Verse. 881 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَہٰذَا كِتٰبٌ اَنْزَلْنٰہُ مُبٰرَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِيْ بَيْنَ يَدَيْہِ وَلِتُنْذِرَ اُمَّ الْقُرٰي وَمَنْ حَوْلَہَا۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْاٰخِرَۃِ يُؤْمِنُوْنَ بِہٖ وَہُمْ عَلٰي صَلَاتِہِمْ يُحَافِظُوْنَ۝۹۲
Wahatha kitabun anzalnahu mubarakun musaddiqu allathee bayna yadayhi walitunthira omma alqura waman hawlaha waallatheena yuminoona bialakhirati yuminoona bihi wahum AAala salatihim yuhafithoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهذا» القرآن «كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه» قبله من الكتب «ولتنذر» بالتاء والياء عطف على معنى ما قبله أي أنزلناه للبركة والتصديق ولتنذر به «أم القرى ومن حولها» أي أهل مكة وسائر الناس «والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون» خوفا من عقابها.

92

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أبطل بالدليل قول من قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، ذكر بعده أن القرآن كتاب الله، أنزله الله تعالى على محمد عليه الصلاة والسلام. واعلم أن قوله: {وَهَـٰذَا } إشارة إلى القرآن وأخبر عنه بأنه كتاب وتفسير الكتاب قد تقدم في أول سورة البقرة ثم وصفه بصفات كثيرة. الصفة الأولى: قوله: {أَنزَلْنَـٰهُ } والمقصود أن يعلم أنه من عند الله تعالى لا من عند الرسول لأنه لا يبعد أن يخص الله محمداً عليه الصلاة والسلام بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب ألفاظ القرآن على هذه الصفة من الفصاحة فبين تعالى أنه ليس الأمر على هذه الصفة، وأنه تعالى هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام. الصفة الثانية: قوله تعالى: {مُّبَارَكٌ} قال أهل المعاني كتاب مبارك أي كثير خيره دائم بركته ومنفعته، يبشر بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية، وأقول: العلوم إما نظرية، وإما عملية أما العلوم النظرية، فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب وأما العلوم العملية، فالمطلوب، إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب، ثم قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة. يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي: وأنا قد نقلت أنواعاً من العلوم النقلية والعقلية، فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم. الصفة الثالثة: قوله: {مُّصَدّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } فالمراد كونه مصدقاً لما قبله من الكتب والأمر في الحقيقة كذلك، لأن الموجود في سائر الكتب الإلهية إما علم الأصول، وإما علم الفروع. أما علوم الأصول: فيمتنع وقوع التفاوت فيه بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة، فوجب القطع بأن المذكور في القرآن موافق ومطابق لما في التوراة والزبور والإنجيل وسائر الكتب الإلهية. وأما علم الفروع: فقد كانت الكتب الإلهية المتقدمة على القرآن مشتملة على البشارة بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل في تلك الكتب أن التكاليف الموجودة فيها، إنما تبقى إلى وقت ظهور محمد عليه الصلاة والسلام، وأما بعد ظهور شرعه فإنها تصير منسوخة، فثبت أن تلك الكتب دلت على ثبوت تلك الأحكام على هذا الوجه، والقرآن مطابق لهذا المعنى وموافق، فثبت كون القرآن مصدقاً لكل الكتب الإلهية في جملة علم الأصول والفروع. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} وههنا أبحاث: البحث الأول: اتفقوا على أن ههنا محذوفاً، والتقدير: ولتنذر أهل أم القرى. واتفقوا على أن أم القرى هي مكة، واختلفوا في السبب الذي لأجله سميت مكة بهذا الاسم. فقال ابن عباس: سميت بذلك، لأن الأرضين دحيت من تحتها ومن حولها، وقال أبو بكر الأصم: سميت بذلك لأنها قبل أهل الدنيا، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقرى تابعة لها، وأيضاً من أصول عبادات أهل الدنيا الحج، وهو إنما يحصل في تلك البلدة، فلهذا السبب يجتمع الخلق إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم، وأيضاً فلما كان أهل الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحج، لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد، ولا شك أن الكسب والتجارة من أصول المعيشة، فلهذا السبب سميت مكة أم القرى. وقيل: إنما سميت مكة أم القرى لأن الكعبة أول بيت وضع للناس، وقيل أيضاً: إن مكة أول بلدة سكنت في الأرض. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} دخل فيه سائر البلدان والقرى. والبحث الثاني: زعمت طائفة من اليهود أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى العرب فقط. واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية وقالوا إنه تعالى بين أنه إنما أنزل عليه هذا القرآن ليبلغه إلى أهل مكة وإلى القرى المحيطة بها، والمراد منها جزيرة العرب، ولو كان مبعوثاً إلى كل العالمين لكان التقييد بقوله: {لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} باطلاً. والجواب: أن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على انتفاء الحكم فيما سواها إلا بدلالة المفهوم وهي ضعيفة، لا سيما وقد ثبت بالتواتر الظاهر، المقطوع به من دين محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان يدَّعي كونه رسولاً إلى كل العالمين، وأيضاً قوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا } يتناول جميع البلاد والقرى المحيطة بها، وبهذا التقدير: فيدخل فيه جمع بلاد العالم، والله أعلم. البحث الثالث: قرأ عاصم في رواية أبي بكر {لّيُنذِرَ } بالياء جعل الكتاب هو المنذر، لأن فيه إنذاراً، ألا ترى أنه قال: {لينذروا به} أي بالكتاب، وقال: {وَأَنذِرْ بِهِ } وقال: {إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ } فلا يمتنع إسناد الإنذار إليه على سبيل الاتساع، وأما الباقون: فإنهم قرؤا {وَلِتُنذِرَ } بالتاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو. قال تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } وقال: {وَأَنذِرِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ }. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ } وظاهر هذا يقتضي أن الإيمان بالآخرة جار مجرى السبب للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. والعلماء ذكروا في تقرير هذه السببية وجوهاً: الأول: أن الذي يؤمن بالآخرة هو الذي يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب، ومن كان كذلك فإنه يعظم رغبته في تحصيل الثواب، ورهبته عن حلول العقاب، ويبالغ في النظر والتأمل في دلائل التوحيد والنبوة، فيصل إلى العلم والإيمان. والثاني: أن دين محمد عليه الصلاة والسلام مبني على الإيمان بالبعث والقيامة، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين، والثالث: يحتمل أن يكون المراد من هذا الكلام التنبيه على إخراج أهل مكة من قبول هذا الدين، لأن الحامل على تحمل مشقة النظر والاستدلال، وترك رياسة الدنيا، وترك الحقد والحسد ليس إلا الرغبة في الثواب، والرهبة عن العقاب. وكفار مكة لما لم يعتقدوا في البعث والقيامة، امتنع منهم ترك الحسد وترك الرياسة، فلا جرم يبعد قبولهم لهذا الدين واعترافهم بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام. ثم قال: {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } والمراد أن الإيمان بالآخرة كما يحمل الرجل على الإيمان بالنبوة، فكذلك يحمله على المحافظة على الصلوات، وليس لقائل أن يقول: الإيمان بالآخرة يحمل على كل الطاعات، فما الفائدة في تخصيص الصلاة بالذكر؟ لأنا نقول: المقصود منه التنبيه على أن الصلاة أشرف العبادات بعد الإيمان بالله وأعظمها خطراً، ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» تفسير : فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ} يعني القرآن {أَنزَلْنَاهُ} صفة {مُبَارَكٌ} أي بُورك فيه، والبركة الزيادة. ويجوز نصبه في غير القرآن على الحال. وكذا {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب المنزلة قبله، فإنه يوافقها في نفي الشرك وإثبات التوحيد. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} يريد مكة ـ وقد تقدّم معنى تسميتها بذلك ـ والمراد أهلها، فحذف المضاف؛ أي أنزلناه للبركة والإنذار. {وَمَنْ حَوْلَهَا} يعني جميع الآفاق. {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يريد أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ بدليل قوله: {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} وإيمان من آمن بالآخرة ولم يؤمن بالنبيّ عليه السلام ولا بكتابه غير معتدٍّ به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهَٰذَا } القرآن {كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } قبله من الكتب {وَلِتُنذِرَ } بالتاء والياء عطف على معنى ما قبله أي أنزلناه للبركة والتصديق ولتنذر به {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي أهل مكة وسائر الناس {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلاْخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَٰفِظُونَ } خوفاً من عقابها.

ابن عطية

تفسير : قوله {هذا} إشارة إلى القرآن، و {مبارك} صفة له، و {مصدق} كذلك, وحذف التنوين من {مصدق} للإضافة وهي إضافة غير محضة لم يتعرف بها مصدق ولذلك ساغ أن يكون وصفاً لنكرة، و {الذي} في موضع المفعول، والعامل فيه مصدر، ولا يصلح أن يكون {مصدق} مع حذف التنوين منه يتسلط على {الذي} ، ويقدر حذف التنوين للالتقاء وإنما جاء ذلك شاذاً في الشعر في قوله: [المتقارب] شعر : فألْفَيْتُهُ غيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذَاكِر الله إلاَّ قَليلا تفسير : ولا يقاس عليه، و {بين يديه} هي حال التوراة والإنجيل لأن ما تقدم فهو بين يدي ما تأخر، وقالت فرقة {الذي بين يديه} القيامة. قال القاضي أو محمد رضي الله عنه: وهذا غير صحيح لأن القرآن هو بين يدي القيامة، وقرأ الجمهور "ولتنذر أم القرى" أي أنت يا محمد، وقرأ أبو بكر عن عاصم "ولينذر" أي القرآن بمواعظه وأوامره، واللام في {لتنذر} متعلقة بفعل متأخر تقديره ولتنذر أم القرى أو من حولها أنزلناه، و {أم القرى} مكة سميت بذلك لوجوه أربعة، منها أنها منشأ الدين والشرع ومنها ما روي أن الأرض منها دحية ومنها أنها وسط الأرض وكالنقطة للقرى، ومنه ما لحق عن الشرع من أنها قبلة كل قرية فهي لهذا كله أم وسائر القرى بنات، وتقدير الآية لتنذر أهل أم القرى، {ومن حولها} يريد أهل سائر الأرض، و {حولها} ظرف العامل فيه فعل مضمر تقديره من استقر حولها، ثم ابتدأ تبارك وتعالى بمدح وصفهم وأخبر عنهم أنهم يؤمنون بالآخرة والبعث والنشور، و {يؤمنون} بالقرآن ويصدقون بحقيقته، ثم قوى عز وجل مدحهم بأنهم "يحافظون على صلاتهم" التي هي قاعدة العبادات وأم الطاعات، وقرأت الحسن بن أبي الحسن وأبو بكر عن عاصم "صلواتهم" بالجمع، ومن قرأ بالإفراد فإنه مفرد يدل على الجميع وإذا انضافت الصلاة إلى ضمير لم تكتب إلا بالألف ولا تكتب في المصحف بواو إلا إذا لم تنضف إلى ضمير.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب، أو من البعث. {أُمَّ الْقُرَى} أهل أم القرى ـ مكةـ لاجتماع الناس إليها كاجتماع الأولاد إلى الأم، أو لانها أول بيت وضع فكأن القوى نشأت عنها، أو لأنها معظمة كالأم قاله الزجاج. {وَمَنْ حَوْلَهَا} أهل الأرض كلها قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالكتاب، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن لا يؤمن به من أهل الكتاب فلا يعتد بإيمانه بالآخرة.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} يعني: وهذا القرآن كتاب أنزلناه من عندنا عليك يا محمد كثير الخير والبركة دائم النفع يبشر المؤمنين بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية. وأصل البركة: النماء والزيادة وثبوت الخير {مصدق الذي بين يديه} يعني من الكتب الإلهية المنزلة من السماء على الأنبياء يعني أنه موافق لما في التوراة والإنجيل وسائر الكتب، لأنها اشتملت جميعها على التوحيد والتنزيه لله من كل عيب ونقيصه وتدل على البشارة والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقاً لجميع الكتب المنزلة {ولتنذر} قرئ بالتاء يعني ولتنذر يا محمد وبالياء ومعناه ولينذر الكتاب {أم القرى} يعني مكة وفيه حذف تقديره ولتنذر أهل القرى وسميت مكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها. قاله ابن عباس: وقيل: لأنها أقدم القرى وأعظمها بركة. وقيل: لأنها قبلة أهل الأرض {ومن حولها} يعني جميع البلاد والقرى التي حولها شرقاً وغرباً {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} يعني: والذين يصدقون بقيام الساعة وبالمعاد والبعث بعد الموت يصدقون بها الكتاب وأنه منزل من عند الله عز وجل وقيل ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك أن الذي يؤمن بالآخرة يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ومن كان كذلك فإنه يرغب في تحصيل الثواب ورد العقاب عنه وذلك لا يحصل إلا بالنظر التام فإذا نظر وتفكر علم بالضرورة أن دين محمد أشرف الأديان وشريعته أعظم الشرائع {وهم على صلواتهم يحافظون} يعني يداومون عليها في أوقاتها. والمعنى: أن الإيمان بالآخرة يحمل على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك يحمل على المحافظة على الصلاة، وفائدة تخصيص الصلاة بالذكر دون سائر العبادات، التنبيه على أنها أشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، فإذا حافظ العبد عليها يكون محافظاً على جميع العبادات والطاعات قوله عز وجل: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني ومن أعظم خطأ وأجهل فعلاً ممن اختلق على الله كذباً فزعم أن الله بعثه نبياً وهو في زعمه كذاب مبطل {أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء} قال قتادة: حديث : نزلت هذه الآية في مسيلمة الكذاب بن ثمامة. وقيل مسيلمة بن حبيب من بني حنيفة وكان صاحب نيرجات وكهانة وسجع ادعى النبوة باليمن وزعم أن الله أوحى إليه وكان قد أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولين: فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشهدان أن مسيلمة نبي؟" قالا: نعم. فقال لهما: النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" تفسير : (ق). عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا عليّ وأهماني فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة"تفسير : وفي لفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت في المنام كأن في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، يقال لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب صنعاء"تفسير : قوله فأوحى إليّ أن أنفخهما يروى بالخاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من نفخت الدابة برجلها إذا دفعت ورمحت ويروى بالخاء المعجمة من النفخ يريد أنه نفخهما فطارا عنه وهو قريب من الأول فأما مسيلمة الكذاب فإنه ادعى النبوة باليمامة من اليمن وتبعه قوم من بني حنيفة وكان صاحب نيرجات فاغترّ قومه بذلك وقتل مسيلمة الكذاب في زمن خلافة أبي بكر الصديق قتله وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس يعني حمزة وقتلت شر الناس يعني مسيلمة وأما الأسود العنسي بالنون فهو عبهلة بن كعب وكان يقال له ذو الحمار ادعى النبوة باليمن في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقتل والنبي صلى الله عليه وسلم حي لم يمت وذلك قبل موته بيومين وأخبر أصحابه بقتله وقتله فيروز الديلمي فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاز فيروز يعني بقتلة الأسود العنسي فمن قال إن هذه الآية يعني قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء} انزلت في مسيلمة الكذاب والأسود العنسي يقول: إن هذه الآية مدنية نزلت بالمدينة وهو قول لبعض علماء التفسير تقدم ذكره في أول السورة ومن قال إن هذه الآية مكية وقال: إنها نزلت في شأنهما يقول إنها خبر عن غيب قد ظهر ذلك فيما بعد والله أعلم. وقوله تعالى: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال السدي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح القرشي وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه سميعاً بصيراً كتب عليماً حكيماً وإذا أملى عليه عليماً حكيماً كتب غفوراً رحيماً فلما نزلت {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}تفسير : [المؤمنون: 12] أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبها فهكذا نزلت فشك عبد الله بن أبي سرح وقال: لئن كان محمد صادقاً فقد أوحي إلي مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ثم رجع عبد الله بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة والنبي صلى الله عليه وسلم نازل بمر الظهران وقال ابن عباس نزل قوله ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله في المستهزئين وهو جواب لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا. قال العلماء: وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذباً في ذلك الزمان وبعده لأنه لا يمنع خصوص السبب من عموم الحكم: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} يعني ولو ترى يا محمد حال هؤلاء الظالمين إذ أنزل بهم الموت لرأيت أمراً عظيماً وغمراته شدائده وسكراته وغمرة كل شيء معظمه وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ثم وضعت في موضع الشدائد والمكاره {والملائكة باسطو أيديهم} يعني بالعذاب يضربون وجوههم وأدبارهم وقيل: باسطو أيديهم لقبض أرواحهم {أخرجوا أنفسكم} يعني يقولون لهم أخرجوا أنفسكم. فإن قلت: إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه فما فائدة هذا الكلام. قلت: معناه يقولون لهم أخرجوا أنفسكم كرهاً لأن المؤمن يحب لقاء الله بخلاف الكافر وقيل معناه يقولون لهم خلصوا أنفسكم من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك فيكون هذا القول توبيخاً لهم لأنهم لا يقدرون على خلاص أنفسهم من العذاب في ذلك الوقت {اليوم تجزون عذاب الهون} يعني الهوان {بما كنتم تقولون على الله غير الحق} يعني ذلك العذاب الذي تجزونه بسبب ما كنتم تقولون على الله غير الحق {وكنتم عن آياتنا تستكبرون} يعني وبسبب ما كنتم تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه.

ابن عادل

تفسير : قوله: "هذا" إشارة إلى القرآن, أي: القرآن كتاب مبارك "أنزلناه مصدق الذي بين يديه". وفيه دليل على تَقْدِيمِ الصِّفةِ غير الصريحة على الصريحة، وأجيب عنه بأن "مُبَارَكٌ" خبر مبتدأ مضمر, وقد تقدم تحقيق هذا في قوله {أية : بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} تفسير : [المائدة:54]. وقال الواحدي: "مبارك": خبر الابتداء فصل بينهما بالجملة، والتقدير: هذا [كتاب] مبارك أنزلناه، كقوله: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاه} تفسير : [الأنبياء:50]. قال شهاب الدين: وهذا الذي ذكره لا يَتَمَشَّى إلا على أن قوله: "مبِارك" خبر ثانٍ لـ "هذا" وهذا بعيد جداً وإذا سلّم له ذلك، فيكون "أنزلناه" عنده اعتراضاً على ظاهر عبارته، ولكن لا يحتاج إلى ذلك، بل يجعل "أنزلناه" صفة لـ "كتاب" ولا محذور حينئذ على هذا التقدير، وفي الجملة فالوَجْهُ ما تقدَّمَ فيه من الإعراب. وقدَّم وَصْفَهُ بالإنزال على وَصْفِهِ بالبركة، بخلاف قوله تعالى: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاه} تفسير : [الأنبياء:50] قالوا [لأن الأهم] هنا وَصْفُهُ بالإنزال إذا جاء عقيب إنكارهم أن يُنْزِلَ الله على بَشَرٍ شيء، بخلاف هناك، ووقعت الصفة الأولى جُمْلَةً فعلية؛ لأن الإنزال يَتَجَدَّدُ وقْتاً فوقْتاً والثانية اسماً صريحاً؛ لأن الاسم يَدُلُّ على الثبوت والاسْتِقْرارِ، وهو مقصود هنا أي: [بركته] ثابتةٌ مستقرة. قال القرطبي رحمه الله: "ويجوز نصب "مبارك" في غير القرآن العظيم على الحال، وكذا: مصدق الذي بين يديه". فصل في المقصود بالإنزال قوله: "أنزلناه" المقصود أن يُعْلم أنه من عند الله لا من عند الرسول، وقوله تعالى: "مبارك" قال أهل المعاني أي: كثير خيره دائم منفعته يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية. قوله: "مُصَدّق" صِفَةٌ أيضاً، أو خبر بعد خبر على القول بأن "مبارك" خبر لمبتدأ مضمر وقع صِفَةً لنكرة؛ لأنه في نِيَّةِ الانفصال، كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف:24] وكقول القائل في ذلك: [البسيط] شعر : 2232- يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كَانَ يَعْرِفُكُمْ ......................... تفسير : وقال مكي: "مُصَدّق الذي" نعت لـ "الكتاب" على حذف التنوين لالتقاء الساكنين و "الذي" في موضع نصب وإن لم يقدر حذف التنوين كان "مصدق" خبراً و "الذي" في موضع خفض، وهذا الذي قاله غَلَطٌ فاحش؛ لأن حَذْفَ التنوين إنما هو الإضافة اللفظية، وإن كان اسم الفاعل في نِيَّةِ الانفصال، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين إنما كان في ضرورة أو نُدُورٍ؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 2233- .......................... وَلاَ ذَاكِرِ اللَّه إلاَّ قَلِيلا تفسير : والنحويون كلهم يقولون في "هذا ضارب الرجل": إن حَذْفَ التنوين للإضافة تَخْفِيفاً؛ ولا يقول أحد منهم في مثل هذا: إنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين. فصل في معنى التصديق في الآية معنى كونه "مصدقاً لما قبله" من الكتب المنزلة قبله أنها [توافقنا في نفي الشرك وإثبات التوحيد]. قوله: "ولتنذر" قرأ الجمهور بتاء الخطاب للرَّسول عليه الصلاة والسلام، وأبو بكر عن عاصم بياء الغَيْبَةِ، والضمير للقرآن الكريم، وهو ظاهر أي: ينذر بمَواعِظِهِ وَزَواجِرِهِ ويجوز أن يعود على الرسول - عليه الصلاة والسلام - للعلم به. وهذه " اللام" فيها وجهان: أحدهما: هي متعلّقة بـ "أنزلنا" عطف على مُقدَّرٍ قدَّرهُ أبو البقاء: "ليؤمنوا ولتنذر"، وقدَّرهَا الزمخشري، فقال: "ولتنذرَ معطوف على ما دَلَّ عليه صفة الكتاب، كما قيل: أنزلناه للبركات وليصدق ما تقدَّمَهُ من الكتب والإنذار. والثاني: أنها متعلِّقة بمحذوف متأخّر، أي ولتنذر أنزلناه. قوله: "أمّ القُرَى" يجوز أن يكون من باب الحَذْفِ، أي: أهل أم القُرَى، وأن يكون من باب المَجَازِ أطلق لِلْحَمْلِ إلى المحلِّ على الحال، وإنهما أولى أعني المجاز والضمير في المسألة ثلاثة أقوال، تقدم بَيَانُهَا، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82] وهناك وَجْهٌ لا يمكن هنا، وهو أنه يمكن أن يكون السؤال للقرية حَقِيقَةً، ويكون ذلك مُعْجِزَةً للنبي، وهنا لا يتأتى ذلك وإن كانت القرية أيضاً نفسها هنا تَتَكلَّمُ إلا أن الإنْذارَ لا يقعُ لعدَمِ فائدته. وقوله: "ومَنْ حَوْلَهَا" عطف على "أهل" المحذوف، أي: ولتنذر مَنْ حول أمِّ القرى، ولا يجوز أن يعطف على "أم القرى"، إذ يلزم أن يكون معنى "ولتنذر" أهل من حولها ولا حَاجَةَ تدعو إلى ذلك؛ لأن "من حولها" يقبلون الإنذار. قال أبو حيان: ولم يحذف "من"، فيعطف حول على "أم القرى"، وإنّه لا يصح من حيث المعنى؛ لأن "حول" ظَرْفٌ لا ينصرف، فلو عطف على "أم القرى" لصار مفعولاً به لعطفه على المفعول به، وذلك لا يجوز؛ لأن العرب لا تستعمله إلاَّ ظرفاً. فصل في تسمية "مكة" اتفقوا على أن أم القرى "مكّة" سميت بذلك؛ قال ابن عباس: لأن الأرضين دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل [النسل. قال الأصم: سميت بذلك؛ لأنها قِبْلَةُ أهل الدنيا، فصارت هي كالأصل] وسائر البلاد والقرى تابعة. وأيضاً من أصول عبادات أهل الدنيا الحَجُّ وهو إنما يكون في هذه البَلْدَةِ، فلهذا السبب يجتمع الخَلْقُ إليها، كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وأيضاً فلما كان أهْلُ الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحجِّ لا جَرَمَ يحصل هناك أنواعٌ من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد، ولا شكَّ أن الكَسْبَ والتجارة من أصول المنافع، فلهذا السبب سميت "مكة" بأم القرى. وقيل: "مكة" المشرفة أوَّلُ بلدة سُكِنَتْ في الأرض. قوله: "من حولها" يدخل في سائر البلدان والقُرَى. قال المفسرون: المراد أهل الأرض شَرْقاً وغرباً. قوله: "والذين يؤمنون بالآخرة" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره "يؤمنون" ولم يتّحد المبتدأ ولاخبر لِتَغَايُرِ متعلقيهما، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ، وإلا فيمتنع أن تقول: "الذي يقوم يقوم"، و "الذين يؤمنون يؤمنون"، وعلى هذا فذكر الفضلة هنا واجب، ولم يتعرَّضِ النحويون لذلك، ولكن تعرضوا لِنَظَائِرِهِ. والثاني: أنه مَنْصُوبٌ عَطْفاً على "أم القرى" أي: لينذر الذين أمنوا، فيكون "يؤمنون" حالاً من الموصول، وليست حالاً مؤكدة؛ لما تقدم من تَسْويغ وقوعه خبراً، وهو اختلاف المُتَعَلّق، و "الهاء" في "به" تعود على القرآن، أو على الرسول. فصل في معنى الآية ذكر العلماء في [معنى] قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: الذي يؤمن بالآخرة، وهو الذي يؤمن بالوَعْدِ والوعيد، والثواب والعقاب، ومن كان كذلك فإنه تعظم رغبته في تَحْصيلِ الثواب، ورَهْبَتُهُ عن حُلُولِ العقاب، ويبالغ في النظر في دلائل التوحيد والنبوة، فيصل إلى العلم والإيمان. وقال بعضهم: إن دين محمد عليه الصلاة والسلام [مبني على الإيمان بالبعث والقيامة، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين]. قوله: {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} حال، وقدّم "على صلاتهم" لأجْلِ الفاصلة، وذكر أبو علي في "الروضة"، أنَّ أبا بكر قرأ "على صَلَواتِهِمْ" جمعاً والمراد بالمُحَافَظَةُ على الصلوات الخمس. فإن قيل: الإيمان بالآخرة يحمل كُلِّ الطاعات، فما الفائدة في تخصيص الصَّلاةِ؟ فالجواب: أن المَقْصُودَ التَّنْبيه على أن الصَّلاة أشْرَفُ العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شَيءٍ من العبادات الظاهرة، إلاَّ على الصلاة، كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} تفسير : [البقرة:143] أي: صلاتكم، ولم يقع اسم الكُفْرِ على شيء من المَعَاصِي إلاَّ على تَرْكَ الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ تَرَكَ الصَّلاة مُتَعَمِّداً فَقَدْ كَفَرَ ". تفسير : فما اخْتُصَّت الصلاة بهذا النوع من التشريف خصها الله - تبارك وتعالى - بالذِّكْرِ هاهنا.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت سبحانه أنه الذي أنزل التوراة والإنجيل تكميلاً لإثبات الرسالة بدليل علم اليهود دون من لا كتاب لهم، عطف على ذلك قوله تأكيداً لإثباتها وتقريراً: {وهذا} أي القرآن الذي هو حاضر الآن في جميع الأذهان {كتاب} أي جامع لخيري الدارين، وكان السياق لأن يقال: أنزل الله، ولكنه أتى بنون العظمة، لأنها أدل على تعظيمه فقال: {أنزلناه} أي وليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه، وإنما هو بإنزالنا إياه إليه وإرسالنا له به {مبارك} أي كثير الخير ثابت الأمر، لا يقدر أحد من الخلق على إنكاره لإعجازه، لتعلم أهل الكتاب خصوصاً حقيقته بتصديقه لكتابهم لأنه {مصدق الذي بين يديه} أي كله من كتبهم وغيرها، فيكون أجدر لإيمانهم به، وتعلم جميع أهل الأرض عموماً ذلك بذلك وبإعجازه {ولتنذر} أي به {أم القرى} أي مكة لأنها أعظم المدن بما لها من الفضائل {ومن حولها} ممن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يؤمن به من أهل الأرض كلها من جميع البلدان والقرى، لأنها أم الكل، وهم في ضلالتهم مفرطون {والذين يؤمنون بالآخرة} أي فيهم قابلية الإيمان بها على ما هي عليه، من أهل أم القرى ومن حولها بكل خير ينشرون {يؤمنون به} أي بالكتاب بالفعل لأن الإيمان بها داع إلى كل خير بالخوف والرجاء، والكفر بها حامل على كل بشر. ولما تكرر وصف المنافقين بالتكاسل عن الصلاة جعل المحافظة عليها علماً على الإيمان فقال: {وهم على صلاتهم يحافظون *} أي يحفظونها غاية الحفظ، فالآية من عجيب فن الاحتباك: ذكر الإندار والأم أولاً دالاً على حذفهما ثانياً، وإثبات الإيمان والصلاة ثانياً دليل على نفيهما أولاً. ولما كان في قولهم "ما أنزل الله على بشر من شيء" صريح الكذب وتضمن تكذيبه - وحاشاه صلى الله عليه وسلم! أما من اليهود فبالفعل، وأما من قريش فبالرضى، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في القرآن؛ قال تعالى مهولاً لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي، عاطفاً على مقول "قل من أنزل" مبطلاً للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة وإثباتها إثباتاً لا مرية فيه، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ وكذب مدعيه: {ومن أظلم ممن افترى} أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش {على الله كذباً} أي أيّ كذب كان، فضلاً عن إنكار الإنزال على البشر {أو قال أوحي إليّ ولم} أي والحال أنه لم {يوح إليه شيء} فهذا تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما، ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود للسموأل بن يحيى المغربي الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة، ثم هداه الله للإسلام، وكانت له يد طولى في الحساب والهندسة والطب وغير ذلك من العلوم، فأظهر بعد إسلامه فضائحَهم أن الربانيين منهم زعموا أن الله كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات، ثم قال بعد أن قسمهم إلى قرّائين وربانيين: إن الربانيين أكثرهم عدداً، وقال: وهم الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة بالصواب، قال: وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم {ومن قال سأنزل} أي بوعد لا خلف فيه {مثل ما أنزل الله} كالنضر بن الحارث ونحوه. ولما كان الجواب قطعاُ في كل منصف: لا أحد أظلم منه، بل هم أظلم الظالمين، كان كأنه قيل: فلو رأيتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل على وجوههم، وجهنم تكاد تتميز عليهم غيظاً، وهم قد هدّهم الندم والحسرة، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمراً يهول منظره، فكيف يكون مذاقه ومخبره! فعطف عليه ما هو أقرب منه، فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزاً بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك: {ولو ترى} أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك {إذ الظالمون} أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه! واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولاً أولياً {في غمرات الموت} أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر البحر الخضم من يغرق فيه، فهو يرفعه ويخفضه ويبتلعه ويلفظه، لا بد له منه {والملائكة} أي الذين طلبوا جهلاً منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم، وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور {باسطوا أيديهم} أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلّها وافية من أشباحهم كما يسل السفود المشعب من الحديد من الصوف المشتبك المبلول، لا يعسر عليهم تمييزها من الجسد، ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه، قائلين ترويعاً لهم وتصويراً للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم {أخرجوا أنفسكم} فكأنهم قالوا: لماذا يا رسل ربنا؟ فقالوا: {اليوم} أي هذه الساعة، وكأنهم عبروا به لتصوير طول العذاب {تجزون عذاب الهون} أي العذاب الجامع بين الإيلام العظيم والهوان الشديد والخزي المديد بالنزع وسكرات الموت وما بعده في البرزخ - إلى ما لا نهاية له {بما كنتم تقولون} أي تجددون القول دائماً {على الله} أي الذي له جميع العظمة {غير الحق} أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات الثبات، ولو قال بدله: باطلاً، لم يؤد هذا المعنى، ولو قال: الباطل، لقصر عن المعنى أكثر، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا، وإذا نظرت إلى أن السياق لأصول الدين ازداد المراد وضوحاً {وكنتم} أي وبما كنتم {عن آياته تستكبرون *} أي تطلبون الكبر للمجاوزة عنها، ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبراً عن الكل، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمراً فظيعاً وحالاً هائلاً شنيعاً، وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} قال: هو القرآن الذي أنزله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {مصدق الذي بين يديه} أي من الكتب التي قد خلت قبله. وأخرج أبن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {ولتنذر أم القرى} قال: مكة ومن حولها. قال: يعني ما حولها من القرى إلى المشرق والمغرب . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار قالا: بعث الله رياحاً فشققت الماء فأبرزت موضع البيت على حشفة بيضاء، فمد الله الأرض منها، فذلك هي أم القرى . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {أم القرى} قال: مكة، وإنما سميت أم القرى لأنها أول بيت وضع بها . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله {ولتنذر أم القرى} قال: هي مكة. قال: وبلغني أن الأرض دحيت من مكة . وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم "حديث : أم القرى مكة " .

ابو السعود

تفسير : {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} تحقيقٌ لنزول القرآن الكريم بعد إنزال ما بَشَّر به من التوراة، وتكذيبٌ لهم في كلمتهم الشنعاءِ إثرَ تكذيبٍ {مُّبَارَكٌ} أي كثيرُ الفوائد وجمُّ المنافع {مُّصَدّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة لنزوله حسبما وُصِف فيها أو الكتُبِ التي قبله فإنه مصدِّقٌ للكل في إثبات التوحيد والأمرِ به ونفي الشرْك والنهي عنه وفي سائر أصولِ الشرائعِ التي لا تُنسخ {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} عطفٌ على ما دل عليه (مبارك) أي للبركات ولإنذارك أهلَ مكةَ وإنما ذُكرت باسمها المُنبىءِ عن كونها أعظمَ القرى شأناً وقِبْلةً لأهلها قاطبةً إيذاناً بأن إنذارَ أهلِها أصلٌ مستتبِعٌ لإنذار أهلِ الأرضِ كافةً، وقرىء (لينذر) بالياء على أن الضمير للكتاب {وَمَنْ حَوْلَهَا} من أهل المدَر والوبَر في المشارق والمغارب {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وبما فيها من أفانين العذاب {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالكتاب لأنهم يخافون العاقبةَ ولا يزال الخوف يحمِلُهم على النظر والتأمُّل حتى يؤمنوا به {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تخصيصُ محافظتِهم على الصلاة بالذكر من بـين سائر العبادات التي لا بد للمؤمنين من أدائها للإيذان بإنافتِها من بـين سائر الطاعات وكونِها أشرفَ العباداتِ بعد الإيمان.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الآية: 92]. قيل: مبارك على من اتبعه وآمن به، مبارك على من صدقه وعمل بما فيه. وقيل: مبارك على من فهم عن الله أمره ونهيه، مبارك على من عظم حرمته، مبارك على من قرأه بتدبيره وعلى من سمعه بحضوره.

القشيري

تفسير : كتابُ الأحبابِ عزيزُ الخَطَرِ جليلُ الأَثَرِ، فيه سلوة عند غلبات الوجد، ومن بقي عن الوصول تذلَّل للرسول، وقيل: شعر : وكُتْبُك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ كأني ملحوظٌ من الجِنِّ نظرةً ومِنْ حواليَّ الرُّقى والتمائمُ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} اى مقدس من تهمة الاوهام غير مدرك بحقائقه عند الانام وايضا مبارك عليك وعلى امتك الصادقين الذين بتبعونه بالشوق والمحبة ويفهمونه بالذكر والهيبة فيصلون به الى رؤية خزائن صفات القدم لانه صفة تدل كلماته الى جميع الصفات وعرفانها ونيل خزائنها لانه مفتاح كنوز الصفات والذات وهو ميمون على كل عار فيه وعلى لك متابعة بالتدبير فيه واقتباس انواره منه كما ذكر فى موضع أخر كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا أياته وليتذكروا اولو الالباب وايضا مبارك لانه كتاب الحبيب الى الحبيب فيه اسرار القرب والوصال والتشويق الى الحسن والجمال والتحذير من البعد والفراق وهو ماسمرة النجوى لاهل النور والتقى ومسجون باشارات العارفين ومعجون بمفرحات فواد الموحدين مكنوناته مصونة عن عيون الاغيار ولطائفها محروسة عن مطالعة اهل الاغترار وهو يوافق جميع الكتب فى تعريف الله بصفاته وذاته وعبودتيه لانها جميعا من مصدر واحد وصفه واحدة غير متغير قيل بارك على من اتبعه وأمن به وقيل مبارك على من صدقه وعمل بما فيه وقيل مبارك على من فهم عن الله امره ونهيه وقيل مبارك على من قرأ بالتدبير وعلى من سمعه الحضور وقال الاستاد كتاب الاحباب عزيز الخطر جليل الاثر فيه شلوة عند غلبات الوجد ومن بقى عن الوصل بذلك الرسول وقيل كتبك حولى لا تفارق مضجعى وفهيا شفاء للذى انا كاتم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهذا} القرآن {كتاب انزلناه} وصفه به ليعلم انه هو الذى تولى انزاله بالوحى على لسان جبريل وليس تركيب الفاظه على هذه الفصاحة من قبل الرسول {مبارك} اى كثير الفائدة والنفع وكيف وقد احاط بالعلوم النظرية والعملية فان اشرف العلوم النظرية هو معرفة ذات الله وصفاته وافعاله واحكامه ولا يوجد كتاب يفيد معرفة هذه الامور مثل ما افاده القرآن. واما العلوم العملية فالمطلوب منها اما اعمال الجوارح واما اعمال القلوب وهى المسمى بعلم الاخلاق وتزكية النفس فانك لا تجد شيأ منهما مثل ما تجده فى القرآن العظيم. قال فى التأويلات النجمية {مبارك} على العوام بان يدعوهم الى ربهم. وعلى الخواص بان يهديهم الى ربهم. وعلى خواص الخواص بان يوصلهم الى ربهم ويخلقهم باخلاقه وفى كتاب المحبوب شفاء لما فى القلوب كما قيل شعر : وكتبك حولــى لا تفـارق مضجعــى وفيها شفـاء للـــذى انــا كاتمـــه اين جه منشور كريمست كه ازهر شكنش بوى جان برور احسان وعطا مى آيد اين جه انفاس روان بخش عبير افشانست كــه ازو رائحــه مسك خطامــى آيـــد تفسير : {مصدق الذى بين يديه} من التوراة لنزوله حسبما وصف فيها {ولتنذر ام القرى} عطف على ما دل عليه مباك اى للبركات ولانذارك اهل ام القرى فالمضاف محذوف والمراد بام القرى مكة وسميت بها لان الارض دحيت من تحتها فهى اصل الارض كلها كالام اصل النسل. قال الكاشفى فى تفسيره الفارسى قرى جمع قرية است واورا ازقرا كرفته اند بمعنى جمع است بس هرجا كه مجتمعى باشد ازشهر وده انرا قريه توان كفت {ومن حولها} اهل الشرق والغرب قال فى التأويلات النجمية ام القرى هى الذرة المودعة فى القلب التى هى المخاطب فى الميثاق وقد دحيت جميع ارض القالب من تحتها ومن حولها من الجوارح والاعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والاخلاق بان يتنوروا بانواره وينتفعوا باسراره ويتخلقوا باخلاقه {والذين يؤمنون بالآخرة} وبما فيها من انواع العذاب {يؤمنون به} اى بالكتاب لانهم يخافون العاقبة ولا يزال الخوف يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به {وهم على صلاتهم يحافظون} يعنى المؤمنون بالكتاب يداومون على الصلوات الخمس التى هى اشرف التكاليف والطاعات ولذا خصص محافظتها من بين سائر العبادات. وفى الآيات امور. الاول ان المخلوق لا يقدر قدر الخالق ولا يدركه باعتبار كنه ذاته وتجرده عن التعينات الاسماتية والصفاتية شعر : بخيال درنكنجد توخيال خود مرنجان تفسير : فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير عارف ومن عرفه بآلة قديمة كما قال بعضهم عرفت ربى بربى فقد عرف الله ولكن على قدر استعداده فى قبول فيض نور الربوبية الذى به عرف الله على قدره لانها بينت ذاته وصفاته فالذى يقدر الله حق قدره هو الله تعالى لا غيره شعر : كنه خردم درخور اثبات تونيست داننده ذات توبجزذات تونيست تفسير : ما للترات ورب الأرباب. والثانى ذم السمن كما عرف فى سبب النزول. قال ابن الملك السمن المذموم ما يكون مكتسبا بالتوسع فى المأكل لا ما يكون خلقة وفى الحديث "حديث : ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة واقرأوا ان شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " .تفسير : قال العلماء معنى هذا الحديث انه لا ثواب لهم واعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن فى موازين القيامة من لا حسنة له فهو فى النار. قال القرطبى فى تذكرته وفيه من الفقه ذم السمن لمن تكلفه لما فى ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم بل يدل على تحريم كثرة الاكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن انتهى. وفى الفروع ان الاكل فرض ان كان لدفع هلاك نفسه ومأجور عليه ان كان لتمكينه من صومه وصلاته قائما ومباح الى الشبع ليزيد قوته وحرام فوق الشبع الا لقصد قوة صوم الغد ولئلا يستحي ضيفه: قال السعدى قدس سره شعر : باندازه خورزاد اكرمر دمى جنين برشكم آدمى ياخمى ندارند تن بروان آكهى كه بر معده باشد زحكمت تهى تفسير : قال الامام السخاوى فى المقاصد الحسنة فى الحديث " حديث : ان الله يكره الحبر السمين " .تفسير : وفى التوراة (ان الله ليبغض الحبر السمين) وفى رواية (ان الله يبغض القارئ السمين). قال الشافعى رحمه الله ما افلح سمين قط الا ان يكون محمد بن الحسن فقيل له ولم قال لانه لا يفكر والعاقل لا يخلو من احدى حالتين اما ان يهمّ لآخرته ومعاده او لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد فاذا خلا من المعنيين صار فى حد البهائم بعقد الشحم. ثم قال الشافعى كان ملك فى الزمان الاول كثير اللحم جداً فجمع المتطببين وقال احتالوا حيلة تخف عنى لحمى هذا قليلا فما قدروا فنقبو له رجلا عاقلاً اديباً متطبباً وبعثوه فاشخص اليه بصره وقال أيعالجنى ذلك الفتى قال اصلح الله اللمك انا رجل متطبب منجم دعنى انظر الليلة فى طالعك اى دواء يوافق فاشفيك فهدأ عليه فقال ايها الملك الامان قال لك الامان قال رأيت طالعك يدل على ان عمرك شهر فمتى اعالجك وان اردت بيان ذلك فاحبسنى عندك فان كان لقولى حقيقة فخل عنى والا فاقتص منى قال فحبسه ثم رفع الملك الملاهى واحتجب عن الناس وخلا وحده مغما ما يرفع رأسه يعد الايام كلما انسلخ يوم ازدادغماً حتى هزل وخف لحمه ومضى لذلك ثمانية وعشرون يوما فبعث اليه فاخرجه فقال ما ترى فقال اعز الله الملك انا اهون على الله من ان اعلم الغيب والله ما اعرف عمرى فكيف اعرف عمرك انه لم يكن عندى دواء الا الهم فلم اقدر اجلب اليك الهم الا بهذه العلة فاذابت شحم الكلى فاجازه واحسن اليه. والثالث ما فى قوله تعالى {أية : قل الله} تفسير : [الأنعام: 91]. من لطائف العبارات من اهل الاشارات. قال فى التفسير الفارسى [شيخ ابو سعيد ابو الخير قدس سره در كلمه {أية : قل الله ثم ذرهم} تفسير : [الأنعام: 91]. فرموده كه الله بس وما سواه هوس وانقطع النفس وشيخ الاسلام فرموده كله {أية : قل الله} تفسير : [الأنعام: 91]. دل سوى اوداد {أية : ثم ذرهم} تفسير : [الأنعام: 91] عير اورافرو كذار. وشبلى بابعض اصحاب خود ميكفت كه عليك بالله ودع ما سواه] شعر : جون تفرقه دلست حاصل زهمه دلرا بيكى سبار وبكسل زهمه تفسير : فالآية باشارتها تدل على ان من اراد الوصول الى الله تعالى فلينقطع عما سواه فانه لعب ولهو واللاهى واللاعب ليس على شئ نسأل الله سبحانه ان يحفظنا من اشتغال بما سواه. والرابع مدح القرآن وبيان فضيلته وفائدته. قال احمد بن حنبل رأيت رب العزة فى المنام فقلت يا رب ما افضل ما تقرب به المتقربون اليك قال كلامى يا احمد قلت يا رب بفهم ام بغير فهم قال بهفم وبغير فهم والنظر الى المصحف عبادة برأسه وله أجر على حدته ما عدا اجر القراءة. وعن حميد بن الاعرج قال من قرأ القرآن وختمه ثم دعا امن على دعائه اربعة آلاف ملك ثم لا يزالون يدعون له ويستغفرون ويصلون عليه الى المساء او الى الصباح. فعلى العاقل ان يجتهد حتى يختم القرآن فى اوائل الايام الصيفية والليالى الشتائية ليستزيد فى دعائهم واستغفارهم وفى الحديث " حديث : خيركم من تعلم القرآن وعلمه " .تفسير : وينبغى ان يقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يطلب عوضاً ولا يقصد جزاء ولا شكوراً بل يعلم للتقرب الى الله تعالى ويقتدى بالانبياء حيث قدم كل واحد منهم على دعوته قوله {أية : لا أسألكم عليه أجرا} تفسير : [الأنعام: 90]. قال فى الاسرار المحمدية من اخذ الجراية ليتعلم فهى له حلال ولكن من تعلم ليأخذ الجراية فهى عليه حرام. وفيه ايضاً لا يتخذ صحيفة القرآن اذا درست وقايه للكتب بل يمحوها بالماء وكان من قبلنا يستشفى بذلك الماء وينبغى لقارئ القرآن ان يجود ويحسن صوته وفى الحديث "حديث : ليس منا من لم يتغن بالقرآن وحسنوا القرآن باصواتكم فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا " .تفسير : قيل اراد بالتغنى الاستغناء وقيل الترنم وترديد الالحان وهو اقرب عند اهل اللغة كذا فى الاسرار ـ ويحكى ـ عن ظهير الدين المرغينانى انه قال من قال لمقرئ زماننا احسنت عند قراءته يكفر كذا فى شرح الهداية لتاج الشريعة. وقال فى البزازية من يقرأ القرآن بالالحان لا يستحق الاجر لانه ليس بقارئ قال الله تعالى {أية : قرآنا عربيا غير ذى عوج} تفسير : [الزمر: 28] انتهى. وسأل الحجاج بعض جلسائه عن ارق الصوت عندهم فقال احدهم ما سمعت صوتاً ارق من صوت قارئ حسن الصوت يقرأ كتاب الله تعالى فى جوف الليل قال ذلك الحسن وقال آخر ما سمعت صوتاً اعجب من ان اترك امرأتى ما خضا واتوجه الى المسجد بكيرا فيأتينى آت فيبشرنى بغلام فقال واحسناه فقال شعبة بن علقمة التميمى لا والله ما سمعت اعجب الى من ان اكون جائعا فاسمع خفخفة الخوان فقال الحجاج ابيتم يا بنى تميم الاحب الزاد والمقصود من هذه الحكاية بيان اختلاف مشارب الناس فمن احب الله وانس بكلامه وتجرد عن الاعراض وكان القارئ متحاشياً من الانغام الموسيقية والحان اهل الفسق قارئاً على لحون العرب محسناً صوته فلا مجال للطعن فيه والدخل ظاهراً وباطنا والله اعلم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} أي: كثير البركة، حسًا ومعنًى، لكثرة فوائده وعموم نفعه، أو: كثير خيره، دائم منفعته، قال القشيري: مبارك: دائم باق، لا ينسخُه كتابٌ، من قولهم: بَرك الطير على الماء. هـ. {مُصدقُ الذي بين يديه} من الكتب المتقدمة. {ولتُنذر} أنت {أُمَّ القرى} أي: مكة، {ومَنْ حولها} من المشرق والمغرب أو لينذر القرآنُ أمَّ القرى ومن حولها أي: أنزلناه للبركة والإنذار، وإنما سميت مكة أمَّ القرى؛ لأنها قبلة أهل القرى وحجهم ومجمعهم، وأعظم القرى شأنًا. وقيل: لأن الأرض دُحِيت من تحتها أو لأنها مكان أول بيت وضُع للناس. {والذين يؤمنون بالآخرة} هم الذين {يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون}؛ لأنَّ من صدق بالآخرة، وخاف عاقبتها، تحرى لنفسه الصواب، وتفكر في صدق النجاة، فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّق بما جاء به، وحافظ على مراسم الشريعة، وأهمها: الصلاة؛ لأنها عماد الدين وعلم الإيمان، من حافظ عليها حفظ ما سواها، ومن ضيَّعها ضيعَ ما سواها. الإشارة: مفتاح القلوب هو كتاب الله، وهو عُنوان السير، فمن فُتح له في فهم كتاب الله، عند سماعه والتدبر في معانيه، فهو علامة فتح قلبه، فلا يزال يزداد في حلاوة الكلام، حتى يُشرف على حلاوة شهود المتكلم من غير واسطة؛ وذلك غاية السير، وابتداء الترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد، التي لا نهاية لها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وعيد من كَذَّب به أو عارضه، فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}.

الطوسي

تفسير : قرأ أبو بكر وحده "ولينذر" بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالتاء، فلقوله {أية : إِنما أنت منذر من يخشاها}تفسير : وقوله {أية : وأنذر به الذين يخافون} تفسير : ومن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر، لان فيه إِنذاراً لانه قد خوَّف به في قوله {أية : هذا بلاغ للناس ولينذروا به}تفسير : وقوله{أية : إِنما أنذركم بالوحي} تفسير : فلا يمتنع أسناد الانذار اليه على وجه التوسع. وقوله {وهذا كتاب} إِشارة الى القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) فعطف هذه الآية على ذكره الكتاب الذي جاء به موسى (ع) فلما وصفه قال تعالى {وهذا كتاب أنزلناه مبارك}. وانه مصدق لما بين يديه يعني ما مضى من كتب الانبياء كالتوراة والانجيل وغيرهما، وبين انه انما انزله لتنذر به اهل مكة وهي ام القرى، ومن حولها. قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: ام القرى مكة، ومن حولها اهل الارض كلهم وانما خص اهل مكة بذلك لانها اعظم قدرا لان فيها الكعبة ولان الناس يقصدونها بالحج والعمرة من جميع الآفاق. وإِنذاره بالقرآن هو تخويفه إِياهم بألوان عذاب الله وعقابه ان اقاموا على كفرهم بالله ولم يؤمنوا به وبرسوله. وقوله: {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} يعني بالقرآن. ويحتمل ان يكون كناية عن محمد (صلى الله عليه وسلم) لدلالة الكلام عليه، وهذا يقوي مذهبنا في انه لا يجوز ان يكون مؤمنا ببعض ما أوجب الله عليه دون بعض. وبين انهم {على صلاتهم} يعني على أوقات صلاتهم {يحافظون} بمعنى يراعون أوقاتها ليؤدّوها في الاوقات ويقوموا باتمام ركوعها وسجودها وجميع فرائضها. وقيل سميت مكة ام القرى لانها اول موضع سكن في الارض، وقيل ان الارض كلها دحيت من تحتها فكانت امّا لها. وقال الزجاج سميت بذلك لانها أعظم القرى شأناً.

الهواري

تفسير : قوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي القرآن {مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة والإِنجيل. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى} أي مكة، منها دحيت الأرض؛ لتنذر أهل مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي سائر الأرض {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالقرآن {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. قال الحسن: يعني صلاة أهل مكة، حين كانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين عشية. وقال بعضهم: {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} أي يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. وقال: كل ما ذكر من الصلاة في المَكّيّ قبل أن تفرض الصلوات الخمس فهو الصلوات الأولى، ركعتين غدوة وركعتين عشية؛ وما كان بعد ما أسرى بالنبي وافترضت عليه الصلوات الخمس تلك الليلة يعني به الصلوات الخمس. وكان أسري بالنبي، فافترضت عليه الصلوات الخمس، فيما بلغنا، قبل أن يخرج من مكة بسنة.

اطفيش

تفسير : {وهَذا كتابٌ} أشار إلى القرآن {أنزلْناهُ} خبر ثان {مُباركٌ مُصدقُ الَّذى بَيْن يَديْه} خبر ثالث ورابع، أخبر بأن الله أنزلهُ ليعلموا أن تركيب كلماته من الله تعالى، فإعجازه بألفاظه ومعانيه من الله تبارك وتعالى لا من رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعنى مبارك أن الله جعله كبير الفوائد والنفع، صاحب بركة، والبركة زيادة الخير، وفى كونه منزلا مباركاً دلالة على كونه مخلوقاً، إذ نقل وصبر، وإن قالت الأشعرية: المنزل المبارك هذه الألفاظ، وقالوا إنها ليست قرآنا، وإن القرآن مسماها وهو معنى قائم بنفس الله سبحانه عن مقالتهم، لزم أن القرآن لم ينزل، بل نزل ذاته فشابه قولهم قول فنحاص ومالك ابن الصيف، ما أنزل الله على بشر من شئ، ولزم أن الله محل فوالله الذى لا إله سواه، ما رأيت ديانتهم فى مثل هذا الأخطاء. والعلم إما نظرى، وأشرف هذه النوع معرفة الله عز وجل ولا يوجد منه فى غير القرآن من كتب الله، ما وجد فى القرآن، وإما عملى بالجوارح، وإما عملى بالقلب وهو علم الأخلاق وتزكية النفس وهما فيه أكثر منهما فى غيره، ومعنى كونه مصدقا لما بين يديه من كتب أنه موافق له فى أصول الشرائع وما لا ينسخ، وفى الكثير من الفروع وما تختلف فيه فقد وافقها بأن كلا من الله، وأن كلا حكمة من الله لأهل زمانه، ومن أرسل إليهم به، وأن كلا منذر مبشر أمر ونهى أو نحو ذلك، وأما ما نسخ القرآن منها، فقد وافقه القرآن أيضا من وجه آخر هو أن الله جل جلاله كتب العمل به إلى أن يأتى نسخه بالقرآن، فنسخه بالقرآن مصدق لهذا الأجل الذى فى علم الغيب عند الله تعالى واقع على ما نسخ، والذى بين يديه التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله. {ولتُنْذر أمّ القُرى} أى وأنزلناه لتنذر به أم القرى، فهو متعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون من العطف على المعنى المسمى فى غير القرآن عطف توهم، باعتبار أن المعنى وهذا كتاب أنزلناه للبركة، وتصديق ما بين يديه، ولإنذار أم القرى، ففى هذا الوجه هو متعلق بأنزلناه المذكور بواسطة العطف، وسميت مكة أم القرى لأنها قبلة أهل القرى، فأهل كل قرية يستقبلون إليها فى الصلاة، فهن فروع توابع وهى أصل متبوع، وقيل: لأنها أعظم القرى بركة، فهكذا الآن، أو البيت فيه أول ما يبنى على الأرض، ثم رأيته للقاضى والحمد لله، وقيل: لأنه يجتمع إليها الحجاج، وقيل: لأن الأرض سقطت منها، وعلى كل حال يقدر مضاف أى ولتنذر أهل أم القرى، ولذلك عطف عليها الناس فقال: {ومَنْ حَوْلها} أى ومن فى جوانبها من الناس فى بلادهم شرقاً وغرباً فى الدنيا كلها، وقرأ أبو بكر عن عاصم: ولينذر أم القرى بالمثناة التحتية، أى ولينذر الكتاب، واختار لفظ حولها إشارة إلى أنها بالأمومة صارت كأم تجتمع حولها أولادها وتلوذ، والأم أصل لولدها، فهى لكونها قبلة للقرى صارت كالأصل لسائر القرى، وكالأم يجتمع ويقصدونها كما تقصد الأولاد أمهم، ويجتمعون عندها، ولما عظم شأنه صارت كالأم بالنسبة إلى الأولاد، وأيضا بسط الأرض من تحتها شبيه بولادة الأم ولدها، وأيضا البيت فيها أول بناء على الأرض، فهو كالأم فى سبق الولد، وأنه سبق البيوت. {والَّذين يُؤمنُون بالآخرة يؤمنونَ بهِ} أى بالكتاب وهو القرآن، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم، والوجه الأول أولى، والثانى يصح على الالتفات من الخطاب للغيبة، ومعنى الإيمان بالآخرة الإيمان بالبعث للجزاء، فإن من آمن به خاف العقاب ورجا الثواب، فما يزال يجود النظر حتى يدرك بنور العقل والنظر أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن كتاب الله، والإيمان بأحدهما إيمان بالآخر. {وهُم عَلى صَلاتهم يُحافِظُون} الإيمان ولو كان سبباً للمحافظة على جميع ما يكلف به، لكن الصلاة عماد الدين، وأعظم الفرائض بعد التوحيد، وعلم التوحيد، فخص المحافظة عليها بالذكر لذلك، لأن المحافظة عليها تجلب المحافظة على غيرها من العبادات، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وعن النبى صلى الله عليه وسلم من رواية أبى بردة: "حديث : بشر المشائين فى الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" تفسير : والفرائض فرضت فى الأرض إلا الصلاة ففى السماء ليلة الإسرء لمزيد شرفها، فبعد الإسراء كل صلاة تذكر فهى الصلوات الخمس، وقيله مراد بها ركعتان غدراً وركعتان عشياً وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة عند بعض. وروى أن رجلا من الأنصار حضره الموت فقال: إنى محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا احتساباً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عز وجل عنه سيئة، فليقرب أو ليمد، فإن أتى المسجد وصلى فى جماعة غفر له، وأن أتى المسجد وقد صلوا بعضا وبقى بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقى كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها أو حضرها لا ينقص ذلك من أجورهم" تفسير : ذكر هذه الأحاديث الثعالبى عن أبى داود فى سننه.

اطفيش

تفسير : {وَهَذا} أَى القرآن {كِتَابٌ} عظيم {أَنْزَلْنَاهُ} خبر ثان أَو نعت كتاب {مُبَارَكٌ} خبر ثالث أَو نعت ثان {مُصَدِّقٌ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} خبر رابع أَو نعت ثالث، والمعنى على الأَخبار أَن القرآن كتاب عظيم كما دل عليه التنكير، وأَنه أَنزلناه نحن فما فيه حق لا كذب ولا كلام لغير الله ولا تعليم بشر، وما فيه من فصاحة وبلاغة من الله لا من الرسول فما يجاريه كلام، وأَنه كثير الخير الدنيوى والأُخروى والدينى، وفيه عز الدنيا والآخرة، إِذ هو مفيد بأَلفاظه يشتفى بها دعاء ورقيا، مشتمل على الأُصول والفروع وأَعمال الجوارح والقلوب، وأَنه مصدق بجنس الكتاب الذى بين يديه - أَى قبله - كالتوراة والإِنجيل والزبور والصحف، والمراد بالذى التوراة لأَنه أَعظم كتاب أنزل قبله، ولأَن الخطاب لليهود، ومعظم كتبهم التوراة، وبين يديه استعارة للقبلية أَو مجاز مرسل، ومحط التصديق فيما لم ينسخ ولم يختلف فيه فى الكتب فظاهر كالتوحيد وصفاته صلى الله عليه وسلم والتبشير به وكمكارم الأَخلاق وتحريم مساوئها، وفيما نسخ واختلف فى الكتب أَن الكل حكمة وعدل، وصرح القرآن بأَن ذلك حق وأَن ما نسخ منها بالقرآن قد ذكر الله فيها أَنه سينسخ بالقرآن تلويحاً أَو تصريحاً، ولو لم يكن فيها من ذكر النسخ إِلا ذكر أَنه يجب اتباعه، فإِذا جاءَ بما خالفها فذلك نسخ مذكور فيها، وأَما المعنى على النعت فهو أَن القرآن كتاب عظيم متصف بإِنزالنا والبركة وتصديق الكتب السابقة، وعلى كل حال قدم الإِنزال هنا لأَن المقام للرد على نفى الإِنزال ومجئ الكلام عقب نفيه وقال ما أَنزل الله على بشر من شئ، وقدم البركة فى قوله: وهذا ذكر مبارك أَنزلناه، بصيغة الفعل لتجدده بخلاف البركة والتصديق فإِنهما على الثبوت {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} عطف على محذوف أَى لتبشر من آمن به ولتنذر أُم القرى، أو عطف على المعنى مما يقال له فى غير القرآن عطف لتوهم، كأَنه قيل: أَنزلناه لتصدق الذى بين يديه، وهذا لاتصاله أَولى من تقدير أَنزلناه للبركة ولتنذر أم القرى، وأَولى من هذا اعتبارهما معاً أَى للبركة والتصديق ولتنذر أم القرى، ويجوز تعليقه بمؤخر، أَى ولتنذر أم القرى أَنزلناه، أَو مقدم، أَى وأَنزلناه لتنذر أم القرى، ويجوز تعليقه بمعطوف، أَى مصدق لما بين يديه وكائن لتنذر، وأم القرى مكة، أَى لتنذر أَهل أم القرى، أَو أم القرى أَهلها تسمية للحال باسم المحل، ومن حولها أَهل الدنيا كلهم، وما أَرسلناك إِلا كافة للناس، وسميت أم القرى لأَنها قبلة أَهل القرى، فهى كالأَصل لسائر القرى، ومن معانى الأُم الأَصل، ولأَنها محجهم ومعتمرهم، والحج من أصول العبادة فهى كالأم للقرى إِذ كانوا يجتمعون إِليها كما تجتمع الأَولاد إِلى الأُم، ولأَنها أَعظم القرى شأْناً كعظم الأُم بالنسبة إِلى الأَولاد ولأَنها بسطت الأَرض من تحتها فهى للأَرض كالأُم للأولاد ولأَن فيها البيت الذى هو أَصل سائر البيوت وأَسبق، الذى هو كالأُم للأَولاد فى السبق، فمكة كالأُم لسائر الأَرض، ولا دليل لطائفة من اليهود ادعوا بعثه صلى الله عليه وسلم إِلى العرب خاصة، وهم من حول مكة! لأَن المراد بمن حولها كل الناس كما رأَيت، ولو فسر بالعرب فما ذلك إِلا لكونهم أَحق بالإِنذار للنسب والجوار، كما أرسل موسى إِلى غير بنى إِسرائيل أَيضاً، وجل خطابه لهم. {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} بالدار الآخرة الحاصلة بالبعث للثواب والعقاب إِيماناً تاماً بتفكر يثمر الإِعراض عن الحظوظ الدنيوية، والعلم بأَن دين محمد هو دين الله كما قال الله عز وجل {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالكتاب الذى هو القرآن، أَو بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعليه فمقتضى الظاهر يؤمنون بك للخطاب فى قوله لتنذر، وهذا لو كان فيه مراعاة أَقرب مذكور لكن الأَصل عدم الالتفات، ومن الجائز عوده إِليهما معاً بتأْويل ما ذكر، والجملة خبر الذين، ويضعف عطف الذين على أم القرى، وجعل يؤمنون حالا من الذين لأَن المؤمنين بالقرآن والنبى صلى الله عليه وسلم المحافظين على صلاتهم أَنسب بالتبشير، والمقام به أَنسب لأَنه مقام استدعاء للإِيمان، ولا وجه لإِنذارهم سوى الحث على الدوام على ما هم عليه والزجر عن الإِعجاب والأَمن {وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ} قدم بطريق الاهتمام، وللفاصلة {يُحَافِظُونَ} خوفاً من عقاب الآخرة، وخص المحافظة عليها بعد الإِيمان لأَنها أَشرف الأَعمال بعد التوحيد، ولأَنها تدعو إِلى سائر العبادات، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فهى عماد الدين وعلم الإِيمان، والآية لم يحملهم على التصديق بالقرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمحافظة على الصلوات الخمس، بل لا يصلونها أَلبتة، وتعريض بالمنافقين المضمرين للشرك لأَنهم لا يحافظون عليها.

الالوسي

تفسير : {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} تحقيق لإنزال القرآن الكريم بعد تقرير إنزال ما بشر به من التوراة وتكذيب لكلمتهم الشنعاء إثر تكذيب. وتنكير {كِتَابٌ } للتفخيم. وجملة {أَنزَلْنَـٰهُ } في موضع الرفع صفة له وقوله سبحانه: {مُّبَارَكٌ } أي كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة. قال الإمام: «جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا وسعادة الآخرة» ولقد شاهدنا والحمد لله عز وجل ثمرة خدمتنا له في الدنيا فنسأله أن لا يحرمنا سعادة الآخرة إنه البر الرحيم. وقوله جل وعلا: {مُّصَدّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } صفة أخرى. والإضافة ـ على ما نص عليه أبو البقاء ـ غير محضة. والمراد بالموصول إما التوراة لأنها أعظم كتاب نزل قبل ولأن الخطاب مع اليهود، وأما ما يعمها وغيرها من الكتب السماوية وروي ذلك عن الحسن، وتذكير الموصول باعتبار الكتاب أو المنزل أو نحو ذلك، ومعنى كونها بين يديه أنها متقدمة عليه فإن كل ما كان بين اليدين كذلك وتصديقه للكل في إثبات التوحيد والأمر به ونفي الشرك والنهي عنه وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ. {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } قيل: عطف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه والإنذار. واختار العلامة الثاني كونه عطفاً على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار، وادعى أنه لاحاجة مع هذا إلى ذلك التكلف فإن عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير، ودعوى أن الداعي إليه عرو تلك الصفات السابقة عن حرف العطف واقتران هذا به تستدعي القول بأن الصفات / إذا تعددت ولم يعطف أولها يمتنع العطف أو يقبح والواقع خلافه، والأولى ما يقال: إن الداعي أن اللفظ والمعنى يقتضيانه، أما المعنى فلأن الإنذار علة لإنزاله كما يدل عليه { أية : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 19] ولو عطف لكان على أول الصفات على الراجح في العطف عند التعدد، ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجار والمجرور على الجملة الفعلية. فإنه نظير هذا رجل قام عندي وليخدمني وهو كما ترى. ومنه يعلم الداعي اللفظي وجوز أن يكون علة لمحذوف يقدر مؤخراً أو مقدماً أي ولتنذر أنزلناه أو وأنزلناه لتنذر، وتقديم الجار للاهتمام أو للحصر الإضافي، وأن يكون عطفاً على مقدر أي لتبشر ولتنذر، وأياً ما كان ففي الكلام مضاف محذوف أي أهل أم القرى. والمراد بها مكة المكرمة، وسميت بذلك لأنها قبلة أهل القرى وحجهم وهم يتجمعون عندها تجمع الأولاد عند الأم المشفقة ويعظمونها أيضاً تعظيم الأم، ونقل ذلك عن الزجاج والجبائي، ولأنها أعظم القرى شأناً فغيرها تبع لها كما يتبع الفرع الأصل, وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها فكأنها خرجت من تحتها كما تخرج الأولاد من تحت الأم أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس, ونقل ذلك عن السدي. وقرأ أبو بكر عن عاصم {لّيُنذِرَ } بالياء التحتية على الإسناد المجازي للكتاب لأنه منذر به. {وَمَنْ حَوْلَهَا } من أهل المدر والوبر في المشارق والمغارب لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم الصادع بها القرآن في غير آية، واللفظ لا يأبى هذا الحمل فلا متمسك بالآية لطائفة من اليهود زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مرسل للعرب خاصة، على أنه يمكن أن يقال: خص أولئك بالذكر لأنهم أحق بإنذاره عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } وبما فيها من الثواب والعقاب، ومن اقتصر على الثاني في البيان لاحظ سبق الإنذار {يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالكتاب، قيل: أو بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرهبون من العذاب ويرغبون في الثواب ولا يزال ذلك يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } يحتمل أن يراد بالصلاة مطلق الطاعة مجازاً أو اكتفى ببعضها الذي هو عماد الدين وعلم الإيمان ولذا أطلق على ذلك الإيمان مجازاً كقوله تعالى: { أية : مَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143].

ابن عاشور

تفسير : {وهذا كتاب} عطف على جملة {أية : قل الله}تفسير : [الأنعام: 91]، أي وقل لهم الله أنزل الكتاب على موسى وهذا كتاب أنزلناه. والإشارة إلى القرآن لأنّ المحاولة في شأنه من ادّعائهم نفي نزوله من عند الله، ومن تبكيتهم بإنزال التّوراة، يجعل القرآن كالحاضر المشاهد، فأتي باسم الإشارة لزيادة تمييزه تقوية لحضوره في الأذهان. وافتتاح الكلام باسم الإشارة المفيد تمييز الكتاب أكمل تمييز، وبناءُ فعل {أنزلنا} على خبر اسم الإشارة، وهو {كتاب} الّذي هو عينه في المعنى، لإفادة التّقوية، كأنّه قيل: وهَذا أنزلناه. وجَعْل {كتاب} الّذي حقّه أن يكون مفعول {أنزلنا} مسنداً إليه، ونصب فعل {أنزلنا} لضميره، لإفادة تحقيق إنزاله بالتّعبير عنه مرّتين، وذلك كلّه للتّنويه بشأن هذا الكتاب. وجملة: {أنزلناه} يجوز أن تكون حالاً من اسم الإشارة، أو معترضة بينه وبين خبره. و{مبارك} خبر ثان. والمبارك اسم مفعول من بَاركه، وبارك عليه، وبارك فيه، وبارك له، إذا جعل له البركة. والبركة كثرة الخير ونماؤه يقال: باركه. قال تعالى: {أية : أن بُورك من في النّار ومن حولها}تفسير : [النمل: 8]، ويقال: بارك فيه، قال تعالى: {أية : وبارك فيها}تفسير : [فصلت: 10]. ولعلّ قولهم (بارك فيه) إنّما يتعلّق به ما كانت البركة حاصلة للغير في زمنه أو مكانه، وأمّا (باركه) فيتعلّق به ما كانت البركة صفة له، و(بَارك عليه) جعل البركة متمكّنة منه، (وبارك له) جعل أشياء مباركة لأجله، أي بارك فيما له. والقرآن مبارَك لأنّه يدلّ على الخير العظيم، فالبركة كائنة به، فكأنّ البركة جعلت في ألفاظه، ولأنّ الله تعالى قد أودع فيه بركة لقارئه المشتغل به بركة في الدّنيا وفي الآخرة، ولأنّه مشتمل على ما في العمل به كمال النّفس وطهارتها بالمعارف النّظريّة ثمّ العمليّة. فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه. قال فخر الدّين «قد جرت سنّة الله تعالى بأنّ الباحث عنه (أي عن هذا الكتاب) المتمسّك به يحصل له عزّ الدّنيا وسعادة الآخرة. وأنا قد نقلت أنواعاً من العلوم النّقليّة والعقليّة فلم يَحْصُل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السّعادات في الدّنيا مثلُ ما حصل لي بسبب خدمة هذا العلم (يعني التّفسير). و{مصدّق} خبر عن {كتاب} بدون عطف. والمُصدّق تقدّم عند قوله تعالى: {أية : مُصدّقاً لما بين يَديه}تفسير : في سورة [البقرة: 97]، وقوله {أية : ومصدّقاً لما بين يدي}تفسير : وفي سورة [آل عمران: 50]. و{الّذي} من قوله: {الّذي بين يديه} اسم موصول مراد به معنى جَمع. وإذ قد كان جمع الّذي وهو لا يستعمل في كلام العرب إلاّ إذا أريد به العَاقل وشِبهه، نحو {أية : إنّ الّذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم}تفسير : [الأعراف: 194] لتنزيل الأصنام منزلة العاقل في استعمال الكلام عرفاً. فلا يستعمل في جمع غير العاقل إلاّ الّذي المفرد، نحو قوله تعالى: {أية : والّذي جاء بالصّدق وصدّق به أولئك هم المتّقون}تفسير : [الزمر: 33]. والمراد بــ {الّذي بين يديه} ما تقدّمه من كتب الأنبياء، وأخصّها التّوراة والإنجيل والزّبور، لأنّها آخر ما تداوله النّاس من الكتب المنزّلة على الأنبياء، وهو مصدّق الكتب النّازلة قبل هذه الثّلاثة وهي صحف إبراهيم وموسى. ومعنى كون القرآن مصدّقها من وجهين، أحدهما: أنّ في هذه الكتب الوعد بمجيء الرّسول المقفّى على نبوءة أصحاب تلك الكتب، فمجيء القرآن قد أظهر صدق ما وعدت به تلك الكتب ودلّ على أنّها من عند الله. وثانيهما: أنّ القرآن مصدّق أنبيائها وصدّقها وذكر نورها وهداها، وجاء بما جاءت به من أصول الدّين والشّريعة. ثم إنّ ما جاء به من الأحكام الّتي لم تكن ثابتة فيها لا يخالفها. وأمّا ما جاء به من الأحكام المخالفة للأحكام المذكورة فيها من فروع الشّريعة فذلك قد يبيّن فيه أنّه لأجل اختلاف المصالح، أو لأنّ الله أراد التّيسير بهذه الأمّة. ومعنى: {بين يديه} ما سبقه، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : فإنّه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقاً لما بين يديه}تفسير : في سورة [البقرة: 97]، وعند قوله: {أية : ومصّدقاً لما بين يديّ من التّوراة }تفسير : في سورة [آل عمران: 50]. وأمّا جملة {ولتنذر أمّ القرى} فوجود واو العطف في أوّلها مانع من تعليق {لتنذر} بفعل {أنزلناه}، ومِن جعْل المجرور خبراً عن {كتاب} خلافاً للتفتزاني، إذ الخبر إذا كان مجروراً لا يقترن بواو العطف ولا نظير لذاك في الاستعمال، فوجود لام التّعليل مع الواو مانع من جعلها خبراً آخر لــ {كتاب}، فلا محيص عند توجيه انتظامها مع ما قبلها من تقدير محذوف أو تأويل بعض ألفاظها، والوجه عندي أنّه معطوف على مقدّر ينبىء عنه السّياق. والتّقدير: ليُؤمن أهل الكتاب بتصديقه ولتنذر المشركين. ومثل هذا التّقدير يطّرد في نظائر هذه الآية بحسب ما يناسب أن يقدّر. وهذا من أفانين الاستعمال الفصيح. ونظيره قوله تعالى: {أية : هذا بلاغ للنّاس ولِينْذروا به وليعلموا أنّما هو إله واحد وليذّكّر أولوا الألباب}تفسير : في سورة [إبراهيم: 52]. ووقع في الكشاف أنّ {ولتنذر} معطوف على ما دلّت عليه صفة الكتاب، كأنّه قيل: أنزلناه للبركات وتصديققِ ما تقدّمَه والإنذارِ اهــ. وهذا وإن استتبّ في هذه الآية فهو لا يحسن في آية سورة إبراهيم، لأنّ لفظ «بلاغ» اسم ليس فيه ما يشعر بالتّعليل، و«للنّاس» متعلّق به واللاّم فيه للتّبليغ لا للتّعليل، فتعيّن تقدير شيء بعده نحو لينتبهوا أو لئلاّ يؤخذوا على غفلة وليُنْذَروا به. والإنذار: الإخبار بما فيه توقّع ضرّ، وضدّه البشارة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إنّا أرسلناك بالحقّ بشيراً ونذيراً}تفسير : في سورة [البقرة: 119]. واقتُصر عليه لأنّ المقصود تخويف المشركين إذ قالوا: {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91]. وأمّ القرى: مَكّة، وأمّ الشيء استعارة شائعة في الأمر الّذي يُرجع إليه ويلتفّ حوله، وحقيقة الأمّ الأنثى الّتي تلد الطفل فيرجع الولد إليها ويلازمها، وشاعت استعارة الأمّ للأصل والمرجع حتّى صارت حقيقة، ومنه سمّيت الراية أمّاً، وسُمّي أعلى الرأس أمّ الرأس، والفاتحة أمّ القرآن. وقد تقدّم ذلك في تسمية الفاتحة. وإنّما سمّيت مكّة أمّ القرى لأنّها أقدم القرى وأشهرها وما تقرّت القرى في بلاد العرب إلاّ بعدها، فسمّاها العرب أمّ القرى، وكان عرب الحجاز قبلها سكّان خيام. وإنذار أمّ القرى بإنذار أهلِها، وهذا من مجاز الحذف كقوله تعالى: {أية : وسألْ القرية}تفسير : [يوسف: 82]، وقد دلّ عليه قوله {ومن حولها}، أي القبائل القاطنة حول مكّة مثل خُزاعة، وسعد بن بَكْر، وهوازن، وثقيف، وكنانة. ووجه الاقتصار على أهل مكّة ومن حولها في هذه الآية أنّهم الّذين جرى الكلام والجدال معهم من قوله: {أية : وكذّب به قومك وهو الحقّ}تفسير : [الأنعام: 66]، إذ السّورة مكّية وليس في التّعليل ما يقتضي حصر الإنذار بالقرآن فيهم حتّى نتكلّف الادّعاء أنّ {من حولها} مراد به جميع أهل الأرض. وقرأ الجمهور {ولتنذر أمّ القرى} بالخطاب، وقرأه أبو بكر وحده عن عاصم {ولينذر} ـــ بياء الغائب ـــ على أن يكون الضّمير عائداً إلى {كتاب}. وقوله: {والّذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} احتراس من شمول الإنذار للمؤمنين الّذين هم يومئذٍ بمكّة وحولها المعروفون بهذه الصّلة دون غيرهم من أهل مكّة، ولذلك عبّر عنهم بهذا الموصول لكونه كاللّقب لهم، وهو مميّزهم عن أهل الشّرك لأنّ أهل الشّرك أنكروا الآخرة. وليس في هذا الموصول إيذان بالتّعليل، فإنّ اليهود والنّصارى يؤمنون بالآخرة ولم يؤمنوا بالقرآن ولكنّهم لم يكونوا من أهل مكّة يومئذٍ. وأخبر عن المؤمنين بأنّهم يؤمنون بالقرآن تعريضاً بأنّهم غير مقصودين بالإنذار فيعلم أنّهم أحقّاء بضدّه وهو البشارة. وزادهم ثناء بقوله: {وهم على صلاتهم يحافظون} إيذاناً بكمال إيمانهم وصدقه، إذ كانت الصّلاة هي العمل المختصّ بالمسلمين، فإنّ الحجّ كان يفعله المسلمون والمشركون، وهذا كقوله: {أية : هدى للمتّقين الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة}تفسير : [البقرة: 2، 3] ولم يكن الححّ مشروعاً للمسلمين في مدّة نزول هذه السّورة.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٌ} {أَنزَلْنَاهُ} {بِٱلآخِرَةِ} (92) - وَهذا القُرْآنُ كِتَابٌ عَظِيمُ القَدْرِ، أَنْزَلْنَاهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الأَنْبياءِ، كَمَا أَنْزَلْنَا مِنْ قَبْلُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ بَارَكْنَا فِيهِ فَجَعَلْنَاهُ كَثِيرَ الخَيْرِ، دَائِمَ البَرَكَةِ وَالمَنْفَعَةِ، يُبَشِّرُ بِالثَّوَابِ وَالمَغْفِرَةِ، وَيَنْهَى عَنِ المَعْصِيَةِ، مُصَدِّقاً لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، فِي المَبَادِئِ التِي جَاءَتْ بِهَا، وَقَدْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ لِيُنْذِرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ بِلاَدِ اللهِ جَمَيعاً (كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ)، وَلِيُحَذِّرَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأْسِهِ، إذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِقِيَامِ السَّاعَةِ وَبِالمَعَادِ إلَى اللهِ فِي الآخِرَةِ لِلْحِسَابِ، يُؤْمِنُ بِهَذا القُرْآنِ، لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِيهِ الهِدَايَةَ وَالسَّعَادَةَ فِي تِلْكَ الدَّارِ. وَالذِي يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ يُحَافِظُونَ عَلَى صَلاتِهِمْ فَيُؤَدُّونَها فِي أَوْقَاتِهَا، لأَِنَّ الصَّلاةَ عِمَادُ الدِّينِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَيها تَدْعُو إِلى القِيَامِ بِسَائِرِ العِبَادَاتِ. أُمَّ القَرى - مَكَّةَ. مَنْ حَوْلَهَا - أَهْلُ الآفَاقِ - أَيْ أَهْلُ بِلاَدِ العَالَمِ جَمِيعاً. مُبَارَكٌ - كَثيرُ المَنَافِعِ وَالفَوَائِدِ (وَهُوَ القُرْآنُ).

الثعلبي

تفسير : {وَهَـٰذَا كِتَابٌ} يعني القرآن {أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أي وهذا كتاب مبارك أنزلناه {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ} تخبر. وقرأ عاصم: بالياء أي ولينذر الكتاب {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} يعني مكة سمّاها أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها {وَمَنْ حَوْلَهَا} تحمل الأرض كلها شرقاً وغرباً {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالكتاب {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ} يعني الصلوات الخمس {يُحَافِظُونَ} يداومون {وَمَنْ أَظْلَمُ} أي أخطأ قولاً وأجهل فعلاً {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ} اختلق {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعم إنه بعثه نبياً {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي وكان يستمع ويتكهن ويدعي النبوة ويزعم إن اللّه أوحى إليه حديث : وكان قد أرسل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجلين، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم "أتشهدان أنّ مسيلمة نبي؟ فقالا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ". تفسير : وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يدي سوارين من ذهب فكبرا عليَّ وأهماني فأوحى اللّه إليَّ أن أنفخهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العبسي ". تفسير : {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} حديث : نزلت في عبد اللّه بن سعيد بن أبي سرح القرشي، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا قال سميعاً عليماً كتب هو عليماً حكيماً، وإذا قال عليماً حكيماً كتب غفوراً رحيماً، وأشباه ذلك فلما نزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} الآية [المؤمنون: 12]. أملاها رسول اللّه عجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك اللّه أحسن الخالقين. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "أكتبها فهكذا نزلت" فشك عبد اللّه وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه ولئن كان كاذباً لقد قلت [كما كتب] فارتدّ عن المسلمين ولحق بالمشركين، وقال لهما: عليكم بمحمد لقد كان يملي عليّ فأغيره وأكتب كما أُريد. ووشى بعمار وجبير عبد لبني الحضرمي يأخذوهما وعذبوهما حتى أعطياهما الكفر وجذع أذن عمار يومئذ فأخبر عمار النبي صلى الله عليه وسلم بما لقي وبما أعطاهم من الكفر فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولاّه هؤلاء فأنزل اللّه عز وجل فيهتفسير : ، وفي خبر: وابن أبي سرح {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ}تفسير : إلى قوله {أية : بِالْكُفْرِ} تفسير : [النحل: 106]. يعني عبد اللّه بن سعيد بن أبي سرح ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم [بمرط هران] {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} وهم الذين ذكرهم اللّه ووصفهم قبل {فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} سكراته وهي جمع غمرة وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه وأضل الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ومنه غمرة الماء ثم استعملت في معنى الشدائد والمكاره {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} بالعذاب والضرب وجوههم وأدبارهم كما يقال بسط يده بالمكروه {أَخْرِجُوۤاْ} أي يقولون أخرجوا {أَنْفُسَكُمُ} أرواحكم كرهاً لأنّ نفس المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، والجواب محذوف يعني ولو تراهم في هذا الحال لرأيت عجباً. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} تثابون {عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي الهوان {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن {تَسْتَكْبِرُونَ} تتعظمون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سجد للّه سجدة فقد برىء من الكبر" تفسير : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ} هذا خبر من اللّه تعالى أنه يقول للكفار يوم القيامة: ولقد جئتمونا فرادى وجدانا لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم ولا حشم. قال الحسن: ولقد جئتمونا فرادى كل واحدة على حدة. وقال ابن كيسان: مفردين من المعبودين، وفرادى جمع فردان مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالى. ويقال أيضاً في واحد فرد بجزم الراء وفرِد بكسرها وفرَد بالفتح وأفرد وجمعها أفراد مثل أحاد وفريد وفردان مثل قضيب وقضبان وكثيب وكثبان. وقرأ الأعرج: فردى بغير ألف مثل كسرى [وكسلى] {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عراة حفاة غرلاً بهم {وَتَرَكْتُمْ} وخلفتم {مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} أعطيناكم ومكنّاكم من الأموال والأولاد والخدم {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} خلف ظهوركم في الدنيا. روى محمد بن كعب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملئت ما بين السماء والأرض فيقول الجبار جل جلاله: [وعزّتي] وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأجساد وإنما يدخل في الخياشم كما يدخل السم في اللديغ ثم يشق عليكم الأرض وأنا أول من يشق عنه الأرض فينسلون عنهم سراعاً إلى ربكم على سن ثلاثين مهطعين إلى الداعي فيوقفون في موقف منه سبعين عاماً حفاة عراة غرلاً بهم لا يناظر إليكم فلا يقضي بينكم فتبكي الخلائق حتى ينقطع الدمع ويجف العرق ". تفسير : وقال القرضي:حديث : قرأت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قول اللّه عز وجل {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، فقالت: يا رسول اللّه وأسوتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "لكلّ إمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض ". تفسير : {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} وذلك إن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء اللّه وشفعاؤهم عنده {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. قرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد، وأبو رجاء، والكسائي: بينكم نصباً. وقرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد: وهي قراءة أبي موسى الأشعري على معنى لقد تقطع ما بينكم وكذلك هو في قراءة عبد اللّه وقرأ الباقون: بالرفع على معنى لقد تقطع وصلكم فالبين من الأضداد يكفي وصلاً وهجراً وأنشد: شعر : لعمرك لولا البين لا يقطع الهوى ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف تفسير : {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "أنزلنا" الأصل فيها نون وزاي ولام، وتستعمل بالنسبة للقرآن استعمالات متعددة؛ فمرة يقول سبحانه: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1]. ومرة يقول عز وجل: {أية : وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} تفسير : [الإسراء: 106]. ومرة يسند النزول للقرآن: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} تفسير : [الإسراء: 105]. ومرة يسند إلى من جاء به: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. هذه إذن تعابير متعددة، وما دواعي هذا الاشتقاق ونحن نعلم أن القرآن لم ينزل جملة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ ليباشر القرآن مهمته في الوجود الجديد، وكان ينزل كل نجم من النجوم حسب الأحداث. و "أنزل" هنا للتعدية أي نقل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ليباشر مهمته، ولذلك يقول سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} ونعلم أن القرآن نزل في ليلة القدر وفي غير ليلة القدر، ولكنه نزل في ليلة القدر جميعه إلى سماء الدنيا، ثم نزل منجماً ومفصّلا في بقية أيام الثلاث والعشرين سنة التي عاشها صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي، فإذا ما أراد أنه أنزله من اللوح المحفوظ يأتي بـ "همزة التعدية" وإذا أراد النزول والموالاة يقول: "نزّل" لأن فيها التتابع، وإذا نسبة لمن نزل به يأتي بـ "نَزَل" لأن القرآن لم ينزل وحده بل نَزَل به الروح الأمين، إذن فكلها مُلتقية في أن القرآن نَزَل أو أنزِل، أو نُزِّل. وكلمة "نَزَل" تعطينا لمحة، وهو أنه جاء من أعلى، ويستقبله الأدنى. وساعة يطلب الحق منا أن ننصت لإنزال حكم يقول لنا عز وجل: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 151]. ومعنى "تَعالَوّا" أي ارتفعوا؛ لأننا نعيش على الأرض، وإياكم أن تشرّع الأرض لكم؛ لأن تشريع الأرض إذا لم يكن في ضوء منهج الله فهو حضيض. والله يريد تشريعاً عالياً.، ولا بد لكم من أن تتلقوا من السماء أحكامكم؛ حتى لا تتيهوا ولا تضلوا في باطل تشريعات لا تدور في إطار منهج الله. والحق يقول هنا: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} وهو قول صادق يصدق على القرآن فقط برغم أن كل الكتب السماوية السابقة كانت كتب منهج، وكانت المعجزة منفصلة عن المنهج؛ فمعجزة موسى عليه السلام - كما نعرف - هي العصا، ومنهجه التوراة، وعيسى عليه السلام معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ومنهجه الإنجيل. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تميّز بأن معجزته عين منهجه، لأن كل دين من الأديان السابقة كان لزمن محدود، في مكان محدود. وجاء صلى الله عليه وسلم بالدين الجامع المانع، لذلك جاءت المعجزة هي المنهج، فلو أن معجزته صلى الله عليه وسلم كانت من جنس معجزات الأنبياء السابقين إلا لأن القرآن قالها وصارت خبراً، وكل منها تليق بالزمن المحدود والمكان المحدود. لكن الإسلام جاء ليعم كل الأزمنة وكل الأمكنة، ولذلك لزم أن تكون المعجزة مستصحبة للمنهج؛ حتى يستطيع من يأتي بعد عصر النبوة إلى قيام الساعة أن يقول: مُحمد رسول الله وتلك معجزته. والقرآن مُبارك، ونحن في أعرافنا حين نتكلم بالعامية نأتي بالكلمة التي هي من نفْح ونضح الاستعمالات الفصيحة التي سمعناها، فنجد من يقول: والله هذا الأكل فيه بركة؛ فهو مصنوع لاثنين وأكل منه أربعة وفاض وزاد". إذن، "البركة" أن يعطي الشيء أكبر من حجمه المنظور. وبركة القرآن غالبة ومهيمنة، ولو قاس كل إنسان حجم القرآن بحجم الكتب الأخرى لوجد حجم القرآن أقل، ومع ذلك فيه من الخير والبر والبركات والتشريعات والمعجزات والأسرار ما تضيق به الكتب، ونجد من يؤلف ويفسر في أجزاء متعددة، ومع ذلك ما استطاع واحد أن يصل إلى حقيقة المراد من الله؛ لأن القرآن لو جاء وأفرغ عطاءه في القرن الذي عاش فيه الرسول فقل لي بالله: كيف تستقبله القرون الأخرى؟! إنه يكون استقبالا خاليا من العناية به لأنه سيكون كلاماً مكرراً. إذن فقد بيّن فيه كل شيء ومنه أخذ كل إنسان وزمان قدر ذهنه، ولو أن القرآن يراد تفسيره لما فسّره أحد غير من انفعل له نزولاً عليه وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيستطيع واحد بعد ذلك أن يقول شيئا في التفسير؟! إذن لو فسره الرسول صلى الله عليه وسلم لجمّده لأنه لا يجرؤ أحد أن يأتي بتفسير بعد الرسول. وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن عطاءات القرآن لا تتناهى، لذلك لم يفسّره. بل أوضح بما تطيقه العقول المعاصرة حتى لا ينصرفوا عنه. ولو كان القرآن قال: إن الأرض كرة وتدور حول الشمس، أكان يصدقه أحد؟ إن هناك حتى الآن من ينكر ذلك. ونجد القرآن يشير ويلمح إليها إلماحا خفيفاً إلى أن تتسع العقول لها. فيقول الحق: {أية : يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ} تفسير : [الزمر: 5]. وما دام الليل يأتي وراء النهار، والنهار يأتي وراء الليل في شبه كرة؛ فالذي يأتي عليه الليل والنهار شكل الكرة. فكأن كلاً من الليل والنهار دائر وراء الآخر حول كرة، إذن فالحق يعطي اللمحة بميزان حتى تتسع العقول للفهم. ويقول القرآن: {أية : قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} تفسير : [البقرة: 142]. وهذا قول واضح؛ لأن كل واحد منا يعرف المشرق والمغرب. لكن حين يقول الحق: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17]. أكان يفهمها المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعم، لأنه ساعة ما يقول: إن الشمس أشرقت من المكان الفلاني، وغابت عن مكان آخر، فساعة شروقها عندك تغرب عندي، وساعة تغرب عندك تشرق عندي، وهكذا يصير كل مشرق معه مغرب، إذن فقد صدق قول الله {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ}. ونعلم أن الشمس لها مشرق كل يوم، ومن زار في الصعيد المعبد الذي توجد به 365 طاقة - فتحة -- وتطلع الشمس في كل يوم من طاقة معينة ولا تطلع من الطاقات الأخرى يتأكد من أن الشمس لها في كل يوم مشرق. إذن هناك مشارق ومغارب، وصدق الله القائل: رب المشارق والمغارب. إن القرآن يخاطبنا بأسلوب يحتمله العقل المعاصر، وإذا ما جدّ جديد نجد الأمر مكنوزاً في القرآن، ونجد تأويلا جديداً لا ينسخ التأويل الآخر ولكنه يرتقي به. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يفسر القرآن التفسير الكامل؛ لأنه كان لا بد أن يفسّره بما تطيقه العقول المعاصرة له، وإن فسّره بما تطيقه العقول المعاصرة له فمعنى ذلك أنه لن يعطي العقول التي تأتي بعد غذاء من القرآن؛ لذلك ترك صلى الله عليه وسلم القرآن دون تفسير إلا في النزر اليسير. وتجد ذلك في آيات الكون، أما في الأحكام فالأمر محدد. لكن في الأشياء التي يتجدد فيها العلم فقد تركها. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عن القرآن: "لا تنقضي عجائبه" وكأنه يلفتنا إلى أن عجائبه لا تنقضي ولا تنتهي، وكل يوم يعطي عجائب جديدة. إذن فالقرآن مُبارك بحكم ما هو مكنوز فيه إلى قيام الساعة. وأنت تلتفت إلى الناس فتجدهم يتعبون في اكتشاف أسرار الكون، وتجد القرآن قد مسّ ما يبحثون عنه مسّاً خفيفاً. {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 92]. وساعة تقول: "بين يدي الشيء" أي الشيء الذي يسبق، والكتب السابقة هي التي نزلت بين يدي القرآن أي قبله، والمقصود بها الكتب المعروفة المشهورة وهي التوراة والإنجيل إذ هما الكتابان الباقيان إلى الآن. والقرآن يصدق الذي بين يديه ولا يعني ذلك تصديق المحرّف بل تصديق "الأصيل". ولذلك نجد عبد الله بن سلام وغيره حينما جاءوا للإسلام اعترفوا بذلك، ويقول عبد الله بن سلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انشرح صدري للإسلام، ولكني أعلم أن اليهود قوم بهت - أي أنهم مكابرون - فأنا أريد أن تسألهم عني قبل أن أسلم، فقال رسول الله لهم: ما تقولون في عبد الله بن سَلاَم؟ قالوا: حِبْرنا وابن حِبْرنا وشيخنا ورئيسنا. . . إلخ. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحمداً رسول الله. هنا بدأوا في كيل السباب لسيدنا عبدالله بن سَلاَم فقال: ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت؟ وقوله الحق: {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي أنك إذا ما أردت أن تعرف صدق هذه القضية فهات ما لا حاجة لهم فيه إلى تكذيبه، وستجد القرآن قد جاء موافقاً له. مثال ذلك حين جاء القرآن بالرِّجْم. هم حاولوا أن يخففوا حكم الرَّجْم؛ لأن امرأة زنت وأرادوا أن يجاملوها. فرفعوا أمرها للنبي وقال بعضهم لبعض: إن حَكَم بعدم الرِّجم فهذا خير لنا ولها، ومن العجيب أنهم غير مؤمنين بمحمد بينما يريدون الحُكم منه، فيقول لهم الرسول عليه الصلاة والسلام:هاتوا الكتاب، ويأتون بالصحف الموجودة عندهم، فوجدوا آية الرَّجْم؛ إذن فالقرآن مُصدق الذي بين يديه من غير المكتوم، ولا المْحرَّف، ولا المُوَّوَّل. وإذا ما نظرت إلى القضايا التي يلتفتون إليها، ولكنها تكر أمامهم خاطفة، تجد أنت هذه القضايا وسيلة يريد الله بها أن يكشف الفساد والكذب والتجبر، حتى لا يطمس أهل الباطل معالم الحق. ومثل هذه القضايا تحتاج إلى المُحقق اللّبق. ونجده سبحانه جاء في التوراة بمثل للأمة المحمدية، ويكرر هذا المثل في القرآن حين يقول سبحانه: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29]. وحين ننظر إلى كلمة "أشدّاء"، وكلمة "رُحماء"، نجد في ظاهر الأمر تناقضا في الطباع، أما المدقق المحقق فيعلم من هذا القول أن الإسلام لا يطبع المسلم على لون واحد؛ لأنه يريد منه كل الألوان، فلو خلقه شديداً لفقدته مواطن الرحمة، ولو فطره وخلقه رحيماً لفقدته مواطن الشدة. والإسلام يطلب من المسلم الالتزام بالقيم الروحية والمادية لتحرس كل منهما الأخرى؛ لأن المسلمين لو راحوا للمادة فقط لصارات حضارتهم شرسة، ولو راحوا للقيم لما استطاعوا أن يقيموا حضارة تبقى وتدوم، والحق يريد حضارة تجمع بين الاثنين؛ الروح والمادة، لذلك يجمع الإسلام بين الاثنين؛ الروح والمادة؛ لأن اليهود في فهمهم لما افتقدت الروح، والنصرانية في فهمهم لها غرقت في الروحانيات وافتقدت المادة، وجاء القرآن مُصدقًا لما بين يديه، وهكذا جاءت الآية بالبلاغ عن أهل الكتاب. ويتابع البلاغ لأهل قريش قاطني مكة فيقول: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ}، ونعرف أن أم القرى تعني مكة، وقد حاول البعض أن يتخذ من هذه الآية حُجّة ليقول: إن القرآن قد نزل لجماعة العرب فقط، ولهؤلاء نقول: أنتم لم تحسنوا الفهم لمعطيات اللفظ، ولنسأل: ما الحَول أولاً؟. الحول هو المحيط الذي حول النقطة، أيّ نقطة وكل نقطة، وحول كل نقطة قُطْر وقد يكون القطر 20 كيلومترا، وقد يكون مائة كيلومتر، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله، وحول كل مكان يشمل كل مكان. ولماذا سميت أم القرى؟؛ إما لأن "هاجر" لما نزلت بابنها الرضيع بوادٍ غير ذي زرع، وبعد ذلك تكاثر الناس فصارت هي أم القرى، أو لأن فيها الكعبة، وكل الناس يؤمّونها، أو لأن الحاجّ يأتيها من كل صوب كما يهب ويسرع الأبناء ويلوذون بأمهم: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الأنعام: 92]. من - إذن - الذي يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزل مصدقاً لما بين يديه لينذر به أم القرى ومن حولها، ومن هم الذين يؤمنون بالآخرة؟ ولماذا جاء الربط بين أم القرى وما حولها وبين الذين يؤمنون بالآخرة؟. لأن أحداً لن يذهب لتعاليم القرآن ليأخذها وينفذها إلا من يؤمن بأن هناك يوماً نذهب فيه جميعاً إلى الآخرة. لذلك يخاف فيهرب من المعاصي، ويرغب في الطاعة؛ لأن هناك ثواباً وعقاباً، أما الذي لا يؤمن بالآخرة فلا يسمعك ولا ينصاع ولا ينقاد لك حين تأمره بالعفة؛ لأنه لا يرى ثواباً أو عقاباً ولا ينتهي عن السرقة أو الكبر أو الموبقات جميعاً؛ لأنه لا يخاف من الآخرة؟. إذا فالذي يملكنا جميعاً هو الآخرة والخوف منها، ومن لا يؤمن بالآخرة يقول أنا غير مُلزم بشيء، ولا شيء يقيّد حريتي. ثم لماذا أقيّد حريتي؟! وهنا نقول: أنت تأخذ الأمر بسطحية، فعلى فرض أن في قوانين السماء ما يقيد حريتك، لكنه لا يقيد حريتك وحدك، إنه يقيد حرية الكل، فإن قيد حريتك بالنسبة للناس، فهذه القوانين السماوية تقيد حرية الناس بالنسبة لك، فحين ينهاك الدين عن السرقة، وعن النظر إلى محارم الغير فهو يقول للناس كلها: لا تسرقوا من فلان ولا تنظروا إلى محارم فلان، وبذلك تأخذ حقك كاملاً، وبهذا تعيش في نظام متساوٍ لا تتعب فيه؛ لأن الجاري والمطبق عليك جارٍ على غيرك مع جريانه عليك. لكن من يؤمنون بالآخرة هم كل واحد يريد أن ينجي نفسه من العقاب، ومن الوعيد. ويدخل نفسه في الوعد وفي الثواب. فمثلاً - ولله المثل الأعلى - حين نقول للولد: اذهب لتلقى العلم، قد يرد: أنا لا أريد شهادة، فيجبره والده في البداية أن يستذكر، ثم نجد الشاب بعد مشوار المذاكرة يخاف من الرسوب وأن عليه أن يجتهد وأن ينجح. أما إن لم يوجد امتحان في آخر العام فالمذاكرة وعدمها سواء لديه. فمن أقرب - إذن - إلى الاستجابة لنداء العدل والخير؟ إنه من يؤمن بالآخرة. {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92]. ولماذا جاء بالحفاظ على الصلاة هنا؟. نحن نعلم أن الصلاة، هي عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، وحين نحلل الأمر تحليلاً طبيعياً نجد أن الناس تنفر من الطاعات لأنها تأخذ زمناً يحبون أن يقضوه في اللعب، وحين نقول لواحد مثلاً: اترك عملك وصل. قد يرد: لا؛ لأني حين أترك عملي يضيع عليّ كذا. ولو كان طبيباً لذكر عددا من مرضى سيكشف عليهم، ولو كان عاملاً لقال: إن توقف الآلة في أثناء الصلاة يجعلني أخسر كثيراً. وهنا نقول: يا أخي تعال إلى الطاعة، والبركة تعوض لك ما تظن أنك تخسره، وإذا نظرت إلى أركان الإسلام تجدها بالنسبة لانشغال الزمن بها لا تأخذ الكثير من الوقت؛ فشهادة أن لا إله إلا الله مُحمد رسول الله لا تحتاج منك إلا إلى أن تقولها مرة واحدة، وهذا ركن لم يستغرق زمناً طويلاً بالنسبة لأدائه، والزكاة لا تأخذ منك إلا ما تعطيه يوم الحصاد، وهذا يستغرق وقتا قليلا، وكذلك زكاة المال آخر العام، والصوم شهر في السنة، وإذا كان زمن الصوم أوسع قليلاً إلا أنه وقت لا يمر إلا كل عام. والحج مرة في العمر إن كنت مستطيعاً. إذن أنت تجد التكاليف الركنية في الإسلام بالنسبة للأزمان وقتها يسير وقليل لمن يحرص عليها، لكن الصلاة تؤدي في كل يوم خمس مرات، ورقعتها بالنسبة للزمن أوسع. وأداؤها يحتاج إلى طهارة من حدث أو جنابة وكذلك طهارة المكان؛ لذلك جاءت الصلاة ركناً أصيلاً في الإسلام. وأنت لا تعرف الإنسان إن كان مسلماً إلا إذا سمع الأذان وقام يصلي. لذلك هي الفارقة بين المسلم وغير المسلم؛ لأن الأركان الأخرى أزمانها محصورة، ومع أنها كذلك إلا أنها أخذت من التشريع حظها من الركنية الأصيلة. إنّ كل تشريعات الإسلام أركاناً وفروعاً جاءت بالوحي إلا الصلاة؛ فقد جاءت بالمباشرة؛ لأن الصلاة دعاء الخالق خلقه لحضرته؛ لذلك كان لا بد أن يكون تشريعها بهذه الصورة الفريدة، تشريعاً جاء بالحضرة الإلهية. وشيء آخر: ما دامت الصلاة هي العمدة في الدين فكأن الصلاة تقول للأركان الأخرى: أنا أجمعكم وأضمكم وأشملكم جميعا؛ فالمسلم في أثناء الصلاة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. والمسلم يصوم في أثناء الصلاة عن شهوتي البطن والفرج بل وتكون الصلاة صوماً لا عن الأكل والشرب، وشهوة الفرج فقط بل هي إمساك عن كل حركة، وفي الصلاة زكاة؛ لأن الزكاة تعني أن تخرج بعضاً من مالك، والمال فرع العمل، والعمل فرع الوقت. وأنت حين تصلي إنما تزكي بالأصل وهو وقت العمل، وأنت في الصلاة تتوجه إلى الكعبة كما يتجه الحاج والمعتمر، إذن ففي الصلاة كل أركان الإسلام مجتمعة. إذن فأهمية الصلاة أنها قد اندمج فيها كل ركان الإسلام، وبها يتحقق الاستطراق الاجتماعي للخلافة في الأرض؛ لأن الخلافة في الأرض تقتضي مواهب متعددة، وطاقات متعددة، ولا يمكن لخليفة واحد في الأرض أن يكون مجمع هذه المواهب بل لا بد أن تتفرق المواهب في المتفرق والشتيت من الناس، فلا يمكن أن يكون الإنسان الواحد مهندساً وطبيباً ومحامياً وصانعاً وحارثاً وزارعاً وتاجراً. ولذلك وزع الله سبحانه وتعالى مقتضيات الخلافة في الأرض على الخلفاء في الأرض توزيعاً يجعل الالتقاء ضرورياً وليس تَفضُّلياً، بحيث تكون أنت في حاجة إلى مواهب ليست عندك فتذهب لصاحبها. وصاحبها أيضا يحتاج إلى مواهب عندك ليست عنده فيأتي إليك. وانظروا إذا شاء واحد أن يستغني في بعض الأشياء التي يقوم بها الغير كم يتعب؟، فإذا ما أتعبه السباكون وآلموه في الأجور. وحاول تعلم السباكة، ولا بد له أن يتعلمها من سباك. وكذلك حياكة الملابس. ومعنى ذلك أن الله أبقى المواهب متفرقة مشتتة في الخلق ليحتاج كل خلق إلى كل الخلق. والناس لا تنظر إلى جهة التميّز إلا إلى شيء واحد هو: الغِنى. ونقول الغِنى المالي أو العقاري هو نوع فقط من المواهب؛ لأنك مثلاً إذا نظرت إلى العَالِم الذي يظل عشرين عاماً يستوعب العلم، ثم يقابله من يستفتيه في فتوى فيقولها له مجاناً، ولو علم هذا السائل ماذا تكلف الأستاذ الذي أفتاه طوال عشرين سنة بحثاً في الكتب وسماعاً من الأساتذة واستنباطاً من الأحكام لدفع مكافأة لهذه الفتوى؛ لأن العالِم كان مُسخراً لمدة عشرين عاماً لتأخذ أنت الفتوى في نضجها النهائي في يسر وسهولة وتنتفع بها. وحين نرى من يمسح الحذاء، ونجد صاحب الحذاء وهو يمد وهو يمد رجله والاخر يمسح الحذاء تقول لنفسك: لماذا كل هذا الزهو لصاحب الحذاء، ولماذا هذا الانكسار لماسح الأحذية؟. وأقول: أنت رأيت صاحب الحذاء وقت راحته، ورأيت ماسح الأحذية وهو في وقت عمله. ولو عرفت كيف جاء صاحب الحذاء بالنقود التي سيدفعها لماسح الأحذية لعلمت أنه كان مسخراً له ساعة كان يعمل ليحصل على النقود ليعطي مها ماسح الأحذية، ولذلك قال الحق: {أية : لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32] والناس لا تنظر في التسخير إلا للغني والفقير، ونقول: خذوا التسخير على أن كل واحد في الكون مُسخّر في الموهبة التي عنده، ومُسخّر له في المواهب التي ليست عنده. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يربط الناس بهذا ربطاً قسرياً وليس تفضّلياً؛ لأن من عنده أولاد يريدون أن يأكلوا وامرأة تحتاج إلى أن تَطْعَم ولا يملك نقوداً، وليس أمامه من عمل سوى نزح المجاري، فيأتي بأدوات نزح المجاري، ويؤدي العمل ليعول من يعولهم، ولولا ارتباطه بضرورة الحياة له ولمن يعول لما عمل في مثل هذا العمل، إذن فهو مربوط ربطاً ضرورياً ليؤدي خدمة في الكون. ولو كان كل البشر يعيشون في رغد العيش أكان هناك من يتطوع لينزح المجاري؟ لا يحدث ذلك أبداً، لأنه عمل لا يأتي بالتفضل بل بالاحتياج. وهكذا نرى أن الخلافة في الأرض تقتضي استطراقاً، وهذا الاستطراق لا يدوم كثيراً؛ فمرة تكون القوة لإنسان ثم تذهب منه، ومرة يكون الثراء لإنسان ثم ينحسر عنه هذا الغِنى، ولذلك أخبرنا الحق أنه جعل الأيام دُوَلاً بين الناس ليستقيم العالم بارتباط الضرورة في بعض الأعمال، وإن بدا لنا أن هناك مواهب تميز بين الناس في شكلهم، وفي هندامهم، وفي مطيتهم، تجد الطبيب يعمل في أكثر من مكان، وإن سار على رجليه لتعب، لذلك يشتري سيارة، ويظن من يراها أن السيارة امتياز لا مثيل له، متناسياً أن هذه السيارة تقضي مصالح الرجل ليخدم الآخرين. مثال آخر: أنت إن نظرت إلى كوب الشاي الذي تشربه بمزاج وليس لضرورة حيوية، وإن جاءك من يقدم لك الشاي ليقول: إن الشاي قد نفد من المقهى، فتعطيه جنيهاً وتقول: هات كيساً من الشاي من عند البقال، ويذهب الغلام ليحضر علبة الشاي فيجد البقال وكأنه قد جهزها له، وأنت لا تعرف أن علبة الشاي هذه قد أخذت وقتا وعملا من اثنين أو ثلاثة لتصل إليك؛ لأن الحق قد كلف أناساً ليزرعوا الشاي في بعض البلاد، وأناساً آخرين يستوردونه، ثم تأتيك علبة الشاي لتصنع منها كوباً لتشربه. إذن فمسألة كلها تسخيرات؛ لذلك توجد الفوارق الاجتماعية التي تقتضيها أعمالنا، ويذيب الحق هذه الفوارق بأن جعل في الصلاة استطراقاً للجميع، وتلتفت ساعة يقول المؤذن: (الله أكبر) أن الكل قد جاء، الغني قبل الفقير، والخفير مع الأمير، ويخلع الجميع أقدارهم خارج المسجد مع نعالهم ليتساوَوْا في الصلاة، ومن له رئيس يتكبر عليه يراه وهو ساجد مثله لله، فتريحه لحظة استطراق العبودية. ولنفرض أن كلاً منا سيصلي بمفرده في الصلاة اليومية، لكن عندما يؤذن المؤذن لصلاة الجمعة، يأمرنا الحق أن نَذَر ونترك كل شيء لنؤدي صلاة الجمعة معاً. ويرى الضعيف عظيماً يتضرع مثله إلى الله، ويرى القوي نفسه بجانب الضعيف، وحين يعود كل منا إلى عمله تسقط أقنعة القوة والزهو؛ لأننا جميعاً نقف أمام خالق واحد وكلنا سواء. إن هذا هو الاستطراق الاجتماعي؛ لأننا حين نرقب بعضنا في أثناء الصلاة نجد أنفسنا في حضرة الرَّب الذي أعد لنا الكون، وسخّره لنا، وأعطانا الطاقات، وأعطانا المواهب، وإذا تأملنا واحداً له وظيفة كبيرة جداً، فأنت حين ترغب في لقائه تكتب التماساً، ويُنْظَر في الالتماس، فإمّا أن يوافقوا وإمّا لا يوافقوا على لقائك به. وإن وافقوا يسألوك: في أي أمر ستتكلم؟ وسيُحدد لك الوقت الذي ستجلس فيه معه وليكن ثلاث دقائق مثلا، وحين تجلس إليه وتنسى نفسك يقوم هو ليدلك على أن المقابلة انتهت، لكن ربنا يقول لنا: تعالوْا لي في أي وقت، وكلموني في أي شيء، وأنا لا أملّ حتى تملُّوا، وأنتم يا عبيدي مَنْ تنهون المقابلة، وهذا عطاء كثير جداً. يغدقه المولى عزوجل على عباده. فهل هناك ربوبية أفضل من هذه؟. إذن فالصلاة إذا نظرت إليها وجدت أنها: جماع كل فضائل الدين وفيها كل الفضائل للمجتع"؛ لذلك جعلها الله عماد الدين. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَهَذَا } القرآن الذي { أَنزلْنَاهُ } إليك { مُبَارَكٌ } أي: وَصْفُه البركة، وذلك لكثرة خيراته، وسعة مبراته. { مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } أي: موافق للكتب السابقة، وشاهد لها بالصدق. { وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: وأنزلناه أيضا لتنذر أم القرى، وهي: مكة المكرمة، ومن حولها، من ديار العرب، بل، ومن سائر البلدان. فتحذر الناس عقوبة الله، وأخذه الأمم، وتحذرهم مما يوجب ذلك. { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ } لأن الخوف إذا كان في القلب عمرت أركانه، وانقاد لمراضي الله. { وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } أي: يداومون عليها، ويحفظون أركانها وحدودها وشروطها وآدابها، ومكملاتها. جعلنا الله منهم.

همام الصنعاني

تفسير : 825- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ} [الآية: 92] قال: هي مكة.