Verse. 880 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَمَا قَدَرُوا اللہَ حَقَّ قَدْرِہٖۗ اِذْ قَالُوْا مَاۗ اَنْزَلَ اللہُ عَلٰي بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ۝۰ۭ قُلْ مَنْ اَنْزَلَ الْكِتٰبَ الَّذِيْ جَاۗءَ بِہٖ مُوْسٰي نُوْرًا وَّہُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُوْنَہٗ قَرَاطِيْسَ تُبْدُوْنَہَا وَتُخْفُوْنَ كَثِيْرًا۝۰ۚ وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوْۗا اَنْتُمْ وَلَاۗ اٰبَاۗؤُكُمْ۝۰ۭ قُلِ اؙ۝۰ۙ ثُمَّ ذَرْہُمْ فِيْ خَوْضِہِمْ يَلْعَبُوْنَ۝۹۱
Wama qadaroo Allaha haqqa qadrihi ith qaloo ma anzala Allahu AAala basharin min shayin qul man anzala alkitaba allathee jaa bihi moosa nooran wahudan lilnnasi tajAAaloonahu qarateesa tubdoonaha watukhfoona katheeran waAAullimtum ma lam taAAlamoo antum wala abaokum quli Allahu thumma tharhum fee khawdihim yalAAaboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما قدروا» أي اليهود «الله حق قدره» أي ما عظموه حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته «إذ قالوا» للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خاصموه في القرآن «ما أنزل الله على بشر من شيء قل» لهم «من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه» بالياء والتاء في المواضع الثلاثة «قراطيس» أي يكتبونه في دفاتر مقطعة «يبدونها» أي ما يحبون إبداءه منها «ويخفون كثيرا» ما فيها كنعت محمد صلى الله عليه وسلم «وعلمتم» أيها اليهود في القرآن «ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم» من التوراة ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه «قل الله» أنزله إن لم يقولوه لا جواب غيره «ثم ذرهم في خوضهم» باطلهم «يلعبون».

91

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. وأنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد، وإبطال الشرك، وقرر تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة شرع بعده في تقرير أمر النبوة، فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } حيث أنكروا النبوة والرسالة، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات وأنه في غاية الحسن. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في تفسير قوله تعالى: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } وجوه: قال ابن عباس: ما عظموا الله حق تعظيمه. وروي عنه أيضاً أنه قال معناه: ما آمنوا إن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته، وحقق الواحدي رحمه الله ذلك، فقال يقال: قدر الشيء إذا سبره وحرره، وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدراً ومنه قوله عليه السلام: «حديث : وإن غم عليكم فاقدروا له» تفسير : أي فاطلبوا أن تعرفوه هذا أصله في اللغة، ثم قال يقال لمن عرف شيئاً هو يقدر قدره، وإذا لم يعرفه بصفاته أنه لا يقدر قدره، فقوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } صحيح في كل المعاني المذكورة. المسألة الثانية: أنه تعالى لما حكى عنهم {أَنَّهُمْ ما قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } بين السبب فيه، وذلك هو قولهم ما أنزل الله علي بشر من شيء. واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما عرف الله حق معرفته، وتقريره من وجوه: الأول: أن منكر البعثة والرسالة إما أن يقول: إنه تعالى ما كلف أحداً من الخلق تكليفاً أصلاً، أو يقول: إنه تعالى كلفهم التكاليف، والأول باطل، لأن ذلك يقتضي أنه تعالى أباح لهم جميع المنكرات والقبائح نحو شتم الله، ووصفه بما لا يليق به، والاستخفاف بالأنبياء والرسل وأهل الدين، والإعراض عن شكر النعم، ومقابلة الإنعام بالإساءة. ومعلوم أن كل ذلك باطل. وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي، فههنا لا بد من مبلغ وشارع ومبين، وما ذاك إلا الرسول. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: العقل كاف في إيجاب الواجبات واجتناب المقبحات؟ قلنا: هب أن الأمر كما قلتم. إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام. فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة الله تعالى. وكان ذلك جهلاً بصفة الإلهية، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }. الوجه الثاني: في تقرير هذا المعنى أن من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، والقائلون بهذا القول لهم مقامان: المقام الأول: أن يقولوا إنه ليس في الإمكان خرق العادات ولا إيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة. والمقام الثاني: الذين يسلمون إمكان ذلك. إلا أنهم يقولون إن بتقدير حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات لا دلالة لها على صدق مدعي الرسالة، وكلا الوجهين يوجب القدح في كمال قدرة الله تعالى. أما المقام الأول: فهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة. وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمله مثله، وإذا كان كذلك كان جرم الشمس والقمر قابلاً للتمزق والتفرق. فإن قلنا: إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وصفاً له بالعجز ونقصان القدرة، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل: أنه ما قدر الله حق قدره. وإن قلنا: إنه تعالى قادر عليه، فحينئذ لا يمتنع عقلاً انشقاق القمر، ولا حصول سائر المعجزات. وأما المقام الثاني: وهو أن حدوث هذه الأفعال الخارقة للعادة عند دعوى مدعي النبوة تدل على صدقهم، فهذا أيضاً ظاهر على ما هو مقرر في كتب الأصول. فثبت أن كل من أنكر إمكان البعثة والرسالة، فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة، وكل من قال ذلك فهو ما قدر الله حق قدره. والوجه الثالث: أنه لما ثبت حدوث العالم، فنقول: حدوثه يدل على أن إله العالم قادر عالم حكيم، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق، وملك لهم على الإطلاق، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على عباده، وأن يكون له وعد على الطاعة، ووعيد على المعصية، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكاً مطاعاً، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر الله حق قدره، فثبت أن كل من قال ما أنزل الله علي بشر من شيء فهو ما قدر الله حق قدره. المسألة الثالثة: في هذه الآية بحث صعب، وهو أن يقال: هؤلاء الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: {ما أَنزَلَ ٱللَّهُ علَى بَشَرٍ مّن شَىْء } إما أن يقال: إنهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإن كان الأول، فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء، فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم، وأما إن كان الثاني وهو أن قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى، فهذا أيضاً صعب مشكل، لأنهم لا يقولون هذا القول، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله الله على موسى، والإنجيل: كتاب أنزله الله على عيسى؛ وأيضاً فهذه السورة مكية، والمناظرات التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود والنصارى كلها مدنية، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها، فهذا تقرير الإشكال القائم في هذه الآية. واعلم أن الناس اختلفوا فيه على قولين: فالقول الأول: إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند الجمهور. قال ابن عباس: إن مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم، وكان رجلاً سميناً فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود»تفسير : فضحك القوم، فغضب مالك بن الصيف، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني، ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن رياستهم، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف، فهذا هو الرواية المشهورة في سبب نزول هذه الآية، وفيها سؤالات: السؤال الأول: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب العرف. ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار فغضب الزوج، وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء. قالوا: اللفظ وإن كان مطلقاً إلا أنه بحسب العرف يتقيد لتلك المرة فكذا ههنا قوله: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة، إلا أنه بحسب العرف يتقيد بتلك الواقعة فكان قوله: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } مراده منه أنه ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وإذا صار هذا المطلق محمولاً على هذا المقيد لم يكن قوله: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } مبطلاً لكلامه، فهذا أحد السؤالات: السؤال الثاني: أن مالك بن الصيف كان مفتخراً بكونه يهودياً متظاهراً بذلك ومع هذا المذهب ألبتة أن يقول: ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل أو على سبيل لا يمكنه طغيان اللسان، ومثل هذا الكلام لا يليق بالله سبحانه وتعالى إنزال القرآن الباقي على وجه الدهر في إبطاله. والسؤال الثالث: أن الأكثرين اتفقوا على أن هذه السورة مكية وأنها أنزلت دفعة واحدة، ومناظرات اليهود مع الرسول عليه الصلاة والسلام كانت مدنية، فكيف يمكن حمل هذه الآية على تلك المناظرة؟ وأيضاً لما نزلت السورة دفعة واحدة، فكيف يمكن أن يقال: هذه الآية المعينة إنما نزلت في الواقعة الفلانية؟ فهذه هي السؤالات الواردة على هذا القول، والأقرب عندي أن يقال: لعل مالك بن الصيف لما تأذى من هذا الكلام طعن في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: ما أنزل الله عليك شيئاً ألبتة، ولست رسولاً من قبل الله ألبتة، فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية، والمقصود منها أنك لما سلمت أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، فعند هذا لا يمكنك الإصرار على أنه تعالى ما أنزل علي شيئاً لأني بشر وموسى بشر أيضاً، فلما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر امتنع عليك أن تقطع وتجزم بأنه ما أنزل الله علي شيئاً، فكان المقصود من هذه الآية بيان أن الذي ادعاه محمد عليه الصلاة والسلام ليس من قبيل الممتنعات، وأنه ليس للخصم اليهودي أن يصر على إنكاره، بل أقصى ما في الباب أن يطالبه بالمعجز فإن أتى به فهو المقصود، وإلا فلا فإما أن يصر اليهودي على أنه تعالى ما أنزل على محمد شيئاً ألبتة مع أنه معترف بأن الله تعالى أنزل الكتاب على موسى، فذاك محض الجهالة والتقليد، وبهذا التقدير يظهر الجواب عن السؤالين الأولين. فأما السؤال الثالث: وهو قوله: هذه السورة مكية ونزلت دفعة واحدة وكل واحد من هذين الوجهين يمنع من القول بأن سبب نزول هذه الآية مناظرة اليهودي. قلنا: القائلون بهذا القول قالوا: السورة كلها مكية ونزلت دفعة واحدة إلا هذه الآية، فإنها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا الوجه. والقول الثاني: أن قائل هذا القول أعني ما أنزل الله على بشر من شيء قوم من كفار قريش فهذا القول قد ذكره بعضهم. بقي أن يقال: كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام، فكيف يمكن إلزام نبوة موسى عليهم؟ وأيضاً فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش، وإنما يليق باليهود وهو قوله: {أية : تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلّمْتُمْ مّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 91] فمن المعلوم بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود، وهو قول من يقول: إن أول الآية خطاب مع الكفار، وآخرها خطاب مع اليهود فاسد، لأنه يوجب تفكيك نظم الآية وفساد تركيبها، وذلك لا يليق بأحسن الكلام فضلاً عن كلام رب العالمين، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول. أما السؤال الأول: فيمكن دفعه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى عليه السلام مثل انقلاب العصا ثعباناً، وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات وكانوا يقولون لو جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بك، فكان مجموع هذه الكلمات جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى عليه السلام، وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد إيراد نبوة موسى عليه السلام إلزاماً عليهم في قولهم: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء }. وأما السؤال الثاني: فجوابه: أن كفار قريش واليهود والنصارى، لما كانوا متشاركين في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لم يبعد أن يكون الكلام الواحد وارداً على سبيل أن يكون بعضه خطاباً مع كفار مكة وبقيته يكون خطاباً مع اليهود والنصارى، فهذا ما يحضرنا في هذا البحث الصعب، وبالله التوفيق. المسألة الرابعة: مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل إلى كنه معرفة الله تعالى / البتة، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي وما عرفوا الله حق معرفته، وهذا الاستدلال بعيد، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ثلاثة مواضع، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة، وكذا القول في الموضعين الآخرين، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة. والله أعلم. المسألة الخامسة: في هذه الآية أحكام. الحكم الأول أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } نكرة في موضع النفي، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } إبطالاً له، ونقضاً عليه، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال، ولما كان ذلك باطلاً، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم. والله أعلم. الحكم الثاني النقض يقدح في صحة الكلام، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } بقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } فلو لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب. واعلم أن قول من يقول: إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقص مبطلاً ضعيف، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر، وأبهر من معجزاتك، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هنا، ولو كان الفرق مقبولاً لسقطت هذه الحجة، وحيث لا يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل والله أعلم. الحكم الثالث تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئاً وأحد من البشر ما أنزل الله عليه شيئاً ينتج من الشكل الثاني: أن موسى ما كان من البشر، وهذا خلف محال، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية، وهي قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، فوجب القول بكونها كاذبة، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني من الأشكال المنطقية، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف. والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما قال: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } وصف بعده كتاب موسى بالصفات. فالصفة الأولى: كونه نوراً وهدى للناس. واعلم أنه تعالى سماه نوراً تشبيهاً له بالنور الذي به يبين الطريق. فإن قالوا: فعلى هذا التفسير لا يبقى بين كونه نوراً وبين كونه هدى للناس فرق، وعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير. قلنا: النور له صفتان: إحداهما: كونه في نفسه ظاهراً جلياً، والثانية: كونه بحيث يكون سبباً لظهور غيره، فالمراد من كونه نوراً وهدى هذان الأمران. واعلم أنه تعالى وصف القرآن أيضاً بهذين الوصفين في آية أخرى، فقال: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا }. الصفة الثانية: قوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } وفيه مسائل: المسألة الأول: قرأ أبو عمرو وابن كثير {يجعلونه} على لفظ الغيبة، وكذلك يبدونها ويخفون لأجل أنهم غائبون ويدل عليه قوله تعالى: { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } فلما وردت هذه الألفاظ على لفظ المغايبة، فكذلك القول في البواقي، ومن قرأ بالتاء على الخطاب، فالتقدير: قل لهم تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً، والدليل عليه قوله تعالى: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ } فجاء على الخطاب، فكذلك ماقبله. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ } أي يجعلونه ذات قراطيس. أي يودعونه إياها. فإن قيل: إن كل كتاب فلا بد وأن يودع في القراطيس، فإذا كان الأمر كذلك في كل الكتب، فما السبب، في أن حكى الله تعالى هذا المعنى في معرض الذم لهم. قلنا: الذم لم يقع على هذا المعنى فقط، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس، وفرقوه وبعضوه، لا جرم قدروا على إبداء البعض، وإخفاء البعض، وهو الذي فيه صفة محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل: كيف يقدرون على ذلك مع أن التوراة كتاب وصل إلى أهل المشرق والمغرب، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه، والدليل عليه أن الرجل في هذا الزمان لو أراد إدخال الزيادة والنقصان في القرآن لم يقدر عليه، فكذا القول في التوراة. قلنا: قد ذكرنا في سورة البقرة أن المراد من التحريف تفسير آيات التوراة بالوجوه الباطلة الفاسدة كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات القرآن. فإن قيل: هب أنه حصل في التوراة آيات دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. إلا أنها قليلة، والقوم ما كانوا يخفون من التوراة إلا تلك الآيات، فلم قال: ويخفون كثيراً. قلنا: القوم كما يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فكذلك يخفون الآيات المشتملة على الأحكام، ألا ترى أنهم حاولوا على إخفاء الآية المشتملة على رجم الزاني المحصن. الصفة الثالثة: قوله: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ } والمراد أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤن تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها، فلما بعث الله محمداً ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المراد من قوله: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ }. واعلم أنه تعالى لما وصف التوراة بهذه الصفات الثلاث، قال: {قُلِ ٱللَّهُ } والمعنى أنه تعالى قال في أول الآية: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ } الذي صفته كذا وكذا فقال بعده: {قُلِ ٱللَّهُ } والمعنى أن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد قول صاحبه بالمعجزات القاهرة الباهرة مثل معجزات موسى عليه السلام لا يكون إلا من الله تعالى، فلما صار هذا المعنى ظاهراً بسبب ظهور الحجة القاطعة، لا جرم قال تعالى لمحمد قل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى، ونظيره قوله: {قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ } وأيضاً أن الرجل الذي حاول إقامة الدلالة على وجود الصانع يقول من الذي أحدث الحياة بعد عدمها، ومن الذي أحدث العقل بعد الجهالة، ومن الذي أودع في الحدقة القوة الباصرة، وفي الصماخ القوة السامعة، ثم إن ذلك القائل نفسه يقول {ٱللَّهِ } والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة والبينة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها فسواء أقر الخصم به أو لم يقر فالمقصود حاصل فكذا ههنا. ثم قال تعالى بعده: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والأنذار وهذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتة، ونظيره قوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ }. المسألة الثانية: قال بعضهم هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد لأن قوله {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } مذكور لأجل التهديد، وذلك لا ينافي حصول المقاتلة، فلم يكن ورود الآية الدالة على وجوب المقاتلة، رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية، فلم يحصل النسخ فيه. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي فيما وجب له وٱستحال عليه وجاز. قال ٱبن عباس: ما آمنوا أنه على كل شيء قدير. وقال الحسن: ما عظّموه حقَّ عظمته. وهذا يكون من قولهم: لفلان قَدر. وشرحُ هذا أنهم لما قالوا: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} نَسَبُوا الله عز وجل إلى أنه لا يقيم الحجة على عباده، ولا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح؛ فلم يعظِّموه حقَّ عظمته ولا عرفوه حقَّ معرفته. وقال أبو عبيدة: أي ما عرفوا الله حقّ معرفته. قال النحاس: وهذا معنى حسن؛ لأن معنى قدرت الشيء وقدّرته عرفت مقداره. ويدلّ عليه قوله تعالى: {إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} أي لم يعرفوه حق معرفته؛ إذ أنكروا أن يرسل رسولا. والمعنيان متقاربان. وقد قيل: وما قدروا نِعم الله حق تقديرها. وقرأ أبو حَيْوَة: {وما قدروا الله حق قدَره} بفتح الدال، وهي لغة. {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} قال ٱبن عباس وغيره: يعني مشركي قريش. وقال الحسن وسعيد بن جبير: الذي قاله أحد اليهود، قال: لم يُنزل الله كتاباً من السماء. قال السُّدِّي: اسمه فنحاص. وعن سعيد بن جُبير أيضاً قال: هو حديث : مالك بن الصَّيف، جاء يخاصم النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أَنْشُدُك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحَبْر السّمِين»؟ وكان حبراً سميناً. فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشرٍ من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحكٰ ولا على موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بَشَرٍ من شيء؛ فنزلت الآيةتفسير : . ثم قال نقضاً لقولهم وردًّا عليهم: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} ـ أي في قراطيس ـ {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} هذا لليهود الذين أخفَوْا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرها من الأحكام. وقال مجاهد: قوله تعالى «قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى» خطاب للمشركين، وقوله: «يجعلونه قراطيس» لليهود وقوله {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} للمسلمين. وهذا يصحّ على قراءة من قرأ «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون» بالياء. والوجه على قراءة التاء أن يكون كله لليهود، ويكون معنى «وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا» أي وعلّمتم ما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على وجه المَنّ عليهم بإنزال التوراة. وجعلت التوراة صُحُفاً فلذلك قال «قراطيس تبدونها» أي تبدون القراطيس. وهذا ذَمّ لهم؛ ولذلك كره العلماء كتب القرآن أجزاء. {قُلِ ٱللَّهُ} أي قل يا محمد الله الذي أنزل ذلك الكتاب على موسى وهذا الكتاب عليّ. أو قل الله علمكم الكتاب. {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} أي لاعبين، ولو كان جواباً للأمر لقال يلعبوا. ومعنى الكلام التهديد. وقيل: هو من المنسوخ بالقتال؛ ثم قيل: «يجعلونه» في موضع الصفة لقوله «نُوراً وَهُدًى» فيكون في الصلة. ويحتمل أن يكون مستأنفاً، والتقدير: يجعلونه ذا قراطيس. وقوله: «يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيراً» يحتمل أن يكون صفة لقراطيس؛ لأن النكرة توصف بالجُمل. ويحتمل أن يكون مستأنفاً حسبما تقدّم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه؛ إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل: نزلت في طائفة من اليهود، وقيل: في فنحاص؛ رجل منهم، وقيل: في مالك بن الصيف {قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ} والأول أصح؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر، كما قال: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} تفسير : [يونس: 2] وكقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94 - 95]، وقال ههنا: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ} قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية موجبة: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ} وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران، نوراً وهدى للناس، أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات، وقوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرَٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} أي: تجعلون جملتها قراطيس، أي: قطعاً تكتبونها من الكتاب الأصلي، الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون: هذا من عند الله، أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال: {تَجْعَلُونَهُ قَرَٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} وقوله تعالى: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ} أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي، مالم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم، وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب، وقال مجاهد: هذه للمسلمين، وقوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: قل: الله أنزله، وهذا الذي قاله ابن عباس، هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين؛ من أن معنى {قُلِ ٱللَّهُ} أي: لا يكون خطابك لهم إلا هذه الكلمة، كلمة: «الله»، وهذا الذي قاله هذا القائل، يكون أمراً بكلمة مفردة، من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها، وقوله: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة، أم لعباد الله المتقين؟ وقوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ} يعني: القرآن {أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} يعني: مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم، ومن عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 51] وقال: {أية : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وقال: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] وقال: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وقال: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران: 20] وثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي» تفسير : وذكر منهن: «حديث : وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» تفسير : ولهذا قال: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر، يؤمن بهذا الكتاب المبارك، الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي: يقومون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ } أي اليهود {ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه حق عظمته، أو ما عرفوه حق معرفته {إِذْ قَالُواْ } للنبي صلى الله عليه وسلم- وقد خاصموه في القرآن - {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْءٍ قُلْ } لهم {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لّلنَّاسِ تَجْعَلونَهُ} بالياء والتاء في المواضع الثلاثة { قَرٰطِيسَ } أي يكتبونه في دفاتر مقطعة { يُبْدُونَهَا } أي ما يحبون إبداءه منها {وَتُخْفُونَ كَثِيراً } مما فيها كنعت محمد صلى الله عليه وسلم {وَعُلِّمْتُمْ } أيها اليهود في القرآن {مَا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ ولا ءَاباؤُكُمْ} من التوراة ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه {قُلِ ٱللَّهُ } أنزله. إن لم يقولوه لا جواب غيره {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ } باطلهم {يَلْعَبُونَ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } قدرت الشيء وقدّرته: عرفت مقداره، وأصله: الستر، ثم استعمل في معرفة الشيء، أي لم يعرفوه حق معرفته، حيث أنكروا إرساله للرسل، وإنزاله للكتب. وقيل المعنى: وما قدروا نعم الله حق تقديرها. وقرأ أبو حيوة: "وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" بفتح الدال: وهي لغة، ولما وقع منهم هذا الإنكار وهم من اليهود، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها، فقال: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } وهم يعترفون بذلك ويذعنون له، فكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره، مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه، من وقوع إنزال الله على البشر، وهم الأنبياء عليهم السلام، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم وقيل: إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش، فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك، ويعلمونه بالأخبار من اليهود، وقد كانوا يصدقونهم، و {نُوراً وَهُدًى } منتصبان على الحال، و {لِلنَّاسِ } متعلق بمحذوف هو صفة لهدى، أي كائناً للناس. قوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ } أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في قراطيس تضعونه فيها ليتمّ لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل، وكتم صفة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة فيه، وهذا ذمّ لهم، والضمير في {تُبْدُونَهَا } راجع إلى القراطيس، وفي {تَجْعَلُونَهُ } راجع إلى الكتاب، وجملة {تجعلونه} في محل نصب على الحال، وجملة {تبدونها} صفة لقراطيس {وَتُخْفُونَ كَثِيراً } معطوف على {تبدونها} أي وتخفون كثيراً منها، والخطاب في {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ} لليهود، أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقرّرة لما قبلها، والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور التي أوحى الله إليه بها، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم، ولا على لسان أنبيائهم، ولا علمه آباؤهم، ويجوز أن يكون "ما" في {ما لم تعلموا} عبارة عما علموه من التوراة، فيكون ذلك على وجه المنّ عليهم بإنزال التوراة. وقيل: الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم، فتكون «ما» عبارة عما علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمره الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } فقال: {قُلِ ٱللَّهُ } أي: أنزله الله {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } أي ذرهم في باطلهم حال كونهم يلعبون، أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون. قوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } هذا من جملة الرد عليهم في قولهم: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } أخبرهم بأن الله أنزل التوراة على موسى، وعقبه بقوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ } يعني على محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف تقولون: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء }؟ ومبارك ومصدق صفتان لكتاب، والمبارك كثير البركة، والمصدق كثير التصديق، والذي بين يديه ما أنزل الله من الكتب على الأنبياء من قبله، كالتوراة والإنجيل، فإنه يوافقها في الدعوة إلى الله، وإلى توحيده، وإن خالفها في بعض الأحكام. قوله: {وَلِتُنذِرَ } قيل: هو معطوف على ما دل عليه مبارك، كأنه قيل أنزلناه للبركات ولتنذر، وخص أم القرى وهي مكة، لكونها أعظم القرى شأناً، ولكونها أوّل بيت وضع للناس، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحلّ حجهم، فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض، والمراد بمن حولها: جميع أهل الأرض، والمراد بأنذر أمّ القرى: إنذار أهلها وأهل سائر الأرض، فهو على تقدير مضاف محذوف كسؤال القرية {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } مبتدأ، و {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } خبره، والمعنى: أن من حق من صدق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب، ويصدق، ويعمل بما فيه، لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها، ويندفع به ضرّها. وجملة: {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } في محل نصب على الحال، وخص المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها. قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدّم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب على رسله، أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً فزعم أنه نبيّ وليس بنبيّ، أو كذب على الله في شيء من الأشياء {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } أي والحال أنه لم يوح إليه شيء، وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم، وإنما هذا شأن الكذابين رؤوس الإضلال، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وسجاح. قوله: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ } معطوف على {من افترى} أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحى إليّ ولم يوح إليه شيء، أو ممن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، وهم القائلون: {أية : لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا }تفسير : [الأنفال: 31] وقيل: هو عبد الله بن أبي سرح، فإنه كان يكتب الوحي لرسول صلى الله عليه وسلم، فأملى عليه رسول صلى الله عليه وسلم: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَر} تفسير : [المؤمنون: 14] فقال عبد الله: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هكذا أنزلت»تفسير : فشكّ عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إليّ كما أوحى إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال، ثم ارتدّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف، قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } الخطاب لرسول الله صلى الله عيله وسلم أو لكل من يصلح له، والمراد كل ظالم، ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله، والمدّعون للنبوات افتراء على الله دخولاً أوّلياً، وجواب "لو" محذوف، أي لرأيت أمراً عظيماً. والغمرات جمع غمرة: وهي الشدّة، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ومنه غمرة الماء، ثم استعملت في الشدائد، ومنه غمرة الحرب. قال الجوهري: والغمرة الشدّة والجمع غمر: مثل نوبة ونوب، وجملة: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } في محل نصب، أي والحال أن الملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواح الكفار. وقيل للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد، ومثله قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 50]. قوله: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي قائلين لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب، أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم، وسلموها إلينا لنقبضها {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم، أو أرادوا باليوم الوقت الذي يعذبون فيه الذي مبدؤه عذاب القبر، والهون والهوان بمعنى أي اليوم تجزون عذاب الهوان الذي تصيرون به في إهانة ومذلة، بعدما كنتم فيه من الكبر والتعاظم، والباء في {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } للسببية، أي بسبب قولكم هذا من إنكار إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به {وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } عن التصديق لها والعمل بها، فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون: {أية : جَزَاء وِفَـٰقاً }تفسير : [النبأ: 26]. قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } قرأ أبو حيوة "فرادى" بالتنوين، وهي لغة تميم، وقرأ الباقون بألف التأنيث للجمع فلم ينصرف. وحكى ثعلب «فراد» بلا تنوين مثل: ثلاث ورباع، وفرادى جمع فرد كسكارى جمع سكران، وكسالى جمع كسلان، والمعنى: جئتمونا منفردين واحداً واحداً كل واحد منفرد عن أهله وماله، وما كان يعبده من دون الله، فلم ينتفع بشيء من ذلك {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي على الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم، والكاف نعت مصدر محذوف، أي جئتمونا مجيئاً مثل مجيئكم عند خلقنا لكم، أو حال من ضمير {فرادى} أي متشابهين ابتداء خلقنا لكم {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ } أي أعطيناكم، والخول ما أعطاه الله للإنسان من متاع الدنيا، أي تركتم ذلك خلفكم لم تأتونا بشيء منه، ولا انتفعتم به بوجه من الوجوه {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ٱلَّذِينَ } عبدتموهم وقلتم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] و {زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها. قوله: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } قرأ نافع والكسائي وحفص بنصب {بينكم} على الظرفية، وفاعل {تقطع} محذوف، أي تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم، كما يدل عليه: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ }. وقرأ الباقون بالرفع على إسناد التقطع إلى البين، أي وقع التقطع بينكم، ويجوز أن يكون معنى قراءة النصب معنى قراءة الرفع في إسناد الفعل إلى الظرف، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفاً. وقرأ ابن مسعود: «لقد تقطع ما بينكم» على إسناد الفعل إلى "ما": أي الذي بينكم {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } من الشركاء والشرك، وحيل بينكم وبينهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } قال: هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، قد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: "حديث : نعم"تفسير : ، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله {قُلْ } يا محمد {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء } قالها مشركو قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شيء، فنزلت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال: نزلت في مالك بن الصيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟" تفسير : وكان حبراً سميناً، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟ قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ } قال: اليهود، وقوله: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } قال: هذه للمسلمين. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ} قال: هم اليهود آتاهم الله علماً فلم يقتدوا به، ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في علمهم ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } قال: هو القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، عنه قال {مُّصَدّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي من الكتب التي قد خلت قبله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } قال: مكة ومن حولها. قال: يعني ما حولها من القرى، إلى المشرق والمغرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال: إنما سميت أمّ القرى لأن أوّل بيت وضعت بها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } قال: هي مكة، قال: وبلغني أن الأرض دحيت من مكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار نحوه. وأخرج الحاكم في المستدرك، عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } الآية. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فرّ إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأنّ أهل مكة، ثم استأمن له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي خلف الأَعمى: أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح. وكذلك روى ابن أبي حاتم عن السديّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } قال: نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ } قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة لما نزلت: {أية : وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً }تفسير : [المرسلات: 1، 2] قال: النضر وهو من بني عبد الدار: والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً قولاً كثيراً، فأنزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } قال: سكرات الموت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال في قوله: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } هذا عند الموت، والبسط: الضرب {أية : يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 50، محمد: 27]. وأخرج أبو الشيخ عنه قال في الآية هذا ملك الموت عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } قال: بالعذاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {عَذَابَ ٱلْهُونِ } قال: الهوان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزّى، فنزلت {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } الآية، قال: كيوم ولد يردّ عليه كل شيء نقص منه يوم ولد. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ } قال: من المال والخدم {وَرَاء ظُهُورِكُمْ } قال: في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } قال: ما كان بينهم من الوصل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } قال: تواصلكم في الدنيا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: وما عظموه حق عظمته، قاله الحسن، والفراء، والزجاج. والثاني: وما عرفوه حق معرفته، قاله أبو عبيدة. والثالث: وما وصفوه حق صفته، قاله الخليل. والرابع: وما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير، قاله ابن عباس. {إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ} يعني من كتاب من السماء. وفي هذا الكتاب الذي أنكروا نزوله قولان: أحدهما: أنه التوراة، أنكر حبر اليهود فيما أنزل منها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذا الحبر اليهودي سميناً، فقال له: "حديث : أَمَا تَقْرَءُونَ فِي التَّورَاةِ: أَنَّ اللَّه يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ" تفسير : فغضب من ذلك وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فتبرأت منه اليهود ولعنته، حكاه ابن بحر. والقول الثاني: أنه القرآن أنكروه رداً لأن يكون القرآن مُنَزَّلاً. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: قريش. والثاني: اليهود. فرد الله تعالى عليهم بقوله: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى} يعني التوراة لاعترافهم بنزولها. ثم قال: {نُوراً وَهُدىً لِّلنَّاسِ} لأن المنزل من السماء لا يكون إلا نوراً وهدىً. ثم قال: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} يعني أنهم يخفون ما في كتابهم من بنوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصفته وصحة رسالته. قوله عز وجل: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلَنَاهُ مُبَارَكٌ} يعني القرآن، وفي {مُبارَكٌ} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه العظيم البركة لما فيه من الاستشهاد به. والثاني: لما فيه من زيادة البيان لأن البركة هي الزيادة. والثالث: أن المبارك الثابت. {مُّصَدِقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} فيه قولان: أحدهما: الكتب التي قبله من التوراة، والإِنجيل، وغيرهما، قاله الحسن البصري. والثاني: النشأة الثانية، قاله علي بن عيسى. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} يعني أهل أم القرى، فحذف ذكر الأهل إيجازاً كما قال: {أية : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. و {أُمَّ الْقُرَى} مكة وفي تسميتها بذلك أربعة أقاويل:- أحدها: لأنها مجتمع القرى، كما يجتمع الأولاد إلى الأم. والثاني: لأن أول بيت وضع بها، فكأن القرى نشأت عنها، قاله السدي. والثالث: لأنها معظمة كتعظيم الأم، قاله الزجاج. والرابع: لأن الناس يؤمونها من كل جانب، أي يقصدونها. ثم قال: {وَمَنْ حَوْلَهَا} قال ابن عباس: هم أهل الأرض كلها. {وَالَّذِينَ يَؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} وفيما ترجع إليه هذه الكناية قولان: أحدهما: إلى الكتاب، وتقديره: والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون بهذا الكتاب، قاله الكلبي. والثاني: إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وتقديره: والذين يؤمنون بالآخرة، يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم لِمَا قد أظهر الله تعالى من معجزته وأَبَانَه الله من صدقه، قاله الفراء. فإن قيل: فيمن يؤمن بالآخرة من أهل الكتاب لا يؤمنون به؟ قيل: لا اعتبار لإِيمانهم بها لتقصيرهم في حقها، فصاروا بمثابة من لم يؤمن بها.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قدروا} و {قالوا} قيل يراد به العرب قاله مجاهد وغيره، وقيل يراد به بنو إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل رجل مخصوص منهم يقال له مالك بن الصيف قاله سعيد بن جبير، وقيل في فنحاص قاله السدي، {قدروا} هو من توفية القدر والمنزلة فهي عامة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك، غير أن تعليله بقولهم {ما أنزل الله} يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثه الرسل و {حق} نصب على المصدر، ومن قال إن المراد كفار العرب فيجيء الاحتجاج عليهم بقوله: {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} احتجاجاً بأمر مشهور منقول بكافة قوم لم تكن العرب مكذبة لهم، ومن قال إن المراد بني إسرائيل فيجيء الاحتْجاج عليهم مستقيماً لأنهم يلتزمون صحة نزول الكتاب على موسى عليه السلام، وروي أن مالك بن الصيف كان سميناً فجاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بزعمه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنشدك الله ألست تقرأ فيما أنزل على موسى أن الله يبغض الحبر السمين " تفسير : فغضب وقال والله {ما أنزل الله على بشر من شيء} والآية على قول من قال نزلت في قول بني إسرائيل تلزم أن تكون مدنية، وكذلك حكى النقاش أنها مدنية، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وغيرهما "وما قدّروا" بتشديد الدال "الله حق قدره" بفتح الدال، وقرأ الجمهور في الأول بالتخفيف وفي الثاني بإسكانه. وقوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب} الآية، أمره الله تعالى أن يستفهم على جهة التقرير على موضع الحجة، والمراد بـ {الكتاب} التوراة، و {نوراً وهدى} اسمان في موضع الحال بمعنى نيراً وهادياً، فإن جعلناه حالاً من {الكتاب} فالعامل فيه {أنزل} ، وإن جعلناه حالاً من الضمير في {به} فالعامل فيه {جاء} ، وقرأ جمهور الناس "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون" بالتاء من فوق في الأفعال الثلاثة، فمن رأى أن الاحتجاج على بني إسرائيل استقامت له هذه القراءة وتناسقت مع قوله: {وعلمتم ما لم تعلموا} ومن رأي أن الاحتجاج إنما هو على كفار العرب فيضطر في هذه القراءة إذا لا يمكن دفعها إلى أن يقول إنه خرج من مخاطبة قريش في استفهامهم وتقريرهم إلى مخاطبة بني إسرائيل بتوبيخهم وتوبيخ أفعالهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا مع بعده أسهل من دفع القراءة، فكأنه على هذا التأويل قال لقريش من أنزل الكتاب على موسى، ثم اعترض على بني إسرائيل فقال لهم خلال الكلام تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً " بالياء في الأفعال الثلاثة، فمن رأى الاحتجاج على قريش رآه إخباراً من الله عز جل بما فعلته اليهود من الكتاب، ويحتمل أن يكون الإخبار بذلك لقريش أو للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن فأمته متلقية ذلك، و {قراطيس} جمع قرطاس أي بطائق وأوراقاً والمعنى يجعلونه ذا قراطيس من حيث يكتب فيها، وتوبيخهم بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم آيات محمد عليه السلام والإخبار بنبوته وجميع ما عليهم فيه حجة وقوله: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} قال مجاهد وغيره هي مخاطبة للعرب، فالمعنى على هذا قصد ذكر منة الله عليهم بذلك أي علمتم يا معشر العرب من الهدايات والتحيد والإرشاد إلى الحق ما لم تكونوا عالمين به ولا آباؤكم. قال القاضي أبو محمد: وقوله: {وعلمتم ما لم تعلموا} يصلح على هذا المعنى لمخاطبة من انتفع بالتعليم ومن لم ينتفع به، ويصح الامتنان بتعليم الصنفين، وليس من شرط من علم أن يعلم ولا بد، أما أن التعليم الكامل هو الذي يقع معه التعلم، وقالت فرقة بل هي مخاطبة لبني إسرائيل، والمعنى على هذا يترتب على وجهين، أحدهما أن يقصد به الامتنان عليهم وعلى آبائهم بأن علموا من دين الله وهداياته ما لم يكونوا عالمين به، لأن آباء المخاطبين من بني إسرائيل كانوا علموا أيضاً وعلم بعضهم، وليس ذلك في آباء العرب، والوجه الآخر أن يكون المقصود منهم أي وعلمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه بعد التعليم ولا انتفعتم به لإعراضكم وضلالكم ثم أمره تعالى بالمبادرة إلى موضع الحجة أي قل: الله هو الذي أنزل الكتاب على موسى ويحتمل أن يكون المعنى فإن جهلوا أو تحيروا أو سألوا أو نحو هذا فقل الله ثم أمره بترك من كفر وأعرض، وهذه آية منسوخة بآية القتال إن تأولت موادعة، وقد يحتمل أن لا يدخلها نسخ إذا جعلت تتضمن تهديداً ووعيداً مجرداً من موادعة، و "الخوض" الذهاب فيما لا تسبر حقائقه، وأصله في الماء ثم يستعمل في المعاني المشكلة الملتبسة، و {يلعبون} في موضع الحال.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ما عظموه حقّ عظمته، أو ما عرفوه حقّ معرفته، أو ما آمنوا أنه على كلّ شيء قدير. {إِذْ قَالُواْ} قريش، أو اليهود فردّ عليهم بقول {مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَى} لاعترافهم به. {وَتُخْفُونَ كَثِيراً} نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يجعلونه} {يبدونها} و {يخفون} بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب {ولينذر} بياء الغيبة: أبو بكر وحماد. الباقون: بتاء الخطاب {بينكم} بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون: بالرفع {وجعل الليل} على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون {وجاعل الليل} على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة {وجنات} بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب {فمسستقر} بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون: بالفتح {ثمره} بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون: بفتحتين {وخرقوا} بالتشديد: أبو جعفر ونافع. الباقون: بالتخفيف. الوقوف: {من شيء} ط {كثيراً} ط لمن قرأ {يجعلونه} بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم {آباؤكم} ط {قل الله} ط لأن قوله ذرهم} معطوف على {قل} {يلعبون} ه {ومن حولها} ط {يحافظون} ه {أنزل الله} ط {أيديهم} ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا {أنفسكم} ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة {تستكبرون} ه {ظهوركم} ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم {شركاء} ط {تزعمون} ه {والنوى} ط {من الحي} ط {تؤفكون} ه {فالق الإصباح} ج لمن قرأ {وجعل} لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق {حسباناً} ط {العليم} ه {والبحر} ط {يعلمون} ه {ومستودع} ط {يفقهون} ه {ماء} ج للعدول مع اتحاد المقصود {متراكباً} ط ومن قرأ {وجنات} بالرفع فللعطف على {قنوان} لفظاً فيلزمه وقفه على {دانية} وإلا فليعطف ويفهم أن {جنات} من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على {متراكباً} جائز للعطف على قوله {خضراً} مع وقوع العارض {وغير متشابه} ط {وينعه} ط {يؤمنون} ه {بغير علم} ط {يصفون} ه. التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال {وما قدروا الله حق قدره} قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة. وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه. وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره. ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله تعالى، لأنه إما أن يدعي أنه تعالى ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟ فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج. وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله سبحانه بكونه أعرف بالبواطن كقوله {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله تعالى بالعجز ونقصان القدرة. وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} على أن قوله {تجعلونه قراطيس} بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى. وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟ والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى. وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء} ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله:حديث : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهودتفسير : . فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} أي لما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز. والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض. وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق. ويرد على هذا التوجيه أن قوله {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} لا يكون مبطلاً لكلام الخصم. أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم. ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله {وما قدروا الله حق قدره} يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله تعالى وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر {أية : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته} تفسير : [الزمر: 67] ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله {من أنزل} مبطلاً لقوله {ما أنزل الله على بشر من شيء} ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله {من أنزل} حجة. ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله تعالى في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك. ومنها أن الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء} فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف. ثم اعلم أنه سبحانه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة. فالمراد بالنور ظهوره في نفسه. وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن {أية : ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} تفسير : [الشورى: 52] قال أبو علي الفارسي {يجعلونه قراطيس} أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها. فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟ قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره {وعلمتم} أيها اليهود على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله {أية : لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم} تفسير : [يس: 6] {قل الله} أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله سبحانه. ونظره {أية : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} تفسير : [الأنعام: 19] والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل. {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و{يلعبون} حال من {ذرهم} أو من {خوضهم} ويحتمل أن يكون {في خوضهم} حالاً من {يلعبون} وأن يكون صلة له أو لـ {ذرهم}. والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله {أية : إن عليك إلا البلاغ} تفسير : [الشورى: 48] قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية. ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال {وهذا كتاب أنزلناه} وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام {مبارك} كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية. وقد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك. {مصدق الذي بين يديه} أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية. أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة. وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم. ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة {ولتنذر} من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار {أية : إنما أنذركم بالوحي} تفسير : [الأنبياء: 45] وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها. وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس. وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها. قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط. وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين. ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر {وهم على صلاتهم يحافظون} يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات. وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها. ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني. فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي"تفسير : . {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} كان مسيلمة يقول: محمد صلى الله عليه وسلم وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله {أية : لو نشاء لقلنا مثل هذا} تفسير : [الأنفال: 31] وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : [المؤمنون: 12] أملاه الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما وصل إلى قوله {أنشأناه خلقاً آخر} عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمن له. ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال {ولو ترى} الآية. وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً {إذ الظالمون} يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة. فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه. وغمرات الموت شدائده وسكراته. وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة {والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟ وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات {والملائكة باسطوا أيديهم} بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم {أخرجوا أنفسكم} من هذا العذاب الشديد إن قدرتم. ومنها {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} عند نزول الموت بهم في الدنيا {والملائكة باسطوا أيديهم} لقبض أرواحهم يقولون لهم {أخرجوا أنفسكم} من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك. ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث "حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"تفسير : فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف. وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه {اليوم} يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة {تجزون عذاب الهون} كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة. والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة {بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها. قال الواحدي {وكنتم عن آياته تستكبرون} أي لا تصلون له لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر ". تفسير : {ولقد جئتمونا} يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون} ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله تعالى إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار {فرادى} جمع ينون ولا ينوّن واحده. قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة. وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر {كما خلقناكم} أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم. {أوّل مرة} والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله {ولقد جئتمونا فرادى} أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد. ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله {وتركتم ما خوّلناكم} أي أعطينا وتفضلنا به عليكم {وراء ظهوركم} يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه {وما نرى معكم شفعاءكم} أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله {لقد تقطع بينكم} الآية. من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله {أية : وتقطعت بهم الأسباب} تفسير : [البقرة: 166] يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره. وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم. والمعنى لقد تقطع وصلكم. قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده. فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله {ولقد جئتمونا فرادى} ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} بل يكون من زمرة {أية : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} تفسير : [المزمل: 20] كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله. ثم إنه سبحانه لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال {أن الله فالق الحب والنوى} أي بالنبات والشجر. وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق. وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق. ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل. واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس. فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار. ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم. ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار. ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب. ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين. فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة. تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها. ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه سبحانه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة. فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير. ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله {يخرج الحي من الميت} لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال {أية : يحيي الأرض بعد موتها} تفسير : [الحديد: 17] ثم عطف على قوله {فالق الحب} قوله {ومخرج الميت من الحي} قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس. يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون. ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله {ومخرج الميت} معطوف على قوله {يخرج} وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال {أية : هل من خالق غير الله يرزقكم} تفسير : [فاطر: 3] ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس {ذلكم الله} المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت {فأنى تؤفكون} فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟ ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال {فالق الإصباح} وهو مصدر سمي به الصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة. ثم إنه سبحانه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور. فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به. أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل {أية : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} تفسير : [البقرة: 164] ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله سبحانه فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار. النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله {وجاعل الليل سكناً} حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك {والشمس والقمر} منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل". والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه. ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال {أية : لتسكنوا فيه} تفسير : [يونس: 67] فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله تعالى وآيتان على وحدته وقدرته. النوع الثالث قوله {والشمس والقمر حسباناً} أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما. والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر. وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان". قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث. فالنصب على إضمار فعل دل عليه {جاعل الليل} أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر. فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل. قلت: وهذا مناقض لما ذكره في {أية : مالك يوم الدين} تفسير : [الفاتحة: 3] من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة. وأما وجه الجر فظاهر. ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً {وذلك} الجعل {تقدير العزيز} الذي قهرهما {العليم} الذي دبرهما. وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات. النوع الرابع قوله {وهو الذي جعل لكم النجوم} عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك {في ظلمات البر والبحر} حيث لا يرون شمساً ولا قمراً. والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما. وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر. وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله سبحانه من هذه السمات ولهذا قال {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب. ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال {وهو الذي أنشأكم} أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء {من نفس واحدة} هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم {فمستقر} من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر {و} منكم {مستودع} الأول اسم فاعل والثاني اسم مفعول. ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع. فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً. وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً. وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله {أية : ونقر في الأرحام ما نشاء} تفسير : [الحج: 5] ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان. وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع. وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب. وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث. وعن قتادة بالعكس. وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة. وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير. ولهذا قال {قد فصلنا الآيات} ميزنا بعضها عن بعض {لقوم يفقهون} لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم. ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال {وهو الذي أنزل من السماء ماء} قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت. وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه تعالى فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد. ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله تعالى أعلم. قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك. والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها. {فأخرجنا به} أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه {نبات كل شيء} قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك. وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك. ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله {إن الله فالق الحب والنوى} فقال {فأخرجنا منه} أي من النبات {خضراً} شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. {نخرج منه} أي من ذلك الخضر {حباً متراكباً} بعضه على بعض. قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر. والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال {ومن النخل} وهو خبر وقوله {من طلعها} بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل {قنوان} أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه. والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو. والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة. قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها. وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض. قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم. وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول {وجنات من أعناب} بالنصب عطفاً على {خضراً} أي وأخرجنا به جنات من أعناب. ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب. أما قوله {والزيتون والرمان} بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين. قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف. واعلم أنه سبحانه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب. ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم"تفسير : ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله. فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها. وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة. ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء. والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي. وأما قوله {مشتبهاً وغير متشابه} ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس. الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة. ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا. وإنما قال {مشتبهاً} ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله: شعر : رماني بأمر كنت ووالدي بريئا ومن أجل الطويّ رماني تفسير : {انظروا إلى ثمره} من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة. ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب. قال تعالى {أية : كأنهم خشب مسندة} تفسير : [المنافقون: 4] أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر {إذا أثمر} إذا أخرج ثمره {وينعه} يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت. أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله تعالى في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم {وجعلوا الله شركاء الجن} قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله تعالى وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب. قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه تعالى فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان. والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله تعالى هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله تعالى مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن. وانتصاب {الجن} على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ {جعلوا} و {شركاء} ثانيه ويكون {لله} طرفاً لغواً. وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء. وقرىء {الجن} بالرفع كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الجن. وبالجر على الإضافة التي للتبيين. وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله. وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون. ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد. وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله. أما قوله {وخلقهم} فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك. والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله سبحانه، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر. وإن قلنا. إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد. وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى. وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} تفسير : [لقمان: 25] ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق. والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم. وقرىء {وخلقهم} بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم {أية : والله أمرنا بها} تفسير : [الأعراف: 28] ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال {وخرقوا له بنين وبنات} وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال {وجعلوا لله شركاء الجن} نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى. قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم. ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات. أما قوله {بغير علم} فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً. وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد. وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد. ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال {سبحانه} وهذا على لسان المسبحين {وتعالى عما يصفون} وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا. والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون. التأويل: {وما قدروا الله حق قدره} حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط. نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه {تجعلونه قراطيس} أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه {وعلمتم} بتعليم محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} كقوله {أية : ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} تفسير : [البقرة: 151] ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب {مصدق الذي بين يديه} لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب {ولتنذر أم القرى} وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها {ومن حولها} من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه. {والذين يؤمنون بالآخرة} فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها {يؤمنون} بالقرآن {وهم على صلاتهم} بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، {أو قال أوحي إليّ} الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات {ولقد جئتمونا فرادى} عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين {كما خلقناكم أوّل مرة} في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب. {وتركتم} بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة {ما خولناكم} من تعلق الكونين {وراء ظهوركم وما نرى معكم} الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله {لقد تقطع بينكم} وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : [الصافات: 164] {إن الله فالق} حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين. وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله {فالق الإصباح} فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات. وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية {والشمس والقمر حسباناً} يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب. وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى. {ذلك تقدير العزيز} الذي لا يهتدى إليه إلا به {العليم} بمن يستحق الاهتداء إليه {وهو الذي جعل لكم النجوم} نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب {لتهتدوا بها في ظلمات} بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية. {وهو الذي أنشأ} أرواحكم من روح واحد هو روح محمد صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر"تفسير : فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح. وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء {قد فصلنا} دلالات الوصول في الوصال {لقوم يفقهون} إشارات القلوب {وهو الذي أنزل} من سماء العناية {ماء} الهداية {فأخرجنا به نبات كل شيء} من أنواع المعارف {فأخرجنا منه خضراً} طرياً من المعاني والأسرار {يخرج به} من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض {ومن النخل} يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين. {وجنات} يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع {مشتبهاً} أي متفقاً في الأصول والفروع {وغير متشابه} أي مختلفاً فيما بين العلماء {انظروا} إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام {وينعه} أي الكامل منها. {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم. {وجعلوا لله} إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...} الآية: قال ابنُ عبَّاس: هذه الآيةُ نزلَتْ في بني إسرائيل، قال النَّقَّاش: وهي آية مدنية، وقيل: المراد رجُلٌ مخصوص منهم، يقال له مالكُ بْنُ الضيْفِ؛ قاله ابن جُبَيْر، وقيل: فنْحَاص؛ قاله السُّدِّيُّ، و {قَدَرُواْ}: هو من توفيَةِ القَدْرِ والمنزلةِ، وتعليلُه بقولهم: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ}: يقضي بأنهم جَهِلُوا، ولم يعرفوا اللَّه حقَّ معرفتِهِ؛ إذ أحالوا عليه بعثةَ الرُّسُل، قال الفَخْر: قال ابن عباس: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، أيْ: ما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه، وقال الأخفشُ: ما عَرَفُوه حقَّ معرفته، وقال أبو العالية: ما وصفوه حقَّ قُدْرته وعَظَمته، وهذه المعانِي كلُّها صحيحةٌ. انتهى، وروي أنَّ مالك بن الصَّيْفِ كان سَمِيناً، فجاء يخاصم النبيَّ صلى الله عليه وسلم بزعمه، فقال له رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَنْشُدُكَ اللَّه، أَلَسْتَ تَقْرَأُ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ مُوسَىٰ: إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْحِبْرَ السَّمِينَ»تفسير : ، فَغَضِبَ، وقال: «واللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ»، قال الفَخْر: وهذه الآية تدلُّ علَىٰ أن النكرة في سياقِ النفْي تعمُّ، ولو لم تفد العمومَ، لما كان قوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِي جَاء بِهِ مُوسَىٰ نُوراً} ـــ إبطالاً لقولهم ونقْضاً عليهم. انتهى. وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني: التوراةَ، و {قَرٰطِيسَ}: جمع قِرْطَاس، أي: بطائق وأوراقاً، وتوبيخهم بالإبداء والإِخفاء هو علَىٰ إخفائهم أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم وجَميعَ ما عليهم فيه حُجَّة. وقوله سبحانه: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ}، يحتمل وجهين: أحدهما: أنْ يقصد به الامتنانَ عليهم، وعلَىٰ آبائهم. والوجه الثاني: أنْ يكون المقصود ذمَّهم، أي: وعلِّمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه، فما ٱنتفعتُمْ به؛ لإعراضكم وضلالكم. ثم أمره سبحانه بالمبادرة إلَىٰ موضع الحُجَّة، أي: قل اللَّه هو الذي أنْزَلَ الكتابَ علَىٰ موسَىٰ، ثم أمره سبحانَهُ بتَرْك مَنْ كَفَر، وأعرض، وهذه آية منسوخةٌ بآية القتالِ؛ إن تُؤُوِّلَتْ موادعةً، ويحتمل ألاَّ يدخلها نسْخٌ إذا جُعِلَتْ تتضمَّن تهديداً ووعيداً مجرَّداً من موادعة. وقوله سبحانه: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ}: «هذا»: إشارة إلى القرآن، وقوله: {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}، يعني: التوراةَ والإنجيل؛ لأن ما تقدَّم، فهو بيْنَ يدَيْ ما تأَخَّر، و {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ}: مكَّة، ثم ابتدأ تباركَ وتعالَىٰ بمَدْحِ قومٍ وصفهم، وأخبر عنهم؛ أنهم يؤمنون بالآخرةِ والبَعْثِ والنشورِ، ويؤمنون بالقُرآن، ويصدِّقون بحقيقتِهِ، ثم قَوَّىٰ عزَّ وجلَّ مدحهم بأنهم يحافظون على صَلاَتهم التي هي قاعدةُ العباداتِ، وأمُّ الطاعاتِ، وإذا ٱنضافَتِ الصلاةُ إلَىٰ ضميرٍ، لم تكتب إلا بالألِفِ، ولا تكتبُ في المُصْحَف بواوٍ إلا إذا لم تُضَفْ إلى ضمير. وقد جاءت آثار صحيحةٌ في ثواب مَنْ حافظ على صلاته، وفي فَضْل المشْيِ إليها؛ ففي «سنن أبي داود»، عن بُرَيْدة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : بِشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ»تفسير : ، وروى أبو داود أيضاً بسنده، عن سعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قال: حضر رجلاً من الأنصار المَوْتُ، فقال: إني محدِّثكم حديثاً ما أحدثكموه إلا ٱحتساباً، سمعتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاَةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليُمْنَىٰ إلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليُسْرَىٰ إلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً، فَلْيَقْرُبْ أَوْ لِيُبْعِدْ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدِ، فَصَلَّىٰ فِي جَمَاعَةٍ، غُفِرَ لَهُ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضاً، وَبَقِيَ بَعْضٌ، صَلَّىٰ مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ ـــ كَانَ كَذَلِكَ فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا، فَأَتَمَّ الصَّلاَةَ، كَانَ كَذَلِكَ»تفسير : ، وأخرج أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا أَوْ حَضَرَهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ» تفسير : انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله: وما قدروا الله حق قدره الآية الكريمة. اعلم أن مَدَارَ القرآن على إثْبَاتِ التوحيد والنُّبُوَّةِ، فالله - تعالى - لما حَكَى عن إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنه أثْبَتَ دليل [التوحيد،] وإبطال الشرك ذَكَرَ بعده تَقْرِيرَ أمر النبوة، فقال: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} حين انكروا النُّبُوَّةَ والرسالة، فهذا بيان وَجْهِ النَّظْمِ. "حَقَّ قَدْرِهِ" منصوب على المَصْدَرِ، وهو في الأصل صِفَةٌ للمصدر، فلما أضيف الوصف إلى موصوفه انْتَصَبَ على مَا كَانَ يَنْتَصِبُ عليه مَوْصُوفُهُ، والأصل قدره الحقّ كقولهم: "جَرْد قَطِيفَة وسحق عمامة". وقرأ الحسنُ البَصْرِيُّ، وعيسى الثقفي: "قَدَّروا" بتشديد الدَّال "قدَره" بتحريكها، وقد تقدَّم أنهما لُغَتَانِ. قوله: "إذْ قَالُوا" مَنْصُوبٌ بـ "قدروا"، وجعله ابن عطية منصوباً بـ "قدره" [وفي كلام ابن عطية ما يشعر بأنها] للتعليل، و "من شيء" مفعول به زيدت فيه "من" لوجود شَرْطَي الزيادة. فصل في معنى الآية قال ابن عبَّاسٍ: ما عَظَّمُوا الله حقَّ تعظيمه. وروي عنه أيضاً أنه قال: معناه ما آمنوا أن الله على كُلِّ شيء قدير. وقال أبو العَالِيَةِ: ما وصفوا الله حقَّ صِفَتِهِ. وقال الأخْفَشُ: ما عرفوه حَقَّ معرفته، وحقَّق الواحدي رحمه الله - تعالى - فقال: قَدَرَ الشَّيءَ إذا سَبَرَهُ وحَرَّرَهُ، وأراج ان يعلم مقداره يقدره بالضمير قدراً، ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : إن غُمَّ عليْكُمْ فاقْدرُوا لَهُ" تفسير : أي: فاطلبوا أن تَعْرِفُوهُ هذا أصله في اللغة، ثم يقال لمن عرف شَيْئاً: هو يَقْدِرُ قَدْرَهُ، وإن لم يعرفه بِصِفَاتِهِ: إنه لا يقدر قَدْرَهُ، فقوله: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} صحيح في كُلِّ المعاني المذكورة ولما حكى عنهم أنهم ما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قدره بيَّن السَّبَبَ فيه، وهو قولهم: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}. واعلم أن كُلَّ من أنكر النُّبُوَّةَ والرِّسَالَة فهو في الحقيقة ما عرف الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وتقديره من وُجُوهٍ: الأول: أن مُنْكِرَ البعث والرسالة إما أن يقول: إنه - تبارك وتعالى - ما كَلَّفَ أحداً من الخَلْقِ [تكليفاً أصلاً] أو يقول: إنه - تبارك وتعالى - كَلَّفَهُمْ، والأول باطل؛ لأن ذلك يقتضي أنه - تبارك وتعالى - أبَاحَ لهم جَمِيعَ المُنْكَراتِ والقبائح، نحو [شَتْم] الله وَوَصْفه بما لا يليق به والاسْتِخْفَاف بالأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - والرسل، والإعراض عن شُكْرِ الله - تعالى - ومُقَابَلَة الإنْعَام بالإساءة، وكل ذلك باطل. وإن سلم أنه - تعالى - كَلَّفَ الخَلْقَ بالأمر [والنهي فهاهنا لا بُدَّ] من مُبَلِّغٍ وشارع مُبَيِّنٍ، وما ذلك إلاَّ للرَّسُولِ. فإن قيل لم لا يجوز أن يُقَالَ: العقل كافٍ في إيجاب الموجبات، واجتناب المقبحات؟ فالجواب: هَبْ أن الأمر كما قلتم إلا أنه لا يمتنع تأكيدُ التعريف العَقْلِيّ بالتعريفات المشروعة على ألْسِنَةِ الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام- فثبتَ أن كل من مَنَعَ من البعثة والرسالة، فقد طَعَنَ في حكمة الله - تعالى - وكان ذلك جَهْلاً بصفة الإلهية، وحينئذ يَصْدُقُ في حقه قوله تبارك وتعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. والوجه الثاني في تقرير هذا المعنى: أن من الناس من يقول: إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل عليهم الصَّلاة والسلام؛ لأن يمتنع [إظهار] المعجزة على وَفْقِ دَعْوَاهُ تصديقاً له، والقائلون بهذا القول لهم مَقَامات. أحدها: أن يقولوا: إنه ليس في الإمْكَانِ خَرْقُ العادات، ولا إيجاد شيء على خلاف ما جَرَتْ به العَادَةُ. والثاني: يسلمون إمكان ذلك، إلاَّ أنهم يَقُولُونَ: إن بتقدير حُصُولِ هذه الأفعالِ الخَارِقَةِ للعَادَاتِ، فلا دلالة لها على صِدْقه من الرسالة، وكلا القولين يوجب القَدْحَ في كمالِ قُدْرةِ الله - تعالى -. أما الأوَّل وهو أنه ثبت أن الأجْسامَ مُتَمَاثِلَةٌ، وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمل مثله، وإذا كان كذلك كان جِسْمُ القَمَرِ والشمس قَابِلاً لِلتَّمَزُّقِ والتَّفَرُّقِ، فإن قلنا: إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وَصْفاً له بالعَجْزِ، ونُقْصانِ القُدْرةِ، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل أنه ما قدر اللَّهَ حقَّ قدره. وإن قلنا: إنه - تعالى - قادر عليه، وحينئذ لا يمتنع عَقْلاً انْشِقَاقُ القمر، ولا حصول سائر المعجزات. وأما المقام الثاني: وهو أن [حدوث] هذه الأفعال الخَارقة عند دَعْوَى مُدَّعِي النبوة يَدُلُّ على صِدقِهِ، فهذا أيضاً ظاهرٌ على ما قدر في كتب الأصولِ، فثبت أن كُلَّ من أنكر مَكَانَ البعثة والرسالة، فقد وصف الله تَبَارَكَ وتعالى بالعَجْزِ ونُقْصَانِ القدرة، فكل من قال ذلك، فهو ما قَدَرَ اللَّهَ حقَّ قَدْرِهِ. والوجه الثالث: أنه لما ثبت حُدُوثُ العالم، فنقول: حدوثه يَدُلُّ على أن إله العالم قَادِرٌ عليم حكيم، وأن الخَلْقَ كلهم عَبِيدُهُ، وهو مالكهم وملكهم على الإطلاق والملكُ المُطاع يجب أن يكون له أمر ونهي، وتكليف على عِبادِهِ، وأن يكون له وَعْدٌ على الطاعة، ووعيدٌ على المعصية، وذلك لا يتم ولا يكمل إلاَّ بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فكل من أنكر ذلك فَقط طَعَنَ في كونه تعالى مَلِكاً مُطَاعاً، ومن اعتقد ذلك, فهو ما قدر الله حَقَّ قدره. فصل في بيان سبب النزول في هذه الآية الكريمة [بَحْثٌ] صَعْبٌ، وهو أن يقال: هؤلاء الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} إما أن يقال: إنهم كُفَّار قريش, أو يقال: إنهم أهْلُ الكتاب من اليهود والنصارى، فإن كان الأول فكيف يمكن إبْطالُ قولهم بقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ} وذلك أن كُفَّار قريش والبراهمة يُنْكِرُونَ رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - فكذلك يُنْكِرُون رسالةَ الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام - فكيف يَحْسُنُ إيراد هذا الإلْزَامِ عليهم. وإن كان قائل هذا القول من أهْلِ الكتاب فهو أيضاً مشكل؛ لأنهم لا يقولون هذا القَوْلَ، وكيف يقولونه مَعَ أن مَذْهَبَهُمْ أن التوارة كِتَابٌ أنزله الله على مُوسَى، والإنجيل كتابُ أنزله الله على عيسى - عليه الصلاة والسلام - وأيضاً فهذه السُّورة مَكِيَّةٌ، والمُنَاظَرَةُ التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود والنَّصَارى كلها مَدَنيةٌ، فكيف يمكن حَمْلُ هذه الآية الكريمة عليها، فهذا تقدير الإشكال في هذه الآية. واعلم أن النَّاسَ اختلفوا فيه على قولين، والقول أن هذه الآية نزلت في حقِّ اليهود، وهو المشهور عند الجمهور. وقال ابن عباسِ وسعيد بن جُبَيْرٍ: " حديث : إن مالك بن االصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رَجُلاً سميناً فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْشدُكَ بالَّذِي أنْزَلَ التَّوارة على مُوسَى هَلْ تجد في التَّوْارةِ أن اللَّهَ يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ, وأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ وقدْ سَمِنْتَ مِنَ الأشْيَاءِ الَّتِي تُطْعِمُكَ اليَهُودُ " فضحك القوم فغضب [مالك] بن الصيف ثم التفت إلى عمر، فقال: "مَا أنْزَل اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ" فقال له قومه: ويلك؟ ما هذا الذي بلغنا عنك، [ألَيْسَ] أن الله أنزل التوراة على مُوسَى، فَلِمَ قلت: ما أنزل الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: إنه أغْضَبَنِي، فقلت ذلك فقالوا له: وأنت إن غضبت تَقُولُ على الله غَيْرَ الحق، فنزعوه عن رياستهم؛ وجعلوا مكانه كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ . تفسير : وقال السُّدِّيُّ: نزلت في فنحَاصِ بْنِ عازوراء وهو قائل هذه المَقالةِ. قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: "نَعَمْ". قالوا: والله ما أنزل من السماء كتاباً، فأنزل الله تبارك وتعالى {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}؛ إذ قالوا: "مَا أنْزَل اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ" وفي سبب النزول سؤالات: السؤال الأول: لَفْظُ الآية وإن كان مُطْلَقاً إلاَّ أنه يَتَقَيَّدُ بحسب العُرْفِ ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج [من الدار] فغضب الزَّوْجُ، فقال: إن خرجت من الدار فأنْتِ طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: اللفظ وإن كان مُطْلَقاً إلا أنه بِحَسبِ العُرْفِ يتَقَيَّدُ بتلك المرأة، فكذا هاهنا فقوله: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} وإن كان مُطْلٌقاً بحسب أصْلِ اللغة إلاَّ أنه يتقيد بتلك الواقِعَةِ بحسب العُرْفِ، فكان لقوله تعالى: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} في أنه يبغض الحَبْرَ السمين، وإذا كان هذا المُطْلَق مَحْمُولاً لعى هذا المُقَيَّدِ لم يكن قوله: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى} مبطلاً لكلامه. السؤال الثاني: أن مالك بن الصيف كان مفتخراً بكونه يَهُوديًّا مُتَظَاهراً بذلك، ومع هذا المَذْهَبِ لا يمكنه أن يقول: ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل الغَضَبِ المُدْهِشِ للعقل، أو على سبيل طغيان اللسان، ومثل هذا الكلام لا يَلِيقُ بالله - تبارك وتعالى - إنزال القرآن الباقي على وجه [الدهر] في إبطاله. والقول الثاني: أن القائل: ما أنزل الله على بشر من شيء من كُف‍َّار قريش، وفيه سؤال: هو أن كُفَّارَ قريش كانوا ينكرون نُبُوَّةَ جميع الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام، فكيف يمكن إلزامهم بِنُبُوَّةِ موسى، وأيضاً فما بعد هذه الآية لا يليق بكُفَّار قريش، وإنما يليق باليهود، وهو قوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُم} وهذه الأحوال لا تليق إلا باليهود وهو قَوْلُ من يقول: إن أول الآية خِطَابٌ للكفار، وآخرها خطاب مع اليهود، وهذا فاسد، لأنه يوحب تَفْكِيكَ نَظْمِ الآية، وفساد تركيبها، وذلك لا يليق بكلامنا، فَضْلاً عن كلام ربِّ العالمين، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول. أما السؤال الأول: فيمكن دَفْعُهُ بأن كُفَّار قريش كانوا مُخْتَلطينَ باليهود والنصارى، وكانوا قد سمعوا من الفَريقَيْنِ على سبيل التَّواتُر ظهور المعجزات القاهرة على يَدِ مُوسَى - عليه الصلاة والسلام - مثل: "انْقِلابِ العَصَى ثُعْبَاناً" و "فَلْقِ البَحْرِ" و "إظْلالِ الجَبَلِ" وغيرها، والكفار كانوا يَطْعُنون في نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - بِسَببِ أنهم كانوا يَطْلُبُونَ من أمْثالَ هذه المعجزات [وكانوا] يقولون: لو جئتنا بأمثال هذه المُعجزات لآمَنَّا بك، فكان مجموع هذه الكلمات جَارِياً مجرى ما يوجب عليهم الاعْتِرَاض، والاعتراف بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الأمر كذلك [لم يبعد إيراد] نبوة موسى إلزاماً عليهم في قولهم: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}. وأما الثاني: فجوابه أن كفار قريش، وأهل الكتاب لما اشتركوا في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يَبْعُدْ أن يكون الكلامُ بعضه خِطَاباً مع كفار "مكة" وبقيّته خطاباً مع اليهود والنصارى. فصل فيما يستفاد من الآية دَلَّت هذه الآية الكريمة على أحكام: منها: أن النَّكِرَةَ في موضع النَّفْي تفيد العموم، فإن قوله: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} نَكِرَةٌ في موضع النفي، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تبارك وتعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ } إبْطالاً له وَنَقْضاً عليه، وكان اسْتِدْلالاً فاسداً. ومنها: أن النَّقْضَ يقدح في صِحَّةِ الكلام؛ لأنه - تبارك وتعالى - نَقَضَ قولهم: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ} فلو لم يَدُلُّ النَّقْضُ على فساد الكلام لما كانت هذه الحُجَّةُ مُفِيدَةً لهذا المطلوب. واعلم أن من يقول: إن الفَارِقَ بين الصُّورَتَيْنِ يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف إذ لو كان الأمر كذلك لَسَقَطَتْ حُجَّةُ الله في هذه الآية الكريمة، لأن اليهود كانوا يقولون: معجزات موسى عليه الصلاة والسلام أظْهَرُ وأبهرِ من معجزاتك، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هاهنا، ولو كان هذا الفرق [مقبولاً لسقطت هذه الحجة، وحيث لا يجوز القول بسقوطها، علمنا أن النقض] على الإطلاق مبطل. قوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاس} وصف الكتاب بصفتين: أحدهما: قوله: "نوراً" وهو مَنْصُوبٌ على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه "الهاء" في "به"، فالعامل فيها "جاء". والثاني: أنه "الكتاب"، فالعامل فيه "أنزل"، و"للناس" صِفَةٌ لـ "هدى" وسمَّاه "نوراً" تشبيهاً له بالنُّورِ الذي يبين به الطريق. فإن قيل: فعلى هذا لا يَبْقَى بَيْنَ كونه نوراً، وبين كونه هُدًى للناس فَرْقٌ، فعطف أحدهما على الآخر يوجب التَّغَايُرَ. فالجواب: أن للنور صفتان: أحدها: كونه في نَفْسِه ظَاهراً جَلِيًّا. والثانية: كونه بحيث يكون سَبَاً لظهور غيره، فالمراد من كونه "نوراً وهدى" هذان الأمران وقد وُصِفَ القرآن أيضاً بهذين الوصفْينِ، فقال: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى:52]. قوله: "تَجْعَلُونَهُ" قرأ ابن كثير وابن عمرو بياء الغَيْبَةِ، وكذلك "يُبْدُونَهَا ويُخفُون كَثِيراً" والباقون بتاء الخطاب في الثلاثة الأفعال، فأما الغَيْبَةُ فلِلحَمْلِ على ما تقدم من الغَيْبةِ في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ} إلى آخره. وعلى هذا فيكون في قوله: "وعُلِّمْتُمْ" تأويلان: أحدهما: أنه خطاب لهم أيضاً وإنما جاء به على طريق الالْتِفَاتِ. والثاني: أنه خطابٌ إلى المؤمنين اعترض به بين الأمر بقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَاب} وبين قوله: "قل الله". وأما القراءة بتاء الخطاب ففيها مناسبة لقوله: {وعلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ} ورَجَّحَهَا مكي وجماعة كذلك قال مكي: "وذلك حَسَنٌ في المُشَاكَلَةِ والمُطابَقَةِ، واتِّصالِ بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك، ولأن أكثر القراء عليه". قال أبو حيَّان: "ومن قال: إن المنكرين العرب، أو كفار قريش لم يكن جَعْلُ الخطاب لهم، بل يكون قد اعترض بني إسرائيل فقال خلال السُّؤال والجواب: تجعلونه قراطيس [يبدونها]، ومثل هذا يَبْعُدُ وُقُوعُهُ؛ لأن فيه تَفْكِيكاً للنَّظْمِ، حيث جعل أول الكلام خِطَاباً لكفار قريش، وآخره خطاباً لليهود". قال: "وقد أجيب بالجميع لما اشتركوا في إنكار نُبُوَّةِ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بَعْضُ الكلام خِطَاباً للعرب وبعضه خطاباً لبني إسرائيل". قوله: "تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ": يجوز أن تكون "جعل" بمعنى "صَيَّرَ" وأن تكون بمعنى "ألقى" أي: يضعونه في كَاغدٍ. وهذه الجملة في محلِّ نصب على الحال، إما من "الكتاب" وإما من "الهاء" في "به" كما تقدم في "نوراً". قوله: "قَرَاطِيس" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حَذْفِ حرف الجر, أي: في قراطيس وورق, فهو شبيه بالظَّرْفِ النهم, فلذلك تعدَّى إليه الفِعْلُ بنفسه. والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: يجعلونه ذَا قَرَاطِيسَ. والثالث: أنهم نَزَّلوه مَنْزِلَةَ القراطيس، وقد تقدم تفسير القراطيس. والجملة من قوله: "تبدونها" في محل نصب صِفَةً لـ "قراطيس" وأما "تخفون" فقال أبو البقاء: إنها صفة أيضاً لها، وقدر ضميراً محذوفاً، أي: تخفون منها كثيراً. وأما مكي فقال: "وتخفون" مبتدأ لا مَوْضِعَ له من الإعراب. انتهى. كأنه لما رأى خُلُوَّ الجملة من ضمير يَعُودُ على "قراطيس" منع كونه صِفَةً، وقد تقدم أنه مُقَدَّرٌ، وهو أولى، وقد جوَّز الواحدي في "تبدون" أن يكون حالاً من ضمير "الكتاب" من قوله: "تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيس" على أنه يجعل الكتاب القراطيس في معنى؛ لأنه مُكْتَتَبٌ فيها. انتهى. قوله: "عَلَى أنْ تَجْعَلَ" اعْتِذَارٌ عن مجيء خبره مُؤنُّثاً، وفي الجملة فهو بعيد أو ممتنع. قوله: "وعُلِّمْتُمْ" يجوز أن يكون على قراءة الغيبة في "يَجْعَلُونه"، وما عطف مُسْتَانفٌ، وأن يكون حالاً، وإنما أتى به مُخَاطباً لأجل الالْتفاتِ، وأما على قراءة تاء الخطاب فهو حالٌ، ومن اشترط "قد" في الماضي الواقع حالاً أضمرها هنا، أي: وقد علمتم ما لم تعلموا. والأكثرون على أن الخطابَ هذا لليهود؛ يقول: علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم [فضيعوه ولم ينتفعوا به. وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علّمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم]. فإن قيل: إن كل كتاب لا بد وأن يوضع في القراطيس، فإذا كان الأمر كذلك في كل الكتب، فما السبب في أن الله - تبارك وتعالى - حكى هذا المعنى في معرض الذَّمِّ لهم؟ فالجواب: أن الذَّمِّ لم يقع على هذا المعنى فقط، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس، وفَرَّقُوهُ وبعَّضُوهُ، لا جَرَمَ قدروا على إبداء البَعْضِ وإخْفَاءٍ البعض، وهو الذي فيه صِفَةُ محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: كيف يقدرون على ذلك، مع أن التوراة كتابٌ وصل إلى أهل المَشْرِقِ والمغرب، وعرفه أكثر أهل العلم وحَفِظُوهُ، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه، كما أن الرَّجُلَ في هذا الزمان إذا أراد إدخال الزِّيَادَةِ والنقصان في القرآن لم يقدر على ذلك، فكذا القول في التَّوْرَاةِ؟ فالجواب أنا ذكرنا في سورة "البقرة" أن المراد من التَّحْرِيف تفسير آيات التوراة بالوُجُوهِ الفاسدة الباطلة، كما يفعله المبطلون في زَمَانِنَا هذا بآيات القرآن. فإن قيل: هَبْ أنه حصل في التوارة آياتٌ دالَّةٌ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ أنها قَلِيلةٌ ولم يخفوا من التوارة إلاَّ تلك الآيات، فكيف قال: "ويخفون كَثِيراً". فالجواب أن القوم [كانوا] يخفون الآيات الدَّالَّة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك يخفون الآيات المشتملة على [آيات الأحكام ألا ترى أنهم حاولوا] إخفاء الآية الدالة على رجم [الزاني] المُحْصَنِ. قوله: "قل الله" لفظ الجلالة يجوز فيها وَجْهَان: أحدهما: أن يكون فاعلاً لفعل محذوف أي: قل أنزله, وهذا هو الصحيح للتصريح بالفعل في قوله: {أية : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ} تفسير : [الزخرف:9] والثاني أنه مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: والله أنزله، ووجهه مناسبة مطابقة الجواب للسؤال، وذلك أن جملة السؤال اسمية، فلتكن جملة الجواب كذلك. ومعنى الآية الكريمة: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فإن أجابوك وإلاَّ فقل فأنت الله الذي أنزلت، أي أن العقل السليم والطَّبْعَ المُسْتَقِيمَ يشهد بأن الكِتَابَ الموصُوفَ بالصفات المذكورة المؤيد قَوْلَ صاحبه بالمعجزات القاهرة والدلالات الباهرة مثل معجزات موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون إلا من الله - تعالى - فلما صَارَ هذا المعنى ظاهراً لظهور الحُجَّةِ القَاطِعَةِ, لا جَرَمَ قال تبارك وتعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام: قل لهم المُنَزِّلُ لذلك الكتاب هو الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ} تفسير : [الأنعام:19] كما أن الرجل الذي يريد إقامَةَ الدلالة على الصَّانِعِ يقول: منِ الذي أْحْدَثَ الحياة بعد عَدَمِهَا، ومن الذي أحْدَثَ العَقْلَ بعد الجَهَالةِ ومن الذي أودع الحدَقَةَ القُوَّةَ البَاصِرَة، وفي الصِّمَاخِ القُوَّةَ السَّامِعَةَ، ثم إن هذا القائل بِعَيْنِهِ يقول: الله، والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حَيْثُ يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء اقر الخَصْمُ به أو لم يقر فالمقصود حاصل هكذا هاهنا. قوله: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} يجوز أن يكون "فِي خَوْضِهِمْ" متعلقاً بـ "ذرهم"، وأن يتعلق بـ "يلعبون"، وأن يكون حالاً من مفعول "ذَرْهُمْ" وأن يكون حالاً من فاعل "يلعبون" [فهذه أربعة أوجه] وأما "يلعبون" فيجوز أن يكون حالاً من مفعول "ذرهم". ومن منع أن تتعدَّد الحال لواحد لم يُجِزء حينئذ أن يكون "في خوضهم" حالاً من مفعول "ذرهم"، بل يجعله إما متعلقاً بـ "ذرهم"، كما تقدَّم أو بـ "يلعبون"، أو حالاً من فاعله. ويجوز أن يكون "يلعبون" حالاً من ضمير "خوضهم" وجاز ذلك أنه في قُوَّةِ الفاعل؛ لأن المصدر مُضاف لفاعله؛ لأن التقدير: "ذرهم يخوضون لاَعِبينَ" وأن يكون حالاً من الضمير في "خوضهم" إذا جعلناه حالاً؛ لأنه يتضَمَّنُ معنى الاسْتِقْرارِ، فتكون حالاً متدخلة. فصل في معنى الآية معنى الكلام إذا أقمت الحُجَّة عليهم، وبلغت في الإعذار والإنذار هذا المَبْلَغَ العظيم لم يَبْقَ عليك من أمرهم شيء ألْبَتَّةَ، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [الشورى:48]. قال بعضهم: هذه الآية مَنْسُوخَةٌ بآية السَّيْفِ، وهذا بعيدٌ؛ لأن قوله: {ثُمَّ ذَرْهُمْ في خوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} مذكور لأجل التهديد، ولا ينافي ذلك حصول المُقاتَلَة، فلم يكن ورود الآية الكريمة الدَّالَّةِ على وجوب المُقاتَلَةِ رافعاً لمدلول هذه الآية، فلم يحصل النَّسْخُ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {وما قدروا الله حق قدره} قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} يعني من بني إسرائيل، قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: نعم. قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً فأنزل الله قل يا محمد {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس} إلى قوله {ولا آباؤكم قل الله} أنزله . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {وما قدروا الله حق قدره} قال: وما علموا كيف هو حيث كذبوه . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله {وما قدروا الله حق قدره} قال: ما عظموه حق عظمته . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال: قالها مشركو قريش . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد من شيء . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال: نزلت في مالك بن الصيف . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي "حديث : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ وكان حبراً سميناً، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه: ويحك...! ولا على موسى؟ قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره...} الآية " . تفسير : وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب فقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً؟ فأنزل الله تعالى {أية : يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء}تفسير : [النساء: 153] الآية. فجثا رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك. ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد شيئاً، فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره...} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: أمر الله محمداً أن يسأل أهل الكتاب عن أمره وكيف يجدونه في كتبهم، فحملهم حسدهم أن يكفروا بكتاب الله ورسله فقالوا {ما أنزل الله على بشر من شيء} فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره...} الآية. ثم قال: يا محمد هلم لك إلى الخبير، ثم أنزل {أية : الرحمن فاسأل به خبيراً}تفسير : [الفرقان: 59] {أية : ولا ينبئك مثل خبير}تفسير : [فاطر: 14]. وأخرج البيهقي عن الشعب عن كعب قال: إن الله يبغض أهل البيت اللحمين والحبر السمين. وأخرج البيهقي عن جعدة الجشمي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ورجل يقص عليه رؤيا، فرأى رجلاً سميناً فجعل بطنه بشيء في يده، ويقول " لو كان بعض هذا في غير هذا لكان خير الملك". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً} قال: هم اليهود {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} قال: هذه للمسلمين . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً} في يهود فيما أظهروا من التوراة وأخفوا من محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد أنه قرأ {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً} وعلمتم معشر العرب {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} قال: هم اليهود، آتاهم الله علماً فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في عملهم ذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الآية: 91]. قال الحسين: كيف يقدر أحد حق قدره، وهو بقدره يريد أن يقدر قدره، وأوصاف الحدث أين تقع من أوصاف القدم. قال بعضهم: ما عرفوا حق قدره، ولو عرفوا ذلك لذابت أرواحهم عند كل وارد يرد عليهم من صنعه. قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}. قال بعضهم: دعا خواصه بهذه الآية إلى انقطاع من كشف ما له إلى الكشف عما به، وقد قال الله إشاره إلى جريان السر {قُلِ ٱللَّهُ} فى سرك وذر ما فى لسانك. قال الواسطى: كان محمد صلى الله عليه وسلم مكافحًا فى سره، وكان يسمع له أزيز كأزيز المرجل فلذلك كل من تحقق بذكره امتحق ما دونه من سره، قال الله عز من قائل: {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}. وقال بعضهم: من أصحاب الشبلى قلت له: أوصنى وقت مفارقتى له؟ فقال: عليك بالله ودع ما سواه وكن معه {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.

القشيري

تفسير : مَنْ توهَّم أَنْ العلومَ تحيط بجلاله فالإحاطة غير سائغة في نعته، كما أنَّ الإدراك غير جائزٍ في وصفه، وكما أن الإشراف مُحالٌ على ذاته. ثم قال: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً} أي سَلْهم عن الأحوال، وخاطِبْهم في معاني أحكام الرسول والأطلال، فَإِنْ بقوا في ظلمة (الحيرة) فَقُلْ: الله تعالى، ثم ذَرْهُم. يعني صَرِّح بالإخبار عن التوحيد، ولا يهولنَّك تماديهم في الباطل، فإنَّ تمويهاتِ الباطلِ لا تأثير لها في الحقائق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قطع الله بهذه الأية اطماع الحدثان عن ارداك كنه قدمه وغرة ازليته لان الحدثان لا يبقى اثرها فى جمال سطواته عزة الرحمن كيف تعرف قدرته من لا يعرفه وكيف يعرفه من لا يعرف نفسه وكيف يعرف نفسه من لا يكون خالق نفسه وكيف يكون خالق نفسه والازلية منزهة عن الاضداد والانداد لان سطوات عظمته لا يبقى للحدثان اثرا فى ساحة كبريائه عرف دقرره بنفسه لا غير عرف قدره بطنان الالوهية لا يدرك لانه غير متناهية فى العقول غير محدودة فى القلوب غير معروفة بالحلول فى الاماكن والازمنة قال الحسين كيف يرعف احد حق قدرته وهو يقدره يريد ان يقدر قدره واوصاف الحدثان اثر يقع من اوصفا القدرم وقال بعضهم ما عرفوا حق قدره لو عرفوا ذلك لذابت ارواحهم عند كل وارد يرد عليهم من صنعه قوله تعالى {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} اى اذا وقع اسرار الواصلين فى اودية الالوهية وتحيرت ارواحهم فى هواءالهوية وفنيت عقولهم فى سطوات القدرة وذابت اشباحهم فى طوارق تجلى المشاهدة وما عرفوا مسالك ما يريد عليهم من واردات تجلى الجمال والجلال ويسالونك بنعت الدهش والهمان اليس بناوين وقعنا قل بلسان داء المحبة اله اى ما وقعتم فيه فهو بحر ازل الله وقعتم بالله فى الله واذا سالوك اهل وقائع ظلمات القهر التى حيرتهم فى وداى الضلال من اين هذا وقع علينا فعل الله اوقعكم فيه ليس الولاية بالمجاهدة وليس الضلالة بالعلمة ثم ذرهم طائفين واشتغل بى فان مزاحمة الحدثان لا يليق بقلب فيه الرحكمن وايضا قل بسانك الله ولا تقل بلسان سرك فان الاشتغال بالذكر عن المذكور حجاب وايضا اذا فرغت من تبليغ الرسالة توجه الى الله مما سوى الله وقل الله حيث لم يكن ثم ذر الاكوان والحدثان بعد قولك الله ليوافق لسان الظاهر سريره الباطن فى المحبة قال بعضهم دعا خواصه بهذه الاية الى الانقطاع من كشف ما له الى الشكف عما به وقيل قل الله اشارة الى جريان السر قل الله فى سرك وذر ما فى لسانك حتى ان رجلا سال الشبلى وقال يا ابا بكر لم تقول الله ولا تقول لا اله الا الله فقال الشبلى انفى به ضدا فقال زدا على من ذلك يا ابا بكر فقال الشبلى لا تجرى لسانى بكلمة الجحود فقال دزا على من ذلك فقال اخشى الله ان اوخذ فى وحشة الجحد فقال زدا على من ذلك فقال قل الله ثم ذرهم فزعق الرجل وخرجت روحه فتلعق اولياء الرجل بالشبلى وادعوا عليه دمه بحملوه الى الخليفة فخرجت الرسالة الى الشبلى من عند الخيفة بساله عن دعواه فقال الشبلى روح حنت فرنت فدعيت فاجابت فما ذنبى فصاح الخليفة ومن وراء الحجاب خلوه لا ذنب به.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما قدروا الله حق قدره} اصل القدر السبر والحرز يقال قدر الشئ يقدره بالضم قدرا اذا سبره وحزره ليعلم مقداره ثم استعمل فى معرفة الشئ مقداره واحواله واوصافه فقيل لمن عرف شيأ هو يقدر قدره ولمن لم يعرفه بصفاته انه لا يقدر قدره ونصب حق قدره على المصدرية وهو فى الاصل صفة للمصدر اى قدره الحق وضميره يرجع الى الله تعالى واما ضمير الجمع فالى اليهود لما روى ان مالك بن الصيف من احبار اليهود ورؤسائهم خرج مع نفر الى مكة معاندين ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء وكان رجلا سمينا فاتى رسول الله بمكة فقال له عليه السلام انشدك بالذى انزل التوراة على موسى هل تجد فيها ان الله تعالى يبغض الحبر السمين قال نعم قال فانت الحبر السمين وقد سمنت من مأكلتك التى تطعمك اليهود ولست تصوم اى تمسك فضحك القوم فخجل مالك بن الصيف فقال غضبا ما انزل الله على بشر من شئ فلما رجع مالك الى قومه قالوا له ويلك ما هذا الذى بلغنا عنك أليس ان الله انزل التوراة على موسى فلم قلت ما قلت قال اغضبنى محمد فقلت ذلك قالوا له وانت اذا غضبت تقول على الله غير الحق وتترك دينك فاخذوا الرياسة والحبرية منه وجعلوهما الى كعب بن الاشرف فنزلت هذه الآية والمعنى ما عرفوه تعالى حق معرفته فى اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى فى ذلك بل اخلوا بها اخلالا فعبر عن المعرفة بالقدر لكونه سببا لها وطريقا اليها {إذ قالوا} منكرين لبعثة الرسل وانزال الكتب كافرين بنعمه الجليلة فيهما {ما أنزل الله على بشر من شئ} اى كتاب ولا وحى مبالغة فى انكار انزال القرآن اذ القائلون من اهل الكتاب كما مر آنفا {قل} لهم على طريق التبكيت والقام الحجر {من انزل الكتاب الذى جاء به موسى} يعنى التوراة حال كون ذلك الكتاب {نورا} بينا بنفسه ومبينا لغيره. بالفارسى [روشناى دهنده] {وهدى} بيانا {للناس} وحال كونه {تجعلونه قراطيس} اى تضعونه فى قراطيس مقطعة وورقات مفرقة بحذف الجار بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم وهى جمع قرطاس بمعنى الصحيفة {تبدونها} صفة قراطيس اى تظهرون ما تحبون ابداءه منها {وتخفون كثيرا} مما فيها كنعوت النبى عليه السلام وآية الرجم وسائر ما كتموه من احكام التوراة {وعلمتم} ايها اليهود على لسان محمد {ما لم تعلموا انتم ولا آباؤكم} وهو ما اخذوه من الكتاب من المعلوم والشرائع. فقوله علمتم حال من فاعل تجعلونه باضمار قد مفيد لتأكيد التوبيخ فان ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيع للابداء والاخفاء شناعة عظيمة فى نفسها ومع ملاحظة كونه مأخذا لعلومهم ومعارفهم اشنع واعظم {قل الله} اى انزله الله امره عليه السلام بان يجيب عنهم اشعارا بان الجواب متعين لا يمكن غيره تنبيها على انهم بهتوا وافحموا ولم يقدروا على التكلم اصلا {ثم ذرهم} اى دعهم واتركهم {فى خوضهم} اى فى باطلهم الذى يخوضون فيه اى يشرعون فلا عليك بعد الا التبليغ والزام الحجة {يلعبون} حال من الضمير الاول والظرف صلة ذرهم او يلعبون ويقال لكل من عمل ما لا ينفعه انما انت لاعب.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلَ جلاله: في الرد على اليهود: {وما قدروا الله حق قدره} أي: ما عَرفُوه حق معرفته في الرحمة والإنعام على العباد بالوحي وغيره، إذ لو عرفوه لَهابُوا أن يُنكروا بعثة الرسل، أو ما جَسَرُوا على هذه المقالة، أو ما عظموه حق تعظيمه. حيث كذَّبوا رسله وأنكروا أن يكون أنزل عليهم كتابًا، إذ لو عظِّموه حق تعظيمه لصدَّقوا الرسول الوارد عنه، وهو معنى قوله: {إذ قالوا ما أنزل الله على بَشَرٍ من شيء}، والقائلون هم اليهود، كفنحاص ومالك بن الصيف وغيرهما، قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فردَّ الله عليهم بما لا بدَّ لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى؛ فقال: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهُدًى للناس}، فالنور للبواطن، والهداية للظواهر، {تجعلونه} أي: التوارة، {قراطيسَ} أي: تُجَزِّؤُونه أجزاء متفرقة، ما وافقَ أهواءكم أظهرتموه وكتبتموه في ورقات متفرقة، وما خالف أهواءكم كتمتموه وأخفيتموه. رُوِي أنَّ مَالك بنَ الصَّيفِ قاله، لَمّا أغضَبَهُ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أُنشدُكُ الله الذي أنزَلَ التَّورَاة عَلَى مُوسَى، هَل تجِد فيها أنَّ الله يبغضَ الحَبرَ السَّمِين، فَأنتَ الحَبرُ السّمِين " تفسير : ، فغَضب، وقال: ما أنزَلَ الله علَى بَشَرٍ مِن شَيء، فَرَّدّ الله عَلَيهِ بِما تقَّدم. وقيل: القائلون ذلك: المشركون، وإلزامهُم بإنزال التوراة؛ لأنه كان مشهورًا عندهم يُقِرُّون به، ولذلك قالوا: {أية : أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهدى مِنْهُمْ }تفسير : [الأنعَام:157]. {وعُلِّمتُم} على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم}، زيادة على ما في التوراة وبيانًا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم. ونظيرهُ: {أية : إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقَصُّ عَلَى بَني إِسْرَاءِيلَ أَكْثَرَ الِّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } تفسير : [النَّمل:76] أو: وعُلِّمتم من التوراة ما لم تكونوا تعلَّمتم أنتم ولا آباؤكم قبل إنزاله، وإن كان الخطاب لقريش؛ فالذي عُلِّموه: ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من القَصص والأخبار. ثم أجاب عن استفهامه بقوله: {قُل اللهُ} أي: أنزلَه الله، أو الله أنزله. قال البيضاوي: أمره بأن يجيب عنهم؛ إشعارًا بأن الجواب بهذا مُتَعيّن لا يمكن غيرُه، وتنبيهًا على أنهم بُهتُوا بأنهم لا يقدرون على الجواب هـ. {ثم ذَرهُم في خوضهم يلعبون} في أباطيلهم. فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة، وأصلُ الخَوض في الماء، ثم أستُعير للمعاني المُشكِلة، وللقلوب المتفرقة في أودية الخواطر. الإشارة: يُفهَم من الآية أنَّ من أقَرَّ بإنزال الكتب وآمن بجميع الرسل، فقد قَدَر الله حق قدره وعظَّمه حق تعظيمه. وهذا باعتبار ضعف العبد وعجزه وجهله؛ وإلاَّ فتعظيم الحق حق تعظيمه، ومعرفته حق معرفته، لا يمكن انتهاؤها، ولا الوصول إلى عشر العشر منها. قال تعالى {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } تفسير : [طه:110]، وقال: {أية : كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ }تفسير : [عَبَسَ:23] فلو بقي العبد يترقى في المعرفة أبدًا سرمدًا، ما عرف الله حق معرفته، حتى ينتهي إلى غايتها، ولو بقي يعبد أبد الأبد ما قام بواجب حقه. وقوله تعالى: {قل الله} استشهد به الصوفيةُ، في طريق الإشارة، على الانفراد والانقطاع إلى الله، وعدم الالفتات إلى ما عليه الناس من الخوض والاشتغال بالأغيار والأكدار، والخروج عنهم إلى مقام الصفا، وهو شهود الفردانية، والعكوف في أسرار الوحدانية. قال ابن عطاء الله ـ لما تكلم على أهل الشهود ـ قال: (لأنهم لله لا لشيء دونه، {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}). وقد يُنكِر عليهم من لم يفهم إشارتهم، تجمدًا ووقوفًا مع الظاهر، وللقرآن ظاهر وباطن لا يعرفه إلا الربانيون. نفعنا الله بهم، آمين. ثم قرر صحة إنزال كتابه به، فقال: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وأبو عمرو {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} بالتاء فيهن. الباقون بالياء فيهن. ومن قرأ بالياء حمله على أنه للغيبة بدلالة قوله: {وما قدروا الله حق قدره إِذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى يجعلونه} فيحمله على الغيبة لان ما قبله غيبة. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب يعني قل لهم: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} ويقوي القراءة بالتاء، قوله {وعلمتم ما لم تعلموا} فجاء على الخطاب، وكذلك ما قبله. ومعنى {تجعلونه قراطيس} تجعلونه ذوي قراطيس اي تودعونه إِياها {وتخفون} أي تكتمونه، وموضع قوله {تبدونها وتخفون كثيراً} يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون صفة القراطيس، لان النكرة توصف بالجمل. والآخر - أن نجعله حالا من ضمير الكتاب من قوله {تجعلونه قراطيس} على أن تجعل القراطيس الكتاب في المعنى، لانه مكتوب فيها. روي أن سبب نزول هذه الآية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى حبراً من أحبار اليهود سمينا يقال له: مالك بن الضيف، وقيل: فنحاص، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) حديث : أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمينتفسير : ؟ فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فلعنته اليهود وتبرأت منه، فنزلت هذه الآية، ذكر ذلك عكرمة وقتادة، وقال محمد بن كعب القرطي: نزلت في جماعة من اليهود. وروي مثل ذلك عن ابن عباس. وقال مجاهد نزلت في مشركي قريش، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، وهو أشبه بسياق الآية، لانهم الذين أنكروا أن يكون الله أنزل كتابا على بشر، دون اليهود والنصارى. ومعنى قوله {وما قدروا الله حق قدره} أي ما عرفوه حق معرفته وما وصفوه بما هو أهل أن يوصف به {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} أي ما أرسل الله رسولا، ولم ينزل على بشر من شيء، مع أن المصلحة والحكمة يقتضيان ذلك، ودلت المعجزات الباهرة على بعثة كثير منهم. ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} فانهم يقرون بذلك، وان الله أنزله وبعث موسى (ع) نبيا وإِن لم يقرُّوا بذلك فقد خرجوا من اليهودية الى قول من ينكر النبوات. والكلام على من انكر ذلك أصلا مذكور في النبوات مستوفى لا نطول بذكره ها هنا. وعلى ما قلناه: من أن الآية متوجهة الى مشركي قريش من حيث أن الله تعالى من أول السورة الى ها هنا في الاخبار عن أوصاف المشركين وعن أحوالهم وكذلك أول الآية في قوله {وما قدروا الله حق قدره} لأنهم كانوا لا يعتقدون التوحيد ويعبدون مع الله الاصنام، وأهل الكتاب كانوا بخلاف ذلك، لأنهم كانوا يعتقدون التوحيد فلا يليق بهم ذلك، وإِن كان اليهود عندنا أيضا غير عارفين بالله على وجه يستحقون به الثواب. والقول الآخر أيضا محتمل. فعلى ما اخترنا يكون قوله {قل من أنزل الكتاب} متوجها الى اليهود والنصارى، لأنهم المقرون بذلك دون قريش ومشركى العرب، ويجوز أن يكون متناولا للمشركين أيضا، ويكون على وجه الاحتجاج عليهم، والتنبيه لهم على ما ظهر من معجزات موسى وظهور نبوته، وهذا الذي اخترناه قول مجاهد واختاره الطبري والجبائي. وقوله {تجعلونه قراطيس} أي تقطعونه فتجعلونه كتبا متفرقة وصحفا تبدون بعضها وتخفون بعضها، يعني ما في الكتب من صفات النبي (صلى الله عليه وسلم) والبشارة به. ثم عطف على ما ابتدأ به من وصف الكتاب الذي جاء به موسى وانه نور وهدى، فقال {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} على لسان النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم أجاب عن الكلام الاول، فقال {قل الله} وهذا معروف في كلام العرب، لان الانسان اذا أراد البيان والاحتجاج بما يعلم أن الخصم مقرٌّ به ولا يستطيع دفعه ذكر ذلك. ثم تولى الجواب عنه بما قد علم أن لا جواب له غيره. وقوله {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} يقال مثل هذا لمن قامت عليه الحجة الواضحة التي لا يمكنه دفعها، وليس على إِباحة ترك الدعاء والانذار بل على ضرب من الوعيد والتهديد، كأنه قال دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم. ويجوز أن يكون أراد: دعهم فلا تقاتلهم، ولا تعمل على قهرهم على قبول قولك الى أن يؤذن لك في ذلك، فيكون إِنما أباح ترك قتالهم لا ترك الدعاء والتحذير وترك البيان والاحتجاج "ويلعبون" رفعه لانه لم يجعله جوابا لقوله {ذرهم} ولو جعله جوابا لجزمه، كما قال {أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} تفسير : وكان ذلك جوابا وموضع {يلعبون} نصب على الحال، وتقديره ذرهم لاعبين في خوضهم. وقال قوم: إِن هذه الآية مدنية مع الآيتين اللتين ذكرناهما في أول السورة، ويجوز أن يكون ذلك بمكة أيضاً.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} حتّى يعلموا سعة رحمته وكمال حكمته ورأفته بخلقه وانّ الرّسالة غاية لطف منه بالخلق {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} وانكروا لطفه وحكمته فى ارسال الرّسول {قُلْ} لهم نقضاً عليهم {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} تجزّئونه {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} يعنى انّهم يبدون مالا يظهر فيه رسالتك ويخفون ما فيه رسالتك، وكذا يبدون ما يوافق هويتهم ويخفون ما لا يوافقها، وهو تعريض بأمّته (ص) حيث يبدون بعده من الكتاب ما يوافق أهويتهم ويخفون ما لا يوافقها {وَعُلِّمْتُمْ} بذلك الكتاب {مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} من احكام الشّرع وآداب المعاش والمعاد {قُلِ ٱللَّهُ} ان لم يجيبوا لك وبهتوا لانّهم لا جواب لهم سواه، ويحتمل ان يكون هذا مستأنفاً غير مرتبطٍ بالسّؤال ويكون المقصود امره (ص) بالمداومة على ذكر الله حالاً وقالاً والاعراض عنهم {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ} فى ظلمات اهويتهم ولجج آمالهم بحيث لم يتمكّنوا من تصديقك وداموا على تكذيبك {يَلْعَبُونَ وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ} مثل كتاب موسى (ع) {مُبَارَكٌ} جعل فيه البركة لمن تعلّمه وعمل به ودام على قراءته {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الّتى قبله لتذكّر به {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} مكّة والصّدر وصاحب الصّدر {وَمَنْ حَوْلَهَا} من اهل الشّرق والغرب فى الصّغير والكبير ولمّا كان المراد بمن حولها من سكن الدّنيا بالنّسبة الى الملكوتين السّفلى والعليا صحّ تفسيره بمن فى الارض {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} اى مذعنون بها {يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعنى يذعنون بالكتاب وانّه من الله وحقّ وصدق لانّه صورة الآخرة ومن اذعن بالآخرة اشتاق اليها، ومن اشتاق اليها اذعن وصدّق بكل ما فيه ذكرها، وليس فى الكتاب الاّ ذكرها، ومن اذعن بالآخرة والكتاب آمن بعلىّ (ع) لانّ الآخرة والكتاب صورتا علىٍّ (ع) كما انّ بشريّته صورته، ومن آمن به صار مصلّياً حقيقة ومن صار مصلّياً حقيقة شغله لذّة الصّلوة عن كلّ لذّة فهم لا يفارقونها {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} اضافه الصّلوة اليهم للاشارة الى انّه كان لكلّ صلوة مخصوصة هى روح صلوتهم القالبيّة المشتركة بين الكلّ.

اطفيش

تفسير : {وما قَدرُوا الله حقَّ قَدْره} قال الأخنس: ما عرفوا الله حق معرفته، يقال: قدرت الشئ أى عرفت قدره بصفاته، ومن لم يعرفهُ بصفته قيل لم يقدره أى قدره، وفى الحديث: "إذا غم عليكم فاقدروا له" أى فاعرفوه بإتمام عدة شعبان، ولما كان قدر الشئ طريقاً وسبباً إلى أن يعرف الشئ به استعمل لفظ قدر بمعنى عرف، والمراد حق قدره فى النعمة، إذ جعلوا أعظم النعمة وهو بعث الرسل والوحى باطلا غير موجود، أو قدره فى السخط والبطش على من قال مثل ما قالوا من الكفرة، أو قدره فى ذلك كله وسائر صفاته، فعن أبى العالية: ما وصفوا الله حق صفته، ولفظ الفخر عنه: ما وصفوه حق قدرته وعظمته، وعن ابن عباس: ما عظموا الله حق عظمته، هذا لفظ الفخر عنه، وفى رواية عنه: ما آمنوا أن الله على كل شئ قدير، وتلك معان صحيحة يرفع بعضها إلى بعض. {إذ قالُوا ما أنزلَ اللهُ عَلى بشرٍ مِنْ شَئٍ} لا وحى ولا كتاب ولا رسول ولا نبى من الله، وذلك أن النبوة والرسالة بالوحى، فإنكار الوحى لهما وللكتاب، وضمير قدروا وقالوا لليهود على قول الجمهور وهو الصحيح، وكانوا يختلطون بقريش فى مكة وغيرها قبل الهجرة، وقد قالوا ذلك، فلما أنزلت سورة الأنعام جملة فى مكة، أنزل ذلك فيها رداً عليهم، إذ أنكروا الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكروا إنزال القرآن عليه، وأنكروا كونه نبياً ورسولا، وبالغوا فى ذلك حتى أنكروا غيره من الأنبياء والوحى إليهم، مبالغة فى إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن ذلك فى اليهود لعنهم الله قوله تعالى: {قُلْ مَنْ انْزل الكتاب الَّذى جَاء به مُوسَى نُوراً وهُدًى للنَّاس تَجْعلونَه قَراطِيسَ تُبدونَها وتُخْفون كَثيراً} فإن غير اليهود لا يقرون بموسى عليه السلام والتوراة، فكيف يحتج على غيرهم بهما إذ أنكروا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، وقريش لو خالطوا اليهود وذاكرو موسى والتوراة، وتناولوا الإيمان بهما، لكن لم يَبلغوا من الإيمان بهما بحيث يحتج عليهم بهما إذ لم يرسخ ذلك، والذين يجعلون التوراة قراطيسَ يبدونها ويخفون كثيراً هم اليهود لا غيرهم، والخطاب لهم، ومن قرأ يجعلونه ويبدونها ويخفون بالمثناة التحتية وهو ابن كثير وأبو عمرو راعى قوله تعالى: {قالوا} وقوله تعالى: {وما قدروا الله} واليهود ولو لم يقرءوا التوراة وموسى، لكن فيهم من أنكرهما مبالغة لغضبه، وقوله: {قالوا احكم} على المجموع وأيضا أنهم ولو أنكروا ذلك على قائله وعزلوه لم يفعلوا ذلك لله ولا من قلوبهم، لكنهم رأوا منه ما لا يروج عنهم، فأظهروا الإنكار، فلو نفع ذلك فى إبطال دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم ينكروه ولم يعزلوه. حديث : كان مالك بن الصيف يخرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، وكان من أحبار اليهود ورؤسائهم، وكان سميناً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالله الذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟" قال: نعم، قال: فأنت الحبر السمين، قد سمنت من أكلتك التى تطعمك اليهود، فضحك القوم فخجل مالك بن الصيف، فالتفت إلى عمر فقال غضباً: ما أنزل الله على بشر من شئ، فلما رجع مالك إلى قومه قالوا له: ويلك يا هذا ما الذى بلغنا عنك؟ قال إنه قد أغضبنى، فلذلك قلت ما قلت، قالوا: أكلما غضبت قلت بغير حق، وتقول غضبت فقلت بغير حق، فأخذوا الرياسة والحبرية منه، وجعلوهما إلى كعب بن الأشرف ونزلت الانعام وفيها هذه الآية ناعية عليه . تفسير : وقيل: قال ذلك فى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، على أن الأنعام نزلت جملة إلا بعض آيات نزلن فى المدينة، قلت: لعله ـ لعنه الله ـ أراد بالبشر سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكره تحقيراً له، ولما كانت عبارته توهم تعميم نفى الأنبياء كلهم، والوحى كله، لأن بشراً وشيئاً نكرتان للعموم، ولا سيما شئ لذكر من الاستغراقية معه أنكروا عليه ومنعوه وأخرجوه، وقيل: لما قال: ما أنزل الله على بشر من شئ قال له أصحاب الذين معه، ويحك ولا على موسى، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شئ قاله عناداً وغضباً إذ أراد أولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يحمل أصحابه كلامه على إرادته، بل على العموم، تعمد زيادة الكفر لزيادة غضب. وكذلك رد الله عليه كلامه على ظاهر عمومه أو رد عليه بالتوراة، وكون قائل ذلك مالك بن الصيف، هو قول سعيد بن جبير، وقال: إنه قاله بالمدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال السدى: قائل ذلك فى فنحاص بن عابورا فى المدينة بعد الهجرة، وقال مجاهد وابن عباس: إن ذلك منهم نفى للوحى فقط، ولم ينفوا عموم النبوة بالرسالة، بل قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأنبياء تأتينا ولا تأتى بكتاب من الله قط، وأنت تقول جاءنى من الله كتاب. ومثله ما حديث : روى عنه أنهم قالوا: يا محمد أأنزل الله عليك كتاباً؟ قال: "نعم" فقالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، وفى ذلك نزلت الآية، تفسير : وعن محمد بن كعب القرظى، حديث : جاء ناس من يهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً من عند الله؟ فنزل: {يسألك أهل الكتاب} الآية ولما حدثهم بأعمالهم الخبيثة جاء رجل منهم وقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً، فأنزل الله: {وما قدروا الله} الآية أنكروا كون التوراة من الله، فرد الله عليهم بأن قال: من أنزلها؟ تفسير : وفى رواية عن السدى ومجاهد: أن الآية فى قريش، وصححه الطبرى، لأن من أول السورة الكلام فيهم، ويعترض عليه بأنهم ينكرون أيضا موسى والتوراة وغيرهما، فكيف يحتج الله تعالى عليهم بإنزال التوراة على موسى، ويعترض عليهم أيضا بأن الذين يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً هم اليهود، اللهم إلا أن يقال: إن قريشاً لما خالطوا اليهود وأذعنوا بعض إذعان للتوراة كما قال الله تعالى: {أية : أن تقولوا لو أنزل علينا الكتاب}تفسير : الآية احتج عليهم فخوطبوا مع اليهود، فقيل: {من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس} خطاب لهم، وتجعلونه قراطيس إلخ خطاب لليهود، ويدل ما قلنا، ومعنى جعلهم الكتاب قراطيس جعلهم إياها أوراقاً صغاراً ليتمكنوا من إخفائه ما أرادوا إخفاءه كصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم، ولا يلزم من ذلك أن لا يظهر وصفه، ولا أن لا يكتب إلا فى أوراق صغار فقد ظهرت آية الرجم بإحضار ورقتها فى كتاب التوراة، بل أخبر الله أن غرضهم تصغير الأوراق لذلك الغرض، ولا يلزم أن تتم حيلتهم والكثير الذى قال الله جل وعلا إنهم يخفوه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرحم وغير ذلك من كل ما الذى لهم غرض فى إخفائه. والآية ذم لليهود، وعلى تجزيئهم التوراة، وجعلهم يكتبون بحقها وكتم بعضها، ويقدر مضاف أن يجعلون كتبها قراطيس، أو جاز ليجعلونها فى قراطيس، وتبدونها نعت لقراطيس، وتخفونها معطوف عليه، وتجعلونه حال من هاء به لا كما قيل إن الجمل الثلاث حال من هاء به. {وعُلِّمتُم ما لم تعْلَموا أنتُم ولا آباؤكُم} خطاب لليهود، أى علمكم الله ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أمر الغيب، وتأويل التوراة، فدل ذلك على أنه نبى الله، والمراد بالآباء الأجداد ولو علا بعض على بعض وكثروا، وقال الحسن: الآية سيقت فى تضييعهم النعمة، إذ جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وعلمه إياهم ولم ينتفعوا به، بل كفروا به وآذوه، وقيل: لفكار قريش، وقيل: لهم ولليهود، وقيل: للمؤمنين من قريش يذكر الله لهم النعمة بأن علَّمهم من أمر دينهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يعلموه هم ولا آباؤهم، والجمهور على الأول، وجملة علمتم حال من واو تجعلونه على إضمار قد. وقيل: يجوز قرن الجملة الحالية الماضوية بواو الحال، بل التقدير لقد، والخطاب فى الكل لليهود، ومن قرأ يجعلونه وما بعده بياء الغيبة فعلمتم حال كذلك، والضمير لليهود، وذلك على طريق الالتفات، وأما أن يجعل الخطاب هنا لقوم، والخطاب فى تجعلونه وما بعده لآخرين أو الغيبة، فلا يصح الحال لعدم كونه حالا ممكنة ومقدرة ولا مقارنة. {قُل الله} أى أنزله الله، أو الله أنزله فاعل لمحذوف أو مبتدأ لمحذوف دل عليها قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب} أمره بالسؤال توبيخا لهم، وأمره بالجواب بما لا يمكن أن يجيبوا إلا به، حيث لا محيد عنه به، ولو سكنوا أو أنكروا أو أشار بالجواب عنهم إلى أنهم بهتوا فلا يقدرون على الجواب. {ثمَّ ذرْهُم} اتركهم {فى خَوْضهم} متعلق بذرهم أو بقوله: {يلعبونَ} أو بمحذوف حال من هاء ذرهم، أو واو يلعبون والخوض الباطل، ويلعبون يستهزئون وقيل: معنى الكلام التهديد للمشركين، أى تول عنهم يا محمد، فقد أديت ما عليك فما عليهم إلا العقاب، وهذا مما قيل منسوخ بآية الكهف، ويقال: بل هو تهديد باق مستمر لا ينافى القتال إذا جاء، وجملة يلعبون حال من الهاء بين قبلها.

اطفيش

تفسير : {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ما جعلوا لله قدرا يليق به، أَى وصفا، لكن لا يمكن الوصول إِلى غاية ذلك، وهذا أَولى من أَن يقال: المراد قدره فى الرحمة لعباده وفى السخط على الكفار وشدة البطش حين جسروا على قول السوءِ، فإِنه لا يناسب قوله {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَئٍ} فإِن هذا يناسب أَن يراد بالقدر العظمة ومنها التوحيد المنافى لإِنكار الإِنزال على بشر، ومن معانى القدر العظمة، أَى ما عظموه حتى عظمته، ويقال: ما عرفوا الله حق معرفته، والأَصل: وما قدروا الله قدره الحق، فأُضيفت الصفة للموصوف، ولا يلزم هذا، بل المتبادر أَن المراد شأن قدره، أَو رتبة قدره، متعلق بقدروا أَو بقدره. وقيل: حرف تعليل، قلت: هى ظرفية والتعليل مستفاد من مدخولها، والواو لليهود فنحاص بن عازوراءَ ومالك بن الصيف ومن رضى بقولهما، وهم نفر يسافرون لمكة عناداً، أَو أُريد واحد عظم فى السوء كعظم جماعة فى الشر، خاصم النبى صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : أَنشدك الله الذى أَنزل التوراة هل تجد فيها أَن الله يبغض الحبر السمين - وكان مالك كذلك - فقال: نعم. - وكان يحب إِخفاء ذلك لكن أَقر لإِقسام النبى صلى الله عليه وسلم - فقال النبى صلى الله عليه وسلم:أَنت حبر سمين، سمنت من أَكلتك التى تطعمك اليهودتفسير : ، فضحك القوم، وخجل مالك بن الصيف، أَى فيكون مبغوضاً، فغضب، والتفت إِلى عمر رضى الله عنه، وقال: ما أَنزل الله على بشر منشئ، فقال أَصحابه: ويحك، ولا على موسى؟ فقال: والله ما أَنزل الله على بشر من شئ. فلما سمعت اليهود بذلك وقالوا: أَليس الله أَنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا؟ قال: أَغضبنى محمد فقلته. فقالوا: وأَنت إِذا غضبت تقول على الله غير الحق، فعزلوه من الحبرية وجعلوا مكانه كعب بن الأَشرف لعنهما الله، وفى ذلك نزل: {وما قدروا الله حق قدره} وأَنت خبير بأَن القائلين سافروا إِلى مكة، فلا يعترض بأَن السورة مكية، وأَن القصة مدنية، وأَيضاً نزلت السورة مرتين فيما قيل، والآية على ظاهرها من نفى الأَنبياء كلهم وكتبهم كلها لثوران الغضب، والمراد بالذات نفى النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن، ولكن حمله الغضب على نفى كل نبى وكل كتاب مبالغة فى نفى النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن، ليكون كنفى بحجة، وأَنت خبير أَن الله عز وجل أَنزل الآية مجازاة على لفظ لسانه المجاهر بالسوء ولو كان فى قلبه ثبوت التوراة كما صرح به عن نفسه، وفى ذلك أَن الغضبان المتعمد مؤاخذ بما قال أَو بما فعل، كالسكران بمحرم عمداً، وقال بعض على طريق الشكل الثالث: موسى بشر، موسى أنزل عليه كتاب، وهاتان قضيتان شخصيتان فى حكم الكليتين، والأُولى من قوة الآية، والثانية من صريحها، ينتج أَن بعض البشر أنزل عليه كتاب، وهذه النتيجة موجبة جزئية تكذب السالبة الكلية اليهودية، وهى لا شئَ من البشر أنزل عليه كتاب، وأَجاب الله بأَن إِنزال القرآن من الجائز كما أَنزل التوراة على موسى، فقال {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثيراً} منها وهو ما صعب عليهم، وصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن إِخفائه ما صعب عليهم إِخفاء آية الرجم، وآية: إِن الله يبغض الحبر السمين {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} وهذا نص فى أَن الآية فى اليهود لا كما قيل فى مشركى قريش، فإِن مشركى قريش لم يقرأُوا التوراة، ولم يجعلوا قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ولا علموا ما لم يعلموا ولا آباؤهم إِلا أَن لهم بعض إِذعان لتوراة موسى، وشهرت عندهم، وكانوا يخالطونهم ويسأَلونهم عما فى التوراة. قال الله تعالى: {أية : أَن تقولوا إِنما أنزل الكتاب على طائفتين} تفسير : [الأنعام: 156]. {أية : أَو تقولوا لو أَنا أنزل علينا الكتاب لكنا أَهدى منهم} تفسير : [الأنعام: 157]. وإِلا أَن يراد علمتم بالقرآن ما لم تعلموا أَنتم ولا آباؤكم، ووقع ذلك فى المدينة، والسورة نزلت فى مكة، ونزلت فى المدينة مرة ثانية والقصة فى المدينة، وقبل نزلت فى مكة إِلا هذه ففى المدينة، ويروى أَن مالك بن الصيف كان يخرج مع نفر إِلى مكة معاندين. والمراد: وعلمتم أيها اليهود على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مما أوحى إِليه بياناً لما التبس أَو أَخفاه من تقدم، وزيادة على التوراة أَن هذا القرآن يقص على بنى إِسرائيل أَكثر الذى هم فيه يختلفون، وقيل: الخطاب فى علمتم إِلخ لمن آمن من قريش، ونوراً حال من الهاء، أَو من الكتاب، هو فى نفسه نوراً، أَى ظاهر كالضوء اللامع وهدى... وتجعلونه إِلخ حال من الكتاب أَو من الهاء، ومعنى جعلها قراطيس جعلها فى قراطيس بحذف الجار، أَو بقدر تجعلونه ذا قراطيس، أَو تجعلون ظروفه قراطيس، وإِذا كان الخطاب كله لليهود فالمراد علمتم أَيها اليهود بالتوراة، أَو علمكم الله بالقرآن ما لم تعلموا زيادة وأَنكرتموه، كما قال: {أية : قد جاءَكم رسولنا يبين لكن كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب} تفسير : [المائدة: 15]، أَو من إِخفاء ما أَرادوا أَو إِنكاره أَو محوه أَو تبديله، وقيل ذلك الكثير لم يكتبوه فى القراطيس إِخفاء له والناس بنو إِسرائيل وغيرهم {قُلِ اللهُ} أَنزله الله، أَو الله أَنزله، أَو منزله الله، والأَول أَولى لورود الجواب بالفعلية فى قوله "أية : خلقهن العزيز العليم"تفسير : [الزخرف: 9] ووجه الأَوجُهِ الأَوجَهِ بعده أَن السؤال بالاسمية فليكن الجواب بها، أَما كان لا بد أَن يقروا بأَن الله أَنزله أَمره أَن يقوله، أَو كأَنهم دهشوا لافتضاحهم حتى لا يقدروا على رد الجواب فأَمره صلى الله عليه وسلم برد الجواب تنبيهاً على حيرتهم، أَو أَمره لأَنهم لا يقولون عناداً {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ} باطلهم متعلق بذر، أَو بقوله {يَلْعَبُونَ} أَو بمحذوف حال من الهاء أَو من واو يلعبون، ويلعبون حال من هاء ذرهم، أَو من هاء خوضهم ولو كان مضافاً إِليه لأَن المضاف صالح لعمل الرفع والنصب لأَنه مصدر، وإِنما فى خوضهم حالا من الهاء جاز أَن يكون يلعبون حالا من المستتر، والأَمر بالجواب والإِعراض عنهم بعد الجواب يصح قبل نزول القتال وبعده فلا نسخ فلا تهم، ويلعبون يستهزئون.

الالوسي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ } لما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك، وقرر جل شأنه ذلك الدليل بأوضح وجه شرع سبحانه بعد في تقرير أمر النبوة لأن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وبهذا ترتبط الآية بما قبلها كما قال الإمام وأولى منه ما قيل «إنه سبحانه [لما بين] شأن القرءان العظيم وأنه نعمة جليلة منه تعالى على كافة الأمم حسبما نطق به قوله عز وجل: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] عقب ذلك ببيان غمطهم إياها وكفرهم بها على وجه سرى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلٰهية» وأصل القدر معرفة المقدار بالسبر ثم استعمل في معرفة الشيء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه. وقال الواحدي: يقال قدر الشيء إذا سبره وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدراً، وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن غم عليكم فاقدروا له » تفسير : أي فاطلبوا أن تعرفوه، ثم قيل لمن عرف شيئاً هو يقدر قدره وإذا لم يعرفه بصفاته إنه لا يقدر قدره. واختلف التفسير هنا فعن الأخفش أن المعنى ما عرفوا الله تعالى {حَقَّ قَدْرِهِ } أي حق معرفته. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما عظموا الله تعالى حق تعظيمه. وقال أبو العالية: ما وصفوه حقَّ صفته والكل محتمل. واختار بعض المحققين ما عليه الأخفش لأنه الأوفق بالمقام أي ما عرفوه سبحانه معرفته الحق في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى في ذلك بل أخلوا بها إخلالاً عظيماً {إِذْ قَالُواْ} منكرين لبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام وإنزال الكتب كافرين بنعمه الجليلة فيهما أو ما عرفوه جل شأنه حق معرفته في السخط على الكفار وشدة بطشه بهم حين اجترؤا على إنكار ذلك بقولهم: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ} أي شيئاً من الأشياء فمن للتأكيد ونصب {حَقّ } على المصدرية وهو ـ كما قال أبو البقاء ـ في الأصل صفة للمصدر أي قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه. و {إِذْ } ظرف للزمان الزمان وهل فيها معنى العلة هنا أم لا؟ احتمالان، وأبو البقاء يعلقها بقدروا وليس بالمتعين. وقرىء {قَدره } بفتح الدال. واختلف في قائلي ذلك القول الشنيع، فأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أنهم مشركو قريش. والجمهور على أنهم / اليهود ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة فقيل لهم على سبيل الالزام {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ } فإن المراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى عليه السلام ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك فلم لا تجوزون إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا ينحل استشكال ما عليه الجمهور بأن اليهود يقولون إن التوراة كتاب الله تعالى أنزله على موسى عليه السلام فكيف يقولون: {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ} وحاصل ذلك أنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه عليه الصلاة والسلام في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزه. وقيل: إن صدور هذا القول كان عن غضب وذهول عن حقيقته، فقد أخرج ابن جرير والطبراني عن سعيد بن جبير أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله تعالى الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود فضحك القوم فغضب فالتفت إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: (ما أنزل الله على بشر من شيء) فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنه أغضبني فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف فأنزل الله تعالى هذه الآية. واعترض بأن هذا لا يلائم الإلزام بإنزال التوراة على موسى عليه السلام فقد اعترف القائل بأنه إنما صدر ذلك عنه من الغضب فليفهم. ولا يرد أن هذه السورة مكية والمناظرات التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود كلها مدنية فلا يتأتى القول بأن الآية نزلت في اليهود لما أخرج أبو الشيخ عن سفيان والكلبـي أن هذه الآية مدنية. واستشكل أيضاً قول مجاهد بأن مشركي قريش كما ينكرون رسالة النبـي صلى الله عليه وسلم ينكرون رسالة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم. ودفع بأن ذلك لما أنه كان إنزال التوراة من المشاهير الذائعة ولذلك كانوا يقولون: { أية : لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 157] حسن إلزامهم بما ذكر، ومع هذا ما ذهب إليه الجمهور أحرى بالقبول. ومن الناس من ادعى أن في الآية حجة من الشكل الثالث وهي أن موسى بشر وموسى أنزل عليه كتاب ينتج أن بعض البشر أنزل عليه كتاب وتؤخذ الصغرى من قوة الآية والكبرى من صريحها والنتيجة موجبة جزئية تكذب السالبة الكلية التي ادعتها اليهود وهي لا شيء من البشر أنزل عليه كتاب المأخوذة من قولهم {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ} وإنما نتجت هاتان الشخصيتان مع أن شرط الشكل الثالث كلية إحدى المقدمتين لأن الشخصية عندهم في حكم الكلية. وقال الإمام: «تفلسف حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة (فقال) إن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية، وذلك لأن حاصلها يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئاً (وأحد) من البشر ما أنزل الله تعالى عليه شيئاً ينتج [من الشكل الثاني] أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وهذه الاستحالة ليست بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم: {ما أَنزَلَ ٱللَّهُ} الخ فوجب القول بأنها كاذبة» وفي ذلك تأمل فليتأمل. ثم إن وصف الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريع وتشديد التبكيت، وكذا تقييده بقوله سبحانه: {نُوراً وَهُدًى } فإن كونه بينا بنفسه ومبيناً لغيره مما يؤكد الإلزام أي توكيد، وانتصابهما على الحالية من (الكتاب) والعامل {أَنَزلَ } أو من ضمير {بِهِ } والعامل (جاء) والظاهر / تعلق الظرف بجاء، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الفاعل. واللام في قوله سبحانه: {لِلنَّاسِ} إما متعلق بهدى أو بمحذوف وقع صفة له أي هدى كائناً للناس. والمراد بهم بنو إسرائيل، وقيل: هم ومن عداهم، ومعنى كونه هدى لهم أنه يرشد من وقف عليه بالواسطة أو بدونها إلى ما ينجيه من الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ} استئناف لا موضع له من الإعراب مسوق لنعي ما فعلوه من التحريف والتغيير عليهم. وجوز أن يكون في موضع نصب على الحال كما تقدم أي تضعونه في قراطيس مقطعة وأوراق مفرقة بحذف الجار بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم كما قيل. وقال أبو علي الفارسي: المراد تجعلونه ذا قراطيس، وجوز غير واحد عدم التقدير على معنى تجعلونه نفس القراطيس، وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة، وليس المراد على الأول توبيخهم بمجرد وضعهم له في قراطيس إذ كل كتاب لا بد وأن يودع في القراطيس بل المراد التوبيخ على الجعل في قراطيس موصوفة بقوله سبحانه: {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} فالجملة المعطوفة والمعطوف عليها في موضع الصفة لقراطيس، والعائد على الموصوف من المعطوفة محذوف أي كثيراً منها، والمراد من الكثير نعوت النبـي صلى الله عليه وسلم وسائر ما كتموه من أحكام التوراة كرجم الزاني المحصن. وهذا خطاب لليهود بلا مرية وكانوا يفعلون ذلك مع عوامهم متواطئين عليه، وهو ظاهر على تقدير أن يكون الجواب السابق لهم لأن مشافهتهم به يقتضي خطابهم، ومن جعل ما تقدم للمشركين حمل هذا على الإلتفات لخطاب اليهود حيث جرى ذكرهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأفعال الثلاثة بياء الغيبة. وضمير الجمع لليهود أيضاً إلا أنه التفت عن خطابهم تبعيداً لهم بسبب ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله سبحانه: {وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ} وهذا أحسن ـ كما قيل ـ من الالتفات على القول الأول لأن فيه نقلاً من الكلام مع جماعة هم المشركون إلى الكلام مع جماعة أخرى هم اليهود قبل إتمام الكلام الأول لأن إتمامه بقوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ } الخ بخلاف الالتفات على القول الثاني. والجملة ـ على ما قال أبو البقاء ـ في موضع الحال من فاعل {تَجْعَلُونَهُ } بإضمار قد أو بدونه على اختلاف الرأيين، وعليه كما قال شيخ الإسلام « فينبغي أن يجعل (ما) عبارة عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائع ليكون التقييد بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخ وتشديد التشنيع لا على ما تلقوه من جهة النبـي صلى الله عليه وسلم زيادة على ما في التوراة وبياناً لما التبس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها حسبما ينطق به قوله تعالى: { أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } تفسير : [النمل: 76] لأن تلقيهم ذلك ليس مما يزجرهم عما صنعوا بالتوراة فتكون الجملة حينئذ خالية عن تأكيد التوبيخ فلا تستحق أن تقع موقع الحال بل الوجه حينئذ أن يكون استئنافاً مقرراً لما قبله من مجيء الكتاب بطريق التكملة والاستطراد والتمهيد لما يعقبه من مجيء القرآن، ولا سبيل ـ كما قال ـ إلى جعل (ما) عبارة عما كتموه من أحكام التوراة كما يفصح عنه قوله تعالى: { أية : قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [المائدة: 15] فإن ظهوره وإن كان مزجرة لهم عن الكتم مخافة الإفتضاح ومصححاً لوقوع الجملة في موقع الحال لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً». وجوز أن تكون الجملة معطوفة على {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ } من حيث المعنى أي قل من أنزل الكتاب ومن / علمكم ما لم تعلموا وفيه بعد. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أن هذا خطاب للمسلمين. وروي عنه أنه قرأ (وعلمتم معشر العرب ما لم) الخ وهو عند قوم اعتراض للامتنان على النبـي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن. وقال بعضهم: إن (الناس) فيما تقدم عام يدخل فيهم المسلمون واليهود، و {عَلِمْتُمُ } عطف على {تَجْعَلُونَهُ } والخطاب فيه للناس باعتبار اليهود وفي {عَلِمْتُمُ } لهم باعتبار المسلمين ولا يخفى أنه تكلف. وقوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ } أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب السؤال السابق عنهم إشارة إلى أنهم ينكرون الحق مكابرة منهم، وإشعاراً بتعين الجواب وإيذاناً بأنهم أفحموا، ولم يقدروا على التكلم أصلاً. والاسم الجليل إما فاعل فعل مقدر أو مبتدأ خبره جملة مقدرة أي أنزله الله أو الله تعالى أنزله، والخلاف في الأرجح من الوجهين مشهور {ثُمَّ ذَرْهُمْ } أي دعهم {فِى خَوْضِهِمْ } أي باطلهم فلا عليك بعد إلزام الحجة وإلقام الحجر {يَلْعَبُونَ } في موضع الحال من ـ هم ـ الأول، والظرف صلة {ذَرْهُمْ } أو {يَلْعَبُونَ } أو حال من مفعول {ذَرْهُمْ } أو من فاعل {يَلْعَبُونَ } وجوز أن يكون في موضع الحال من ـ هم ـ الثاني، وهو في المعنى فاعل المصدر المضاف إليه، والظرف متصل بما قبله إما على أنه لغو أو حال من ـ هم ـ ولا يجوز حينئذ جعله متصلاً بيلعبون على الحالية أو اللغوية لأنه يكون معمولاً له متأخراً عنه رتبة ومعنى مع أنه متقدم عليه رتبة أيضاً لأن العامل في الحال عامل في صاحبها فيكون فيه دور وفساد في المعنى. والآية عند بعض منسوخة بآية السيف، واختار الإمام عدم النسخ لأنها واردة مورد التهديد وهو لا ينافي حصول المقاتلة فلم يكن ورود الآية الدالة على وجوبها رافعاً للمدلول فلم يحصل النسخ فيه.

ابن عاشور

تفسير : وجود واو العطف في صدر هذه الجملة ينادي على أنّها نزلت متناسقة مع الجمل الّتي قبلها، وأنّها وإيّاها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين، فهذا عطف على جملة {أية : فإن يكفر بها هؤلاء}تفسير : [الأنعام: 89]، وأنّها ليست ابتدائيّة في غرض آخر. فواو الضّمير في قوله {قدروا} عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله: {أية : هؤلاء}تفسير : [الأنعام: 89] كما علمت آنفاً. ذلك أنّ المشركين لمّا استشعروا نهوض الحجّة عليهم في نزول القرآن بأنّه ليس بِدعاً ممّا نزل على الرّسل، ودحضَ قولهم: {أية : لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً}تفسير : [الفرقان: 7] توغّلوا في المكابرة والجحود فقالوا {ما أنزل الله على بشر من شيء} وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم ـــ عليه السّلام ـــ وما يعلمونه من رسالة موسى ـــ عليه السلام ـــ وكتابه. فروى الطبري عن ابن عبّاس ومجاهد: أنّ قائل ذلك هم المشركون من قريش. وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والشّرائع والكتب، فلا جرم أنّ الّذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، قد جاءوا إفكاً وزوراً وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالتّواتر. وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله: {أية : وقال الّذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي بين يديه}تفسير : [سبأ: 31]. ومن أئمّة التّفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود، واختلفوا في أنّه معيّن أو غير معيّن، فعن ابن عبّاس أيضاً، وسعيد بن جبير، والحسن، والسديّ: أنّ قائل {ما أنزل الله على بشر من شيء} بعض اليهود وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أنّ قائل ذلك مالك بن الصيف القُرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة، وكان سميناً وأنّه جاء يخاصم النّبيء صلى الله عليه وسلم فقال له النّبيء «حديث : أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى أمَا تجد في التّوراة أنّ الله يبغض الحَبر السمين»تفسير : فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. وعن السُدّي: أنّ قائله فِنْحاص اليهودي. ومحمل ذلك كلّه على أنّ قائل ذلك منهم قاله جهلاً بما في كتبهم فهو من عامّتهم، أو قاله لجاجاً وعِناداً. وأحسب أنّ هذه الرّوايات هي الّتي ألجأت رواتها إلى ادّعاء أنّ هذه الآيات نزلت بالمدينة، كما تقدّم في الكلام على أوّل هذه السورة. وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله: {أية : أولئك الّذين آتيناهم الكتاب}تفسير : [الأنعام: 89] الآية، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين. وحقيقة {قدروا} عيَّنوا القَدْر وضَبطوه أي، عَلّموه عِلماً عن تحقّق. والقَدْر ـــ بفتح فسكون ـــ مقياسُ الشيء وضابطه، ويستعمل مجازاً في عِلم الأمر بكُنهه وفي تدبير الأمر. يقال: قَدَر القومُ أمرهم يقدُرونه ـــ بضمّ الدّالّ ـــ في المضارع، أي ضبطوه ودبَّروه. وفي الحديث قول عائشة: «حديث : فاقدُروا قدْرَ الجاريةِ الحديثة السنّ»تفسير : . وهو هنا مجاز في العلم الصّحيح، أي ما عرفوا الله حقّ معرفته وما علموا شأنه وتصرّفاته حقّ العلم بها، فانتصب {حقّ} على النّيابة عن المفعول المطلق لإضافته إلى المصدر وهو {قَدْرِه}، والإضافة هنا من إضافة الصّفة إلى الموصوف. والأصل: ما قدروا الله قَدْرَه الحَقّ. و{إذ قالوا} ظرف، أي ما قدروه حين قالوا {ما أنزل الله} لأنّهم لمّا نفوا شأناً عظيماً من شؤون الله، وهو شأن هديه النّاس وإبلاغهم مرادَه بواسطة الرّسل، قد جهلوا ما يفضي إلى الجهل بصفة من صفات الله تعالى الّتي هي صفة الكلام، وجهلوا رحمته للنّاس ولطفه بهم. ومقالهم هذا يعمّ جميعَ البشر لوقوع النكرة في سياق النّفي لِنفي الجنس، ويَعمّ جميعَ ما أنزل باقترانه بــ {منْ} في حيز النّفي للدّلالة على استغراق الجنس أيضاً، ويعمّ إنزالَ الله تعالى الوحيَ على البشر بنفي المتعلِّق بهذين العمومين. والمراد بــ {شيء} هنا شيء من الوحي، ولذلك أمر الله نبيّه بأن يُفْحمهم باستفهاممِ تقريرٍ وإلجاءٍ بقوله: {مَن أنزل الكتاب الّذي جاء به موسى} فذكَّرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب، وهو رسالة موسى ومجيئه بالتّوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكّة، واليهودُ يتردّدون على مكّة في التّجارة وغيرها، وأهل مكّة يتردّدون على يثرب وما حولها وفيها اليهود وأحبارهم، وبهذا لم يذكِّرهم الله برسالة إبراهيم ـــ عليه السّلام ـــ لأنّهم كانوا يجهلون أنّ الله أنزل عليه صُحفاً فكان قد يتطرّقه اختلاف في كيفية رسالته ونبوءته. وإذا كان ذلك لا يسع إنكاره كما اقتضاه الجواب آخِرَ الآية بقوله: {قل الله} فقد ثبت أنّ الله أنزل على أحدٍ من البشر كتاباً فانتقض قولهم: {ما أنزل الله على بشر من شيء} على حسب قاعدة نقض السالبة الكليّة بموجبة جزئيّة. وافتتح بالأمر بالقول للاهتمام بهذا الإفحام، وإلاّ فإنّ القرآن كلّه مأمور النّبيء صلى الله عليه وسلم بأن يقوله. والنّور: استعارة للوضوح والحقّ، فإنّ الحقّ يشبّه بالنّور، كما يشبّه الباطل بالظلمة. قال أبو القاسم عليّ التنّوخي: شعر : وكأنّ النّجومَ بين دُجاها سُنَن لاَحَ بينهنّ ابتِدَاعُ تفسير : ولذلك عطف عليه {هدى}. ونظيره قوله في سورة المائدة (44) {أية : إنّا أنزلنا التّوراة فيها هُدَى ونور}. تفسير : ولو أطلق النّور على سبب الهدى لصحّ لولا هذا العطف، كما قال تعالى عن القرآن {أية : ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا}تفسير : [الشورى: 52]. وقد انتصب {نوراً} على الحال. والمراد بالنّاس اليهود، أي ليهديهم، فالتّعريف فيه للاستغراق، إلاّ أنّه استغراق عرفي، أي النّاس الّذين هم قومه بنو إسرائيل. وقوله: {تجعلونه قراطيس} يجوز أن يكون صفة سببيّة للكتاب، ويجوز أن يكون مُعترضاً بين المتعاطفات. قرأ {تجعلونه - وتبدون - وتخفون} ـــ بتاء الخطاب ـــ مَن عدا ابنَ كثير، وأبَا عمرو، ويعقوب، من العشرة، فإمّا أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعيّن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج (أي الخروج من خطاب إلى غيره) تعريضاً باليهود وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياكَ أعنِي واسمَعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة الّذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب. وحقّه أن يقال يجعلونه ـــ بياء المضارع للغائب ـــ كما قرأ غير هؤلاء الثّلاثة القرّاء. وإمّا أن يكون خطاباً للمشركين. ومعنى كونهم يجعلون كتابَ موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنّهم سألوا اليهود عن نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التّوراة من التمسّك بالسبتِ، أي دين اليهود، وكتموا ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم الّذي يأتي من بعدُ، فأسند الإخفاء والإبداءُ إلى المشركين مجازاً لأنّهم كانوا مظهراً من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء. ولعلّ ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم مَن أسلم من الأوس والخزرج، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا المشركين بما يزيدهم تصميماً على المعارضة. وقد قدّمتُ ما يرجّح أنّ سورة الأنعام نزلت في آخر مدّة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة، وذلك يوجب ظننّا بأنّ هذه المدّة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الدّعوة الإسلاميّة بمكّة حين بلغت إلى المدينة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب {يجعلونه، ويُبدونها، ويخفون} ـــ بالتحتيّة ـــ فتكون ضمائرُ الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلّم، وهم يهود الزّمان الّذين عُرفوا بذلك. والقراطيس جمع قرطاس. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس}تفسير : في هذه السّورة (7). وهو الصحيفة من أي شيء كانت من رَقّ أو كَاغِد أو خرقة. أي تجعلون الكتاب الّذي أنزل على موسى أوراقاً متفرّقة قصداً لإظهار بعضها وإخفاء بعض آخر. وقوله: تبدونها وتخفون كثيراً} صفة لقراطيس، أي تبدون بعضها وتخفون كثيراً منها، ففهم أنّ المعنى تجعلونه قراطيس لغرض إبداء بعض وإخفاء بعض. وهذه الصّفة في محلّ الذمّ فإنّ الله أنزل كتبه للهُدى، والهدى بها متوقّف على إظهارها وإعلانها، فمن فرّقها ليظهر بعضاً ويخفي بعضاً فقد خالف مراد الله منها. فأمّا لو جعلوه قراطيس لغير هذا المقصد لما كان فعلهم مذموماً، كما كتب المسلمون القرآن في أجزاء منفصلة لقصد الاستعانة على القراءة، وكذلك كتابة الألواح في الكتاتيب لمصلحة. وفي «جامع العُتبية» في سماع ابن القاسم عن مالك سُئل مالك - رحمه الله - عن القرآن يُكتب أسداساً وأسباعاً في المصاحف، فكره ذلك كراهيةً شديدة وعابها وقال لا يفرّق القرآن وقد جمعه الله وهؤلاء يفرّقونه ولا أرى ذلك اه. قال ابن رشد في «البيان والتّحصيل»: القرآن أنزل إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء حتّى كَمُل واجتمع جملة واحدة فوجب أن يحافظ على كونه مجموعاً، فهذا وجه كراهيّة مالك لتفريقه اهــ. قلْت: ولعلّه إنّما كره ذلك خشية أن يكون ذلك ذريعة إلى تفرّق أجزاء المصحف الواحد فيقع بعضها في يد بعض المسلمين فيظنّ أنّ ذلك الجزء هو القرآن كلّه، ومعنى قول مالك: وقد جمعه الله، أنّ الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجمعه بعد أن نزل منجّماً، فدلّ ذلك على أنّ الله أراد جمعه فلا يفرّق أجزاء. وقد أجاز فقهاء المذهب تجْزئة القرآن للتعلّم ومسّ جزئه على غير وضوء، ومنه كتابته في الألواح. وقوله: {وعُلّمتم ما لم تعلموا} في موضع الحال من كلام مقدّر دلّ عليه قوّة الاستفهام لأنّه في قوّة أخبروني، فإنّ الاستفهام يتضمّن معنى الفعل. ووقوع الاستفهام بالاسم الدّال على طلب تعيين فاعل الإنزالَ يقوّي معنى الفعل في الاستفهام إذ تضمّن اسم الاستفهام فعلاً وفاعلاً مستفهماً عنهما، أي أخبروني عن ذلك وقَد علّمكم الله بالقرآن الّذي أنكرتم كونه من عند الله، احتججتم على إنكار ذلك بنفي أن ينزل الله على بشر شيئاً، ولو أنصفتم لوجدتم وإمارة نزوله من عند الله ثابتة فيه غير محتاج معها للاستدلال عليه. وهذا الخطاب أشدّ انطباقاً على المشركين لأنّهم لم يكونوا عالمين بأخبار الأنبياء وأحوال التّشريع ونظامه فلمّا جاءهم محمّد ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ عَلم ذلك من آمَن علماً راسخاً، وعلم ذلك من بقي على كفره بما يحصل لهم من سماع القرآن عند الدّعوة ومن مخالطيهم من المسلمين، وقد وصفهم الله بمثل هذا في آيات أخرى، كقوله تعالى: {أية : تلك من أنباء الغيب نوحِيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا}تفسير : [هود: 49]. ويجوز أن تكون جملة: {وعُلّمتم} عطفاً على جملة: {أنْزَل الكتاب} على اعتبار المعنى كأنّه قيل: وعلّمكم ما لم تعلموا. ووجه بناء فعل {عُلّمتم} للمجهول ظهور الفاعل، ولأنّه سيقول {قُل الله}. فإذا تأوّلنا الآية بما روي من قصّة مالك بن الصّيف المتقدّمة فالاستفهام بقوله {مَن أنزل الكتاب} تقريري، إمّا لإبطال ظاهر كلامهم من جحد تنزيل كتاب على بشر، على طريقة إفحام المناظر بإبداء ما في كلامه من لوازم الفساد، مثل فساد اطّراد التّعريف أو انعكاسه، وإمّا لإبطال مقصودهم من إنكار رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم بطريقة الإلزام لأنّهم أظهروا أنّ رسالة محمّد ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ كالشيء المحال فقيل لهم على سبيل التّقرير {من أنزل الكتاب الّذي جاء به موسى} ولا يسعهم إلاّ أن يقولوا: الله، فإذا اعترفوا بذلك فالّذي أنزل على موسى كتاباً لم لا ينزل على محمّد مِثله، كما قال تعالى: {أية : أم يحسدون النّاس على ما آتاهم الله من فضله}تفسير : [النساء: 54] الآية. ثمّ على هذا القول تكون قراءة: {تجعلونه قراطيس} بالفوقيّة جارية على الظاهر، وقراءتُه بالتّحتيّة من قبيل الالتفات. ونكتته أنّهم لمّا أخبر عنهم بهذا الفعل الشّنيع جُعلوا كالغائبين عن مقام الخطاب. والمخاطب بقوله: {وعُلّمتم} على هذا الوجه هم اليهود، فتكون الجملة حالاً من ضمير {تجعلونه}، أي تجعلونه قراطيس تخفون بعضها في حال أنّ الله علّمكم على لسان محمّد ما لم تكونوا تعلمون، ويكون ذلك من تمام الكلام المعترض به. ويجيء على قراءة {يجعلونه قراطيس} ـــ بالتّحتيّة ـــ أن يكون الرّجوع إلى الخطاب بعد الغيبة التفاتاً أيضاً. وحسّنه أنّه لمّا أخبر عنهم بشيء حَسن عَادَ إلى مقام الخطاب، أو لأنّ مقام الخطاب أنسب بالامتنان. واعلم أنّ نظم الآية صالح للردّ على كلا الفريقين مراعاة لمقتضى الروايتين. فعلى الرّواية الأولى فواو الجماعة في «قدروا ـــ وقالوا» عائدة إلى ما عاد إليه إشارة هؤلاء، وعلى الرّواية الثّانية فالواو واو الجماعة مستعملة في واحد معيّن على طريقة التّعريض بشخص من باب «حديث : مَا بالُ أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله»تفسير : ، وذلك من قبيل عود الضّمير على غير مذكور اعتماداً على أنّه مستحضر في ذهن السامع. وقوله: {قل الله} جواب الاستفهام التّقريري. وقد تولّى السائل الجواب لنفسه بنفسه لأنّ المسؤول لا يسعه إلاّ أن يجيب بذلك لأنّه لا يقدر أن يكابر، على ما قرّرتُه في تفسير قوله تعالى: {أية : قل لمن ما في السّماوات والأرض قل لله}تفسير : في هذه السّورة (12). والمعنى قل الله أنزل الكتاب على موسى. وإذا كان وعُلّمتم ما لم تعلموا} معطوفاً على جملة {أنزل} كان الجواب شاملاً له، أي الله علّمكم ما لم تعلموا فيكون جواباً عن الفعل المسند إلى المجهول بفعل مسند إلى المعلوم على حدّ قول ضرار بن نهشل أو الحارث النهشلي يرثي أخاه يزيد: شعر : ليُبْكَ يزيد ضارع لخصومة ومختبط ممّا تُطيح الطَّوائح تفسير : كأنّه سئل من يَبكيه فقال: ضارع. وعطف {ثمّ ذرّهم في خوضهم يلعبون} بثمّ للدّلالة على التّرتيب الرتبي، أي أنّهم لا تنجع فيهم الحجج والأدلّة فَتَرْكُهم وخَوْضهم بعد التّبليغ هو الأولى ولكن الاحتجاج عليهم لتبكيتهم وقطع معاذيرهم. وقوله: {في خوضهم} متعلّق بــ {ذرهم}. وجملة {يلعبون} حال من ضمير الجمع. وتقدّم القول في «ذر» في قوله تعالى: {أية : وذر الّذين اتّخذوا دينهم}تفسير : [الأنعام: 70]. والخوض تقدّم في قوله تعالى: {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم}تفسير : [الأنعام: 68]. واللّعب تقدّم في {أية : وذر الّذين اتّخذوا دينهم لعباً}تفسير : في هذه السّورة (70).

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما قدروا الله حق قدره: ما عظموه التعظيم اللائق به ولا عرفوه حق معرفته. على بشر: أي إنسان من بني آدم. الكتاب الذي جاء به موسى: التوراة. قراطيس: جمع قرطاس: وهو ما يكتب عليه من ورق وغيره. تبدونها: تظهرونها. قل الله: هذا جواب: من أنزل الكتاب؟ ذرهم: اتركهم. في خوضهم: أي ما يخوضون فيه من الباطل. مبارك: أي مبارك فيه فخبره لا ينقطع، وبركته لا تزول. أم القرى: مكة المكرمة. يحافظون: يؤدونها بطهارة في أوقاتها المحددة لها في جماعة المؤمنين. معنى الآيتين: ما زال السياق مع العادلين بربهم أصنامهم وأوثانهم فقد أنكر تعالى عليهم إنكارهم للوحي الإِلهي وتكذيبهم بالقرآن الكريم إذ قالوا: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}، ومن هنا قال تعالى {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظموه كما ينبغي تعظيمه لما قالوا: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ}، ولقن رسوله الحجة فقال له قل لهم: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً} يستضاء به في معرفة الطريق إلى الله تعالى وهدى يهتدى به إلى ذلك وهو التوراة جعلها اليهود قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها حسب أهوائهم وأطماعهم، وقوله: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ} أي وعلمكم الله بهذا القرآن من الحقائق العلمية كتوحيد الله تعالى وأسمائه وصفاته، والدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب أليم، ثم أمر الرسول أن يجيب عن السؤال الذي وجهه إليهم تبكيتاً: {قُلِ ٱللَّهُ} أي الذي أنزل التوراة على موسى هو لله. {ثُمَّ ذَرْهُمْ} أي اتركهم {فِي خَوْضِهِمْ} أي في الباطل {يَلْعَبُونَ} حيث لا يحصلون من ذلك الخوض في الباطل على أي فائدة تعود عليهم فهم كاللاعبين من الأطفال. هذا ما تضمنته الآية الأولى [91] أما الآية الثانية [93] فقد تضمنت أولاً الرد على قول من قال: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} أي كيف يقال ما أنزل الله على بشر من شيء وهذا القرآن بين أيديهم يتلى عليهم أنزله الله مباركاً لا ينتهي خيره ولا يقل نفعه، مصدقاً لما سبقه من الكتب كالتوراة والإِنجيل أنزلناه ليؤمنوا به، {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} أي أهلها {وَمَنْ حَوْلَهَا} من المدن والقرى القريبة والبعيدة لينذرهم عاقبة الكفر والضلال فإنها الخسران التام والهلاك الكامل، وثانياً الإِخبار بأن الذين يؤمنون بالآخرة أي بالحياة في الدار الآخرة يؤمنون بهذا القرآن، وهم على صلاتهم يحافظون وذلك مصداق إيمانهم وثمرته التي يجنيها المؤمنون الصادقون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كل من كذب الله تعالى أو أشرك به أو وصفه بوصف لا يليق بجلاله فإنه لم يقدر الله حق قدره. 2- بيان تلاعب اليهود بكتاب الله في إبداء بعض أخباره وأحكامه وإخفاء بعض آخر وهو تصرف ناتج من الهوى واتباع الشهوات وإيثار الدنيا على الآخرة. 3- بيان فضل الله على العرب بإنزال هذا الكتاب العظيم عليهم بلغتهم لهدايتهم. 4- تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية الحجاج والرد على المجادلين والكاذبين. 5- بيان علة ونزول الكتاب وهي الإيمان وإنذار المكذبين والمشركين. 6- الإِيمان بالآخرة سبب لكل خير، والكفر به سبب لكل باطل وشر.

القطان

تفسير : ما قدره الله حق قدره: ما عرفوه حق معرفته والقدر والمقدار: القوة ايضا. والقدر الغِنَى والشرف. قراطيس: واحدها قرطاس، وهو ما يُكتب فيه من ورق أو جلد او غيرها ذرهم: اتركهم خوضهم: كلامهم بالباطل، وتصرّفهم الشائن، أم القرى: مكة المكرمة، لأنها قبلة الناس، وفيها أول بيت وُضع للناس، فهي تعظَّم كالأم. بعد ان ذكر الله ما تفضل به على إبراهيم والانبياء الذين ذكرهم، وانه اجتباهم وهداهم الى الصراط المستقيم، وامر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يهتدي بهُداهم - جاء في هذه الآيات يندّد بمنكِري الرسالات، ويصفهم بانهم لا يقدّرون الله كما يجب، ولا يعرفون حكمته ورحمته وعدله. ومن ثم يقرّر أن الرسالة الأخيرة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم تجري على سنّة الرسالات قبلها، فالقرآن الكريم مصدّق لما سبقه من الكتب، وكلُّ من عند الله. {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ....} الآية. ما قَدّر هؤلاء الكفار الله حق التقدير، إذ أنكروا أن تنزل رسالتُه على أحد من البشر. فقل أيها النبي للمشركين ومن يشايعهم على ذلك من اليهود: إذنْ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، نوراً يضيء، وهدى يرشد؟ إنكم ايها اليهود تجعلون كتابه في أجزاء متفرقة.. تُظهرون منها ما يتفق وأهواءكم، وتُخفون ما يٌلجئكم الى الإيمان بالقرآن والنبي. هكذا مع أنكم علمتم منه ما لم تكونوا تعلمون، لا انتم ولا آباؤكم. وبعد ان بيّن سبحان انكار المنكرين للوحي بعبارة تدل على جهلهم، قال لرسوله: تولَّ إذن أيها النبي الجوابَ وقل لهم: إن الله هو الذي أنزل التوارة. ثمّ دعْهم بعد هذا فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم. ومن المؤسف ان هذا القول الذي قاله مشركو مكة في جاهليتهم إنما يقوله أَمثالهم في كل زمان. بل منهم من يقولونه الآن، ممن يزعمون ان الأديان من صنع البشر، قد تطوّرت وترقت بتطور البشر في أحوالهم. وكثير من هؤلاء المثقفين على ايدي الأجانب، وكثير منهم يحتلّ مراكز كبيرة في الدول العربية والاسلامية غرّتهم الحياة الدنيا، وغرهم الغرور. {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ....} الآية. وهذا القرآن كتاب عظيما لقدر أنزلناه على خاتم رسلنا كما أنزلنا من قبله التوراة على موسى. وقد باركنا فيه فجعلناه كثير الخير، دائم البركة، يبشر بالثواب والمغفرة، مصدّقاً لما تقدّمه من كتب الأنبياء، ومنذراً لأهل مكة من عذاب الله. فمن كان يؤمن بالقيامة فإنه يؤمن بهذا الكتاب. والمؤمنون به يحافظون على صلاتهم، فيؤدونها في اوقاتها كاملة مستوفاة. وقد خُصت الصلاة بالذِكر ههنا، لأنها عماد الدين. قراءات: قرأ ابو عمرو وابن كثير: "يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون" بالياء، والباقون "بالتاء" وقرأ أبو بكر عن عصام "لينذر" بالياء، والباقون "لتنذر" بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {آبَاؤُكُمْ} (91) - مَا عَرَفَ مُنْكِرُو الوَحْيِ، مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، اللهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ عَظَّمُوهُ حَقَّ التَّعْظِيمِ الذِي يَسْتَحِقُّهُ، إِذْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ صلى الله عليه وسلم؛ وَقَالُوا: (مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ)، فَقُلْ، يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاَءِ المُنْكِرِينَ إِنْزَالَ كِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى البَشَرِ: مَنِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، لِيَكُونَ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي كَشْفِ الغَوَامِضِ، وَحَلِّ المُشْكِلاَتِ، وَهُدًى يُهْتَدَى بِهِ مِنْ ظُلَمِ الشُّبُهَاتِ؟ وَمُشْرِكُو العَرَبِ يُقِرُّونَ بِأنَّ التَّوْرَاةَ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ مُوسَى، لِذَلِكَ يَكُونُ تَعَالَى قَدْ أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بَأنَّ اللهَ يُنَزِّلُ الوَحْيَ وَالكُتُبَ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهُمْ مِنْ خَلْقِهِ لِحَمْلِ رِسَالاَتِهِ. وَقَدْ أَرْسَلَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ وَفْداً إِلَى المَدِينَةِ يَسْأَلُونَ أَحْبَارَ اليَهُودِ عَمَّا يَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَصِفَتِهِ، فَرَدَّ الأَحْبَارُ عَلَيْهِم: إِنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ عَنْهُ شَيْئاً. وَقَدِ اهْتَدَى اليَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ، وَصَارُوا خَلْقاً آخَرَ مُتَمَسِّكاً بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، حَتَّى اخْتَلَفُوا، وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَاتَّبَعُو أَهْوَاءَهُمْ، وَجَعَلُوا كِتَابَهُمْ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا عِنْدَ الحَاجَةِ، فَكَانَ الحَبْرُ مِنْ أَحْبَارِهِمْ إذَا اسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ لَهُ هَوًى فِي إِظْهَارِ حُكْمِ اللهِ فِيهَا كَتَبَ ذَلِكَ الحُكْمَ فِي قِرْطَاسٍ، وَأَظْهَرَهُ لِلْمُسْتَفْتِي وَخُصُومِهِ. وَكَانُوا يخْفُونَ كَثيراً مِنْ أَحْكَامِ الكِتَابِ وَأَخْبَارِهِ، إِذَا كَانَ لَهُمْ هَوًى فِي ذَلِكَ وَمَصْلَحَةٌ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أنَّ الكِتَابَ كَانَ فِي أَيْدِي الأَحْبَارِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِي العَامَّةِ نُسَخٌ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْفَى اليَهَودُ حُكْمَ رَجْمِ الزَّانِي فِي المَدِينَةِ، وَأَخْفَوْا البِشَارَةَ الوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَكَتَمُوا صِفَتَهُ عَنِ العَامَّةِ، وَصَرَفُوهَا إِلى مَعَانٍ أُخْرَى بِالنِّسْبَةِ لِلْخَاصَّةِ، لِكَيْلاَ يَتْبَعَهُ اليَهُودُ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَتَوَلَّى هُوَ الجَوَابَ عَنْ هَذا السُّؤَالِ إذا سَكَتَ الكُفَّارُ: وَلْيَقُلْ إِنَّ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة هُوَ اللهُ، ثُمَّ عَلَيهِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الضِّلالِ, يَخُوضُونَ وَيَلْعَبُونَ كَالصِّبْيَانِ. مَا قَدَرُوا اللهَ - مَاعَرَفُوا اللهَ وَمَا عَظَّمُوهُ. قَرَاطِيسَ - أوْرَاقاً مَكتُوبَةً مُتَفَرِّقَةً. قُلِ اللهُ - قَلْ أَنْزَلَهُ اللهُ (أَيْ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ). خَوْضِهِمْ - فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ وَالبَاطِلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكلام عن الذين رفضوا وتأبوا عن الإيمان بالله. فيأتي الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يوضح لهم بأنهم لم يعطوا الله حق قدره، ومعنى القدْر معرفة المقدار، وحق قدره سبحانه لا نقدر عليه نحن البشر، لذلك نقدره على قدر طاقتنا أو على قدر ما طلب منا، وكما قال رسول الله: (حديث : سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ). تفسير : والإنسان منا حين يثني على واحد فهذا دليل أنه قد قيّم قدره بقيمة الثناء، وحين نقيّم قدر الله فعلينا أن نعرف أن صفات الكمال كلها فيه وهي لا تتناهى ولا يمكن أن تحصى. ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى أنه تحمَّل عنا صيغة الثناء عليه: كي لا يوقعنا في حرج، فليس لبشر من قُدرة أن يحيط بجمال الله أو بجلاله حتى يثني عليه بما يستحقه، وإن أحاط عبد بذلك - ولن يحيط - فمن أين له العبارة التي تؤدي هذا الثناء؟ ولا يوجد بليغ أو أديب يستطيع أن ينمق العبارات التي تكفي لتقدير هذا الثناء على الله، فأوضح لنا الحق من خلال رسوله: أنا حملت عنكم هذه المسألة حتى تكونوا كلكم سواسية، قال رسول الله: (حديث : سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ). تفسير : وفي كلمة "الحمد لله" وحدها يتساوى الناس جميعاً. ومن رحمته سبحانه أن سوّى بين الناس في معرفة صيغة الثناء عليه. ويأتي الحق هنا بالزاوية التي نفى فيها أنهم ما قدروا الله حق قدره. لماذا ياربَّ لم يقدروك حق قدرك؟ وتأتي الإجابة: {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 91]. أي أنهم أنكروا أن يكون الله قد اختار من بعض خلقه مَن يجعلهم أهلاً لتلقِّي منهجه لإبلاغه إلى خلقه. ويأتي الرد من الحق لرسوله رداً عليهم: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} [الأنعام: 91]. إذن لا بد أن يكون القائلون هذا يؤمنون بأن موسى نُزَّل عليه كتاب لتكون الحُجَّة في موضعها. وكُفار مكة كانوا غير مؤمنين بأي رسول، لكنهم يعلمون أن هناك من هم أهل كتاب، بدليل أنهم قالوا: {أية : لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 157]. ونقول: لو دققت النظر في السورة فقد ينطبق الأمر على واحد مخصوص من الذين غلبتهم الحُجّة. حديث : وفي تاريخ السيرة نجد واحداً من الأحبار كان دائب الخوض في الإسلام، وكان اسمه "مالك بن الصيف" فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحَبْر هو عالم اليهود والمفترض فيه أن يكون من الزهاد فيهم منقطعاً للعلم إلا أنه كان سميناً على الرغم من أن من عادة المنقطعين للعبادة وإلى العلم أنهم لا يأخذون من الزاد إلا ما يقيت، ويقُيم الأود لأنه قد جاء في التوراة: "إن الله يبغض الحبْر السّمين". فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مالك بن الصيف - وهو من أحبار اليهود - يخوض كثيراً في الإسلام قال له: أفي توراتكم: "إن الله يبغض الحَبْر السّمين" فبهت الرجل، وقال: "ما أنزل الله على بشر من شيء" تفسير : يعني ما أنزل الله على بشر من شيء من الذي أنت تقوله، وهكذا نعلم أن مثل هذا القول قد يأتي من أهل كتاب، وحين قال مالك هذه القولة قام عليه رجال من اليهود وقالوا له: كيف تقول: "ما أنزل الله على بشرٍ من شيء" فقال لهم: أغضبني محمد، فرددت على الغضب بباطل. وهنا قال من سمعه من اليهود: إذن أنت لا تصلح أن تكون حبْراً لأنك فضحتنا. وعزلوه، وجاءوا بكعب بن الأشرف وولّوه مكانه. {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]. الكتاب إذن هنا هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى وهو التوراة وقد جعلوه قراطيس، أو جعلوه أوراقاً منفصلة يظهرون منها ما يُريدون، ويخفون منها ما لا يُريدون مثلما فعلوا في مسألة الرّجم كعقاب للزّنا. إذن فقد سبق لهم كتمان ما أنزل الله عليهم، وبيّن الحق ذلك في آيات متعددة: {أية : فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 14] والذي لم ينسوه كَتَموا بعضه وأظهروا بعضه، والذي لم يكتموه حرَّفوا ولووا به ألسنتهم، إذن فهناك نسيان، وكتمان، وتحريف. وليتهم اقتصروا على هذا ووقفوا عنده بل جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا هي من عند الله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 79] ويتابع الحق سبحانه: {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]. فإن كلام الكلام في كُفار مكة فقد جاءهم القرآن بما لم يعلموا لا هم ولا آبائهم؛ لأن الإسلام جاء على فترة من الرسل. وإن كان في أهل الكتاب فهو قول صدق؛ لأنهم لما كتموا أشياء فضح القرآن ما كتموه وما حرفوه. وجاء القرآن فعدل لهم، فكأنهم عُلِّموا الحق، لينسخوا به الباطل الذي غيّروه وحرفوه، وقوله الحق: { قُلِ ٱللَّهُ} أي أن الذي أنزل الكتاب هو الله. وساعة يأتي الحق سبحانه وتعالى بصيغة الاستفهام نعلم أن الاستفهام الحقيقي بالنسبة لله مُحَال، لأنه يعلم كل شيء، وإنما يجيء باستفهام يقال له: "الاستفهام الإنكاري" أو "الاستفهام التقريري" وهو يأتي بهذه الصيغة لأنه يريد جواباً فيه الإقرار من المعاندين، فإن لم يقولوا واحتاروا أو خجلوا أن يقولوا فقل أنت لهم يا محمد: {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]. و"الخوض" هو الدخول في الماء الكثير، الذي لا تستبين العين فيه موضع القدم، وربما نزل في هوّة، ثم استعمل واستعير للخوض في الباطل. والحق سبحانه وتعالى يقول: {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} أي أن هذا لعب منهم ولن يستطيع الصمود أمام الدعوة، فالدعوة سائرة في طريقها، ولن يتمكنوا منها أبداً، فكل الذي يصنعونه هو خوض في باطل ولعب لا جدوى منه ولا صلة له بالجد. ولكن هل معنى هذا أن يتركهم محمد؟ لا؛ لأنه حين يجد آذانا منهم ينبههم ويذكّرهم، ثم بعد أن ينفتح الأمر للإسلام، فالذي يقيم في جزيرة العرب لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف؛ لأن المعجزة جاءت مباشرة بقرآن يعلم الكل إعجازه، وسبحانه قد أنزل التوراة من قبل وأنزل القرآن مباركا، فالحق يقول بعد ذلك: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} معناهُ مَا عَرَفوا الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَلاَ عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمتِهِ.

الأندلسي

تفسير : {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال ابن عباس: حديث : نزلت في مالك بن الصيف اليهودي إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام أتجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين. قال: نعم. قال: فانت الحبر السمينتفسير : . فغضب ثم قال: {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} وأصل القدر معرفة الكمية. يقال: قدر الشىء إذا أحرزه وسبره. قال ابن عطية: معناه ما عظموا الله حق تعظيمه. وانتصب حق قدره على المصدر وهو في الأصل وصف أي قدره الحق ووصف المصدر إذا أضيف إليه انتصب نصب المصدر. والعامل في إذ قدروا من شىء مفعول بانزل. ومن: زائدة تدل على الاستغراق. {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ} الآية، فيها دليل على أن النقض يقدح في صحة الكلام وذلك أنه نقض قولهم: ما أنزل الله، بقوله: قل من أنزل الكتاب، فلو لم يكن النقض دليلاً على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب. والكتاب هنا: التوراة. وانتصب نوراً وهدى على الحال والعامل أنزل أو جاء. {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} أي ذا قراطيس أي أوراقاً وبطائق. {وَتُخْفُونَ كَثِيراً} كإِخفائهم الآيات الدالة على بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام التي أخفوها. وأدرج تعالى تحت الإِلزام توبيخهم وذمهم بسوء حملهم لكتابهم وتحريفهم وإبداء بعض وإخفاء بعض. {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ} ظاهره أنه خطاب لبني إسرائيل مقصود به الامتنان عليهم وعلى آبائهم بأن علموا من دين الله وهدايته ما لم يكونوا به عالمين. {قُلِ ٱللَّهُ} أمره تعالى بالمبادرة إلى الجواب أي قل: الله أنزله فإِنهم لا يدرون أن يناكروك لأن الكتاب الموصوف بالنور والهدى الآتي به من أيد بالمعجزات إنما أنزله الله تعالى. {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} أي في باطلهم الذين يخوضون فيه، ويقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه: إنما أنت لاعب. ويلعبون حال من مفعول ذرهم أو من ضمير خوضهم. وفي خوضهم متعلق بذرهم أو بيلعبون أو حالاً من يلعبون. {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ} الإِشارة إلى القرآن لما قرر إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبارك كثير النفع والفائدة. ولما كان الإِنكار إنما وقع على الإِنزال فقالوا: ما أنزل الله. وقيل: من أنزل الكتاب، كان تقديم وصفه بالإِنزال آكد من وصفه بكونه مباركاً، ولأن ما أنزله الله تعالى فهو مبارك قطعاً فصارت الصفة بكونه مباركاً كأنها صفة مؤكدة إذ تضمنها ما قبلها. {وَلِتُنذِرَ} قرىء: بالتاء. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء: بالياء. والضمير فيه عائد على الكتاب. و{أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} هو على حذف مضاف تقديره أهل أم القرى. وأم القرى: مكة، سميت بذلك لأنها منشأ الدين ولدحو الأرض منها، ولكونها وسط الارض، ولكونها قبلة، وموضع الحج، ومكان أول بيت وضع للناس. {وَمَنْ} معطوف على أهل المحذوف. ولا يجوز حذف من والعطف على أم القرى لأنه يكون عطفاً على المفعول به وحول ملتزم فيه الظرفية فلا يصح عطفه على أم القرى فكان يكون مفعولاً به وهو لا يجوز لإِلتزامه الظرفية. {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} الظاهر أن الضمير في به عائد على الكتاب أي الذين يصدقون بأن لهم حشراً وجزاء يؤمنون بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد. {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} خصّ الصلاة لأنها عماد الدين ومن كان محافظاً عليها كان محافظاً على أخواتها. {وَمَنْ أَظْلَمُ}، الآية نزلت في النضر بن الحارث ومن معه من المستهزئين لأنه عارض القرآن بكلام سخيف لا يذكر لسخفه ويندرج في عموم من افترى مسيلمة والأسود العنسي وكل من افترى على الله كذباً. وتقدم الكلام على: ومن أظلم، وفسروه بأنه استفهام معناه النفي أي لا أحد أظلم. {أَوْ قَالَ} معطوف على صلة من وبدأ أولاً بالعام وهو افتراء الكذب على الله تعالى وهو أعم من أن يكون ذلك الافتراء بادعاء وحي أو غيره، ثم ثانياً بخاص وهو افتراء منسوب إلى وحي من الله تعالى. {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} جملة حالية أي غير موحى إليه لأن من قال أوحي إلي وهو موحى إليه هو صادق، ثم ثالثاً بأخص مما قبله لأن الوحي قد يكون بإنزال القرآن وبغيره. وقصة ابن أبي سرج هي دعواه أنه سينزل قرآناً مثل ما أنزل الله، وقوله: مثل ما أنزل الله، ليس معتقده أن الله أنزل شيئاً، وإنما المعنى مثل ما أنزل الله على زعمكم وإعادة من تدل على تغاير مدلوله لمدلول من المتقدمة فالذي قال: سأنزل غير من افترى. أو قال: أوحى، وإن كان ينطلق عليه ما قبله انطلاق العام على الخاص. وقوله: سأنزل، وعد كاذب وتسميته إنزالاً مجاز وإنما المعنى سأنظم كلاماً يماثل ما ادعيتم أن الله تعالى أنزله. وهذه الآية وإن كان سبب نزولها في مخصوصين فهي شاملة لكل من ادعى مثل دعواهم كطليحة الأسدي، والمختار بن أبي عبيد، وسجاح وغيرهم. وقد ادعى النبوة عالم كثيرون وكان ممن عاصرناه إبراهيم الغازازي الفقير ادعى ذلك بمدينة مالقة وقتله السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر الخزرجي ملك الأندلس بغرناطة وصلبه. {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} الآية، ترى بمعنى: رأيت. وإذ: ظرف معمول له. وجواب لو محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً. والظالمون عام اندرج فيه اليهود والمتنبئة وغيرهم. والظالمون: مبتدأ خبره في غمرات. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} جملة حالية. { بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} أي بالضرب بدليل يضربون وجوههم وادبارهم. {أَخْرِجُوۤاْ} معمول لمحذوف تقديره قائلين أخرجوا أنفسكم وهذه عبارة عن العنف في السياق والإِلحاح والتشديد من غير تنفيس وامهال. {ٱلْيَوْمَ} منصوب بتجزون. {ٱلْهُونِ} الهَوان والعذاب ما عذبوا به من شدة النزع. {بِمَا كُنتُمْ} متعلق بتجزون. {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} نعت لمصدر محذوف تقديره قولاً غير الحق. وعلل جزاء العذاب بالكذب على الله تعالى وباستكبارهم عن آياته أي عن الاعتبار وعن الإِيمان بها.

الجيلاني

تفسير : {وَ} القوم الذين أنكروا بعثتك وكذبوا موعظتك {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عرفوا ظهوره في الآفاق واستقلاقه بالتصرف فيها {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ} لهم تبكيتاً وإلزاماً: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ} أي: التوراة {ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ} من عند ربه وكان {نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} يستنيرون ويستكشفون منه، ويهتدون به إلى توحيد الله مع أنكم {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} وكانت ألواحاً {تُبْدُونَهَا} أي: تظهرون منها ما يصلح لكم ويعين على مدعاكم {وَتُخْفُونَ كَثِيراً} مما لايصلحكم عناداً ومكابرة {وَ} كيف تنكرون إنزاله؛ إذ {عُلِّمْتُمْ} منه {مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ} من الأمور المتعلقة بالظاهر وبالباطن {قُلِ} يا أكمل الرسل في الجواب بعدما بهتوا: {ٱللَّهُ} إذ هو المتعين للجواب ولا شيء غيره {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ} أباطيلهم وأراجيفهم {يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91] يترددون فلا عليك بعد التبليغ والتكبيت. ثم قال سبحانه: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ} جامع لما في الكتب السالفة على أبلغ وجه وآكده مع زيادات شريفة {أَنزَلْنَٰهُ} إليك يا أكمل الرسل {مُبَارَكٌ} كثير الخير والبركة لك ولمن تبعك {مُّصَدِّقُ} للكتاب {ٱلَّذِي} أحكامه {بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتف النازلة من عند الله، وإنما أنزلناه {وَلِتُنذِرَ} به {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} أي: أهل مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: جميع أقطار الأرض؛ إذ دُحيت الأرضْ من تحتها على ما قيل لذلك صار قبلة لجميع أهل الأرض، وفرض حجها وطوافها {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} من أهل الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بالقرآن {وَ} سبب إيمانهم أنه {هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] أي: يراقبون ويداومون على الميل والتوجه نحو الحق بجميع شؤونه وتجلياته، ومن جملتها بل من أجلها: إنزال القرآن البالغ على درجات اليقين في تبيين أحوال النشأة الأولى والأخرى، إذ هو منتخب منهما على وجه يعجز عنه أرباب اللسن من البشر، ومن له أدنى مسكنة من ذوي العقول لا بدَّ أن يؤمن به وبإعجازه إلا من أضله الله وختم على قلبه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن جلال قدرته وكمال عزته وعظمته بقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] والإشارة فيها أن العلم المخلوق لا يحيط بالأوصاف القديمة ولا يدرك القديم إلا بالقدم {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}؛ إذ هم مخلوقون والمخلوق لا يقدر إلا المخلوق، فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير عارف؛ لأنه لم يعرفه حق معرفته ومن عرف الله بآلة قديمة، كما قال بعضهم: "أعرف ربي بربي"، فقد عرف الله وهو عارف، ولكن على قدر استعداده في قبول فيض الربوبية الذي به عرف الله لا على قدر ولا على نهاية ذاته وصفاته {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 91]؛ يعني لو عرفوا الله حق معرفته لعلموا أنه أنزل الكتب وبعث الرسل فمن أراد في معرفة أوصافه فقد ازداد في معرفته، ولما لم يحط أحد بكمال أوصافه ما قدروا الله حق قدره على الحقيقة. ثم قال: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ} [الأنعام: 91]، حجة عليهم يعني من الذي يجئ بكتاب كما جاء به موسى عليه السلام وحاله أن ينور القلوب القاسية بنور الله تعالى ويهديهم بذلك النور إلى الله تعالى ودينه غير الله، فإن الكتاب الذي يجيء به غير الله لا يكون له هذا الحال لا {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} [الأنعام: 91]، أي إنما أنزل الكتاب الذي حاله أن ينور القلوب ويهديها إلى الله لتعلموا به وسيرى الله نوره إلى قلوبكم فجعلتموه {قَرَاطِيسَ} بالكتابة وما تجعلونه في قلوبكم بالتخلق بالأخلاق الكتاب فلا جرم تبدونها إلى صورة قراءتها وروايتها {تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} [الأنعام: 91]، وهو حقائقها الكثيرة التي تتعلق بنور الكتاب وهداه وهو غير متناه {وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ} [الأنعام: 91]، يشير بهذا إلى كمالية مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم وكمالية دينه على الأنبياء عليهم السلام والأديان كلها وذلك أن محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث لتعليم الكتاب والحكمة وتعليم ما لم يعلم غيره من الكتاب والحكمة كقوله تعالى: {أية : وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 151]، والذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: 91]، ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سر بسر وإضمار بإضمارنا المعنى {قُلِ ٱللَّهُ} بشرك عند خلوة عن التفات ما سواه من خلقه {ثُمَّ ذَرْهُمْ} أي الخلق في خوضهم يلعبون أي ليلعبوا بمن خاض فيهم وبلعبهم من خاضوا فيهم ومعهم حتى يقولوا يوم الحسرة وكنا نخوض مع الخائضين فهو الذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة علم الكتاب والحكمة مما لم يعلموهم ولا آباؤهم والله أعلم. ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92]، الآيتين الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 92]، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي أنزلت قبله مستوعباً للتخلق به {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} [الأنعام: 92]، وهي الذرة المودعة في القلب من تحتها {وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]، من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الأنعام: 92]، يعني ما هو توجهه إلى الآخرة الباقية في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، وهو لها فقراً من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92]، يعني على الترقي من صفاتهم وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة معراج المؤمنين {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 93]، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه انشدوا: شعر : إذا انسكبت دموع في خدودٍ تَبَيَّنَ من بكى ممن تباكى تفسير : {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]؛ يعني: والذي نزل نفسه منزلة المحدثين وأهل الإشارة، ولم يلق إلى أسرارهم خصائص الكتاب، ولم تلهم نفوسهم بها {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} [الأنعام: 93]، يشير إلى المتشدقين والمتفيهقين في الكلام الذين يدعون أنهم يتكلمون بمثل ما أنزل الله من الحقائق والأسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين. { وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93]، إشارة إلى أن غاية الظالم هي الافتراء على الله، والذي يظلم نفسه بالافتراء بأن ينزلها منزلة غيرها، ويضع ادعاء الوحي في غير موضعها، يظهر مضرة ظلمته وافترائه عند سكرات الموت وافترائهم عند انقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس من القالب كرهاً لتعلقها بشهوات الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذات الحقائق الغيبية والشهوات الأخروية؛ إذ الملائكة يبسطون أيديهم بالقهر إليهم لنزع أنفسهم بالهوان والشدة وهي متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب الرئاسة بأصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها، كما قال: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]؛ يعني: آياته المودعة في أنفسكم تعرضون عنها وتراؤون بما ليس لكم، ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام وتعلقها عن أوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين، ولعله إلى الحشر والكفار إلى الأبد وهم في عذاب النزع بالشدة أبداً وهو العذاب الأليم والعذاب الشديد، ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جيداً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تشنيع على من نفى الرسالة، [من اليهود والمشركين] وزعم أن الله ما أنزل على بشر من شيء، فمن قال هذا، فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا لا يأمرهم ولا ينهاهم، ونفي لأعظم منة، امتن الله بها على عباده، وهي الرسالة، التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة، والكرامة، والفلاح، إلا بها، فأي قدح في الله أعظم من هذا؟!! { قُلْ } لهم -ملزما بفساد قولهم، وقرِّرْهم، بما به يقرون-: { مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى } وهو التوراة العظيمة { نُورًا } في ظلمات الجهل { وَهُدًى } من الضلالة، وهاديا إلى الصراط المستقيم علما وعملا وهو الكتاب الذي شاع وذاع، وملأ ذكره القلوب والأسماع. حتى أنهم جعلوا يتناسخونه في القراطيس، ويتصرفون فيه بما شاءوا، فما وافق أهواءهم منه، أبدوه وأظهروه، وما خالف ذلك، أخفوه وكتموه، وذلك كثير. { وَعُلِّمْتُمْ } من العلوم التي بسبب ذلك الكتاب الجليل { مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ } فإذا سألتهم عمن أنزل هذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات، فأجب عن هذا السؤال. و { قل الله } الذي أنزله، فحينئذ يتضح الحق وينجلي مثل الشمس، وتقوم عليهم الحجة، ثم إذا ألزمتهم بهذا الإلزام { ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } أي: اتركهم يخوضوا في الباطل، ويلعبوا بما لا فائدة فيه، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.