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء؟ وأورد عليه أن اعتقاده عليه الصلاة والسلام حينئذ ليس لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لأمره بالاقتداء بذلك. واعترض أيضاً بأن الأخذ بأصول الدين حاصل له قبل نزول الآية فلا معنى للأمر بأخذ ما قد أخذ قبل اللهم إلا أن يحمل على الأمر بالثبات عليه. وحقق القطب الرازي في «حواشيه على الكشاف» أنه يتعين أن الاقتداء المأمور به ليس إلا في الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة كالحلم والصبر والزهد وكثرة الشكر والتضرع ونحوها ويكون في الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل منهم قطعاً لتضمنها أن الله تعالى هدى أولئك الأنبياء عليهم السلام إلى فضائل الأخلاق وصفات الكمال وحيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم جميعاً امتنع للعصمة أن يقال: إنه لم يمتثل فلا بد أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام قد امتثل وأتى بجميع ذلك وحصل تلك الأخلاق الفاضلة التي في جميعهم فاجتمع فيه من خصال الكمال ما كان متفرقاً فيهم وحينئذ يكون أفضل من جميعهم قطعاً كما أنه أفضل من كل واحد منهم وهو استنباط حسن. واستدل بعضهم بها على أنه صلى الله عليه وسلم متعبد بشرع من قبله وليس بشيء. وفي أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بهداهم دون الاقتداء بهم ما لا يخفى من الإشارة إلى علو مقامه صلى الله عليه وسلم عند أرباب الذوق. والهاء في {ٱقْتَدِهْ } هاء السكت التي تزاد في الوقف ساكنة، وقد تثبت في الدرج ساكنة أيضاً إجراء للوصل مجرى الوقف، وبذلك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وقرأ ابن عامر {ٱقْتَدِه} بكسر الهاء من غير إشباع وهو الذي تسميه القراء اختلاساً وهي رواية هشام عنه وروى غيره إشباعها وهو كسرها ووصلها بياء، وزعم أبو بكر بن مجاهد أن قراءة ابن عامر غلط معللاً ذلك بأن الهاء هاء الوقف فلا تحرك في حال من الأحوال وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها. وتعقبه أبو علي الفارسي بأن الهاء ضمير المصدر وليست هاء السكت أي اقتد الاقتداء ومثله كما قال أبو البقاء قوله: شعر : هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الوشا إن يلقها ذيب تفسير : فإن الهاء فيه ضمير الدرس لا مفعول لأن يدرس قد تعدى إلى القرآن. وقال بعضهم: إن هاء السكت قد تحرك تشبيهاً لها بهاء الضمير، والعرب كثيراً ما تعطي الشيء حكم ما يشبهه وتحمله عليه، وقد روى قول أبـي الطيب: شعر : واحر قلباه مما قلبه شبم تفسير : بضم الهاء وكسرها على أنها هاء السكت شبهت بهاء الضمير فحركت. واستحسن صاحب «الدر المصون» جعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبه الضمير لأن هاءه لا تكسر بعد الألف فكيف ما يشبهها. وزعم الإمام أن إثبات الهاء في الوصل للاقتداء بالإمام ولا يقتدى به في ذلك لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليداً للخط وهو وهم. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ } أي لا أطلب منكم {عَلَيْهِ } أي على القرآن أو على التبليغ فإن مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما {أَجْراً } أي جعلاً قلَّ أو كثر كما لم يسأله من قبلي من / الأنبياء عليهم السلام أممهم قيل: وهذا من جملة ما أمرنا بالاقتداء به من هداهم عليهم السلام، وهو ظاهر على ما قاله القطب لأن الكف عن أخذ أجر في مقابلة الإحسان من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، وأما على قول من خص الهدى السابق بالأصول فقد قيل: إن بين القول به والقول بذلك الاختصاص تنافياً. وأجيب بأن استفادة الاقتداء بالأصول من الأمر الأول لا ينافي أن يؤمر عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بأمر آخر كالتبليغ. وتقديم المتعلق هناك إنما هو لنفي اتباع طريقة غيرهم في شيء آخر. واستدل بالآية على أنه [لا] يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام. وفيه كلام للفقهاء على طوله مشهور غني عن البيان. {إِنْ هُوَ } أي ما القرآن {إِلاَّ ذِكْرَىٰ } أي تذكير فهو مصدر، وحمله على ضمير القرآن للمبالغة ولا حاجة لتأويله بمذكر {لّلْعَـٰلَمِينَ } كافة فلا يختص به قوم دون ءاخرين. واستدل بالآية على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم.

ابن عاشور

تفسير : جملة ابتدائية قصد من استئنافها استقلالها للاهتمام بمضمونها، ولأنّها وقعت موقع التّكرير لمضمون الجملتين اللّتين قبلها: جملة {أية : وهديناهم إلى صراط مستقيم}تفسير : [الأنعام: 87] وجملة {أية : أولئك الذّين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة}تفسير : [الأنعام: 89]. وحقّ التكرير أن يكون مفصولاً، وليبنى عليها التّفريع في قوله: {فبهداهم اقتده}. والمشار إليهم باسم الإشارة هم المشار إليهم بقوله {أية : أولئك الّذين آتيناهم الكتاب والحكم والنّبوة}تفسير : [الأنعام: 89] فإنّهم الّذين أمر نبيّنا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم. وتكرير اسم الإشارة لتأكيد تمييز المشار إليه ولما يقتضيه التكرير من الاهتمام بالخبر. وأفاد تعريف المسند والمسند إليه قصر جنس الّذين هداهم الله على المذكورين تفصيلاً وإجمالاً، لأنّ المهديين من البشر لا يعدون أن يكونوا أولئك المسمّين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، فإنّ من آبائهم آدم وهو الأب الجامع للبشر كلّهم، فأريد بالهدى هدى البشر، أي الصرف عن الضلالة، فالقصر حقيقي. ولا نظر لصلاح الملائكة لأنّه صلاح جبليّ. وعدل عن ضمير المتكلّم إلى اسم الجلالة الظاهر لقَرْن هذا الخبر بالمهابة والجلالة. وقوله: {فبهداهم اقتده} تفريع على كمال ذلك الهُدَى، وتخلُّص إلى ذكر حظّ محمدّ صلى الله عليه وسلم من هُدى الله بعد أن قُدّم قبله مُسْهَبُ ذكر الأنبياء وهديهم إشارة إلى علوّ منزلة محمّد صلى الله عليه وسلم وأنّها منزلة جديدة بالتّخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدّمين، وأنّه جمَعَ هُدى الأوّلين، وأكملت له الفضائل، وجُمع له ما تفرّق من الخصائص والمزايا العظيمة. وفي إفراده بالذكر وترك عدّه مع الأوّلين رمز بديع إلى فذاذته وتفرّد مقداره، ورَعْي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة، ولذلك قُدّم المجرور وهو {بهداهم} على عامله، للاهتمام بذلك الهدى لأنّه هو منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا، فلا يليق به الاقتداء بهُدى هو دون هُداهم. ولأجل هذا لم يسبق للنّبيء صلى الله عليه وسلم اقتداء بأحد ممّن تحنّفوا في الجاهليّة أو تنصَّروا أو تهوّدوا. فقد لقي النّبيء صلى الله عليه وسلم زيدَ بن عَمْرو بن نُفَيْللٍ قبل النّبوءة في بَلْدَح وعَرض عليه أن يأكل معه من سُفْرته، فقال زيد «إنِّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم» توهّماً منه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يدين بدين الجاهليّة، وألهم الله محمّداً صلى الله عليه وسلم السكوت عن إجابته إلهاماً لحفظ السِرّ المدَّخر فلم يقل له إنّي لا أذبح على نُصُب. ولقي ورقةَ بن نوفل غير مرّة بمكّة. ولَقِي بَحيرا الرّاهبَ. ولم يقتد بأحد من أولئك وبقي على الفطرة إلى أن جاءته الرّسالة. والاقتداء افتعال من القُدوةَ بضمّ القاف وكسرها وقياسه على الإسوة يقتضي أنّ الكسر فيه أشهر. وقال في المصباح}: الضمّ أكثر. ووقع في «المقامات» للحريري «وقدوة الشحَّاذين» فضُبط بالضمّ. وذكره الواسطي في إشرح ألفاظ المقامات» في القاف المضمومة، وروى فيه فتح القاف أيضاً، وهو نادر. والقدوة هو الّذي يَعمل غيرُه مثل عمله، ولا يعرف له في اللّغة فعل مجرّد فلم يسمع إلاّ اقتدى. وكأنّهم اعتبروا القدوة اسماً جامداً واشتقّوا منه الافتعال للدّلالة على التّكلّف كما اشتقّوا من اسم الخريف اخترف، ومن الأسوة ائْتسى، وكما اشتقّوا من اسم النمر تَنَمَّر، ومن الحجَر تحجَّر. وقد تستعمل القدوة اسم مصدر لاقتدى. يقال: لي في فلان قُدوة كما في قوله تعالى: {أية : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة}تفسير : [الممتحنة: 6]. وفي قوله: {فبهداهم اقتده} تعريض للمشركين بأنّ محمّداً صلى الله عليه وسلم ما جاء إلاّ على سنّة الرّسل كلّهم وأنّه ما كان بدعاً من الرّسل. وأمْرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهُداهم يؤذن بأنّ الله زَوىٰ إليه كلّ فضيلة من فضائلهم الّتي اختصّ كلّ واحد بها سواء ما اتّفق منه واتّحد، أو اختلف وافترق، فإنّما يقتدي بما أطلعه الله عليه من فضائل الرّسل وسيرهم، وهو الخُلُق الموصوف بالعظيم في قوله تعالى: {أية : وإنّك لعلى خلق عظيم}تفسير : [القلم: 4]. ويشمل هداهم ما كان منه راجعاً إلى أصول الشّرائع، وما كان منه راجعاً إلى زكاء النّفس وحسن الخُلق. وأمّا مَا كان منه تفاريع عن ذلك وأحكاماً جزئيّة من كلّ ما أبلغه الله إيّاه بالوحي ولم يأمره باتّباعه في الإسلام ولا بيّن له نسخه، فقد اختلف علماؤنا في أنّ الشّرائع الإلهيّة السّابقة هل تعتبر أحكامها من شريعة الإسلام إذا أبلغها الله إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم ولم يجعل في شريعته ما ينسخها. وأرى أنّ أصل الاستدلال لهذا أنّ الله تعالى إذا ذكر في كتابه أو أوحى إلى رسوله ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ حكاية حكم من الشرائع السابقة في مقام التّنويه بذلك والامتنان ولم يقارنه ما يدلّ على أنّه شُرِع للتّشديد على أصحابه عقوبة لهم، ولا ما يدلّ على عدم العمل به، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ الله تعالى يريد من المسلمين العمل بمثله إذا لم يكن من أحكام الإسلام ما يخالفه ولا من أصوله ما يأباه، مثل أصل التّيسير ولا يقتضي القياسُ على حكم إسلامي ما يناقض حكماً من شرائع مَن قَبلنا. ولا حجّة في الآيات الّتي فيها أمرُ النّبيء صلى الله عليه وسلم باتّباع مَن قبله مثل هذه الآية، ومثل قوله تعالى: {أية : ثمّ أوحينا إليك أن اتّبِعْ ملّة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [النحل: 123] ومثل قوله تعالى: {أية : شَرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى}تفسير : [الشورى: 13]، لأنّ المقصود من ذلك أصول الدّيانة وأسس التّشريع الّتي لا تختلف فيها الشّرائع، فمن استدلّ بقوله تعالى: {فبهداهم اقتده} فاستدلاله ضعيف. قال الغزالي في «المستصفى» «أراد بالهُدى التّوحيد ودلالةَ الأدلّة العقليّة على الوحدانيّة والصّفات لأنّه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم فلو كان المراد بالهدى شرائعهم لكان أمراً بشرائع مختلفة وناسخة ومنسوخة فدلّ أنّه أراد الهدى المشترك بين جميعهم» اهــ. ومعنى هذا أنّ الآية لا تقوم حجّة على المخالف فلا مانع من أن يكون فيها استئناس لمن رأى حجّيّة شرع من قبلنا على الصّفات الّتي ذكرتُها آنفاً. وفي «صحيح البخاري» في تفسير سورة (ص) عن العَوّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ص فقال: سألت ابن عبّاس من أين سجدتَ (أي من أيّ دليل أخذت أن تسجد في هذه الآية، يريد أنّها حكاية عن سجود داوود وليس فيها صيغة أمر بالسجود) فقال: «أوَمَا تقرأ {أولئك الّذين هدى الله فبهداهم اقتده} فكان داوود ممّن أمر نبيئُكم أن يقتدِي به فسجدها داوود فسجدها رسول الله». والمذاهب في هذه المسألة أربعة: المذهب الأوّل: مذهب مالك فيما حكاه ابن بكير وعبدُ الوهّاب والقرافي ونسبوه إلى أكثر أصحاب مالك: أنّ شرائع من قبلنا تكون أحكاماً لنا، لأنّ الله أبلغها إلينا. والحجّة على ذلك ما ثبت في الصحاح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية الرُّبَيْعِ بنتِ النضر حين كسَرَتْ ثنيّة جاريةٍ عمداً أنْ تُكْسر ثنيّتها فراجعتْه أمّها وقالت: واللّهِ لا تُكْسَر ثنيّةُ الرّبيع فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كتابُ الله القصاص»تفسير : ، وليس في كتاب الله حكم القصاص في السنّ إلاّ ما حكاه عن شرع التّوراة بقوله {أية : وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس} تفسير : [المائدة: 45] إلى قوله {أية : والسنّ بالسنّ}تفسير : [المائدة: 45]. وما في «الموطأ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من نسي الصلاة فليصلّها إذا ذكرها فإنّ الله تعالى يقول في كتابه: {أقِمْ الصّلاة لذِكْري} [طه: 14] تفسير : وإنّما قاله الله حكاية عن خِطابه لموسى ـــ عليه السلام ـــ، وبظاهر هذه الآية لأنّ الهدى مصدر مضاف فظاهره العموم، ولا يُسلّم كونُ السياق مخصّصاً له كما ذهب إليه الغزالي. ونقل علماء المالكية عن أصحاب أبي حنيفة مثلَ هذا. وكذلك نقل عنهم ابنُ حزم في كتابه «الإعراب في الحيرَة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس». وفي «توضيح» صدر الشريعة حكايتُه عن جماعة من أصحابهم ولم يُعيّنه. ونقله القرطبي عن كثير من أصحاب الشافعي. وهو منقول في كتب الحنفيّة عن عامّة أصحاب الشّافعي. المذهب الثّاني: ذهب أكثر الشّافعيّة والظاهرية: أنّ شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. واحتجّوا بقوله تعالى: {أية : لكُلٍ جعلنا منكم شِرْعَةً ومنهاجاً}تفسير : [المائدة: 48]. ونسب القرطبي هذا القول للكثير من أصحاب مالك وأصحاب الشّافعي. وفي «توضيح» صدر الشّريعة نسبة مثل هذا القول لجماعة من أصحابهم. الثالث: إنّما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ لقوله تعالى: {أية : ثمّ أوحينا إليك أن اتَّبِعْ ملّة إبراهيم حَنيفاً}تفسير : [النحل: 123]. ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول. الرّابع: لا يلزم إلاّ اتّباع شريعة عيسى لأنّها آخر الشّرائع نَسخت ما قبلها. ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول. قال ابن رشد في «المقدّمات»: وهذا أضعف الأقوال. والهاء في قوله: {اقتده} ساكنة عند جمهور القرّاء، فهي هاء السكت الّتي تُجلب عند الوقف على الفعل المعتلّ اللاّم إذا حذفت لامَه للجازم، وهي تثبت في الوقف وتحذف في الوصل، وقد ثبتت في المصحف لأنّهم كانوا يكتبون أواخر الكلم على مراعاة حال الوقف. وقد أثبتها جمهور القرّاء في الوصل، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف وهو وارد في الكلام الفصيح. والأحسن للقارىء أن يقف عليها جرياً على الأفصح، فجمهور القرّاء أثبتوها ساكنة ما عدا رواية هشام عن ابن عامر فقد حرّكها بالكسر، ووجَّه أبو عليّ الفارسي هذه القراءة بأنّها تجعل الهاء ضمير مصدر «اقْتد»، أي اقتد الاقتداء، وليست هاء السكت، فهي كالهاء في قوله تعالى: {أية : عذاباً لا أعذّبُه أحداً من العالمين}تفسير : [المائدة: 115] أي لا أعذّب ذلك العذاب أحداً. وقرأ حمزة، والكسائي، وخَلف، بحذف الهاء في حالة الوصل على القياس الغالب. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ}. استئناف عُقّب به ذلك البيانُ العظيم الجامع لأحوال كثير من الأمم. والإيماءُ إلى نبوءة جمع من الأنبياء والصّالحين، وبيان طريقة الجدل في تأييد الدّين، وأنّه ما جاء إلاّ كما جاءت مِلل تلك الرّسل، فلذلك ذيَّله الله بأمر رسوله أن يُذكِّر قومه بأنّه يذكِّرُهم. كما ذكَّرتْ الرّسلُ أقوامهم، وأنّه ما جاء إلاّ بالنّصح لهم كما جاءت الرّسل. وافتتح الكلام بفعل {قل} للتّنبيه على أهميّته كما تقدّم في هذه السّورة غير مرّة. وقُدّم ذلك بقوله: {لا أسألكم عليه أجراً} أي لست طالبَ نفع لنفسي على إبلاغ القرآن، ليكون ذلك تنبيهاً للاستدلال على صدقه لأنّه لو كان يريد لنفسه نفعاً لصانعهم ووافقهم. قال في «الكشاف» في سورة هود (51) عند قوله تعالى حكاية من هود {أية : يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إنْ أجريَ إلاّ على الّذي فطَرنيَ أفَلا تعقلون}تفسير : ما من رسول إلاّ واجه قومه بهذا القول لأنّ شأنهم النّصيحة والنّصيحة لا يمحّصها ولا يمحِّضُها إلاّ حَسم المطامع وما دام يتوهّم شيء منها لم تنفع ولم تنجع اهــ. قلت: وحكى الله عن نوح مثل هذا في قوله في سورة [هود: 29] {أية : ويَا قوم لا أسألكم عليه مَالاً إنْ أجريَ إلاّ على الله}تفسير : . وقال لرسوله أيضاً في سورة [الشّورى: 23]{أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى}. تفسير : فليس المقصود من قوله: {لا أسألكم عليه أجراً} ردّ اعتقاد معتقد أو نفي تهمة قيلت ولكن المقصود به الاعتبار ولفت النّظر إلى محض نصح الرّسول صلى الله عليه وسلم في رسالته وأنّها لنفع النّاس لا يجرّ منها نفعاً إلى نفسه. والضمير في قوله: {عليه} وقوله: {إن هو} راجع إلى معروف في الأذهان؛ فإنّ معرفة المقصود من الضمير مغنية عن ذكر المعاد مثل قوله تعالى: {أية : حتّى توارتْ بالحجاب}تفسير : [ص: 32]، وكما في حديث عُمر في خبر إيلاء النّبيء صلى الله عليه وسلم «حديث : فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بأبي ضرباً شديداً فقال: أثمّ هو»تفسير : . ألخ. والتّقدير: لا أسألكم على التّبليغ أو الدّعاء أجراً وما دعائي وتبليغي إلاّ ذِكْرى بالقرآن وغيره من الأقوال. والذّكرى اسم مصدر الذِكر ـــ بالكسر ـــ، وهو ضدّ النّسيان، وتقدّم آنفاً. والمُراد بها هنا ذكر التّوحيد والبعث والثّواب والعقاب. وجَعَل الدّعوة ذكرى للعالمين، لأنّ دعوته صلى الله عليه وسلم عامّة لسائر النّاس. وقد أشعر هذا بأنّ انتفاء سؤال الأجر عليه لسببين: أحدهما: أنّه ذِكرى لهم ونصح لنفعهم فليس محتاجاً لِجَزاءٍ منهم، ثانيهما: أنّه ذكرى لغيرهم من النّاس وليس خاصّاً بهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 90- أولئك الذين وفقهم الله إلى طريق الحق والخير، فاتبعهم فيما اجتمعوا عليه من أصول الدين وأمهات الفضائل، ولا تسلك غير سبيلهم.. قل - أيها النبى - لقومك كما قال هؤلاء لأقوامهم: لا أطلب منكم على تبليغ كلام الله أجراً! ما هذا القرآن إلا تذكير للعالمين، ولا غاية لى إلا أن تنتفعوا به. 91- هؤلاء الكفار لم يقدروا الله ورحمته وحكمته حق التقدير، إذ أنكروا أن تنزل رسالته على أحد من البشر! قل - أيها النبى - للمشركين ومن يشايعهم على ذلك من اليهود: من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً يضئ، وهدى يرشد؟ إنكم - أيها اليهود - تجعلون كتابته فى أجزاء متفرقة تظهرون منها ما يتفق وأهواءكم، وتخفون كثيراً مما يلجئكم إلى الإيمان والتصديق بالقرآن، وعلمتم منه ما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم!! وتول أنت - أيها النبى - الجواب، وقل لهم: الله هو الذى أنزل التوراة، ثم اتركهم يمضون فى الضلال عابثين كالصبيان. 92- وهذا القرآن كتاب أنزلناه - كما أنزلنا التوراة - كثير الخير، باق إلى يوم القيامة، مصدق لما تقدمه من الكتب المنزلة، مخبر عن نزولها، لتبشر به المؤمنين، وتخوف الكفار من أهل مكة ومن حولها فى جميع أنحاء الأرض من غضب الله، إذا لم يذعنوا له. والذين يصدقون بيوم الجزاء يحملهم رجاء الثواب والخوف من العقاب على الإيمان به، وهم لذلك يحافظون على أداء صلاتهم كاملة مستوفاة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {فَبِهُدَاهُمُ} {أَسْأَلُكُمْ} {لِلْعَالَمِينَ} (90) - وَهَؤُلاءِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، الذِينَ وَرَدَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَالذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ آتَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، هُمُ الذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ هِدَايَةً كَامِلَةً، فَاهْتَدِ، يَا مُحَمَّدُ، بِهُدَاهُمْ، وَاقْتَدِ بِهِمْ، فِي الأَخْلاَقِ الحَمِيدَةِ، وَالصِّفَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى السُّفَهَاءِ، وَالعَفْوِ عَنْهُم، وَقُلْ لِقَوْمِكَ إِنَّنِي لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْراً عَلَى إِبْلاغِ رِسَالَةِ رَبِّي إلَيْكُمْ، وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيَّ مِنَ القُرْآنِ، فَهذا القُرْآنُ هُوَ تَذْكِيرٌ (ذِكْرَى) لِلْعَالَمِينَ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ فَيَرْشُدُونَ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلَةِ. اقْتَدِهْ - اقْتَدِ وَالهَاءُ لِلسَّكْتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"هدى الله" هنا أيضا هو هداية دلالة، وهداية معونة؛ بدليل أنه قال: {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} والخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن "أولاء" أي المشار إليهم هم المتقدمون، و "الكاف" خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} وحين نقرأ هذا القول الكريم نقول "اقتد" ولا نقول "اقتده" ولا تنطق الهاء إلا في الوقف ويسمونها "هاء السّكت"، لكن إذا جاءت في الوصل لا ينطق بها، وكل واحد من هؤلاء الرسل السابق ذِكْرهم له خصلة تميز بها، وفيه قدر مشترك بين الجميع وهو إخلاص العبودية لله والإيمان بالله وأنّه واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وكلهم مشتركون في هذه الأصول، وتميّز كل منهم بخصلة في الخير؛ فسيدنا سليمان وداود أخذا القدرة والسلطان والملك، وأيوب أخذ القدرة في الصبر على البلاء، ويوسف أخذ القدرة في الصبر والتفوق في الحُكم، وسيدنا يونس أخذ القدرة كضارع إلى الله وهو في بطن الحوت، وإسماعيل كان صادق الوعد. والمطلوب إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مُقتدياً بهم جميعاً، أي أن يكون كسليمان وكداود وكإسحاق وكيعقوب وكأيوب وكيوسف وكيونس. وأن يأخذ خصلة التميز من كل واحد فيهم وأن يشترك معهم في القضية العامة وهي التوحيد لله. وبذلك يجتمع كل التميز الذي في جميع الأنبياء في سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً من ربه فلا بد أن نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم قد نفذ الأمر، وما دام أنه صلى الله عليه وسلم قد اجتمعت فيه مزايا الأنبياء فحق له أن يكون خاتم النبيين والمرسلين. {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]. ولماذا يُطْلَب الأجر؟ أنت لا تطلب أجراً ممن فعلت أمامه أو له عملاً إلا إذا كان العمل الذي فعلته يعطيه منفعة تستحق أن تُعطي وتُمنح عليه أجراً، فكأن ما يؤديه صلى الله عليه وسلم إلى الأمة كان يستحق عليه أجراً، لكنه صلى الله عليه وسلم يبلغ عن ربّه: قل لهم: إنك نزلت عن هذا الأجر. وقارنوا بين مَن يقدم لأي واحد منكم منفعة قد لا تأخذ من وقته نصف ساعة في جزئية من جزئيات الحياة، ومن يقوم بعمل ينفعكم في مدًى يتعدى الدنيا إلى أن يصل إلى الآخرة ثم يقول: أنا لا أريد منكم أجراً. وعدم طلب الأجر حصل من كل الرسل إلا رسولين اثنين؛ فلم يرد في القرآن أن قالاها، وإذا ما جئت لسورة الشعراء مثلاً تجد أن الحق تكلم عن موسى، وتكلم عن إبراهيم، ثم تكلم بعد ذلك عن بقية الرسل ولم تأت كلمة الأجر في قصة إبراهيم وكذلك في قصة موسى عليهما السلام. لكن جاء ذكر الأجر في غيرهما، يقول سبحانه: {أية : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 106-109]. وقال جل شأنه: {أية : إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 177-180]. وعندما تستقرئ سورة الشعراء تجد الأنبياء كلهم، وتجد مع قول كل منهم {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}، إلا سيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم. لماذا؟ ونقول: إن من ينزل عن الأجر، هو من يقدم لهم منفعة. وفي موسى عليه السلام نجد أنّه قد وجهت وقدمت وسيقت له المنفعة من فرعون الذي قام بتربيته، كأنه قد أخذ الأجر مقدماً، لذلك لم يقل موسى لفرعون "لا أسألك أجراً؛ لأن القرآن جاء بقول فرعون: {أية : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تفسير : [الشعراء: 18]. وكذلك لم تأت مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم لأنه خاطب أباه آزر، ولم يكن من المقبول أن يقول له: "لا أسألك أجرا". وهكذا انطمست مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم وقصة سيدنا موسى، وبقيت فيما عداهما، مما يدل على أن القرآن موضوع بأدق تفاصيله بحكمة؛ لأن من يتكلم هو ربنا. ويمتاز سيدنا رسول الله أيضا ويقول: "لا أسألكم أجراً" إلا آية واحدة استثنى فيها هذا النفي: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الشورى: 23]. والمودة هي فعل الخير الناشئ عن محبة قلب، أما فعل الخير الذي لا ينبع من محبة في القلب فهو فعل معروف؛ لأن المعروف يضعه الإنسان مع من يُحب ومن لا يُحب. ولذلك قال ربنا: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} تفسير : [لقمان: 15]. المعروف - إذن - هو عمل امتداده خير سطحي. والرسول حين يطلب المودة في القربى فهل هي قُرباه صلى الله عليه وسلم أو المودة في قُرباكم؟ هي القُربى على إطلاقها، وهي القُربى أيضا للمتكلم وهو الرسول الذي يبلغ عن الله. وإن صُنِّفت على أنها "إلا المودة في القُربى" أي القربى للمتكلم وهو سيدنا رسول الله لما استطعنا أن نُوفيه أجراً. أما حين يتحمل كل واحد منا مجالاً من الخير والمعروف في قومه، هنا تتلاحم دوائر الخير في الناس جميعاً. ويذيل الحق الآية بقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} وهي ما تعطينا اجتماع الدوائر ويصير كل واحد مُهْتَماً بأقاربه ويتنازع الناس ويتنافسون في مودة القُربى، وكل منهم يحرص على أن يوسع دائرة القربى. هنا يعم الخير ويدوم الود ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ...}

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} [90] 189- أنا عبيد الله بن سعد، نا عمي، عن شريك، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه سجد في "ص" ثم قال: "أمرني الله أن أقتدي بالأنبياء" ثم قرأ {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}. 190- أنا عتبة بن عبد الله، أنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في ص {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}.