٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتاباً نازلاً من عند الله وبين ما فيه من صفات الجلالة والشرف والرفعة، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الكذب والافتراء فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة: فأولها: أن يفتري على الله كذباً. قال المفسرون: نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء، فإنهما كانا يدعيان النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب والافتراء، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة. قال القاضي: الذي يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعي الرسالة كذباً، ولكن لا يقتصر عليه، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو برىء منه، إما في الذات، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد. قال: والافتراء على الله في صفاته، كالمجسمة، وفي عدله كالمجبرة، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم بأن افتروا على الله الكذب، وأقول: أما قوله: المجسمة قد افتروا على الله الكذب، فهو حق. وأما قوله: إن هذا افتراء على الله في صفاته، فليس بصحيح. لأن كون الذات جسماً ومتحيزاً ليس بصفة، بل هو نفس الذات المخصوصة، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم، كان معناه أنه يقول: جميع الأجسام والمتحيزات محدثة، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز، والمجسم ينفي هذه الذات، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة، بل في الذات. وأما قوله: المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته، فليس بصحيح، لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح، فإن كذبوا في هذه القضية، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله؟ وإن صدقوا في ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى، وذلك عين ما نسميه بالجبر، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر على حصول المرجح. فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية، بل يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية. والنوع الثاني: من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله: {أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } والفرق بين هذا القول وبين ما قبله، أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، وأما في هذا القول، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام، وكان هذا جمعاً بين نوعين عظيمين من الكذب، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود. والنوع الثالث: قوله: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ } قال المفسرون: المراد ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } وقوله في القرآن: إنه من أساطير الأولين، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله، وحاصله: أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن. وروي أيضاً أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام، فلما نزل قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] أملاء الرسول عليه السلام، فلما انتهى إلى قوله: {ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر} عجب عبد الله منه فقال: فتبارك الله أحسن الخالقين! فقال الرسول: «حديث : هكذا أنزلت الآية»تفسير : ، فسكت عبد الله وقال: إن كان محمد صادقاً، فقد أوحي إليّ، وإن كان كاذباً فقد عارضته، فهذا هو المراد من قوله: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ }. أما قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } فاعلم أن أول الآية وهو قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } يفيد التخويف العظيم على سبيل الإجمال وقوله بعد ذلك: {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } كالتفصيل لذلك المجمل، والمراد بالظالمين الذين ذكرهم، وغمرات الموت جمع غمرة وهي شدة الموت، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، ومنه غمرة الماء، وغمرة الحرب، ويقال غمره الشيء إذا علاه وغطاه. وقال الزجاج: يقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك. وغمره الدين إذا كثر عليه هذا هو الأصل، ثم يقال للشدائد والمكاره: الغمرات، وجواب «لو» محذوف، أي لرأيت أمراً عظيماً، والملائكة باسطو أيديهم قال ابن عباس: ملائكة العذاب باسطو أيديهم يضربونهم ويعذبونهم، كما يقال بسط إليه يده بالمكروه أخرجوا أنفسكم. ههنا محذوف، والتقدير: يقولون أخرجوا أنفسكم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية سؤال: وهو أنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الكلام؟ فنقول: في تفسير هذه الكلمة وجوه: الوجه الأول: ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة فأدخلوا جهنم فغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات، والملائكة باسطو أيديهم عليهم بالعذاب يبكتونهم، ويقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن قدرتم. الوجه الثاني: أن يكون المعنى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند نزول الموت بهم في الدنيا والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام. والوجه الثالث: أن قوله: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخرج إلي ما لي عليك الساعة ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك. والوجه الرابع: أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء والشدة إلى حيث تولى بنفسه إزهاق روحه. والوجه الخامس: أن قوله: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } ليس بأمر، بل هو وعيد وتقريع، كقول القائل: امض الآن لترى ما يحل بك. قال المفسرون: إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج، لأنها تصير إلى أشد العذاب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» تفسير : وذلك عند نزع الروح، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح: المسألة الثانية: الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية، وقالوا: لا شك أن قوله: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } معناه: أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة، لم يتم هذا الاستدلال. ثم قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } قال الزجاج: عذاب الهون أي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد. قال تعالى: {أية : أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ }تفسير : [النحل: 59] والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام وبين الإهانة، فإن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة. قال بعضهم: الهون هو الهوان، والهون هو الرفق والدعة. قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً } تفسير : [الفرقان: 63] وقوله: {أية : بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [الأنعام: 93] وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله، والتكبر على آيات الله. وأقول: هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه. وذكر الواحدي: أن المراد بقوله: {وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } أي لا تصلون له قال عليه السلام: «حديث : من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر».
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} ابتداء وخبر؛ أي لا أحد أظلم. {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ} أي ٱختلق. {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ} فزعم أنه نبيّ {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}. نزلت في رحمان اليمامة والأسود العَنْسِيّ وسَجَاح زوج مسيْلِمَة؛ كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه. قال قتادة: بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيْلِمة؛ وقاله ابن عباس. قلت: ومن هذا النَّمط من أعرض عن الفقه والسّنَن وما كان عليه السلف من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا؛ فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوّها عن الأغيار، فتتجلّى لهم العلوم الإلٰهية والحقائق الرّبانية، فيقفون على أسرار الكليّات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك الْمُفْتُون؛ ويستدلّون على هذا بالخَضْر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زَنْدَقَةٌ وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هدّ الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. وسيأتي لهذا المعنى في «الكهف» مزيد بيان إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} «مَن» في موضع خفض؛ أي ومن أظلم ممن قال سأنزل، والمراد عبد الله بن أبي سَرْح الذي كان يكتب الوَحْيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ٱرتدّ ولَحِق بالمشركين. وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون: أنه لما نزلت الآية التي في «المؤمنون»: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ }تفسير : [المؤمنون: 12] دعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه؛ فلما انتهى إلى قوله «ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ» عَجِب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال: «تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَن الْخَالِقِينَ». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت عليّ» فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحِيَ إليّ كما أوحِي إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلتُ كما قال. فارتدّ عن الإسلام ولحِق بالمشركين؛ فذلك قوله: «وَمَنْ قَالَ سَأنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ» رواه الكلبي عن ابن عباس. وذكره محمد بن إسحاق قال حدّثني شَرَحْبِيل قال: حديث : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح «وَمَنْ قَالَ سَأنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ» ٱرتدّ عن الإسلام، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خَطَل ومِقْيَس بن صُبَابة ولو وُجدوا تحت أستار الكعبة؛ ففرّ عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمُّه عثمانَ، فغيّبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما ٱطمأن أهل مكة فاستأمنه له؛ فصمَت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم قال: «نعم». فلما ٱنصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضُكم فيضربَ عُنُقَه». فقال رجل من الأنصار: فهلاّ أوْمَأْتَ إليّ يا رسول الله؟ فقال: «إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين»تفسير : . قال أبو عمر: وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيامَ الفتح فحسُن إسلامه، ولم يظهر منه ما يُنكر عليه بعد ذلك. وهو أحد النُّجبَاء العقلاء الكرماء من قريش، وفارسُ بني عامر بن لُؤيّ المعدودُ فيهم، ثم ولاّه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وفتح على يديه إفرِيقِيّة سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النُّوبَة سنة إحدى وثلاثين، وهو هادنهم الهُدْنة الباقية إلى اليوم. وغزا الصَّوارِي من أرض الرُّوم سنة أربع وثلاثين؛ فلما رجع من وِفاداته منعه ابن أبي حُذيفة من دخول الفُسْطَاط، فمضى إلى عَسْقلان، فأقام فيها حتى قُتل عثمان رضي الله عنه. وقيل: بل أقام بالرَّمْلة حتى مات فارًّا من الفتنة. ودعا ربه فقال: اللَّهُمَّ ٱجعل خاتمة عملي صلاة الصبح؛ فتوضأ ثم صلّى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، ثم ذهب يسلّم عن يساره فقبض الله روحه. ذكر ذلك كلّه يزيدُ بن أبي حبيب وغيرُه. ولم يُبايع لعليّ ولا لمعاوية رضي الله عنهما. وكانت وفاته قبل ٱجتماع الناس على معاوية. وقيل: إنه تُوُفِّي بإفريقِيّة. والصحيح أنه تُوُفِّيَ بعَسْقلان سنة ست أو سبع وثلاثين. وقيل: سنة ست وثلاثين. وروى حفص بن عمر عن الحَكم بن أبَان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النّضر بن الحارث؛ لأنه عارض القرآن فقال: والطاحنات طحناً. والعاجنات عجناً. فالخابزات خبزاً. فاللاقمات لقماً. قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} أي شدائده وسكراته. والغَمْرة الشدّة؛ وأصلها الشيء الذي يغمُر الأشياء فيُغطّيها. ومنه غَمَرَه الماء. ثم وُضعت في معنى الشدائد والمكاره. ومنه غَمَرات الحرب. قال الجوهري: والغَمْرة الشدة، والجمع غُمَر مثل نَوبة ونُوَب. قال القُطَامِيّ يصف سفينة نوح عليه السلام:شعر : وحَـانَ لِتالِكَ الغُمَـرِ انْحِسَـارُ تفسير : وغَمَراتُ الموت شدائده. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} ابتداء وخبر. والأصل باسطون. قيل: بالعذاب ومَطارق الحديد؛ عن الحسن والضحاك. وقيل: لقبض أرواحهم؛ وفي التنزيل: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 50] فجمعت هذه الآية القولين. يقال: بسط إليه يده بالمكروه. {أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل: أخرجوها كرهاً؛ لأن روح المؤمن تَنْشَط للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تُنْتَزع ٱنتزاعاً شديداً، ويقال: أيتها النفس الخبيثة ٱخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله وَهَوانه؛ كذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره. وقد أتينا عليه في كتاب «التذكرة» والحمد لله. وقيل: هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه: لأذيقنّك العذاب ولأخرجنّ نفسك؛ وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها مَلَك الموت وأعوانه. وقيل: يقال هذا للكفار وهم في النار. والجواب محذوف لعظم الأمر؛ أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذاباً عظيماً. والهون والهوان سواء. و{تَسْتَكْبِرُونَ} أي تتعظّمون وتأنفون عن قبول آياته.
البيضاوي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعم أنه بعثه نبياً كمسيلمة والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكاماً كعمرو بن لحي ومتابعيه. {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء} كعبد الله بن سعد بن أبي سرح (كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ} فلما بلغ قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخر} قال عبد الله (فتبارك الله أحسن الخالقين) تعجباً من تفصيل خلق الإِنسان فقال عليه الصلاة والسلام: اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحي ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال). {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ} كالذين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا. {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه أي ولو ترى الظالمين. {فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } شَدَائده من غمره الماء إذا غشيه. {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ أو بالعذاب. {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} أي يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظاً وتعنيفاً عليهم، أو أخرجوها من العذاب وخلصوها من أيدينا. {ٱلْيَوْمَ} يريدون وقت الإِماتة، أو الوقت الممتد من الإِماتة إلى ما لا نهاية له. {تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي الهوان يريدون العذاب المتضمن لشدة وإهانة، فإضافته إلى الهون لعراقته وتمكنه فيه. {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ} كادعاء الولد والشريك له ودعوى النبوة والوحي كاذباً. {وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شركاء أو ولداً، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ} قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي؛ مما يفتريه من القول؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ} تفسير : [الأنفال: 31] الآية، قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} أي: في سكراته، وغمراته، وكرباته، {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} أي: بالضرب، كقوله: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى} تفسير : [المائدة: 28] الآية، وقوله: {أية : وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [الممتحنة:2] الآية، وقال الضحاك وأبو صالح: باسطو أيديهم، أي: بالعذاب؛ كقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 50] ولهذا قال: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} أي: بالضرب لهم، حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم: {أَخْرِجُوۤاْ أَنفُسَكُمُ} وذلك أن الكافر إذا احتضر، بشرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة، حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: {أَخْرِجُوۤاْ أَنفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} الآية، أي: اليوم تهانون غاية الإهانة؛ كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله. وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت، وهي مقررة عند قوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ} تفسير : [إبراهيم: 27] وقد ذكر ابن مردويه ههنا حديثاً مطولاً جداً من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعاً، فالله أعلم، وقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: يقال لهم يوم معادهم هذا؛ كما قال: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الكهف: 48] أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث، وقوله: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ وما سوى ذلك فذاهب، وتاركه للناس» تفسير : وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بَذَخٌ، فيقول الله عز وجل: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا بن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً، وتلا هذه الآية: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} الآية، رواه ابن أبي حاتم، وقوله: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة، تقطعت بهم الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب جل جلاله على رؤوس الخلائق: {أية : أَيْنَ شُرَكَآئِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [القصص: 74] وقيل لهم: {أية : أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ } تفسير : [الشعراء: 92 - 93] ولهذا قال ههنا: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} أي: في العبادة لهم، فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم. ثم قال تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قرىء بالرفع، أي: شملكم، وبالنصب، أي: لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل: {وَضَلَّ عَنكُم} أي: ذهب عنكم {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} من رجاء الأصنام والأنداد؛ كقوله تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [البقرة: 166 - 167] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] وقال تعالى: {أية : وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 25] وقال: {أية : وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} تفسير : [القصص: 64] الآية، وقال: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} تفسير : [الأنعام: 22] إلى قوله: {أية : وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 24] والآيات في هذا كثيرة جداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بادّعاء النبوّة ولم ينبأ {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ } نزلت في مسيلمة {وَ} مِنْ {مَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ } وهم المستهزئون قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا {وَلَوْ تَرَى } يا محمد {إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ } المذكورون {فِى غَمَرَاتِ } سكرات {ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } إليهم بالضرب والتعذيب يقولون لهم تعنيفاً {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } إلينا لنقبضها {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } الهوان {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ } بدعوى النبوّة والإِيحاء كذباً {وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } تتكبرون عن الإيمان بها، وجواب «لو» لرأيت أمراً فظيعاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيْءٌ} فيمن نزل فيه ذلك قولان: أحدهما: أنه مسيلمة الكذاب، قاله عكرمة. والثاني: مسيلمة والعنسي، قاله قتادة. وقد روى معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ كَأَنَّ فِي يَديَّ سُوَارَينِ مِن ذَهبٍ، فَكَبُرَ عليَّ، فَأُوحِي إِلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُ ذَلِكََ كَذَّابَ اليَمَامَةِ وَكَذَّابَ صَنْعَاءَ العَنَسِي ". تفسير : {وَمَن قَالَ سَأُنزِلَ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من تقدم ذكره من مدعي الوحي والنبوة. والثاني: أنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، قاله السدي، قال الفراء: كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فإذا قال النبي: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كتب {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} و{عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هُمَا سَوَاء" تفسير : حتى أملى عليه {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ} إلى قوله: {خَلْقاً أَخَرَ} فقال ابن أبي السرح: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَْحْسَنُ الْخَالِقِينَ} تعجباً من تفصيل خلق الإِنسان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هَكَذَا نَزَلَتْ"، تفسير : فشك وارتد. والثالث: ما حكاه الحكم عن عكرمة: أنها نزلت في النضر بن الحارث، لأنه عارض القرآن، لأنه قال: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، فاللاقمات لقماً. وفي قوله: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ} قولان: أحدهما: باسطوا أيديهم بالعذاب، قاله الحسن، والضحاك. والثاني: باسطو أيديهم لقبض الأرواح من الأجساد، قاله الفراء. ويحتمل ثالثاً: باسطوا أيديهم بصحائف الأعمال. {أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ} فيه قولان: أحدهما: من أجسادكم عند معاينة الموت إرهاقاً لهم وتغليظاً عليهم، وإن كان إخراجها من فعل غيرهم. والثاني: أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم، تقريعاً لهم وتوبيخاً بظلم أنفسهم، قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: أن يكون معناه خلصوا أنفسكم بالاحتجاج عنها فيما فعلتم. {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} والهون بالضم الهوان، قاله ذو الأصبع العدواني: شعر : أذهب إليك أمي براعية ترعى المخاض ولا أغضي على الهون تفسير : وأما الهَوْن بالفتح فهو الرفق ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوناً} يعني برفق وسكينة، قال الراجز: شعر : هونكما لا يرد الدهر ما فاتا لا تهلكن أسى في أثر من ماتا تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الفرادى الواحدان، ويحتمل وجهين: أحدهما: فرادى من الأعوان. والثاني: فرادى من الأموال. {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ} يعني ما ملكناكم من الأموال، والتخويل تمليك المال، قال أبو النجم: شعر : أعطى فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول تفسير : {وَمَا نَرَى مَعَكُم شُفعاءَكُمُ} فيه وجهان: أحدهما: آلهتهم التي كانوا يعبدونها، قاله الكلبي. والثاني: الملائكة الذين كانوا يعتقدون شفاعتهم، قاله مقاتل. {الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} فيه وجهان: أحدهما: يعني شفعاء، قاله الكلبي. والثاني: أى متحملين عنكم تحمل الشركاء عن الشركاء. {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: تفرق جمعكم في الآخرة. والثاني: ذهب تواصلكم في الدنيا، قاله مجاهد. ومن قرأ {بَيْنَكُمْ} بالفتح، فمعناه تقطع الأمر بينكم. {وَضَلَّ عَنَكُم مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: من عدم البعث والجزاء. والثاني: من شفعائكم عند الله. فإن قيل: فقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} خبر عن ماض، والمقصود منه الاستقبال؟ فعن ذلك جوابان. أحدهما: أنه يقال لهم ذلك في الآخرة فهو على الظاهر إخبار. والثاني: أنه لتحققه بمنزلة ما كان، فجاز، وإن كان مستقبلاً أن يعبر عنه بالماضي.
ابن عطية
تفسير : هذه الفاظ عامة فكل من واقع شيئاً مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في الظلم الذي قد عظمه الله تعالى بقول: {ومن أظلم} أي لا أحد أظلم وقال قتادة وغيره: المراد بهذه الآيات مسيلمة والأسود العنسي، وذكروا برؤية النبي عليه السلام للسوارين وقال السدي: المراد بها عبد الله بن سعد بن أبي سرح الغامدي وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة فلما نزلت {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر} تفسير : [المؤمنون:14] فقال عبد الله بن سعد من تلقاء نفسه {أية : فتبارك الله أحسن الخالقين} تفسير : [المؤمنون:23] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اكتبها فهكذا أنزلت تفسير : ، فتوهم عبد الله ولحق بمكة مرتداً وقال أنا أنزل مثل ما أنزل الله، وروي عنه أيضاً أن النبي عليه السلام ربما أملى عليه "والله غفور رحيم" فبدلها هو "والله سميع عليم" فقال النبي عليه السلام: حديث : ذلك سواء ونحو هذا تفسير : ، وقال عكرمة: أولها في مسيلمة والآخر في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وذكر الزهراوي والمهدوي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن بقوله والزارعات زرعاً والخابزات خبزاً إلى غير ذلك من السخافات. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فخصص المتأولون في هذه الآيات ذكر قومٍ قد يمكن أن كانوا أسباب نزولها ثم هي إلى يوم القيامة تتناول من تعرض شيئاً من معانيها كطليحة الأسدي والمختار بن أبي عبيد وسواهما وقرأ الجمهور "سأنزل مثل ما أنزل" بتخفيف وقرأ أبو حيوة "سأنَزّل" بفتح النون وتشديد الزاي. قوله عز وجل: {ولو ترى إذ الظالمون} الآية، جواب {لو} محذوف تقديره لرأيت عجباً أو هولاً ونحو هذا وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه لأن السامع إذا لم ينص له الجواب يترك مع غاية تخيله و {الظالمون} لفظ عام لمن واقع ما تقدم ذكره وغير ذلك من أنواع الظلم الذي هو كفر و "الغمرات" جمع غمرة وهي المصيبة المبهمة المذهلة، وهي مشبهة بغمرة الماء، ومنه قول الشاعر [بشر بن أبي خازم]: [الوافر] شعر : وَلاَ يُنْجِي مِنَ الغَمَرَاتِ إلاّ بَراكاءُ القِتَالِ أوِ الْفرَارُ تفسير : {والملائكة} ملائكة قبض الروح، و {باسطو أيديهم} كناية عن مدها بالمكروه كما قال تعالى حكاية عن ابني آدم: {أية : لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني} تفسير : [المائدة:28]. وهذا المكروه هو لا محالة أوائل عذاب وأماراته، قال ابن عباس: يضربون وجوههم وأدبارهم، وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون والكفرة، وقيل إن المراد بسط الأيدي في جهنم، والغمرات كذلك لكنهم لا يقضى عليهم فيموتوا، وقوله {أخرجوا أنفسكم} حكاية لما تقوله الملائكة، والتقدير يقولون أخرجوا أنفسكم، ويحتمل قول الملائكة ذلك أن يريدوا فأخرجوا أنفسكم من هذه المصائب والمحن وخلصوها إن كان ما زعمتموه حقاً في الدنيا، وفي ذلك توبيخ وتوقيف على سالف فعلهم القبيح، قال الحسن: هذا التوبيخ على هذا الوجه هو في جهنم، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الزجر والإهانة كما يقول الرجل لمن يقهره بنفسه على أمر ما أفعل كذا، لذلك الأمر الذي هو يتناوله بنفسه منه على جهة الإهانة وإدخال الرعب عليه. وقوله تعالى: {اليوم تجزون عذاب الهون} الآية، هذه حكاية عن قول الملائكة للكفرة عند قبض أرواحهم، و {الهون} الهوان ومنه قول ذي الصبع: [البسيط] شعر : إلَيْكَ عني فما ألمى براعية تَرْعَى المخَاضَ ولا أفضى على الهُونِ تفسير : وقرأ عبد الله بن مسعود وعكرمة "عذاب الهوان" بالألف. وقوله تعالى {تقولون على الله غير الحق} لفظ جامع لكل نوع من الكفر ولكنه يظهر منه ومن قوله {وكنتم عن آياته تستكبرون} الإنحاء على من قرب ذكره من هؤلاء الذين ادعوا الوحي وأن ينزلوا مثل ما أنزل الله، فإنها أفعال بين فيها "قول غير الحق على الله" وبين فيها الاستكبار.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِمَّنِ افْتَرَى} نزلت في مسيلمة، أو فيه وفي العَنْسي {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ} مسيلمة، أو مسيلمة والعنسي، أو عبد الله بن سعد بن أبي السرح كان يكتب للرسول صلى الله عليه وسلم فإذا قال له: غفور رحيم، كتب سميع عليم، أو عزيز حليم، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم هما سواء حتى أملى عليه {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ}تفسير : إلى قوله {أية : خَلْقاً آخَرَ}تفسير : [المؤمنون: 12 - 14]، فقال ابن أبي السرح: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} تعجباً من تفصيل خلق الإنسان، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا أُنزلت، فشك وارتدّ. {بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ} بالعذاب، أو لقبض الأرواح. {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} من العذاب، أو من الأجساد {الْهُونِ} الهوان، والهَوْن: الرفق.
النسفي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } هو مالك بن الصيف {أَوْ قَالَ أُوْحِي إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } هو مسيلمة الكذاب {وَمَن قَالَ } في موضع جر عطف على {مَنِ ٱفْتَرَىٰ } أي وممن قال {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ } أي سأقول وأملي هو عبد الله بن سعد ابن أبي سرح كاتب الوحي، وقد أملى النبي عليه السلام عليه {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } إلى {أية : خَلْقاً ءاخَرَ } تفسير : [المؤمنون: 14] فجرى على لسانه {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14]. فقال عليه السلام: «حديث : اكتبها فكذلك نزلت»تفسير : فشك وقال: إن كان محمد صادقاً فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً فقد قلت كما قال، فارتد ولحق بمكة. أو النضر ابن الحرث كان يقول: والطاحنات طحناً فالعاجنات عجناً فالخابزات خبزاً كأنه يعارض {وَلَوْ تَرَىٰ } جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً {إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ } يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس فيدخل هؤلاء لاشتماله {فِي غَمْرَاتِ ٱلْمَوْتِ } شدائده وسكراته {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ بَاسِطُوآ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم، وهذه عبارة عن التشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أرادوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع. والهون: الهوان الشديد وإضافة العذاب إليه كقولك «رجل سوء» يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ } من أن له شريكاً وصاحبة وولداً. {غَيْرَ ٱلْحَقِّ } مفعول {تَقُولُونَ } أو وصف لمصدر محذوف أي قولاً غير الحق {وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } فلا تؤمنون بها {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا } للحساب والجزاء {فرٰدىٰ} منفردين بلا مال ولا معين وهو جمع فريد كأسير وأسارى { كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ } في محل النصب صفة لمصدر {جِئْتُمُونَا } أي مجيئاً مثل ما خلقناكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ } على الهيئات التي ولدتم عليها في الانفراد {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ } ملكناكم {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } ولم تحتملوا منه نقيراً {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰوءُاْ} في استعبادكم { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بينكم وصلكم عن الزجاج والبين: الوصل والهجر قال شعر : فوالله لولا البين لم يكن الهوى ولولا الهوى ما حن للبين الف تفسير : بَيْنِكُمْ } مدني وعلي وحفص أي وقع التقطع بينكم {وَضَلَّ عَنكُم } وضاع وبطل {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم عند الله. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ } بالنبات والشجر أي فلق الحب عن السنبلة والنواة عن النخلة، والفلق: الشق، وعن مجاهد: أراد الشقين اللذين في النواة والحنطة {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } النبات الغض النامي من الحب اليابس {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ } الحب اليابس من النبات النامي، أو الإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، فاحتج الله عليهم بما يشاهدونه من خلقه لأنهم أنكروا البعث فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياء فهو يقدر على بعثهم. وإنما قال {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ } بلفظ اسم الفاعل لأنه معطوف على فالق الحب لا على الفعل {وَيُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } موقعه موقع الجملة المبينة لقوله {فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي في حكم الحيوان دليله قوله: {أية : ويحيي الأرض بعد موتها } تفسير : [الروم: 19]. {ذَٰلِكُـمُ ٱللَّهُ } ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية لا الأصنام {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عنه وعن تواليه إلى غيره بعد وضوح الأمر بما ذكرنا {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } هو مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو خالق نور النهار {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ } {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ } كوفي لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى المضي، فلما كان فالق بمعنى فلق عطف عليه {جَعَلَ } لتوافقهما معنى {سَكَناً } مسكوناً فيه من قوله {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } [يونس: 67] أي ليسكن فيه الخلق عن كد المعيشة إلى نوم الغفلة، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } انتصبا بإضمار فعل يدل عليه جاعل الليل أي وجعل الشمس والقمر {حُسْبَاناً } أي جعلهما على حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما. والحسبان بالضم مصدر حسب كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب {ذٰلِكَ } إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } الذي قهرهما وسخرهما {ٱلْعَلِيمِ } بتدبيرهما وتدويرهما {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ } خلقها {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِ وَٱلْبَحْرِ } أي في ظلمات الليل بالبر وبالبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قد بينا الآيات الدالة على التوحيد لقوم يعلمون. {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } هي آدم عليه السلام {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } {فَمُسْتَقَر } بالكسر: مكي وبصري. فمن فتح القاف كان المستودع اسم مكان مثله، ومن كسرها كان اسم فاعل والمستودع اسم مفعول يعني فلكم مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } وإنما قيل {يَعْلَمُونَ } ثم {يَفْقَهُونَ } هنا لأن الدلالة ثمّ أظهر وهنا أدق، لأن إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة أدق فكان ذكر الفقه الدال على تدقيق النظر أوفق {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً } من السحاب مطراً {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } نبت كل صنف من أصناف النامي أي السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف مختلفة {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } من النبات {خَضِْرًا } أي شيئاً غضاً أخضر. يقال أخضر وخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة {نُّخْرِجُ مِنْهُ } من الخضر {حَبّاً مُّتَرَاكِباً } وهو السنبل الذي تراكب حبه {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوٰنٌ } هو رفع بالابتداء {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ } خبره و {مِن طَلْعِهَا } بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو وهو العذق نظيره «صنو» و «صنوان». {دَانِيَةٌ } من المجتني لانحنائها بثقل حملها أو لقصر ساقها، وفيه اكتفاء أي وغير دانية لطولها كقوله {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }تفسير : [النحل: 81] {وَجَنَّـٰتٍ } بالنصب عطفاً على {نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ } أي وأخرجنا به جنات {مِّنْ أَعْنَـٰبٍ } أي مع النخل وكذا {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } {وَجَنَّـٰتٍ } بالرفع: الأعشى أي وثم جنات من أعناب أي مع النخل {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } يقال اشتبه الشيئان وتشابها نحو استويا وتساويا، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً وتقديره: والزيتون متشابهاً وغير متشابه، والرمان كذلك يعني بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ } إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفاً لا ينتفع به {وَيَنْعِهِ } ونضجه أي انظروا إلى حال نضجه كيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع، نظر اعتبار واستدلال على قدرة مقدره ومدبره وناقله من حال إلى حال. {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } {ثَمَرِهِ } وكذا ما بعده: حمزة وعلي جمع ثمار فهو جمع الجمع يقال: ثمرة وثمر وثمار وثمر. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ ٱلْجِنَّ } إن جعلت {لِلَّهِ شُرَكَاءَ } مفعولي {جَعَلُواْ } كان {ٱلْجِنَّ } بدلاً من {شُرَكَاء } وإلا كان {شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } مفعولين قدم ثانيهما على الأوّل، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك من كان ملكاً أو جنياً أو غير ذلك، والمعنى أنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله {وَخَلَقَهُمْ } أي وقد خلق الجن فكيف يكون المخلوق شريكاً لخالقه؟ والجملة حال، أو وخلق الجاعلين لله شركاء فكيف يعبدون غيره؟ {وَخَرَقُواْ لَهُ } أي اختلقوا يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى، أو هو من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له {بَنْيَـنَ } كقول أهل الكتابين في المسيح وعزير {وَبَنَاتٍ } كقول بعض العرب في الملائكة. {وَخَرَقُواْ } بالتشديد للتكثير: مدني لقوله {بَنِينَ وَبَنَاتٍ } {بِغَيْرِ عِلْمٍ } من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطأ أو صواب ولكن رمياً بقول عن جهالة، وهو حال من فاعل {خرقوا} أي جاهلين بما قالوا { سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } من الشريك والولد {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } يقال بدُع الشيء فهو بديع وهو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها يعني بديع سمواته وأرضه، أو هو بمعنى المبدع أي مبدعها وهو خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } أو هو فاعل {تَعَالَى } {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ } أي من أين يكون له ولد والولد لا يكون إلا من صاحبة ولا صاحبة له، ولأن الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسماً حتى يكون له ولد {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي ما من شيء إلا وهو خالقه وعالمه ومن كان كذلك كان غنياً عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج {ذٰلِكُمُ } إشارة إلى الوصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة وهي {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ } وقوله {فَٱعْبُدُوهُ } مسبب عن مضمون الجملة أي من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي هو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأَرزاق والآجال رقيب على الأعمال {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } لا تحيط به أو أبصار من سبق ذكرهم. وتشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب لأن المنفي هو الإدراك لا الرؤية، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل إدراكه لا رؤيته، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة الإحاطة من العلم، ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود لا يقتضي نفي العلم به فهكذا هذا، على أن مورد الآية وهو التمدح يوجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه لأن كل ما لا يرى لا يدرك، وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات، فكانت الآية حجة لنا عليهم. ولو أمعنوا النظر فيها لاغتنموا التقصي عن عهدتها، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي أنه معلوم موجود وإلا فكما يعلم موجوداً بلا كيفية وجهة بخلاف كل موجود لم يجز أن يرى بلا كيفية وجهة بخلاف كل مرئي، وهذا لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو، فإن كان المرئي في الجهة يرى فيها وإن كان لا في الجهة يرى لا فيها {وَهُوَ } للطف إدراكه {يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ } أي العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها {ٱلْخَبِيرُ } العليم بظواهر الأشياء وخفياتها وهو من قبيل اللف والنشر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ}، هذه ألفاظٌ عامَّة، فكل مَنْ واقَعَ شيئاً مما يدخُلُ تحت هذه الألفاظ، فهو داخلٌ في الظُّلْم الذي قد عَظَّمه اللَّه تعالَىٰ، وقال قتادةُ وغيره: المرادُ بهذه الآياتِ مُسَيْلِمَةُ، والأسودُ العَنْسِيُّ. قال عكرمة: أوَّلها في مُسَيْلِمَة، والآخر في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وقيل: نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارِثِ، وبالجملة فالآيةُ تتناولُ مَنْ تعرَّض شيئاً من معانيها إلَىٰ يوم القيامةِ؛ كَطُلَيْحَةَ الأَسَدِيِّ، والمُخْتَارِ بنِ أبِي عُبَيْدٍ وسواهما. وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ...} الآية: جوابُ «لو» محذوفٌ، تقديره: «لَرَأَيْتَ عَجَباً أو هَوْلاً، ونحْوُ هذا، وحَدْفُ هذا الجواب أبلغُ في نفس السامعِ، و {ٱلظَّـٰلِمُونَ} لفظٌ عامٌّ في أنواعِ الظلمِ الذي هو كُفْر، و «الغَمَرَاتُ»: جمع غَمْرةٍ، وهي المُصِيبة المُذْهِلة، وهي مشبَّهة بغمرة الماء، والملائكة، يريد: ملائكةَ قَبْضِ الرُّوحِ، و {بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ}: كنايةٌ عن مدِّها بالمكروهِ، وهذا المكروهُ هو لا مَحَالة أوائلُ العذابِ، وأماراته، قال ابنُ عبَّاس: يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، وقوله: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ}: حكايةٌ لما تقولُه الملائكة، والتقدير: يقولون لهم: أخرجوا أنْفُسَكم، وذلك على جهةِ الإهانة، وإدْخَال الرعْبِ عليهم، ويحتملُ: أخرجوا أنفسكُمْ مِنْ هذه المصائبِ والمحنِ، إنْ كان ما زعمتموه حقًّا في الدنيا، وفي ذلك توبيخٌ وتوقيفٌ على سالف فعلهم القبيحِ، قلت: والتأويل الأولُ هو الصحيحُ، وقد أسند أبو عمر في «التمهيد»، عن ابن وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بْنُ أبي شَيْبة، ثم ذَكَر سنده، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلاَئِكَةُ، فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالَتِ: ٱخْرُجِي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ٱخْرُجُي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانٍ، قَالَ: فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُون: فُلاَنٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَباً بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ٱدْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ.، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّىٰ يَنْتَهِيَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي: السَّابِعَةَ، وَإذَا كَانَ الرُّجُلُ السُّوءُ، وَحَضَرَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قالَتِ: ٱخْرُجِي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، ٱخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّىٰ تَخْرُجَ...»تفسير : وذكر الحديثَ. انتهى، و {ٱلْهُونِ}: الهَوَان. وقوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ...} الآية: لفظ عامٌّ لأنواع الكفر، ولكنه يظهر منه الإنحاءُ علَىٰ مَنْ قَرُب ذِكْرُه.
ابن عادل
تفسير : لما بيَّن كون القرآن كتاباً نازلاً من عند الله، وبيَّن شَرَفَهُ ورِفْعَتَهُ ذكر بعده ما يَدُلُّ على وعيد من ادَّعَى النبوة والرسالة كذباً وافتراءً. قال قتادةُ: نزلت هذه الآية في مسيلمة الكذَّاب الحَنَفِيّ صاحب "اليمامة" وفي الأسْودِ العنسي صاحب "صنعاء" كانا يدَّعيانِ الرِّسالة والنبوة من عند الله كذباً وافتراء، وكان مسيلمة يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة. وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بَيْنَمَا أنَّا نَائِمٌ إذْ أوتيتُ خَزَائِنَ الأرْضِ، فَوُضِعَ في يَدَيَّ سِوارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فكبرا عليَّ وأهمَّانِي، فأوحى اللَّهُ إليَّ أنْ أنفخهما فَذَهَبَا فأوَّلتهما الكذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أنَا بَيْنَهمَا صاحبَ صَنْعاءَ وصاحِبَ يَمامَة ". تفسير : قال القاضي: الذي يَفْتَري على الله الكذبَ يدخل فيه من يدَّعي الرسالة كَذِباً ولكن لا يقتصر عليه؛ لأن العِبْرَةَ بعموم اللفظ، لا بخصوص السَّبب. قال القرطبي: ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما وقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطِرِهمْ، ويزعمون أن ذلك لِصَفَائِهَا من الأكْدَارِ، وخلوها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الرَّبَّانِيَّة، فيقفون على أسرار الكليات، ويعلمون أحكام الجزئيات فَيْسْتَغُنُونَ بها عن أحكام الشَّرائع، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء العامة، وأما الأولياء، وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النُّصوص. وقوله تعالى: "ومن أظلم" مبتدأ وخبر، وقوله: "كذباً" فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول "افترى" أي: اختلق كذباً وافتعله. الثاني: أنه مَصْدرٌ له على المعنى، أي: [افترى] افتراءً، وفي هذا نظر؛ لأن المعهود في مثل ذلك إنما هو فيما كان المَصْدرُ فيه نَوعاً من الفعل، نحو: قعد القُرْفُصَاءَ أو مُرَادفاً له كـ "قعدت جلوساً" أما ما كان المصدر فيه أعم من فعله نحو: افترى كذباً، وتقرفصَ قعوداً، فهذا غير معهود، إذ لا فائدة فيه والكذب أعمُّ من الافتراء، وقد تقدَّم تحقيقه. الثالث: أنه مفعول من أجلِهِ، أي: افترى لأجل الكذبِ. الرابع: أنه مصدر واقع موقع الحال، أي: افترى حال كونه كاذباً، وهي حال مؤكدة. وقوله: "أو قال" عطف على "افترى" و "إلى" في محلِّ رفع لقيامه مقام الفاعل، وجوز أبو البقاء أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، قال: تقديره: "أوحى إليَّ الوحي"، أو الإيحاء. والأوّل أولى؛ لأن فيه فائدةً جديدةً، بخلاف الثاني فإن معنى المصدر مفهوم من الفعل قَبْلَهُ. قوله: "وَلَمْ يُوحَ إلَيْه" جملة حاليةٌ، وحذف الفاعل هنا تعظيماً له؛ لأن المُوحِي هو الله تعالى. قوله: "ومَنْ قَالَ" مجرور المَحَلّ؛ لأنه نَسَقٌ على "مَنْ" المجرور بـ "من" أي: وممن قال، وقد تقدم نظير هذا الاستفهام في "البقرة": وهناك سؤال وجوابه. قوله {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} وقرا أبو حيوة: "سأنزّل" مضعفاً وقوله: "مثل" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه مَنْصُوبٌ على المفعول به، أي سأنزل قرآناً مِثْلَ ما أنزل الله، و "ما" على هذا مَوصُولةٌ اسمية، أن نكرة موصوفة، أي: مثل الذي أنزله، أو مثل شيء أنزله. والثاني: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، تقديره: سأنزل إنزالاً مثل ما أنزل الله، و"ما" على هذا مصدرية، أي: مثل إنزال الله. فصل في نزول الآية قيل: حديث : نزلت هذه الآيةُ الكريمة في عبد الله بن أبي سَرْحِ كان قد أسلم، وكان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه "سميعاً بصيراً" كتب عليماً حكيماً، وإذا أملى عليه "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون:12] أمْلاَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خَلْقِ الإنسان، فلما انتهى إلى قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} فقال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِين} [المؤمنون:14] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتُبْهَا فَهَكَذَا نَزَلَتْ" فَشَكَّ عبد الله. فقال: لئن كان محمد صادقاً فقد أوحي إلي كما أوحي إليه فارتدَّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين، ثم رجع عبد الله إلى الإسْلام قبل فتح "مكّة" المشرفة، إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم . تفسير : وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: يريد النَّضْرَ بن الحارثِ، والمستهزئين، وهو جواب لقولهم: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} تفسير : [الأنفال:31] وقوله في القرآن: {أية : إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الأنفال:31] فكل أحد يمكنه الإتيان [بمثله]. "وَلَوْ تَرَى" يا محمد "إذ الظالمون" و "إذ" منصوب بـ "ترى"، ومَفْعُول الرؤية محذوف، أي: ولو ترى الكُفَّار الكذبةَ، ويجوز ألا يقدّر لها مفعول، أي: ولو كنت من أهل الرُّؤيةِ في هذا الوقتِ، وجواب "لو" محذوف، أي: لَرَأيْتَ أمراً عظيماً. و "الظالمون" يجوز أن تكون فيه "أل" للجنس، وأن تكون للعهد، والمراد بهم من تقدَّم ذكره من المشركين واليهود والكذبةِ المفترين و {في غَمَراتِ المَوْتِ} خبر المبتدأ، والجملة في مَحَلِّ خفض بالظَّرْفِ. و"الغَمَراتُ" جمع "غَمْرة" وهي الشدة المفظعة وأصلها مِنْ غَمَرَهُ الماءُ إذا سَتَرَهُ، وغَمْرَةُ كلِّ شيء كثرته ومعظمه، ومنه غمرة الموت وغمرة الحرب. ويقال: غمرت الشيء إذا علاه وغطَّاه. قال الزَّجَّاج: يقال لكل من كان في شيء كثير: قد غَمَرَهُ ذلك وغمره الدَّيْنُ إذا كثر عليه، ثم يقال للمَكَارِهِ والشدائد: غمرات، كأنها تَسْتُرُ بغمرها وتنزل به قال في ذلك: [الوافر] شعر : 2234- وَلاَ يُنْجِي مِنَ الْغَمَراتِ إلاَّ بَرَاكَاءُ القِتَالِ أو الفِرارُ تفسير : ويجمع على "غُمَرَ" كـ "عُمْرة" و"عُمَر" كقوله: [الوافر] شعر : 2235- .................... وَحَانَ لِتَالِكَ الغُمَرِ انْقِشَاعُ تفسير : ويروى "انحسار". وقال الرَّاغِبُ: أصل الغَمْرِ إزالةُ أثر الشيء ومنه قيل للماء الكثير الذي يزيل أثر سيله: غمر وغامر، وأنشد غير الراغب على غامر: [الكامل] شعر : 2236- نَصَفَ النَّهَارُ المَاءُ غَامِرُهُ وَرَفِيقُهُ بالغَيْبِ لا يَدْرِي تفسير : ثم قال: "والغمرة مُعْظَمُ الماء لِسَتْرِهَا مَقَرَّهَا، وجعلت مثلاً للجَهَالَةِ التي تغمر صاحبها". والغَمْرُ: الذي لم يُجَرِّب الأمور، وجمعه أغْمَار، والغِمْرُ: - بالكسر - الحِقْدُ، والغَمْرُ بالفتح: الماء الكثير، والغَمَرُ بفتح الغين والميم: ما يغمر من رائحة الدَّسَم سائر الروائح، ومنه الحديث "حديث : مَنْ بَاتَ وفِي يَدَيْهِ غَمَرٌ ". تفسير : وغمر يده، وغمر عرضه دنس، ودخلوا في غُمَارِ الناس وخمارهم، والغمرة ما يطلى به من الزَّعْفران، ومنه قيل للقدح الذي يتناول به الماء: غمر، وفلان مُغَامِرِ إذا رمى بنفسه في الحَرْبِ، إما لِتَوغُّلِهِ وخوضه فيه، وإما لِتَصَوُّر الغمارة منه. قوله: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ} [جملة في محل نَصْبٍ على الحال من الضمير] المستكن في قوله: "في غمرات"، و "أيديهم" خفض لفظاً، وموضعه نصب أي: باسطو أيديهم بالعذابِ يضربون وجُوهَهُمْ وأدبارهم وقوله "أخرجوا" منصوب المحل بقول مضمر، والقول يُضْمر كثيراً، تقديره: يقولون: أخرجوا، كقوله: {أية : يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد:23، 24] أي: يقولون: سلام عليكم، وذلك القول المضمر في مَحَلِّ نصب على الحال من الضمير في "باسطو". فإن قيل: إنه لا قُدْرَةَ لهم على إخْرَاجِ أرواحهم من أجسادهم، فما الفائدة في هذا الكلام؟ فالجواب: أن في تفسير هذه الكلمة وجوه: أحدها: ولو ترى الظَّالمين إذ صاروا إلى غمراتِ الموْتِ في الآخرة، فأدخلوا جهنم، وغمراتُ الموت عِبَارةٌ عما يصيبهم هناك من أنواع الشَّدائِدِ والعذاب، والملائكة باسطو أيديهم [عليهم بالعذابِ] يُبَكِّتُونَهُمْ بقولهم: أخرجوا أنفسكم من هذا العذابِ الشديد إن قدرتم. وثانيها: أن المعنى {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} عند نزول الموت في الدنيا، والملائكة باسطو أيديهم لِقَبْضِ أرواحهم يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من هذه الشَّدائدِ، وخَلِّصُوهَا من هذه الآلام. وثالثها: "أخرجوا أنفسكم" [أي: أخرجوها إلينا] من أجسادكم، وهذه عبارة عن العُنْفِ والتشديد في إزْهَاقِ الروح من غير تنْفِيسٍ وإمهال كما يفعل الغريمُ الملازم المُلحُّ، ويقول: أخرج مَا لِي عَلَيْكَ السَّاعة، ولا أبرح من مكاني حتى أنْزعَهُ من أحْدَاقِكَ. ورابعها: أن هذه اللَّفظة كناية عن شِدَّةِ حالهم، وأنهم بلغوا في البلاء الشديد إلى حيث يتولَّى بنفسه إزْهَاقَ روحه. خامسها: أنه ليس بأمر، بل هو وعيدٌ [وتقريع] كقول القائل: امضِ الآن لترى ما يحلُّ بك. قوله: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} في هذا الظرف وجهان: أظهرهما: انه مَنْصُوبٌ بـ "أخرجوا" بمعنى: أخرجوها من أبدانكم، فهذا القول في الدنيا، ويجوز أن يكون في يوم القيامةِ، والمعنى خَلَّصُوا أنفسكم من العذابِ، كما تقدَّم، فالوقف على قوله: "اليوم"، والابتداء بقوله: {تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ}. والثاني: أنه منصوب بـ "تجزون" والوقف حينئذ على "أنفسكم"، والابتداء بقوله: "اليوم" والمراد بـ "اليوم" يحتمل أن يكون وقتَ الاحتضار، وأن يكون يوم القيامة، و"عذاب" معفول ثانٍ، والأول قام مقام الفاعل. والهُون: الهَوَان؛ قال تعالى: {أية : أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ} تفسير : [النحل:59]. وقال ذو الأصبع: [البسيط] شعر : 2237- إذْهَبْ إلَيْكَ فَمَا أمِّي بِرَاعِيَةٍ تَرْعَى المخَاضَ ولا أغْضِي على الهُونِ تفسير : وقالت: الخَنْسَاءُ: [المتقارب] شعر : 2238- يُهِينُ النُّفُوسَ وهُونُ النُّفُو سِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أبْقَى لَهَا تفسير : وأضاف العذابَ إلى الهُونِ إيذاناً بأنه متمكِّنٌ فيه، وذلك إنه ليس كل عذاب يكون فيه هُونٌ؛ لأنه قد لا يكون فيه هُونٌ، لأنه قد يكون على سبيل الزَّجْرِ والتأديب ويجوز أن يكون من إضافة الموصوف إلى صفته، وذلك أن الأصْلَ العذاب الهُون وصف به مُبَالغَة، ثم أضافه إليه على حَدِّ إضافته في قولهم: بَقْلَةُ الحمقاَءِ ونحوه، ويدل عليه أن الهُونَ بمعنى قراءة عبد الله وعكرمة كذلك. و"الهَوْن" بفتح الهاء: الرِّفْقُ والدَّعة؛ قال تبارك وتعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان:63]. واعلم أنه - تبارك وتعالى - جمع هناك بين الإيلامِ والإهانَةِ، فكما أن الثواب شَرْطُهُ أن يكون منْفَعَةً معروفة بالتعظيم، فكذا العقاب شرطه أن يكون مَضَرَّةً مقرونة بالإهانِةِ. قوله: "بِمَا كُنْتُمْ" "ما" مصدرية، أي: بكونكم قائلين غير الحقِّ، وكونكم مستكبرين و"الباء" متعلقة بـ "تجزون" أي: بسببه، و"غير الحق" نصبه من وجهين: أحدهما: أنه مفعول به، أي تذكرون غير الحق. والثاني: أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذوف، أي: تقولون القول غير الحق. وقوله: "وكنتم" يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على "كنتم" الأولى، فتكون صَلَةً كما تقدم. والثاني: أنها جملة مُسْتَأنَفَة سيقت للإخبار بذلك و"عن آياته" متعلّق بخبر "كان"، وقدم لأجل الفواصل، والمراد بقوله: {وكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} أي: تَتَعَظَّمُونَ عن الإيمان بالقرآن لا تُصَدِّقُونَهُ. وذكر الواحدي أي: لا تُصَلُّونَ له، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ سَجَدَ [لِلَّهِ سَجْدَةً] بنِيَّةٍ صَادِقَةٍ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ ".
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء...} الآية. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم استأمن له. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال: كان ابن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فأتى أهل مكة فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟ قال: كنت أكتب كيف شئت، فأنزل الله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء} قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه (سميعاً عليماً) كتب (عليماً حكيماً) وإذا قال (عليماً حكيماً) كتب (سميعاً عليماً) فشك وكفر وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحى إليّ . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء} قال: نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه، ومن قال: {سأنزل مثل ما أنزل الله} قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ومن أظلم...} الآية. قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ومن أظلم...} الآية. قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء} قال: نزلت في مسيلمة فيما كان يسجع ويتكهن به، ومن {قال: سأنزل مثل ما أنزل الله} قال: نزلت في عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما يملى (عزيز حكيم) فيكتب (غفور رحيم) فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش . وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: لما نزلت {أية : والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً} تفسير : [المرسلات: 1ـ2] قال النضر وهو من بني عبد الدار: والطاحنات طحناً والعاجنات عجنا. وقولاً كثيراً، فأنزل الله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء...} الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: ما من القرآن شيء إلا قد عمل به من كان قبلكم وسيعمل به من بعدكم، حتى كنت لأمر بهذه الآية {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} ولم يعمل هذا أهل هذه القبلة حتى كان المختار بن أبي عبيدة. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته {ولو ترى إذ الظالمون} إلى قوله {تستكبرون} . وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال "حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قاعداً، وتلا هذه الآية {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} ثم قال: والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار، ثم قال: إذا كان عند ذلك صف سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما يرى غيرهم، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط، فإذا كان مؤمناً بشروه بالجنة، وقالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، فما يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها، ويسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل، ويموت الأول فالأول، ويبرد كل عضو الأول فالأول، ويهون عليه وان كنتم ترونه شديداً حتى تبلغ ذقنه، فلهو أشد كرامة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرحم، فيبتدرها كل ملك منهم أيهم يقبضها، فيتولى قبضها ملك الموت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة: 11] قال: فيتلقاها باكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو أشد لها لزوماً من المرأة لولدها، ثم يفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك، يتباشرون بها ويقولون: مرحبا بالريح الطيبة والروح الطب، اللهم صل عليه روحاً وصل عليه جسداً خرجت منه فيصعدون بها، ولله خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو، فيفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك، فيصلون عليها ويتباشرون بها ويفتح لها أبواب السماء، ويصلي عليها كل ملك من كل سماء تمر به حتى توقف بين يدي الملك الجبار، فيقول الجبار عز وجل: مرحباً بالنفس الطيبة وبجسد خرجت منه، وإذا قال الرب عز وجل للشيء: مرحبا. رحب له كل شيء وذهب عنه كل ضيق، ثم يقول: اذهبوا بهذه النفس الطيبة فادخلوها الجنة، وأروها مقعدها، واعرضوا عليها ما أعد لها من النعيم والكرامة، ثم اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فوالذي نفس محمد بيده هي أشد كراهة للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد، وتقول: اين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه؟ فيقولون: إنّا مأمورون بهذا فلا بد لك منه. فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه، فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه، فما خلق الله تعالى كلمة تكلم بها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمعها، إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة، فلو سمع أشد الناس له حباً ومن أعزهم كان عليه يقول: على رسلكم ما يعجلكم وأذن له في الكلام للعنه، وإنه يسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم إذا ولوا عنه. ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكراً ونكيراً ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والانس ما أقلوها وهي عليهما يسير، فيقولان له: أقعد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعداً فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسبه ما كان رأى عند موته...! فيقولان له من ربك؟ فيقول: الله. فيقولون: فما دينك؟ فيقول الإِسلام، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة، ثم يقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك، وينادي عند ذلك من السماء نداء خفياً صدق عبدي فلينفعه صدقه، ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويبتذله فيه الريحان، ويستر بالحرير، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل له نور مثل نور الشمس في قبره، ويفتح له أبواب وكوى إلى الجنة فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صعد به، ثم يقال: نم قرير العين، فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنومة ينامها أحدكم شهية لم يرو منها، يقوم وهو يمسح عينيه، فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة. وإن كان غير ذلك إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين، فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه، وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه، ويقولون: أخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك، ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو، ويموت الأول فالأول، وتنشط نفسه كما يصنع السفود ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه، فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له، فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها، أحسبه قال: بقطعه من بجاد أنتن ما خلق الله وأخشنه، فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم ويقولون: اللهم العنها من روح والعنه جسداً خرجت منه، فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها، فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعاً في أثرها، فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] والسحيق البعيد. ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول: لا مرحباً بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه، ثم يقول: انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال . ثم يقول الرب: اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. فيهبطون بها على قدر فراغهم منها، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه، فما خلق الله حميماً ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها لا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة، فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول: أخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعة للعنه. وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفرته إلى يوم القيامة . فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أزرقان فظان غليظان، ومعهما مرزبة من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد، فيقولان له: اقعد بإدن الله. فإذا هو مستوٍ قاعد سقطت عنه أكفانه، ويرى عند ذلك خلفاً فظيعاً ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له: من ربك؟ فيقول: أنت. فيفزعان عند ذلك فزعة. ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة، فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإِنس، فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإِنس ما أقلوها وهي عليهما يسير، ثم يقولان عد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعداً فيقولان: من ربك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: فمن نبيك؟ فيقول: سمعت الناس يقولون محمد. فيقولان: فما تقول أنت؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دريت. ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب، فلهو أنتن من الجيفة فيكم، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له: نم نومة المسهر. فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت من النار ينهشنه، ثم يفتح له باب فيرى مقعده من النار، وتهب عليه أرواحها وسمومها، وتلفح وجهه النار غدوّاً وعشياً إلى يوم القيامة " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {غمرات الموت} قال: سكرات الموت . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: هذا عند الموت. والبسط: الضرب. يضربون وجوههم وأدبارهم . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: ملك الموت عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {والملائكة باسطوا أيديهم} قال: بالعذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس قال : إن لملك الموت أعواناً من الملائكة، ثم تلا هذه الآية {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن وهب قال: إن الملائكة الذين يقرنون بالناس هم الذين يتوفونهم ويكتبون لهم آجالهم، فإذا كان يوم كذا وكذا توفته، ثم نزع {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} فقيل لوهب: أليس قد قال الله {أية : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} تفسير : [السجدة: 11] قال: نعم، إن الملائكة إذا توفوا نفساً دفعوها إلى ملك الموت وهو كالعاقب ـ يعني العشار ـ الذي يؤدي إليه من تحته . وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {عذاب الهون} قال: الهوان الدائم الشديد. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : أنا وجدنا بلاد الله واسعه تنجى من الذل والمخزات والهون تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {عذاب الهون} قال: الهوان. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {عذاب الهون} قال: الذي يهينهم .
ابو السعود
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعَم أنه تعالى بعثه نبـياً كمسيلِمةَ الكذابِ والأسودِ العنسيِّ أو اختلق عليه أحكاماً من الحِلِّ والحُرمة كعَمْرِو بنِ لُحَيَ ومتابعيه أي هو أظلمُ من كلِّ ظالمٍ وإن كان سبكُ التركيبِ على نفي الأظلمِ منه وإنكارِه من غير تعرضٍ لنفْي المساوي وإنكارِه فإن الاستعمالَ الفاشيَ في قولك: مَنْ أفضلُ من زيدٍ أو لا أكرمَ منه على أنه أفضلُ من كل فاضلٍ وأكرمُ من كل كريم، وقد مر تمامُ الكلام فيه {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ} من جهته تعالى {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ} أي والحال أنه لم يوح إليه {شَىْء} أصلاً (كعبد اللَّه بنِ سعدِ بنِ أبـي سَرْح كان يكتُب للنبـي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : فلما بلغ {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون، الآية 14] قال عبد اللَّه: تبارك الله أحسنُ الخالقين تعجباً من تفصيل خلقِ الإنسان ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اكتُبها كذلك» فشك عبدُ اللَّه وقال: لئن كان محمد صادقاً فقد أُوحيَ إلي كما أوحيَ إليه ولئن كان كاذباً فقد قلت كما قال). {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ} كالذين قالوا: {أية : لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا}تفسير : [الأَنفال، الآية 31]. {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} حُذف مفعولُ ترى لدِلالة الظرفِ عليه أي ولو ترى الظالمين إذ هم {فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} أي شدائده من غَمَره إذا غشِيَه {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ} بقبض أرواحِهم كالمتقاضي الملظ المُلِحّ يبسُط يدَه إلى من عليه الحقُّ ويعنِّف عليه في المطالبة من غير إمهالٍ وتنفيسٍ، أو باسطوها بالعذاب قائلين: {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} أي أخرجوا أرواحَكم إلينا من أجسادكم أو خلِّصوا أنفسكم من العذاب {ٱلْيَوْمَ} أي وقتَ الإماتة أو الوقتَ الممتدّ بعده إلى ما لا نهاية له{تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي العذابَ المتضمِّنَ لشدةٍ وإهانةٍ فإضافتُه إلى الهون وهو الهوانُ لعراقته فيه {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ} كاتخاذ الولد له ونسبةِ الشريك إليه وادعاءِ النبوة والوحيِ كاذباً {وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون بها. {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} للحساب {فُرَادَىٰ} منفردين عن الأموال والأولاد وغيرِ ذلك مما آثَرْتُموه من الدنيا أو عن الأعوان والأصنامِ التي كنتم تزعُمون أنها شفعاؤكم وهو جمع فَرْد والألفُ للتأنيث ككسالى وقرىء (فِراداً) كرجال وفَرادَ كثلاثَ وفَرْدَى كسَكْرى {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد أو حالٌ ثانية عند من يجوِّزُ تعددَها أو حال من الضمير في فرادى أي مُشْبِهين ابتداءَ خلقِكم عُراةً حُفاة غُرْلاً بُهْماً أو صفةُ مصدرِ (جئتمونا) أي مجيئاً كخلقنا لكم أول مرة {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ} تفضّلناه عليكم في الدنيا فشُغِلتم به عن الآخرة {وَرَاء ظُهُورِكُمْ} ما قدمتم منه شيئاً ولم تحمِلوا نقيراً {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء} أي شركاءُ الله تعالى في الربوبـية واستحقاقِ العبادة {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي وقع التقطعُ بـينكم كما يقال: جمع بـين الشيئين أي أوقع الجمعَ بـينهما وقرىء (بـينُكم) بالرفع على إسناد الفعل إلى الظرف كما يقال: قوتل أمامُكم وخلفُكم أو على أن البـينَ اسمٌ للفصل والوصل أي تقطع وصلُكم وقرىء ما بـينَكم {وَضَلَّ عَنكُم} أي ضاع أو غاب {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها شفعاؤكم أو أن لا بعثَ ولا جزاء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الآية: 93]. قال بعضهم: إن ما لا يليق بجلاله. قدره وحقيقة شأنه من التنافر به وإن كان مأذونًا فيه، لأن ذلك أقدار خلقه وطاقتهم لذلك. قال سهل بن عبد الله: من ذكر فقد افترى، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} لا بأذكار الغفلة.
القشيري
تفسير : يعني إن الذين يَنْزِلون منزلة المُحدَّثين، ولم تُلق إلى أسرارهم خصائصُ الخطاب - فالحقُّ - سبحانه عنهم بريء. والمتَّبعُ بما لم يَسَلْ كلابسِ ثوبي زور، وفي معناه أنشدوا: شعر : إذا اشتبكت دموع في خدود تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} ان الله سبحانه بين فى كتابه شان الغالطين والمفرين والناحلين الكذب والزور المترسمين بالتكلف رسوم العارفين والزمهم سمة الظلم وذكر انهم ظالمون بدعواهم الكذب واشارتهم الى مقام الامناء من المحدثين المكلمين بغير وصلهم الى ذرة منه تعزيز للعوام وطلبا لجاههم وهم خائنون فى ذلك ولا يرجع مكرهم الا الى منقصهتهم فى الدنيا والآخرة واسقاط جاههم عند الله وعباده وسقوطهم عن قلوب رجال الله قال تعالى {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : لانهم متشبعون ولم يطعوا افتضحهم الله بشكف غطائهم عند الخلق واظهار كذبهم عند عجزهم عن الاخبار من مقامات القوم بالحقيقة حين يمتحنهم اهل المعرفة بالله قال عليه السلام المتشبع بما لم يعط كلا لبس ثوبى زورا اشد بغضهم فى ذلك اذا اشتبك الدموع على خدود تبين من بكى ممن تباكا وقال أخر اما الخيام فانها كخبائهم وراى نساء الحى غير نسائها فمن ذكر الله سبحانه وراى لذكره موقعا فهو مفتر ولا يعلم لانه تعالى وصف نفسه قبل وصف الخلق نفسه وكل وصف بعدو وصفه صفة الحدزثية وكيف يصفه احد وهو لا يعرفه كما هو يعرف نفسه تعالى الله عن اذكار الغافلين قال بعضهم ان ما لا يليق بجلالة قدره وحقيقة شانه قربه وان كان ما ذونا فيه لان ذلك على اقدار خلقه وطاقتهم لذك وقال سهل بن عبد الله من ذكر فقد افترى قال الله ومن اظلم ممن افترى على الله كذب بالاذكار الغفلة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن} استفهام مبتدأ اى لا احد {اظلم} خبره {ممن افترى على الله كذبا} مفعول افترى اى اختلق كذبا وافتعله فزعم انه تعالى بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والاسود العبسى او اختلق عليه احكاما كعمرو بن لحى وهو اول من غير دين اسماعيل عليه السلام ونصب الاوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة قال عليه السلام فى حقه (رأيته يجر قصبه فى النار). قال قتادة كان مسيلمة يسجع ويتكهن كما قال فى معارضة سورة الكوثر انا اعطيناك الجماهر فصل لربك وهاجر انا كفيناك المكابر والمجاهر فانظر كيف كان سافل الالفاظ والبنا فاسد المعانى والجنى فادعى النبوة حديث : وكان قد ارسل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين فقال عليه السلام "اتشهدون ان مسيلمة نبى" قالا نعم فقال عليه السلام "لولا ان الرسل لا تقتل لضربت اعناقكما" .تفسير : وفى الحديث "حديث : بينا انا نائم اتيت بخزائن الارض فوضع فى يدى سواران من ذهب فكبرا علىّ واهمانى فاوحى الى ان انفخهما فنفختهما فذهبا فاولتهما بالكذابين اللذين انا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة " .تفسير : قال القاضى وجه تأويلهما بالكذابين ان السوار كالقيد لليد يمنعها عن البطش فكذا الكذابان يقومان بمعارضة شريعته ويصدان عن نفاذ امرها قتل صاحب صنعاء وهو الاسود العبسى فى مرض موت النبى عليه السلام قتله فيروز الديلمى فلما بلغ خبر قتله النبى عليه السلام قال فاز فيروز وقتل صاحب اليمامة وهو مسيلمة فى عهد الصديق قتله الوحشى قاتل حمزة فلما قتله قال قتلت خير الناس فى الجاهلية وشر الناس فى اسلامى {او قال اوحى الى} من جهته تعالى {ولم يوح اليه} اى والحال انه لم يوح اليه {شئ} اصلاً حديث : كعبد الله بن سعد بن ابى سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت {ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] فلما بلغ {ثم انشأناه خلقا آخر} [المؤمنون: 14] قال عبد الله {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] تعجبا من تفصيل خلق الانسان فقال عليه السلام "اكتبها فكذلك نزلت" فشك عبدالله وقال لئن كان محمد صادقا اى فى قوله فكذلك نزلت لقد اوحى الى كما اوحى اليه ففى التحقيق انا اكون مثله ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال فعلىّ ان ادعى نزول الوحى مثله فارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين ثم رجع الى الاسلام قبل فتح مكة اذ نزل النبى عليه السلام بمرو تفسير : {ومن} اى وممن {قال سأنزل مثل ما انزل الله} وهم المستهزئون الذين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا {ولو ترى اذ الظالمون} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومفعول ترى محذوف لدلالة الظرف عليه اى ولو ترى الظالمين اذ هم. فالظالمون مبتدأ وما بعده خبره واذ مضاف الى الجملة والمراد بالظالمين الجنس فيدخل فيهم المتلبئة وغيرهم وجواب لو محذوف اى لو ترى الظالمين فى هذا الوقت لرأيت امراً عظيما {فى غمرات الموت} اى شدائده وسكراته. جمع غمرة وهى الشدة الغالبة من غمره الماء اذا علاه وغطاه {والملائكة} اى ملك الموت واعوانه من ملائكة العذاب {باسطوا أيديهم} بقبض ارواحهم كالمتقاضى الملظ اى كالغريم الملازم الملح الذى يبسط يده الى من عليه الحق ويعنفه علهي فى المطالبة ولا يمهله ويقول له اخرج الى ما لى عليك الساعة ولا ازال من مكانى حتى انزعه من كبدك وحدقتك او باسطوها بالعذاب قائلين {اخرجوا انفسكم} اى ارواحكم الينا من اجسادكم وهذا القول منهم تغليظ وتعنيف والا فلا قدرة لهم على الاخراج المذكور اواخر جوها من العذاب وخلوصا من ايدينا {اليوم} اى وقت الاماتة او الوقت الممتد بعده الى ما لا نهاية له {تجزون عذاب الهون} اى العذاب المتضمن لشدة واهانة والهون الهوان اى الحقارة {بما كنتم تقولون على الله غير الحق} كاتخاذ الولد ونسبة الشريك وادعاء النبوة والوحى كذبا {وكنتم عن آياته تستكبرون} فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون بها وفى الحديث "حديث : ان المؤمن اذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر من الريحان وتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال لها ايتها النفس الطيبة اخرجى راضية مرضية ومرضيا عنك الى روح الله وكرامته فاذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وبعث بها الى عليين وان الكافر اذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال لها أيتها النفس الخبيثة اخرجى ساخطة ومسخوطا عليك الى هوان الله وعذابه فاذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وان لها نشيجا اى صوتا ويطوى عليها المسح ويذهب بها الى سجين " .تفسير : كذا فى تفسير ابى الليث رحمه الله. والاشارة ان الذين يراؤن فى التأوه والزعقات واظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب الا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبى زور وفى معناه انشدوا شعر : اذا انسكبت دموع فى خدود تبين من بكنى ممن تباكى تفسير : والذى نزل نفسه منزلة المحدثين واهل الاشارة ولم يلق الى اسرارهم خصائص الخطاب ولم تلهم نفوسهم بها والذين يتشدقون ويتفيهقون فى الكلام الذين يدعون انهم يتكلمون بمثل ما انزل الله من الحقائق والاسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين فكلهم من الظالمين وتظهر مضرة ظلمهم وافترائهم عند انقطاع تعلق الروح عن البدن واخراج النفس من القالب كرها لتعلقها بشهوات الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذة الحقائق الغيبية والشهوات الاخروية اذا الملائكة يبسطون ايديهم بالقهر اليهم لنزع انفسهم بالهوان والشدة وهى متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب الرياسة باصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها كما قال {اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} يعنى آياته المودعة فى انفسكم تعرضون عنها وتراؤن بما ليس لكم ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم او يومين او ثلاثة ايام وتعلقها عن اوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين ولعله الى الحشر والكفار الى الابد وهم فى عذاب النزع بالشدة ابداً وهو العذاب الاليم والعذاب الشديد ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جداً ـ وحكى ـ عن بعض العصاة انه مات فلما حفروا قبره وجدوا فيه حية عظيمة فحفروا له قبرا آخر فوجدوها فيه ثم كذلك قبر ابعد قبر الى ان حفروا نحوا من ثلاثين قبراً وفى كل قبر يجدونها فلما رأوا انه لا يهرب من الله هارب ولا يغلب الله غالب دفنوه معها وهذه الحية هى عمله: قال الحافظ شعر : كارى كنيم ورنه خجالت برآورد روزى كه رخت جان بجهان دكركشيم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كما خلقناكم}: بدل من {فُرَادى}، أو حال ثانية، و {لقد تقطع بينكم}؛ من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي: تقطع وصلُكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي: تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول؛ لقد تقطع ما بينكم. يقول الحقّ جلَ جلاله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} فزعم أنه يوحى إليه، كمسيلمة الكذاب والأسود العَنسي، أو: غيَّر الدين، كعَمرو بن لحي وأمثاله {أو قال أُوحي إليَّ ولم يُوحَ إليه شيء} كابن أبي سَرح ومن تقدم، إلا من تاب، كابن أبي سرح. {ومَن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} كالذين قالوا: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلِ هَذَا } تفسير : [الأنفَال:31] كالنضر بن الحارث وأشباهه. {ولو ترى إذ الظالمون} من اليهود والكذابين والمستهزئين، حين يكونون {في غمرات الموت}: شدائده {والملائكة باسطو أيديهم} لقبض أرواحهم، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم، قائلين لهم: {أخرجوا أنفسكم} من أجسادكم؛ تغليظًا عليهم، {اليوم} وما بعده {تُجزون عذاب الهون} أي: الهوان، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب {بما كنتم تقولون على الله غير الحق}، كادعاء النبوة كذبًا، وادعاء الولد والشريك لله، {وكنتم عن آياته تستكبرون} فلا تستمعون لها، ولا تؤمنون بها، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرًا فظيعًا وهولاً شنيعًا. يقول الحق سبحانه لهم: {ولقد جئتمونا} للحساب والجزاء، {فُرادى}. متفرَّدين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله: {كما خلقناكم أول مرة} أي: على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفُاة عُراة غُرلاً {وتركتم ما خولناكم} أي: تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة، {وراء ظهوركم}، فلم تقدموا منه شيئًا، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا، {وما نرى معكم شفعاءكم} أي: أصنامكم {الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} أي: أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، {لقد تقطَّع بينكم} أي: تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم، {وضَلَّ} أي: غاب {عنكم ما كنتم تزعمون} أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم. الإشارة: كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله: {ولقد جِئتُمُونَا فرادى...} الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع العلائق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا. وقال الورتجبي: ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي: ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى } تفسير : [الأعرَاف:172] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " تفسير : ، يعني: على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت: وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني: مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال: ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} أي: من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف: كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم} إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم. ثم شرع يذكر دلائل توحيده وتعريف ذاته، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}.
الطوسي
تفسير : اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية فقال اكثر المفسرين ان قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} نزلت في مسيلمة الكذاب حيث ادعى النبوة. وقال انه يوحى اليه، وان قوله {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} نزلت في عبد الله بن سعد ابن ابي سرح، فانه كان يكتب الوحي للنبي (صلى الله عليه وسلم) وكان إِذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما. وإِذا قال: اكتب غفورا رحيما، كتب حكيما، وارتد ولحق بمكة. وقال إِني انزل مثل ما أنزل الله، ذهب اليه عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي والجبائي والفراء والزجاج وغيرهم. وقال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة. وقال آخرون: نزلت في ابن ابي سرح خاصة والاول هو المروى عن أبي جعفر (ع). وقال البلخي: قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً وقال أوحي إليَّ} هم الذين ادعوا النبوة بغير برهان وكذبوا على الله {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} هم الذين قالوا {لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} فادعوا بما لم يفعلوا واعرضوا وبذلوا الانفس والاموال واستعملوا في اطفاء نور من جاء بالكتاب سائر الحيل. ثم اخبر تعالى عن حال من فعل ذلك، فقال: {ولو ترى إِذ الظالمون في غمرات الموت} وحذف جواب {لو} وتقديره: ولو ترى إِذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما وكل من كان في شيء كثير يقال له: غمر فلاناً ذلك. ويقال قد غمر فلانا الدين معناه كثر، فصار فيما يعلم بمنزلة ما يبصر قد غمر وغطى من كثرته وقوله {والملائكة باسطوا أيديهم} معناه باسطوا ايديهم بالعذاب وقيل بقبض ارواح الكفار. وقوله: {أخرجوا أنفسكم اليوم} يحتمل امرين: احدهما - ان يكون تقديره يقولون: اخرجوا انفسكم، كما تقول للذي تعذبه لازهقن نفسك ولاخرجن نفسك، فهم يقولون لهم اخرجوا انفسكم على معنى الوعيد والتهديد، كما يدفع الرجل في ظهر صاحبه ويكرهه على المضي بأن يجره او بغير ذلك، وهو في ذلك يقول امض الآن لترى ما يحل بك. والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، وأصله الشيء الذي يغمر الاشياء فيغطيها. وقال ابن عباس غمرات الموت سكراته، وبسط الملائكة ايديها فهو مدها، وقال ابن عباس ايضا: البسط الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم وملك الموت يتوفاهم، وقال الضحاك: بسطها ايديها بالعذاب. والثاني - ان يكون معناه خلصوا انفسكم اي لستم تقدرون على الخلاص {اليوم تجزون عذاب الهون} اي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد، والهون - بفتح الهاء وسكون الواو - من الرفق والدعة، كقوله {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} وقال الشاعر: شعر : هوناً كما لا يرد الدهر ما فاتا لا تهلكن أسفا في أثر من ماتا تفسير : وقد روي فتح الهاء في معنى الهوان، قال عامر بن جوين: شعر : يهين النفوس وهون النفو س عند الكريهة اغلى لها تفسير : والمعروف ضم الهاء اذا كان بمعنى الهوان. قال ذو الاصبع العدواني: شعر : اذهب اليك فما امي براعية ترعى المخاض ولا اغضي على الهون تفسير : يعني على الهوان، وعن ابي جعفر (ع) عذاب الهون يعني العطش. وقوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} في موضع جرّ كأنه قال: ومن اظلم مِمن قال ذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} نزول الآية مشهور وفى التّفاسير مسطور، من انّها فى عبد الله بن ابى سرح وانّه قدم المدينة واسلم وكان له خطّ حسن وكان اذا نزل الوحى على رسول الله (ص) دعاه فيكتب ما يمليه رسول الله (ص) وكان يبدّل الكلمة مكان كلمةٍ بمعناها وكان رسول الله (ص) يقول "حديث : هو واحد" تفسير : فارتدّ كافراً ولحقّ بمكّة وهدر رسول الله (ص) يوم فتح مكّة دمه وعثمان التمس العفو منه (ص) فصار من الطّلقاء، لكن المقصود والتّأويل فى اعداء علىّ (ع) حيث ادّعوا الخلافة لانفسهم ويجرى فى من نصب نفسه للمحاكمة بين الخلق او للفتيا وبيان احكامهم من غير نصٍّ واجازةٍ من الرّسول (ص) بلا واسطةٍ أو بواسطة، فانّ حكم مثله وفتياه افتراء على الله ولو اصاب الحقّ فقد أخطأ وليتبوّأ مقعده من النّار وليست الاجازة الالهيّة باقلّ من الاجازة الشّيطانيّة الّتى عليها مدار تأثيرات مناطرهم ونفخاتهم ولذلك ورد عنهم (ع): هذا مجلس لا يجلس فيه الاّ نبىّ او وصىّ او شقىّ، اشارة الى مجلس القضاء وليس الوصىّ الاّ من نصّ المنصوص عليه على وصايته، وكانت سلسلة الاجازة بين الفقهاء كثّر الله امثالهم والعرفاء رضوان الله عليهم مضبوطة محفوظة وكان لهم كثير اهتمام بالاجازة وحفظها، حتّى انّهم كانوا لا يتكلّمون بشيءٍ من الاحكام ولا يحكمون على احدٍ بل لا يقرأون شيئاً من الادعية والاوراد من غير اجازةٍ، وقد نقل العيّاشى عن الباقر (ع) فى تفسير الآية انّه قال: من ادّعى الامامة دون الامام {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} للامام او لانفسهم بالافتراء على الله بقرينة ما يأتى من قوله بما كنتم تقولون على الله غير الحقّ، اشارة الى الافتراء وبقرينة {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} اشارة الى الانحراف عن الاوصياء والظّلم لهم، فالمعنى لو ترى اذ الظّالمون للامام او لاتباعه او لانفسهم او للخلق بادّعاء الامامة او الحكومة بين النّاس والفتيا لهم من غير اجازةٍ {فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} وشدائدها الّتى تغمر عقولهم وتدهشهم بحيث يغشى عليهم {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ}لقبض ارواحهم قائلين {أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} غيظاً عليهم {ٱلْيَوْمَ} متعلّق باخرجوا او بتجزون والجملة جزؤ مقول الملائكة او استيناف من الله كأنّه صرف الخطاب عن الرّسول (ص) وخاطبهم بنفسه وقال اليوم {تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} فالويل لمن اعرض عن المنصوصين وادّعى الرّأى والفتيا لنفسه من غير نصٍّ من المنصوصين.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء} يعني يزعم ان الله تعالى بعثه نبياً وهو مسيلمة الكذاب أو كذَّاب صنعاء الأسود العنسي، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : رأيت فيما يرى النائم كان في يدي سوارين من ذهب فكبرا عليَّ فأوحى الله إليَّ أن أنفخهما فنفختهما فطارا عني فأوَّلت ذلك كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" تفسير : {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله}، "الآية نزلت في عبد الله بن أبي سرح القرشي، وكان يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان إذا أملى عليه سميعاً عليماً كتب عليماً حكيماً، وإذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليماً حكيماً كتب غفوراً رحيماً، فلما نزل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين} إلى آخر الآية عجب عبد الله من تفصيل خلق الانسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اكتبها فهكذا نزلت" فشك عبد الله فقال: لئن كان صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان قاله لقد قلت كما قال، وارتد عن الاسلام، وروي أنه أسلم قبل الفتح، وقيل: مات منافقاً {ولو ترى} يا محمد، أو أيها السامع {إذ الظالمون في غمرات الموت} أي شدائد الموت عند النزاع، وقيل: في أشد العذاب {والملائكة باسطوا أيديهم} قيل: بالعذاب، وقيل: بالضرب يضربون وجوههم وأدبارهم، يقال بسط اليه يده بالمكروه، وقيل: عند قبض الأرواح، قوله: {اخرجوا أنفسكم}، قيل: من عذاب النار على جهة التوبيخ، وقيل: المراد يخرجون أرواحهم على كره منهم لأن نفس المؤمن تنشط للخروج، والجواب محذوف، يعني فلو تراهم في هذه الأحوال لرأيت أمراً شنيعاً، قوله تعالى: {وكنتم عن آياته تستكبرون} يعني عن محمد وعن القرآن {ولقد جئتمونا فرادى} يعني تقول الملائكة لهم ذلك فرادى لا مال معكم ولا ولد ولا خدام أو كل واحد على حدته {كما خلقناكم أول مرة} على الهيئة التي ولدتم عليها من الانفراد حفاة عراة غرلاً {وتركتم ما خوَّلْنَاكم} يعني ما أعطيناكم من الخدم والنعم والعبيد ومن الأموال {وراء ظهوركم} في الدنيا، حديث : وروي عن عائشة في قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة}، فقالت: يا رسول الله واسوأتاه النساء والرجال يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "{لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض" تفسير : قوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} وهي الأصنام {لقد تقطَّع بينكم} أي انقطع ما بينكم من الموادات والمواصلات {وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون} {ان الله فالق الحب والنوى} بالنبات، وقيل: المراد الشق الذي في النواة والحنطة {يخرج الحيَّ من الميت ومخرج الميت من الحيّ}، قيل: الانسان من النطفة والنطفة من الانسان، وقيل: الطائر من البيض والبيض من الطائر، وقيل: الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر {ذلكم الله فأنى تؤفكون} أي كيف تصرفون عن الحق، وقيل: تكذبون في جعل الأوثان الهة والمراد أنى تصرفون عن عبادته وتعدلون عنه، قوله تعالى: {فالق الإصباح} أي شاق عمود الصبح من ظلمة الليل وسواده، وقيل: خالق الاصباح {وجاعل الليل سكناً} أي جعل الليل لسكون الخلق فيسكن فيه كل متحرك {والشمس والقمر حسباناً} أي جعلهما يجريان بحسبان فتقطع الشمس جميع البروج في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً فبنى عليهما الليالي والأيام والشهور والأعوام {ذلك تقدير العزيز العليم}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} وهذا على الاستفهام، يقول: لا أحد أظلم منه {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ}. قال بعضهم: نزلت في مسيلمة الكذاب، وهو قول الحسن. ذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن نبي الله قال: "حديث : رأيت فيما يرى النائم أن في يدي سوارين من ذهب فكبُرا علي وأهمَّاني. فأوحى الله إلي أن أنفخهما فنفختهما، فطارا فأولتهما في منامي الكذابين اللذين أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء العنسي "تفسير : . وكان يسمّى الأسود. وذكر الحسن أن مسيلمة كان قاعداً عند النبي، فلما قام قال النبي عليه السلام هذا سقب هلكة لقومه. قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ}. ذكر بعض أصحاب النبي قال: هذا عند الموت، يقبضون روحه ويعدونه بالنار ويشدد عليه، وإن رأيتم أنه يهون عليه. ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة، ويهون عليه، وإن رأيتم أنه يشدد عليه. وقال الحسن: هذا في النار، يقال لهم: أخرجوا أنفسكم إن استطعتم لأنهم يتمنون الموت ولا يموتون. كقوله: (أية : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ)تفسير : [إبراهيم:17] قوله عذاب الهون أي: الهوان. قوله: {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ} كقوله: (أية : وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ) تفسير : [النحل:38]. قال: {وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} أي في الدنيا. قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي خلقنا كل إنسان فرداً ويأتينا يوم القيامة فرداً {وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} أي ما أعطيناكم من مال وخول {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي في الدنيا. قوله: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ} يعني بالشفعاء ما قال المشركون في آلهتهم: (أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) تفسير : [الزمر:3] أي في أمر الدنيا، في صلاحهم فيها ومعايشهم، وليس يقرّون بالآخرة. {الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} أي أنهم شركاء لله فيكم فعبدتموهم من دون الله. قال: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قال مجاهد: وصلكُم. وقال الحسن: الذي كان يواصل به بعضكم بعضاً على عبادة الأوثان، يعني الوصلَ نفسه. وهذا تفسير من قرأها بالرفع. ومن قرأها بالنصب {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي ما بينكم من المواصلة {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي أنها تشفع لكم، كقوله: (أية : هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)تفسير : [يونس:18].
اطفيش
تفسير : {ومَنْ أظْلم ممَّن افْترى عَلى اللهِ كَذباً} لا أظلم منهم إذ قال: إن الله بعثنى نبياً كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسى من صنعاء اليمن، أو قال: إن الله حرم كذا وأحل كذا، وهو ليس كذلك كعمرو ابن لحى، وقد مر أنه أول من غير دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة وسيَّب السائبة، وشرع الوصيلة والحامى، ومر أنهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيته يجر قصبه فى النار" تفسير : يعنى أمعاءه. {أو قالَ أوحِىَ إلىَّ ولَم يُوحَ إليْه شَئٌ} نائب أوحى هو قوله: {إلىَّ} ونائب يوح هو لفظ شئ، ويجوز أن يكون شئ نائب أوحى، ونائب يوح ضمير مستتر عائد إلى شئ، لأن شئ فى نية التقديم، وذلك مثل ما روى أن عبد الله بن سعد بن أبى سرح، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت: {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : إلى قوله: {أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر} حديث : قال عبد الله تعجبا من تفضيل خلق الإنسان: {فتبارك الله أحسن الخالقين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتبها كذلك نزلت" تفسير : فشك عبد الله، فقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إلىَّ كما أوحى إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال، فارتد ولحق بالمشركين، ثم أسلم قبل فتح مكة، والنبى صلى الله عليه وسلم نازل بمر الظهران، وكان قبل ذلك حين كان يكتب له صلى الله عليه وسلم إذا أملى عليه سميعاً بصيراً كتب عليما حكيما، وإذا أملى عليه عليما حكيما كتب غفوراً رحيماً، والنبى صلى الله عليه وسلم يقرأ كما نزل، والصحابة يقرءون كما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن قال: إن ذلك فى مسيلمة والأسود العنسى يقول: الآية مدنية، لأن الأسود قتله فيروز الديلى قبل موته صلى الله عليه وسلم بيومين، ومسيلمة قتله خالد بن الوليد، أو وحشى، وتقدم الكلام على ذلك. {ومَن قَال سأنْزِل مثْل ما أنزلَ اللهُ} كالذين قالوا قد سمعنا لو شاء لقلنا مثل هذا، وهم النظر بن الحارث ومن معه، وقال عكرمة: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلىَّ ولم يوح إليه شئ} فى مسيلمة، وقوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} فى عبد الله بن أبى سرح، ومن معطوف على من المجرورة بمن، ووجه ذلك أنهُ من قال لو شئت لقلت مثل هذا يتضمن أنه إذا شاء قال مثله، ولا يمكن مثل إلا بوحى، فكأنه قال: يوحى إلىَّ مثله، وكذا فى ابن أبى سرح، يعنى أنهما لم يقولا إن القرآن أنزله الله فكيف تفسير الآية بهما، وفيها مثل ما أنزل الله، ويجاب بأن المراد سأنزل مثل ما تقول إنه أنزله الله، ويدخل فى الآية من نزلت فى شأن {ولو ترى} يا محمد أو بأن تمكن الرؤية منه. {إذ الظَّالمون فى غَمَرات الموتِ} مفعول ترى محذوف تقديره ولو ترى الظالمين إذ هم فى غمرات الموت، ولما حذف أتى بالظاهر فى موضع هم، فإذا يتعلق بترى، وكون أن يقدر مفعول يتعلق به، إذ أى ولو ترى الواقع إذ الظالمون، وجواب لو محذوف يقدر بعد قوله: {تستكبرون} أى لرأيت أمراً عظيماً، وفى غمرات الموت خبر الظالمون، والجملة مضاف إليها، إذ والظالمون الذين ظلموا أنفسهم بالشرك لقوله تعالى: {أية : ولقد جئتمونا فُرادَى} تفسير : رداً على إنكار البعث، ولقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم} وغمرة الموت شدته الغالبة التى تغشى المختصر من جهاته، استعارة من غمرة الموت إذا أغرقه، وذلك على عمومه، وقيل: المراد بالظالمين المشركون المعهودون وهم اليهود ومن ادعى النبوة، ويدخل غيرهم بالإلحاق والمعنى. {والملائِكةُ} ملائكة الموت {باسطُو إيدِيهِم} لعصر أرواحهم من أعماق أبدانهم بسط المديان المعين الملح على من له عليه الحق، يقول له: لا أبرح من الشمس إلى الظل حتى تقضى حقى، ولو كان فيه ذهاب بصرك أو روحك، أو فت كبدك، وقيل: باسطو أيديهم بالعذاب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وبهذا قال ابن عباس، والجملة حال من المستتر فى ترى، أو فى قوله: {فى غمرات} وباسطو اسم فاعل جمع جمع المذكر السالم ونونه حذفت للإضافة، وكتابة ألفه بعد الواو مخصوص بالمصحف، لأنها واو فى الاسم، وبسط اليد كناية عن الطلب والتناول بها أو البطش، لأنهُ من لم يقصد ذلك لا يمدها إلى غيره إلا لأمر مَّا. {أخْرِجُوا أنفُسكم} مفعول لقول محذوف، وذلك القول خبر ثانٍ أو حال من المستكن فى باسطو، أى باسطو أيديهم قائلون أخرجوا أنفسكم، أو باسطو أيديهم قائلين أخرجوا أنفسكم، وهذا الأمر للإهانة لا ليتمثلوه، لأنه لا طاقة لهم على إخراج أنفسهم، وأنفسهم أرواحهم، لا يقدر الإنسان أن يخرج روح نفسه، بل إهانة وتعنيف وتغليظ، فإن مخرجها هو الله جل وعلا، وهو الرحمن الرحيم بالمؤمنين، والمسبب فى خروجها ملك الموت وأعوانه. وقيل المعنى: أخرجوا أنفسكم من العذاب، أى خلصوا أنفسكم منه وأنجوا إن قدرتم، أو كان ما زعمتم فى الدنيا حقاً، وهو أيضا إهانة وتعجيز وتوبيخ على سالف أعمالهم، والصحيح الأول الموافق لرواية أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالت: أخرجى أيتها النفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب اخرجى حميدة وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب ادخلى حميدة، وأبشرى بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، وإذا كان الرجل السوء وحضرته الملائكة عند موته قالت: اخرجى أيتها النفس الخبيثة كانت فى الجسد الخبيث، اخرجى ذميمة وأبشرى بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج" تفسير : وتمام مثل هذه الرواية والروايات الأخرى فى كتب الحديث والفروع، ويجوز أن يكون ذلك من كلام الملائكة لهم فى النار، أو فى عذاب قبل ذلك، أو فى الحشر، لأنهم يتمنون أن يموتوا ولا يرجعون للعذاب. {اليوم تُجْزَون عَذابَ الهُونِ} اليوم متعلق بتجزون، وعذاب مفعول ثان، وأضيف للهوان لأنه يحصل الهوان بالعذاب، لأنه إذا عذب صار مهاناً لا عزله ولا نجاة، ولأن العذاب يحصل إذا لم يكن من أهل العزة عند الله، والهوان الذلة، وللغراقة فى الهوان والتمكن منه، والمراد باليوم وقت الموت، إذ تشتد غمرات الموت عليهم، أو زمان الآخرة من حين يموتون إلى الحشر، وإلى دخول النار، وإلى ما لا نهاية له، فإنهم يعذبون فى ذلك كله إلا ما بين قيام الساعة والحشر، وقال الحسن: ذلك قول الزبانية لهم فى النار بعد دخولها. {بما كُنتم تقُولُون عَلى الله غَير الحقِّ} ما مصدرية أى بكونكم تقولون غير الحق على الله، والباء سببية وغير الحق هو ادعاء الولد والشريك لله تعالى، ودعوى النبوة والوحى، لأن القريب الذكر هو ذلك، واللفظ يعم أنواع الشرك {وكنتُم عَن آياته تَسْتكبرُون} عطف على كنتم تقولون إلخ، ومعنى استكبارهم عن الآيات استحقارهم لها، وتسفيههم إياها فيعرضوا عنها، لا يتفكرون فيها فلم يؤمنوا.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ} استفهام إِنكار أَى لا أَظلم لنفسه وللخلق ولدين الله {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً} مفعول به لافترى، أَى اختلق كذباً وأَنشأَه، ويضعف كونه مفعولا مطلقاً، وكونه حالا مؤكدة، أَى ذا كذب أَو كاذباً لأَن الافتراءَ أَخص من الكذب، فليس كقولك قمت وقوفاً، أَو قمت واقفاً، ولا يتبادر المعنى هنا بالنصب على التعليل. وافتراء الكذب أَن يقول: أَنا نبى، أَو أَنا رسول من الله، أَو ذلك ودعوى الولد والشريك، أَو ما أَنزل الله على بشر من شئ، {أَو قَالَ أُوحِىَ} أَى أَوحى الوحى، أَى ما من شأْنه أَن يوحى، أَو النائب هو قوله {إِلىَّ} وهو أَولى لأَن الأَول يشير إِليه لفظ أوحى مع أَنه معمول لأَوحى، ولا يتكرر قوله أوحى إِلىَّ مع قوله افترى على الله كذباً لاختلاف التلفظ، إِذ افتراء التلفظ أَن يقول: أَنا نبى أَو رسول وهو غير لفظ أَوحى إِلىَّ، وأَولى من ذلك أَن يقال: افترى على الله كذباً بمعنى أَرسل لله فلاناً أَو نباه وليس كذلك وغير ذلك، وذلك كمسيلمة وسجاح امرأَته والأَسود العنسى، فهم قالوا: أَنا نبى، وأَقوامهم قالوا كذباً عليهم أَن هؤلاء أَنبياء، وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلوا فى خلافة الصديق، أَو قال أَباح الله عبادة غيره، أَو حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى ونحو ذلك من الافتراء فى دين الله عز وجل، ولا يقال: العطف تفسير أَو تفصيل لأَن ذلك لا يكون بأَو {وَلَمْ يُوحَ إِليْهِ} الهاء للمفترى، وقيل للنبى، والكلام مَنْ للمفترى والواو للعطف أَو للحال {شَئٌ} الجملة حال من ضمير قال {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ} من نفسى، وقيل معناه أَنا قادر على الإِنزال {مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ} عطف على من كعبد الله بن سعد بن أَبى سرح، إِذ قال فتبارك الله أحسن الخالقين بعد كتابته ما قبلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اكتبها فإِنها نزلت كذلكتفسير : ، فارتد فقال: إِنى أوحى إِلى كما أوحى إِلى محمد، وإِن كان محمد كاذباً فقد قلت ما يقول، ومن لازم من أوحى إِليه فى الجملة أَن يوحى إِليه بعد أَو صرح بأَنه سيوحى إِلىَّ وأَسلم بعد، وكان فتح أَكثر بلاد الغرب على يديه، وككفار قريش إِذ قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا، على معنى لقلنا بالوحى من الله مثل ذلك، وما قاله محمد إِلا ما سطره الأَولون من الوحى وليس موحى إِلى محمد وهم المستهزئون. {وَلَوْ تَرَى} يا محمد أَو يا من يصلح لأَن يرى، أَى ولو ترى الظالمين إِذ هم فى غمرات الموت، لكن لما حذف لزم الإِظهار وبطل الإِضمار، فقال {إِذ} ظرف للرؤية {الظَّالِمُونَ} المذكورون بالافتراء على الله، والقول أوحى إِلىَّ، والقول سأُنزل مثل ما أَنزل الله، ويجوز كون إِذ مفعولا لترى، أَى ولو شهدت ذلك الوقت بما فيه {فِى غَمَراتِ المَوْتِ} شداته، وكأَنهم تغمرهم سكراته، كما يغمر الماءَ من فيه، وجواب لو محذوف يقدر بعد تستكبرون، لرأَيت أَمراً فظيعاً، ويجوز أَن لو تمنية فلا جواب لها {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيِهمْ} الجملة حال من ضمير قوله فى غمرات، أَو عطف على الاسمية قبلها، والمراد بسط الأَيدى بالعذاب بما قدروا عليه فى ضرب الوجوه والأَدبار بمقامع من حديد، أَو بسطها بعصر الأَرواح كالغريم الملح على من عليه الحق لا يؤخره لحظة، القائل لا أفارقك حتى أَنزع حقى من كبدك وحدقتك وقلبك {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} أَرواحكم إِلينا من أَبدانكم لنقبضها، وهذا مجاز مركب، إِذ لا قدرة لهم على إِخراج أَرواحهم إِلى الملائكة، وإِنما المراد الإِيذاء والتغليظ، كما أَن المراد التحسر لا ظاهر اللفظ كما فى قوله: شعر : هواى مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثمانى بمكة موثق تفسير : ويروى أَن أَرواح الكفار تأْبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج، أَوخلصوا أَبدانكم من أَيدينا، أَو نحوها من عذابنا، أَو الأَمر للتعجيز، ويجوز كون ذلك استعارة مركبة للإلحاح والتشديد، والحمل على الحقيقة أَولى وهى الأَصل، والجملة محكية بحال محذوف، أَى قائلين أَخرجوا أَنفسكم {الْيَوْمَ} وقت غمرات الموت، أَو وقت الموت إِلى ما لا نهاية له متعلق بأَخرجوا، وفى أَخرجوا أَرواحكم اليوم أَى فى الدنيا، أَو خلصوا أَبدانكم من العذاب اليوم أَى فى الدنيا، والمتبادر تعليقه بقوله {تُجْزَوْنَ} واليوم وقت غمرات الموت، أَو يوم القيامة {عَذَابَ الْهُونِ} أَى الهوان، عذاب الموت أَو ما بعده، كقوله: {أية : أَيمسكه على هون} تفسير : [النحل: 59]، أَى على هوان، وأُضيف العذاب للهون لأَصالته فى الهوان وتمكنه فيه، وللتحرز عن عذاب يكون للتأديب والزجر كضرب الأَدب والحدود والنكال، وكعذاب السعيد فى موته تطهيراً من الذنوب، أَو بولغ بأَنه نفس الهون فاعتبر النعت به أَى العذاب بالهون كما فى آية أُخرى، ثم أضيف إِليه {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ} أَى بكونكم تقولون، وتراهم يقدرون الخبر من مصدر خبر الكون زعما منهم أَن كان التى لها خبر لا مصدر لها وليس كذلك. فيقدرون بقولكم {غَيْرَ الْحَقِّ} كدعوى النبوءَة والإِيحاء لغير أَهلها، وإِنزال مثل ما أَنزل الله، ودعوى الولد والشريك، وغير مفعول به لتقولون نصب المفرد لتضمن معنى ذكر، أَو كأَنه فى معنى الجملة، فإِن قول: أَنا نبى، أَو لله ولد، ونحو ذلك جملة أَو نعت مصدر محذوف، أَى قولا غير الحق {وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ} عن تصديق آياته {تَسْتَكْبِرُونَ} تترفعونَ فلم تتأَملوا، فلم تؤمنوا بها أَو بالله، والمراد بالآيات النقلية أَو العقلية، أَو كلتاهما.
الالوسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } كالذين قالوا { أية : مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ } تفسير : [الأنعام: 91] {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ } من جهته تعالى {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ } أي والحال أنه لم يوح إليه {شَيْءٌ} كمسيلمة والأسود العنسي {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ } أي أنا قادر على مثل ذلك النظم كالذين قالوا: { أية : لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } تفسير : [الأنفال: 31] وتفسير الأول: بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا، وتفسير الثاني: ذهب إليه الزمخشري وغيره وتفسير الثالث: ذهب إليه الزجاج ومن وافقه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج أن قوله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } نزلت في مسيلمة الكذاب والأخير نزل في عبد الله بن سعد بن أبـي سرح وجعل بعضهم على هذا عطف {أَوْ قَالَ } الأول على {ٱفْتَرَىٰ } الخ من عطف التفسير. وتعقب بأنه لا يكون بأو، واستحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان وأو للتنويع يعني أنه تارة ادعى أن الله تعالى بعثه نبياً وأخرى أن الله تعالى أوحى إليه وإن كان يلزم النبوة في نفس الأمر الإيحاء ويلزم الإيحاء النبوة، ويفهم من صنيع بعضهم أن (أو) بمعنى الواو، وأما ابن أبـي سرح فلم يدع صريحاً القدرة ولكن / قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات، وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد، فقد روي أن عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكتب له شيئاً فلما نزلت الآية في المؤمنين { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: { أية : تَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] فقال رسول الله: هكذا أنزلت عليَّ فشك حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحيَ إليَّ ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال، وجعل الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلاً كما لا يخفى. واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعاً من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال: والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول: كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبـي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني: أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعاً بين أمرين عظيمين من الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى. وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير {إِلَيْهِ } راجعاً للنبـي صلى الله عليه وسلم والواو في {وَلَمْ يُوحَ } للعطف والمتعاطفان مقول القول والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول: إن المراد بمن افترى على الله كذباً من أشرك بالله تعالى أحداً يحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده، وهو الشرك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال: {أُوحِىَ إِلَيْ} والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذباً وبمن قال: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ } الطاعن في نبوة النبـي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل: من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذباً أو طعن في نبوة النبـي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر. {وَلَوْ تَرَى } أي تبصر، ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى {إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ } عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه والأصل لو ترى الظالمين إذ هم، و {إِذْ } ظرف لترى و {ٱلظَّـٰلِمُونَ } مبتدأ، وقوله تعالى {فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } خبره و(إذ) ظرف لترى، وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر، وقيل: المفعول {إِذْ } والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً، والمراد بالظالمين ما يشمل الأنواع الثلاثة من الافتراء والقولين الأخيرين. والغمرة كما قال الشهاب في الأصل: المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة. ومنه قول المتنبـي شعر : وتسعدني في غمرة بعد غمرة سبوح لها منها عليها شواهد تفسير : والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت {بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } أي بالعذاب، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب. والأمر للتوبيخ والتعجيز، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في / قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له: أخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك. وفي «الكشف» إنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك. واستظهر ابن المنير «أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية، وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها». {ٱلْيَوْمَ} المراد به مطلق الزمان لا المتعارف، وهو إما حين الموت أو ما يشمله وما بعده {تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي المشتمل على الهوان والشدة والإضافة كما في رجل سوء تفيد أنه متمكن في ذلك لأن الاختصاص الذي تفيده الإضافة أقوى من اختصاص التوصيف، وجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها لأن العذاب قد يكون للتأديب لا للهوان والخزي. ومن الناس من فسر غمرات الموت بشدائد العذاب في النار فإنها وإن كانت أشد من سكرات الموت في الحقيقة إلا أنها استعملت فيها تقريباً للافهام. وبسط الملائكة أيديهم بضربهم للظالمين في النار بمقامع من حديد والإخراج بالإخراج من النار وعذابها واليوم باليوم المعلوم. {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ } مفترين {عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } من نفي إنزاله على بشر شيئاً وادعاء الوحي أو من نسبة الشرك إليه ودعوى النبوة كذباً ونفيها عمن اتصف بها حقيقة أو نحو ذلك. وفي التعبير {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } عن الباطل ما لا يخفى وهو مفعول {تَقُولُونَ }، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولاً غير الحق {وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} أي تعرضون فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون.
ابن عاشور
تفسير : لمّا تقضّى إبطال ما زعموه من نفي الإرسال والإنزال والوحي، النّاشيءُ عن مقالهم الباطل، إذ قالوا {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91]، وعقّب ذلك بإثبات ما لأجله جحدوا إرسال الرّسل وإنزال الوحي على بشر، وهو إثبات أنّ هذا الكتاب منزّل من الله، عُقّب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه المشركون من الشّرائع الضّالة في أحوالهم الّتي شرعها لهم عَمْرو بن لُحَيّ من عبادة الأصنام، وزعمهم أنّهم شفعاءُ لهم عند الله، وما يستتبع ذلك من البحيرة، والسّائبة، وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح، وغير ذلك. فهم ينفون الرّسالة تارة في حين أنّهم يزعمون أنّ الله أمرهم بأشياء فكيف بلَغهم ما أمرهم الله به في زعمهم، وهم قد قالوا: {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91]. فلزمهم أنّهم قد كذَبوا على الله فيما زعموا أنّ الله أمرهم به لأنّهم عطّلوا طريق وصول مراد الله إلى خلقه وهو طريق الرّسالة فجاءوا بأعجب مقالة. وذكر من استخفّوا بالقرآن فقال بعضهم: أنا أوحيَ إليّ، وقال بعضهم: أنا أقول مثلَ قول القرآن، فيكون المراد بقوله: {ومن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً} تسفيه عقائد أهل الشّرك والضّلالة منهم على اختلافها واضطرابها. ويجوز أن يكون المراد مع ذلك تنزيه النّبيء صلى الله عليه وسلم عمّا رموه به من الكذب على الله حين قالوا: {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91] لأنّ الّذي يعلم أنّه لا ظلم أعظم من الافتراء على الله وادّعاءِ الوحي باطلاً لا يُقدم على ذلك، فيكون من ناحية قول هرقل لأبي سفيان «وسألتُك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكَرْتَ أنّ لا، فقد أعرِفُ أنّه لم يكن ليَذَر الكذب على النّاس ويكذب على الله». والاستفهام إنكاري فهو في معنى النّفي، أي لا أحد أظلم من هؤلاء أصحاب هذه الصّلات. ومساقه هنا مساق التّعريض بأنّهم الكاذبون إبطالاً لتكذيبهم إنزال الكتاب، وهو تكذيب دلّ عليه مفهوم قوله: {أية : والّذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به}تفسير : [الأنعام: 92] لاقتضائه أنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم المشركون يكذّبون به؛ ومنهم الذّي قال: أوحي إليّ؛ ومنهم الّذي قال: سأنزل مثل ما أنزل الله؛ ومنهم من افترى على الله كذباً فيما زعموا أنّ الله أمرهم بخصال جاهليتهم. ومثل هذا التّعريض قوله تعالى في سورة [العقود: 60] {أية : قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه}تفسير : الآية عقب قوله: {أية : يا أيّها الّذين آمنُوا لاَ تَتَّخذُوا الَّذين اتَّخذوا دِينكم هُزواً ولعباً من الَّذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء}تفسير : [المائدة: 57] الآية. وتقدّم القول في {ومَنْ أظلم} عند قوله تعالى: {أية : ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}تفسير : في سورة البقرة: (114). والافتراء: الاختلاق، وتقدّم في قوله تعالى:{أية : ولكن الّذين كفروا يفترون على الله الكذب }تفسير : في سورة [العقود: 103]. {ومَن} موصولة مراد به الجنس، أي كلّ من افترى أو قال، وليس المراد فرداً معيّناً، فالّذين افتروا على الله كذباً هم المشركون لأنهم حلّلوا وحرّموا بهواهم وزعموا أنّ الله أمرهم بذلك، وأثبتوا لله شفعاء عنده كذباً. و{أوْ قال أوحي إليّ} عطف على صلة {مَن}، أي كلّ من ادّعى النّبوءة كذباً، ولم يزل الرّسل يحذّرون النّاس من الّذين يدّعون النّبوءة كذباً كما قدّمته. روي أنّ المقصود بهذا مسيلمة متنبّىء أهل اليمامة، قاله ابن عبّاس وقتادة وعكرمة. وهذا يقتضي أن يكون مسيلمة قد ادّعى النّبوءة قبل هجرة النّبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأنّ السّورة مكّية. والصّواب أنّ مسيلمة لم يدع النّبوءة إلاّ بعد أن وفد على النّبيء صلى الله عليه وسلم في قومه بني حنيفة بالمدينة سنة تسع طامعاً في أن يجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمرَ بعده فلمّا رجع خائباً ادّعى النّبوءة في قومه. وفي «تفسير» ابن عطيّة أنّ المراد بهذه الآية مع مسيلمة الأسودُ العَنْسِي المتنبّىء بصنعاء. وهذا لم يقله غير ابن عطيّة. وإنّما ذكرَ الطّبري الأسود تنظيراً مع مسيلمة فإنّ الأسود العنْسي ما ادّعى النّبوءة إلاّ في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والوجه أنّ المقصود العموم ولا يضرّه انحصار ذلك في فرد أو فردين في وقت مَّا وانطباق الآية عليه. وأمّا {من قال سأنزل مثل ما أنزل الله}، فقال الواحدي في «أسباب النّزول»، عن ابن عبّاس وعكرمة: أنّها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان قد أسلم بمكّة، وكان يكتب الوحي للنّبيء صلى الله عليه وسلم ثمّ ارتدّ وقال: أنا أقول مثل ما أنزل الله، استهزاء، وهذا أيضاً لا ينثلج له الصّدر لأنّ عبد الله بن أبي سرح ارتدّ بعد الهجرة ولحق بمكّة وهذه السّورة مكّية. وذكر القرطبي عن عكرمة، وابنُ عطيّة عن الزّهراوي والمهدوي أنّها: نزلت في النضر بن الحارث كان يقول: أنا أعارض القرآن. وحفظوا له أقوالاً، وذلك على سبيل الاستهزاء. وقد رووا أنّ أحداً من المشركين قال: إنّما هو قول شاعر وإنّي سأنزل مثله؛ وكان هذا قد تكرّر من المشركين كما أشار إليه القرآن، فالوجه أنّ المراد بالموصول العموم ليشمل كلّ من صدر منه هذا القول ومن يتابعهم عليه في المستقبل. وقولهم: {مثلَ ما أنزل الله} إمّا أن يكونوا قالوا هذه العبارة سخرية كما قالوا: {أية : يا أيّها الّذي نُزّلَ عليه الذّكْر إنّك لمجنون}تفسير : [الحجر: 6]، وإمّا أن يكون حكاية من الله تعالى بالمعنى، أي قال سأنزل مثل هذا الكلام، فعبَّر الله عنه بقوله: {ما أنزل الله} كقوله: {أية : وقولِهم إنَّا قتلْنا المسيحَ عيسى ابن مريم رسولَ الله}تفسير : [النساء: 157]. {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}. عُطِفت جملة: {ولو ترى إذ الظّالمون في غمرات الموت} على جملة: {ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً} لأنّ هذه وعيد بعقاب لأولئك الظّالمين المفترين على الله والقائلين «أوحي إلينا» والقائلين {سأنزل مثل ما أنزل الله}. فــ {الظّالمون} في قوله: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} يشمل أولئك ويشمل جميع الظّالمين المشركين، ولذلك فالتّعريف في {الظّالمون} تعريفُ الجنس المفيد للاستغراق. والخطاب في {تَرى} للرّسول صلى الله عليه وسلم أو كلّ من تتأتَّى منه الرّؤية فلا يختصّ به مخاطب. ثمّ الرّؤية المفروضة يجوز أن يُراد بها رؤية البصر إذا كان الحال المحكي من أحوال يوم القيامة، وأن تكون عِلميّة إذا كانت الحالة المحكيّة من أحوال النّزع وقبض أرواحهم عند الموت. ومفعول {ترى} محذوف دلّ عليه الظّرف المضاف. والتّقدير: ولو ترى الظّالمين إذ هم في غمرات الموت، أي وقْتهم في غمرات الموت، ويجوز جعل (إذْ) اسماً مجرّداً عن الظرفيّة فيكون هو المفعول كما في قوله تعالى: {أية : واذكروا إذْ كنتم قليلاً}تفسير : [الأعراف: 86] فيكون التّقدير، ولو ترى زمَنَ الظّالمون في غمرات الموت. ويتعيّن على هذا الاعتبار جعل الرّؤية عِلميّة لأنّ الزّمن لا يُرى. والمقصود من هذا الشّرط تهويل هذا الحال، ولذلك حذف جواب (لو) كما هو الشّأن في مقام التّهويل. ونظائرُه كثيرة في القرآن. والتّقدير: لرأيت أمراً عظيماً. والغمرة ـــ بفتح الغين ـــ ما يغمُر، أي يَغُمّ من الماء فلا يترك للمغمور مخلصاً. وشاعت استعارتها للشدّة تشبيهاً بالشدّة الحاصلة للغريق حين يغمره الوادي أو السّيل حتّى صارت الغمرة حقيقة عرفيّة في الشدّة الشّديدة. وجَمْع الغمرات يجوز أن يكون لتعدّد الغمرات بعدد الظّالمين فتكون صيغة الجمع مستعملة في حقيقتها. ويجوز أن يكون لقصد المبالغة في تهويل ما يصيبهم بأنّه أصناف من الشّدائد هي لتعدّد أشكالها وأحوالها لا يعبّر عنها باسم مفرد. فيجوز أن يكون هذا وعيداً بعذاب يلقونه في الدّنيا في وقت النّزع. ولمّا كان للموت سكرات جعلت غمرةُ الموت غمَرات. و(في) للظرفيّة المجازيّة للدّلالة على شدّة ملابسة الغمرات لهم حتّى كأنّها ظرف يحويهم ويحيط بهم. فالموت على هذا الوجه مستعمل في معناه الحقيقي وغمراتُه هي آلام النّزع. وتكون جملة: {أخرجوا أنفسكم} حكاية قول الملائكة لهم عند قبض أرواحهم. فيكون إطلاقُ الغمرات مجازاً مفرداً ويكون الموت حقيقة. ومعنى بسط اليد تمثيلاً للشدّة في انتزاع أرواحهم ولا بسط ولا أيديَ. والأنفس بمعنى الأرْواح، أي أخرجوا أرْواحكم من أجسادكم، أي هاتوا أرواحكم، والأمر للإهانة والإرْهاق إغلاظاً في قبض أرواحهم ولا يتركون لهم راحة ولا يعاملونهم بلين، وفيه إشارة إلى أنّهم يجْزعون فلا يلفظون أرواحهم وهو على هذا الوجه وعيد بالآلام عند النّزع جزاءاً في الدّنيا على شركهم، وقد كان المشركون في شكّ من البعث فتُوعِّدُوا بما لا شكّ فيه، وهو حال قبض الأرواح بأنّ الله يسلّط عليهم ملائكة تقبض أرواحهم بشدّة وعنف وتذيقهم عذاباً في ذلك. وذلك الوعيد يقع في نفوسهم موقعاً عظيماً لأنّهم كانوا يخافون شدائد النّزع وهو كقوله تعالى: {أية : ولو ترى إذ يتوفّى الَّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم}تفسير : [الأنفال: 50] الآية، وقول {أخرجوا أنفسكم} على هذا صادر من الملائكة. ويجوز أن يكون هذا وعيداً بما يلاقيه المشركون من شدائد العذاب يوم القيامة لمناسبة قوله بعد {أية : ولقد جئتمونا فُرادى}تفسير : [الأنعام: 94]؛ فغمرات الموت تمثيل لحالهم يوم الحشر في منازعة الشّدائد وأهوال القيامة بحال منهم في غمرات الموت وشدائد النّزع فالموت تمثيل وليس بحقيقة. والمقصود من التّمثيل تقريب الحالة وإلاّ فإنّ أهوالهم يومئذٍ أشدّ من غمرات الموت ولكن لا يوجد في المتعارف ما هو أقصى من هذا التّمثيل دلالة على هول الألم. وهذا كما يقال: وجدت ألَم الموت، وقول أبي قتادة في وقعة حُنَين: «فَضمَّنِي ضَمَّة وَجَدْتُ منها ريحَ الموت»، وقول الحارث بن هشام المخزومي: شعر : وشَمِمْتُ ريحَ المَوْت من تِلْقائِهم في مَأزِقٍ والخيلُ لَمْ تَتَبَدّدِ تفسير : وجملة: {والملائكةُ باسطوا أيديهم} حال، أي والملائكة مَادّونَ أيديهم إلى المشركين ليقبضوا عليهم ويدفعوهم إلى الحساب على الوجه الثّاني، أو ليقبضوا أرواحهم على الوجه الأوّل، فيكون بسط الأيدي حقيقة بأن تتشكّل الملائكة لهم في أشكال في صورة الآدميين. ويجوز أن يكون بسط الأيدي كناية عن المَسّ والإيلام، كقوله: {أية : لئن بسطتَ إليّ يدَك لتقتلني}تفسير : [المائدة: 28]. وجملة: {أخرجوا أنفسكم} مقول لقوللٍ محذوف. وحذف القول في مثله شائع، والقول على هذا من جانب الله تعالى. والتّقدير: نقول لهم: أخرجوا أنفسكم والأنفس بمعنى الذوات. والأمر للتعجيز، أي أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب إن استطعتم، والإخراج مجاز في الإنقاذ والإنجاء لأنّ هذا الحال قبلَ دخولهم النّار. ويجوز إبْقاء الإخراج على حقيقته إن كان هذا الحال واقعاً في حين دخولهم النّار. والتّعريف في {اليوم} للعهد وهو يوم القيامة الّذي فيه هذا القول، وإطلاق اليوم عليه مشهور، فإنْ حُمل الغمرات على النّزع عند الموت فاليوم مستعمل في الوقت، أي وقت قبض أرواحهم. وجملة: {اليوم تجزون} إلخ استئنافُ وعيد، فُصلت للاستقلال والاهتمام، وهي من قول الملائكة. و{تُجْزَوْن} تعْطَوْن جزاء، والجزاء هو عِوض العمل وما يقابَل به من أجر أو عقوبة. قال تعالى: {أية : جَزاء وفاقاً}تفسير : [النبأ: 26]، وفي المثل: المرء مَجْزِيّ بما صَنَع إنْ خيراً فخير وإنْ شرّاً فشرّ. يقال: جزَاه يجزيه فهو جاز. وهو يتعدّى بنفسه إلى الشّيء المعطَى جزاء، ويتعدّى بالباء إلى الشّيء المكافَأ عنه، كما في هذه الآية. ولذلك كانت الباء في قوله تعالى في سورة [يونس: 27] {أية : والَّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها}تفسير : مُتؤوّلاً على معنى الإضافة البيانيّة. أي جزاء هو سيّئة، وأنّ مجرور الباء هو السيّئة المجزى عنها، كما اختاره ابن جني. وقال الأخفش: الباء فيه زائدة لقوله تعالى: {أية : وجزاء سيئة سيّئة مثلها}تفسير : [الشورى: 40]. ويقال: جازى بصيغة المفاعلة. قال الرّاغب: ولم يجيء في القرآن: جَازى. والهُون: الهَوَان، وهو الذّلّ. وفسّره الزّجاج بالهوان الشّديد، وتبعه صاحب «الكشاف»، ولم يقله غيرهما من علماء اللّغة. وكلام أهل اللّغة يقتضي أنّ الهُون مرادف الهوان، وقد قرأ ابن مسعود {اليوم تجزون عذاب الهَوَان}. وإضافة العذاب إلى الهون لإفادة ما تقتضيه الإضافة من معنى الاختصاص والمِلك، أي العذاب المتمكّن في الهُون المُلازم له. والباء في قوله: {بما كنتم تقولون} باء العوض لتعديّة فعل {تُجزون} إلى المجزي عنه. ويجوز جَعل الباء للسببيّة، أي تجزون عذاب الهون بسبب قولكم، ويعلم أنّ الجزاء على ذلك، و(ما) مصدريّة. ثمّ إن كان هذا القول صادراً من جانب الله تعالى فذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام الإضمار لقصد التّهويل. والأصل بما كنتم تقولون عليّ. وضُمّن {تقولون} معنى تَكْذِبون، فعُلّق به قوله: {على الله}، فعلم أنّ هذا القول كذب على الله كقوله تعالى: {أية : ولو تَقوّل علينا بعض الأقاويل}تفسير : [الحاقة: 44] الآية، وبذلك يصحّ تنزيل فعل {تقولون} منزلة اللازم فلا يقدّر له مفعول لأنّ المراد به أنّهم يكذبون، ويصحّ جعل غير الحقّ مفعولاً لــ {تقولون}، وغير الحقّ هو الباطل، ولا تكون نسبته إلى الله إلاّ كذباً. وشمل {ما كنتم تقولون} الأقوالَ الثّلاثة المتقدّمة في قوله {ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً} إلى قوله {مثلَ ما أنزل الله} وغيرَها. و{غير الحقّ} حال من (ما) الموصولة أو صفة لمفعول مطلق أو هو المفعول به لــ {تقولون}. وقوله: {وكنتم عن آياته} عطف على {كنتم تقولون}، أي وباستكباركم عن آياته. والاستكبار: الإعراض في قلّة اكتراث، فبهذا المعنى يتعدّى إلى الآيات، أو أريد من الآيات التأمّل فيها فيكون الاستكبار على حقيقته، أي تستكبرون عن التدبّر في الآيات وترون أنفسكم أعظم من صاحب تلك الآيات. وجواب (لو) محذوف لقصد التّهويل. والمعنى: لرأيتَ أمراً مُفْظعاً. وحَذْفُ جواب (لو) في مثل هذا المقام شائع في القرآن. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولو ترى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب}تفسير : في سورة [البقرة: 165].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ}. أي لا أحد أظلم ممن قال {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} ونظيرها قوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} تفسير : [الأنفال: 31]، وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى جميع العرب بسورة واحدة منه، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} تفسير : [البقرة: 23]، وفي يونس بقوله: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [يونس: 38]، وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} تفسير : [هود: 13]، وتحداهم به كله في الطور بقوله: {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} تفسير : [الطور: 34]. ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الإسراء: 88]، فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة. قوله تعالى: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} الآية. لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب بقوله: {أية : أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} تفسير : [الأنعام: 93] الآية، وصرح بذلك في قوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 50]، وبين في مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد النتاول بالسوء كقوله: {أية : وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ} تفسير : [الممتحنة: 2]، وقوله: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} تفسير : [المائدة: 28] الآية.
الواحدي
تفسير : {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} نزلت في مسيلمة والأسود العنسي؛ ادَّعيا النُّبوَّة، وأنَّ الله أوحى إليهما، وهذا معنى قوله: {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومَنْ قال سأنزل مثل ما أنزل الله} يعني: المستهزئين الذين قالوا: {أية : لو نشاء لقلنا مثل هذا} تفسير : {ولو ترى} يا محمد {إذ الظالمون} يعني: الذين ذكرهم {في غمرات الموت} شدائده، وأهواله {والملائكة باسطوا أيديهم} إليهم بالضَّرب والتَّعذيب {أخرجوا أنفسكم} أَيْ: يقولون ذلك ونفس الكافر تخرج بمشقةٍ وكُرهٍ، لأنَّها تصير إلى أشدِّ العذاب، والملائكة يكرهونهم على نزع الرُّوح، ويقولون: {أخرجوا أنفسكم} كرهاً {اليوم تجزون عذاب الهون} أَي: العذاب الذي يقع به الهوان الشَّديد {بما كنتم تقولون على الله غير الحق} من أنَّه أوحي إليكم ولم يوح {وكنتم عن آياته تستكبرون} عن الإِيمان بها تتعظَّمون. {ولقد جئتمونا فرادى} يقال للكفَّار في الآخرة: جئتمونا فرادى بلا أهل، ولا مالٍ، ولا شيءٍ قدَّمتموه {كما خلقناكم أوَّل مرَّة} كما خرجتم من بطون أُمَّهاتكم {وتركتم ما خوَّلناكم} ملَّكناكم وأعطيناكم من المال والعبيد والمواشي {وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنَّهم فيكم شركاء} وذلك أنَّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام على أنَّهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده {لقد تقطع بينكم} وصلكم ومودتكم {وضلَّ عنكم} ذهب عنكم {ما كنتم تزعمون} تُكذِّبون في الدُّنيا. {إنَّ الله فالق الحبّ} شاقُّة بالنَّبات {والنوى} بالنَّخلة {يخرج الحي من الميت} يخرج النُّطفة بشراً حيّاً {ومُخرج الميت} النُّطفة {من الحيّ} وقيل: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن {ذلكم الله} الذي فعل هذه الأشياء التي تشاهدونها ربكم {فأنى تؤفكون} فمن أين تُصرفون عن الحقِّ بعد البيان!. {فالق الإِصباح} شاقُّ عمود الصُّبح عن ظلمة اللَّيل وسواده، على معنى أنَّه خالقه ومُبديه {وجاعل الليل سكناً} للخلق يسكنون فيه سكون الرَّاحة {والشمس والقمر حسباناً} وجعل الشَّمس والقمر بحسبانٍ لا يجاوزانه فيما يدوران في حسابٍ {ذلك تقدير العزيز} في ملكه يصنع ما أراد {العليم} بما قدَّر من خلقهما.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 93- لم يكذب النبى حين أعلن أن القرآن من عند الله، وليس أحد أكثر ظلماً ممن اختلق الكذب على الله، أو قال: تلقيت وحياً من الله، دون أن يكون قد تلقى شيئاً من الوحى. وليس أحد كذلك أشد ظلماً ممن قال: سآتى بكلام مثل ما أنزله الله! ولو تعلم حال الظالمين، وهم فى شدائد الموت. والملائكة ينزعون أرواحهم من أجسادهم فى قسوة وعنف، لرأيت هوْلاً رهيباً ينزل بهم! ويقال لهم حينئذ: الآن تبدأ مجازاتكم بالعذاب المذل المهين، جزاء ما كنتم تقولون على الله غير الحق، وجزاء استكباركم عن النظر والتدبر فى آيات الله الكونية والقرآنية. 94- ويقول لهم الله يوم القيامة: لقد تأكدتم الآن بأنفسكم أنكم بعثتم أحياء من قبوركم كما خلقناكم أول مرة، وجئتم إلينا منفردين عن المال والولد والأصحاب، وتركتم وراءكم فى الدنيا كل ما أعطيناكم إياه مما كنتم تغترون به ولا نرى معكم اليوم الشفعاء الذين زعمتم أنهم ينصرونكم عند الله، وأنهم شركاء لله فى العبادة! لقد تقطعت بينكم وبينهم كل الروابط، وغاب عنكم ما كنتم تزعمون أنهم ينفعونكم! 95- إن دلائل قدرة الله على البعث، واستحقاقه وحده للعبادة، وبعثه للناس من قبورهم، متوافرة متنوعة، فهو وحده الذى يشق الحب، ويخرج منه النبات، ويشق النوى ويخرج منه الشجر، ويخرج الحى من الميت كالإنسان من التراب، ويخرج الميت من الحى كاللبن من الحيوان، ذلك القادر العظيم هو الإله الحق، فليس هناك صارف يصرفكم عن عبادته إلى عبادة غيره.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: افترى على الله كذباً: اختلق على الله كذباً قال عليه ما لم يقل، أو نسب له ما هو منه براء. أوحي إلي: الوحي: الإِعلام السريع الخفي بواسطة الملك وبغيره. غمرات الموت: شدائده عند نزع الروح. باسطوا أيديهم: للضرب وإخراج الروح. عذاب الهون: أي عذاب الذل والمهانة. فرادى: واحداً واحداً ليس مع أحدكم مال ولا رجال. ما خولناكم: ما أعطيناكم من مال ومتاع. وراء ظهروكم: أي في دار الدنيا. وضل عنكم: أي غاب. تزعمون: تدعون كاذبين. معنى الآيات: ما زال السياق مع المشركين والمفترين الكاذبين على الله تعالى بإتخاذ الأنداد والشركاء فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بأن ادَّعَى أن الله نبأه وأنه نبيه ورسوله كما ادعى سعد بن أبي سرح بمكة ومسيلمة في بني حنيفة بنجد والعنسي باليمن: اللهم لا أحد هو أظلم منه، وممن قال أوحي إلّي شيء من عند الله، ولم يوح إليه شيء وممن قال: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} من الوحي والقرآن، ثم قال تعالى لرسوله: {وَلَوْ تَرَىۤ} يا رسولنا {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} أي في شدائد سكرات الموت، {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} ملك الموت وأعوانه {بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} بالضرب وإخراج الروح، وهم يقولون لأولئك المحتضرين تعجيزاً وتعذيباً لهم: {أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} بسبب استكباركم في الأرض بغير الحق إذ الحامل للعذرة وأصله نطفة قذرة، ونهايته جيفة قذرة، استكباره في الأرض حقا إنه استكبارٌ باطلٌ لا يصح من فاعله بحال من الأحوال. هذا ما دلت عيه الآية الأولى [93] أما الآية الثانية [94] فإن الله تعالى يخبر عن حال المشركين المستكبرين يوم القيامة حيث يقول لهم {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ} أي واحد واحداً {كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ} حفاة عراة غُرْلاً {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ} أي ما وهبناكم من مال وولد {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي في دار الدنيا، {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} وأنتم كاذبون في زعمكم مبطلون في اعتقادكم {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي انحل حبل الولاء بينكم، {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي ما كنتم تكذبون به في الدنيا. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- قبح الكذب على الله تعالى في أي شكل، وأن صاحبه لا أظلم منه قط. 2- تقرير عذاب القبر، وسكرات الموت وشدتها، وفي الحديث: أن للموت سكرات. 3- قبح الاستكبار وعظم جرمه. 4- تقرير عقيدة البعث الآخرة الجزاء على الكسب في الدنيا. 5- انعدام الشفعاء يوم القيامة إلا ما قضت السنة الصحيحة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء والشهداء بشروط هي: أن يأذن الله للشافع أن يشفع وأن يرضى عن المشفوع له.
القطان
تفسير : الافتراء: اختلاف الكذب. غمرات: واحدها غمرة، الشدة. اليوم: المراد به يوم القيامة عذاب الهون: الذل الهوان. فرادى: واحدهم فرد. خولناكم: اعطيناكم. وراء ظهوركم: لم تنتفعوا به. تقطّع بينكم: انقطع ما بينكم من صلات ضل: غاب. بعد ان بين سبحانه أن القرآن كتاب من عند الله، وبذلك رد على الذين أنكروا إنزاله على محمد - قَفَّى هنا على ذلك بوعيد من كذَب على الله أو ادعى النبوة. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}. ليس امرؤ أشدّ ظُلماً ممن كذب على الله، او قال تلقيّت وحياً من عند الله كذبا وبهتاناً، كما فعل مسيلمة الكذّاب والأسوَد العنسي فيما بعد. {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ}. كذلك ليس أحد اشدّ ظلماً ممن قال: سآتي بكلام مثل هذا القرآن. وكان النضر ابن حارث بن كلدة، أحد كفار قريش، يقول: ان القرآن أساطير الاولين، وهو شعر لو نشاء لقلنا مثله. كما كان يجمع الناس بمكة ويقول لهم: تعالوا: أحدّثكم بأحسن من حديث محمد. وقد أُسر النضر يوم بدرٍ وقُتل بعد ان انتهت المعركة، وجاءت أخته قتيلة، ويقال إنها بنته الى النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة ترثي أخاها وتعاتب الرسول الكريم منها: شعر : يا راكباً ان الأُثَيْل مظنة من صبح خامسة وانت موفق أمحمدٌ يا خير ضِنْءِ كريمةِ في قومها والفحلُ فحل مُعْرِق ما كان ضرَّك لو مننتَ وربما منّ الفتى وهو المَغيظُ المحنّق تفسير : الأثيل: بالتصغير موضع قرب المدينة. ضنء: نسل. قال ابن هشام في السيرة: ان النبي عليه السلام عند سماعها حديث : قال: لو بلغَني هذا الشعر قبل قتله لمننتُ عليه . تفسير : {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ}. الخطاب للرسول الكريم، ثم لكل من سمعه أو قرأه. ومعناه: لو تُبصر إذ يكون الظالمون في شدائد الموت، تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء بالغرقى- لرأيتَ ما لا قدرة للبيان على وصفه. اذنْ لرأيتَ الملائكة ينزعون ارواحهم من اجسادهم في قسوة وعنف. ثم حكى سبحانه أمر الملائكة لهم على سبيل التهكّم والتوبيخ حين بسطوا أيديهم لقبض أرواحهم "اَخرِجُوا أنفُسَكُم". {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}. يؤمئذ يقال لهم: الآن تبدأ مجازاتكم بالعذاب المذلّ المهين، جزاء ما كنتم تقولون على الله غير الحق (كقول بعضهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، وقول بعض آخر: إنه أوحي اليه، وما أشبهَ ذلك من الكفر والعناد)، وجزاء استكباركم عن النظر والتدبر في آيات الله الكونية والقرآنية. ثم ذكر الله تعالى ما يقوله لهم الله يوم القيامة بعد ذكر ما تقول لهم ملائكته فقال: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...}. لقد تأكدتم الآن أنكم بُعثتم أحياء من قبوركم، كما خلقناكم اول مرة، وجئتم إلينا منفردين عن المال والولد، تاركين وراءكم في الدنيا كل شيء كنتم تغترّون به. اننا لا نرى معكم اليوم أولئك الشفعاء الذين زعمتم انهم ينصرونكم عند الله، لأنهم شركاء له في العبادة.. لقد تقطّعتْ بينكم وبينهم كل الروابط، وخابت آمالكم في كل ما زعمتم، فلا فداء ولا شفاعة، ولا يغني عنكم من عذاب الله من شيء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلظَّالِمُونَ} {غَمَرَاتِ} {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} {بَاسِطُوۤاْ} {آيَاتِهِ} (93) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ، فَجَعَلَ لَهُ شَرِيكاً أَوْ وَلَداً، أَوِ ادَّعَى أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ رَسُولاً إِلى النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنِ اللهُ قَدْ أَرْسَلَهُ (كَالذِينَ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ)، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِل مِثْلَمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الوَحْيِ وَالقُرْآنِ (كَالذِينَ قَالُوا: لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا). وَهَؤُلاءِ الظَّالِمُونَ وَأَمثَالُهُمْ جُرْمُهُمْ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ. وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ حَالَهُمْ وَهُمْ يُعَانُونَ سَكَرَاتِ المَوْتِ، وَآلاَمَ اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِم التَّعِيسَةِ، لَرَأَيْتَ مَا لاَ سَبيلَ إِلَى وَصْفِهِ وَتَصْوِيرِهِ مِنْ سُوءٍ، وَقَدْ جَاءَتْهُمْ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ بَاسِطِينَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالعَذَابِ لِيَسْتَخْرِجُوا أَرْوَاحَهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ، بِقَسْوَةٍ وَعُنْفٍ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ فَاليَوْمَ تُهَانُونَ غَايَة الهَوَانِ، لِمَا كُنْتُمْ تَكْذِبُونَ عَلَى اللهِ، وَتَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِهِ، وَالانْقِيَادِ إِلَى رُسُلِهِ. غَمَرَاتِ المَوْتِ - سَكَرَاتِهِ وَشَدَائِدِهِ. أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ - خَلِّصُوهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ العَذَابِ - أَوْ تَخَلَّوْا عَنْهَا. عَذَابَ الهُونِ - الهَوَانَ الشَّدِيدَ وَالذُّلَّ وَالخِزْيَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ساعة يأتي الحق بأسلوب استفهامي فليس الهدف أن يستفهم. إنه - سبحانه - لا يريد ان يأتي الخبر من عنده، وهو يقدر أن يقول: الذي يفتري ظالم، لكنه هنا يأتي بالاستفهام الذي يؤكد أنه لا يوجد أظلم من الذي يفتري على الله كذباً، ويعرض الله القضية على المؤمنين وكأنه يسأل ليعوض كل مؤمن القضية على ذهنه ويستنبط الجواب. إن الذي يفتري على زميله والمثيل له كذباً نُوقِع به العقاب، فما بالك بمن يفتري على الله؟ وحين تسمع أنت هذا الكلام: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}. وتستعرض الأمر فلا تجد أظلم منه، وهكذا يستخرج الله الحكم من فَم المقابل. وكيف يفتري إنسان الكذب على الله؟ كأن يبلغ الناس ويدَّعي ويقول: أنا نبي وهو ليس كذلك. هنا تكون الفرية على الله، وإياك ان تظن أنه يكذب على الناس، لا، إنه يكذب على الله؛ لأنه أبلغ أن الله قد بعثه وهو لم يبعثه. و"الافتراء": كذب مُتعمَّد مقصود، وينطبق ذلك على النبوات التي ادعيت؛ من مثل مسيلمة الكذاب، سجاح، طليحة الأسدي، الأسود العنسي؛ كل هؤلاء ادعوا النبوة، ومع ذلك لم يسألهم أحد عن المعجزة الدالة على نُبوّتهم؛ لأن كل واحد منهم عندما أعلن نبوته جاء بما يُخفّف عن الناس أحكام الدين. فواحد قال: أنا أخفف الصلاة، والزكاة لا داعي لها. لذلك تبعهم كل من أراد أن يتخفف من أوامر الدين ونواهيه، موهما نفسه بأنه مُتدين، دون أن يلتزم بالتزامات التدين، وهذا هو السبب في أن أصحاب النبوات الكاذبة، والادعاءات الباطلة يجدون لهم أنصاراً من المنافقين؛ فالواحد من هؤلاء الأتباع قد يكون مثقفاً ثم يصدق نبياً دجالاً، وتسأل التابع للدجال وتقول له: أسألت مدَّعي النبوة هذا ما معجزتك؟ - وهذا أول شرط في النُبوَّة - ولم نجد أحداً سأل هذا السؤال قط، لماذا؟ لأن التدّين فطرة في النفس، ولكن الذي يصعِّب التدين هو الالتزامات التي يفرضها التدين، وعندما يرى التابع الضعيف النفس أن هناك من يُريحع من الالتزامات الدينية، ويفهمه أنه على دين، ويقلل الالتزامات عليه، لذلك يتبعه ضعاف النفوس، وتصبح المسألة فوضى. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ} [الأنعام: 93] هناك من ادعى وقال: أنا نبي، وقال: سأنزل مثل هذا القرآن، فماذا قال هذا المدَّعي وهو "النضر بن الحارث" يقول - في أمة أذنها أذن بلاغية، تتأثر بموسيقى اللفظ -: "والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا" !! ولماذا لم يأت بالمسألة من أولها ويقول: "والزارعات زرعا والحارثات حرثا" ثم يقول مَن ادعى أنه أوحي إليه: "والعاجنات عجنا والخابزات خبزا"، وكان عليه أن يتبعها أيضاً: "والآكلات أكلا والهاضمات هضما". وطبعاً كان هذا الكلام لوناً من هراء فارغ؛ لأن الحق إنما أنزل كلامه موزونا جاذباً لمعانٍ لها قيمتها في الخبر، ولذلك نزل القول الحق: {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}، حديث : وقد جاء واحد هو عبدالله بن سعد بن أي سرح القرشي وكان أخا لسيدنا عثمان من الرضاعة وكان كاتباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد في حضرة النبي. فنزلت الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون: 12-14]. وانبهر بالأطوار التي خلق فيها الحق الإنسان فقال: {تبارك الله أحسن الخالقين}. فقال له رسول الله: اكتبها فقد نزلت. واغْترّ الرجل وقال: إن كان محمدٌ صادقاً لقد أوحى إليّ كما أوحي إليه؛ وإن كاذباً لقد قلت كما قال: فأهدر رسول الله دمه. وقال لصحابته: من رآه فليقتله. وفي عام الفتح جاء به عثمان رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، اعف عن عبدالله، فسكت رسول الله. قال عثمان رضي الله عنه: اعف عنه. فسكت رسول الله. وكررها ثالثا: اعف عنه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. وكان لسيدنا عثمان منزلة خاصة عند رسول الله، وأشار الرسول لسيدنا عثمان بن عفان، فأخذ الرجل وانصرف، فلما انصرف قال الرسول لصحابته: ألم أقل لكم من رآه فليقتله؟ قال سيدنا عباد بن بشر: يا رسول الله لقد جعلتُ إليك بصري - أي وجَّهت عيني لك - لتشير عليّ بقتله، فقال رسول الله لعباد بن بشر: "ما ينبغي لرسول أن تكون له خائنة الأعين" وأسلم ابن أبي سرح وحسن إسلامه . تفسير : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، ما هي عقوبات هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب، ويحاولون التغرير بالناس مدّعين أن الله أنزل عليهم وحياً؟ يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]. وساعة تسمع "لو" هذه تعرف أنها شرطية، وأنت تقول - مثلا - لو جاءني فلان لأكرمته. وحين تقرأ القرآن نجد كثيراً من "لو" ليس لها جواب، لماذا؟ لأن الإتيان بالجواب يعني حصر الجواب الذي لا يمكن للفظ أن يحصره فأنت تتركه للسامع مثلما تجد شاباً يلعب دور الفتوة في الحارة ويتعب سكانها، ثم وقع في أيدي الشرطة وأخذوه ليعاقبوه، فيقول واحد ممن رأوه من قبل وهو يرهق أهل الحارة: آه لو رأيتم الولد الفتوة وهو في يد الشرطة! أين جواب الشرط هنا؟ إنه لا يأتي؛ لأنه يتسع لأمر عجيب يضيق الأسلوب عن أدائه. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} ولم يقل لي: ماذا ترى؟ لأنك سترى عجباً لا يؤديه اللفظ. و"الغمرات" هي الشدة التي لا يستطيع الإنسان منها فكاكاً ولا تخلصاً. ويتابع الحق: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} فهل هم ملائكة الموت الذين يقبضون الروح؟ أو الكلام في ملائكة العذاب؟ إنها تشمل النوعين: ملائكة قبض الروح وملائكة العذاب. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} كأن ملائكة قبض الروح تقول لهم: إن كنتم متأبّين على الله في كثير من الأحكام لقد تأبّيتم على الله إيماناً، وتأبّيتم على الله أحكاماً، وتأبّيتم على الله في تصديق الرسول، فهاهو ذا الحق قد أمرنا أن نقبض أرواحكم، فهل أنتم قادرون على التمرد على مرادات الحق؟ إن كنتم كذلك فليظهر كل منكم مهارته في التأبّي على قبض روحه، أو أن الملائكة يبالغون في النكاية بهم كأن نقول لواحد: اخنق نفسك وأخرج روحك بيديك أو: أخرجوا أنفسكم من العذاب الذي يحيق بكم. "وعذاب الهون" هو العذاب المؤلم وفيه ذلة. وأساليب العذاب في القرآن متعددة، فيقول مرة: "من العذاب المهين" أو وأعد لهم "عذاباً مهيناً" أو ولهم "عذاب أليم" فمرة يكون العذاب مؤلماً لكن لا ذلة فيه، ومرة يكون العذاب مؤلماً وفيه ذلة. وكما أن النعمة فيها تعظيم فالنقمة فيها ذلة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى، فالله سبحانه منزّه عن أي تشبيه -: قد نجد حاكماً يعتقل إنساناً ويأمر بأن يجلس المعتقل في قصر فخم وله حديقة، لكن حين يأتيه الطعام، يقول له الحارس: خذ اتسمم، وفي ذلك إهانة كبيرة. ولماذا يذيقهم الحق العذاب المهين؟ تأتي الإجابة من الله: {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}. كأن يقول واحد: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء. وهم أيضاً يستكبرون على الآيات التي يؤمن بها العقل الطبيعي، ويقول الحق: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} معناه الهَوَانُ.
الجيلاني
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بأن قال: بعثني الله نبياً كمسيلمة والأسود العنسي {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} كعبدالله بن أبي سرح {وَمَن قَالَ} من كفار قريش: {سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} ولو نشاء لقلنا مثل هذا {وَلَوْ تَرَىۤ} أيها الرائي {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} المفترون على الله المكذبون لكتبه ورسله {فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} وسكراته وأهواله {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} قائمون عليهم {بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} كالمتقاضي قائلين لهم: {أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ} أيها المفترون الكاذبون بأيديكم حتى تخلصوا عن أيدينا واعلموا أن {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} المشتمل على الهوان والمذلة {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] عتواً وعناداً. {وَ} الآن {لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ} عارين منفردين عما استكبرتم به من المال والجاه والرئاسة {كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عارية عن جميعها {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ} ابتليناكم به في النشأة الأولى؛ ليكون سبب خيلائكم وبطركم {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ} أيضاً {مَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ} معبوداتكم {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ} أي: في إيجادكم وإظهاركم {شُرَكَآءُ} من الآن {لَقَد تَّقَطَّعَ} وانفصل {بَيْنَكُمْ} وبينهم {وَضَلَّ} أيك غاب وتخفى {عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] أنها شفعاؤكم ينقذكم من عذاب الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، ممن كذب [على] الله. بأن نسب إلى الله قولا أو حكما وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق، لأن فيه من الكذب، وتغيير الأديان أصولها، وفروعها، ونسبة ذلك إلى الله -ما هو من أكبر المفاسد. ويدخل في ذلك، ادعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه، وهو كاذب في ذلك، فإنه -مع كذبه على الله، وجرأته على عظمته وسلطانه- يوجب على الخلق أن يتبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء من خالفه وأموالهم. ويدخل في هذه الآية، كل من ادعى النبوة، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار، وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف. { وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ } أي: ومن أظلم ممن زعم. أنه يقدر على ما يقدر الله عليه ويجاري الله في أحكامه، ويشرع من الشرائع، كما شرعه الله. ويدخل في هذا، كل من يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه في إمكانه أن يأتي بمثله.وأي: ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات، الناقص من كل وجه، مشاركةَ القوي الغني، الذي له الكمال المطلق، من جميع الوجوه، في ذاته وأسمائه وصفاته؟" ولما ذم الظالمين، ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار، ويوم القيامة فقال: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ } أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبه الشنيعة -لرأيت أمرا هائلا وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. { وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ } إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من الأبدان: { أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } أي: العذاب الشديد، الذي يهينكم ويذلكم والجزاء من جنس العمل، فإن هذا العذاب { بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ } من كذبكم عليه، وردكم للحق، الذي جاءت به الرسل. { وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } أي: تَرَفَّعون عن الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها.وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطاب، والعذاب الموجه إليهم، إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده. وفيه دليل، على أن الروح جسم، يدخل ويخرج، ويخاطب، ويساكن الجسد، ويفارقه، فهذه حالهم في البرزخ. وأما يوم القيامة، فإنهم إذا وردوها، وردوها مفلسين فرادى بلا أهل ولا مال، ولا أولاد ولا جنود، ولا أنصار، كما خلقهم الله أول مرة، عارين من كل شيء. فإن الأشياء، إنما تتمول وتحصل بعد ذلك، بأسبابها، التي هي أسبابها، وفي ذلك اليوم تنقطع جميع الأمور، التي كانت مع العبد في الدنيا، سوى العمل الصالح والعمل السيء، الذي هو مادة الدار الآخرة، الذي تنشأ عنه، ويكون حسنها وقبحها، وسرورها وغمومها، وعذابها ونعيمها، بحسب الأعمال. فهي التي تنفع أو تضر، وتسوء أو تسر، وما سواها من الأهل والولد، والمال والأنصار، فعواري خارجية، وأوصاف زائلة، وأحوال حائلة، ولهذا قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ } أي: أعطيناكم، وأنعمنا به عليكم { وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } لا يغنون عنكم شيئا { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } . فإن المشركين يشركون بالله، ويعبدون معه الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وغيرهم، وهم كلهم لله، ولكنهم يجعلون لهذه المخلوقات نصيبا من أنفسهم، وشركة في عبادتهم، وهذا زعم منهم وظلم، فإن الجميع عبيد لله، والله مالكهم، والمستحق لعبادتهم. فشركهم في العبادة، وصرفها لبعض العبيد، تنزيل لهم منزلة الخالق المالك، فيوبخون يوم القيامة ويقال لهم هذه المقالة. { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } أي: تقطعت الوصل والأسباب بينكم وبين شركائكم، من الشفاعة وغيرها فلم تنفع ولم تُجْد شيئا. { وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } من الربح، والأمن والسعادة، والنجاة، التي زينها لكم الشيطان، وحسنها في قلوبكم، فنطقت بها ألسنتكم. واغتررتم بهذا الزعم الباطل، الذي لا حقيقة له، حين تبين لكم نقيض ما كنتم تزعمون، وظهر أنكم الخاسرون لأنفسكم وأهليكم وأموالكم.
همام الصنعاني
تفسير : 826- حدثنا عبد الرزاق، قال: معمر، قال: قتادة: قال بلغني أن الأرض دُحِيَتْ من مكة. 827- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}: [الآية: 93] ثم قال: نزلَتْ فِي مُسَيْلمَة. 828- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، قال: أخبرني [الزهري]: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما أنا نائم، رأيت كان في يدي سِوَارين من ذهب، فكبر ذلك عليَّ فأوحى الله إليَّ أن أنفخهما فنفختهما فَطَارَا، فأولت: ذَلِك كذاب اليمامة، وكذاب صنعاء: العَنْسِي ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):