Verse. 883 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَادٰي كَـمَا خَلَقْنٰكُمْ اَوَّلَ مَرَّۃٍ وَّتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنٰكُمْ وَرَاۗءَ ظُہُوْرِكُمْ۝۰ۚ وَمَا نَرٰي مَعَكُمْ شُفَعَاۗءَكُمُ الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ اَنَّہُمْ فِيْكُمْ شُرَكٰۗؤُا۝۰ۭ لَقَدْ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ۝۹۴ۧ
Walaqad jitumoona furada kama khalaqnakum awwala marratin wataraktum ma khawwalnakum waraa thuhoorikum wama nara maAAakum shufaAAaakumu allatheena zaAAamtum annahum feekum shurakao laqad taqattaAAa baynakum wadalla AAankum ma kuntum tazAAumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» يقال لهم إذا بعثوا «لقد جئتمونا فرادى» منفردين عن الأهل والمال والولد «كما خلقناكم أول مرة» أي حفاة عراة غرلا «وتركتم ما خولناكم» أعطيناكم من الأموال «وراء ظهوركم» في الدنيا بغير اختباركم «و» يقال لهم توبيخا «ما نرى معكم شفعاءكم» الأصنام «الذين زعمتم أنهم فيكم» أي في استحقاق عبادتكم «شركاء» لله «لقد تقطع بينكُمْ» وصلكم أي تشتيت جمعكم وفي قراءة بالنصب ظرف أي وصلكم بينكم «وضل» ذهب «عنكم ما كنتم تزعمون» في الدنيا من شفاعتها.

94

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } يحتمل وجهين: الأول: أن يكون هذا معطوفاً على قول الملائكة {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ } فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار، وعلى هذا التقدير، فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم، ويحتمل أن يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم. والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن الله تعالى هل يتكلم مع الكفار أو لا؟ فقوله تعالى في صفة الكفار: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] وقوله: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الأعراف: 6] يقتضي أن أن يكون تعالى يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف، والقول الأول أقوى، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التشريك. المسألة الثانية: {فُرَادَىٰ } لفظ جمع وفي واحده قولان. قال ابن قتيبة: فرادى جمع فردان، مثل سكارى وسكران، وكسالى وكسلان. وقال غيره فرادى: جمع فريد، مثل ردافى ورديف. وقال الفراء: فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان. إذا عرفت هذا فقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } المراد منه التقريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما: تحصيل المال والجاه. والثاني: أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند الله، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه، بخلاف أهل الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى، بل حضروا مع الزاد ليوم المعاد: ثم قال تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي {بَيْنكُمْ } بالنصب، والباقون بالرفع قال الزجاج: الرفع أجود، ومعناه، لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز والمعنى: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. قال أبو علي: هذا الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون اسماً منصرفاً كالافتراق، والأجود أن يكون ظرفاً والمرفوع في قراءة من قرأ {بَيْنكُمْ } هو الذي كان ظرفاً ثم استعمل اسماً، والدليل على جواز كونه اسماً قوله تعالى: {أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تفسير : [فصلت: 5] و {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } تفسير : [الكهف: 78] فلما استعمل اسماً في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو {تُقَطَّعَ } في قول من رفع. قال: ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفاً أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذي هو مصدر. والقسم الثاني باطل، وإلا لصار تقدير الآية: لقد تقطع افتراقكم وهذا ضد المراد، لأن المراد من الآية لقد تقطع وصلكم وما كنتم سالفون عليه. فإن قيل: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق والتباين؟ قلنا: هذا اللفظ إنما يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه، كقولهم بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم، فلهذا السبب حسن استعمال هذا اللفظ في معنى الوصلة فقوله: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } معناه لقد تقطع وصلكم. أما من قرأ {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بالنصب فوجهه أنه أضمر الفاعل والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم وقال سيبويه: إنهم قالوا إذا كان غداً فأتني والتقدير: إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني، فأضمر لدلالة الحال. فكذا ههنا. وقال ابن الأنباري: التقدير: لقد تقطع ما بينكم. فحذفت لوضوح معناها. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية مشتملة على قانون شريف في معرفة أحوال القيامة فأولها: أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بهذا الجسد آلة له في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة فإذا فارقت النفس الجسد ولم يحصل هذين المطلوبين ألبتة عظمت حسراته وقويت آفاته حيث وجد مثل هذه الآلة الشريفة التي يمكن اكتساب السعادة الأبدية بها، ثم إنه ضيعها وأبطلها ولم ينتفع بها ألبتة، وهذا هو المراد من قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وثانيها: أن هذه النفس مع أنها لم تكتسب بهذه الآلة الجسدانية سعادة روحانية، وكمالاً روحانياً، فقد عملت عملاً آخر أردأ من الأول، وذلك لأنها طول العمر كانت في الرغبة في تحصيل الماء والجاه وفي تقوية العشق عليها، وتأكيد المحبة، وفي تحصيلها. والإنسان في الحقيقة متوجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني، فهذا المسكين قلب القضية وعكس القضية وأخذ يتوجه من المقصد الروحاني إلى العالم الجسماني ونسي مقصده واغتر باللذات الجسمانية، فلما مات انقلبت القضية شاء أم أبى توجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني، فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ينتفع به، وربما بقي منقطع المنفعة معوج الرقبة معوج الرأس بسبب التفاته إليها مع الهجز عن الانتفاع بها، وذلك يوجب نهاية الخيبة والغم والحسرة وهو المراد من قوله: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ } وهذا يدل على أن كل مال يكتسبه الإنسان ولم يصرفه في مصارف الخيرات فصفته هذه التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، أما إذا صرفها إلى الجهات الموجبة للتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فما ترك تلك الأموال وراء ظهره ولكنه قدمها تلقاء وجهه، كما قال تعالى: {أية : وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 110] وثالثها: أن أولئك المساكين أتعبوا أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب. منها عذاب الحسرة والندامة: وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء، ومنها عذاب الخجلة: وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية، وهو المراد من قوله: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } ورابعها: أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات، وحصل عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فههنا يحف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن. أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جداً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى. وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال هؤلاء الضالين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ} هذه عبارة عن الحشر. و«فُرَادَى» في موضع نصب على الحال، ولم ينصرف لأن فيه ألفَ تأنيث. وقرأ أبو حَيْوة «فراداً» بالتنوين وهي لغة تميم، ولا يقولون في موضع الرفع فُرَادٌ. وحكى أحمد بن يحيـى «فُرَادَ» بلا تنوين، قال: مثل ثلاث ورباع و«فُرادى» جمع فُرْدان كسُكارى جمع سكران، وكُسالى جمع كسلان. وقيل: واحده «فَرْد» بجزم الراء، «وفرِد» بكسرها، و«فرد» بفتحها، و«فرِيد». والمعنى: جئتمونا واحداً واحداً، كل واحد منكم منفرداً بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغَيّ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله. وقرأ الأعرج «فَرْدَى» مثل سكرى وكسلى بغير ألف. {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي منفردين كما خُلقتم. وقيل: عُراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حُفاة غُرْلاً بُهْماً ليس معهم شيء. وقال العلماء: يُحشر العبدُ غداً وله من الأعضاء ما كان له يومَ وُلد؛ فمن قُطع منه عضو يردّ في القيامة عليه. وهذا معنى قوله: «غُرْلاً» أي غير مختونين، أي يردّ عليهم ما قُطع منه عند الختان. قوله تعالى: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} أي أعطيناكم وملّكنَاكم. والخَوَل: ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم. {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي خلفكم. {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ} أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء ـ يريد الأصنام ـ أي شركائي. وكان المشركون يقولون: الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده. {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قرأ نافع والكسائِيّ وحَفْص بالنصب على الظرف، على معنى لقد تقطع وصلُكم بينكم. ودلّ على حذف الوصل قوله «وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ». فدلّ هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم: إذ تبرءوا منهم ولم يكونوا معهم. ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم؛ فحُسن إضمار الوصل بعد «تقطّع» لدلالة الكلام عليه. وفي حرف ٱبن مسعود ما يدلّ على النصب فيه «لقد تقطّع ما بينكم». وهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك ذكرت المتقطّع وهو «ما». كأنه قال: لقد تقطّع الوصل بينكم. وقيل: المعنى لقد تقطّع الأمر بينكم. والمعنى متقارب. وقرأ الباقون «بَيْنُكُمْ» بالرفع على أنه اسم غير ظرف، فأسنِد الفعل إليه فرُفع. ويقوّي جعل «بين» ٱسماً من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى: {أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت: 5] و{أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف: 78]. ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفاً منصوباً وهو في موضع رفع، وهو مذهب الأخفش؛ فالقراءتان على هذا بمعنى واحد، فٱقرأ بأيّهما شئت. {وَضَلَّ عَنكُم} أي ذهب. {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي تكذّبون به في الدنيا رُوي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث. حديث : ورُوي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» فقالت: يا رسول الله، وَاسَوْءتاهٰ إن الرجال والنساء يحشرون جميعاً، ينظر بعضهم إلى سَوْءة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل ٱمرىء منهم يومئذ شأنٌ يُغْنِيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شُغل بعضهم عن بعض»تفسير : . وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} للحساب والجزاء. {فُرَادَىٰ} منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا، أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم، وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى. وقرىء «فراد» كرخال وفراد كثلاث وفردى كسكرى. {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بدل منه أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير في {فُرَادَىٰ} أي مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلاً بهما، أو صفة مصدر {جِئْتُمُونَا} أي مجيئنا كما خلقناكم. {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ} ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة. {وَرَاء ظُهُورِكُمْ} ما قدمتم منه شيئاً ولم تحتملوا نقيراً. {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء} أي شركاء لله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم. {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم، والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل. وقيل هو ظرف أسند إليه الفعل اتساعاً والمعنى: وقع التقطع بينكم، ويشهد له قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه، أو أقيم مقام موصوفة وأصله لقد تقطع ما بينكم وقد قرىء به. {وَضَلَّ عَنكُم} ضاع وبطل. {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} يقال لهم إذا بعثوا {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } منفردين عن الأهل والمال والولد {كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي حفاة عراة غرلاً {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ } أعطيناكم من الأموال {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } في الدنيا بغير اختياركم {وَ} يقال لهم توبيخا {مَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ } الأصنام {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ } أي في استحقاق عبادتكم {شُرَكَاءُ } لله {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } وصلكم أي تشتت جمعكم، وفي قراءة بالنصب(بينكم) ظرف أي وصلكم بينكم {وَضَلَّ } ذهب {عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } في الدنيا من شفاعتها.

ابن عطية

تفسير : هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم، فإما عند خروجها من الأجساد وإما يوم القيامة كل ذلك محتمل، و {فرادى} معناه فرداً فرداً، والألف في آخره ألف تأنيث ومنه قول الشاعر [ابن مقبل]: شعر : ترى النعرات الزرق تحت لبانه فرادى ومثنى أصعقتها صواهله تفسير : وقرأ أبو حيوة "فرادىً" منوناً على وزن فعال وهي لغة تميم، و {فرادى} قيل هو جمع فرَد بفتح الراء، وقيل جمع فرْد بإسكان الراء والمقصد في الآية توقيف الكفار على انفرادهم وقلة النصير واحتياجهم إلى الله عز وجل بفقد الخول والشفعاء، فيكون قوله: {كما خلقناكم أول مرة} تشبيهاً بالانفراد الأول في وقت الخلقة، ويتوجه معنى آخر وهو أن يتضمن قوله: {كما خلقناكم} زيادة معان على الانفراد كأنه قال ولقد جئتمونا فرادى وبأحوال كذا، والإشارة على هذا بقوله كما هي إلى ما قاله النبي عليه السلام في صفة من يحشر أنهم يحشرون حفاة عراة غرلاً، و {خولناكم} معناه أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير: [الطويل]: شعر : هنالك إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا وإن يُسْألوا يُعْطُوا وإن يُيْسِرُوا يُغْلُوا تفسير : {وراء ظهوركم} إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجوداً. وقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم} الآية، توقيف على الخطأ في عبادة الأصنام وتعظيمها، قال الطبري: وروي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه قال سوف تشفع له اللات والعزى. قال القاضي أبو محمد: ومن كان من العرب يعتقد أنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية متمكن وهكذا كان الأكثر، ومن كان منهم لا يقر بإله غيرها فليس هو في هذه الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة "بينُكم" بالرفع، وقرأ نافع والكساء " بينَكم" بالنصب أما الرفع فعلى وجوه، أولاها أنه الظرف استعمل اسماً وأسند إليه الفعل كما قد استعملوه، اسماً في قوله تعالى: {أية : من بيننا وبينك حجاب} تفسير : [فُصّلت:5] وكقولهم فيما حكى سيبويه أحمر بن بين العينين، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي، والوجه الآخر أن بعض المفسرين منهم الزهراوي والمهدوي وأبو الفتح وسواهم حكوا أن "البين" في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل فكأنه قال لقد تقطع وصلكم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا عندي اعتراض لأن ذلك لم يرو مسموعاً عن العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في العين "والبين" الوصل. لقوله عز وجل: {لقد تقطع بينكم} فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ذلك، أما إن أبا الفتح قوى أن "البين" الوصل وقال: "وقد أتقن ذلك بعض المحدثين بقوله: قد أنصف البين من البين". والوجه الثالث من وجوه الرفع أن يكون "البين" على أصله في الفرقة من بان يبين إذا بعد، ويكون في قوله: {تقطع} تجوز على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة تقطعت الفجاج بين كذا وكذا عبارة عن بعد ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك "بالبين" الذي هو الفرقة، وأما وجه قراءة النصب فأن يكون ظرفاً ويكون الفعل مستنداً إلى شيء محذوف وتقديره لقد تقطع الاتصال أو الارتباط بينكم أو نحو هذا. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس: مجاهد والسدي وغيرهما، وجه آخر يراه أبو الحسن الأخفش وهو أن يكون الفعل مسنداً إلى الظرف ويبقى الظرف على حال نصبه وهو في النية مرفوع، ومثل هذا عنده قوله {أية : وإنّا منا الصالحون ومنا دون ذلك} تفسير : [الجن:11] وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش "تقطع ما بينكم" بزيادة ما و {ضل} معناه تلف وذهب، و {ما كنتم تزعمون} يريد دعواهم أنها تشفع وتشارك الله في الألوهية.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَوَّلْنَاكُمْ} التخويل: تمليك المال. {شُفَعَآءَكُمُ} آلهتكم، أو الملائكة الذين اعتقدتم شفاعتهم. {فِيكُمْ شُرَكَآؤُاْ} شفعاء، أو يتحملون عنكم تحمل الشريك عن شريكه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى} يعني وحداناً لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم وهذا خبر من الله عز وجل عن حال الكافرين يوم القيامة وكيف يحشرون إليه ماذا يقول لهم في ذلك اليوم وفي قوله للكافرين ولقد جئتمونا فرادى تقريع وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم كل ذلك شيئاً يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا {كما خلقناكم أول مرة} يعني جئتمونها حفاة عراة غرلاً يعني قلفاً كما ولدتهم أمهاتهم في أول مرة في الدنيا لا شيء عليهم ولا معهم (ق). عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "حديث : أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً" {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين }تفسير : [الأَنبياء: 104] (ق) عن عائشة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "تحشر الناس حفاة عراة غرلاً" قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال "الأمر أشد من أن يهمهم ذلك"تفسير : روى الطبري بسنده حديث : عن عائشة أنها قرأت قول الله عز وجل {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} فقالت: يا رسول الله واسوأتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكل امرئ منهم يومئذ شيء يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض"تفسير : . وقوله تعالى: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} يعني وتركتم الذي أعطيناكم وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم والخول وكل ما أعطى الله العبد خوله فيه من المال والعبيد وراء ظهوركم يعني في الدنيا {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} يعني أن المشركين زعموا أنهم إنما عبدوا هذه الأصنام "لأنها تشفع لهم عند الله يوم القيامة لأنها شركاء الله تعالى الله عن ذلك فإذا كان يوم القيامة وبخ الله المشركين وقرعهم بهذه الآية ثم قال تعالى: {لقد تقطع بينكم} قرئ بنصب النون من بينكم ومعناه لقد تقطع ما بينكم من الوصل أو يكون معناه لقد تقطع الأمر بينكم وقرئ بينكم برفع النون، ومعناه لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد يكون وصلاً ويكون هجراً {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} يعني: وذهب وبطل ما كنتم تكذبون في الدنيا.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...} الآية: هذه حكايةٌ عما يقالُ لهم بعد قَبْض أرواحهم، وٱعلم أيها الأخُ؛ أنَّ هذه الآية الكريمةَ ونَحْوَها من الآيِ، وإن كان مساقها في الكُفَّار، فللمؤمن الموقِنِ فيها مُعْتَبَرٌ ومزدَجَر، وقد قيل: إن القبر بحْرُ النداماتِ، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ، قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مُحْسِناً، نَدِمَ ألاَّ يَكُونَ ٱزْدَادَ، وإنْ كَانَ مُسِيئاً، نَدِمَ أَلاَّ يَكُونَ نَزَعَ»تفسير : . انتهى. و {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: تشبيهاً بالاِنفراد الأول في وقت الخِلْقة، و {خَوَّلْنَـٰكُمْ}، معناه: أعطيناكم، و {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}: إشارة إلى الدنيا؛ لأنهم يتركون ذلك موجوداً. وقوله سبحانه: {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ}: توقيفٌ على الخطإ في عبادة الأصنام، وٱعتقادِهِمْ أنها تشفع وتُقَرِّب إلى اللَّه زلفَىٰ، قال أبو حَيَّان: {وَمَا نَرَىٰ}: لفظه لفظُ المستقبلِ، وهو حكاية حال. انتهى. وقرأ نافع والكسائي: «بَيْنَكُمْ» ـــ بالنصب ـــ؛ على أنه ظرْفٌ، والتقدير: لقد تقطَّع الاِتصال والاِرتباطُ بينكم، ونحْوُ هذا، وهذا وجهٌ واضحٌ؛ وعليه فسَّره الناس؛ مجاهد وغيره، وقرأ باقي السَّبْعة: «بَيْنُكُمْ» ـــ بالرفع ـــ، وقرأ ابن مسعودٍ وغيره: «لَقَد تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ»، و {ضَلَّ}، معناه: تَلِفَ وذَهَب، و {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، يريد: دعواهم أنها تشفَعُ، وأنها تشاركُ اللَّه في الألوهيَّة، تعالى اللَّه عن قولهم.

ابن عادل

تفسير : "فُرَادَى" منصوب على الحال من فاعل "جِئْتُمُونَا"، و "جئتمُونَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى المستقبل، أي: تجيئوننا، وإنما أبرزه في صورة الماضي لِتَحَقُّقِهِ كقوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل:1] {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف:44]. والثاني: أنه ماضٍ، والمراد به حكاية الحال بين يدي الله - تعالى - يوم يُقال لهم ذلك، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضياً بالنسبة إلى ذلك اليَوْمِ. واختلفوا في قول هذا القَائِل، فقيل: هو قول الملائكة المُوَكَّلِينَ بعقابهم. وقيل: هو قول الله تعالى، ومنشأ هذا الخلاف أن الله - تبارك وتعالى - هل يَتَكَلَّمُ مع الكُفَّارِ أم لا؟ فقوله تبارك وتعالى في صفة الكفار: "وَلاَيُكَلِّمُهُم" يوجب ألاَّ يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع الاخْتِلافُ، والأول أقوى؛ لأن هذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التَّشْرِيكَ. واختلفوا في "فُرَادَى" هل هو جمع أم لا، والقائلون بأنه جَمْعٌ اختلفوا في مُفْرَدِهِ: فقال الفراء: "فُرَادى" جمع "فَرْد وفَرِيد وفَرَد وفَرْدَان" فجوز أن يكون جَمْعاً لهذه الأشياء. وقال ابن قُتَيْبَةَ: هو جمع "فَرْدانَ" كسَكْرَانَ وسُكَارَى وعَجْلان وعُجالى. وقال قوم: هو جمع فَرِيد كَرَدِيف ورُدَافى، وأسِير وأسَارى، قاله الراغب، وقال: هو جمع "فَرَد" بفتح الراء، وقيل بسكونها، وعلى هذا فألفها للتأنيث كألف "سُكَارى" و "أسارى" فيمن لم يتصرف. وقيل: هو اسم جمع؛ لأن "فرد" لا يجمع على فُرَداى فرد أفراد، فإذا قلت: جاء القوم فُرَادى فمعناه واحداً واحداً. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2239- تَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لِبَانِهِ فُرَادَى وَمَثْنَى أثْقَلَتْهَا صَوَاهِلُهْ تفسير : ويقال: فَرِدَ يَفْرُدُ فُرُوداً فهو فَارِدٌ، وأفردته أنا، ورجل أفْرَدُ، وامرأة فَرْدَاءُ كأحمر وحمراء، والجمع على هذا فُرْدٌ كحُمْر، ويقال في فُرَادى: "فَرَاد" على زِنَةِ "فعَال"، فينصرف، وهي لغة "تميم" وبها قرأ عيسى بن عمر، وأبو حيوة: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فَرَاداً" وقال أبو البقاء: وقرئ بالشاذ بالتنوين على أنه اسم صحيح، فقال في الرفع فُرَادٌ مثل: "تُؤام ودخال وهو جمع قليل". انتهى. ويقال أيضاً" جاء القوم فُرَادَ غير منصرف، فهو كَأحاد ورُبَاع في كونه معدولاً صفة، وهو قرءاة شاذّة هنا. وروى خارجة عن نافع، وأبي عمرو كليهما أنهما قرأ "فُرَادَى" مثل سُكَارَى" اعتباراً بتأنيث الجماعة، كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} تفسير : [الحج:2] فهذه أربع قراءات مشهورة، وثلاث في الشواذ فراد الرجال, فراداً كأحاد، فَرْدَى كَسَكْرَى. قوله: "كَمَا خَلَقْناكُمْ" في هذه أوجه: أحدها: أنها مَنْصُوبَةُ المحل على الحال من فاعل "جئتمونا" فمن أجاز تَعَدُّدَ الحال أجاز من غير تأويل، ومن منع ذلك جعل "الكاف" بدلاً من "فُرَادَى". الثاني: أنها في مَحَلِّ نصب نَعْتاً لمصدر محذوف، أي: مجيئاً مثل مجيئكم يوم خلقناكم، وقدره مكي: منفردين انفراداً مثل حالكم أول مرة، والأوّل أحسن؛ لأن دلالة الفعل على المَصْدَرِ أقوى من دلالة الوَصْفِ عليه. الثالث: أن "الكاف" في مَحَلِّ نصب على الحال من الضمير المُسْتكنِّ في "فُرَادى"، أي: مشبهين ابتداء خلقكم، وكذا قَدَّرهُ أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم، وصوابه أن يقدر مُضَافاً أي: مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم. قوله: "أوَّلَ مَرَّة" مَنْصُوبٌ على ظرف الزمان، والعامل فيه "خلقناكم"، و "مرة" في الأصل مصدر لـ "مَرَّ يَمُرُّ مَرَّةً" ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت زماناً. قال أبو البقاء رحمه الله: "وهذا يَدُلُّ على قوة شبه الزمان بالفعل". وقال أبو حيان: "وانتصب "أوَّل مرة" على الظرف، أي: أول زمان ولا يتقدَّر أوّل خلق؛ لأن أول خلق يستدعي خَلْقاً ثانياً، إنما ذلك إعادة لا خَلْقٌ". يعني: أنه لا يجوز أن يكون المرَّة على بابها من المَصْدَريَّةِ، ويقدر أوّل مرة من الخَلْقِ لما ذكر. قوله: "وتَرَكْتُمْ" فيها وجهان: أحدهما: إنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل "جئتمونا"، و "قد" مضمرة على رأي الكوفيين أي: وقد تركتم. والثاني: أنها لا مَحَلَّ لها لاستئنافها، و"ما" مفعولة بـ "ترك"، وهي موصولة اسمية، ويضعف جعلها نَكِرَةً موصوفة، والعائد محذوف، أي: ما خَولناكُمُوهُ، و"ترك" متعدية لواحد؛ لأنها بمعنى التخلية ولو ضمنت معنى "صيَّر" تعدَّت لاثنين، و "خوَّل" يتعدَّى لاثنين؛ لأنه بمعنى "أعطى وملك"، والخول ما أعطاه الله من النِّعم. قال أبو النجم: [الرجز] شعر : 2240- كُومِ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّل تفسير : فمعنى: خولته كمن أملكته الخول فيه كقولهم: خوَّلته، أي: ملكته المال. وقال الرَّاغب: التَّخْوِيلُ في الأصل إعطاء الخول. وقيل: إعطاء ما يصير له خولاً وقيل: إعطاء ما يحتاج أن يتعهَّدَهُ من قولهم: "فلان خال مال وخايل مال أي حسن القيام عليه". وقوله: "وَراءَ ظُهُورِكُمْ" متعلّق بـ "تركتم" ويجوز أن يضمن "ترك" هنا معنى "صيَّر"، فيتعدى لاثنين: أولهما الموصول، والثاني هذا الظرف متعلّق بمحذوف، أي: وصيّرتم بالتَّرْكِ الذي خَوَّلناكموه كائناً وراء ظهوركم. قوله تعالى: "وَمَا نَرَى" الظَّاهر أنها المُتعدِّية لواحد، فهي بصرية، فعلى هذا يكون "معكم" متعلّق بـ "نرى"، ويجوز أن يكون بمعنى "علم"، فيتعدى لاثنين، ثانيهما هو الظرف، فيتعلّق بمحذوف، أي: ما نراهم كائنين معكم، أي مصاحبتكم. إلاَّ ان أبا البقاء اسْتَضْعَفَ هذا الوجه، وهو كما قال؛ إذ يصير المعنى: وما يعلم شُفَعَاءكم معكم، وليس المعنى عليه قطعاً. وقال أبو البقاء - رحمه لله -: "ولا يجوز أن يكون أي معكم حالاً من "الشفعاء"؛ إذ المعنى يصير أن شفعاءهم معهم ولا تراهم". وفيما قاله نظرٌ لا يخفى، وذلك أن النفي إذا دخل على ذاتٍ بِقَيْدٍ، ففيه وجهان: أحدهما: نفي تلك الذّات بقيدها. والثاني: نفي القَيْد فقط دون نَفْي الذَّات. فإن قلت "ما رأيت زيداً ضاحكاً"، فيجوز أنك لم تَرَ زَيْداً ألبَتَّة، ويجوز أنك رأيته من غير ضِحْكٍ، فكذا هاهنا، إذ التقدير: وما نرى معكم شفعاءكم مصاحبيكم، يجوز أن لم يروا الشفعاء ألْبَتَّة، ويجوز أن يَرَوْهُمْ دون مُصَاحبتهم لهم، فمن أين يلزم انهم يكونون معهم، ولا يرونهم من هذا التركيب، وقد تقدم تَحْقِيقُ هذه القاعدة في أوائل سورة "البقرة" في قوله: {أية : لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} تفسير : [البقرة:273]. و"أنهم" سد مَسَدَّ المفعولين لـ "زعم" و "فيكم" متعلق بنفس شركاء، والمعنى: الذين زعمتم أنهم شركاء الله فيكم، أي في عبادتكم، أو في خلقكم، لأنكم أشركتموهم مع الله - تعالى - في عبادتكم وخلقكم. وقيل "في" بمعنى "عند"، ولا حاجة إليه. وقيل: المعنى أنهم يتحملون عنكم نَصِيباً من العذاب، أي: شركاء في عذابكم إن كنت تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابتكم نَائِيَةٌ شاركوكم فيها. فصل في معنى الآية معنى الآية الكريمة: {جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: حُفَاةً عُرَاةً، وخلَّفتم ما أعطيناكم من الأموال والأولاد والخَدَم خلف ظهوركم في الدنيا، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شُرَكَاءُ، وذلك أن المشركين زعموا أنه يعبدون الأصْنَامَ؛ لأنهم شركاء الله, وشفعاؤهم عنده، والمراد من الآية التَّقْريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدَّهم وجهدهم إلى تحصيل المال والجاهِ، وعبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها شفعاؤهم عند الله تبارك وتعالى، ثم أنهم لما وردوا مَحْفَلَ القيامة لم يَبْقَ لهم من تلك الأموال شيء، ولم يجدوا من تلك الأصنام شَفَاعَةً فبقوا فرادى على كل ما حَصَّلُوهُ في الدنيا، وعَوَّلُوا عليه، بخلاف أهل الإيمان، فإنهم صرفوا هَمَّهُمْ إلى الأعمال الصالحة، فَبَقِيَتْ معهم في قبورهم، وحضرت معهم في مَحْفَل القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى. قوله "لقد تقطَّع بَيْنَكُم" قرأ نافع، والكسائي، وعاصم في رواية حفْص عنه "بَيْنَكُمْ" نَصْباً، والباقون "بَيْنُكُمْ" رفعاً. فأما القراءة الأولى ففيها سبعة أوجه: أحدها، وهي أحسنها: أن الفاعل مضمر يعود على الاتِّصالِ، والاتصال وإن لم يكن مذكوراً حتى يعود عليه ضمير، لكنه تقدم ما يَدُلُّ عليه، وهو لفظ "شركاء"، فإن الشركة تشعر بالاتِّصَالِ، والمعنى: لقد تقطع بينكم الاتصال على الظرفية. الثاني: أن الفاعل هو "بينكم"، وإنما بقي على حالِهِ منصوباً حَملاً له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وجعلوا من ذلك أيضاً قوله: {أية : يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الحج:17] فيمن بناه إلى المفعول، وكذا قوله تعالى: {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الجن:11] [قال الواحدي: كما جرى في كلامهم] منصوباً ظرفاً، تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام ثم قال في قوله: {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِك} تفسير : [الجن:11] فـ "دُونَ" في موضع رفع عندهم، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحون، ومنا الظالمون، إلا أن الناس لما حَكَوْا هذا المَذْهَبَ لم يتعرَّضُوا على هذا الظرف، بل صرحوا بأنه مُعْرَبٌ، وهو مرفوع المحل قالوا: أو إنما بقي على انْتِصَابِه اعتباراً بأغلب أحواله في كلام أبي حيان، لما حكى مذهب الأخفش ما يصرح بأنه مَبْنِيٌّ، فإنه قال: وخرجه الأخفشُ على أنه فاعل، ولكنه مبني حَمْلاً على أكثر أحوال هذا الظَّرْفِ، وفيه نظر؛ لأن الذي لا يَصْلُحُ أن يكون عِلَّة البناء، وعِلَل البناء مَحْصُورةٌ ليس هذا منها. ثم قال أبو حيان: "وقد يُقَالُ لاضافته إلى مبني كقوله {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِك} تفسير : [الجن: 11] وهذا ظاهرٌ في أنه جعل حَمْلهُ على أكثر أحواله عِلَّةً لبنائه كما تقدم". الثالث: أن الفاعلَ محذوفٌ و "بينكم" صِفَةٌ له قامت مُقامَهُ، تقديره: لقد تقطع وصْلُ بينكم، قاله أبو البقاء، وردَّه أبو حيان بأن الفاعل لا يُحْذَفُ، وهذا غير ردِّ عليه، فإنه يعني بالحذف عدمَ ذكره لفظاً وأن شيئاً قام مقامه، فكأنه لم يحذف. وقال ابن عطيَّة: "ويكون الفعل مُسْنداً إلى شيء محذوف، أي: لقد تقطَّع الاتِّصالُ بينكم والارتباط ونحو هذا". وهذا وجه وَاضِحٌ، وعليه فَسَّر الناس، وردَّه أبو حيان لما تقدم، ويجاب عنه بأنه عبر بالحذف عن الإضمارِ، لأن كلاً منهما غير مَوْجُودٍ لفظاً. الرابع: أن "بينكم" هو الفاعل، وإنما بني لإضافته إلى غير مُتَمكنٍ، كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُون} تفسير : [الذاريات:23] بفتح "مِثْلَ"، وهو تابع لـ "حق" المرفوع، ولكنه بني لإضافته إلى غير متمكِّن، وسيأتي في مكانه، ومثله قول الآخر في ذلك: [الرمل] شعر : 2241- تَتدَاعَى مَنْخِرَاهُ بِدَمٍ مِثْلَ مَا أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ تفسير : بفتح "مثل" مع أنها تَابِعَةٌ لـ "دم"، ومثله قول الآخر: [البسيط] شعر : 2242- لَمْ يَمْذَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذاتِ أوْقَالِ تفسير : بفتح "غير"، وهي فاعل "يمنع"، ومثله قول النابغة: [الطويل] شعر : 2243- أتَانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي وتِلْكَ الَّتِي تَسْتَكُّ مِنْهَا المَسَامِعُ مَقَالَةَ أَنْ قَدْ قُلْتَ: سَوْفَ أَنَالُهُ وَذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ مِثْلِكَ رَائِعُ تفسير : فـ "مقالة" بدل من "أنَّك لُمْتَنِي"، وهو فاعل، والرواية بفتح تاء "مَقَالة" لإضافتها إلى "أن" وما في حيِّزهَا. الخامس: أن المَسْألةَ من باب الإعْمَالِ، وذلك أن "تَقَطَّع" و "ضَلَّ" كلاهما يَتَوجَّهان على {مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} كل منهما يطلبه فاعلاً، فيجوز أن تكون المَسْألَةُ من باب إعمال الثاني، وأن تكون من إعمال الأوَّل، لأنه ليس هنا قرينة تُعَيِّنُ ذلك، إلا أنه تقدم في "البقرة" أن مذهب البصريين اخْتِيَارُ إعمال الثاني، ومذهب الكوفيين بالعكس، فعلى اختيار البصريين يكون "ضَلَّ" هو الرافع لـ {ما كُنْتُمْ تَزْعُمُون} واحتاج الأول لفاعل فأعطيناه ضميره فاسْتَتَر فيه، وعلى اختيار الكوفيين يكون "تقطَّع" هو الرافع لـ {مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}، وفي "ضلَّ" ضمير فاعل به، وعلى كلا القولين فـ "بينكم" منصوب على الظَّرْف، وناصبه "تَقطَّع" هو الرافع. السادس: أن الظرف صِلَةٌ لموصول محذوف تقديره: تقطَّع ما بينكم، فحذف الموصول وهو "ما" وقد تقدَّم أن ذلك رأى الكوفيين، وتقدم ما استشهدوا به عليه من القرآن، وأبيات العرب، واستتدلَّ القائل بذلك بقول الشاعر حيث قال في ذلك: [الطويل] شعر : 2244- يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأديرُهُمْ وجِلْدَةُ بَيْنَ الأنْفِ والعَيْنِ سَالِمُ تفسير : وقول الآخر في ذلك: [البسيط] شعر : 2245- مَا بَيْنَ عَوْفٍ وإبْرَاهِيمَ مِنْ نَسَبٍ إلاَّ قَرَابَةُ بَيْنَ الزَّنْجِ والرُّومِ تفسير : تقديره: وَجِلْدةُ ما بين، وإلاَّ قرابة ما بَيْن، ويدل على ذلك قراءة عبد الله، ومجاهد، والأعمش: "لقد تَقطَّع ما بينكم". السابع: قال الزمخشري: "لَقَدْ تقطَّعَ بينكم": لقد وقع التَّقَطُّع بينكم، كما تقول: جمع بين الشَّيْئْينِ، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل قول حَسَنٌ، وذلك لأن لو أضمر في "تقطَّع" ضمير المصدر المفهوم منه لصار التقدير: تقطع التَّقطُّع بينكم، وإذا تقطَّع التقطع بينهم حصل الوَصْلُ، وهذا ضدُّ المقصود، فاحتاج أن قال: إن الفعل أسند إلى مصدره بالتأويل المذكور، إلا أن أبا حيَّان اعترضه، فقال: "فظاهره أنه ليس بِجيِّدٍ، وتحريره أنه أسند الفِعْلَ إلى ضمير مصدره فأضمره فيه؛ لأنه إن أسْنَدَهُ إلى صريح المصدر، فهو محذوف، ولا يجوز حذف الفاعل، ومع هذا التقدير فليس بِصَحيح؛ لأن شَرْطَ الإسناد مفقود فيه، وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه؛ يعني: أنه لا يجوز أن يتَّحدَ الفعل والفاعل في لَفْظٍ واحد من غير فائدة، لا تقول: قام القائم، ولا قعد القاعد, فتقول: إذا أسند الفعل إلى مَصْدَرِهِ, فإما إلى مَصْدَرِهِ الصريح من غير إضمار, فيلزم حذف الفاعل, وإما على ضميره, فيبقى تقطَّع التَّقطُّع, وهو مثل قام القائم, وذلك لا يجوز، مع أنه يلزم عليه أيضاً فَسَادُ المعنى كما تقدم منه أنه يَلْزَمُ أن يحصل لهم الوَصْلُ". قال شهاب الدِّين: وهذا الذي أورده الشَّيْخُ لا يرد لما تقدَّم من قوله الزمخشري على إسناد الفعل إلى مصدرِهِ بهذا التأويل، وقد تقدَّم ذلك التأويل. وأما القراءة الثانية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه اتُّسِعَ في هذا الظرف، فأسْنِدَ الفعل إليه، فصار اسماً كسائر الأسماء المتصرف فيها، ويدُلُّ على ذلك قوله تعالى: {أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت:5] فاسْتعمَلَهُ مجرواً بـ "مِنْ" وقوله تعالى: {أية : فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف:78] {أية : مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} تفسير : [الكهف:61] {أية : شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} تفسير : [المائدة:106] وحكى سيبويه: "هُوَ أحْمَرُ بَيْنِ العَيْنينِ" وقال عنترة: [الكامل] شعر : 2246- وَكَأنَّمَا أقِصُ الإكَامَ عَشِيَّةً بِقَريبِ بَيْنِ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّمِ تفسير : وقال مهلهل: [الوافر] شعر : 2247- كَأنَّ رَِمَاحَنَا أشْطَانُ بِئْرٍ بَعِيدَةِ بَيْنِ جَالَيْهَا جَرُورِ تفسير : فقد استعمل في هذه المواضع كلها مُضَافاً إليه متصرّفاً فيه، فكذا هنا، ومثله قوله: [الطويل] شعر : 2248- ..................... وَجِلْدَةُ بَيْنِ الأنْفِ والعَيْنِ سَالِمُ تفسير : وقوله في ذلك: [البسيط] شعر : 2249- ....................... إلاَّ قَرَابَةُ بَيْنِ الزَّنْجِ والرُّومِ تفسير : وقول القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2250- وَلَمْ يَتْرُكِ النَّبْلُ المُخَالِفُ بَيْنُهَا أخاً لاَحَ [قَدْ] يُرْجَى وَمَا ثَوْرَةُ الهِنْدِ تفسير : يروى برفع "بينها" وفتحه على أنها فعل لـ "مُخَالف"، وإنما بُنِيَ لإضافتِهِ إلى ذلك ومثله في ذلك: "أمام" و "دون"، كقوله: [الكامل] شعر : 2251- فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ مَوْلَى المخَافَةِ خَلْفُهَا وأمَامُهَا تفسير : برفع "أمام"، كقول القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2252- ألَمْ تَرَ أنِّي قَدْ حَمَيْتُ حَقِيقَتِي وبَاشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ والمَوْتُ دُونُهَا تفسير : برفع "دون". الثاني: أن "بين" اسم غير ظَرْفٍ، وإنم منعناها الوَصْل، أي: لقد تقطَّع وصلكم. ثم للناس بعد ذلك عبارتان تؤذن بأن "بَيْنَ" مصدر "بان يبينُ بَيْنَاً" بمعنى "بَعُدَ"، فيكون من الأضْدَاد، أي: إنه مشترك اشتراكاً لفظياً يستعمل للوصل والفراق كـ "الجون" للأسود، والأبيض، ويعزى هذا لأبي عمرو، وابن جني، والمهدوي، والزهري، وقال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يقول: معنى "تقطع بينكم" تقطع فصارت هنا اسماً بغير أن يكون معها "ما". وقال الزجاج: والرفع أجود، ومعناه: لقد تقطع وصلكم، فقد أطلق هؤلاء أن "بين" بمعنى الوصل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا أن ابن عطية طعن فيه، وزعم أنه لم يسمع من العرب البَيْن بمعنى الوَصْل، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية الكريمة، لو أنه أريد بالبين الافْتِرَاقُ، وذلك عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطعت المسافةُ بينكم لطولها، فعبر عن ذلك بالبين. قال شهاب الدين: فظاهر كلام ابن عطية يُؤذِنُ بأنه فهم أنها بمعنى الوَصْل حقيقة، ثم ردَّهُ بكونه لم يسمع من العرب، وهذا منه غير مرضٍ، لأن أبا عمرو وأبا عبيد وابن جني، والزهراوي، والمهدوي، والزجاج أثمة يقبل قولهم. وقوله: "وإنما انتزع من هذه الآية" ممنوع، بل ذلك مفهوم من لُغَةِ العرب، ولم لم يكن مَنْ نقلها إلا أبو عمرو لكفى به، وعبارته تُؤذِنُ بأنه مجازٌ، ووجه المجاز كما قال الفارسي أنه لما استعمل "بين" مع الشيئين المُتلابسين في نحو: "بيني وبينك رَحِمٌ وصداقَةٌ" صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوَصْلةِ، وعلى خلاف الفُرْقَةِ، فلهذا جاء: "لَقَدْ تَقَطَّع وَصْلكُم" وإذا تَقدَّرَ هذا، فالقول بكونه مجازاً أولى من القول بكونه مشتركاً؛ لأنه متى تعارضَ الاشتراك والمجاز، فالمجاز خير منه عند الجمهور. وقال أبو علي أيضاً: وَيُدلُّ على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفاً أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو مَصْدَرٌ، فلا يجوز أن يكون هذا القِسْم؛ لأن التَّقدير يصير: لقد تقطَّع اقْتِرَاقكم، وهذا خلاف المقصد، والمعنى أي: ألا ترى أن المراد وَصْلُكُمْ، وما كُنْتُم تتآلَفُون عليه. فإن قلت: كيف جَازَ أن يكون بِمَعْنى: الوَصْلِ، وأصله: الافْتِرَاقُ، والتَّبَايُنُ. قيل: إنه لما استُعمل مع الشَّيْئَيْنِ المُتلابسيْنِ في نحو: "بيْنِي وبيْنَك شَرِكَة" فذكر ما تقدَّم عنه من وَجْهِ المجازِ. وأجاز أبو عُبَيْدَة، والزَّجَّاج، وجماعة: قراءة الرفع، قال أبو عبيدة: وكذلك يَقْرؤُها بالرفع؛ لأنَّا قد وَجدنا العرب تجعل "بَيْن" اسماً من غَيْر "مَا"، ويُصدِّقُ ذلك قوله تعالى: {أية : بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} تفسير : [الكهف:61] فجعل "بَيْنَ" اسماً من غير "ما"، وكذلك قوله - تبارك وتعالى -: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف:78] قال: "وقد سَمِعْنَاهُ في غير موضع من أشْعارِهَا" ثمَّ ذكر ما ذكرته عن أبي عمرو بن العلاء، ثمَّ قال: "وقرأها الكسَائيُّ نصباً" وكان يعتبرها بحرف عبد الله: "لقد تقطَّع ما بينكم". وقال الزَّجَّاج: والرَّفْع أجود, والنَّصْب جَائِز، والمعنى: "لقد تقطَّع ما كان من الشَّركة بَيْنكم". الثالث: أن هذا الكلام مَحْمُولٌ على مَعْنَاه؛ إذ المعنى: لقد تَفَرَّقَ جَمْعُكُم وتشتت، وهذا لا يَصْلُح أن يكون تفسير إعرابٍ. قوله: "مَا كُنتُمْ" "ما" يجوز أن تكون مَوْصولةً اسميَّةً، أو نكرة موصوفة، أو مصدريَّة، والعائد على الوجْهَيْن الأوَّلَيْن محذوفٌ، بخلاف الثُّالِث فالتَّقْدِير: تزعمونَهُم شُرَكَاءَ أو شُفَعَاء؛ فالعَائِد هو المفعُول الأوّل، وشركاء هو الثَّاني؛ فالمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ اختصاراً؛ للدلالةِ عليهما إن قُلْنَا: إنَّ "ما" موصولة اسميَّة، أو نكرة موصُوفَةً، ويجُوز أن يكون الحَذْفُ اختصاراً؛ إن قلنا: إنَّها مصدريَّة؛ لأن المصدريَّة لا تحتاج إلى عائدٍ، بخلاف غيرها، فإنَّها تَفْتَقِرُ إلى عائدٍ، فلا بد من الالتِفَاتِ إلَيْه، وحينئذ يَلْزَمُ تَقْديرُ المفعُول الثَّاني، ومن الحذف اختصاراً: [الطويل] شعر : 2253- بأيِّ كِتَابٍ أمْ بأيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عليَّ وتَحْسِبُ؟ تفسير : أي: تحسب حُبَّهُم عاراً عليَّ.

البقاعي

تفسير : ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئاً بعد الموت أو يفهم كلاماً، وكان التقدير كما دل عليه السياق: فتتوفاهم الملائكة، لا يقدر أحد على منعهم، فيقول لهم: قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل، عطف عليه قوله مشيراً إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى بالأموال: {ولقد جئتمونا} أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام قدرتنا قطعاً، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت قوله: {فرادى} أي متفرقين، ليس أحد منكم مع أحد، ومنفردين على كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا {كما خلقناكم} أي بتلك العَظمة التي أمتناكم بها بعينها {أول مرة} في الانفراد والضعف والفقر، فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون! {وتركتم ما خولناكم} أي ملكناكم من المال ومكناكم من إصلاحه نعمة عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا، فظننتم أنه لكم بالأصالة، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا {وراء ظهوركم} فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون. ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة، ويرجون شفاعتها، إما استهزاء، وإما في الدنيا، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث، قال تهكماً بهم واستهزاء بشأنهم: {وما نرى معكم شفعاءكم} أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون {الذين زعمتم} أي كذباً وجراءة وفجوراً {أنهم فيكم شركاء} أي أن لهم فيكم نصيباً مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزاً ودهشاً وذلاً بقوله: {لقد تقطع} أي تقطعاً كثيراً. ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن، لأنه يقال: بيني وبين كذا كذا، وكان فلان بيننا، ونحو ذلك مما يدل على الحضور؛ قال منبهاً على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة الاشتغال {بينكم} فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين، وإذا انقطع البين تقطّع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال، فلم يبق لأحد منهم اتصال بالآخر، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين، فلا يتأتى معه الوصول، هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وهذا المثال معنى قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع الوصل، بين سبب ذلك، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال: {وضل عنكم} أي ذهب وبطل {ما كنتم تزعمون *} أي من تلك الأباطيل كلها. ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها، وانتهى الكلام هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة، وانكشف له قناع الحكمة وتمثل نفوذ الكلمة، فتهيأ السامع لتأمله، وتفرع فهمه لتدبره؛ قال دالاً عليه مشيراً إليه، معلماً أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه، مذكراً بآياته {والذين يؤمنون بالآخرة} وبمحاجة إبراهيم عليه السلام، مصرفاً ما مضى أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه أخرى، إعلاماً بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال، وتنبيهاً على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، فهو قادر على كل ما يريد {فالق الحب} أي فاطره وشاقه عن الزروع والنبات، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوماً، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة، فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم {والنوى} أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر، ولا يكون مقصوداً لذاته بفلقها عن الأشجار، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن الأفكار، وتدل على كمال الواحد المختار؛ قال الإمام الرازي ما حاصله: إن النواة والحبة تكون في الأرض الرطبة مدة، فيظهر الله فيها شقاً في أعلاها وآخر في أسفلها، وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في أعماق الأرض، هي العروق، وتلك الحبة أو النواة سبب واصل بين الشجرتين: الصاعدة والهابطة، فيشهد الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس، وليس ذلك قطعاً بمقتضى الطبع والخاصية، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين والإبداع، ولا شك أن العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت كالماء، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها المسلّة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم، فحصول هذا النفوذ لهذه الأجرام اللطيفة لا يكون قطعاً إلا لقوة الفاعل المختار، لا سيما إذا تأملت ظهور شجرة من نواة صغيرة، ثم تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته من جرم الخشبة، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش، ثم يتولد من ساقها أغصانها، ومن الأغصان أوراقها أولاً ثم أنوارها وأزهارها ثانياً، ثم الفاكهة ثالثاً، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشور، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر، وتحته القشر الذي كالخشب، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة، وتحته اللب المشتمل على جرم كثيف هو أيضاً كالقشرة، وعلى جرم لطيف هو الزهر، وهو المقصود بالذات، فتولدُ هذه الأجسام المختلفة طبعاً وصفة ولوناً وشكلاً وطعماً مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في الفرحة، وقد تجتمع الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة، بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز، وبعضها يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضه لا لب لنواه كالتمر، وبعضه يكون كله مطلوباً كالتين، واختلاف هذه الطبائع والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن طبيعة، بل عن الواحد المختار، والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور، فشكل الحنطة كأنه نصف مخروط، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص على وجه آخر، وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما في الآخر، وقد تكون الثمرة غذاء لحيوان وسمّاً لحيوان آخر، فهذا الاختلاف مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دالّ على أنها إنما حصلت بالفاعل المختار، ثم إنك تجد في ورقة الشجرة خطاً في وسطها مستقيماً نسبته لتلك الورقة نسبة النخاع إلى بدن الإنسان، ينفصل عنه خيوط مختلفة، وعن كل واحد منها خيوط أخرى أدق من الأولى، ولا يزال على هذا النهج حتى تخرج الخيوط عن الحس والبصر، كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في البدن، ثم لا يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى، ولا يزال يستدق حتى تلطف عن الحس، فعل سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، فهذا يعلمك أن عنايته سبحانه في اتخاذ جملة تلك الشجرة أكمل، فعنايته في تكوين جملة النبات أكمل، وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته في تخليق الحيوان أكمل، والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته في تخليقه أكمل، وهو سبحانه إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة والمحبة والعبودية، فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، وحينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له، ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير متناهية {أية : وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34] - والله الهادي. ولما كان فلقهما عن النبات من جنس الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتاً بعد وقت بقوله: {يخرج} أي على سبيل التجدد والاستمرار تثبيتاً لأمر البعث {الحي} أي كالنجم والشجر والطير والدواب {من الميت} من الحب والنوى والبيض والنطف فكيف تنكرون قدرته على البعث؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها لئلا يتوهم - لو كان لا يخرج عن شيء إلا مثله - أن الفاعل الطبيعة والخاصية، عطف على {فالق} زيادة في البيان قوله معبراً باسم الفاعل الدال على الثبات لأنه لا منازعة لهم فيه، فلم تدع حاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد: {ومخرج الميت} أي من الحب وما معه {من الحي} أي من النجم وما معه. ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي لا قدرة أصلاً لأحد غيره على شيء منها، قال منبهاً لهم على غلطهم في إشراكهم، إعلاماً بأن كل شريك ينبغي أن يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك فيه، ولا مكافئ له سبحانه وتعالى في شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه: {ذلكم} أي العالي المراتب المنيع المراقي هو {الله} أي المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له؛ ولما كان هذا معنى الكلام، سبب عنه قوله: {فأنَّى} أي فكيف ومن أيّ وجه {تؤفكون *} أي تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده. ولما وصف سبحانه وتعالى نفسه المقدسة من فلق الجواهر بما اقتضى حتماً اتصافه بصفات الكمال، وقدمه لكونه من أظهر أدلة القدرة على البعث الذي هذا أسلوبه، مع الإلف له بقربه ومعالجته، أتبعه ما هو مثله في الدلالة على الإحياء لكنه في المعاني وهو سماوي، شارحاً لما أشار إليه الخليل عليه السلام في محاجة قومه من إبطال إلهية كل من النور والظلمة والكواكب التي هي منشأ ذلك، فقال ترقية من العالم السفلي إلى العالم العلوي: {فالق الإصباح} أي موجده، وحقيقته: فالق ظلمة الليل عن الصباح، لكنه لما كثر استعماله وأمن اللبس فيه أسند الفعل إلى الصبح، كما يقال: انفجر الصبح، وانفجر عنه الليل، ويمكن أن يراد بالفلق الكشف، لأنه يكشف من المفلوق ما كان خفياً، فعبر عن المسبب الذي هو الإظهار بالسبب الذي هو الفلق، وعبر عن الصباح بهذه الصيغة التي يقال المدخول في الصبح لتصلح لإرادة فلق السكون بالنور أو غيره عن التصرف بالحركة المرتبة على الدخول في الصبح، فدلنا ذلك على وجاعل الإصباح حركة وسادل الليل {وجاعل الَّيل} بما يكون من إظلامه {سكناً} يسكن الناس فيه وإليه ويستريحون فيه، فالآية من الاحتباك: حذف من الأول الحركة ودل عليها بالسكن، وحذف من الثاني السدل ودل عليه بالفلق، وهذا الفلق من أعظم الدلائل على قدرته سبحانه، وفيه دلالتان لأن الإصباح يشمل الفجر الكاذب والصادق، والأول أقوى دلالة لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فالموضع - الذي تكون تلك الدائرة أفقاً له - تطلع الشمس من مشرقه، فيضيء في ذلك الموضع نصف كرة الأرض، فيحصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتك، ويكون ذلك الضوء منتشراً مستطيراً في جميع الجو، ويجب أن يقوى لحظة فلحظة، فلو كان الأول من قرص الشمس لامتنع أن يكون خطاً مستطيلاً، بل كان يجب أن يكون مستطيراً في الأفق منتشراً متزايداً لحظة فلحظة، لكن ليس هو كذلك، فإنه يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى شبهته العرب بذنب السِرحان ثم يحصل عقبه ظلمة خالصة، ثم يكون الثاني الصادق المستطير فكان الأول أدل على القدرة، لأنه بتخليق الله ابتداء تنبيهاً على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بإبداعه، والظلمات ليس لها ثبات إلا بتقديره. ولما ذكر الضياء والظلمة، ذكر منشأهما وضم إليه قرينه فقال عاطفاً على محل {والليل} لأن جاعلاً ليس بمعنى المضيء فقط لتكون الإضافة حقيقية، بل المراد استمراره في الأزمنة كلها: {والشمس} أي التي ينشأ عنها كل منهما، هذا عن غروبها وهذا عن شروقها {والقمر} أي الذي هو آية الليل {حسباناً} أي ذويّ حسبان وعَلَمَين عليه، لأن الحساب يعلم بدورهما وسيرهما، وبسبب ذلك نظم سبحانه مصالح العالم في الفصول الأربعة، فيكون عن ذلك ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات، وعبر عنهما بالمصدر المبني على هذه الصيغة البليغة إشارة إلى أن الحساب بهما أمر عظيم كبير النفع كثير الدخول، مع ما له من الدنيا في أبواب الدين فهو جل نفعهما الذي وقع التكليف به، فكأنه لما كان الأمر كذلك، كان حقيقتهما التي يعبر عنهما بها، وأما غير ذلك من منافعهما فلا مدخل للعباد فيه. ولما كان هذا أمراً باهراً ووصفاً قاهراً، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ذلك} أي التقدير العظيم الذي تقدم من الفلق وما بعده {تقدير العزيز} أي الذي لا يغالب فهو الذي قهرهما على ما سيّرهما فيه، وغلب العباد على ما دبر من أمرهم بهما، فلو أراد أحد أن يجعل ما جعله من النوم يقظة واليقظة نوماً، أو يجعل محل السكن للحركة أو بالعكس أو غير ذلك مما أشارت إليه الآية لأعياه ذلك {العليم *} أي الذي جعل ذلك بعلمه على منهاج لا يتغير وميزان قويم لا يزيغ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت {ولقد جئتمونا فرادى} الآية كلها . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة. أنها قرأت قول الله {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله واسوأتاه...! إن الرجال والنساء سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} قال: كيوم ولد، يرد كل شيء نقص منه من يوم ولد. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه " حديث : سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة حشر الناس حفاة عراة غرلاً " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وتركتم ما خوّلناكم} قال: من المال والخدم {وراء ظهوركم} قال: في الدنيا . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى: أين ما جمعت؟ فيقول له يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول: فأين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً، وتلا هذه الآية {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم} . وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: كان عند ابن زياد أبو الأسود الديلمي وجبير بن حية الثقفي، فذكروا هذا الحرف {لقد تقطع بينكم} فقال أحدهما: بيني وبينك أول من يدخل علينا، فدخل يحيى بن يعمر، فسألوه فقال: بينكم بالرفع . وأخرج أبو الشيخ عن الأعرج أنه قرأ {لقد تقطع بينكم} بالرفع يعني وصلكم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ {لقد تقطع بينكم} بالنصب أي ما بينكم من المواصلة التي كانت بينكم في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {لقد تقطع بينكم} قال: ما كان بينهم من الوصل . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة قال: لما تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها بنت علي اجتمع عليه أصحابه فباركوا له دعوا له، فقال: لقد تزوجتها وما بي حاجة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فاحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} يعني الأرحام والمنازل . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لقد تقطع بينكم} قال: تواصلكم في الدنيا .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الآية: 94]. قال بعضهم: أجل مقامات العبد إظهار إفلاسه والرجوع إليه خاليًا من جميع طاعاته. قيل لأبى حفص: بماذا تقدم على الله، قال: وما للفقير أن يقدم به على الغنى سوى فقره، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ} خالين من جميع أعمالكم وأحوالكم وطاعاتكم.

القشيري

تفسير : دَخَلْتَ الدنيا بخرقةٍ، وخَرَجْتَ منها بخرقة، أَلاَ وتلك الخرقة أيضاً (....)، وما دخلت إلا بوصف التجرد، ولا خرجتَ إلا بحكم التفرد. ثم الأثقالُ والأوزارُ، والأحمالُ والأوضارُ لا يأتي عليها حَصْرٌ ولا مقدار؛ فلا ما لكم أغني عنكم ولا حالكم يَرْفُعُ منكم، ولا لكم شفيعٌ يخاطبنا فيكم؛ فقد تَقَطَّعَ بَيْنُكم، وتَفرَّق وَصْلُكم، وتبدَّد شملُكم، وتلاشى ظنُّكم، وخانكم - في التحقيق - وسعُكم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بين ان عماله جميع الخلائق من العرش الى الثرى مضمحلة عند كشف جلال عظمته ونوار جماله لما يبدو لهم انوار الازلية يتبرأ وامن جميع اعمالهم لانهم يرونها لا يليق بجلال قدرته ولا يكون موازيا بما يعطيهم الله من سنيات كراماته ولطائف بره وحسن مواساته يكونون عند رؤية القدم كما كانوا خارجين من العدم قال بعضهم اجعل مقام العبد افلاسه والرجوع اليه خاليا من جميع طاعته قيل لان حفص بماذا تقدم على الله قال وما للفقير ان يقدم به على الغنى سوى فقره اقل الله ولقد جئتمونا فرادى خالين من اعمالكم واحوالكم وطاعاتكم ولى ههنا لطيفة اخرى اى لقد جتئمونا موحدين بوحادنيتى شاهدين بوصف الكشف ولاخطاب كما جئتمونا من العدم فى بدو الامر حين عرفتم نفسى بقولى الست بربكم قلتم بلى بلا اشارة التشبية وغلط التعطيل كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وأله وسلم كل مولود يولد على الفطرة يعنى على فطرة الازل يلزم سمة العبودية بلا علة الاكتساب عند سبق الارادة وزاد تعالى وضوحا فى اثناء الأية بقوله {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد جئتمونا} للحساب والجزاء وهو بمعنى المستقبل اى تجيئوننا وانما ابرز فى صورة الماضى لتحققه كقوله تعالى {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل: 1]. والخطاب لكفار قريش لانها نزلت حين قالوا افتخارا واستخفافاً للفقراء نحن اكثر اموالا واولادا فى الدنيا وما نحن بمعذبين فى الآخرة {فرادى} جمع فرد اى منفردين عن الاموال والاولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا {كما خلقناكم اول مرة} بدل من فرادى اى على الهيئة التى ولدتم عليها فى الانفراد او حال من ضمير فرادى اى مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غر لا بهما اى ليس بهم شئ مما كان فى الدنيا نحو البرص والعرج كذا فى القاموس وفى الخبر "حديث : "انهم يحشرون يوم القيامة عراة حفاة غرلا" قالت عائشة رضى الله عنها واسوءتاه الرجل والمرأة كذلك فقال عليه السلام "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال الى النساء ولا النساء الى الرجال شغل بعضهم عن بعض" " .تفسير : {وتركتم ما خولناكم} ما تفضلنا به عليكم فى الدنيا فشغلتم به عن الآخرة. والتخويل تمليك الخول اى الخدم والاتباع واحدهم خائل او الاعطاء على غير جزاء {وراء ظهوركم} ما قدمتم منه شيأ ولم تحملوا نقيرا بخلاف المؤمنين فانهم صرفوا همتهم الى العقائد الصحيحة والاعمال الصالحة فبقيت معهم فى قبورهم وحضرت معهم فى محفل القيامة فهم فى الحقيقة ما حضروا فرادى شعر : جون ازنيجا وارهى انجاروى درشكر خانه ابد شاكر شوى تفسير : {وما نرى معكم شفعاءكم} الاصنام {الذين زعمتم انهم فيكم شركاء} اى شركاء لله فى ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم {لقد تقطع بينكم} اى وقع التقطع بينكم كما يقال جمع بين الشيئين اى اوقع الجمع بينهما. قال الكاشفى [منقطع كشت آنجه ميان شمابود ازو صلت ومودت] {وضل عنكم} اى بطل وضاع {ما كنتم تزعمون} انها شفعاؤكم فلم يقدروا على دفع شئ من العذاب عنكم اوانها شركاؤكم لله فى ربوبيتكم وهو الانسب لسياق النظم ألا ترى الى قوله تعالى {الذين زعمتم انهم فيكم شركاء}. اعلم ان للانسان اعداء اربعة هى المال والاهل والاولاد والاصدقاء وهى لا تدخل فى القبر مع الميت فيبقى فريدا وحيدا منهم. واصدقاء اربعة هى كلمة الشهادة والصلاة والصوم وذكر الله وهى تدخل فى القبر وتشفع عند الله تعالى فتصحب الميت فلا يبقى وحيدا. فعلى العاقل ان يتفكر فى تجره وتفرده فيسعى فى تحصيل لباس له هو التقوى ومصاحب هو العمل الصالح وفى الحديث "حديث : ان عمل الانسان يدفن معه فى قبره فان كان العمل كريماً اكرم صاحبه وان كان لئيماً اسلمه وان كان عملا صالحا آنس صاحبه وبشره ووسع عليه قبره ونوره وحماه من الشدائد والاهوال والعذاب والوبال وان كان عملا سيئا فزع صاحبه وروّعه واظلم عليه قبره وضيقه وعذبه وخلى بينه وبين الشدائد والاهوال والعذاب والوبال " .تفسير : قال اليافعى وقد سمعت عن بعض الصالحين فى بعض بلاد اليمن انه لما دفن بعض الموتى وانصرف الناس سمع فى القبر صوتاً ودقاً عنيفاً ثم خرج من القبر كلب اسود فقال له الشيخ الصالح ويحك ايش انت فقال انا عمل الميت فقال فهذا الضرب فيك ام فيه قال بل فى وجدت عنده سورة يس واخواتها فحالت بينى وبينه وضربت وطردت فانظرانه لما قوى عمله الصالح غلب على عمله الطالح وطرده عنه بكرم الله تعالى ولو كان عمله القبيح اقوى لغلب عليه وافزعه وعذب: قال السعدى شعر : غم وشادمانى نماند وليك جزاى عمل ما ندونام نيك مكن تكيه برملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودتس وبعد ازتوهم تفسير : قال القشيرى {ولقد جئتمونا فرادى} اى دخلتم الدنيا بخرقة وخرجتم منها بخرقة ألا وتلك الخرقة ايضا لبسه وما دخلت الا بوصف التجرد وما خرجت الا بحكم التجرد ثم الاثقال والاوزار والاعمال والاوصال لا يأتى عليها حصر ولا مقدار فلا مالكم اغنى ولا حالكم يدفع عنكم ولا شفيع يخاطبنا فيكم ولقد تفرق وصلكم وتبدد شملكم وتلاشى ظنكم وخاب سعيكم انتهى كلام القشيرى. والاشارة ان المجيء الى الله يكون بالتجريد ثم بالتفريد ثم بالتوحيد. فالتجريد هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق بها. والتفريد هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعاً الى الله خالياً عن التعلق بهما كما كان فى بدء الخلقة روحاً مجرداً عن تعلقات الكونين كقوله {لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة} يعنى اول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب فانه خلقة ثانية كما قال {أية : ثم انشأناه خلقا آخر} تفسير : [المؤمنون: 14]. وقال {أية : ولقد خلقناكم ثم صورناكم} تفسير : [الأعراف: 11]. فللعبد فى السير الى لاله كسب وسعى بالتجريد والتفريد عن الدنيا والآخرة كما قال {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} يعنى من تعلقات الكونين {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء} يعنى الاعمال والاحوال التى ظننتم انها توصلكم الى الله تعالى {لقد تقطع بينكم} وبينها عند انتهاء سيركم {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} انها توصلكم الى الله فاذا وصل العبد الى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى سير جبرائيل ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وهو منتهى سير السائرين من الملك والانس والتوحيد هو التوحد لقبول فيض الوحدانية عن التجلى بصفات الواحدية لتوصل العبد بجذبة ارجعى الى ربك الى مقام الوحدة ولو لم تدركه العناية الأزلية بجذبات الربوبية لانقطع عن السير فى الله بالله وبقى فى السدرة وهو يقول وما منا الا له مقام معلوم فافهم كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل المدينة والكسائي وحفص {بينكم} بنصب النون. الباقون برفعها. والبين مصدر بان يبين إِذا فارق قال الشاعر: شعر : بان الخليط برامتين فودعوا او كلما ظعنوا لبين تجرع تفسير : وقال ابو زيد: بان الحي بينونة وبيناً إِذا ضعنوا، وتباينوا تباينا اذا كانوا جميعا فتفرقوا، قال والبين ما ينتهي اليه بصرك من حائط او غيره واستعمل هذا الاسم على ضربين: احدهما - ان يكون اسما منصرفا كالافتراق. والآخر - ان يكون ظرفا فمن رفعه رفع ما كان ظرفا استعمله اسماً ويدل على جواز كونه اسماً قوله: {أية : هذا فراق بيني وبينك}تفسير : وقوله {أية : من بيننا وبينك حجاب} تفسير : فلما استعمل اسماً في هذه المواضع جاز ان يسند اليه الفعل الذي هو تقطع في قراءة من رفع. ويدل على ان هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا انه لا يخلو من ان يكون الذي هو ظرف اتسع فيه او يكون الذي هو مصدر ولا يجوز ان يكون الذي هو مصدر، لان التقدير يصير لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد، لان المراد لقد تقطع وصلكم، وما كنتم تتألفّون عليه. فان قيل كيف جاز ان يكون بمعنى الوصل واصله الافتراق والتباين وعلى هذا قالوا: بان الخليط اذا فارق، وفي الحديث ما بان من الحي فهو ميتة؟!. قيل: انه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك شركة، وبيني وبينه صداقة ورحم صار لذلك بمنزلة الوصلة وعلى خلاف الفرقة فلذلك صار {لقد تقطع بينكم} بمعنى لقد تقطع وصلكم ومثل بين في انه يجري في الكلام ظرفا ثم يستعمل إِسماً بمعنى (وسط) ساكن العين ألا ترى أنهم يقولون: جلست وسط القوم، فيجعلونه ظرفاً لا يكون الا كذلك، وقد استعملوه إِسما كما قال الشاعر: شعر : من وسط جمع بني قريظة بعدما هتفت ربيعة يا بني خوَّات تفسير : وحكى سيبويه: هو احمر بين العينين. واما من نصب بينكم ففيه وجهان: احدهما - انه اضمر الفاعل في الفعل ودل عليه ما تقدم من قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} لان هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر وذلك المضمر هو الاصل، كأنه قال لقد تقطع وصلكم بينكم والثاني - ان يكون على مذهب ابي الحسن ان يكون لفظه منصوبا ومعناه مرفوعاً، فلما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه في اكثر الكلام وكذلك تقول في قوله {أية : يوم القيامة يفصل بينكم}تفسير : وكذلك قوله: {أية : وإِنا منا الصالحون ومنا دون ذلك}تفسير : فدون في موضع رفع عنده وان كان منصوب اللفظ، كما تقول منا الصالح ومنا الطالح فترفع. وقال الزجاج: الرفع أجود وتقديره لقد تقطع وصلكم. والنصب جائز على تقدير لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. وقال الفراء في قراءة عبد الله {لقد تقطع ما بينكم}: وهو وجه الكلام اذا جعل الفعل لـ (بين) ترك نصبا في موضع رفع، لانه صفة، فاذا قالوا هذا دون من الرجال، فلم يضيفوه رفعوه في موضع الرفع. وكذلك تقول بين الرجلين بين بعيد وبون بعيد اذا افردته اجريته في العربية وأعطيته الاعراب. قال مهلهل: شعر : كأن رماحهم اشطان بئر بعيد بين جاليها جرور تفسير : فرفع بين حيث كانت اسماً. وقال مجاهد: معنى تقطع بينكم اي تواصلكم، وبه قال قتادة وابن عباس، فمعنى الآية الحكاية عن خطاب الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله اندادا وشركاء، وانه يقول لهم عند ورودهم: {لقد جئتمونا فرادى} وهو جمع فرد، وفريد، وفرد، وفردان قال الازهري لا يجوز فرد على هذا المعنى. والعرب تقول: فرادى وفراد فلا يصرفونها يشبهونها بثلاث ورباع قال الشاعر: شعر : ترى النعرات الزرق تحت لبانه فرادى ومثنى أضعفتها صواهله تفسير : وقال نابغة بني ذبيان: شعر : من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد تفسير : وكان يونس يقول: فرادى جمع فرد كما قيل: توآم وتوءم. ومثل الفرادى الردافى والعرابى، ورجل افرد وامرأة فرداء: إِذا لم يكن لها اخ. وقد فرد الرجل فهو يفرد فروداً يراد به تفرَّد فهو فارد. فمعنى قوله {جئتمونا فرادى} اي وحداناً لا مال لكم ولا أثاث ولا رقيق ولا شيء مما كان الله خولكم في الدنيا {كما خلقناكم أول مرة}. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال:"حديث : يحشرون حفاة عراة عزلا"تفسير : والعزل هم الغلف. وروي ان عايشة قالت لرسول الله حين سمعت ذلك واسوأتاه ينظر بعضهم الى سوءة بعض من الرجال والنساء، فقال رسول الله: "حديث : لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه "تفسير : فيشغل بعضهم عن بعض. قال الزجاج: يحتمل ان يكون المعنى كما بدأكم اول مرة، اي كان بعثكم كخلقكم من غير كلفة ولا مشقة. وقال الجبائي: معناه جئتم فرادى واحدا واحدا {كما خلقناكم أول مرة} اي بلا ناصر ولا معين كما خلقكم في بطون امهاتكم، ولا احد معكم. وقوله: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} يعني ما ملكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به في الدنيا وهذا تعيير من الله لهم لمباهاتهم التي كانوا يتباهون في الدنيا باموالهم، يقال: خولته اي اعطيته. ويقال خال الرجل يخال أشد الخيال بكسر الخاء وهو خائل ومنه قول ابي النجم: شعر : اعطى فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول تفسير : {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} يقول تعالى لهؤلاء الكفار: ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء الذين كنتم تزعمون في الدنيا انهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. وقال عكرمة: ان الآية نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة حيث قال سوف يشفع في اللات والعزى، فنزلت الآية. وقوله {لقد تقطع بينكم} اي وصلكم {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} اي جار عن طريقكم ما كنتم تزعمون من آلهتكم انه شريك لله تعالى وانه يشفع لكم عند ربكم فلا شفيع لكم اليوم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ} هو ايضاً امّا جزء قول الملائكة او من قول الله سواءٌ جعل الجملة الاولى من الله او من الملائكة، والمراد بالفرادى الفرادى عن كلّ ما يظنّ انّه له من العيال والاموال ومن القوى والفعليّات وعن كلّ ما يظنّ انّه شفيعه عند الله ممّا جعله شركاء الله او شركاء خلفائه {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فرادى عن كلّ ذلك وهذا يدلّ على ما قاله العرفاء من تجدّد الامثال فانّه يدلّ على تعدّد الخلق {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} فى الدّنيا من الاموال والعيال والقوى والفعليّات {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ} من الاصنام والكواكب وغيرها من المعبودات الباطنة وممّن ادّعى الخلافة من دون اذنٍ واجازةٍ وممّن ادّعى الرّياسة والحكومة والفتيا من غير اجازةٍ {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} لله او لعلىّ (ع) {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} اى وصلكم على قراءة الرّفع والبين من الاضداد وعلى قراءة النّصب فالفاعل مضمر والبين ظرف {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} انّهم شركاء الولاية والخلافة او شركاء الله عن الصّادق (ع): نزلت هذه الآية فى بنى اميّة وشركاؤهم ائمّتهم ثمّ لمّا ذكر حال المنحرفين وظلمهم وعقوبتهم ذكر كيفيّة تدبيره للعالم وآيات قدرته وعلمه ليكون كالعلّة للزوم كون الخلافة من الله المشار اليه بقوله وهو الّذى جعل لكم النّجوم (الآية) وحجّة على المنحرفين عنها فقال {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}.

اطفيش

تفسير : {ولَقدْ جِئْتُمونا فُرادى} كلام ليس من مقول الملائكة، قاله الله لهم يوم ماتوا فإنهم جاءوا الآخرة منفردين عن أولادهم وأعوالهم، وأخلائهم وأعوانهم، وأصنامهم وجاههم، أو جئتمونا للحساب والجزاء كذلك، على أن هذا الكلام يوم الحشر، أو يقوله لهم يوم الموت ليوم الحساب لتحققه بعد، ولذا جئ بالماضى دون المضارع، ويجوز أن يكون من كلام الملائكة، يقولونه عن الله عند الموت أو عند الحساب، فعلى أنه منهم عند الحساب يراد ملائكة العذاب، يقول: إنه لا ينفعكم فى الموت أو شدته أو الحساب ما ذكر، وفرادى ممنوع من الصرف لألف التأنيث ككسالى، والمفرد فرد على غير قياس. وقال ابن قتيبة: جمع فردان ككسلان وكسالى، أو قيل: جمع فريد كرديف وردافى، وقال الفراء: جمع فريد أو فرد، وتجمع الفردة أيضا على فرادى، وقرئ فراداً بالتنوين والألف التى تكتب عند التنوين التى يقلب إليها التنوين ألفاً فى الوقف جمع فرد بفتح كرُخال بضم الراء جمع بكسرها وهو الأنثى من أولاد الضأن، وهو غير مقصور، وقرئ فراد بفتح الفاء والدال بلا ألف ولا تنوين، منع الصرف للوصف والعدل عن فرد فرد، وقرئ فردى بوزن كسرى بألف التأنيث وأنثوا وأفادوا بتأويل الجماعة، وهو فى جميع القراءات حال من التاء. {كَما خلَقْناكم أوَّل مَرَّةٍ} نعت مصدر محذوف، أى مجيئا ثابتا كخلقنا إياكم، أو مجيئا ثابتا مثل خلقنا إياكم، أو حال ثانية لتاء جئتمونا أى مماثلين بحالكم حال خلقنا إياكم أو مماثلة حالكم حال ابتداء خلقكم، وحال من المستكن فى فرادى، أو يتعلق بجئتمونا، أو بدل من فرادى، ووجه الشبه فى تلك الوجوه التفرد فى الخلق الثانى عن المال والولد والأصنام، وغير ذلك مما كان يعتد به فى الدنيا، أو مجرد الإيجاد بعد العدم، أى كما قدرنا على خلقكم أولا كذلك قدرنا على بعثكم، وقيل: وجه الشبه أنهم يبعثون قلفاً كما خلقوا قلفاً، وفيه ضعف إن أراد صاحبه تخصص ذلك فى التفسير، وإن أراد التمثيل ببعض أحوالهم التى يبعثون عليها وعليها خلقوا صح. واختلفوا فى البعث هل هو رد أجزاء تلفت، أو خلق مستأنف كالأول؟ والصحيح القول الأول، والخلاف فى من لم تأكله الأرض إذا قلنا إنه لا يفنون عند الساعة، ثم يرجعون فى قبورهم، ثم يبعثون، واختلف أيضا فيما زاد من الإنسان قبل موته من شعر وظفر وجلد ولحم، فقيل: يرد فيه عند البعث كما هو، وقيل مثله، وقيل لا يرد، وناسب التمثيل بالقلفة ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين" تفسير : وما روى عن عائشة: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس حفاة عراة غرلا" قالت: فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "الأمر أشد لا يهمهم ذلك" تفسير : والغرل بضم الغين المعجمة وإسكان الراء المهملة جمع أغرل وهو الأقلف. ويجوز أن يكون معنى فرادى أعم مما ذكرناه، حتى إنه يشمل انفراد قلب كل وبصره عن الآخر، فلا يهتم الرجل بالنظر إلى عورة الرجل أو المرأة، ولا المراة تهتم بالنظر كذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الأمر أشد أن يهمهم ذلك" "حديث : وكما أن عائشة رضى الله عنها قرأت قول الله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} فقالت: يا رسول الله واسوءتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا يناظر بعضهم إلى بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجل إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، اشتغل بعض عن بعض" . تفسير : {وتَرَكْتم ما خوَّلناكُم} تركتم ما أعطيناكم من المال والولد والخدم والجاه والأعوان {وراء ظُهورِكُم} أى فى الدنيا ولم يحضر معكم فى الآخرة لينفعكم، أو تركتم ما أعطيناكم فى الدنيا لتتوصلوا به إلى الآخرة فتركتموه وراء ظهوركم، أى أعرضتم عن الانتفاع به للآخرة، وشغلكم عن الآخرة ولو انتفعوا به للآخرة لكان لهم مخزوناً فى الآخرة، وقد قدموه ولم يكونوا قد تركوه وراء ظهورهم، قال الله تعالى: {أية : وما تقدموا لأنفسكم} تفسير : الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قدم مالك أمامك يسرك اللحوق ولا ينفع شئ مع الإصرار على الذنب ". تفسير : {وَمَا نَرى مَعَكم شُفَعَاءكم الَّذينَ زعمْتُم أنهُم فيكم شُرَكاء} لله فى الربوبية والعبادة {لَقَد تقطَّعَ بيْنكُم} فاعل تقطع قبل محذوف، والفاعل لا يحذف إلا للتقاء الساكنين أو للضرورة، فكيف يحذف هنا، وإنما قدره هذا القائل لقد تقطع ما بينكم، فما فاعل نكرة موصوفة ليبين، وكأنه ساغ ذلك لقيام الصفة مقامه، وإنما ساغ قيامها مقامه، مع أن الإعراب ليس فيه، بل نفى على نصب الظرفية، لأنه قد يحذف الموصوف المبتدأ وتقوم صفته الظرفية والجملية مقامه بدون أن تعرب بإعرابه، ولم يفد المحذوف موصول، لأن الموصول لا يحذف وتبقى صلته على المشهور وصححه ابن هشام وغيره، ويدل لذلك قراءة ابن مسعود: لقد تقطع ما بينكم، أو الفاعل ضمير مستتر يعود إلى المعلوم من تقطع، لأنه إنما يتقطع الوصل، وبذلك قال مجاهد وغيره، وهو واضح. وبين متعلق بمحذوف حال من المستتر، أو يعود إلى التقطع المعلوم من تقطع، أى تقطع التقطع، على أن تقطع بمعنى وقع، أى لقد وقع التقطع وإن أبقى كان الوصل، لأن تقطع التقطع زواله فيجب الوصل، وليس ذلك مراداً، وذلك قراءة نافع والكسائى وعاصم من رواية حفص، وقرأ غيرهم بينكم بالرفع هو قراءة أبى بكر عن عاصم على الفاعلية، فتكون بين قيد تصرفت كما جرت على الإضافة فى قوله تعالى: {أية : فراق بينى وبينك} تفسير : وقوله: {أية : مجمع بينهما}تفسير : وقوله تعالى {أية : شهادة بينكم}تفسير : ورفعه على الفاعلية توسع من إسناد الفعل إلى ظرفه، والأصل وقع التقطيع بينكم، وقيل: بين فى قراءة الرفع بمعنى الوصل، على أنه من الأضداد تستعمل للوصل والفراق. {وضلَّ عنْكم ما كُنتم تزْعُمون} تزعمون أنه شريك لم يحضر لينفعكم، بل غاب ولو حضر لم ينفعكم، أو غاب نفعه ولو حضر فهى حاضرة لا تشفع لهم فهى كالغائب، أو ذهب اعتقادكم أنه لا بعث ولا ثواب ولا عقاب.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى} عن أَهلكم وأَموالكم وأَولادكم، والقائل الملائكة كما يناسب قوله: {أية : والملائكة باسطو أَيديهم أَخرجوا أَنفسكم} تفسير : [الأنعام: 93]، بدليل جئتمونا، وخلقناكم، وخولناكم، أَو القائل الله لتلك المناسبة، أَو فرادى عن الأَعوان أَو الشركاء، ويناسب فرادى عن أَهلكم وأَموالكم قوله تعالى {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} ويناسب فرادى عن الأَعوان والشركاء قوله تعالى {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} قال عكرمة: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لى اللات والعزى، فنزلت الآية، والمراد: يقول ملائكة العذاب، أَو ملائكة الموت، أَو يقول الله يوم الموت أَو يوم البعث، وهو أَظهر، لقوله عز وجل:{كما خلقناكم أَول مرة} وعلى إِرادة الملائكة فإِنما قالوا ذلك عن الله، كما يقول عامل السلطان: أَمرناكم بكذا، أَو نهيناكم عن كذا والآمر والناهى السلطان، ولا داعى إِلى اختيار الفخر لهذا ولو كانوا حين ماتوا فرادى عن ذلك، ويجوز تقدير قال الملائكة، أَو قلنا لتحقق الوقوع، أَو لحكاية ما يعبر عنه يوم القيامة فيهم من المضى ـ فرادى جمع فرد أَو فريد، أَو فردان كسكران عند الفراء، وقال ابن قتيبة: جمع فردان كسكران وسكارى وعجلان وكسلان، وقيل جمع فريد كرديف وردافى وأَسير وأَسارى، والمشهور أَن أَسارى جمع أَسرى، وأَسرى جمع أَسير، وأَلفه للتأْنيث، وقيل: فرادى اسم جمع من معنى قوله {كما خلقناكم أَول مرة}أَى مجيئاً ثابتاً، أَو مجيئاً مثل مجيئكم يوم خلقناكم، ووجه الشبه عدم الاقتران بشئ حتى اللباس، أَو حال من ضمير فرادى، أَى انفردتم ثابتين فى الشبه كحال ابتداء خلقكم، أَو حال ثانية، أَو بدل من فرادى، والخلق فى البطن وهم فيه مجردون عما قرنوا به بعد الولادة من لباس وغيره، أَو خلقناكم بمعنى أَخرجناكم من بطون أمهاتكم، يخرجون غرلا كما جاءَ فى الحديث، أَى غير مختونين، وكذلك المرأَة المختونة تبعث غير مختونة، وكل شئ ذهب من جسد إِنسان يبعث راجعاً فيه، حديث : وقرأَت عائشة رضى الله عنها هذه الآية فقالت: يا رسول الله، واسوأَتاه، إِن الرجال والنساءَ سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إِلى سوأَة بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إِلى النساء، ولا النساء إِلى الرجال، شغل بعضهم عن بعضتفسير : ، وسمى الإِخراج خلقاً لأَن الجنين لم يتحقق بالمشاهدة حتى ولد فاستعار الخلق للإِخراج، وكأَن الخلق سبب للإِخراج، والأَول أَولى لأَنه حقيقة. كما جاءَ فى القرآن إِطلاق الخلق فى النطفة وما بعدها، ومرة مصدر استعمل بمعنى زمان، والخلق الثانى الإعادة للبعث، فأَول ظرف لإِضافته للظرف وعطف على قوله: جئتمونا فرادى قوله وتركتم عند الموت ما خولناكم أَعطيناكم تفضلا منا عليكم فى الدنيا من مال وصحة وجاه لتطيعوا الله، ولم تطيعوه، بل شغلكم ذلك عن الطاعة، ولم تنتفعوا به، كما قال: {وراءَ ظهوركم}، والجملة حال من تاء جئتمونا بلا تقدير لقد أَو بتقديرها، والمراد ما قدمتم منه شيئاً ينفعكم اليوم ولو قليلا، ولا صحبتم منه نقيراً، فقد وردتم الموقف منفردين عما لكم وعما بين أَيديكم فى الدنيا، وعن حسنة تنفعكم إِذ لا ينتفع مشرك بحسنة تمنعه من النار، وعبدتم غير الله، ولم تنفعكم عبادة غيره كما قال: وما نرى معكم شفعاءَكم الذين زعمتم أَنهم فيكم شركوا الله فى العبادة والربوبية بخلاف المؤمن فإِن عمله الصالح صاحبه من حين موته إِلى أَن وافى به عرصات الموقف، ومن المؤمنين من يبعث فى كفنه أَو لباس يجده عند مبعثه، وحديث بعث الناس عراة ليس على عمومه: يحشر الناس حفاة عراة غرلا، أَى غير مختونين، وليس فى الاية ما يناسب أَن يقال المراد كما خلقناكم أَول مرة غرلا حفاة عراة، بل المراد عدم النعال واللباس ونحوهما، وذلك أَنهم لم ينفردوا عن الغرلة، وهى قلفة الختان حين البعث، نعم يصح فى الإعراب بالحال أَن تراد الغرلة، أَى فرادى عن الأَموال والأَهل والأَزواج ونحوهم حال كونهم غرلا كما أَنكم فى الدنيا قبل الولادة غرل، فيكون الكلام أَشد انتظاماً {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أَى تقطع هو، أَى الوصل، دل عليه المقام فإِن الشركاءَ تقتضى الوصل، أَو تقطع التقطع أَى وقع، وأَما عود الضمير إِلى التقطع بلا تأويل بوقع فلا يجوز كما لا يجوز قام أَى هو أَى القيام وأَما وثمَّ بدا لهم من بعد ما رأَوا آيات فلا يرد ذلك لأَن بداء البداء مشهور ولجواز بدا لهم السجن وغير ذلك من التأويل وأَجاز الكوفيون حذف الفاعل وحذف الموصل وبقاءَ صلته ولو لم يتقدم مثله، أَى تقطع مابينكم كما قرأَ به ابن مسعود، ومثل هذا أَن يقال تقطع وصل ما بينكم، فبين نعت لمحذوف، وما نكرة موصوفة، قيل أَو بين فاعل باق على نصبه، وأَجاز بعضهم أَن يكون بين فاعلا بمعنى الوصل من الأَضداد بنى على هذا لإضافته لمبنى ولو لم يكن المضاف متوغلا فى الإِبهام وهو فيما قبل هذا الوجه معرب منصوب على الظرفية، ويجوز تنازع تقطع وضل فى ما ففاعل تقطع ما وفاعل ضل ضمير ما أَو بالعكس {وَضَلَّ} ذهب {عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أَنه إِله أَى غابت أَصنامهم وكل ما يعبدون من آدمى أَو بقرة أَو غيرها ولم تحضر وتارة تحضر فتلعنهم وتشتد الحسرة عليهم بحضورها لاعنة موبخة، أَو يراد بضلالها عدم نفعها حضرت أَو غابت، أَو ضل عنكم زعمكم أَنها شفعاؤكم وأَن لا بعث ولا جزاءَ، ومعنى ضلال الزعم بطلانه وعدم ظهور نفع به.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} للحساب {فُرَادَىٰ } أي منفردين عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم أو عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا. أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عكرمة قال: النضر بن الحرث سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت. والجملة على ما ذهب إليه بعض المحققين مستأنفة من كلامه تعالى ولا ينافي قوله تعالى: { أية : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } تفسير : [البقرة: 174] لأن المراد نفي تكليمهم بما ينفعهم أو لأنه كناية عن الغضب، وقيل: معطوفة على قول الملائكة { أية : أَخْرِجُوۤاْ } تفسير : [الأنعام: 93] الخ وهي من جملة كلامهم وفيه بعد وإن ظنه الإمام أولى وأقوى. ونصب {فُرَادَىٰ } على الحال من ضمير الفاعل وهو جمع فرد على خلاف القياس كأنه جمع فردان كسكران على ما في «الصحاح»، والألف للتأنيث ككسالى، والراء في فرده مفتوحة عند صاحب «الدر المصون» وحكى بصيغة التمريض سكونها، ونقل عن الراغب «أنه جمع فريد كأسير وأسارى»، وفي «القاموس» «يقال: جاءوا فُرَاداً وفِرَاداً وفُرَادَى وفُرَادَ وفَرَادَ وفَرْدَى كسَكْرَى أي واحداً بعد واحد والوَاحِدُ فَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيد وفَرْدَان ولا يجوز فَرْدٌ في هذا المعنى»، ولعل هذا بعيد الإرادة في الآية. وقرىء {فراداً} كرخال المضموم الراء وفراد كآحاد ورباع في كونه صفة معدولة، ولا يرد أن مجيء هذا الوزن المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض كلماته لما نص عليه الفراء وغيره من عدم الاختصاص، نعم هو شائع فيما ذكر. وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال. {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بدل من {فُرَادَىٰ} بدل كل لأن المراد المشابهة في الانفراد المذكور، والكاف اسم بمعنى مثل أي مثل الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد ويجوز أن يكون حالاً ثانية على رأي من يجوز تعدّد الحال من غير عطف وهو الصحيح أو حالاً من الضمير في {فُرَادَىٰ } فهي حال مترادفة أو متداخلة والتشبيه / أيضاً في الانفراد، ويحتمل أن يكون باعتبار ابتداء الخلقة أي مشبهين ابتداء خلقكم بمعنى شبيهة حالكم حال ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلاً بهما، وجوز أن يكون صفة مصدر {جِئْتُمُونَا } أي مجيئاً كخلقنا لكم. أخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت: "يا رسول الله واسوأتاه إن النساء والرجال سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس:37] لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض"تفسير : . {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ } أي ما أعطيناكم في الدنيا من المال والخدم وهو متضمن للتوبيخ أي فشغلتم به عن الآخرة {وَرَاء ظُهُورِكُمْ } ما قدمتم منه شيئاً لأنفسكم. أخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عن الحسن قال: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً وتلا هذه الآية، والجملة قيل مستأنفة أو حال بتقدير قد. {وَمَا نَرَىٰ } أي نبصر وهو ـ على ما نص عليه أبو البقاء ـ حكاية حال وبه يتعلق قوله تعالى: {مَّعَكُمْ } وليس حالاً من مفعول {نَرَى} أعني قوله سبحانه: {شُفَعَاءَكُمُ } ولا مفعولاً ثانياً، والرؤية علمية. وإضافة الشفعاء إلى ضمير المخاطبين باعتبار الزعم كما يفصح عنه وصفهم بقوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } في الدنيا {أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} أي شركاء لله تعالى في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم. والزعم هنا نص في الباطل وجاء استعماله في الحق كما تقدمت الإشارة إليه، ومن ذلك قوله: شعر : تقول هلكنا إن هلكت وإنما على الله أرزاق العباد كما زعم تفسير : {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بنصب ـ بين ـ وهي قراءة عاصم والكسائي وحفص عن عاصم، واختلف في تخريج ذلك فقيل: الكلام على إضمار الفاعل لدلالة ما قبل عليه أي تقطع الأمر أو الوصل بينكم، وقيل: إن الفاعل ضمير المصدر، وتعقبه أبو حيان بأنه غير صحيح لأن شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام وجلس هو أي الجلوس. ورد بأنه سمع بدا بداء، وقد قدروا في قوله تعالى: { أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } تفسير : [يوسف: 35] بدا البداء. وقال السفاقسي: إن من جعل الفاعل ضمير المصدر قال: المراد وقع التقطع والتغاير حاصل بهذا الاعتبار ولو سلم فالتقطع المعتبر مرجعاً معرف بلام الجنس و {تُقَطَّعَ } منكر فكيف يقال اتحد الحكم والمحكوم عليه. ولا يخفى أن القول بالتأويل متعين على هذا التقدير لأنه إذا تقطع التقطع حصل الوصل وهو ضد المقصود وقيل: إن ـ بين ـ هو الفاعل وبقي على حاله منصوباً حملاً له على أغلب أحواله وهو مذهب الأخفش، وقيل: إنه بني لإضافته إلى مبنى، وقيل غير ذلك. واختار أبو حيان «أن الكلام من باب (التنازع سلط) على ما كنتم تزعمون تقطع وضل (عنكم) فأعمل الثاني وهو {ضَلَّ } وأضمر في {تُقَطَّعَ } (ضميره). والمراد بذلك الأصنام، والمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا عنكم كما قال تعالى: { أية : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ } تفسير : [البقرة: 166] أي لم يبق اتصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم». / وقرأ باقي السبعة {بينكم} بالرفع على الفاعلية وهو من الأضداد كالقرء يستعمل في الوصل والفصل، والمراد به هنا الوصل أي تقطع وصلكم وتفرق جمعكم، وطعن ابن عطية في هذا بأنه لم يسمع من العرب أن البين بمعنى الوصل وإنما انتزع من هذه الآية. وأجيب بأنه معنى مجازي ولا يتوقف على السماع لأن ـ بين ـ يستعمل بين الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصار لذلك بمعنى الوصلة، على أنه لو قيل بأنه حقيقة في ذلك لم يبعد، فإن أبا عمرو وأبا عبيدة وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سنداً فيه، فكونه منتزعاً من هذه الآية غير مسلم، وعليه فيكون مصدراً لا ظرفاً. وقيل: إن ـ بين ـ هنا ظرف لكنه أسند إليه الفعل على سبيل الاتساع. وقرأ عبد الله {لَقَد تَّقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ} و(ما) فيه موصوفة أو موصولة {وَضَلَّ عَنكُم } ضاع وبطل {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم أو أنها شركاء لله تعالى فيكم أو أن لا بعث ولا جزاء.

ابن عاشور

تفسير : إن كان القول المقدّر في جملة {أية : أخرجوا أنفسكم}تفسير : [الأنعام: 93] قولاً من قِبَل الله تعالى كان قوله {ولقد جئتمونا فرادى} عطفاً على جملة {أية : أخرجوا أنفسكم}تفسير : [الأنعام: 93]، أي يقال لهم حين دفعهم الملائكة إلى العذاب: أخرجوا أنفسكم، ويقال لهم: لقد جئتمونا فرادى. فالجملة في محلّ النّصب بالقول المحذوف. وعلى احتمال أن يكون {أية : غمرات الموت}تفسير : [الأنعام: 93] حَقيقة، أي في حين النّزع يكون فعل {جئتمونا} من التّعبير بالماضي عن المستقبل القريب، مثل: قد قامت الصّلاة، فإنّهم حينئذٍ قاربوا أن يرجعوا إلى مَحض تصرّف الله فيهم. وإن كان القول المقدّر قولَ الملائكة فجملة: {ولقد جئتمونا فُرادى} عطف على جملة: {أية : ولو ترى إذ الظّالمون}تفسير : [الأنعام: 93] فانتقل الكلام من خطاب المعتبِرين بحال الظّالمين إلى خطاب الظّالمين أنفسهم بوعيدهم بما سيقول لهم يومئذٍ. فعلى الوجه الأوّل يكون {جئتمونا} حقيقة في الماضي لأنّهم حينما يقال لهم هذا القول قد حصل منهم المجيء بين يدي الله. و(قد) للتّحقيق. وعلى الوجه الثّاني يكون الماضي معبّراً به عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه، وتكون (قد) ترشيحاً للاستعارة. وإخبارهم بأنّهم جاءوا ليس المراد به ظاهر الإخبار لأنّ مجيئهم معلوم لهم ولكنّه مستعمل في تخطئتهم وتوقيفهم على صدق ما كانوا يُنذرون به على لسان الرّسول فينكرونه وهو الرّجوع إلى الحياة بعد الموت للحساب بين يدي الله. وقد يقصد مع هذا المعنى معنى الحصول في المِكنة والمصير إلى ما كانوا يحسبون أنّهم لا يصيرون إليه، على نحو قوله تعالى: {أية : ووجد الله عنده}تفسير : [النور: 39]، وقول الرّاجز: شعر : قد يُصبح الله إمام السّاري تفسير : والضّمير المنصوب في {جئتمونا} ضمير الجلالة وليس ضمير الملائكة بدليل قوله: {كما خلقناكم}. و{فُرادى} حال من الضّمير المرفوع في {جئتمونا} أي منعزلين عن كلّ ما كنتم تعتزّون به في الحياة الأولى من مال وولد وأنصار، والأظهر أنّ (فُرادى) جمع فَرْدَان مثل سُكارى لسَكران. وليس فُرادى المقصورُ مرادفاً لفُرادَ المعدوللِ لأنّ فُرادَ المعدول يدلّ على معنى فَرْداً فَرْداً، مثل ثُلاث ورُباع من أسماء العدد المعدولة. وأمّا فرادى المقصور فهو جمع فردان بمعنى المنفرد. ووجه جمعه هنا أنّ كلّ واحد منهم جاء منفرداً عن ماله. وقوله: {كما خلقناكم أوّل مرّة} تشبيه للمجيء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الّذي كانوا ينكرونه فقد رأوه رأي العين، فالكاف لتشبيه الخلق الجديد بالخلق الأوّل فهو في موضع المفعول المطلق. و(ما) المجرورة بالكاف مصدريّة. فالتّقدير: كخلْقِنا إيّاكم، أي جئتمونا مُعَادَيْن مخلوقين كما خلقناكم أوّل مرّة، فهذا كقوله تعالى: {أية : أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد}تفسير : [ق: 15]. والتّخويل: التفضّل بالعطاء. قيل: أصله إعطاء الخَوَل ـــ بفتحتين ـــ وهو الخدم، أي إعطاء العبيد. ثمّ استعمل مجازاً في إعطاء مطلق ما ينفع، أي تركتم ما أنعمنا به عليكم من مال وغيره. و(ما) موصولة ومعنى تركهم إيّاه وراء ظهورهم بعدُهم عنه تمثيلاً لحال البعيد عن الشّيء بمن بارحه سائراً، فهو يترك من يبارحه وراءه حين مبارحته لأنّه لو سار وهو بين يديه لبلغ إليه ولذلك يمثّل القاصد للشّيء بأنّه بين يديه، ويقال للأمر الّذي يهيّئه المرءُ لنفسه: قد قدّمه. {وتَركتم} عطف على {جئتمونا} وهو يبيّن معنى {فرادى} إلاّ أنّ في الجملة الثّانية زيادة بيان لمعنى الانفراد بذكر كيفية هذا الانفراد لأنّ كلا الخبرين مستعمل في التّخطئة والتّنديم، إذ جاءوا إلى القيامة وكانوا ينْفون ذلك المجيء وتركوا ما كانوا فيه في الدّنيا وكان حالهم حال من ينوي الخلود. فبهذا الاعتبار عطفت الجملة ولم تفصل. وأبو البقاء جعل الجملة حالاً من الواو في {جئتمونا} فيصير ترك ما خوّلوه هو محلّ التّنكيل. وكذلك القول في جملة {وما نَرى معكم شفعاءكم} أنّها معطوفة على {جئتمونا - وتركتم} لأنّ هذا الخبر أيضاً مراد به التّخطئة والتَّلهيف، فالمشركون كانوا إذا اضطربت قلوبهم في أمر الإسلام علّلوا أنفسهم بأنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله. وقد روى بعضهم: أنّ النّضر بن الحارث قال ذلك، ولعلّه قاله استسخاراً أو جهلاً، وأنّ الآية نزلت ردّاً عليه، أي أن في الآية ما هو ردّ عليه لا أنّها نزلت لإبطال قوله لأنّ هذه الآيات متّصل بعضها ببعض، وفي قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم} بيان أيضاً وتقرير لقوله: {فرادى}. وقوله: {وما نرى معكم شفعاءكم} تهكّم بهم لأنّهم لا شفعاء لهم فسيق الخطاب إليهم مساق كلام من يترقّب، أي يرى شيئاً فلم يره على نحو قوله في الآية الأخرى {أية : ويقول أين شركائي الّذين كنتم تُشَاقُّونِ فيهم}تفسير : [النحل: 27]، بناء على أنّ نفي الوصف عن شيء يدلّ غالباً على وجود ذلك الشّيء، فكان في هذا القول إيهام أنّ شفعاءهم موجودون سوى أنّهم لم يحضروا، ولذلك جيء بالفعل المنفي بصيغة المضارع الدالّ على الحال دون الماضي ليشير إلى أنّ انتفاء رؤية الشّفعاء حاصل إلى الآن، ففيه إيهام أنّ رؤيتهم محتملة الحصول بعد في المستقبل، وذلك زيادة في التهكّم. وأضيف الشّفعاء إلى ضمير المخاطبين لأنّه أريد شفعاء معهودون، وهم الآلهة الّتي عبدوها وقالوا: {أية : ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3] {أية : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]. وقد زيد تقرير هذا المعنى بوصفهم بقوله: {الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء}. والزّعم: القول الباطل سواء كان عن تعمّد للباطل كما في قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الّذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك}تفسير : [النساء: 60] أم كان عن سوء اعتقاد كما هنا، وقوله: {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للّذين أشركوا أين شركاؤكم الّذين كنتم تزعمون}تفسير : [الأنعام: 22]، وقد تقدّم ذلك في هاتين الآيتين في سورة النساء وفي هذه السورة. وتقديم المجرور في قوله: {فيكم شركاء} للاهتمام الّذي وجهُه التَعجيب من هذا المزعوم إذ جعلوا الأصنام شركاء لله في أنفسهم وقد علموا أنّ الخالق هو الله تعالى فهو المستحقّ للعبادة وحده فمن أين كانت شركة الأصنام لله في استحقاق العبادة، يعني لو ادّعوا للأصنام شيئاً مغيباً لا يُعرف أصل تكوينه لكان العجب أقلّ، لكن العجب كلّ العجب من ادّعائهم لهم الشركة في أنفسهم، لأنّهم لمّا عبدوا الأصنام وكانت العبادة حقّاً لأجل الخالقيّة، كان قد لزمهم من العبادة أن يزعموا أنّ الأصنام شركاء لله في أنْفُس خلقه، أي في خلقهم، فلذلك عُلِّقت النّفوس بالوصف الدالّ على الشركة. وتقدّم معنى الشّفاعة عند قوله تعالى: {أية : ولا يُقبل منها شفاعة}تفسير : في سورة [البقرة: 48]. وجملة: {لقد تقطّع بينَكم} استئناف بياني لجملة: {وما نرى معكم شفعاءكم} لأنّ المشركين حين يسمعون قوله: {ما نَرى معكم شفعاءكم} يعتادهم الطّمع في لقاء شفعائهم فيتشوّفون لأن يعلموا سبيلهم، فقيل لهم: لقدْ تقطَّع بينكم تأييساً لهم بعد الإطماع التهكمي، والضّمير المضاف إليه عائد إلى المخاطبين وشفعائهم. وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم ـــ بفتح نون ـــ {بينَكم}. فــ (بينَ) على هذه القراءة ظرف مكان دالّ على مكان الاجتماع والاتّصال فيما يضاف هُو إليه. وقرأ البقيّة ـــ بضمّ نون ـــ {بينكم} على إخراج (بين) عن الظّرفية فصار اسماً متصرّفاً وأسند إليه التقطّع على طريقة المجاز العقلي. وحذف فاعل تقطّع على قراءة الفتح لأنّ المقصود حصول التقطّع، ففاعله اسم مُبهم ممّا يصلح للتقطّع وهو الاتّصال. فيقدّر: لقد تقطّع الحَبْل أو نحوُه. قال تعالى: {أية : وتقطَّعت بهم الأسباب}تفسير : [البقرة: 166]. وقد صار هذا التّركيب كالمثَل بهذا الإيجاز. وقد شاع في كلام العرب ذكر التقطّع مستعاراً للبعد وبطلان الاتّصال تبعاً لاستعارة الحبل للاتّصال، كما قال امرؤ القيس: شعر : تَقَطَّعَ أسبابُ اللُّبانةِ والهوى عَشِيَّة جاوزنا حَمَاةَ وشَيْزَرا تفسير : فمن ثمّ حسن حذف الفاعل في الآية على هذه القراءة لدلالة المقام عليه فصَار كالمثل. وقدّر الزمخشري المصدر المأخوذ من {تقطّع} فاعلاً، أي على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التّأويل، أي وقع التقطّع بينَكم. وقال التفتزاني: «الأوْلى أنّه أسند إلى ضمير الأمْر لتقرّره في النّفوس، أي تقطّع الأمْر بينكم». وقريب من هذا ما يقال: إنّ {بينكم} صفة أقيمت مقام الموصوف الّذي هو المسند إليه، أي أمر بينكم، وعلى هذا يكون الاستعمال من قبيل الضّمير الّذي لم يذكر مَعاده لكونه معلوماً من الفعل كقوله: {أية : حتّى توارت بالحجاب}تفسير : [ص: 32]، لكن هذا لا يعهد في الضّمير المستتر لأنّ الضّمير المستتر ليس بموجود في الكلام وإنّما دعا إلى تقديره وجود مَعاده الدّال عليه. فأمّا والكلام خليّ عن معاد وعن لفظ الضّمير فالمتعيّن أن نجعله من حذف الفاعل كما قرّرته لك ابتداء، ولا يقال: إنّ {توارت بالحجاب} ليس فيه لفظ ضمير إذ التّاء علامة لإسناد الفعل إلى مؤنّث لأنَّا نقول: التّحقيق أنّ التّاء في الفعل المسند إلى الضّمير هي الفاعل. وعلى قراءة الرّفع جعل {بينكم} فاعلاً، أي أخرج عن الظّرفية وجعل اسماً للمكان الّذي يجتمع فيه ماصْدق الضمير المضاف إليه اسم المكان، أي انفصل المكان الّذي كان محلّ اتّصالكم فيكون كناية عن انفصال أصحاب المكان الّذي كان محلّ اجتماع. والمكانية هنا مجازيّة مثل {أية : لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله}تفسير : [الحجرات: 1] وقوله: {وضلّ عنكم} عطف على {تقطّع بينكم} وهو من تمام التهكّم والتأييس. ومعنى ضلّ: ضدّ اهتدى، أي جهل شفعاؤكم مكانكم لمّا تقطّع بينكم فلم يهتدوا إليكم ليشفعوا لكم. و(ما) موصولة ماصْدقها الشفعاء لاتّحاد صلتها وصلة {الّذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء}، أي الّذين كنتم تزعمونهم شركاء، فحذف مفعولا الزّعم لدلالة نظيره عليهما في قوله: {زعمتم أنّهم فيكم شركاء}، وعُبّر عن الآلهة بــ (ما) الغالبة في غير العاقل لظهور عدم جدواها، وفسّر ابن عطيّة وغيره ضَلّ بمعنى غاب وتلف وذهب، وجعلوا (ما) مصدريّة، أي ذهب زعمكم أنّها تشفع لكم. وما ذكرناه في تفسير الآية أبلغ وأوقع.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم، وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فرداً في قوله: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95]، وقوله في هذه الآية {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي منفردين لا مال، ولا أثاث، ولا رقيق، ولا حول عندكم، حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 104]، وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد، ويقال فيه أيضاً: فرد بالتحريك، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد تفسير : قوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ]. ذكر في هذه الآية الكريمة: أن الأنداد التي كانوا يعبدونها في الدنيا تضل عنهم يوم القيامة، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلات في الدنيا، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جداً كقوله {أية : وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 6]، وقوله {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}تفسير : [مريم: 82]، وقوله {أية : إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 25]، وقوله {أية : أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ}تفسير : [الشعراء: 92-93]، وقوله هنا {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} [الأنعام: 94] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {فُرَادَىٰ} {خَلَقْنَاكُمْ} {خَوَّلْنَاكُمْ} {شُرَكَآءُ} (94) - ثُمَّ يَصِفُ اللهُ تَعَالَى حَالَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ: لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَكَمَا بَدَأْنَاكُمْ أَعَدْنَاكُمْ، وَكُنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَتَسْتَبْعِدُونَهُ، فَهَذَا هُوَ يَوْمُ البَعْثِ الذِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ، وَقَدْ تَرَكْتُمْ فِي الدُّنْيا مَا آتَيْنَاكُمْ فِيهَا مِنَ النِّعَمِ، وَالأَمْوَالِ التِي جَمَعْتُمُوهَا. وَيُقَرَّعُونَ عَلَى مَا كَانُوا اتَّخَذُوهُ فِي الدُّنْيا مِنَ الأَنْدَادِ وَالأَصْنَامِ ظَانِّينَ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّنَا لاَ نَرَى مَعَكُمُ الشُّفَعَاءَ الذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ قِسْطاً مِنْ اسْتِحْقَاقِ العِبَادَةِ، لَقَدْ تَقَطَّعَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَسْبَابُ وَالصِّلاَتُ، وَتَلاَشَتْ آمَالُكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهُ مِنْ رَجَاءِ شَفَاعَتِهِمْ. (وَيُرْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الحَارِثِ، وَهُوَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشِ، قَالَ: سَتَشْفَعُ لِي اللاَّتُ وَالغُزَّى). مَا خَوَّلْنَاكُمْ - مَا أَعْطَيْنَاكُمْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيا. تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ - تَفَرَّقَ الاتِّصَالُ بَيْنَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله الحق: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ} أي أن كلاًّ منكم يأتي إلى الله فرداً عما كان له في دنياه من مال أو ولد أو أتباع، جاء كل منهم لله وليس معه الأصنام التي أدّعى أنها شركاء لله، واتخذهم شفعاء له. و"فرادى" جمع "فرْدَان" أو "فريد" مثل "سكارى" جمع "سكران" و"أسارى" جمع "أسير"، إنهم يأتون إلى الله زُمرا وجماعات، ولكن كل منهم جاء منفرداً عما كان له في الدنيا من مال وأهل وولد وأتباع، بدليل أنه قال: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}. و"خوَّله" أي جعل له خَدَمًا من الأتباع ومن المريدين، ومن المقَّدر والمضيَّق عليهم في الرزق ومن العائشين في نعمته، جاء كل منهم منفردا عما له في الدنيا كما خلقكم الله أول مرة، أي كما دخلتم في الدنيا! {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]. وقوله الحق: "جئتمونا" أي كأن الإنسان الذي أذنب يكاد يقدم نفسه للعذاب معترفاً أنه يستحق هذا العذاب إقراراً منه بالذنب، فكأن الإنسان يبلغ منه الحزن على ما فعله والتوبيخ لنفسه التي انصرفت عن الحق فيقول لنفسه: أنت تستحقين العذاب. {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94]. و"البيْن" هو ما يفصل أو ما يصل. فعندما نجد اثنين قاعدين وبينهما "بين" فهذا البين فاصل وواصل. فإن اعتبرته واصلاً، أقول: تقطّع هذا، أي وقع التقطع بينكما، وانفصمت الروابط بينكم وتشتت جمعكم، وإن كان البين فاصلا فقد وصلوا أنفسهم بالأصنام. وماذا كانت صلة هؤلاء بالأصنام التي يشركونها في العبادة؟ كانوا يقدمون لها القرابين، وغير ذلك. وهذه الأصنام وكل من جعلوه شريكا مع الله سيفر منهم يوم القيامة. وهكذا يتحقق قوله الحق: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. ويواصل سبحانه: {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، و"ضلّ" أي تاه وغاب، ما كنتم تبحثون عنهم فلا تجدونهم مصداقا لقوله الحق: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} تفسير : [البقرة: 166]. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فُرَٰدَىٰ} معناهُ فَردٌ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ} قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى. فنزلت: وجئتمونا ماض معناه المضارع. والظاهر أنه من كلام الله تعالى والخطاب للكفار فرادى واحداً واحداً من غير الأهل والمال والولد. {كَمَا} الكاف للتشبيه تقديره مجيئاً مثل خلقنا إياكم. وانتصب: {أَوَّلَ مَرَّةٍ} على الظرف، أي أول زمان خلقناكم أي أبرزناكم للوجود. {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ} أي ما تفضلنا به عليكم من الخول والأهل والمال. {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} منصوب بقوله: وتركتم، وكني به عن الدنيا. {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ} وقفهم على الخطأ في عبادتهم الأصنام وتعظيمها وكانوا يعتقدون شفاعة الملائكة. {أَنَّهُمْ فِيكُمْ} سدت ان مسد مفعولي زعمتم وفيكم متعلق بشركاء والمعنى في استعبادكم لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها فقد جعلوا لله شركاء فيهم وفي استعبادهم. {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قرىء: بينكم بالرفع على أنه فاعل بتقطع اتسع فيه، وأسند إليه الفعل فصار اسماً كما استعملوه إسماً في قوله: {أية : وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تفسير : [فصلت: 5]. وقرىء: بينكم بالنصب فقيل: الحركة حركة بناء، وبني لإِضافته إلى المبني وهو ضمير الخطاب فيكون فاعلاً بتقطع فتستوي القراءتان ويظهر أن الفاعل ضمير يعود على المصدر المفهوم مما قبله تقديره هو، أي التواصل الذي كان بينكم وبين شفعائكم، ويظهر أيضاً أن يكون من باب الأعمال تقدم تقطع وعطف عليه وضلَّ فتنازعا على ما فاعمل الثاني فما فاعل بضل وأضمر في تقطع الفاعل وهو ضمير ما ومفعولاً تزعمون محذوف اختصاراً لدلالة ما قبله عليه تقديره تزعمونهم شركاء فيكم. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} الظاهر أن المعنى أنه تعالى فالق الحب شاقه فمخرج منه النبات، والندى فمخرج منه الشجر. والحب والنوى عامان أي كل حبة وكل نواة. وهذه إشارة إلى فعل الله تعالى في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه، ويشق النوى عن جميع الأشجار الكائنة عنه. ولما كان قد تقدم ذكر البعث نبّه على قدرته تعالى الباهرة في شق النواة مع صلابتها وإخراجه منها نبتاً أخضر ليناً إلى ما بعد ذلك مما فيه القدرة التامة والإِشارة إلى البعث والنشر بعد الموت. {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} تقدم تفسيره في أوائل آل عمران، وعطف قوله: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ} على قوله: فالق الحب، اسم فاعل على إسم فاعل ولم يعطفه على يخرج لأن قوله: فالق الحب والنوى، من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي في حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله: {أية : يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [الحديد: 17]، فوقع قوله: يخرج الحي من الميت، من قوله: فالق الحب والنوى موقع الجملة المبنيّة فلذلك عطف على إسم فاعل لا على الفعل ولما كان هذا مفقوداً في آل عمران وتقدم قبل ذلك جملتان فعليتان وهما: {أية : تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [آل عمران: 27]، كان العطف بالفعل على أنه يجوز أن يكون معطوفاً وهو اسم فاعل على المضارع لأنه في معناه. كما قال الشاعر: شعر : بات يغشيها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر تفسير : {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فكيف تصرفون عن عبادة من له هذه القدرة الباهرة. {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} الأصباح مصدر سمي به الصبح قال الشاعر: شعر : ألا أيها الليل الطويل الا انجلى بصبح وما الإِصباح منك بأمثل تفسير : وفلقه إخراج هذا النور المنتشر من ظلمة الليل وغبشها سكناً إذ هو أعظم من فلق الحب والنوى إذ هو من الآثار العلوية والأحوال الفلكية أعظم وقعاً في النفوس من الأحوال الأرضية. {سَكَناً} فعل بمعنى مفعول، كالقنص بمعنى المقنوص. وانتصب على أنه مفعول ثان لجاعل وأضيف جاعل إلى المفعول الثاني وهو الليل. وقرىء: وجعل فعلاً ماضياً ونصب الليل والحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان. قال ابن عباس: يعني بها عدد الأيام والشهور والسنين ومن قرأ وجعل عطف والشمس وما بعده على معمولي جعل. ومن قرأ بالإِضافة فقيل: هو عطف على موضع الليل لأن موضعه نصب وهذا لا يجوز على مذهب سيبويه بل لا يعطف على موضع إسم الفاعل عنده، بل يضمر فعلاً تقديره وجعل الشمس والقمر. قال الزمخشري: أو يعطفان على محل الليل فإِن قتل: كيف يكون الليل محل والإِضافة حقيقة، لأن إسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضيّ ولا تقول: زيد ضارب عمراً أمس؟ قلت: ما هو في معنى الماضي وإنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة. "انتهى". ملخصه أنه ليس اسم فاعل ماضياً فلا يلزم أن يكون عاملاً فيكون للمضاف إليه موضع من الإِعراب وهذا على مذهب البصريين أن اسم الفاعل الماضي لا يعمل وإنما قوله: إنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة يعني فيكون إذ ذاك عاملاً ويكون للمجرور بعده موضع فيعطف عليه والشمس والقمر وهذا ليس بصحيح إذا كان لا يتقيد بزمان خاص وإنما هو للاستمرار، فلا يجوز له أن يعمل ولا لمجروره محل. وقد نصوا على ذلك وأنشدوا: شعر : ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة فليس الكاسب هنا مقيداً بزمان تفسير : {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ} ذلك إشارة إلى جميع الاخبار من قوله: فالق الحب، إلى آخره.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مجيئهم وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ} [الأنعام: 94]، الإشارة فيها أن المجيء إلى الله تعالى يكون بالتجريد، ثم بالتفريد ثم بالتوحيد، فالتجريد: هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق بها، والتفريد: هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعاً إلى الله تعالى خالياً عن التعلق بهما كما كان في بدء الخلقة روحاً مجرداً عن تعلقات الكونين كقوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]؛ يعني: أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب، فإنه خلقه ثانياً، كما قال تعالى: {أية : خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14]، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} تفسير : [الأعراف: 11]، فللعبد في السير إلى الله تعالى كسب وسعي بالتجريد والتفريد عن الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94]، يعني: عن تعلق الكونين، {وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} [الأنعام: 94]، يعني: الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله، {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94]، وبينها عند انتهاء سيركم. {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، إنه يوصلكم إلى الله تعالى، فلما وصل العبد إلى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى سير جبريل عليه السلام ليلة المعراج عند سدرة المنتهى - وهي منتهى سير السائرين من الملك والأنس - والتوحيد هو التوحد، لفيض الوحدانية عن التجلي بالصفات الوحدانية؛ ليوصل العبد بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، مقام الوحدة، ولو لم يدركه العناية الأزلية بجذبات الربوبية لانقطع عن السير في الله بالله، وبقي في السدرة وهو يقول: ما شاء الله له مقام معلوم.

همام الصنعاني

تفسير : 829- عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}: [الآية: 94] قال: كان بينكم من الوصل.