Verse. 884 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اِنَّ اللہَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوٰى۝۰ۭ يُخْرِجُ الْـحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْـحَيِّ۝۰ۭ ذٰلِكُمُ اللہُ فَاَنّٰى تُؤْفَكُوْنَ۝۹۵
Inna Allaha faliqu alhabbi waalnnawa yukhriju alhayya mina almayyiti wamukhriju almayyiti mina alhayyi thalikumu Allahu faanna tufakoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله فالق» شاق «الحبِّ» عن النبات «والنوى» عن النخل «يخرج الحي من الميت» كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة «ومخرج الميت» النطفة والبيضة «من الحي ذلكم» الفالق المخرج «الله فأنَّي تؤفكون» فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.

95

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل، عاد ههنا إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله. وفي قوله: {فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } قولان: القول الأول: وهو مروي عن ابن عباس وقول الضحاك ومقاتل: {فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } أي خالق الحب والنوى. قال الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب فاطر، وأقول: الفطر هو الشق، وكذلك الفلق، فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان معدوماً محضاً ونفياً صرفاً، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه. وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق. فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع. والقول الثاني: وهو قول الأكثرين: أن الفلق هو الشق، والحب هو الذي يكون مقصوداً بذاته مثل حبة الحنطة والشعير وسائر الأنواع، والنوى هو الشيء الموجود في داخل الثمرة مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما. إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر. أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض. ثم إن ههنا عجائب: فإحداها: أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى في عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض؟ فلما تولد منها هاتان الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى، علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع. وثانيها: أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم. وثالثها: أنه يتولد من تلك النواة شجرة ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة، فإن قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش، ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها ويتولد على الأغصان الأوراق أولاً، ثم الأزهار والأنوار ثانياً، ثم الفاكهة ثالثاً، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر: مثل الجوز، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر، وتحت ذلك القشر الذي يشبه الخشب، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب، وتحته ذلك اللب، وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف هو أيضاً كالقشر، وعلى جرم لطيف وهو الدهن، وهو المقصود الأصلي، فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول الأربعة والطبائع الأربع، يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر لا بتدبير الطبائع والعناصر. ورابعها: أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترنج قشره حار يابس، ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس، وبذره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس، وماؤه ولحمه حار رطب، فتولد هذه الطبائع المضادة والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة لا بد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار. وخامسها: أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة فبعضها يكون اللب في الداخل والقشر في الخارج كما في الجوز واللوز وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج، وتكون الخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون النواة لها لب كما في نوى المشمش والخوخ، وبعضها لا لب له، كما في نوى التمر وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر، بل يكون كله مطلوباً كالتين، فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه وأيضاً هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما، وشكل العدس كأنه دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر، فهذه الأشكال المختلفة، لا بد وأن تكون لأسرار وحكم علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل، وأيضاً فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى ومنفعة أخرى وأيضاً فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان وسماً لحيوان آخر، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أن كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم. وسادسها: أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت خطاً واحداً مستقيماً في وسطها، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان، وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن الإنسان. ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر، ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والأبصار بسبب الصغر، فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط منفصلة، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى، ولا يزال يبقى على هذا المنهج حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر والخالق تعالى إنما فعل ذلك حتى أن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل. ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة، كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر لها، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية، كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة، فهذا كلام مختصر في تفسير قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له، ونسأل الله التوفيق والهداية. المسألة الثانية: أما قوله تعالى: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } ففيه مباحث: الأول: أن {ٱلْحَىّ } اسم لما يكون موصوفاً بالحياة، و {ٱلْمَيّتِ } اسم لما كان خالياً عن صفة الحياة فيه، وعلى هذا التقدير: النبات لا يكون حياً. إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا {ٱلْحَىّ } و {ٱلْمَيّتِ } قولان: الأول: حمل هذين اللفظين على الحقيقة. قال ابن عباس: يخرج من النطفة بشراً حياً، ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة، والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية، بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم، والمدبر العليم. والقول الثاني: أن يحمل {ٱلْحَىّ } و {ٱلْمَيّتِ } على ما ذكرناه، وعلى الوجوه المجازية أيضاً، وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي. الثاني: قال ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس. الثالث: قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سبباً للنفع العظيم، وبالعكس. ذكروا في الطب أن إنساناً سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت، فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه، فإن الأفيون يقتل بقوة برده، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر الأفيون، فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات، وقد يكون بالعكس من ذلك، وكل هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبراً حكيماً ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة. البحث الثاني: من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم {ٱلْمَيّتِ } مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين، وكذلك كل هذا الجنس في القرآن. البحث الثالث: أن لقائل أن يقول: إنه قال أولاً: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } ثم قال: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } وعطف الاسم على الفعل قبيح، فما السبب في اختيار ذلك؟ قلنا: قوله: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } معطوف على قوله: {فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } وقوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } كالبيان والتفسير لقوله: {فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان. ألا ترى إلى قوله {ويحي الأرض بعد موتها} وفيه وجه آخر، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان. وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلاً في كتاب «دلائل الإعجاز» فقال: قوله: {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء } إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله: {يَرْزُقُكُمْ } لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة. وأما الاسم فمثاله قوله تعالى: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ }تفسير : [الكهف: 18] فقوله: {بَـٰسِطٌ } يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة. إذا ثبت هدا فنقول: الحي أشرف من الميت، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي. والله أعلم بمراده. ثم قال تعالى في آخر الآية: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم معناه: ذلكم الله المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } في إثبات القول بعبادة الأصنام، والثاني: أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى؟ والمقصود الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر، وأيضاً الضدان متساويان في النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر، وجب أن لا يمتنع الانقلاب من الثاني إلى الأول، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة. وجب أيضاً أن لا يمتنع حصول الحياة بعد الموت، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه جواز القول بالبعث والحشر والنشر. المسألة الثانية: تمسك الصاحب بن عباد بقوله: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } على أن فعل العبد ليس مخلوقاً لله تعالى. قال: لأنه تعالى لو خلق الأفك فيه، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ }. والجواب عنه: أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية، فإن ترجح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد، بل يكون محض الاتفاق، فكيف يحسن أن يقال له: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } وأن توقف ذلك المرجح على حصول مرجح، وهي الداعية الجاذبة إلى الفعل، فحصول تلك الداعية يكون من الله تعالى، وعند حصولها يجب الفعل، وحينئذ يلزمكم كل ما ألزمتموه علينا. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} عدّ من عجائب صنعه ما يعجز عن أدنى شيء منه آلهتهم. والفَلْق: الشق؛ أي يَشق النواة الميتةَ فيُخرج منها ورقاً أخضر، وكذلك الحبة. ويُخرج من الورق الأخضر نواة ميتة وحبّة؛ وهذا معنى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؛ عن الحسن وقتادة. وقال ابن عباس والضحاك: معنى فالق خالق. وقال مجاهد: عُني بالفلق الشقّ الذي في الحبّ وفي النّوَى. والنَّوَى جمع نواة، ويجري في كل ما له عَجْمٌ كالمشمش والخوخ. {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} يُخرج البشر الحيَّ من النُّطْفة الميتة، والنطفةَ الميتةَ من البشر الحيّ؛ عن ابن عباس. وقد تقدّم قول قتادة والحسن. وقد مضى ذلك في «آل عمران». وفي صحيح مسلم عن عليّ: والذي فلق الحبة وبَرأ النَّسَمة إنه لَعَهد النبيّ الأميّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} ابتداء وخبر. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فمن أين تصرفون عن الحق مع ما تَرون من قدرة الله جل وعز.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ} بالنبات والشجر. وقيل المراد به الشقاق الذي في الحنطة والنواة. {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ} يريد به ما ينمو من الحيوان والنبات ليطابق ما قبله. {مِنَ ٱلْمَيّتِ} مما لا ينمو كالنطف والحب. {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَيّ} ومخرج ذلك من الحيوان والنبات، ذكره بلفظ يالاسم حملاً على فالق الحب فإن قوله: يخرج الحي واقع موقع البيان له. {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ} أي ذلكم المحيي المميت هو الذي يحق له العبادة. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تصرفون عنه إلى غيره.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقه في الثرى، فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها؛ من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، من النوى، ولهذا فسر قوله: {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} بقوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ} أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت؛ كقوله: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 33] إلى قوله: {أية : وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] وقوله: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ} معطوف على {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} ثم فسره، ثم عطف عليه قوله: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ} وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة، وعكسه، ومن قائل: يخرج الولد الصالح من الفاجر، وعكسه، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها. ثم قال تعالى: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} أي: فاعل هذا هو الله وحده لا شريك له {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي: كيف تصرفون عن الحق، وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره؟ وقوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً} أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] أي: فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه؛ كقوله: {أية : يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} تفسير : [الأعراف: 54] فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك بقوله: {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً} أي: ساجياً مظلماً؛ لتسكن فيه الأشياء، كما قال: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1 - 2] وقال: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : وقال: [الليل:1-2] وقال: {أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّـٰهَا وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا} تفسير : [الشمس:3-4] وقال صهيب الرومي رضي الله عنه لامرأته، وقد عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكناً إلا لصهيب، إن صهيباً إذا ذكر الجنة، طال شوقه، وإذا ذكر النار، طار نومه، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} أي: يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً، كما قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} تفسير : [يونس: 5] الآية، وكما قال: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِك ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس:40] وقال: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِ} تفسير : [الأعراف: 54]. وقوله: {ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيراً ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار، والشمس والقمر، يختم الكلام بالعزة والعلم؛ كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } تفسير : [يس:37-38]. ولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن، في أول سورة حم السجدة، قال: {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [فصلت: 12] وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث، فقد أخطأ، وكذب على الله سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، ويهتدى بها في الظلمات البر والبحر. وقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} أي: قد بيناها ووضحناها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: يعقلون، ويعرفون الحق، ويتجنبون الباطل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ } شاقّ {ٱلْحَبِّ } عن النبات {وَٱلنَّوَىٰ } عن النخل {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ } كالإِنسان والطائر من النطفة والبيضة {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ } النطفة والبيضة {مِنَ ٱلْحَىِّ ذٰلِكُمُ } الفالق المخرج {ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان؟.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } هذا شروع في تعداد عجائب صنعه تعالى، وذكر ما يعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه، والفلق الشق: أي هو سبحانه فالق الحبّ فيخرج منه النبات، وفالق النوى فيخرج منه النوى فيخرج منه الشجر. وقيل: معنى: {فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } الشق الذي فيهما من أصل الخلقة. وقيل معنى {فَالِقُ } خالق، والنوى: جمع نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ. قوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } هذه الجملة خبر بعد خبر، فهي في محل رفع. وقيل: هي جملة مفسرة لما قبلها، لأن معناها معناه، والأول: أولى، فإن معنى {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة. ومعنى: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحيّ، وجملة: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } معطوفة على {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } عطف جملة اسمية على جملة فعلية، ولا ضير في ذلك. وقيل: معطوفة على (فالق) على تقدير أن جملة {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } مفسرة لما قبلها، والأوّل أولى، والإشارة بـ {ذلكم} إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقاً و{ٱللَّهُ} خبره. والمعنى: أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال، والمفضل بكل إفضال، والمستحق لكل حمد وإجلال {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته؟ قوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } مرتفع على أنه من جملة أخبار «إنّ» في {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ}. وقيل: هو نعت للاسم الشريف في {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ }، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر "فَالِقُ ٱلأَصْبَاحِ" بفتح الهمزة، وقرأ الجمهور بكسرها، وهو على قراءة الفتح جمع صبح، وعلى قراءة الكسر مصدر أصبح. والصبح والصباح: أوّل النهار، وكذا الإصباح، وقرأ النخعي "فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ" بفعل وهمزة مكسورة. والمعنى في {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } أنه شاق الضياء عن الظلام وكاشفه، أو يكون المعنى على حذف مضاف، أي فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش، أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار، لأنه يبدو مختلطاً بالظلمة ثم يصير أبيض خالصاً. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر، وعاصم وحمزة، والكسائي {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً } حملاً على معنى {فَالِقُ } عند حمزة والكسائي، وأما عند الحسن وعيسى فعطفاً على "فلق". وقرأ الجمهور، "وجاعل" عطفاً على {فالق}. وقرىء "فالق وجاعل" بنصبهما على المدح. وقرأ يعقوب «وجاعل الليل ساكناً». والسكن: محل السكون، من سكن إليه: إذ اطمأنّ إليه، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم، ويستريحون من التعب والنصب. قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً } بالنصب على إضمار فعل، أي وجعل الشمس والقمر، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره والشمس والقمر مجعولان حسباناً، وبالجرّ عطفاً على الليل على قراءة من قرأ "وجاعل الليل"، قال الأخفش: والحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب. وقال يعقوب: حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حساباً وحسباناً. والحساب: الاسم. وقيل الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح، والحسبان بالكسر مصدر حسب. والمعنى: جعلهما محل حساب تتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدلّ عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه. وقيل الحسبان: الضياء، وفي لغة أن الحسبان: النار، ومنه قوله تعالى: {أية : وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الكهف: 40] والإشارة بـ{ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } إلى الجعل المدلول عليه بجاعل، أو يجعل على القراءتين. والعزيز: القاهر الغالب. والعليم: كثير العلم، ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْر} أي: خلقها للاهتداء بها {فِى ظُلُمَـٰتِ } الليل عند المسير في {ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } وإضافة الظلمات إلى البرّ، لكونها ملابسة لهما، أو المراد بالظلمات: اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها، ومنها ما ذكره الله في قوله: {أية : وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ } تفسير : [الصافات: 7]. {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لّلشَّيَـٰطِينِ } تفسير : [الملك: 5]، ومنها جعلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على الله الفرية {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ } التي بيناها بياناً مفصلاً لتكون أبلغ في الاعتبار {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } بما في هذه الآيات من الدلالة على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} أي آدم عليه السلام كما تقدّم. وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي بكسر القاف، والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنهما مبتدآن وخبرهما محذوف، والتقدير: فمنكم مستقرّ أو فلكم مستقرّ، التقدير الأوّل على القراءة الأولى، والثاني على الثانية، أي فمنكم مستقرّ على ظهر الأرض، أو فلكم مستقرّ على ظهرها، ومنكم مستودع في الرحم، أو في باطن الأرض، أو في الصلب. وقيل المستقرّ في الرحم، والمستودع في الأرض. وقيل المستقرّ في القبر. قال القرطبي: وأكثر أهل التفسير يقولون المستقرّ ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل المستقرّ من خلق، والمستودع من لم يخلق. وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث. ومما يدل على تفسير المستقرّ بالكون على الأرض قول الله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } تفسير : [البقرة: 36]، وذكر سبحانه هاهنا {يَفْقَهُونَ } وفيما قبله {يَعْلَمُونَ } لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرّاً وبعضها مستودعاً من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه لإشعاره بمزيد تدقيق وإمعان فكر. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } هذا نوع آخر من عجائب مخلوقاته. والماء هو ماء المطر، وفي {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } التفات من الغيبة إلى التكلم، إظهاراً للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه، والضمير في "بِهِ" عائد إلى الماء، و{نَبَاتَ كُلّ شَىْء } يعني كل صنف من أصناف النبات المختلفة. وقيل: المعنى رزق كل شيء، والتفسير الأوّل أولى. ثم فصل هذا الإجمال فقال: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } قال الأخفش: أي أخضر. والخضر: رطب البقول، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة. وقيل: يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً } هذه الجملة صفة لـ {خضر} أي نخرج من الأغصان الخضر حباً متراكباً أي مركباً بعضه على بعضه كما في السنابل {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ } خبر مقدّم، و{مِن طَلْعِهَا } بدل منه، وعلى قراءة من قرأ "يخرج منه حب" يكون ارتفاع {قنوان} على أنه معطوف على حب، وأجاز الفراء في غير القرآن "قنواناً" عطفاً على {حباً}، وتميم يقولون قنيان. وقرىء بضم القاف وفتحها باعتبار اختلاف اللغتين لغة قيس ولغة أهل الحجاز. والطلع: الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض، والإغريض يسمى طلعاً أيضاً. والقنوان: جمع قنو، والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسورة النون، والجمع على ما يقتضيه الاعراب، ومثله صنوان. والقنو: العذق. والمعنى: أن القنوان أصله من الطلع. والعذق: هو عنقود النخل، وقيل القنوان: الجمار. والدانية: القريبة التي ينالها القائم والقاعد. قال الزجاج: المعنى منها دانية ومنها بعيدة فحذف، ومثله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] وخصّ الدانية بالذكر، لأن الغرض من الآية بيان القدر والامتنان، وذلك فيما يقرب تناوله أكثر. قوله: {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ } قرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والأعمش، وعاصم في قراءته الصحيحة عنه برفع "جنات"، وقرأ الباقون بالنصب. وأنكر القراءة الأولى أبو عبيدة، وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم هي محال، لأن الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس: ليس تأويل الرفع على هذا، ولكنه رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء {أية : وَحُورٌ عِينٌ } تفسير : [الواقعة: 22] وقد أجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، وأما على النصب فقيل: هو معطوف على {نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب، أو النصب بفعل يقدّر متأخراً أي وجنات من أعناب أخرجناها، وهكذا القول في انتصاب الزيتون والرمان. وقيل: هما منصوبان على الاختصاص لكونهما عزيزين، و{مُشْتَبِهاً } منتصب على الحال، أي كل واحد منهما يشبه بعضه بعضاً في بعض أوصافه، ولا يشبه بعضه بعضاً في البعض الآخر، وقيل: إن أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار حجمه، ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم، وقيل خصّ الزيتون والرمان لقرب منابتهما من العرب كما في قول الله سبحانه: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } تفسير : [الغاشية: 17]، ثم أمرهم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر، وإلى ينعه إذا أينع. والثمر في اللغة: جنى الشجر. واليانع: الناضج الذي قد أدرك وحان قطافه. قال ابن الأنباري: الينع جمع يانع، كركب وراكب. وقال الفراء: أينع احمرّ. قرأ حمزة والكسائي «ثمره» بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون بفتحها، إلا الأعمش فإنه قرأ "ثمره" بضم الثاء، وسكون الميم تخفيفاً. وقرأ محمد بن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي إسحاق «وينعه» بضم الياء التحتية. قال الفراء: هي لغة بعض أهل نجد. وقرأ الباقون بفتحها، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم ذكره مجملاً ومفصلاً {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالله استدلالاً بما يشاهدونه من عجائب مخلوقاته التي قصها عليهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } يقول: خلق الحب والنوى. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال: يفلق الحبّ والنوى عن النبات. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: الشقان اللذان فيهما. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن أبي مالك نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في قوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } قال: النخلة من النواة والسنبلة من الحبة {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } قال: النواة من النخلة والحبة من السنبلة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ } قال: الناس الأحياء من النطف، والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } أي فكيف تكذبون. وأخرج أيضاً عن الحسن قال أنى تصرفون. وأخرج أيضاً عن ابن عباس في {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } قال: خلق الليل والنهار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } قال: إضاءة الفجر. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } قال: فالق الصبح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَجَاعِلُ ٱلْلَّيْلَ سَكَنا} قال: سكن فيه كل طير ودابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً } يعني عدد الأيام والشهور والسنين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} قال: يضلّ الرجل، وهو في الظلمة والجور عن الطريق. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والخطيب في كتاب النجوم، عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في برّكم وبحركم، ثم أمسكوا، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه، والخطيب، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البرّ والبحر ثم انتهوا»تفسير : وقد ورد في استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك أحاديث، منها عند الحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحبّ عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله»تفسير : . وأخرج ابن شاهين والطبراني، والحاكم، والخطيب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، والخطيب، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم، عن أبي هريرة نحو حديثه الأوّل مرفوعاً. وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي بسند ضعيف، عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله: التاجر الأمين، والإمام المقتصد، وراعي الشمس بالنهار»تفسير : . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال: «سبعة في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلا ظله، فذكر منهم الرجل الذي يراعي الشمس لمواقيت الصلاة». فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله، والصلاة، لا لغير ذلك. وقد جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر طلوع الشمس، وأوّل صلاة الظهر زوالها، ووقت العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية، ووقت المغرب غروب الشمس، وورد في صلاة العشاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها لوقت مغيب القمر ليلة ثالث الشهر، وبها يعرف أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها. فمن راعى الشمس والقمر بهذه الأمور فهو الذي أراده، ومن راعاها لغير ذلك فهو غير مراد بما ورد. وهكذا النجوم، وورد النهي عن النظر فيها كما أخرجه ابن مردويه، والخطيب، عن عليّ قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم. وأخرج ابن مردويه، والمرهبي، والخطيب، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم. وأخرج الخطيب، عن عائشة مرفوعاً مثله. وأخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» تفسير : فهذه الأحاديث محمولة على النظر فيها لما عدا الاهتداء والتفكر والاعتبار. وما ورد في جواز النظر في النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر والاعتبار كما يدلّ عليه حديث ابن عمر السابق، وعليه يحمل ما روي عن عكرمة فيما أخرجه الخطيب عنه: أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم، فجعل الرجل يتحرّج أن يخبره، فقال عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: علم عجز الناس عنه ووددت أني علمته. وقد أخرج أبو داود، والخطيب، عن سمرة بن جندب، أنه خطب فذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أما بعد، فإن ناساً يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة»تفسير : . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في كسوف الشمس والقمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بهما عباده»تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي أمامة مرفوعاً: «حديث : إن الله نصب آدم بين يديه، ثم ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه حتى ملئوا الأرض»تفسير : فهذا الحديث هو معنى ما في الآية، {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } قال: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب. وفي لفظ: المستقر ما في الرحم، وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حيّ ومما قد مات. وفي لفظ المستقرّ ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في الآية: قال مستقرّها في الدنيا ومستودعها في الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود قال: المستقرّ الرحم، والمستودع المكان الذي يموت فيه. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في الآية قالا: مستقرّ في القبر، ومستودع في الدنيا، أوشك أن يلحق بصاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } قال: هذا السنبل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء بن عازب {قِنْوٰنٌ دَانِيَةٌ } قال قريبة: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {قِنْوٰنٌ دَانِيَةٌ } قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قنوان الكبائس، والدانية المنصوبة. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضاً في {قِنْوٰنٌ دَانِيَةٌ } قال: تهدل العذوق من الطلع. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة، في قوله {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } قال: متشابهاً ورقه مختلفاً ثمره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله: {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } قال: رطبه وعنبه. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء {وَيَنْعِهِ } قال نضجه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {...فَالِقُ الْحَبِّ وَالْنُّوَى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني فالق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة، قاله الحسن. وقتادة، والسدي، وابن زيد. والثاني: أن الفلق الشق الذي فيهما، قال مجاهد. والثالث: أنه يعني خالق الحب والنوى، قاله ابن عباس. وذكر بعض أصحاب الغوامض قولاً رابعاً: أنه مُظْهِرُ ما في حبة القلب من الإخلاص، والرياء. {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الَحيِّ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، والنخلة الحية من النواة الميتة، ويعني بإخراج الميت من الحي أن يخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، والنواة الميتة من النخلة الحية، قاله السدي. والثاني: أن يخرج الإِنسان من النطفة، والنطفة من الإِنسان، قاله ابن عباس. والثالث: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، قاله الحسن. وقد ذكرنا فيه احتمالاً، أنه يخرج الفَطِن الجَلْد من البليد العاجز، ويخرج البليد العاجز من الفَطِن الجَلْد. {ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي تصرفون عن الحق. {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: فالق الإِصباح، قاله قتادة. والثاني: أنه إضاءة الفجر، قاله مجاهد. والثالث: أن معناه خالق نور النهار، وهذا قول الضحاك. والرابع: أن الإِصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، قاله ابن عباس. {وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً} فيه قولان: أحدهما: أنه سُمِّي سكناً لأن كل متحرك بالنهار يسكن فيه. والثاني: لأن كل حي يأوي فيه إلى مسكنه. {وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَاناً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه يجريان في منازلهما بحساب وبرهان فيه بدء ورد إلى زيادة ونقصان، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: أي جعلهما سبباً لمعرفة حساب الشهور والأعوام. والثالث: أي جعل الشمس والقمر ضياء، قاله قتادة، وكأنه أخذه من قوله تعالى: {أية : وَيُرْسِلَ عَلَيهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَآءِ} تفسير : [الكهف: 40] قال: ناراً.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء تنبيه على العبرة والنظر، ويتصل المعنى بما قبله لأن القصد أن الله لا هذه الأصنام، وقال مجاهد وأبو مالك هذه إشارة إلى الشق الذي في حبة البر ونواة التمر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والعبرة على هذا القول مخصوصة في بعض الحب وبعض النوى، وليس لذلك وجه، وقال الضحاك وقتادة والسدي وغيرهما هذه إشارة إلى فعل الله في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه ويشق النوى عن جميع الأشجار الكائنة عنه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا هو الظاهر الذي يعطي العبرة التامة، فسبحان الخلاق العليم، وقال الضحاك: {فالق} بمعنى خالق، وقال السدي وأبو مالك: {يخرج الحي من الميت} إشارة إلى إخراج النبات الأخضر والشجر الأخضر من الحب اليابس والنوى اليابس، فكأنه جعل الخضرة والنضارة حياة واليبس موتاً و {مخرج الميت من الحي} إشارة إلى إخراج اليابس من النبات والشجر، وقال ابن عباس وغيره، بل ذلك كله إشارة إلى إخراج الإنسان الحي من النطفة الميتة وإخراج النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك سائر الحيوان والطير من البيض والحوت وجميع الحيوان. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أرجح وإنما تعلق قائلو القول الأول بتناسب تأويلهم مع قوله: {فالق الحب والنوى} وهما على هذا التأويل الراجح معنيان متباينان فيهما معتبر، وقال الحسن: المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وقوله: {ذلك} ابتداء وخبر متضمن التنبيه، {فأنّى تؤفكون} أي تصرفون وتصدون و {فالق الإصباح} أي شاقه ومظهره، والفلق الصبح، وقرأ الجمهور "فالق الإصباح" بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء "فالق الإصباح" بفتح الهمزة جمع صبح، وقرأت فرقة "فالق الإصباح" بحذف التنوين "فالقُ" لالتقاء الساكنين، ونصب "الإصباحَ" بـ "فالقٌ" كأنه أراد "فالق الإصباح" بتنوين القاف، وهذه قراءة شاذة، وإنما جوز سيبويه مثل هذا في الشعر وأنشد عليها: [المتقارب] شعر : فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ وَلاَ ذاكِرَ الله إلاَّ قليلا تفسير : وحكى النحاس عن المبرد جواز ذلك في الكلام، وقرأ أبو حيوة وإبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب "فلق الإصباح" بفعل ماض، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "وجاعل الليل" وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "وجعل الليل"، وهذا لما كان "فالق" بمعنى الماضي فكأن اللفظ "فلق الإصباح" وجعل، ويؤيد ذلك نصب {الشمسَ والقمرَ}، وقرأ الجمهور "سكناً" وروي عن يعقوب "ساكناً" قال أبو عمرو الداني ولا يصح ذلك عنه، ونصبه بفعل مضمر إذا قرأنا "وجاعل" لأنه بمعنى المضي، وتقدير الفعل المضمر وجاعل الليل يجعله سكناً، وهذا مثل قولك هذا معطي زيد أمس درهماً، والذي حكاه أبو علي في هذا أن ينتصب بما في الكلام من معنى معطي، وقرأ أبو حيوة "والشمسِ والقمرِ" بالخفض عطفاً على لفظ "الليل" و {حسباناً} جمع حساب كشهبان في جمع شهاب، أي تجري بحساب، هذا قول ابن عباس والسدي وقتادة ومجاهد، وقال مجاهد في صحيح البخاري المراد حسبان كحسبان إلى حي وهو الدولاب والعود الذي عليه دورانه.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَالِقُ} الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة، أو خالق أو هو الشقاق الدائر فيها، {يُخْرِجُ الْحَىَّ} السنبلة الحية من الحبة الميتة والنخلة الحية من النواة الميتة، والحبة والنواة الميتتين من السنبلة والنخلة الحيتين، أو الإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، قاله ابن عباس ـ رضي الله ـ تعالى ـ عنهما ـ أو المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. {تُؤْفَكُونَ} تصرفون عن الحق.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الله فالق الحب والنوى} لما تقدم الكلام على تقرير التوحيد وتقرير النبوة، أردفه بذكر الدلائل على كمال قدرته وعلمه وحكمته تنبيهاً بذلك على أن المقصود الأعظم هو معرفة الله سبحانه وتعالى بجميع صفاته وأفعاله وأنه مبدع الأشياء وخالقها ومن كان كذلك كان هو المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها وتعريفاً منه خطأ ما كانوا عليه من الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى: أن الذي يستحق العبادة دون غيره هو الله الذي فلق الحب عن النبات والنواة عن النخلة. وفي معنى فلق قولان: أحدهما: أنه بمعنى خلق ومعنى الآية على هذا القول: "أن الله خالق الحب والنوى" وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه وبه. قال الضحاك ومقاتل: قال الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب فاطر. وأنكر الطبري هذا القول وقال لا يعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى خلق. ونقل الأزهري عن الزجاج جوازه فقال: وقيل الفلق الخلق، وإذا تأملت الخلق، تبين لك أن أكثره عن انفلاق ومعنى هذا الكلام أن جميع الأشياء كانت قبل الوجود في العدم فلما أوجدها الله تعالى وأخرجها من العدم إلى الوجود فكأنه فلقها وأظهرها. والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن الفلق هو الشق ثم اختلفوا في معناه على قولين: أحدهما: وهو مروي عن ابن عباس قال: فلق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة وهو قول الحسن والسدي وابن زيد. قال الزجاج: بشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورقاً أخضر. والقول الثاني: وهو قول مجاهد إنه الشقان اللذان في الحب والنوى والحب هو الذي ليس له نوى كالحنطة والشعير والأرز وما أشبه ذلك والنوى جمع نواة وهي ما كان على ضد الحب كالرطب والخوخ والمشمش وما أشبه ذلك ومعنى قوله: {فالق الحب والنوى} أنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مر على ذلك قدر من الزمان أظهر الله تبارك وتعالى من تلك الحبة ورقاً أخضر ثم يخرج من ذلك الورق سنبلة يكون فيها الحب ويظهر من النواة شجرة صاعدة في الهواء وعروقاً ضاربة في الأرض فسبحان من أوجد جميع الأشياء بقدرته وإبداعه وخلقه. وقوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} قال ابن عباس: في رواية عنه: يخرج من النطفة بشراً حياً ويخرج النطفة الميتة من الحي وهذا قول الكلبي ومقاتل. قال الكلبي: يخرج النسمة الحية من النطفة الميتة ويخرج الفرخة من البيضة ويخرج النطفة الميتة والبيضة الميتة من الحي. وقال ابن عباس في رواية أخرى: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن فجعل الإيمان بمنزلة الحياة والكفر بمنزلة الموت وهذا قول الحسن. وقيل: معناه يخرج الطائع من العاصي والعاصي من الطائع. وقال السدي: يخرج النبات من الحب والحب من النبات وهذا اختيار الطبري لأنه قال عقب قوله {إن الله فالق الحب والنوى}. فإن قلت كيف قال ومخرج الميت من الحي بلفظ اسم الفاعل بعد قوله {يخرج الحي من الميت} وما السبب في عطف الاسم على الفعل. قلت: قوله {ومخرج الميت من الحي} عطف على قوله: {فالق الحب والنوى} وقوله: {يخرج الحي من الميت} كالبيان والتفسير لقوله {فالق الحب والنوى} لأن فلق الحب والنوى واليابس وإخراج النبات والشجر منه من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي من النبات في حكم الحيوان وقوله {ذلكم الله} يعني ذلكم الله المدبر الخالق الصانع لهذه الأشياء المحيي المميت لها {فأنى تؤفكون} يعني فأنى تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء كلها وفيه دليل أيضاً على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب قوله تعالى: {فالق الإصباح} أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده والإصباح مصدر سمي به الصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح واحد وهما أول النهار. فإن قلت ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح، والظلمة هي التي تنلفق بالصبح فما معنى ذلك؟ قلت ذكر العلماء فيه وجوهاً: الأول: أن يكون المراد فالق ظلمة الصبح وذلك لأن الصبح صبحان: فالصبح الأول هو البياض المستطيل الصاعد في الأفق كذنب السرحان وهو الذئب ثم تعقبه ظلمة بعد ذلك ويسمى هذا الصبح الفجر الكاذب لأنه يبدو في الأفق الشرقي ثم يضمحل ويذهب ثم يطلع بعده الصبح الثاني، وهو الضوء المستطير في جميع الأفق الشرقي ويسمى الفجر الصادق لأنه ليس بعده ظلمة والحاصل من هذا أن يكون المعنى: فالق ظلمة الصبح الأول بنور الصبح الثاني. الوجه الثاني: أنه تعالى كما شق ظلمة الليل بنور الصباح فكذلك يشق نور الصبح بضياء النهار فيكون معنى قوله: {فالق الإصباح} أي فالق الصباح بنورالنهار. الوجه الثالث: أن يراد فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل الذي يلي الصبح. الوجه الرابع: أن يكون المعنى فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر إذا انصدع الفجر وانفلق وسمي الفجر فلقاً بمعنى مفلوق. الوجه الخامس: الفلق بمعنى الخلق يعني خالق الإصباح. وعلى هذا القول يزول الإشكال. والصبح هو الضوء الذي يبدو أول النهار. والمعنى أنه تعالى مبدي ضوء الصبح وخالقه ومنوره. وقوله تعالى: {وجعل الليل سكناً} السكن ما سكنت إليه واسترحت به. يريد أن الناس يسكنون في الليل سكون راحة لأن الله جعل الليل لهم كذلك. قال ابن عباس: إن كل ذي روح يسكن فيه لأن الإنسان قد أتعب نفسه في النهار فاحتاج إلى زمان يستريح فيه ويسكن عن الحركة وذلك هو الليل {والشمس والقمر حسباناً} يعني أنه تعالى قدر حركة الشمس والقمر في الفلك بحسبان معين. قال ابن عباس: يجريان إلى أجل جعل لهما يعني عدد الأيام والشهور والسنين وقال الكلبي منازلهما بحسبان لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية من الأشياء التي خلقها بقدرته وكمال علمه وهو المراد بقوله {تقدير العزيز العليم} فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه. قوله عز وجل: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} جعل هنا بمعنى خلق يعني والله الذي خلق لكم هذه النجوم أدلة لتهتدوا بها إذا ضللتم الطريق وتحيرتم فيه، فامتنّ الله على عباده بأن جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في المسالك والطرق في البر والبحر إلى حيث يريدون ويستدلون بالنجوم أيضاً على القبلة فيستدلون على ما يريدون في النهار بحركة الشمس وفي الليل بحركة الكواكب ومن منافعها أيضاً أنه تعالى خلقها زينة للسماء ورجوماً للشياطين كما قال:{أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين}تفسير : [الملك: 5] {قد فصلنا الآيات} يعني قد بيّنا الآيات الدالة على توحيدنا وكمال قدرتنا {لقوم يعلمون} أن ذلك مما يستدل به على وجود الصانع المختار وكمال علمه وقدرته. قوله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني والله الذي ابتدأ خلقكم أيها الناس من آدم عليه السلام فهو أبو البشر كلهم وحواء مخلوقة منه وعيسى أيضاً لأن ابتداء خلقه من مريم وهي من بنات آدم فثبت أن جميع الخلق من آدم عليه السلام {فمستقر ومستودع} قرئ فمستقر بكسر القاف وفتحها. يقال: قر في مكانه واستقر فمن كسَر القاف قال: المستقر بمعنى القارّ. والمعنى: منكم مستقر يعني في الأرحام. ومن فتح القاف جعله مكاناً فالمستقر نفس المقر فيكون المعنى لكم مقر. وأما المستودع فهو مثل أودع فيجوز أن يكون اسماً للإنسان الذي استودع ذلك المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه. فمن قرأ فمستقر بفتح القاف جعل المستودع مكاناً، والمعنى: فلكم مكان استقرار ومكان استيداع ومن كسر القاف جعل المعنى منكم مستقر ومنكم مستودع يعني منكم من استقر ومنكم من استودع والفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، لأن المستقر من القرار والمستودع معرض لأن يرد. ولهذا اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذين اللفظين فروي عن ابن عباس أنه قال المستقر في أرحام الأمهات والمستودع في أصلاب الآباء ثم قرأ {أية : ونقر في الأرحام ما نشاء}تفسير : [الحج: 5] ويؤيد هذا القول أن النطفة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في بطن الأم زماناً طويلاً، ولما كان المكث في بطن الأم أكثر من صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب. وروي عنه أنه قال: بالعكس يعني أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم. ووجه هذا القول، أن النطفة حصلت في صلب الأب قبل رحم الأم فوجب حمل المستقر على الصلب والمستودع على الرحم. وقال ابن مسعود: المستقر في الرحم إلى أن يولد والمستودع في القبر إلى أن يبعث وقال مجاهد: المستقر على ظهر الأرض في الدنيا لقوله: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : [البقرة: 36] والمستودع عند الله في الآخرة. وقال الحسن: المستقر في القبر والمستودع في الدنيا وكان يقول يا ابن آدم أنت مستودع في أهلك إلى أن تلحق بصاحبك يعني القبر وقيل المستودع في القبر والمستقر إما في الجنة والنار، لأن المقام فيهما يقتضي الخلود والتأبيد {قد فصلنا الآيات} قد بينّا الدلائل الدالة على التوحيد بالبراهين الواضحة والحجج القاطعة {لقوم يفقهون} يعني لقوم يفهمون عن الله آياته ودلائله الدالة على توحيده لأن الفقه هو الفهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}، هذا ابتداءُ تنبيهٍ على العبرة والنظَرِ، ويتصلُ المعنَىٰ بما قبله؛ لأن المقصد أنَّ اللَّه فالقُ الحبِّ والنوَىٰ لا هذه الأصنامُ، قال قتادة وغيره: هذه إشارة إلى فعل اللَّه سبحانه في أنّ يشُقَّ جميع الحَبِّ عن جميع النباتِ الذي يكُونُ منه، ويشُقُّ النوَىٰ عن جميع الأشجار الكائِنَة مِنه. وقوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ...} الآية: قال ابن عباس وغيره: الإشارة إلى إخراج الإنسان الحيِّ من النطفة الميِّتة، وإخراج النطفة الميِّتة من الإنسان الحيِّ، وكذلك سائرُ الحيوان من الطَّير وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكُـمُ ٱللَّهُ} ٱبتداءٌ وخبَرٌ متضمِّن التنبيه، {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}، أي: تُصْرَفُون وتُصَدُّون، و {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ}، أي: شَاقُّه ومُظْهره، والفَلَقُ: الصُبح، و {حُسْبَاناً}: جمع حسابٍ، أي: يجريان بحسَابٍ، هذا قول ابنِ عباس وغيره، وقال مجاهد في «صحيح البخاريِّ»: المرادُ بحُسْبَان كحسبان الرحَىٰ، وهو الدَّوْلاَب والعُودُ الذي عليه دَوَرانه. وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...} الآية: هذه المخاطبةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، والحُجَّةُ بها على الكافرين قائمةٌ، والعبرة بها للمؤمنين متمكَّنة.

ابن عادل

تفسير : لما قرر التَّوحْيد وأرْدَفَهُ بتَقْرير أمر النُّبُوَّةِ، وتكلَّم في بعض تفَاريع هذا الأصْل، عاد إلى ذِكْرِ الدَّلائل الدَّالَّةِ على وجُود الصَّانِع، وكمال قدرته، وحِكْمَتِه، وعلمه، تَنْبِيهاً على أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ من جميع المَبَاحِثِ العَقْلِيَّة، والنقلية: مَعْرِفَةُ الله بذاته، وصِفَاتِهِ، وأفعاله. قوله: "فَالِقُ الحَبِّ": يجوز أن تكون الإضافة مَحْضَةً، على أنَّها اسم فاعل بمعنى الماضي؛ لأنَّ ذلك قد كان، ويَدُلُّ عليه قراءة عبد الله: "فَلَقَ" فعلاً ماضياً، ويجُوز أن تكون الإضافةَ غير مَحْضَةٍ، على أنه بِمَعنْى الحال والاستقبال، وذلك على حِكَاية الحال؛ فيكون "الحَبِّ" مجرُورَ اللَّفْظِ منصوب المحلِّ، و "الفَلْقُ": هو شَقُّ للشيء، وقيده الرَّاغب بإبَانَةِ بَعْضِه من بَعْض، والفَلَق المُطْمِئنُّ من الأرض بَيْن الرَّبْوَتين و "الفَلَق" من قوله - تعالى -: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} تفسير : [الفلق:1]: ما علَّمه الله لمُوسَى - عليه السَّلام - حتى فَلَق البَحْر له. وقيل: الصُّبْح، وقيل: هي الأنْهَار المُشَار إليها بقوله - تعالى -: {أية : وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} تفسير : [النمل:61]. والفِلْقُ بالكَسْرِ بمعنى: المَفْلُوق كالنكث والنِّقْض، ومنه: "سَمِعْتُه من فِلْقٍ منه". وقيل: الفِلْقُ العَجَبُ [وقيل: ما يُتَعَجَّبُ منه. قال الرَّاجِز في ذلك: [الرجز] شعر : 2254- وَاعَجَباً لهذه الفَليقَهْ هَلْ تُذْهِبَنَّ القُوَباءَ الرِّيقَهْ] تفسير : والفالِقُ والفَليق: ما بين الجَبَلَيْنِ، وما بَيْن السَّنَامَيْنِ البعير. وفسَّر بعضهم "فالق" هنا، بمعنى: "خَالِق". قيل: ولا يُعْرَفُ هذا لُغَةً، وهذا لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لأن هذا مَنْقُولٌ عن ابْن عباس، والضَّحَّاك أيضاً، لا يُقال ذلك على جِهَةِ التَّفْسير للتقريب؛ لأن الفرَّاء نقل في اللُّغَة: أن "فَطَرَ وخَلَقَ وفَلَقَ" بمعنى وَاحِد. [و "النَّوَى"]: اسم جِنْس، مُفْرَد "نواة"، على حدّ "قَمْح وقَمْحَة"، والنَّوَى: البُعْد أيْضاً. ويُقال: نوت البُسْرَةُ وأنْوَتْ، فاشتدَّت نَوَاتُهَا، ولام "النَّواة" بانقلاب عَيْنِها واواً والأكثر التَّغَاير. فصل في معنى الآية قال ابن عبَّاس, والضَّحَّاك، ومُقاتِل: {فالِقُ الحَبِّ والنَّوَى}: خَالِقُ الحَبِّ. قال الواحدي: ذّهّبُوا بـ "فالق" مَذهب "فاطر"، وقد تقدَّم عن الفرَّاءِ نَقْلُه ذلك لُغَةً. وقال الحسن، وقتادة، والسُّدِّيُّ: معناه: الشَّق، أي: يشق الحَبَّة من السُّنْبُلَةِ، والنَّواة عن النَّخْلَةِ، فيخرجُهَا مِنها. وقال الزَّجَّاج: يَشُقُّ الحبة اليَابِسَة، والنُّواة اليَابِسَة، فيُخْرِجُ منها وَرَقاً أخْضَرَ. وقال مُجَاهد: يعني الش‍َّقَّيْنِ اللذين فيهما، أي: يَشُقُّ الحبَّ عن النَّباتِ، ويخرجُه مِنْهُ ويشقُّ النَّوَى عن النَّخْلِ، ويُخْرِجُهَا منها، و "الحب" جمع "حبَّة"، وهو اسمٌ لجميع البُذُورِ والحُبُوب من البُرِّ، والشَّعير، والذُّرَة، وكل ما لَمْ يُؤكَل حَبَّا، كالتَّمْرِ والمشمشِ، والخوخ، ونَحْوها. وقال ابن الخطيب: إن الشيء قبل دُخُوله في الوُجُودِ، كان مَعْدُوماً مَحْضاً، ونَفْياً صِرْفاً، فإذا أخْرَجَهُ المُوجِدُ من العدم إلى الوُجُود, فكأنَّه بحسب التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّم، شَقَّ ذّلِكَ العَدَمِ، وفَلَقَهُ، وأخْرَج ذلك المُحْدَثَ من ذَلِكَ الشَّقِّ، فبهذا التَّأويل لا يَبْعد حَمْلُ الفَالِق على المُوجِدِ، والمُحْدِث المُبْدِع. فإذا عَرَفْت ذلك فَنَقُولُ: إذا وقَعت الحَبَّةُ، أو النَّوَاةُ في الأرْضِ الرَّطِبَةِ، ثم مَرًّ عليه مُدَّةٌ، أظْهَر اللَّه في تِلْكَ الحبَّة والنًّواة [من أعْلاَها ومن أسْفلِها شقاً آخر] أما الشَّقُّ الذي يَظْهَر في أعْلَى الحبَّة والنَّواة؛ فإنه يَخْرُج منه الشَّجْرة الصَّاعِدَة إلى الهَوَاء. وأما الشقُّ الذي أسْفَلَ تلك الحبَّة والنَّواة؛ فيكون سَبَاً لاتِّصالِ الشَّجرة الصَّاعدة في الهواء بالشَّجرة الهابِطَة في الأرض. ثم هاهُنَا عجائب: أحدها: أن طبيعَة تلك الشَّجرةِ إن كَانَتْ تَقْتَضِي الهُوِيَّ في عُمْقِ الأرض؛ فكَيْفَ تَوَلَّدَتْ منه الشَّجَرة الصَّاعِدة في الهواء، وإن كانت تَقْتَضِي الصُّعُودَ في الهَوَاء؛ فكيف تولدت مِنْهَا الشَّجرة الهابِطَة في الأرْضِ، فلما تولَّدت منها هاتان الشَّجرتان، مع أن الحسَّ والعَقْلَ يَشْهَد بكون طَبيعَة إحْدَى الشَّجَرتَيْن مُضَادُّ لِطَبيعَةِ الشَّجَرَةِ الأخرى؛ علمنا أنَّ ذلك لَيْس بِمُقْتَضَى الطَّبْعِ والخَاصيَّة، بل بِمُقْتَضَى الإبْداع، والإيجاد، والتَّكْوين، والاخْتِرَاع. وثانيها: أن باطِنَ الأرْضِ صلْبٌ كَثيفٌ لا تَنْفُذُ المَسَلَّة القويَّة فيه، ولا يَغُوصُ السِّكِّين الحادَّةُ القوي فيه، مع أنّا نشاهد أطْرافَ تِلْكَ العُرُوقِ في غايَة الرِّقَّةِ واللَّطافَةِ، بحيث لو دلكها الإنْسَان بأصْبُعِهِ بأدنى قُوَّةٍ، لصَار كالمَاء، ثم إنها مع غَايَة لَطَافتها تَقْوَى على النُّفُوذ في تِلْك الأرْضِ الصَّلْبَة، والغَوصِ في باطِن تِلْكَ الأجْرَام الكَثِيفَة، فحُصُول هذه القُوَّة الشَّديدة لِهذا الأجْرَامِ التي في غَايَةِ اللَّطَافةِ، لا بُدَّ وأن يكون بِتَقْديرِ العَزيزِ الحَكِيم. وثالثها: أنه يَتَوَلَّدُ من تِلْك النَّوَاة شَجَرَةٌ، ويَحْصُل في تلك الشَّجَرَة طَبَائِعُ مُخْتَلِفَة؛ فإن قشْرِ الخشبة له طَبيعَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وفي داخل تلك القشرة جِرْمُ الخَشَبة، وفي دَاخلِ تلك [الخشبة] جسمٌ رَخْوٌ لطيف يُشْبِهُ العِهْنَ المَنْفُوش، ثم إنه يَتَولَّدُ من سَاقِ الشَّجَرة أغُصَانها، ويتولَّدُ من الأغْصَان الأوْرَاقُ، والأزهار، والأنْوَار، ثانياً، ثم الفَاكِهَةُ ثَالِثاً، ثم قد يَحْصُل للفاكَهِةَ أرْبَعة أنْواع من القُشُورِ كالجَوْزِ واللَّوز، فإن قِشْرَه الأعلى هو الجِرْمُ الأخْضر، وتحته جِرْمُ القِشْر الذي يُشْبِه الخَشَبَ، وتحت القِشْر الَّذي كالغِشَاءِ الرَّقِيق المحيط باللُّبِّ، وذلك اللُّبُّ مُشْتَمِلٌ على جِرْم كَثِيف هو أيْضاً كالقِشْرَةِ، وعلى جِرْم لَطِيفٍ هو كالُّدهْنِ، وهو المَقْصُود الأصْلِيُّ؛ فَتَوَلَّدُ هذه الأجْسَام المُخْتَلِفَة في طَبَائِعها، وصِفَاتِهَا، وألْوَانها، وأشْكَالِها، وطُعُومِها، مع تساوي تأثيرات الطَّبائع، والفُصُول الأربعة، والطَّبائع الأربَع، يَدُلُّ على أنَّها إنما حَدَثَتْ بِتَدْبِير العَلِيم، الحكيم، المُخْتَار، القَادِر، لا بتدبير الطَّبائع والعَنَاصِر. ورابعها: أنَّك قد تجد الطَّبائع الأرْبَعة حَاصِلَةً في الفَاكِهَة الواحِدة، فالأتْرُجُّ: قِشْرُه حَارُّ يَابِسٌ، ولَحْمُه بارِدٌ رَطْبٌ، وحَمَاضُهُ بارد يَابِسٌ، وبذره حَارُّ يَابِسٌ، وكذلك العِنبُ: قِشْرُهُ وعَجمه بارد يَابِس، وماؤُه ولَحْمهُ حَارٌّ رَطْبِ؛ فَتَولُّدُ هذه الطَّبائِعِ المُتَضَادَّةِ، والخَوَاصِّ المُتَنَافِرة عن الحبَّة الواحدة، لا يَكُوْن إلا بإيجاد الفَاعِل المُخْتَار. وخامسها: أنَّك تجد أحْوَال الفَوَاكهِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضها يَكُون اللُّبُّ في الدَّاخلِ، والقشر في الخَارج كما في الجَوْزِ واللَّوزِ، وبَعْضُها تكون الفَاكِهَة في الخَارِجِ، وتكون الخَشَبَة في الدَّاخِل، كالخَوْخ والمِشْمِش، وبَعْضُها تكون النَّوَاةُ لها لُبُّ كالَمِشْمِش، والخَوْخ، وبَعْضُها لا لُبَّ له كَنَوى التَّمْرِ، وبَعْضُ الفَوَاكه لا يكُون لَهُ من الدَّاخلِ والخَارج قشر، بل يكون مطلوباً [كالتين] فهذه أحوال مُخْتَلِفَةٌ في الفواكه. وأيضاً الحُبُوب المُخْتَلِفَة في الأشْكَالِ والصُّورِ, فَشَكْل الحِنْطَةِ كأنَّها نِصْفُ دَائِرِةٍ، وشكل الحمّص على وَجْه آخر، فهذه الأشْكَال المُخْتَلِفَة، لا بُدَّ وأن تكون لأسْرار وحكم علم الخَالِق أنَّ تركِيبَها لا يكمل إلاَّ على هذا الشَّكْلِ. وأيضاً: فقد تكون الثَّمَرَةُ الواحدة غذاءً لحيوان، وسُمَّاً لحيوان آخر؛ فاخْتلافُ هذه الصِّفاتِ والأحوال، مع اتِّحاد الطَّبائعِ، وتأثير الكواكب، يَدُلُّ على أنَّها إنَّما حصلت بتخليق الفاعِل المُخْتَار، الحكيم. وسادسها: أنَّك تَجِدُ في الوَرَقَةِ الوَاحِدَة من أوْرَاقِ الشَّجَرَة خطاً واحداً مُسْتَقيماً في وَسطها، كأنَّه بالنّسْبَة لتِلْك الوَرَقَةِ، كالنُّخَاعِ بالنِّسْبَة إلى بَدَن الإنْسان، فكأنه يَتَفرَّقُ من النُّخَاع أعْصابٌ كَثِيرَة يَمْنَةً ويَسْرَةً في بَدَن الإنْسان، ثمَّ لا يزال يَنْفَصِلُ عن شُعَبِهِ شُعَبٌ أخرى, ولا تَزَال تَسْتدقُّ حتى تَخْرُج عن الحِسِّ والإبْصَارِ لدقّتها، فكذلك في تلك الورقة ينفصل عن ذلك الخَطِّ الكبير الوَسطانِيِّ خُيُوطٌ مختلفة، وعن كلِّ مِنْهُمَا خيوطٌ أخرى أدَقُّ من الأولى، ولا تَزَالَ كذلك حتَّى تخرج تِلْكَ الخُيُوطُ عن الحسِّ والبَصَرِ. والخالق - تعالى - إنَّما فعل ذلك، حتَّى أن القُوَى الجاريَةَ المَذْكُورةَ في جِرْم تِلْك الوَرَقَة، تقوى على جَذْبِ الأجْزَاء اللَّطيفة الأرْضيَّة في تلك المَجَاري الضيّقة، فالوُقُوفُ على عِنَايَة حِكْمَةِ الخَالِق في اتِّحادِ تلك الوَرَقَةِ الواحِدَة، واخْتِلاف أشْكالِ الأوْرَاقِ؛ تُؤذِنُ أنَّ عِنَايَتَه في اتِّحادِ حِكْمَة الشَّجرة أكْمَل. وإذا عرَفْتَ أنَّه - تبارك وتعالى - إنَّما خَلَق النَّبَات لِمَصْلَحَةِ الحيوان، عَلِمت أنَّ عنايته في تخليق الحيوانِ أكْمَلُ؛ ولمَّا عَلِمْتَ أن المَقْصُود من تَخْلِيق الحيوانات [هو الإنْسَانُ] عَلِمْت أن عِنَايتَه في تَخْلِيقِ الإنْسَان أكْمَلُ. ثمَّ إنه - تبارك وتعالى - لما خَلَقَ الحَيوان والنَّباتَ ليكون غذاءً ودواءً للإنْسان بِحَسَب جسدِهِ، والمَقْصُود من تَخْلِيق الإنْسَان: هو المَعْرِفَةُ، والمحبَّة، والخدمة؛ لقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56]. قوله: "يخرج" يَجُوز فيه وجهان: أحدهما: أنَّها جملة مُسْتأنَفَةٌ، فلا محَلَّ لها. والثاني: أنَّها في موضع رفع خَبَراً ثانياً، لأنَّ قوله: "مُخْرجُ" يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: انه مَعْطُوفٌ على "فَالِقِ"، ولَمْ يذكر الزَّمَخْشَريُّ غيره، أي: اللَّه فاَلِقٌ ومُخْرِجٌ، أخبر فيه بِهَذَيْن الخَبريْنِ؛ وعلى هذا فيكون "يُخْرِجُ" على وَجْهِه، وعلى كونه مُستَأنفاً فيَكُون مُعْتَرِضاً على جِهَة البيانِ لما قَبْلَه من معنى الجملة. والثاني: أنه يكون مَعْطُوفاً على "يُخْرِجُ"، وهل يَجْعَل الفعل في تأويل اسْم [ليصِحَّ عطف الاسْمِ عليه، أو يجعل الاسمُ بتأويل الفِعْلِ؛ ليصِحَّ عَطْفُه عَليْه؟ احتمالاًن مَبْنِيَّان على ما تقدَّمَ في "يُخْرِجُ". إن قلنا: إنه مُسْتأنفٌ فهو فِعْلٌ غير مُؤوَّل باسم؛ فَيُرَد‍ُّ الاسم إلى مَعْنَى الفِعْل، فكأن "مُخْرِج" في قُوَّة "يُخْرج". وإن قُلْنَا: إنه خبر ثان لـ "إنَّ" وهو بِتَأوِيل اسْم] واقع موقع خَبَر ثانٍ؛ فلذلك عُطِفَ عليه اسمٌ صريحٌ، ومن عَطْف الاسْمِ على الفِعْلِ لِكَوْن الفِعْلِ بتأويل اسم قَوْلُ الشَّاعِرِ في ذلك: [الطويل] شعر : 2255- فَألْفَيْتُهُ يَوْماً يُبِيرُ عَدُوَّهُ وَمُجْرٍ عَطَاءً يِسْتَخِفُّ المَعَابِرَا تفسير : وقول القائل في ذلك: [الرجز] شعر : 2256- يَار رُبَّ بَيْضَاءَ مِنَ العَوَاهِجِ أمِّ صِبِيٍّ قَدْ حَبَا أوْ دَارِجِ تفسير : وقول القائل في ذلك: [الرجز] شعر : 2257- بَاتَ يُغَشِّيها بَعَضْبٍ بَاتِر يَقْصِدُ فِي أسْوُقِهَا وَجَائِر تفسير : أي: مُبيراً، أمِّ صِبيٍّ حابٍ، قاصِدٍ. قوله: "الحَيّ" اسمٌ لما يكون موصوفاً بالحياة، و "المَيِّتُ" اسمٌ للخَالِي عن صفة الحياة، وعلى هذا فالنَّبَاتُ لا يكُون حياً، وفي تَفْسِير هذا الحيِّ والميت قولان: الأول: حَمْلُ هذا اللَّفظِ على الحقيقة. قال ابن عبَّاس: أخْرَجَ من النُّطْفَةِ بَشَراً أحْيَاءَ، ثم يُخْرِجُ من البَشَرِ الحيِّ نُطْفَةً مَيِّتَةً، ويُخْرِج من البَيْضَةِ فَرُّوجَةً حيَّةً، ثم يَخْرِج من الدِّجاجَةِ بَيْضَةً مَيَّتةً. القول الثاني: يُحْمَل على المَجازِ "يخرج" النَّبَات الخَفِيّ من الحَبِّ اليَابِس، ويُخْرِج الحبَّ اليَابِس من النَّبَاتِ الحَي النَّامِي. وقال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: يخرج المُؤمِنَ من الكَافِرِ، كما في حقِّ إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - والكافر من المُؤمن، كما في حقِّ ولد نُوح - عليه الصلاة والسلام - والعاصي من المُطِيع وبالعكس. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: "الميّت" مُشدَّدَة الياء في الكَلِمَتَيْن، والباقُون بالتخفيف فيهما. قوله: {ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} قيل: معناه: ذلكم اللَّه، المُبْدِئُ، الخَالِقَ, النَّافِعُ، الضَّار، المحيي، المُمِيت، "فانَّى تُؤفَكُونَ": تُصْرَفُونَ عن الحقِّ في إثْبَات القَوْل بِعِبَادَةِ الأصْنَامِ. وقيل: المُرَاد: أنكم لمَّا شَاهَدْتُمْ أنَّه - تبارك وتعالى - يُخْرِج الحيَّ من الميَّت، ثم شَاهَدتم أنَّه أخْرَجَ البَدَنَ الحيَّ من النُّطْفِةِ المَيِّتَة، فَكيْفَ تَسْتَبْعِدُون أن يُخْرِجَ البَدَن الحيَّ من التُّرَاب الرَّمِيمِ مَرَّة أخرى، والمقْصُود: الإنْكَار على تَكْذِيبهم بالحَشْرِ والنَّشْرِ، وأيضاً الضَّدَّانِ متساويان في النِّسْبَةِ، فكما لا يمتنع الانقلابُ من أحد الضدين إلى الآخر، وجبَ ألاَّ يمتنع الانقلابُ من الثاني إلى الأوَّل، فكما لا يمتنع حُصُولُ المَوْتِ بعد الحياة، وجب أيضاً حُصُولُ الحياة بعد الموت، وعلى كِلاَ التَّقْديريْنِ، فيخرج منه جواز البَعْثِ والنَّشْرِ. فصل في إثبات خلق الأفعال لله تَمسُّكُوا بقوله: "فانَّى تُؤفَكُونَ" على أن فَعْلَ العَبْدِ ليس مخلوقاً لله - تعالى - لأنه لو خَلَق الإفْكَ فيه، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك: "فأنَّى تُؤفَكُون" والجواب: أن القُدْرَةَ بالنسبة إلى الضِّدَّيْنِ مُتساويَةٌ، فَتَرَجُّعُ أحد الطرفين على الآخر لا لمرجِّح، فحينئد لا يكون هذا الرُّجْحَانُ من الضِّدِّ، بل يكون مَحْضَ الاتفاق فكيف يحسن أن يقال له: "فأنَّى تُؤفَكُون" وأن تَوَقُّفَ ذلك المرجح على حصول مرجَّح، وهو الداعية الجَازِمَةُ إلى الفعل، فحصول تلك الدَّاعية يكون من الله - تعالى - وعند حُصُولها يجب الفعل، ويلزمكم كما ألْزَمْتُمُونا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فالق الحب والنوى} يقول: خلق الحب والنوى . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فالق الحب والنوى} قال: يفلق الحب والنوى عن النبات. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فالق الحب والنوى} قال: الشقان اللذان فيهما . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {فالق الحب والنوى} الشق الذي في النواة والحنطة . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فالق الحب والنوى} قال: فالق الحبة عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله {يخرج الحي من الميت} قال: النخلة من النواة والسنبلة من الحبة {ومخرج الميت من الحي} قال: النواة من النخلة والحبة من السنبلة . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} قال: الناس الأحياء من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فأنى تؤفكون} قال: كيف تكذبون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {فأنى تؤفكون} قال: أنى تصرفون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {فأنى تؤفكون} قال: كيف تضل عقولكم عن هذا.

ابو السعود

تفسير : {إِِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ} شروعٌ في تقرير بعضِ أفاعيلِه تعالى الدالةِ على كمال علمِه وقدرته ولطفِ صُنعِه وحِكمتِه إثرَ تقريرِ أدلةِ التوحيد، والفَلْقُ الشَقُّ بإبانةٍ، أي شاقُّ الحبِّ بالنبات والنوىٰ بالشجر، وقيل: المرادُ به الشِقُّ الذي في الحبوب والنَّوى، أي خالقُهما كذلك كما في قولك: ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيةِ ووسِّعْ أسفلَها، وقيل: الفلْقُ بمعنى الخلق، قال الواحدي: ذهبوا بفالقُ مذهبَ فاطر {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ} أي يُخرج ما ينمو من النطفة والحبِّ، والجملةُ مستأنفة مبـينةٌ لما قبلها وقيل: خبرٌ ثانٍ لأن قوله تعالى: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ} كالنطفة والحب {مِنَ ٱلْحَىّ} كالحيوان والنبات، عطفٌ على (فالقُ الحب) لا على (يُخرج) على الوجه الأول لأن إخراج الميِّتِ من الحيِّ ليس من قبـيل فلقِ الحب والنوى {ذٰلِكُمْ} القادرُ العظيمُ الشأنِ هو {ٱللَّهُ} المستحِقّ للعبادة وحده {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فكيف تُصرَفون عن عبادته إلى غيره ولا سبـيل إليه أصلاً. {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} خبرٌ آخَرُ لإن، أو لمبتدإٍ محذوفٍ والإصباحُ مصدرٌ سمِّي به الصبحُ وقرىء بفتح الهمزة على أنه جمعُ صُبْح أي فالقُ عمودِ الفجر عن بـياضِ النهار وإسفارِه، أو فالق ظلمةِ الإصباحِ وهي الغَبَشُ الذي يلي الصبحَ وقرىء (فالقَ) بالنصب على المدح {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً} يسكُن إليه التعِبُ بالنهار لاستراحته فيه من سَكَن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به أو يسكن فيه الخلقُ من قوله تعالى: {أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } تفسير : [يونس، الآية 67] وقرىء (جاعلُ الليل) فانتصابُ (سكناً) بفعل دل عليه جاعل وقيل: بنفسه على أن المرادَ به الجعلُ المستمرُّ في الأزمنة المتجددة حسَب تجدّدِها لا الجعلُ الماضي فقط وقيل: اسمُ الفاعل من الفعل المتعدِّي إلى اثنين يعمل في الثاني وإن كان بمعنى الماضي لأنه لما أُضيف إلى الأول تعيّن نصبُه للثاني لتعذّر الإضافة بعد ذلك {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} معطوفان على الليل وعلى القراءة الأخيرة قيل: هما معطوفان على محله والأحسنُ نصبُهما حينئذ بفعل مقدرٍ وقد قُرئا بالجرِّ وبالرفعِ أيضاً على الابتداء والخبرُ محذوفٌ أي مجعولان {حُسْبَاناً} أي على أدوار مختلفة يُحسبُ بها الأوقاتُ التي نيط بها العباداتُ والمعاملاتُ أو محسوبان حُسباناً، والحُسبانُ بالضم مصدرُ حسَب كما أن الحسابَ بالكسر مصدر حسَب {ذٰلِكَ} إشارة إلى جعلهما كذلك وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ رتبةِ المُشار إليه وبُعْدِ منزلتِه أي ذلك التسيـيرُ البديع {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} الغالب القاهرِ الذي لا يستعصي عليه شيءٌ من الأشياء التي من جملتها تسيـيرُهما على الوجه المخصوص {ٱلْعَلِيمِ} بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسيـيرِ من المنافعِ والمصالحِ المتعلقةِ بمعاش الخلق ومَعادِهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} [الآية: 95]. قال ابن عطاء: مظهر ما فى حبة القلب من الإخلاص والرياء.

القشيري

تفسير : موجِد ما في العالَم من الأعيانِ والآثار والرسوم والأطلال يُسَلِّط العَدَمَ على ما يريد من مصنوعاته، ويحكم بالبقاء لما يريد من مخلوقاته، فلا لحكمه ردٌّ، ولا لحقِّه جحدٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} فالق حبه محبته الازلية فى قلوب المحبين والصديقين وفلق نوى شجر انوار الازل فى فواد العارفين فتثمر ان اثمارها بلاعمال الزكية والمقامات الشريفة والحالات الرفيعة قال تعالى اصلها ثابت وفرعها فى السماء قال ابن عطا مظهر ما فى حبه القلب من الاخلاص والرياء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله فالق الحب} الفلق الشق بابانة. والحب جمع حبة وهى اسم لجميع البزور المقصودة بذواتها كالبر والشعير والذرة ونحوها والمعنى شاق الحب بالنبات اى يشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورق اخضر {والنوى} واحدتها نواة وهى الشئ الموجود فى داخل الثمر مثل نواة الخوج والمشمش والتمر ونحوها والمعنى شاق النوى بالشجر اى يشق النواة الصلبة فيخرج شجرة ذات اورقا واغصان {يخرج الحى من الميت} بيان لما قبله اى يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو من النطفة والحب {ومخرج الميت} كالنطفة والحب {من الحى} كالحيوان والنبات وهو معطوف على فالق الحب فالحى والميت مجاز عن النامى والجامد تشبيها للنامى بالحى والحى حقيقة فيما يكون موصوفا بالحياة المستتبعة للحس والحركة الارادية والميت حقيقة فيما يكون خالياً عن صفة الحياة ممن تكون الحياة من شأنه ومنهم من حمل اللفظ على الحقيقة وقال يخرج من النطفة الميتة بشراً حياً ومن الدجاجة بيضة ميتة. قال ابن عباس رضى الله عنهما يخرج المؤمن من الكافر كما فى حق ابراهيم عليه السلام والكافر من المؤمن كما فى حق ولد نوح عليه السلام والعاصى من المطيع وبالعكس والعالم من الجاهل وبالعكس والعاقل من الاحمق وبالعكس. والاشارة يخرج نخل الايمان من نوى الحروف الميتة فى كلمة لا اله الا الله ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهى لا اله الا الله {ذلكم} القادر العظيم الشأن {الله} المستحق للعبادة وحده {فأنى تؤفكون} فكيف تصرفون عن عبادته الى غيره ولا سبيل اليه اصلا. والافك فى اللغة قلب الشئ وصرفه والخطاب لكفار قريش لان السورة مكية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ومُخرج}: معطوف على {فالق}، على المختار؛ لأنَّ {يُخرج الحي} ـ واقع موقع البيان له، و {سكنًا}: مفعول بفعل محذوف، أي: جعله سكنًا، إلا أن يريد بجاعل: الاستمرار، فحينئذٍ ينصب المفعول. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الله فالق الحب والنوى} أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها، {يُخرج الحي} أي: كل ما ينمو من الحيوان والنبات؛ ليطابق ما قبله، {من الميت} مما لا ينمو كالنطف والحب. {ومُخرِج الميت من الحي} أي: ومخرج الحب والنُّطَف من الحي، {ذلكم الله} أي: ذلكم المخرج والمحيي المُميت هو الله المستحق للعبادة دون غيره، {فأَنَّى تُؤفكون}؛ تُصرفون عنه إلى غيره. {فالق الإصباح} أي: شاقّ عَمُود النهار عن ظُلمة الليل، {وجاعل الليل سكنًا} أي: يُسكن فيه من تَعَب النهار للاستراحة، {و} جعل {الشمس والقمر حُسبانًا} أي: على أدوار مختلفة، يُعلم بها حساب الأزمنة والليل والنهار، أو حُسبانًا كحسبان الرَّحا يدور بهما الفلك دورة بين الليل والنهار، {ذلك} التسيير بالحساب المعلوم، هو {تقدير العزيز العليم} الذي قهرهما بعزته، وسيرهما على ذلك السير البديع بعلمه وحكمته. الإشارة: إذا أحب الله عبدًا فلق حبة قلبه بعشقه ومحبته، وفلق نواة عقله بالتبصر في عجائب قدرته، فلا يزال قلبُه يميل إلى حضرته، وعقلُه يتشعشع أنواره بازدياد تفكره في عجائب عظمته، حتى تُشرق عليها شمس العرفان، فيفلق عمود فجرها عن ظلمة ليل وجود الإنسان، فيصير حيًّا بمعرفته، بعد أن كان ميتًا بجهله وغفلته، فيميته عن شهود نفسه، ثم يُحييه بشهود ذاته، يُخرج الحيّ من الميت ومخرج الميت من الحي، جاعل ليل العبودية سكنًا، وشمس العرفان وقمر الإيمان حسبانًا، تدور الفكرة بأنوارهما، كما يدور الفلك بالشمس والقمر الحِسيِّين ذلك تقدير العزيز العليم. ثم ذكر برهاناً آخر، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية تنبيه لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله آلهة عبدوها، وحجة عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه من عبادة الاصنام، بأن قال: إِن الذي له العبادة ومستحقها هو الله الذي فلق الحب، يعني شقه من كل ما ينبت عن النبات، فأخرج منه الزروع على اختلافها، {والنوى} من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر، والحب هو جمع حبة، والنوى جمع نواة وذلك لا يقدر عليه إِلا الله تعالى القادر بنفسه، لان القادر بقدرة لا يقدر على شق ذلك الا بآلة، ولا يقدر على انبات شيء واخراج شيء منهما، فعلم انه من فعل ذلك هو الله الذي لا يشبه شيئا من الاجسام، ولا يشبهه شيء، القادر على اختراع الاعيان بلا معاناة ولا مزاولة. ثم أخبر أنه {يخرج الحيَّ من الميت} لان الله تعالى يخلق الحي من النطفة، وهي موات، ويخلق النطفة، وهي موات من الحي، وهو قول الحسن وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال الضحاك وابن عباس: معنى {فالق الحب والنوى} خالقهما. وقال مجاهد وابو مالك: هو الشق الذي في الحبة والنوى. والاول أقوى الاقوال. وقال قوم: أراد باخراج الحي من الميت إِخراج السنبل وهي حي من الحبِّ وهو ميت، ومخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي الشجر ما دام غضا قائما بانه حي، فاذا يبس أو قطع من أصله او قلع سموه ميتا، ذهب اليه السدي والطبري والجبائي. وما ذكرناه أولا قول ابن عباس، وهو الاقوى، لانه الحقيقة. وما ذكروه مجاز، وان كان جائزا محتملا. وقوله {ذلكم الله فأنى تؤفكون} معناه أن فاعل ذلك كله الله تعالى فأنى وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون، وعن العذاب تصدفون، أفلا تتدبرون، فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم - فخلق الحب والنوى واخرج من الحي الميت، ومن الميت الحي، ومن الحب الزرع ومن النوى الشجر - شريك في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يبصر. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: إِن الله تعالى يحول بين العبد وبين ما دعاه اليه إِذ يخلق فيه ما نهاه عنه، لانه قال: فانَّى تؤفكون، ولو كان شيئا من ذلك لكان هو المؤفك لهم والصارف. تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً. ومعنى قوله {فأني تؤفكون} اي تصرفون عقولكم، وهو قول الحسن وغيره والافك هو الكذب.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} بالنّجم والشّجر او الاسلام من طينةٍ طيّبةٍ والايمان من الاسلام والكفر من طينة خبيثةٍ او الصّدر المنشرح بالاسلام من طينةٍ طيّبةٍ والقلب من ذلك الصّدر والمنشرح بالكفر من طينةٍ خبيثةٍ، او طينة المؤمن ممّا يطرؤ عليها من السّجّين وطينة الكافر ممّا يعرضها من العلّيّين، او العلم من العلماء والجهل من الجهلاء، او النّور من المستنير والظّلمة من المظلم فانّ الكلّ يسمّى حبّاً ونوىً باعتبار محبوبيّته وبعده من الخير كما اشير اليه فى الاخبار {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} خبر بعد خبر واسقط العاطف ههنا وفى قوله فالق الاصباح واتى به فى قسيم كلّ وكذا فى قوله والنّوى للاشارة الى انّ كلاًّ مع قسيمه كافٍ فى الدّلالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته وتدبيره لعباده، لانّ كلاًّ من قوله يخرج الحىّ وفالق الاصباح كأنّه كلام مستأنف غير مربوط بسابقه والمراد بالحىّ النّامى من النّبات والحيوان او ذو الحسّ والحركة من الحيوان بالميّت غيره، او المراد به المسلم والمؤمن والعالم ومقابلوهم، والعدول عن الاسم الى الفعل المضارع للاشارة الى قلّة الحىّ كأنّه قلّما يحصل اخراجه من الميّت بخلاف الميّت فانّه بكثرته كأنّه مستمرّ اخراجه {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ} اتى باسم الاشارة البعيدة للاشارة الى عظمة من كان هذه صفته {ٱللَّهُ} اى المستحقّ للآلهيّة لا ما تجعلونه آلهاً {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تصرفون وجملة ذلكم الله معترضة ان كان قوله {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ}.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى} أي ينفلق عن النبات في تفسير الحسن. وقال مجاهد: هم الشّقّان اللذان فيهما. {يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ} قال مجاهد: هي النطفة والحبة. يخرج من النطفة الميتة الخلق الحي، ويخرج من الحبّة اليابسة النبات الحي، ويخرج النطفة الميّتة من الحيّ، ويخرج الحبة اليابسة من النبات الحي. وقال الحسن: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن. {ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تُصرف عقولُكم. قوله: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} أي حين يضيء الصبح في تفسير الحسن ومجاهد. وقال الحسن: صَبَح وصَبْح وصُبْح وجماعتها الإِصْبَاح. ذكروا عن جابر بن عبد الله في قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} قال: فلق الصبح. ذكروا عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الفلق شجر في جهنم . تفسير : قوله: {وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَناً} أي يسكن فيه الخلق {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً} كقوله: (أية : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) تفسير : [الرحمن:5]. قال الحسن: به تجري. وقال مجاهد: كحسبان الرحا، وهي أيضاً تجري. وقال بعضهم: الحسبان الشيء المعلّق؛ كقوله: (أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).تفسير : [الأنبياء:33] والفلك يدور دون السماء، يجري بها الفلك وَ {يَسْبَحُونَ}: يدورون. وقال بعضهم: {حُسْبَاناً} أي ضياء. وقال الكلبي: حساب منازل الشمس والقمر، أي من قبل الحساب، كل يوم بمنزل. قال: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} أي العزيز في سلطانه، العليم بخلقه.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الله فالقُ الحبِّ والنَّوى} أى شاق الحبوب والنويات اليابسات بإخراج الورق والأغصان منها، أى يشق الحب عن النبات، والنوى عن النخل، قاله ابن عباس والزجاج والحسن والسدى وابن زيد، وقال مجاهد: شاق الحب والنوى، أى جعل فيهما الشق، وذلك هو ما يرى عن شق فى النواة وحب القمح والشعير والأرز، وهذه الأقوال قول الجمهور، وقال الضحاك ومقاتل وابن عباس فى رواية العوفى قالوا: بمعنى خالق، ونسبه الأزهرى للزجاج، وقال الطبرى: لا يعرف فالق بمعنى خالق، والحب والنوى واحدهما حبة ونواة، ولا يختص النوى بنوى التمر، بل يشمل نوى الخوخ وغيره، والحب ما يؤكل كحبة البر، وحبة الرمان، وهذا زيوع إلى تقرير أمر التوحيد ودلائله، أى أن الله يقدر على فلق الحبة والنوى، ولا تقدر عليه أصنامكم ولا غيرها، فكيف تشركون به غيره، والمستحق للعبادة هو الذى يفلق الحب والنوى لا غيره، وهو كلام لهم فى الدنيا، ودليل على صحة البعث. {يُخْرجُ الحىَّ مِنَ الميِّت ويُخْرجُ الميِّتَ مِنَ الحىِّ} فخرج ما ينمو مما لا ينمو كالحيوان من النطفة، والشجر والنبات من الحب والنوى، ويخرج ما لا ينمو مما ينمو كإخراج الحب والنوى والنطفة والنبات والشجر والحيوان، والجملة بيان لقوله: {إن الله فالق الحب والنوى} ولذلك فصلت ولم توصل بالعطف، ولذلك فسرت الحى بما ينمو، والميت بما لا ينمو عموماً هكذا على عموم المجاز لا جمعاً بين الحقيقة والمجاز. ولما لم يكن مخرج الميت من الحى بياناً لفلق الحب والنوى، لأن فلق الحب إخراج للحى من الميت لا إخراج للميت من الحى، لم يكن بصبغة الفعل، فعطف مخرج على فالق، وقيل: المراد مخرج الحيوان من ميت كنطفة وبيضة، ومخرج الميت من الحى كنطفة وبيضة من حيوان، وبذلك قال ابن عباس والكلبى ومقاتل، وعن ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وقيل: المطيع من العاصى، والعاصى من المطيع، وفى الآية ما مر فى سورة آل عمران، وسكن الياء غير نافع والكسائى وحمزة وحفص عن عاصم فى لفظ الميت فى الموضعين. {ذلِكُم} أى ذلكم الفالق للحب المخرج الحى من الميت، المخرج الميت من الحى {الله} المستحق للعبادة لا الشركاء الذين لا يقدرون على ذلكم {فأنَّى تُؤْفكُون} تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} شاقهما بالإِنبات، فهو الذى يستحق العبادة لا مالا يفعل ذلك، وهذا أَيضاً دليل للبعث، والحب مالا نواة له كالبر والشعير والبصل والثوم. والنوى كنوى التمر ونوى الزيتون ونوى الخوخ، يشق ذلك عن النبات، وليس المراد أَنه جاعل الشق فى حب البر وفى نوى التمر، كما قيل إِن الأَول أَفيد وأَدل على البعث، إِلا أَن يراد جاعل الشق فيهما للنبات فيرجع إِلى ما ذكر، إِلا أَن نواة الثمر ينبت الورقة من نقيرها لا من شقها، فنقول شقها نقيرها وشق نواة الخوخ والمشمش من الجهة التى هى كالمتلاصقين ومنها النبات، وإِذا أَطلق النوى فنوى التمر فالأَولى ما ينبته، وإِذا أُريد غيره قيد فقيل مثلا نوى الخوخ، وقدم الحب لأَنه كثير المنافع وأَصل الأَغذية، والحب ما يقصد بالذات كالبر والشعير والحمص، والنوى ما ليس كذلك، فظاهره أَن بذر البصل والثوم والقثاء والجزر واللفت ونحوه يسمى نوى ولا يعهد ذلك ويقال فالق بمعنى خالق، وهو مروى عن ابن عباس والضحاك. وفالق للماضى أَى هو الذى فلق ما رأَيتم من الحب والنوى عن النبات، أَو للاستمرار {يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ} الحى ما ينمو من الحيوان والنبات، ومنه المرجان والأَحجار التى تنمو، والميت مالا ينمو كالنطفة والبيضة والحبة والنواة، ويخرج منه ما ينمو كورق الحبة والنواة، وما يتولد من النطفة والبيضة والماء. وفى جمع بين الحقيقة والمجاز، ويتلخص عن ذلك بدعوى عموم المجاز، بأَن يراد مطلق ما ينمو ومالا ينمو، أَو الحى الحيوان والميت ما يتولد الحيوان منه كالنطفة والبيضة والماء، أَو الحى الحيوان والميت ما مات بعد حياة، وبحث فى هذا بأَن الجملة بيان لفلق الحب والنوى ولذلك لم تعطف، وهى فى الوجه الأَخير لا تصلح بياناً له، وقوله {وَمُخْرِجُ الميِّتِ مِنَ الحَىِّ} فإِنه لا يصلح بياناً له فعطف على فالق لا على يخرج الذى هو بيان كما هو قول مشهور، وذلك بأَن نؤول مخرج بيخرج على أَن يخرج مستأَنف، أَو نؤول يخرج بمخرج على أَن يخرج الحى خبر ثان لإِن، والميت النطفة والبيضة والحى ما يتولد منهما، ولا يقال يتعين العطف على يخرج بدليل قوله تعالى فى الآية الأُخرى "أية : يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى"تفسير : [الروم: 19] لأَنا نقول: الآية الأُخرى لا مانع فيها من العطف، إِذ ليست بياناً لما قبله، وعلى كل حال كان يخرج الحى بصيغة الفعل المضارع ليكون أَدل على التكرار المشاهد المستحضر، وقدم إِخراج الحى لأَنه أَعظم فى القدرة ولأَنه أَنسب بالستدلال على البعث، ولأَن فائدته أَزيد، ولأَنه أَسبق، ولأَن الاعتناءَ به أَكثر، وذلك أَنسب بالمقام من قولك: المراد المسلم من الكافر كإبراهيم من آزر والكافر من المؤمن كولد نوح الآوى إِلى الجبل {ذَلِكُمْ} اسم إِشارة يعود إِلى الله، كما جاءَ فيه لفظ ذلك فى قوله تعالى "أية : أَليس ذلك بقادر" تفسير : [القيامة: 40] ويجوز فى الكلام ذلك بكسر الكاف أَيضاً وذلكما وذلكن، كما فى غير الله، ولا يجوز فى الله عز وجل أَن يقال: هذا أَو ذاك أَو هذاك لعدم الورود، ولو كان اسم الإِشارة فى ذلك كله واحد وهو لفظ ذا، لكن على معنى من فعل كذا وكذا فهو الله، والمعنى ذلكم الفالق المخرج {اللهُ} فهو لفعله ذلك مستحق للعبادة {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} كيف تصرفون، أَو مِن أَى وجه تصرفون عن الإِيمان به وعبادته إِلى الإِيمان بغيره وعبادة غيره مع قيام البرهان على أُلوهيته وتوحيده. واستدل به بعض المعتزلة بأَن الله عزو جل وسبحانه وتعالى لم يخلق فعل العبد وإِلا لم يقل له أَنى يؤفكون، وذلك خطأ منهم، قبحهم الله، فإِن المعنى إِنكار لياقة صرفهم عن الإِيمان مع تيسير أَدلته وفهمها.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } شروع في تقرير بعض أفاعيله تعالى العجيبة الدالة على كمال علمه تعالى وقدرته ولطيف صنعه وحكمته إثر تقرير أدلة التوحيد، وفي ذلك «تنبيه على أن المقصود [الأصلي] من جميع المباحث العقلية والنقلية وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأفعاله سبحانه». والفالق الموجد والمبدع كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك والحب معلوم. والنوى جمع نواة التمر كما في «القاموس» وغيره يؤنث ويذكر ويجمع على أنواء ونوى بضم النون وكسرها. وفسره الإمام بالشيء الموجود في داخل الثمرة بالمثلثة أعم من التمر بالمثناة وغيره، والمشهور أن النوى إذا أطلق فالمراد منه ما في «القاموس» وإذا أريد غيره قيد فيقال: نوى الخوخ ونوى الإجاص ونحو ذلك. وأصل الفلق الشق. وكان إطلاق الفالق على الموجد باعتبار أن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق فمتى أوجد الشيء تخيل الذهن أنه شق ذلك العدم وفلقه وأخرج ذلك المبدع منه، وعن الحسن وقتادة والسدي أن المعنى شاق الحبة اليابسة ومخرج النبات منها وشاق النواة ومخرج النخل والشجر منها وعليه أكثر المفسرين ولعله الأولى. وفي ذلك دلالة على كمال القدرة لما فيه من العجائب التي تصدح أطيارها على أفنان الحكم وتطفح أنهارها في رياض الكرم. وعن مجاهد وأبـي مالك أن المراد بالفلق الشق الذي بالحبوب وبالنوى أي أنه سبحانه خالقهما كذلك كما في قولك: ضيق فم الركية ووسع أسفلها. وضعف بأنه لا دلالة له على كمال القدرة كما في سابقه. {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ} أي يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات والشجر مما لا ينمو من النطفة والحب والنوى. والجملة مستأنفة مبينة لما قبلها على ما عليه الأكثر ولذلك ترك العطف وقيل: خبر ثان ولم يعطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على عظمة الله تعالى {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ} كالنطفة وأخويها {مِنَ ٱلْحَىّ } كالحيوان وأخويه، وهذا عند بعض عطف على {فَالِقُ } لا على {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ } الخ لأنه كما علمت بيان لما قبله وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه. واختار ابن المنير كونه معطوفاً على {يَخْرُجُ } قال: «وقد وردا جميعاً بصيغة المضارع كثيراً وهو دليل على أنهما توأمان مقترنان وهو يبعد القطع، فالوجه والله تعالى أعلم أن يقال: كان الأصل أن يؤتى بصيغة اسم / الفاعل أسوة أمثاله في الآية إلا أنه عدل عن ذلك إلى المضارع في هذا الوصف وحده إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع وذلك إنما يتأتى بالمضارع دون اسم الفاعل والماضي ألم تر { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً } تفسير : [الحج: 63] كيف عدل فيه عن الماضي المطابق لأنزل لذلك، وقوله: شعر : بأني قد لقيت الغول يسعى بسهب كالصحيفة صحصحان فآخذه وأضربه فخرت صريعاً لليدين وللجران تفسير : فإنه عدل فيه إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته واستحضارها لذهن السامع إلى ما لا يحصى كثرة، وهو إنما يجيء فيما تكون العناية فيه أقوى، ولا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه وهو أيضاً أول الحالين والنظر أول ما يبدأ فيه ثم القسم الآخر ناشىء عنه فكان الأول جديراً بالتصوير والتأكيد في النفس ولذلك هو مقدم أبداً على القسم الآخر في الذكر حسب ترتبهما في الواقع، وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه أن اسم الفاعل في معنى المضارع وكل منهما يقدر بالآخر فلا جناح في عطفه عليه». وقال الإمام في وجه ذلك الاختلاف: «إن لفظ الفعل يدل على أن الفاعل معتن بالفعل في كل حين وأوان، وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة، ويرشد إلى هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» من أن قوله سبحانه: { أية : هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [فاطر: 3] قد ذكر فيه الرزق بلفظ الفعل لأنه يفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة، وقوله عز شأنه { أية : وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ } تفسير : [الكهف: 18] قد ذكر فيه الاسم ليفيد البقاء على تلك الحالة، وإذا ثبت ذلك يقال: لما كان الحي أشرف من الميت وجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي، فلذا وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل وعن الثاني بصيغة الاسم تنبيهاً على أن الإعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي». ثم العطف لاشتمال الكلام به على زيادة لا يضر بكون الجملة بياناً لما تقدم كما لا يضر شمول الحي والميت في الجملة المعطوف عليها للحيوان والنبات فيه. وأياً ما كان فلا بد من القول بعموم المجاز أو الجمع بين المجاز والحقيقة على مذهب من يرى صحته إن قلنا: إن الحي حقيقة فيمن يكون موصوفاً بالحياة وهي صفة توجب صحة الإدراك والقدرة والميت حقيقة فيمن فارقته تلك الصفة أو نحو ذلك. وأن إطلاقه على نحو النبات والشجر الغض والحب والنوى مجاز. وبهذا يشعر كلام الإمام فإنه جعل ما نقل عن الزجاج أن المعنى يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي من الوجوه المجازية كالمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. {ذٰلِكُمْ} القادر العظيم الشأن الساطع البرهان هو {ٱللَّهِ} الذات الواجب الوجود المستحق للعبادة وحده {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فكيف تصرفون عن عبادته وتشركون به من لا يقدر على شيء لا سبيل إلى ذلك أصلاً. «وتمسك الصاحب بن عباد بهذا على أن فعل العبد ليس مخلوقاً لله تعالى لأنه سبحانه لو خلق فيه الإفك لم يلق به عز شأنه أن يقول: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ }» وقد قدمنا الجواب على ذلك على أتم وجه فتذكر.

سيد قطب

تفسير : نحن في حاجة إلى أن نستحضر هنا كل ما قلناه من وصف هذه السورة عند التعريف بها.. في حاجة لأن نستحضر ما قلناه عن تدافع الموجات المتلاحقة في المجرى المتدفق؛ وعن الروعة الباهرة، التي يصل إليها التعبير والتصوير والإيقاع من سياقها: "وهذه السورة تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة.. إنها في كل لمحة منها، وفي كل موقف، وفي كل مشهد، تمثل "الروعة الباهرة".. الروعة التي تبده النفس، وتشده الحس، وتبهر النفس أيضاً، وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهوراً! ..."وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال، مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة. لا تكاد الموجة تصل إلى قرارها، حتى تجد الموجة التالية ملاحقة لها، ومتشابكة معها، في المجرى المتصل المتدفق. "وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة، تبلغ حد الروعة الباهرة التي وصفنا.. مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد.. وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة، وبالحيوية الدافقة، وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي، وبالتجمع والاحتشاد، ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة".. ... الخ... الخ... إن هذه السمات كلها تتجلى في هذا الدرس، على أتمها وأوفاها.. إن القارىء يحس كأنما المشاهد تنبثق انبثاقاً هي ومدلولاتها في التماع ولألاء. وهي تتدافع في انبثاقها أمام الحس، كما تتدافع إيقاعات التعبير اللفظي عنها لتتناسق معها. والمشاهد والتعبير يتوافيان كذلك مع المدلولات التي يعبران عنها، ويهدفان إليها! إن كل مشهد من هذه المشاهد كأنما هو انبثاقة لامعة رائعة تجيء من المجهول! وتتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ.. والعبارة ذاتها كأنما هي انبثاقة كذلك! وإيقاع العبارة يتناسق في بهاء مع المشهد ومع المدلول. يتناسق معه في قوة الانبثاق، وفي شدة اللألاء. وتتدفق المدلولات والمشاهد والعبارات في موجات متلاحقة، يتابعها الحس في بهر! وما يكاد يصل مع الموجة إلى قرارها حتى يجد نفسه مندفعاً مرة أخرى مع موجة جديدة.. كالذي حاولنا أن نصف به السورة في مطالعها من قبل! وصفحة الوجود بجملتها مفتوحة. والمشاهد تتوالى - وكدت أقول: تتواثب - من هنا ومن هناك في الصفحة الفسيحة الأرجاء.. والجمال هو السمة البارزة هنا.. الجمال الذي يبلغ حد الروعة الباهرة.. المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية. والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي، وفي دلالتها. والمدلولات أيضاً - على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة - تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية.. فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء! ومما يوحي بالسمت الجمالي السابغ ذلك التوجيه الرباني إلى تملي الجمال في ازدهار الحياة وازدهائها: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه}.. فهو التوجيه المباشر إلى الجمال الباهر.. للنظر والتملي والاستمتاع الواعي. ثم ينتهي هذا الجمال إلى ذروته التي تروع وتبهر في ختام الاستعراض الكوني الحي، حين يصل إلى ما وراء هذا الكون الجميل البهيج الرائع.. إلى بديع السماوات والأرض الذي أودع الوجود كل هذه البدائع.. فيتحدث عنه - سبحانه - حديثاً لا تنقل روعته إلا العبارة القرآنية بذاتها: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير}.. وبعد، فنحن - في هذا الدرس - أمام كتاب الكون المفتوح، الذي يمر به الغافلون في كل لحظة. فلا يقفون أمام خوارقه وآياته، ويمر به المطموسون فلا تتفتح عيونهم على عجائبه وبدائعه.. وها هو ذا النسق القرآني العجيب يرتاد بنا هذا الوجود، كأنما نهبط إليه اللحظة، فيقفنا أمام معالمه العجيبة، ويفتح أعيننا على مشاهده الباهرة، ويثير تطلعنا إلى بدائعه التي يمر عليها الغافلون غافلين! ها هو ذا يقفنا أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل والنهار.. خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذا الموات الهامد.. لا ندري كيف انبثقت، ولا ندري من أين جاءت - إلا أنها جاءت من عند الله وانبثقت بقدر من الله. لا يقدر بشر على إدراك كنهها بله ابتداعها! وها هو ذا يقف بنا أمام دورة الفلك العجيبة.. الدورة الهائلة الدائبة الدقيقة.. وهي خارقة لا يعدلها شيء مما يطلبه الناس من الخوارق.. وهي تتم في كل يوم وليلة. بل تتم في كل ثانية ولحظة.. وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة البشرية.. من نفس واحدة.. وأمام تكاثرها بتلك الطريقة. وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة في النبات.. وأمام مشاهد الأمطار الهاطلة، والزروع النامية، والثمار اليانعة. وهي حشد من الحيوات والمشاهد، ومجال للتأمل والريادة. لو نشاهدها بالحس المتوفز والقلب المتفتح. وها هو ذا الوجود كله، جديداً كأنما نراه أول مرة. حياً يعاطفنا ونعاطفه، متحركاً تدب الحركة في أوصاله، عجيباً يشده الحواس والمشاعر. ناطقاً بذاته عن خالقه. دالاً بآياته على تفرده وقدرته.. وعندئذ يبدو الشرك بالله - والسياق يواجه الشرك والمشركين بهذا الاستعراض - غريباً غريباً على فطرة هذا الوجود وطبيعته. وشائهاً شائهاً في ضمير من يشاهد هذا الوجود الحافل بدلائل الهدى ويتأمله. وتسقط حجة الشرك والمشركين، في مواجهة هذا الإيمان الغامر في مجالي الوجود العجيب.. والمنهج القرآني - في خطاب الكينونة البشرية بحقيقة الألوهية؛ وفي بيانه لموقف العبودية منها؛ يجعل حقيقة الخلق والإنشاء للكون، وحقيقة الخلق والإنشاء للحياة، وحقيقة كفالة الحياة بالرزق الذي ييسره لها الله في ملكه، وحقيقة السلطان الذي يخلق ويرزق ويتصرف في عالم الأسباب بلا شريك.. يجعل من هذه الحقائق مؤثراً موحياً. وبرهاناً قوياً على ضرورة ما يدعو إليه البشر: من العبودية لله وحده، وإخلاص الاعتقاد والعبادة والطاعة والخضوع له وحده.. وكذلك يجيء في السياق - بعد استعراض صفحة الوجود؛ وانكشاف حقيقة الخلق والإنشاء والرزق والكفالة والسلطان - الدعوة إلى عبادة الله وحده، أي إلى إفراده سبحانه بالألوهية وخصائصها، في حياة العباد كلها؛ وجعل الحاكمية والتحاكم إليه وحده في شؤون الحياة كافة، واستنكار ادعاء الألوهية أو إحدى خصائصها. وكذلك نجد في هذا الدرس قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل}.. نموذجاً للمنهج القرآني في ربط العبادة الخالصة، بإفراد الألوهية لله وحده، مع تقرير أنه - سبحانه - {خالق كل شيء}.. {وهو على كل شيء وكيل}.. وفي نهاية الدرس - وبعد عرض هذه الآيات في صفحة الوجود كله - يكشف عن تفاهة طلب الخوارق، كما يكشف عن طبيعة المكذبين المعاندة، التي لا تتخلف عن الإيمان لنقص في الآيات والدلائل؛ ولكن لطبع فيها مطموس! وإلا فهذه الآيات تزحم الوجود. {إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي. ذلكم الله فأنى تؤفكون؟}.. إنها المعجزة التي لا يدري سرها أحد؛ فضلاً على أن يملك صنعها أحد! معجزة الحياة نشأة وحركة.. وفي كل لحظة تنفلق الحبة الساكنة عن نبتة نامية، وتنفلق النواة الهامدة عن شجرة صاعدة. والحياة الكامنة في الحبة والنواة، النامية في النبتة والشجرة، سر مكنون، لا يعلم حقيقته إلا الله؛ ولا يعلم مصدره إلا الله.. وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها، وبعد كل ما درست من خصائصها وأطوارها.. تقف أمام السر المغيب كما وقف الإنسان الأول، تدرك الوظيفة والمظهر، وتجهل المصدر والجوهر، والحياة ماضية في طريقها. والمعجزة تقع في كل لحظة!!! ومنذ البدء أخرج الله الحي من الميت. فقد كان هذا الكون - أو على الأقل كانت هذه الأرض - ولم يكن هناك حياة.. ثم كانت الحياة.. أخرجها الله من الموات.. كيف؟ لا ندري! وهي منذ ذلك الحين تخرج من الميت؛ فتتحول الذرات الميتة في كل لحظة - عن طريق الأحياء - إلى مواد عضوية حية تدخل في كيان الأجسام الحية؛ وتتحول - وأصلها ذرات ميتة - إلى خلايا حية.. والعكس كذلك.. ففي كل لحظة تتحول خلايا حية إلى ذرات ميتة؛ إلى أن يتحول الكائن الحي كله ذات يوم إلى ذرات ميتة! {يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي}.. ولا يقدر إلا الله أن يصنع ذلك..لا يقدر إلا الله أن ينشىء الحياة منذ البدء من الموات. ولا يقدر إلا الله أن يجهز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة إلى خلايا حية. ولا يقدر إلا الله على تحويل الخلايا الحية مرة أخرى إلى ذرات ميتة.. في دورة لم يعلم أحد يقيناً بعد متى بدأت، ولا كيف تتم.. وإن هي إلا فروض ونظريات واحتمالات!!! لقد عجزت كل محاولة لتفسير ظاهرة الحياة، على غير أساس أنها من خلق الله.. ومنذ أن شرد الناس من الكنيسة في أوربا.. {أية : كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة!}تفسير : وهم يحاولون تفسير نشأة الكون وتفسير نشأة الحياة، بدون التجاء إلى الاعتراف بوجود الله.. ولكن هذه المحاولات كلها فشلت جميعاً.. ولم تبق منها في القرن العشرين إلا مماحكات تدل على العناد، ولا تدل على الإخلاص! وأقوال بعض "علمائهم" الذين عجزوا عن تفسير وجود الحياة إلا بالاعتراف بالله، تصور حقيقة موقف "علمهم" نفسه من هذه القضية. ونحن نسوقها لمن لا يزالون عندنا يقتاتون على فتات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من موائد الأوربيين، عازفين عن هذا الدين، لأنه يثبت "الغيب" وهم "علميون!" لا "غيبيون"!.. ونختار لهم هؤلاء العلماء من "أمريكا"!!! يقول "فرانك أللن". (ماجستير ودكتوراه من جامعة كورنل وأستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة مانيتوبا بكندا) في مقال: نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد؟ من كتاب: "الله يتجلى في عصر العلم".. ترجمة الدكتور: الدمرداش عبد المجيد سرحان. .."فإذا لم تكن الحياة قد نشأت بحكمة وتصميم سابق، فلا بد أن تكون قد نشأت عن طريق المصادفة فما هي تلك المصادفة إذن حتى نتدبرها ونرى كيف تخلق الحياة؟ "إن نظريات المصادفة والاحتمال لها الآن من الأسس الرياضية السليمة ما يجعلها تطبق على نطاق واسع حيثما انعدم الحكم الصحيح المطلق. وتضع هذه النظريات أمامنا الحكم الأقرب إلى الصواب - مع تقدير احتمال الخطأ في هذا الحكم - ولقد تقدمت دراسة نظرية المصادفة والاحتمال من الوجهة الرياضية تقدماً كبيراً، حتى أصبحنا قادرين على التنبؤ بحدوث بعض الظواهر، التي نقول: إنها تحدث بالمصادفة، والتي لا نستطيع أن نفسر ظهورها بطريقة أخرى (مثل قذف الزهر في لعبة النرد). وقد صرنا بفضل تقدم هذه الدراسات قادرين على التمييز بين ما يمكن أن يحدث بطريق المصادفة، وما يستحيل حدوثه بهذه الطريقة، وأن نحسب احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في مدى معين من الزمان.. ولننظر الآن إلى الدور الذي تستطيع أن تلعبه المصادفة في نشأة الحياة: "إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية. وهي تتكون من خمسة عناصر؛ هي: الكربون، والأدروجين، والنيتروجين، والأكسجين، والكبريت.. ويبلغ عدد الذرات في الجزيء الواحد 40.000 ذرة. ولما كان عدد العناصر الكيموية في الطبيعة 92 عنصراً، موزعة كلها توزيعاً عشوائياً، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة، لكي تكون جزئياً من جزيئات البروتين، يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطاً مستمراً لكي تؤلف هذا الجزيء؛ ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد. "وقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعاً، فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد، إلا بنسبة 1 إلى 10، أي بنسبة 1 إلى رقم عشرة مضروباً في نفسه160 مرة. وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات.. وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات.. ويتطلب تكوين هذا الجزيء على سطح الأرض وحدها - عن طريق المصادفة - بلايين لا تحصى من السنوات، قدرها العالم السويسري بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين (10 سنة)". "إن البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية. فكيف تتألف ذرات هذه الجزيئات؟ إنها إذا تآلفت بطريقة أخرى، غير التي تتآلف بها، تصير غير صالحة للحياة. بل تصير في بعض الأحيان سموماً. وقد حسب العالم الانجليزي: ج. ب. سيثر j.b.seather الطرق التي يمكن أن تتآلف بها الذرات في أحد الجزيئات البسيطة من البروتينات، فوجد أن عددها يبلغ الملايين(10). وعلى ذلك فإنه من المحال عقلاً أن تتآلف كل هذه المصادفات لكي تبني جزيئاً بروتينياً واحداً". "ولكن البروتينات ليست إلا مواد كيماوية عديمة الحياة، ولا تدب فيها الحياة إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب، الذي لا ندري من كنهه شيئاً، إنه العقل اللانهائي. وهو الله وحده، الذي استطاع أن يدرك ببالغ حكمته، أن مثل هذا الجزيء البروتيني يصلح لأن يكون مستقراً للحياة، فبناه وصوره، وأغدق عليه سر الحياة".. ويقول إيرفنج وليام (دكتوراه من جامعة إيوى وأخصائي في وراثة النباتات وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة ميتشجان) في مقال: "المادية وحدها لا تكفي" من الكتاب نفسه: "إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد. كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا - بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكوّن الحياة. ولا شك أن النظرية التي تدعي أن جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن.. نقول: إن هذه النظرية لا يمكن الأخذ بها إلا عن طريق التسليم. فهي لا تقوم على أساس المنطق والإقناع!" ويقول: "ألبرت ماكومب ونشستر" (متخصص في علم الأحياء دكتوراه من جامعة تكساس. أستاذ علم الأحياء بجامعة بايلور...) في مقال: "العلوم تدعم إيماني بالله" من الكتاب نفسه: "... وقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء. وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة. وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون". "انظر إلى نبات برسيم ضئيل. وقد نما على أحد جوانب الطريق. فهل تستطيع أن تجد له نظيراً في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟ إنه آله حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار، بآلاف من التفاعلات الكيموية والطبيعية؛ ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم - وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية". "فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة؟ إن الله لم يصنعها هكذا وحدها، ولكنه خلق الحياة، وجعلها قادرة على صيانة نفسها، وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل. مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر.. إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء، وأكثرها إظهاراً لقدرة الله.. إن الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد، تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث يصعب مشاهدتها إلا باستخدام المجهر المكبر. ومن العجيب أن كل صفة من صفات النبات: كل عرق، وكل شعيرة، وكل فرع على ساق، وكل جذر أو ورقة، يتم تكوينها تحت إشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغاً كبيراً، فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي ينشأ منها النبات.. تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات (ناقلات الوراثة)". وفي هذا القدر كفاية لنعود إلى الجمال المشرق في سياق القرآن: {ذلكم الله}.. مبدع هذه المعجزة المتكررة المغيبة السر.. هو الله.. وهو ربكم الذي يستحق أن تدينوا له وحده.. بالعبودية والخضوع والاتباع. {فأنى تؤفكون؟}.. فكيف تصرفون عن هذا الحق الواضح للعقول والقلوب والعيون! إن معجزة انبثاق الحياة من الموات يجيء ذكرها كثيراً في القرآن الكريم - كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداء - في معرض التوجيه إلى حقيقة الألوهية، وآثارها الدالة على وحدة الخالق، لينتهي منها إلى ضرورة وحدة المعبود، الذي يدين له العباد؛ بالاعتقاد في ألوهيته وحده، والطاعة لربوبيته وحده، والتقدم إليه وحده بالشعائر التعبدية، والتلقي منه وحده في منهج الحياة كله، والدينونة لشريعته كذلك وحدها.. وهذه الدلائل لا تذكر في القرآن الكريم في صورة قضايا لاهوتية أو نظريات فلسفية! إن هذا الدين أكثر جدية من أن ينفق طاقة البشر في قضايا لاهوتية ونظريات فلسفية. إنما يهدف إلى تقويم تصور البشر - بإعطائهم العقيدة الصحيحة - لينتهي إلى تقويم حياة البشر الباطنة والظاهرة. وذلك لا يكون أبداً إلا بردهم إلى عبادة الله وحده وإخراجهم من عبادة العباد. وإلا أن تكون الدينونة في الحياة الدنيا، وفي شئون الحياة اليومية لله وحده، وإلا أن يخرج الناس من سلطان المتسلطين، الذين يدعون حق الألوهية، فيزاولون الحاكمية في حياة البشر، ويصبحون آلهة زائفة وأرباباً كثيرة؛ فتفسد الحياة، حين يستعبد الناس فيها لغير الله! ومن هنا نرى التعقيب على معجزة الحياة: {ذلكم الله فأنى تؤفكون}.. ذلكم الله الذي يستحق الربوبية فيكم.. والرب هو المربي والموجه والسيد والحاكم.. ومن ثم يجب ألا يكون الرب إلا الله.. {فالق الإصباح، وجعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسباناً. ذلك تقدير العزيز العليم}.. إن فالق الحب والنوى هو فالق الإصباح أيضاً، وهو الذي جعل الليل للسكون، وجعل الشمس والقمر محسوبة حركاتهما مقدرة دوراتهما.. مقدراً ذلك كله بقدرته التي تهيمن على كل شيء، وبعلمه الذي يحيط بكل شيء. وانفلاق الإصباح من الظلام حركة تشبه في شكلها انفلاق الحبة والنواة. وانبثاق النور في تلك الحركة، كانبثاق البرعم في هذه الحركة.. وبينهما من مشابه الحركة والحيوية والبهاء والجمال سمات مشتركة، ملحوظة في التعبير عن الحقائق المشتركة في طبيعتهما وحقيقتهما كذلك.. وبين انفلاق الحب والنوى وانفلاق الإصباح وسكون الليل صلة أخرى.. إن الإصباح والإمساء، والحركة والسكون، في هذا الكون - أو في هذه الأرض - ذات علاقة مباشرة بالنبات والحياة. إن كون الأرض تدور دورتها هذه حول نفسها أمام الشمس؛ وكون القمر بهذا الحجم وبهذا البعد من الأرض؛ وكون الشمس كذلك بهذا الحجم وهذا البعد وهذه الدرجة من الحرارة.. هي تقديرات من "العزيز" ذي السلطان القادر "العليم" ذي العلم الشامل.. ولولا هذه التقديرات ما انبثقت الحياة في الأرض على هذا النحو، ولما انبثق النبت والشجر، من الحب والنوى.. إنه كون مقدر بحساب دقيق. ومقدر فيه حساب الحياة، ودرجة هذه الحياة، ونوع هذه الحياة.. كون لا مجال للمصادفة العابرة فيه - وحتى ما يسمونه المصادفة خاضع لقانون ومقدر بحساب.. والذين يقولون: إن هذه الحياة فلتة عابرة في الكون. وأن الكون لا يحفلها. بل يبدو أنه يعاديها. وأن ضآلة الكوكب الذي قام عليه هذا النوع من الحياة توحي بهذا كله. بل يقول بعضهم: إن هذه الضآلة توحي بأنه لو كان للكون إله ما عنى نفسه بهذه الحياة!... إلى آخر ذلك اللغو، الذي يسمونه أحياناً "علماً"! ويسمونه أحيانا "فلسفة"! وهو لا يستأهل حتى مناقشته! إن هؤلاء إنما يحكمون أهواء مستقرة في نفوسهم؛ ولا يحكمون حتى نتائج علمهم التي تفرض نفسها عليهم! ويقرأ لهم الإنسان فيجد كأنما هم هاربون من مواجهة حقيقة قرروا سلفاً ألا يواجهوها!.. إنهم هاربون من الله الذي تواجههم دلائل وجوده ووحدانيته وقدرته المطلقة في كل اتجاه! وكلما سلكوا طريقاً يهربون بها من مواجهة هذه الحقيقة وجدوا الله في نهايتها، فعادوا في ذعر إلى سكة أخرى. ليواجهوا الله - سبحانه - في نهايتها كذلك! إنهم مساكين! بائسون! لقد فروا ذات يوم من الكنيسة وإلهها الذي تستذل به الرقاب.. فروا {أية : كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة}تفسير : ثم ما زالوا في فرارهم التقليدي حتى أوائل هذا القرن.. دون أن يتلفتوا وراءهم ليروا إن كانت الكنيسة ما تزال تتابعهم. أم انقطعت منها - كما انقطعت منهم - الأنفاس. إنهم مساكين بائسون لأن نتائج علومهم ذاتها تواجههم اليوم أيضاً.. فإلى أين الفرار؟.. يقول "فرانك أللن" العالم الطبيعي الذي اقتطفنا فقرات من مقاله في الفقرة السابقة عن نشأة الحياة: "إن ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صوراً عديدة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة أو العشوائية. فالأرض كرة معلقة في الفضاء تدور حول نفسها، فيكون في ذلك تتابع الليل والنهار، وهي تسبح حول الشمس مرة في كل عام، فيكون في ذلك تتابع الفصول، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مساحة الجزء الصالح للسكنى من سطح كوكبنا، ويزيد من اختلاف الأنواع النباتية أكثر مما لو كانت ساكنة. ويحيط بالأرض غلاف غازي يشتمل على الغازات اللازمة للحياة، ويمتد حولها إلى ارتفاع كبير (يزيد على 500 ميل)". "ويبلغ هذا الغلاف الغازي من الكثافة درجة تحول دون وصول ملايين الشهب القاتلة يومياً إلينا، منقضة بسرعة ثلاثين ميلاً في الثانية. والغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض يحفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة، ويحمل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات، حيث يمكن أن يتكاثف مطر يحيي الأرض بعد موتها. والمطر مصدر الماء العذب، ولولاه لأصبحت الأرض صحراء جرداء خالية من كل أثر للحياة. ومن هنا نرى أن الجو والمحيطات الموجودة على سطح الأرض تمثل عجلة التوازن في الطبيعة".. إن الأدلة "العلمية" تتكاثر في وجوههم وتتجمع لتعلن عجز المصادفة عجزاً كاملاً عن تعليل نشأة الحياة، بما يلزم لهذه النشأة - وللنمو والبقاء والتنوع بعدها - من موافقات لا تحصى في تصميم الكون.. منها هذه الموافقات التي ذكرها العالم الطبيعي السابق، ووراءها من نوعها كثير. فلا يبقى إلا تقدير العزيز العليم. الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. والذي خلق كل شيء فقدره تقديراً.. {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر. قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون}.. تتمة لمشهد الفلك الدائر بشمسه وقمره ونجومه. تتمة لعرض المشهد الكوني الهائل الرائع مرتبطاً بحياة البشر ومصالحهم واهتماماتهم: {لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر}.. ومتاهات البر والبحر ظلمات يهتدي فيها البشر بالنجوم.. كانوا كذلك وما يزالون.. تختلف وسائل الاهتداء بالنجوم ويتسع مداها بالكشوف العلمية والتجارب المنوعة.. وتبقى القاعدة ثابتة: قاعدة الاهتداء بهذه الأجرام في ظلمات البر والبحر.. سواء في ذلك الظلمات الحسية أو ظلمات التصور والفكر. ويبقى النص القرآني الجامع يخاطب البشرية في مدارجها الأولى بهذه الحقيقة، فتجد مصداقها في واقع حياتها الذي تزاوله. ويخاطبها بها وقد فتح عليها ما أراد أن يفتح من الأسرار في الأنفس والآفاق. فتجدها كذلك مصداق قوله في واقع حياتها الذي تزاوله.. وتبقى مزية المنهج القرآني في مخاطبة الفطرة بالحقائق الكونية، لا في صورة "نظرية" ولكن في صورة "واقعية".. صورة تتجلى من ورائها يد المبدع، وتقديره، ورحمته، وتدبيره. صورة مؤثرة في العقل والقلب، موحية للبصيرة والوعي، دافعة إلى التدبر والتذكر، وإلى استخدام العلم والمعرفة للوصول إلى الحقيقة الكبرى المتناسقة.. لذلك يعقب على آية النجوم التي جعلها الله للناس ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر هذا التعقيب الموحي: {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون}.. فالاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها.. كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم.. فالاهتداء - كما قلنا - هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية، وفي ظلمات العقل والضمير.. والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي، ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها، هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى؛ وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه، وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم.. {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمستقر ومستودع. قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون}.. إنها اللمسة المباشرة في هذه المرة.. اللمسة في ذات النفس البشرية. النفس البشرية الواحدة الموحدة الكنه والحقيقة في الذكر والأنثى. تبدأ الحياة فيها خطوتها الأولى للتكاثر بالخلية الملقحة. فنفسٌ هي مستودع لهذه الخلية في صلب الرجل، ونفس هي مستقر لها في رحم الأنثى.. ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار. فإذا أجناس وألوان؛ وإذا شيات ولغات؛ وإذا شعوب وقبائل؛ وإذا النماذج التي لا تحصى، والأنماط التي ما تزال تتنوع ما دامت الحياة. {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون}.. فالفقه هنا ضروري لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة، التي تنبثق منها النماذج والأنماط. ولإدراك الموافقات العجيبة الكامنة وراء اتخاذ التلاقح وسيلة للإكثار وتوفير الأعداد المناسبة دائماً من الذكور والإناث - في عالم الإنسان - لتتم عملية التزاوج التي قدر الله أن تكون هي وسيلة الإخصاب والإكثار. ووسيلة تنشئة الأطفال في ظروف تحفظ "إنسانيتهم" وتجعلهم أكفاء للحياة "الإنسانية"! ولا نملك هنا في الظلال أن نبعد في عرض هذه المسألة بكل تفصيلاتها لجلاء هذه الموافقات - فهي في حاجة إلى بحث متخصص - ولكننا نذكر فقط كيفية نشأة النطفة ذكراً أو أنثى وكيف يتم عن طريق التوزيع الغيبي الرباني إنتاج القدر الكافي من الذكور ومن الإنات دائماً لكي تتوافر الأعداد المناسبة لبقاء الحياة وامتدادها.. ولقد ذكرنا من قبل عند تفسير قوله تعالى: {أية : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}تفسير : أن الذي يقرر صيرورة البويضة الملقحة ذكراً أو أنثى، هو أن يجري قدر الله بأن يكون عدد كروموسومات الحيوان المنوي الذي يلتحم بالبويضة يرجح كروموسومات التذكير على كروموسومات التأنيث أو العكس، وأن جريان القدر بهذا أو ذاك غيب من غيب الله. لا سلطان لأحد عليه إلا الله.. هذا القدَر الذي يجريه الله في كل مرة، فيهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، يحافظ على توازن دائم في الأرض كلها بين عدد من يجري بهم ليكونوا إناثاً، وعدد من يجري بهم ليكونوا ذكوراً. فلا يقع اختلال - على مستوى البشرية كلها - في هذا التوازن. الذي عن طريقه يتم الإخصاب والإكثار، وتتم به حياة زوجية مستقرة في الوقت ذاته.. ذلك أن الإخصاب والإكثار وحده قد يتم بأقل عدد من الذكور.. ولكن الله قدر في الحياة الإنسانية أن هذا ليس هو غاية الالتقاء بين الذكر والأنثى؛ إنما الغاية - التي تميز الإنسان من الحيوان - هي استقرار الحياة الزوجية بين ذكر وأنثى.. لما وراء هذا الاستقرار من أهداف لا تتم إلا به. وأهمها استقرار الذرية في كنف أبوين في محيط أسرة، ليتم إعداد هذه الذرية لدورها "الإنساني" الخاص - فوق إعدادها لتحصيل القوت وحماية النفس كالحيوان - والدور "الإنساني" الخاص يحتاج إلى الاستقرار بين أبوين في أسرة فترة أطول جداً مما تحتاج إليه طفولة الحيوان! وهذه الموازنة الدائمة تكفي وحدها لتكون آية على تدبير الخالق وحكمته وتقديره.. ولكن لقوم يفقهون: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون}.. أما المطموسون المحجوبون.. وفي أولهم أصحاب "العلمية" الذين يسخرون من "الغيبية". فإنهم يمرون على هذه الآيات كلها مطموسين محجوبين: {أية : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها }. تفسير : ثم يمضي السياق إلى مشاهد الحياة المتفتحة في جنبات الأرض. تراها الأعين، وتستجليها الحواس، وتتدبرها القلوب. وترى فيها بدائع صنع الله.. والسياق يعرضها - كما هي في صفحة الكون - ويلفت إليها النظر في شتى أطوارها، وشتى أشكالها، وشتى أنواعها؛ ويلمس الوجدان بما فيها من حياة نامية، ودلالة على القدرة التي تبدع الحياة؛ كما يوجه القلب إلى استجلاء جمالها والاستمتاع بهذا الجمال: {وهو الذي أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به نبات كل شيء. فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً. ومن النخل من طلعها قنوان دانية. وجنات من أعناب والزيتون والرمان، مشتبهاً وغير متشابه. انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه. إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}.. والماء كثيراً ما يذكر في القرآن في صدد ذكر الحياة والإنبات. {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء}.. ودور الماء الظاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر، ويعرفه الجاهل والعالم.. ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة. فقد شارك الماء ابتداء - بتقدير الله - في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات (إذا صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهباً، ثم صلباً لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع. ثم تم ذلك بتعاون الماء والعوامل الجوية على تحويلها إلى تربة لينة) ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة، وذلك بإسقاط (النتروجين - الأزوت) من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية، التي تقع في الجو، النتروجين الصالح للذوبان في الماء ويسقط مع المطر، ليعيد الخصوبة إلى الأرض.. وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه، فأصبح يصنعه الآن بنفس الطريقة! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة! {فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً. ومن النخل من طلعها قنوان دانية. وجنات من أعناب. والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه}.. وكل نبت يبدأ أخضر. واللفظ {خضراً} أرق ظلاً، وأعمق ألفة من لفظ "أخضر".. هذا النبت الخضر {يخرج منه حباً متراكباً}.. كالسنابل وأمثالها. {ومن النخل من طلعها قنوان دانية}.. وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير. وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر. ولفظة {قنوان} ووصفها {دانية} يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف. وظل المشهد كله ظل وديع حبيب.. {وجنات من أعناب}.. {والزيتون والرمان}. هذا النبات كله بفصائله وسلالاته - {مشتبهاً وغير متشابه} - {انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه}.. انظروا بالحس البصير، والقلب اليقظ.. انظروا إليه في ازدهاره، وازدهائه، عند كمال نضجه. انظروا إليه واستمتعوا بجماله.. لا يقول هنا، كلوا من ثمره إذا أثمر، ولكن يقول: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع، كما أنه مجال تدبر في آيات الله، وبدائع صنعته في مجالي الحياة. {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}.. فالإيمان هو الذي يفتح القلب، وينير البصيرة، وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة، ويصل الكائن الإنساني بالوجود، ويدعو الوجدان إلى الإيمان بالله خالق الجميع.. وإلا فإن هناك قلوباً مغلقة، وبصائر مطموسة، وفطراً منتكسة، تمر بهذا الإبداع كله، وبهذه الآيات كلها، فلا تحس بها ولا تستجيب.. {أية : إنما يستجيب الذين يسمعون}تفسير : ، وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون! وعندما يبلغ السياق إلى هذا المقطع؛ وقد عرض على القلب البشري صفحة الوجود الحافلة بدلائل وجود الله، ووحدانيته، وقدرته، وتدبيره، وقد غمر الوجدان بتلك الظلال الكونية الموحية، وقد وصل الضمير بقلب الوجود النابض في كل حي، الناطق ببديع صنع الخلاق.. عندما يبلغ إلى هذا المقطع يعرض شرك المشركين، فإذا هو غريب غريب في هذا الجو المؤمن الموصول بمبدع الوجود. ويعرض أوهام المشركين فإذا هي سخف تشمئز منه القلوب والعقول. وسرعان ما يعقب عليها بالاستنكار. والجو كله مهيأ للاستنكار: {وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم - وخرقوا له بنين وبنات بغير علم. سبحانه وتعالى عما يصفون! بديع السماوات والأرض، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟ وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم}.. وقد كان بعض مشركي العرب يعبدون الجن.. وهم لا يعرفون من هم الجن! ولكنها أوهام الوثنية! والنفس متى انحرفت عن التوحيد المطلق قيد شبر انساقت في انحرافها إلى أي مدى؛ وانفرجت المسافة بينها وبين نقطة الانحراف التي بدأت صغيرة لا تكاد تلحظ! وهؤلاء المشركون كانوا على دين إسماعيل.. دين التوحيد الذي جاء به إبراهيم عليه السلام في هذه المنطقة.. ولكنهم انحرفوا عن هذا التوحيد.. ولا بد أن يكون الانحراف قد بدأ يسيراً.. ثم انتهى إلى مثل هذا الانحراف الشنيع.. الذي يبلغ أن يجعل الجن شركاء لله.. وهم من خلقه سبحانه: {وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم -}! ولقد عرفت الوثنيات المتعددة في الجاهليات المتنوعة أن هناك كائنات شريرة - تشبه فكرة الشياطين - وخافوا هذه الكائنات - سواء كانت أرواحاً شريرة أو ذوات شريرة - وقدموا لها القرابين اتقاء لشرها؛ ثم عبدوها! والوثنية العربية واحدة من هذه الوثنيات التي وجدت فيها هذه التصورات الفاسدة، في صورة عبادة للجن، واتخاذهم شركاء لله.. سبحانه.. والسياق القرآني يواجههم بسخف هذا الاعتقاد.. يواجههم بكلمة واحدة: {وخلقهم}.. وهي لفظة واحدة، ولكنها تكفي للسخرية من هذا التصور! فإذا كان الله سبحانه هو الذي {خلقهم} فكيف يكونون شركاء له في الألوهية والربوبية؟! ولم تكن تلك وحدها دعواهم. فأوهام الوثنية متى انطلقت لا تقف عند حد من الانحراف. بل كانوا يزعمون له سبحانه بنين وبنات: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم}. و {خرقوا} أي: اختلقوا.. وفي لفظها جرس خاص وظل خاص؛ يرسم مشهد الطلوع بالفرية التي تخرق وتشق! خرقوا له بنين: عند اليهود: عزير. وعند النصارى: المسيح: وخرقوا له بنات. عند المشركين: الملائكة. وقد زعموا أنهم إناث.. ولا يدري أحد طبعاً لماذا هم إناث! فالادعاءات كلها لا تقوم على أساس من علم.. فكلها {بغير علم}.. {سبحانه وتعالى عما يصفون!}.. ثم يواجه فريتهم هذه وتصوراتهم بالحقيقة الإلهية، ويناقشهم في هذه التصورات بما يكشف عما فيها من هلهلة: {بديع السماوات والأرض. أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة. وخلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم}.. إن الذي يبدع هذا الوجود إبداعاً من العدم ما تكون حاجته إلى الخلف!؟ والخلف إنما هو امتداد الفانين، وعون الضعفاء، ولذة من لا يبدعون! ثم هم يعرفون قاعدة التكاثر.. أن يكون للكائن صاحبة أنثى من جنسه.. فكيف يكون لله ولد - وليست له صاحبة - وهو - سبحانه - مفرد أحد، ليس كمثله شيء. فأنى يكون النسل بلا تزاوج؟! وهي حقيقة، ولكنها تواجه مستواهم التصوري؛ وتخاطبهم بالأمثلة القريبة من حياتهم ومشاهداتهم! ويتكىء السياق - في مواجهتهم - على حقيقة "الخلق" لنفي كل ظل للشرك. فالمخلوق لا يكون أبداً شريكاً للخالق. وحقيقة الخالق غير حقيقة المخلوق: كما يواجههم بعلم الله المطلق الذي لا تقابله منهم إلاّ أوهام وظنون: {وخلق كل شيء}.. {وهو بكل شيء عليم}.. وكما واجههم السياق القرآني بحقيقة أن الله "خلق كل شيء"، ليرتب عليها تهافت تصوراتهم بأن لله - سبحانه - بنين وبنات، أو أن له شركاء الجن - وهو خلقهم - فإنه يتكىء على هذه الحقيقة مرة أخرى. لتقرير أن الذي يعبد ويخضع له ويطاع، ويعترف له بالدينونة وحده هو خالق كل شيء، فلا إله إذن غيره، ولا رب إذن سواه: {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو. خالق كل شيء؛ فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل}.. إن تفرد الله سبحانه بالخلق، يفرده سبحانه بالملك، والمتفرد بالخلق والملك يتفرد كذلك بالرزق. فهو خالق خلقه ومالكهم، فهو كذلك يرزقهم من ملكه الذي ليس لأحد شرك فيه. فكل ما يقتاته الخلق وكل ما يستمتعون به فإنما هو من هذا الملك الخالص لله.. فإذا تقررت هذه الحقائق.. الخلق والملك والرزق.. تقرر معها - ضرورةً وحتماً - أن تكون الربوبية له سبحانه. فتكون له وحده خصائص الربوبية - وهي القوامة والتوجيه والسلطان الذي يُخضع له ويطاع، والنظام الذي يتجمع عليه العباد - وتكون له وحده العبادة بكل مدلولاتها. ومنها الطاعة والخضوع والاستسلام. ولم يكن العرب - في جاهليتهم - ينكرون أن الله هو خالق هذا الكون، وخالق الناس، ورازقهم كذلك من ملكه، الذي ليس وراءه ملك تقتات منه العباد!.. وكذلك لم تكن الجاهليات الأخرى تنكر هذه الحقائق - على قلة من الفلاسفة الماديين من الإغريق! - ولم تكن هنالك هذه المذاهب المادية التي تنتشر اليوم بشكل أوسع مما عرف أيام الإغريق.. لذلك لم يكن الإسلام يواجه في الجاهلية العربية إلا الانحراف في التوجه بالشعائر التعبدية لآلهة - مع الله - على سبيل الزلفى والقربى من الله! - وإلا الانحراف في تلقي الشرائع والتقاليد التي تحكم حياة الناس.. أي أنه لم يكن يواجه الإلحاد في وجود الله - سبحانه - كما يقول اليوم "ناس"! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير! والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله اليوم قلة. وسيظلون قلة. إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية. وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير الله.. وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية، وكل الجاهليات أيضاً! والقلة الشاذة التي تجادل في وجود الله اليوم لا تعتمد على "العلم" وإن كانت هذه دعواها. فالعلم البشري ذاته لا يملك أن يقرر هذا الإلحاد ولا يجد عليه دليلاً لا من هذا العلم ولا من طبيعة الكون.. إنما هي لوثة سببها الأول الشرود من الكنيسة وإلهها الذي كانت تستذل به الرقاب من غير أصل من الدين.. ثم نقص في التكوين الفطري لهؤلاء المجادلين، ينشأ عنه تعطل في الوظائف الأساسية للكينونة البشرية.. كما يقع للأمساخ من المخلوقات..! ومع أن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً - لم تكن تساق في القرآن لإثبات وجود الله - إذ كان الجدال في وجوده تعالى سخفاً لا يستحق من جدية القرآن العناية به - إنما كانت تساق لرد الناس إلى الرشاد، كي ينفذوا في حياتهم ما تقتضيه تلك الحقيقة من ضرورة إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياتهم كلها؛ وعبادته وحده بلا شريك.. مع هذا فإن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً - تقذف في وجوه الذين يجادلون في الله - سبحانه - بالحجة الدامغة التي لا يملكون بإزائها إلا المراء. وإلا التبجح الذي يصل إلى حد الاستهتار في كثير من الأحيان! "جوليان هاكسلي" مؤلف كتاب: "الإنسان يقوم وحده" وكتاب "الإنسان في العالم الحديث" من هؤلاء المتبجحين المستهترين؛ وهو يقذف بالمقررات التي لا سند لها إلا هواه وهو يقول في كتاب "الإنسان في العالم الحديث"؛ في فصل: "الدين كمسألة موضوعية" ذلك الكلام! "ولقد أوصلنا تقدم العلوم والمنطق وعلم النفس إلى طور أصبح فيه الإله فرضاً عديم الفائدة، وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا، حتى اختفى كحاكم مدبر للكون، وأصبح مجرد "أول سبب" أو أساساً عاماً غامضاً". و "ول ديورانت" مؤلف كتاب "مباهج الفلسفة" يقول: إن الفلسفة تبحث عن الله، ولكنه ليس "إله اللاهوتيين الذين يتصورونه خارج عالم الطبيعة. بل إله الفلاسفة؛ وهو قانون العالم وهيكله، وحياته ومشيئته".. وهو كلام لا تستطيع إمساكه! ولكنه كلام يقال! ونحن لا نحاكم هؤلاء الخابطين في الظلام إلى قرآننا، ولا نحاكمهم كذلك إلى عقولنا المنضبطة بهدى هذا القرآن. إنما نكلهم إلى أندادهم من "العلماء" وإلى العلم البشري الذي يواجه هذه القضية بشيء من الجد والتعقل.. يقول جون كليفلاند كوتران: (من علماء الكيمياء والرياضة. دكتوراه من جامعة كورنيل. رئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث). من مقال: "النتيجة الحتمية" من كتاب: "الله يتجلى في عصر العلم": "فهل يتصور عاقل، أو يفكر، أو يعتقد، أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين، ثم فرضته على نفسها؟ لا شك أن الجواب سوف يكون سلبياً. بل إن المادة عندما تتحول إلى طاقة أو تتحول الطاقة إلى مادة، فإن كل ذلك يتم طبقاً لقوانين معينة. والمادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة التي وجدت قبلها". "وتدلنا الكيميا على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء؛ ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة. وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية. ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية. إذ أن لها بداية. وتدل الشواهد من الكيميا وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية. وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد. وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً. وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان". "فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه، أو يحدد القوانين التي يخضع لها، فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي. وتدل الشواهد جميعاً على أن هذا الخالق لا بد أن يكون متصفاً بالعقل والحكمة. إلا أن العقل لا يستطيع أن يعمل في العالم المادي - كما في ممارسة الطب والعلاج السيكلوجي - دون أن يكون هنالك إرادة. ولا بد لمن يتصف بالإرادة أن يكون موجوداً وجوداً ذاتياً.. وعلى ذلك فإن النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على أن لهذا الكون خالقاً فحسب، بل لا بد أن يكون هذا الخالق حكيماً عليماً قادراً على كل شيء، حتى يستطيع أن يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره؛ ولا بد أن يكون هذا الخالق دائم الوجود، تتجلى آياته في كل مكان. وعلى ذلك فإنه لا مفر من التسليم بوجود الله، خالق هذا الكون وموجهه - كما أشرنا إلى ذلك في بداية المقال". "إن التقدم الذي أحرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجعلنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل، ما قاله من قبل، من أننا إذا فكرنا تفكيراً عميقاً، فإن العلوم سوف تضطرنا إلى الإيمان بالله}.. ويقول فرانك أللن عالم الطبيعة البيولوجية في مقال "نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد" من الكتاب نفسه: "كثيرا ما يقال: إن هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق. ولكننا إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود، فكيف نفسر وجوده؟.. هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال: فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال - وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده - وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم. وإما أن يكون أزلياً ليس لنشأته بداية. وإما أن يكون له خالق". أما الاحتمال الأول فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والإحساس، فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهماً من الأوهام، ليس له ظل من الحقيقة. ولقد عاد إلى هذا الرأي في العلوم الطبيعية أخيراً سير جيمس جينز، الذي يرى أن هذا الكون ليس له وجود فعلي، وأنه مجرد صورة في أذهاننا. وتبعاً لهذا الرأي نستطيع أن نقول: إننا نعيش في عالم من الأوهام! فمثلاً هذه القطارات التي نركبها ونلمسها ليست إلا خيالات؛ وبها ركاب وهميون، وتعبر أنهاراً لا وجود لها، وتسير فوق جسور غير مادية.. الخ. وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال! "أما الرأي الثاني القائل بأن هذا العالم، بما فيه من مادة وطاقة، قد نشأ هكذا وحده من العدم، فهو لا يقل عن سابقه سخفاً وحماقة؛ ولا يستحق هو أيضاً أن يكون موضعاً للنظر أو المناقشة". "والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية، إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون - وذلك في عنصر واحد هو الأزلية - وإذن فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت، وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق، وليس هنالك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الآخر. ولكن قوانين "الديناميكا الحرارية" تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً. وأنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض، هي الصفر المطلق؛ ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة. ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق، بمضي الوقت. أما الشمس المستعرة، والنجوم المتوهجة، والأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذن حدث من الأحداث.. ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي، ليس له بداية، عليم محيط بكل شيء، قوي ليس لقدرته حدود، ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه".. الله - سبحانه خالق كل شيء. لا إله إلا هو.. هذه هي القاعدة التي يقيم عليها السياق القرآني هنا وجوب عبادة الله وحده. ووجوب ربوبيته وحده - بكل مدلولات الربوبية من الحكم والتربية والتوجيه والقوامة: {ذلكم الله ربكم. لا إله إلا هو: خالق كل شيء. فاعبدوه. وهو على كل شيء وكيل}.. فهي القوامة لا على البشر وحدهم، ولكن على كل شيء كذلك.. بما أنه هو خالق كل شيء.. وهذا هو المقصود من تقرير تلك القاعدة، التي لم يكن المشركون - في جاهليتهم - يجحدونها. ولكنهم ما كانوا يسلمون بمقتضاها. وهو: الخضوع والطاعة لحاكمية الله وحده والدينونة لسلطانه بلا شريك.. ثم تعبير عن صفة الله سبحانه، يغشى الجوانح والحنايا بظلال ما أحسب أن لغة البشر تملك لها وصفاً، فلندعها تلقي ظلالها في شفافية ولين؛ وترسم المشهد الذي يغلف فيه ما يهول ويروع من صفة الله، بما يطمئن ويروح، ويشف شفافية النور: {لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير}.. إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا الله، كالذين يطلبون في سماجة دليلاً مادياً على الله! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون! إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك.. كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون، والقيام بالخلافة في الأرض.. وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق.. فأما ذات الله - سبحانه - فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها. لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي الأبدي. فضلاً على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض. وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها.. وقد يفهم الإنسان سذاجة الأولين. ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين! إن هؤلاء يتحدثون عن "الذرة" وعن "الكهرب" وعن "البروتون" وعن "النيوترون".. وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهرباً ولا بروتوناً ولا نيوترونا في حياته قط. فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات.. ولكنها مسلمة من هؤلاء، كفرض، ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثاراً معينة تقع لوجود هذه الكائنات. فإذا وقعت هذه الآثار (جزموا) بوجود الكائنات التي أحدثتها! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو "احتمال" وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها!.. ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضاً على العقول! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويطلبون دليلاً مادياً تراه الأعين.. كأن هذا الوجود بجملته، وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل! وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس. وعلى تقريره عن ذات الله سبحانه بأنه: {لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير}. يعقب السياق على هذا الوصف الذي لا تملك لغة البشر أن تشرحه أو تصفه.. بقوله: {قد جاءكم بصائر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ}.. فهذا الذي جاء من عند الله.. بصائر.. والبصائر تهتدي وتهدي.. وهذا بذاته.. بصائر.. تهدي. فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور. وليس وراء ذلك إلا العمى. فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى.. معطل الحواس. مغلق المشاعر. مطموس الضمير.. ويوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن براءته من أمرهم ومغبته: {وما أنا عليكم بحفيظ}.. ولا يفوتنا أن نلمح التناسق في الجو والظلال والعبارة بين قوله في الآية السابقة: في صفة الله سبحانه: {لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير}.. وبين قوله في الآية اللاحقة: {قد جاءكم بصائر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها}.. واستخدام الأبصار والبصائر، والبصر والعمى، في السياق المتناسق المتناغم.. بعد ذلك يلتفت السياق إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتحدث عن تصريف الآيات على هذا المستوى، الذي لا يتناسب مع أمية النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيئته؛ والذي يدل بذاته على مصدره الرباني - لمن تتفتح بصيرته - ولكن المشركين ما كانوا يريدون الاقتناع بالآيات. ومن ثم كانوا يقولون: إن محمداً درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب! وما دروا أن أهل الكتاب ما كانوا يعلمون شيئاً على هذا المستوى الذي يحدثهم محمد فيه؛ وما كان أهل الأرض جميعاً - وما يزالون - يبلغون شيئاً من هذا المستوى السامق على كل ما عرف البشر وما يعرفون. ومن ثم يوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اتباع ما أوحي إليه والإعراض عن المشركين: {وكذلك نصرف الآيات، وليقولوا: درست، ولنبينه لقوم يعلمون. اتبع ما أوحي إليك من ربك، لاإله إلا هو، وأعرض عن المشركين. ولو شاء الله ما أشركوا. وما جعلناك عليهم حفيظاً، وما أنت عليهم بوكيل}.. إن الله يصرف آياته على هذا المستوى الذي لا عهد للعرب به؛ لأنه ليس نابعاً من بيئتهم - كما أنه ليس نابعاً من البيئة البشرية على العموم - فينتهي هذا التصريف إلى نتيجتين متقابلتين في البيئة: فأما الذين لا يريدون الهدى، ولا يرغبون في العلم، ولا يجاهدون ليبلغوا الحقيقة.. فهؤلاء سيحاولون أن يجدوا تعليلاً لهذا المستوى الذي يخاطبهم به محمد - وهو منهم - وسيختلقون ما يعلمون أنه لم يقع. فما كان شيء من حياة محمد خافياً عليهم قبل الرسالة ولا بعدها.. ولكنهم يقولون: درست هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمته منهم! وما كان أحد من أهل الكتاب يعلم شيئاً على هذا المستوى.. وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك ما تزال بين أيدينا. والمسافة شاسعة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وهذا القرآن الكريم.. إن ما بين أيديهم إن هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين - هذا فيما يختص بالعهد القديم - فأما العهد الجديد - وهو الأناجيل - فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح - عليه السلام- بعد عشرات السنين؛ وتداولتها المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على ممر السنين. وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان.. وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك، وما يزال.. فأين هذا كله من القرآن الكريم؟! ولكن المشركين - في جاهليتهم - كانوا يقولون هذا؛ وأعجب العجب أن جاهليين في هذا العصر من "المستشرقين" و "المتمسلمين"! يقولون هذا القول فيسمى الآن "علماً" و "بحثاً" و "تحقيقاً" لا يبلغه إلا المستشرقون! فأما الذين "يعلمون" حقاً، فإن تصريف الآيات على هذا النحو يؤدي إلى بيان الحق لهم فيعرفونه: {ولنبينه لقوم يعلمون}.. ثم تقع المفاصلة بين قوم مبصرين يعلمون، وقوم عمي لا يعلمون! ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم، وقد صرف الله الآيات، فافترق الناس في مواجهتها فريقين.. يصدر الأمر العلوي للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ما أوحي إليه، وأن يعرض عن المشركين، فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت، ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم. فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه؛ فيصوغ حياته كلها على أساسه؛ ويصوغ نفوس أتباعه كذلك. ولا عليه من المشركين؛ فإنما هو يتبع وحي الله، الذي لا إله إلا هو، فماذا عليه من العبيد؟! {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين}.. ولو شاء الله أن يلزمهم الهدى لألزمهم، ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم. ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال، وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به، ولكنها لا ترغم إنساناً على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها؛ وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له. باستعداداته هذه وتصرفاته: {ولو شاء الله ما أشركوا}.. وليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسؤولاً عن عملهم، وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو الله: {وما جعلناك عليهم حفيظاً، وما أنت عليهم بوكيل}.. وهذا التوجيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدد المجال الذي يتناوله اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله. كما يحدد هذا المجال لخلفائه وأصحاب الدعوة إلى دينه في كل أرض وفي كل جيل.. إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة، المعاندين، الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان.. إنما يجب أن يفرغ قلبه، وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا. فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها.. قاعدة العقيدة.. وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة. وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم؛ وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه. وهذا كله يحتاج إلى الجهد. ويستحق الجهد. فأما الواقفون على الشق الآخر، فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ.. وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يجري سنته، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.. إن على الحق أن يوجد ومتى وجد الحق في صورته الصادقة الكاملة، فإن شأن الباطل هين، وعمره كذلك قريب! ومع أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن المشركين، فقد وجه المؤمنين إلى أن يكون هذا الإعراض في أدب، وفي وقار، وفي ترفع، يليق بالمؤمنين.. لقد أمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله سبحانه - وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه - فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الله الجليل العظيم: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم. كذلك زينا لكل أمة عملهم. ثم إلى ربهم مرجعهم، فينبئهم بما كانوا يعملون}. إن الطبيعة التي خلق الله الناس بها، أن كل من عمل عملاً، فإنه يستحسنه، ويدافع عنه! فإن كان يعمل الصالحات استحسنها ودافع عنها. وإن كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها. وإن كان على الهدى رآه حسناً، وإن كان على الضلال رآه حسناً كذلك! فهذه طبيعة في الإنسان.. وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء.. مع علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق.. ولكن إذا سب المسلمون آلهتهم هؤلاء اندفعوا وعدوا عما يعتقدونه من ألوهية الله، دفاعاً عما زين لهم من عبادتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وتقاليدهم!.. فليدعهم المؤمنون لما هم فيه: {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون}.. وهو أدب يليق بالمؤمن، المطمئن لدينه، الواثق من الحق الذي هو عليه. الهادىء القلب، الذي لا يدخل فيما لا طائل وراءه من الأمور. فإن سب آلهتهم لا يؤدي بهم إلى الهدى ولا يزيدهم إلا عناداً. فما للمؤمنين وهذا الذي لا جدوى وراءه. وإنما قد يجرهم إلى سماع ما يكرهون. من سب المشركين لربهم الجليل العظيم؟! وأخيراً يختم هذا الدرس، الذي استعرض فيه صفحة الوجود الحافلة بالآيات والخوارق، في كل لحظة من ليل أو نهار.. يختمه بأن هؤلاء المشركين يقسمون بالله جهد أيمانهم أن لو جاءتهم آية - أي خارقة مادية كخوارق الرسل السابقة - ليؤمنن بها! الأمر الذي جعل بعض المسلمين حين سمعوا أيمانهم يقترحون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل ربه هذه الآية التي يطلبون!.. ويجيء الرد الحاسم على المؤمنين، ببيان طبيعة التكذيب في هؤلاء المكذبين: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها. قل: إنما الآيات عند الله. وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون. ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون}.. إن القلب الذي لا يؤمن بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود - بعد توجيهه إليها على هذا النحو العجيب الذي تكفل به هذا الكتاب العجيب - ولا توحي آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق إليه أن يبادر إلى ربه، ويثوب إلى كنفه.. إن هذاالقلب هو قلب مقلوب.. والذي عاق هؤلاء عن الإيمان في أول الأمر، ما الذي يُدري المسلمين الذين يقترحون إجابة طلبهم، أن يعوقهم عن الإيمان بعد ظهور الخارقة؟ إن الله هو الذي يعلم حقيقة هذه القلوب.. وهو يذر المكذبين في طغيانهم يعمهون، لأنه يعلم منهم أنهم يستحقون جزاء التكذيب؛ كما يعلم عنهم أنهم لا يستجيبون.. لا يستجيبون ولو نزل إليهم الملائكة كما يقترحون! ولو بعث لهم الموتى يكلمونهم - كما اقترحوا كذلك! - ولو حشر الله عليهم كل شيء في هذا الوجود يواجههم ويدعوهم إلى الإيمان!.. إنهم لا يؤمنون - إلا أن يشاء الله - والله سبحانه لا يشاء، لأنهم هم لا يجاهدون في الله ليهديهم الله إليه.. وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب.. إنه ليس الذي ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين.. إنما الذي ينقصهم آفة في القلب، وعطل في الفطرة، وانطماس في الضمير.. وإن الهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه، والذين يجاهدون فيه..

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي انتُقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة، فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين من العرب، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدُهريين منهم بطريق الأوْلى، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله: {فأنَّى تُؤفَكُون}، أي فتكفرون النّعمة. وفيه عِلم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم. وافتتاحُ الجملة بــ {إنْ} مع أنّه لا ينكر أحد أنّ الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا، ولكنَّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي، لمّا كان نظراً دقيقاً قد انصرف عنه المشركون فاجْترأوا على إنكار البعث، كان حالهم كحال من أنكر أو شَكّ في أنّ الله فالقُ الحبّ والنَّوى، فأكّد الخبر بحرف (إنْ). وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنّه وصف ذاتي لله تعالى، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلُّقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال، ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة الله على إخراج الحيّ من الميّت، والانتقالُ من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر. والفَلْق: شَقّ وصدعُ بعض أجزاء الشّيء عن بعض، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبْت والشّجر وأصولها، فهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته. والحَبّ اسم جمع لما يثمره النّبت، واحده حبّة. والنَّوى اسم جمع نواة، والنّواة قلب التّمرة. ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها يَنبت شجرها مثل العنب والزّيتون، وهو العَجَم بالتّحريك اسم جمع عَجَمة. وجملة: {يخرج الحيّ من الميّت} في محلّ خبر ثان عن اسم (إنّ) تتنزّل منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها وهو الفَلْق الّذي يخرج منه نبتاً أو شجراً نامياً ذا حياة نباتيةٍ بعد أن كانت الحبّة والنّواة جسماً صلباً لا حياة فيه ولا نماءَ. فلذلك رجّح فصل هذه الجملة عن الّتي قبلها إلاّ أنّها أعمّ منها لدلالتها على إخراج الحيوان من ماء النطفة أو من البيض، فهي خبر آخر ولكنّه بعمومه يبيّن الخبر الأوّل، فلذلك يحسن فصل الجملة، أو عدممِ عطف أحد الأخبار. وعُطف على {يخرج الحيّ من الميّت} قولُه {ومخرج الميّت من الحيّ} لأنّه إخبار بضدّ مضمون {يخرج الحيّ من الميّت} وصنع آخر عجيب دالّ على كمال القدرة وناف تصرّف الطّبيعة بالخَلْق، لأنّ الفعل الصّادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي، وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله: {فالقُ الحبّ والنّوى}، لأنّ فلق الحبّ عن النّبات والنّوى عن الشّجر يشمل أحوالاً مُجملة، منها حال إثمار النّبات والشّجر: حبّاً ييبس وهو في قصب نباته فلا تكون فيه حياة، ونوىً في باطن الثّمار يبَساً لا حياة فيه كنوى الزّيتون والتّمر، ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللّبَن والمِسْك واللّؤلؤ وحجر (البازهر) من بواطن الحيوان الحيّ، فظهر صدور الضدّين عن القدرة الإلهيّة تمام الظّهور. وقد رَجَح عطفُ هذا الخبر لأنّه كالتكملة لقوله: {يخرج الحيّ من الميّت} أي يفعل الأمرين معاً كقوله بعده {فالقُ الإصباح وجاعلُ اللّيل سَكنا}. وجعله في «الكشاف» عطفاً على {فالق الحبّ} بناء على أنّ مضمون قوله: {مُخرج الميّت من الحيّ} ليس فيه بيان لمضمون {فالق الحبّ} لأنّ فلق الحبّ ينشأ عنه إخراج الحيّ من الميّت لا العكس، وهو خلاف الظّاهر لأنّ علاقة وصف {مخرج الميّت من الحيّ} بخبر {يخرج الحيّ من الميّت} أقوى من علاقته بخبر {فالق الحبّ والنّوى}. وقد جيء بجملة: {يخرج الحيّ من الميّت} فعليّة للدّلالة على أنّ هذا الفعل يتجدّد ويتكرّر في كلّ آن، فهو مُراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتّفاق. وجيء في قوله: {ومُخرج الميّت من الحيّ} اسماً للدّلالة على الدّوام والثّبات، فحصل بمجموع ذلك أنّ كلا الفعلين متجدّد وثابِت، أي كثير وذاتيّ، وذلك لأنّ أحد الإخراجين ليس أوْلى بالحكم من قرينه فكان في الأسلوب شِبه الاحتباك. والإشارة بــ {ذلكم} لزيادة التّمييز وللتّعريض بغباوة المخاطبين المشركين لغفلتهم عن هذه الدّلالة على أنّه المنفرد بالإلهيّة، أي ذلكم الفاعل الأفعال العظيمة من الفلق وإخراج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ هو الّذي يعرفه الخلق باسمه العظيم الدالّ على أنّه الإله الواحد، المقصور عليه وصف الإلهيّة فلا تعدلوا به في الإلهيّة غيره، ولذلك عقّب بالتّفريع بالفاء قوله: {فأنَّى تؤفكون}. والأَفك ـــ بفتح الهمزة ـــ مصدر أفَكَه يأفكه، من باب ضرب، إذا صرفه عن مكان أو عن عَمل، أي فكيف تصرفون عن توحيده. و(أنَّى) بمعنى من أين. وهو استفهام تعجيبي إنكاري، أي لا يوجد موجب يصرفكم عن توحيده. وبُني فعل {تؤفكون} للمجهول لعدم تعيّن صارفهم عن توحيد الله، وهو مجموع أشياء: وسوسة الشّيطان، وتضليل قادتهم وكبرائهم، وهوى أنفسهم. وجملة (ذلكم الله) مستأنفة مقصود منها الاعتبار، فتكون جملة: {ذلكم الله فأنّى تؤفَكون} اعتراضاً. و{فالق الإصباح} يجوز أن يكون خبراً رابعاً عن اسم (إنّ)، ويجوز أن يكون صفة لاسم الجلالة المخبر به عن اسم الإشارة، فيكون قوله: {فأنّى تؤفكون} اعتراضاً. والإصباح ـــ بكسر الهمزة ـــ في الأصل مصدر أصبح الأفُق، إذا صار ذا صباح، وقد سمّي به الصباح، وهو ضياء الفجر فيقابل اللّيلَ وهو المراد هنا. وفلْق الإصباح استعارة لظهور الضّياء في ظلمة اللّيل، فشبّه ذلك بفلق الظلمة عن الضّياء، كما استعير لذلك أيضاً السّلخ في قوله تعالى: {أية : وآية لهم اللّيل نسلخ منه النّهار}تفسير : [يس: 37]. فإضافة {فالق} إلى {الإصباح} حقيقيّة وهي لأدنى ملابسة على سبيل المجاز. وسنبيّنه في الآية الآتية لأنّ اسم الفاعل له شائبة الاسميّة فيضاف إضافة حقيقيّة، وله شائبة فعلية فيضاف إضافة لفظيّة. وهو هنا لمّا كان دالاً على وصف في الماضي ضعف شبهه بالفعل لأنّه إنّما يشبه المضارع في الوزن وزمننِ الحال أو الاستقبال. وقد يعتبر فيه المفعوليّة على التّوسّع فحُذف حرف الجرّ، أي فالق عن الإصباح فانتصب على نزع الخافض، ولذلك سمَّوْا الصّبح فَلَقاً ـــ بفتحتين ـــ بزنة ما بمعنى المفعول كما قالوا مسكَن، أي مسكون إليه فتكون الإضافة على هذا لفظية بالتأويل وليست إضافته من إضافة الوصف إلى معموله إذ ليس الإصباح مفعول الفلْق والمعنى فالق عن الإصباح فيعلم أنّ المفلوق هو الليل ولذلك فسّروه فالق ظلمة الإصباح، أي الظلمة التي يعقبها الصبح وهي ظلمة الغَبَش، فإنّ فلق الليل عن الصبح أبدع في مظهر القدرة وأدخل في المنّة بالنعمة، لأنّ الظلمة عدم والنور وجود. والإيجاد هو مظهر القدرة ولا يكون العدم ومظهراً للقدرة إلاّ إذا تسلّط على موجود وهو الإعدام، وفلق الإصباح نعمة أيضاً على النّاس لينتفعوا بحياتهم واكتسابهم. {وجاعل اللّيل سكناً} عطف على {فالق الإصباح}. وقرأه الجمهور ـــ بصيغة اسم الفاعل وجرّ {اللّيلِ} ـــ لمناسبة الوصفين في الاسميّة والإضافة. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلَف. {وجَعَل} بصيغة فعل الماضي وبنصب {اللّيل}. وعُبّر في جانب اللّيل بمادة الجعل لأنّ الظلمة عدم فتعلّق القدرة فيها هو تعلّقها بإزالة ما يمنع تلك الظلمة من الأنوار العارضة للأفق. والمعنى أنّ الله فلق الإصباح بقدرته نعمة منه على الموجودات ولم يجعل النّور مستمراً في الأفق فجعله عارضاً مجزءاً أوقاتاً لتعود الظّلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النّصَب والعمل فيستجمّوا راحتهم. والسكَن ـــ بالتَّحريك ـــ على زنة مُرادف اسم المفعول مثل الفَلَق على اعتباره مفعولاً بالتوسّع بحذف حرف الجرّ وهو ما يسكن إليه، أي تسكن إليه النّفس ويطمئنّ إليه القلب، والسّكون فيه مجاز. وتسمّى الزّوجة سكَناً والبيتُ سكناً قال تعالى: {أية : والله جعل لكم من بيوتكم سكناً}تفسير : [النحل: 80]، فمعنى جَعْل اللّيل سكناً أنّه جعل لتحصل فيه راحة النّفس من تعب العمل. وعُطف {الشمس والقمر} على {اللّيل} بالنّصب رعياً لمحلّ اللّيل لأنّه في محلّ المفعول لــ {جاعل} بناء على الإضافة اللّفظيّة. والعطف على المحلّ شائع في مواضع من كلام العرب مثل رفع المعطوف على اسم (إنّ)، ونصب المعطوف على خبَر ليس المجرور بالباء. والحسبان في الأصل مصدر حَسَب ـــ بفتح السّين ـــ كالغُفران، والشُّكران، والكفران، أي جعلها حساباً، أي علامة حساببٍ للنّاس يحسبون بحركاتها أوقات اللّيل والنّهار، والشّهور، والفصول، والأعوام. وهذه منّة على النّاس وتذكير بمظهر العلم والقدرة، ولذلك جعل للشّمس حسبان كما جُعل للقمر، لأنّ كثيراً من الأمم يحسبون شهورهم وأعوامهم بحساب سير الشّمس بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها. والعرب يحسبون بسير القمر في منازله. وهو الذي جاء به الإسلام، وكان العرب في الجاهليّة يجعلون الكبس لتحويل السنة إلى فصول متماثلة، فموقع المنّة أعمّ من الاعتبار الشّرعي في حساب الأشهر والأعوام بالقمري، وإنّما استقام ذلك للنّاس بجعل الله حركات الشّمس والقمر على نظام واحد لا يختلف، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته، وهذا بحسب ما يظهر للنّاس منه ولو اطّلعوا على أسرار ذلك النّظام البديع لكانت العبرة به أعظم. والإخبار عنهما بالمصدر إسناد مجازي لأنّه في معنى اسم الفاعل، أي حاسبين. والحاسب هم النّاس بسبب الشّمس والقمر. والإشارة بــ {ذلك} إلى الجعل المأخوذ من {جاعل}. والتّقدير: وضع الأشياء على قدْر معلوم كقوله تعالى: {أية : وخلق كلّ شيء فقدّره تقديراً}تفسير : [الفرقان: 2]. والعزيز: الغالب، القاهر، والله هو العزيز حقّاً لأنّه لا تتعاصى عن قدرته الكائنات كلّها. والعليم مبالغة في العلم، لأنّ وضع الأشياء على النّظام البديع لا يصدر إلاّ عن عالم عظيم العلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فالق الحب والنوى: شاق الحب كحب البر ليخرج منه الزرع، والنوى واحده نواة وشقها ليخرج منها الفسيلة (النخلة الصغيرة). يخرج الحي من الميت: الدجاجة من البيضة. ومخرج الميت من الحي: البيضة من الدجاجة. فأنى تؤفكون: كيف تصرفون عن توحيد الله الذي هذه قدرته إلى عبادة الجمادات. فالق الإِصباح: الإِصباح: بمعنى الصبح وفلقه: شقه ليتفجر منه النور والضياء. سكنا: يسكن فيه الناس ويخلدون للراحة. حسباناً: أي حسابا بهما تعرف الأوقات الأيام والليالي والشهور والسنون. تقدير العزيز العليم: إيجاد وتنظيم العزيز الغالب على أمره العليم بأحوال وأفعال عباده. لتهتدوا بها: أي ليهتدي بها المسافرون في معرفة طرقهم في البر والبحر. من نفس واحدة: هي آدم أبو البشر عليه السلام. فمستقر: أي في الأرحام. ومستودع: أي في أصلاب الرجال. يفقهون: أسرار الأشياء وعلل الأفعال فيهتدوا لما هو حق وخير. خضراً: هو أول ما يخرج من الزرع ويقال له القصيل الأخضر. متراكبا: أي بعضه فوق بعض وهو ظاهر في السنبلة. طلع النخل: زهرها. قنوان: واحده قنو وهو العِذْق وهو العُرْجون بلغة أهل المغرب. مشتبهاً وغير متشابه: في اللون وغير مشتبه في الطعم. وينعه: أي نضجه واستوائه. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان الدليل على وجب توحيد الله تعالى وبطلان عبادة غيره فقال تعالى واصفاً نفسه بأفعاله العظيمة الحكيمة التي تثبت ربوبيته وتقرر ألوهيته وتبطل ربوبية وألوهية غيره مما زعم المشركون أنها أرباب لهم وآلهة: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} أي هو الذي يفلق الحب ويخرج منه الزرع لا غيره وهو الذي يفلق النوى، ويخرج منه الشجر والنخل لا غيره فهو الإِله الحق إذاً وما عداه باطل، وقال: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} فيخرج الزرع الحيّ من الحب الميت {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} فيخرج الحب من الزرع الحيّ، والنخلة والشجرة من النواة الميتة ثم يقول: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} أي المستحق للإِلهية أي العبادة وحده {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف يا للعجب تصرفون عن عبادته وتأليهه إلى تأليه وعبادة غيره: ويقول: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} أي هو الله الذي يفلق ظلام الليل فيخرج منه ضياء النهار {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً}: أي ظرف سكن وسكون وراحة تسكن فيه الأحياء من تعب النهار والعمل فيه ليستريحوا، وقوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} أي وجعل الشمس والقمر يدوران في فلكيهما بحساب تقدير لا يقدر عليه إلا هو، وبذلك يعرف الناس الأوقات وما يتوقف عليها من عبادات وأعمال وآجال وحقوق ثم يشير إلى فعله ذلك فيقول: {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} الغالب على أمره {ٱلْعَلِيمِ} بسائر خلقه وأحوالهم وحاجاتهم وقد فعل ذلك لأجلهم فكيف إذاً لا يستحق عبادتهم وتأليههم؟ عجباً لحال بني آدم ما أضلهم؟! ويقول تعالى في الآية الثالثة [97] {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} هذه منة أخرى من مننه على الناس ومظهراً آخر من مظاهر قدرته حيث جعل لنا النجوم ليهتدي به مسافرونا في البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا فهي نعمة لا يقدر على الإِنعام بها إلا الله، فلم إذاً يكفر به ويعبد سواه؟ وقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يخبر به تعالى على نعمة أخرى وهي تفصيله تعالى للآيات وإظهارها لينتفع بها العلماء الذي يميزون بنور العلم بين الحق والباطل والضار والنافع ويقول في الآية الرابعة [98] {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم} - أي خلقكم - {مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} هي آدم عليه السلام، فبعضكم مستقر في الأرحام وبعضنا مستودع في الأصلاب وهو مظهر من مظاهر إنعامه وقدرته ولطفه وإحسانه، ويختم الآية بقوله {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} لتقوم لهم الحجة على ألوهيته تعالى دون ألوهية ما عداه من سائر المخلوقات لفهمهم أسرار الكلام وعلل الحديث ومغزاه. ويقول في الآية [99] { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وهو ماء المطر ويقول {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي ينبت أي قابل للإِنبات من سائر الزروع والنباتات ويقول فأخرجنا من ذلك النبات خضراً وهو القصيل للقمح والشعير، ومن الخضر يخرج حباً متراكباً في سنابله، ويقول عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} أي ويخرج بإذن الله تعالى من طلع النخل قنوان جمع قنو العذق دانية متدلية وقريبة لا يتكلف مشقة كبيرة من أراد جنيها والحصول عليها، وقوله {وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} يقول وأخرجنا به بساتين من نخيل وأعناب، وأخرجنا به كذلك الزيتون والرمان حال كونه مشتبهاً في اللون وغير متشابه في الطعم، كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه ينبت لديكم ذلك التشابه وعدمه، وختم الآية بقوله: إن في ذلكم المذكور كله {لأَيَٰتٍ} علامات ظاهرات تدل على وجوب ألوهية الله تعالى وبطلان ألوهية غيره {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم أحياء يفعلون ويفكرون ويفهمون أما غيرهم من أهل الكفر فهم أموات القلوب لما ران عليها من أوضار الشرك والمعاصي فهم لا يعقلون ولا يفقهون فأنى لهم أن يجدوا في تلك الآيات ما يدلهم على توحيد الله عز وجل؟ هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الله خالق كل شيء فهو رب كل شيء ولذا وجب أن يؤله وحده دون ما سواه. 2- تقرير قدرة الله على كل شيء وعلمه بكل شيء وحكمته في كل شيء. 3- فائدة خلق النجوم وهي الاهتداء بها في السير في الليل في البر والبحر. 4- يتم إدراك ظواهر الأمور وبواطنها بالعقل. 5- يتم إدراك أسرار الأشياء بالفقه. 6- الإِيمان بمثابة الحياة، والكفر بمثابة الموت في إدراك الأمور.

القطان

تفسير : الفلق: الشق. الحب: الحنطة، وكل انواع الحبوب. النوى: واحدها نواة وهي بزرة التمرة والزبيبة. الإصباح: الصبح جعل الليل سكنا: ليسكُن الإنسان فيه ويستقر. الحسبان: الحساب والتوقيت. المستقر: موضع القرار والاقامة. المتسودع: موضع الوديعة. خضرا: نباتا غضا اخضر. متراكبا: بعضه فوق بعض. الطلع:اول ما يظهر من زهر النخل قبل ان ينشق عنه الغلاف. القنوان: واحدها قنو: العذِق وهو مثل العنقود من العنب. دانية: قريبة التناول. ينعه: حين ينضج: تؤفكون: تضلون، تصرفون. بعد ان أثبت الله سبحانه امر التوحيد وثبّته، ثم أردف أمر النبوة والبعث، وردّ على منكري الوحي، وأوعدهم يوم الجزاء شراً- جاء هنا ليطلع الناس على آياته العظمى في هذا الكون العجيب. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ}. ان دلائل قدرة الله على البعث، واستحقاقه وحده للعبادة، متوافرة متنوعة. فهو وحده الذي يشق الحب ويخرج منه النبات، ويشق النوى ويخرج منه الشجر. انه هو الذي يخرج الحي من الميت، كالانسان من التراب، والميتَ من الحي، كاللبن من الحيوان. ولقد اقترنت (فالقُ الحب والنوى) بآية (فالق الإصباح) وهي تدل على وجود الضوء والضلام، وان الضوء مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو النبات والاشجار. ذلك أن الحب والنوى بعد ان تُفلق نباتاً إنما تحتاج الى غذاء.. وهذا الغذاء يتكون من عناصر الأرض الخِصبة، ومن ضوء الشمس، فجذور النبات تتغذى من الارض، وأغصانه واوراقه تتغذى من حرارة الشمس التي يؤذن بها الصباح. وهذه من قدرة الله وحده، فلا يقدر إلا الله أن يجهّز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة الى خلايا حية، او تحويل الخلايا الحية مرة اخرى الى ذارت ميتة. يقول الدكتور ايرفنج وليام في ماقل عنوانه: المادية وحدها لا تكفي، في كتاب "الله يتجلى في عصر العلم". "ان العلوم لا تستيطع ان تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي تتكون منها جميع المواد. كما لا تستطيع ان تفسر لنا، بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها، كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكوّن الحياة. ولا شك ان النظرية التي تدّعي ان جميع صور الحياة الراقية قد وصلت الى حالتها الراهنة من الرقي، بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن، نظريةٌ لا يمكن الأخذ بها الا عن طريق التسليم فهي لا تقوم على اساس من المنطق والاقناع". ويقول الدكتور البرت ماكوب ونشستر، المتخصص في علم الاحياء، في مقال: العلوم تدعم ايماني بالله، من كتاب "الله يتجلى في عصر العلم". "لقد اشتغلت بدراسة علم الآحياء، وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدارسة الحياة وليس بين مخلوقات الله اروع من الاحياء التي تسكن هذا الكون. انظر الى نبات برسيم ضئيل، وقد نما على احد جوانب الطريق. هل تستطيع ان تجد له تظيراً في روعته بين جميع ما صنعه الانسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟ انه آلة حيّة تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل واطراف النهار، بالآف من التفاعلات الكيماوية والطبيعية. ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم، وهي المادة التي تدخل في تركيب الكائنات الحية. فمن أين جاءت هذه الآلةُ المعقدة؟ ان الله لم يصنعها هكذا وحدها، ولكنه خلَق الحياة، وجعلها قادرة على صيانة نفسها، وعلى الاستمرار من جيل الى جيل، مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر. ان دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أورع دراسات علم الاحياء، واكثرها اظهارا لقدرة الله. ان الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد، تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث يصعب مشاهدتها الا باستخدام المجهر. ومن العجيب ان كل صفة من صفات النبات، كل عرق، وكل شُعَيْرة، وكل فرع على ساق، وكل جذر أو ورقة - يتم تكوينها تحت اشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا، فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي نشأ منها النبات!! تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات (ناقلات الوراثة). وكل ذلك يتم بإذن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وبقدر الله الذي تتم به كل حركة في الوجود كله". {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} ربُّكم مبدعُ المعجزة المتكررة ذات السر العجيب {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}؟ فكيف تُصرفون عن هذا الحق الواضح للعقول والعيون! كيف تشركون به من لا يقدر على شيء من ذلك!؟. ويجيء ذكر معجزة انبثاق الحياة من الموت كثيرا في القرآن الكريم كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداءً - في معرض التوجيه الى حقيقة الالوهية، وآثارها الدالة على وحدة الخالق وقدرته. ويهدف ذلك الى تقويم تصور البشر بإعطائهم العقيدة الصحيحة. {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}. هو الذي يجلو غبش الصبح بضوء النهار ليسعى الاحياء الى تحصيل أسباب حياتهم ومعاشهم، وجعل الله الليل سَكَناً يستريح المتعَب فيه من العمل بالنهار، وتسكن فيه نفسُه. وأكثر الأحياء من الإِنسان والحيوان تترك العمل والسعي في الليل، وتأوي الى مساكنها للراحة. كما سيّر الشمس والقمر بنظام دقيق يعرف به الناس مواقيتَ عبادتهم ومعاملاتهم، وهذا النظام المحكم تدبيرُ من الله المسيطِر على الكون، المحيط علمه بكل شيء، البعيد المدى في الابداع والاتقان، والذي قال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. قراءات: قرأ اهل الكوفة "جعل الليل سكنا" وقرأ الباقون "جاعل الليل". {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...}. جعل: خلق النجوم: جمع نجم وهي الاجرام السماوية التي نرى كثيرا منها بالعين المجردة. والمراد بالظلمات ظلمة الليل، في اسفارنا برا وبحرا. ان الله هو الذي خلق لكم النجوم ايها الناس تستدلّون بها على الطريق فتسلكونها وتنجون من الأخطار في البر والبحر. فالله سبحانه وتعالى يذكّرنا ببعض فضله علينا في تسخير هذه النيرات التي نراها صغيرة، لبعدها عنا، بعد ان سبق وذكّرنا ببعض فضله في الشمس والقمر اللّذين يبدوان كبيرين في أعين الناس لقربهما. وأقرب كوكب منا هو القمر، يبعد عن الارض بنحو مائتين وأربعين الف ميل، وهو يدور حول الأرض ويكمل دورته في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم. وتبعد أرضنا عن الشمس ثلاثة وتسعين مليون ميل، وهي تدور حول محورها بسرعة الف ميل في الساعة، وتدور حول الشمس في دائرة مساحتها مائة وتسعون مليون ميل، وتستكمل دورتها في هذه الدائرة مرة واحدة في سنة كاملة. وتوجد تسعة كواكب مع الارض هي: عطارد والزهرة والمّريخ وزحَل والمشتري واورانوس ونبتون وبلوتو، وكلها تدور حول الشمس بسرعة فائقة، بعضها يكمل دورة كاملة في ثمانية وثمانون يوماً وهو عطارد، اقرب الكواكب الى الشمس؛ وبعضها يكمل دورة كاملة في مدة مائتين وثمان واربعين سنة وهو بلوتو، أبعد الكواكب من الشمس. وهو يدرو في دائره مساحتُها سبعةُ بلايين وخمسمائة مليون ميل. وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمراً أخرى. وتوجد غير هذه الكواكب حلقة من ثلاثين ألفا من "النجيمات" وآلاف المذنبات، وشهب لا حصر لها ولكها تدور حول ذلك السيّار العملاق الذي نسميه الشمس، التي يبلغ قطرها: ثمانمائة وخمسة وستين الف ميل. وهي اكبر من الارض بمليون وربع ميلون مرة. ولا تشكّل هذه الشمس وما حولها من الكواكب المذكورة، والاقمار، والنجيمات، والشهب التي تشغل هذا المجال الواسع- ذرةً صغيرة في هذا الكون الواسع الذي لا يدركه عقل ولا بصر. ثم إن هذه الشمس ليست بثابتة او واقفة في مكان ما، وانما هي بدورها، ومع كل هذه الاجرام التي ذكرناها - تدور في النظام الرائع البديع بسرعة 600.000 الف ميل في الساعة وفي هذا الكون الفسيح العجيب آلاف الانظمة غير نظامنا الشمسي يتكون منها ذلكم النظام الذي نسمّيه "المجرّات" او مجاميع النجوم، وكأنها جميعها طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة، كما يدور الخذروف "البلبل" حين يعلب الاطفال. ومجرّات النجوم هذه تتحرك بدورها ايضا، فالمجرّة التي يقع فيها نظامنا الشمسي تدور حول محورها بحيث تكمل دورةً واحدة كل مائتي بليون سنة ضوئية 200.000.000.000 وهذا شيء مذهل ومحيِّر لا تتصوره العقول. ويقدّر علماء الفلك أن هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون من المجرات، في كل منها "مائة مليار" من النجوم، او اكثر او اقل. ويقدّرون ان أقرب مجموعة من النجوم، وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة والتي نسميها درب التبّانة، تضم حَيّزاً مداه ألف سنة ضوئية. وسرعة الضو 300.000 الف كيلو متر في الثانية. وبمعرفة هذه الحقيقة يتبين لنا اتساع السنة الضوئية ومقدار زمنها، وكم تكون مسافة الف سنة ضوئية. انها شيء مذهل حقا، فوق تفكير البشر وطاقته. ونبعد نحن سكان الارض عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين الف سنة ضوئية، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتألف من سبع عشرة مجرة. وقطر هذه المجموعة الكبيرة (ذات السبع عشرة) مليونان من السنين الضوئية. والحديث في هذا الموضوع طويل جدا، ومحيّر ومذهل. وحين ينظر العقل الى هذا النظام العجيب، والتنظيم الدقيق الغريب المدهش لا يلبث ان يحكم باستحالة ان يكون هذا كله قائما بنفسه، بل ان هنالك طاقة غير عادية هي التي تقيم هذا النظام العظيم، وتهيمن عليه. ولما في عالم السماوات وهذا الكون الذي بينا لمحة موجزة عنه - من بديع الصنع والنظام - ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. أي أنّا قد بينّا دلائل رحمتنا وقدرتَنا لقوم ينفعون بالعلم. فهو يوجّهنا إلى هذا الكون، وما فيه من حقائق مذهلة، تدفعنا الى التدبر والتذكّر. الله اجعلنا ممن ينتفعون بالعلم والمعرفة، وثّبت قلوبنا بالإيمان الصادق. وبعد ان بيّن لنا تعالى بعض آياته في هذا الكون العجيب ليذكّرنا بذلك، وينبّه الناس من غفلتهم، عطَف الحديث هنا ليذكّرنا بآياته العجيبة في انفسنا. ذلك لأن الإنسان هو أعظم شيء في الوجود. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}. الانشاء: ايجاد الشيء وتربيته. النفس: تطلق على الروح وعلى الشخص المركّب من روح وبدن. والنفس البشرية الأولى هي آدم، والله تعالى هو الذي أوجدَكم من أصل واحد هو أب البشر آدم. وتبدأ الحياة من حيوان صغير لا يُرى بالعين المجردة، فالنفس هي مستودع لهذه الخلية في صلب الرجل، وهي مستقر لها في رحم الأنثى. ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار في هذه الارض التي هي مكان استقراركم في حياتكم، ومستودعٌ لكم، بعد موتكم. هكذا فصّلنا الآياتِ لقوم يفقهون، وبيّنا دلائل قدرتنا لقوم يفقهون ما يُتلى عليهم، ويدركون الأشياء على وجهها فالفقه هنا، وهو اعمق الفهم، ضروريٌ لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة التي يخرُج منها أشكال وألوان، فيهب الله لمن يشاء اناثا، ويهب لمن يشاء الذكور. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو: فمستقِر بكسر القاف والباقون بفتح القاف. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً...} الآية. خضراً: أخضر قنوان: جمع قنو وهو الفرع الصغير في النخلة، ويسمى العذق والعِرجون وهو الذي يحمل الثمر. دانية: قريبة متدلية ينعهِ: نضجه. ثم ينقلنا الى مشاهد الحياة المتفتحة في جنبات الارض، فيذكر آية اخرى من آيات التكوين ويبين لنا دور الماء الظاهر في إنبات كل شيء. وهو الذي أنزل من السحاب ماءً فأخرج به نبات كل صنف، جاء بعضه غضّاً طريا، يخرج منه حبٌّ كثير بعضه فوق بعض. ومن غبار طلع النخل تخرج عراجين محمّلة بالثمار قريبة سهلة التناول. كذلك أخرجنا بفضل الماء جناتٍ من الأعناب والزيتون والرمان، منها ما هو متشابه الثمر في الشكل، وما هو متشابه في الطعم والرائحة. فانظروا ايها الناس في تدبرٍ واعتبار إلى ثمره حين يثمر، والى نضجه كيف تم بعد اطوار مختلفة. ثم وازِنوا بين صفاته في كل من الحالين، يتبين لكم لطف الله وقدرته. أليس في ذلك دلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم ينشدون الحق؟‍‍! قراءات: قرأ حمزة والكسائي: ثمره بضم الثاء والميم، جمع ثمرة والباقون: ثمره بفتح الثاء والميم. بعد هذا العرض الواضح لدلائل وجود الله ووحدانيته وقدرته يبين لنا الله تعالى شِرك المشركين وأوهامهم وسخفهم، فيعقّب على ذلك كلّه بالاستنكار فيقول: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ...}.

د. أسعد حومد

تفسير : (95) - وَمِنْ دَلاَئِلِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَعْثِ العِبَادِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ المَعَادِ، أَنَّهُ هُوَ الذِي يَشُقُّ الحَبَّ وَالنَّوى فِي جَوْفِ الأَرْضِ، بَعْدَ أنْ يُخَالِطَهُ المَاءُ، فَتَنْبُتُ الزُّرُوعُ مِنَ الحُبُوبِ، وَتَنْبُتُ الأَشْجَارُ مِنَ النَّوَى، وَاللهُ يُخْرِجُ النَّبَاتَ الحَيَّ مِنَ الحَبِّ وَالنَّوَى الذِي هُوَ كَالجَمَادِ المَيِّتِ. وَالذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ (ذِلكُمُ اللهُ) فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَنِ الحَقِّ، وَتَعْدِلُونَ عَنْهُ إِلى البَاطِلِ، فَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَالِقُ الحَبِّ - شَاقُّ الحَبِّ عَنِ النَّبَاتِ، أَوْ خَالِقُهُ. فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنُ عِبَادَتِهِ.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ} أي فلق الحب عن النبات، ومخرج منها الزرع وشاق النوى عن الشجر والنخل ومخرجها منها. وقال مجاهد: يعني الشقين الذين عناهما. وقال الضحاك: فالق الحب والنوى، الحب جمع الحبة وهي كل ما لم يكن لها نواة مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها. {وَٱلنَّوَىٰ} جمع النواة وهي كل ما يكون له حب مثل الخوخ والمشمش والتمر والأجاص ونحوها. {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تصدون عن الحق {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} شاق عمود الصبح من ظلمة الليل وكاشفه. وقال الضحاك: خالق النهار، والأصباح مصدر كالإقبال والإدبار وهي الإضاءة. وقرأ الحسن والقيسي: فالق الأَصباح بفتح الهمزة جعله جمع مثل قرص وأقراص. {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} سكن فيه خلقه. وقرأ النخعي: فلق الأصباح وجعل الليل سكناً. وقرأ أهل الكوفة: فالق الأصباح وجعل الليل سكناً على الفعل إتباعاً للمصحف. وقرأ الباقون: كلاهما بالألف على الإسم. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} أي جعل الشمس والقمر بحساب لا يجاوزاه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما. وقرأ [يزيد بن قعنب]: والشمس والقمر بالخفض عطفاً على اللفظ، والحسبان مصدر كالنقصان والرحمان وقد يكون جمع حساب مثل شهاب وشهبان، وركاب وركبان. {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} أي خلقها {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم} خلقكم وابتدأكم {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم (عليه السلام). {فَمُسْتَقَرٌّ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: فمستقر بكسر القاف على الفاعل يعني فلكم مستقر. وقرأ الباقون: بفتح على معنى فلكم مستقر. واختلف المفسرون في المستقر والمستودع. فقال عبد اللّه بن مسعود: فمستقر في الرحم إلى أن يوادع مستودع في القبر إلى أن يبعث. وقال مقسم: مستقر حيث يأوي إليه، ومستودع حيث يموت. وقال سعيد بن جبير: فمستقر في بطون الأمهات، ومستودع في أصلاب الآباء. وقال: قال لي ابن عباس (رضي الله عنه) أتزوجت يابن جبير؟ فقلت: لا وما أريد ذلك بوجه. قال: فضرب ظهري وقال: إنه مع ذلك ما كان مستودع في ظهرك فسيخرج. عكرمة عن ابن عباس: المستقر الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع الذي قد استودع في الصلب مما لم يخلق بعد وهو خالقه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المستقر في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب. مجاهد: فمستقر على ظهر الأرض في الدنيا. ومستودع عند اللّه تعالى في الآخرة. وقال أبو العالية: مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حيث تموت وحيث يبعث. وقال كرب: دعاني ابن عباس (رضي الله عنه) فقال: اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه بن عباس إلى فلان حبر تيماء، أما بعد فحدثني عن مستقر ومستودع. قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي فأعطيته إياه، فقال: مرحباً بكتاب خليلي من المسلمين فذهب إلى بيته ففتح أسفاطاً له كثيرة فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال: قلت له: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود، حتى أخرج سفر موسى فنظر إليه مرتين فقال: مستقر في الرحم ومستقر فوق الأرض ومستقر تحت الأرض ومستقر حيث يصير إلى الجنة أو إلى النار، ثم قرأ: {أية : وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} تفسير : [الحج: 5]. وقرأ: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [البقرة: 36]. فقرأ الحسن: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك يوشك أن تلحق، بصاحبك وأنشد قول لبيد: شعر : وما المال والأهلون إلا وديعة ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائع تفسير : وقال سليمان بن يزيد العدوي في هذا المعنى: شعر : فجع الأحبة بالأحبة قبلنا فالناس مفجوع به ومفجع ومستودع أو مستقر مدخلا فالمستقر يزوره المستودع تفسير : {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} من الماء، وقيل: من النبات {خَضِراً} يعني أخضر، وهو رطب البقول، يقول: هو لك خضراً مظراً أي هنيئاً مريئاً. وقال نخلة: خضيرة: إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج، وقد اختضر الرجل واغتضر إذا مات شاباً مصححاً {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا} أي ثمرها [وكثيراً منها] وما يطلع منها {قِنْوَانٌ} جمع قنو وهو العذق مثل صنو وصنوان. قال أبو عبيدة: [ولا ضير بهذا الكلام]. وقرأ الأعرج: قنوان بضم القاف، وهي لغة قيس، مثل قضبان. ولغة تميم: قنيان. وجمعه القليل أقنا مثل حنو وأحنا، {دَانِيَةٌ} قريبة ينالها القائم والقاعد. وقال مجاهد: متدلّية. وقال قتادة: متهدّلة. وقال الضحاك قصار ملتزقة بالأرض. ومعنى الآية ومن النخل قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة فاكتفى بالقريبة عن البعيدة كقوله تعالى {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] والبرد {وَجَنَّاتٍ} يعني وأخرجنا منه جنات. وقرأ يحيى بن يعمر والأعمش وعاصم: وجنات رفعاً نسقياً على قنوان لفظاً وإن لم يكن في المعنى من جنسها {مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} يعني وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى بالتمر عن الشجر كقوله {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} قتادة: متشابه ورقه يختلف بثمره، وقيل: مشتبهاً في المنظر غير متشابه في المطعم. وقال الحسن: الفعل منها ما يشبه بعضه بعضاً ومنها ما يخالف، وقيل: مشتبهاً في الخلقة من منشأه من الحكمة {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ}. قرأ أهل الكوفة: بضم الثاء والميم على جمع الثمار. وقرأ الباقون بفتحهما على جمع الثمرة مثل بعر ووبر {إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} نضجه وإدراكه. وقرأ أبو رجاء ومحمد بن السميقع: ويانعه بالألف على الإسم {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد ما تكلم الحق عن التوحيد والنبوات، ومن كانوا يعاكسون ويعارضون ويناوئون تلك النبوات ويكذبونها وقالوا فيها الإفك أراد الله أن يلفت خلقه إلى ما أعده لهم استبقاء لحياتهم، وكيف سخّر لهم كل الكون بما فيه .. جماداً ونباتاً وحيواناً، وكأنه سبحانه يوضح: إن كنت لا ترى أن الخالق يستحق عبادتك فانظر إلى ما انعم عليك به من النعم، ومادام العبد المخلوق له كل نعم الخالق الأعلى فلماذا لا يسمع كلمته سبحانه؟ أيها المخلوق أنت تتربى على مائدة الرحمن وهو خالقك فانظر وتأمل واعرف. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} وساعة تسمع لفظ الجلالة: أي علم واجب الوجود وهو الله، فعليك أن تأخذ لفظ الجلالة بكل ما يدل عليه من صفات الجلال وصفات الجمال ما عرفته وما لم تعرفه؛ لأنه سبحانه خلق الكون كله وهو قيُّوم عليه، وهذا الخلق وتلك القيّومية فعل يقتضي صفات متعددة تقتضي قدرة، وحكمة، وعلماً واسعاً ورحمة، وبسطاً وقبضاً وغير ذلك، وبدلاً من أن يأتي لك بصفات القدرة، وصفات الجمال ويذكرها ويعددها لك يقول سبحانه عن نفسه: "الله"؛ لأنه الاسم الجامع لكل صفاته. ونحن نقول في بدء كل عمل: بسم الله، وفي ذلك إيجاز لما يحتاج إليه أي عمل، لأن أي عمل يحتاج إلى قدرة، فتقول: باسم القادر، ويحتاج إلى علم فتقول: "باسم العليم" ويحتاج إلى حكمة فتقول: "باسم الحكيم" ويحتاج عزة فتقول: "باسم العزيز" وقد تحتاج إلى قهر عدوك لأنك قد تدخل معه في حرب فتقول: "باسم القاهر" إذن كل عمل يحتاج إلى حشد من صفات الكمال والجلال يخدم الفعل، فبدلاً من أن يقول باسم القادر وباسم الحليم وباسم العليم وباسم القابض، يوفر عليك سبحانه كل ذلك فتقول: بسم الله، لأن اسم الجلالة وهو "الله" هو الجامع لكل صفات الكمال. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}، فالق أي شاقق، جاعل الحب والنوى كل منهما فلقتين. "الحب" ما لا نواة له مثيل الشعير والقمح والأرز. وهناك ما له نوى مثل البلح والخوخ، وتجد في قلب النواة شيئا آخر. وهناك نوع آخر له بذور مثل البطيخ، وفي كل بذرة تجد فيها شيئا، فيوضح لك الحق سبحانه وتعالى: إن عظمتي تتجلّى في أنني أخلق الحب وأخلق النوى، وهناك حبوب مفلوقة جاهزة، مثل حبة الفول مثلاً وحبة العدس. وأنت إذا ما نظرت إلى هذه العملية وجدت شيئا عجباً!! فحين تأتي لنواة البلح أو حبة الشعير، وتضعها في الأرض في بيئة استخراجها، وبقليل من الرطوبة، تجد الفلقتين قد خرج منها نبتة وتكاد النواة أن تنفلق ليخرج منها الزبان الضعيف بين الفلقتين، وإن نزعت هذا الجذير تنتهي الحياة. ولذلك وجدنا من يتعجب حين اقتحم أعشاش النمل ووجد في العش قطعاً صغيرة مفتتة بيضاء بجانب العش، واكتشفوا أن هذه هي زبانات الحب الذي يدخله النمل للعش، فلو أن النمل أدخل الحبوب كاملة فقد تأتي لفحة من رطوبة فتكبر هذه الحبة، وتنمو وتصير شجرة تفتك بالعش، فمن الذي هدى النمل إلى أن تفعل هكذا؟ إنه الله. ونجد النمل يفلق حبة نبات "الكزبرة" إلى أربع قطع لأنه لو قطعها إلى اثنتين قد تنبت، من الذي علمه؟ إنه سبحانه: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. والعجيب أنك حين ترى النبتة الضعيفة ساعة أن تخرج إلى الحياة وهي التي ستكون من بعد ذلك جذراً إنها هشة وضعيفة إن أمسكتها بيدك تسحقها، لكنها تخترق قلب الأرض الصلبة التي لو ضربتها بسكين لانكسرت السكين، لكن الجذير الضعيف يدخل في قلب الصخر والأرض، فأي قوة أعطته ذلك؟ أي قوة تخرق له الأرض؟ وهل الجذير هو الذي خرق الأرض أو خُرِقَت له؟ لقد خرق الحق الأرض للبذرة لتستخرج منها غذاء للزرع، إنّها قدرة الحق سبحانه {فَالِقُ ٱلْحَبِّ} الذي ادخر في فلقتين اثنتين قوتاً للنبات إذا مسته رطوبة تتغذى عليها الزريعة إلى أن تربى الجذور، ويستمد النبات غذاءه من الفلقتين إلى أن يثبت ويتمكن في الأرض ثم تتحور الفلقتان إلى ورقتين خضراوين. ويتابع الحق سبحانه: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} . وحين تامل العلماء هذا القول وأرادوا أن يوضحوا لنا ما الحي؟ وما الميت؟ فات الجميع أن يعرفوا ما هي الحياة؟ الحياة هي قيام الموجود بما يؤدي به مهمته، فحياة الإنسان فيها حركة وحس وجري، ثم هناك حياة ثانية في الحيوان، وحياة ثالثة في النبات، وحياة ذات طابع مختلف في الجماد. مثلما علمونا في المدارس حين كان المدرس يمسك بقضيب ممغنط ليجذب برادة الحديد، حتى الحديد الصلب فيه لون معين من الحياة. وكلنا رأينا في المدارس الأنبوية الزجاجية التي وضعوا فيها برادة الحديد وكيف تتأثر بقضيب المغناطيس. وتعتدل وتصير في مستوى واحد، وهكذا نعرف أن الحياة هي الطاقة الموجودة في كل كائن ليؤدي مهمته حتى الأحجار تختلف فيها أشكال الحياة، فهناك حجر يأخذ شكل الرخام، وآخر المرمر، وكل لون من الأحجار له شكل من أشكال الحياة. ونقرأ في القرآن: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]. وجاء الحق بمقابل الهلاك وهو الحياة؛ فالهلاك ضد الحياة والحياة ضد الهلاك، ويقول سبحانه في آية أخرى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. إذن ما دام كل شيء هالكاً، فكل شيء فيه حياة، والخطأ أن تظن أن كل حياة تتشابه في الحس والحركة مع الإنسان، لا، إن الحياة في كل شيء بحسبه، إلى أن تقوم القيامة، فكل شيء حي له حياة تناسبه، وحين نسمع: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44]. نقول: نعم كل من يسبح بحمده يقول قولا، وإياك أن تقول إنّه تسبيح دلالة؛ لأن بعضهم يقول: إن هذا تسبيح دلالة على الخالق، ونقول: لو أن الذي يقصده الله تسبيح دلالة على خلق لما قال: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}. إذن: فلا أحد منا يفهم لغة التسبيح، وعرفنا من قبل حين سمع سليمان عليه السلام قول النملة وتبسم لها ضاحكاً، وكذلك ما سمعه من الهدهد، وكذلك تسخير الجبال لتسبح مع داود عليه السلام. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95]. إن كل كلمة لها دلالتها ومعناها. فكلمة العلم تدلنا على إحاطة علمه بكل شيء في الوجود، وكلمة الحكمة تدلنا على أن كل شيء منه يصدر عن حكمة. وكلمة الرزاق تدلنا على أن كل مرزوق في الوجود إنما أخذ من فيضه وخيره، وهكذا إلى ما لا نهاية لكماله من صفات ذاته. وكلمة "الله" تدل على كل صفات الجلال والجمال والكمال، فإذا قال: "الله" فهذا الاسم: يشمل القادر، العالم، الحكيم، القدير، وكل صفات الحق ما علمت منها وما لم تعلم، ما دامت ذاته سبحانه وتعالى متصفة بكل صفات الكمال، فالواجب أن يكون كل فعل يصدر عن ذاته المتصفة بالكمال له مطلق القدرة والجمال والكمال. إذن فحين يقول الحق ذلك فإنما يلفتنا إلى أن كل شيء كائن في الوجود إنما هو من خلق الله، وأن له حياة تناسب مهمته؛ فالإنسان له حياة تناسب مهمته. والحيوان له حياة تناسب مهمته. والنبات له حياة تناسب مهمته. والجماد له حياة تناسب مهمته. وإذا نظرت إلى الأشياء كلها بهذا المعنى وجدت أن كل موجود فيه حياة، ولكن الحياة الكاملة بكل مقوماتها وجدت في الأعلى من المخلوقات وهو الإنسان، والله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان الحياة حساً وحركة، ثم أعطاه حياة أخرى هي التي تُصعّد حياته وتجعل لحياته قيمة؛ لأن حياتنا الني نعيشها إنما يتمتع بها المؤمن والكافر، وقصارى ما فيها أن تعطينا الحس والحركة قدر عمرنا في الحياة، ولكن حياة الإيمان بما يبعثه الله لنا من منهج على يد الرسول. تعطينا حياة أوسع، وأخلد، وأرغد، وهذه هي الحياة الحقة، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. وهذه هي الحياة الحقيقية وقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} هو المقدمة الأولى للحياة، ثم تكلم عن الحياة وأنه يخرج حياً من ميت، وهو هنا قد خاطبنا على مقدار أوليات علمنا بالأشياء؛ فالشيء إذا لم يكن له حس وحركة نعتبره ميتاً لكن لو نظرت إلى الحقيقة لوجدت كل شيء في الوجود له حياة. مصداق ذلك قوله جلت قدرته: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}. وما دام كل شيء هَالِكاً فكل شيء قبل أن يهلك كان فيه حياة. والله سبحانه القائل: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 26-27]. ولماذا جاء في هذه الآية بـ "تخرج" وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قوله: "ومخرج الميت من الحي"؟ إنّ الذين بحثوا هذا البحث نظروا نظرة سطحية في المقابلة الجزئية في الآية، وهي: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} وقال: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} نسوا أنه سبحانه قال: إنه يخرج الحي من الميت؛ لبيان أن الله فالق الحب والنوى ليخرج الحي من الميت أي أن الله فلق وشق الحب والنوى لأجل أن يخرج الحي من الميت. . ثم قال: {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} هو مقابل لفالق فلا تأخذها مقابلة للجزئية في الآية؛ ولأن الاسم يدل على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث؛ فالحق سبحانه وتعالى له صفة في ذاته، وصفة في متعلقات هذه الذات؛ فهو سبحانه وتعالى رَزّاق، قبل أن يكون له مخلوق يرزقه. وهو رزاق، وبعد ما خلق من يرزقه هو رازق؛ لأنه هو الخالق، والخالق صفة للذات وإن لم يوجد المتعلق، وهو سبحانه المحيي قبل أن يوجد من يحييه؛ لأن صفته في ذاته أنه يحيي، ومميت قبل أن يميت من يريد أن يميته؛ لأن الصفة موجودة في ذاته. وسبحانه فالق الحب والنوى أي قبل أن يوجد الحب والنوى الذي يفلقه، ومخرج الحي من الميت هو صفة ثابتة في ذاته قبل أن يوجد متعلِّقها. وله صفة - أيضاً - بعد أن يوجد المتعلق، فإن أراد الصفة قبل أن يوجد المتعلَّق جاء بالاسم: "فالق ومخرج". وإن كان يريد الصفة بعد أن توجد، يقول: "يخرج"، "يخرج". ويذيل الحق الآية: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95]. و"ذا" اسم إشارة لما تقدم، وهو سبحانه فالق الحب والنوى ومن يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وهو الله. والكاف في قوله: {ذٰلِكُمُ} لمن يخاطبهم وهم نحن، أما اللام من {ذٰلِكُمُ} فهي للبعد والميم للجمع. فحين يريد الحق أن يخاطب رسوله، يقول: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 2]. ولكنه هنا يخاطبنا فيقول: {ذٰلِكُمُ} إشارة إلى قول الحق سبحانه وتعالى: الله، وفالق، ومخرج، والخطاب لجمهرة المخاطبين بالقرآن. فإذا كان الله بهذه الصفات فكيف ينصرفون عن الإيمان به وتوحيده؟ وذكر لنا أول مقوم من مقومات الحياة وهو النبات وهو ما نأكله، فإذا كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الحب وخلق النوى ليخرج الحي من الميت وهو مخرج الميت من الحي فهو أولى بأن يكون إلهاً معبوداً فكيف تصرفون عنه؟! وإلى من تصرفون؟! إلى من توجد فيه صفات أرقى من هذه الصفات؟!! لا يوجد من فيه صفات مثل هذه، ولا أرقى من هذه الصفات. وإذا سمعت كلمة: "أنَّى" فافهم منها أنها تأتي للتعجيب، تأتي وتطلب أن يدلنا واحد على كيفية انصرافهم عن الله وتوحيده مع وضوح الدلالات والبراهين. ومرة يقول الحق سبحانه: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 28]. هو سبحانه يخاطب الناس ويقول لهم: كيف تكفرون بالله فالله في ذاته يستحق ألا يكفر به، لأنه هو الذي خلق من عدم، وأمدّ من عُدْم، ولم يشاركه أحد أو ينازعه في هذا الأمر، وإليه نرجع جميعاً، فكيف تكفرون به؟ وهذا تعجيب كبير؛ لذلك يقول سبحانه هنا: {فَأَنَّى&#1648تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون - مع الله - إلها آخر بعد أن تعلموا أن هذه الصفات له - سبحانه - وليست لغيره؟ وكل تعجيب يأتي في "أنّى" مثل قوله الحق: {أية : أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [البقرة: 259]. أي كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ويقول سيدنا زكريا لسيدتنا مريم: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} إذن فالتعجب ملازم لكلمة "أنّى" فكأن الصفات التي تقدمت صفات موجبة للإيمان بالله واحداً قهاراً مريداً عالماً حكيماً نرجع إليه جميعاً، فقولوا لنا: كيف تكفرون بهذا الإله؟ وإلى من تذهبون إذا كان هذا الإله يُكفر به؟ أهناك شيء ادّعى أنه خلق وأنه رزق؟ لو أن شيئاً ادّعى أنه خلق أو رزق كنا نعذركم، لكن لم يدّع شيء في الوجود بأنه خلق أو رزق، والدعوة تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} وكلمة "أنّى تؤفكون" تعني كيف تُصرفون انصرافاً كذباً؛ لأن "الإفك". معناه الكذب المتعمّد. ويقول الحق من بعد ذلك: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أمر التوحيد وأردفه بتقرير أمر النبوة، ذكر هنا الأدلة الدالة على وجود الخالق وكمال علمه وقدرته وحكمته، تنبيهاً على أن المقصود الأصلي إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله. اللغَة: {فَالِقُ} الفلق: الشقُّ، وانفلق الصبح انشق {سَكَناً} السَّكن ما يسكن إليه الإِنسان ويأنس به، والسَّكن: الرحمة {حُسْبَاناً} أي بحساب قال الزمخشري: الحُسبان مصدر حَسَب كما أن الحِسْبان مصدر حَسِب ونظيره الكُفران والشُكران {مُّتَرَاكِباً} بعضه فوق بعض {قِنْوَانٌ} جمع قِنْو وهو العِذِقُ أي عنقود النخلة {وَيَنْعِهِ} أي نُضْجه وإدراكه يقال: يَنَعت الشجرةُ وأيْنعتْ إذا نضجت {خَرَقُواْ} اختلقوا كذباً وإِفكاً {بَدِيعُ} مبدع وهو الخالق على غير مثال سابق، والإِبداع الإِتيان بشيء لم يُسبق إليه ولهذا يقال لمن أتى في فنّ من الفنون لم يسبقه فيه غيره إنه أبدع {نُصَرِّفُ} التصريف: نقل الشيء من حال إلى حال. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال كفار قريش لأبي طالب إمّا أن تنهى محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا والنَّيل منها وإِمّا أن نسب إِلهه ونهجوه فنزلت {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ..} الآية وفي رواية أخرى أن المشركين قالوا يا محمد: لتنتهينّ عن سبك آلهتنا أو لنهجونَّ ربك فنزلت. التفسِير: عاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين بعجائب الصنع ولطائف التدبير فقال سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} أي يفلق الحبَّ تحت الأرض لخروج النبات منها ويفلق النوى لخروج الشجر منها قال القرطبي: أي يشق النواة الميتة فيُخرج منها ورقاً أخضر وكذلك الحبة {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} أي يخرج النبات الغضِّ الطريّ من الحبّ اليابس، ويخرج الحبَّ اليابس من النبات الحيّ النامي وعن ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وعلى هذا فالحي والميت استعارة عن المؤمن والكافر {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي ذلكم الله الخالق المدبر فكيف تُصرفون عن الحق بعد هذا البيان! {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} أي شاقُّ الضياء عن الظلام وكاشفه قال الطبري: شقَّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} أي يسكن الناس فيه عن الحركات ويستريحون {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} أي بحساب دقيق يتعلق به مصالح العباد، ويُعرف بهما حساب الأزمان والليل والنهار {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم تقدير الغالب القاهر الذي لا يستعصي عليه شيء العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي خلق لكم النجوم لتهتدوا بها في أسفاركم في ظلمات الليل في البر والبحر، وإنما امتنّ عليهم بالنجوم لأن سالكي القفار، وراكبي البحار إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بها {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي بيّنا الدلائل على قدرتنا لقوم يتدبرون عظمة الخالق {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي خلقكم وأبدعكم من نفسٍ واحدة هي آدم عليه السلام {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} قال ابن عباس: المستقرُّ في الأرحام والمستودع في الأصلاب، أي لكم استقرار في أرحام أمهاتكم وأصلاب آبائكم، وقال ابن مسعود: مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} أي بينا الحجج لقوم يفقهون الأسرار والدقائق قال الصاوي: عبّر هنا بـ {يَفْقَهُونَ} إشارة إلى أن أطوار الإِنسان وما احتوى عليه أمرٌ خفيٌّ تتحير فيه الألباب، بخلاف النجوم فأمرها ظاهر مشاهد، ولذا عبّر فيها بـ {يَعْلَمُونَ} {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي أنزل من السحاب المطر فأخرج به كل ما ينبتُ من الحبوب والفواكه والثمار والبقول والحشائش والشجرَ قال الطبري: أي أخرجنا به ما ينبتُ به كل شيء وينمو عليه ويصلح {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} أي أخرجنا من النبات شيئاً غضّاً أخضر {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أي نُخرج من الخضر حباً متراكباً بعضُه فوق بعض كسنابل الحنطة والشعير قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والذرة والأرز {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} أي وأخرجنا من طلع النخل - والطلعُ أول ما يخرج من التمر في أكمامه - عناقيد قريبة سهلة التناول قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلّت من الطلع دانيةً ممن يجتنيها {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} أي وأخرجنا بالماء بساتين وحدائق من أعناب {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي وأخرجنا به أيضاً شجر الزيتون وشجر الرمان مشتبهاً في المنظر وغير متشابه في الطعم قال قتادة: مشتبهاً ورقُه مختلفاً ثمرُه، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار العليم القدير {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} أي انظروا أيها الناس نظر اعتبار واستبصار إلى خروج هذه الثمار من ابتداء خروجها إلى انتهاء ظهورها ونضجها كيف تنتقل من حال إلى حال في اللون والرائحة والصغر والكبر، وتأملوا ابتداء الثمر حيث يكون بعضه مراً وبعضه مالحاً لا يُنتفع بشيء منه، ثم إذا انتهى ونضج فإنه يعود حلواً طيباً نافعاً مستساغ المذاق! فسبحان القدير الخلاّق!! {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إن في خلق هذه الثمار والزروع مع اختلاف الأجناس والأشكال والألوان لدلائل باهرة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يصدّقون بوجود الله قال ابن عباس: يصدّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادرٌ على أن يحيي الموتى {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} أي وجعلوا الجنَّ شركاء لله حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان {وَخَلَقَهُمْ} أي وقد علموا أنه تعالى هو الذي خلقهم وانفرد بإيجادهم فكيف يجعلونهم شركاء له؟ وهذه غاية الجهالة {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي واختلقوا ونسبوا إليه تعالى البنين والبنات حيث قالوا: عزيرٌ ابن الله والملائكةُ بناتُ الله سفهاً وجهالة {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تنزّه الله وتقدس عن هذه الصفات التي نسبها إليه الظالمون وتعالى علواً كبيراً {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي مبدعهما من غير مثالٍ سبق {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ} أي كيف يكون له ولد وليس له زوجة؟ والولد لا يكون إلا من زوجة {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي وما من شيء إلا هو خالقه والعالم به ومن كان كذلك كان غنياً عن كل شيء قال في التسهيل: والغرض الرد على من نسب لله الولد من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا من جنس والده والله تعالى متعالٍ عن الأجناس لأنه مبدعها فلا يصح أن يكون له ولد، والثاني: أن الله خلق السماوات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن الولد وعن كل شيء ثم أكّد تعالى على وحدانيته وتفرده بالخلق والإِيجاد فقال {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي ذلكم الله خالقكم ومالككم ومدبّر أموركم لا معبود بحق سواه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ} أي هو الخالق لجميع الموجودات ومن كان هكذا فهو المستحق للعبادة وحده {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي وهو الحافظ والمدبر لكل شيء ففوّضوا أموركم إليه وتوسلوا إليه بعبادته {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به وهو يراها ويحيط بها لشمول علمه تعالى للخفيات {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} أي اللطيف بعباده الخبير بمصالحهم قال ابن كثير: ونفيُ الإِدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة إذ يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس فلا تدركه الأبصار ولهذا كانت عائشة تثبت الرؤية في الآخرة وتنفيها في الدنيا وتحتج بهذه الآية {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي قد جاءكم البينات والحجج التي تُبصرون بها الهدى من الضلال وتميزون بها بين الحق والباطل قال الزجاج: المعنى قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} قال الزمخشري: المعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإيّاها نفع ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإيّاها ضرَّ بالعمى {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي لست عليكم بحافظ ولا رقيب وإنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي وكما بينا ما ذُكر نبيّن الآيات ليعتبروا {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} أي وليقول المشركون درست يا محمد في الكتب وقرأت فيها وجئتَ بهذا القرآن، واللامُ لامُ العاقبة {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أي اتبع يا محمد القرآن الذي أوحاه الله إليك قال القرطبي: أي لا تشغل قلبك وخاطرك بهم بل اشتغل بعبادة الله {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحقٍ إلا هو {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي لا تحتفل بهم ولا تلتفت إلى آرائهم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} أي لو شاء الله هدايتهم لهداهم فلم يشركوا ولكنه سبحانه يفعل ما يشاء {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 23] {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي وما جعلناك رقيباً على أعمالهم تجازيهم عليها {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي ولستَ بموكل على أرزاقهم وأمورهم قال الصاوي: وهذا تأكيد لما قبله أي لستَ حفيظاً مراقباً لهم فتجبرهم على الإِيمان وهذا كان قبل الأمر بالقتال {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا تسبوا آلهة المشركين وأصنامهم {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي فيسبوا الله جهلاً واعتداءً لعدم معرفتهم بعظمة الله قال ابن عباس: قال المشركون: لتنتهينَّ عن سبك آلهتنا أو لنهجونَّ ربك فنهاهم الله أن يسبّوا أوثانهم {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} أي كما زينّا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينّا لكل أمةٍ عملهم قال ابن عباس: زينّا لأهل الطاعة الطاعة ولأهل الكفر الكفرَ {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ثم معادهم ومصيرهم إلى الله فيجازيهم بأعمالهم، وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي حلف كفار مكة بأغلظ الأيمان وأشدها {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} أي لئن جاءتهم معجزة أو أمر خارقٌ مما اقترحوه ليؤمننَّ بها {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} أي قل لهم يا محمد أمر هذه الآيات عند الله لا عندي هو القادر على الإِتيان بها دوني {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي وما يدريكم أيها المؤمنون لعلها إذا جاءتهم لا يصدقون بها!! {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي ونحوّل قلوبهم عن الإِيمان كما لم يؤمنوا بما أُنزل من القرآن أول مرة قال الصاوي: وهو استئناف مسوقٌ لبيان أن خالق الهدى والضلال هو الله لا غيره فمن أراد له الهدى حوّل قلبه له، ومن أراد الله شقاوته حوّل قلبه لها {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ونتركهم في ضلالهم يتخبطون ويتردّدون متحيرين. البَلاَغَة: 1- {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} بين لفظ الحيّ والميت طباقٌ وهو من المحسنات البديعية وفي الآية أيضاً من المحسنات ما يسمى ردّ العجز على الصدر في قوله {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ}. 2- {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا وجه لصرفكم عن الإِيمان بعد قيام البرهان. 3- {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} فيه التفاتٌ عن الغيبة والأصل فأخرج به والنكتة هي الاعتناء بشأن المُخْرج والإِشارة إلى أنَّ نِعَمَه عظيمة. 4- {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} من عطف الخاص على العام لمزيد الشرف لأنهما من أعظم النعم. 5- {بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} مجاز مرسل من باب تسمية المسبب باسم السبب أي حجج وبراهين تبصرون بها الحقائق. 6- بين لفظ {أَبْصَرَ وعَمِيَ} طباق وبين لفظ {بَصَآئِرُ وأَبْصَرَ} جناس الاشتقاق. تنبيهْ: قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} الآية نفت الإِحاطة ولم تنف الرؤية فلم يقل تعالى: لا تراه الأبصار فمن ذهب إلى عدم رؤية الله في الآخرة كالمعتزلة فقد جانب الحق وضلّ السبيل بمخالفة ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة أما الكتاب فقوله تعالى {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22 - 23] وأما السنة فما أخرجه البخاري "حديث : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته.." تفسير : الحديث وكفى بالكتاب والسنة دليلاً وهادياً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} معناهُ خالِقُهُمَا.

الجيلاني

تفسير : قل يا أكمل الرسل للمنكرين البعث والحشر المستبعدين الممتنعين إحياء الأموات من العظام الرفات: {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر على ما أراد وشاء {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} أي: الحبة والنطفة {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ} أي: الحبة والنطفة {مِنَ ٱلْحَيِّ} أي: الحيوان والنبات {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} المحيي المميت الحي القيوم المستحق للألوهية وللعبودية والربوبية {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] تصرفون عنه إلى غيره من الأظلال الباطلة أيها الحمقى. وكيف تصرفون عنه وهو {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} أي: شاق ظلام الليل ينبلج الصبح لتكتسبوا فيه أقواتكم ومعاشكم {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} لتستريحوا فيه من تعب الكد، وهما من أقوى أسباب حياتكم {وَ} أيضاً جعل لكم ولمعاشكم {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} ذا أدوار وأطوار مختلفة وأوضاع متفاوتة شتاء وصيفاً ربيعاً وخريفاً تتميماً لأرزاقكم وأقواتكم {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ} تدبير وتدوير {ٱلْعَزِيزِ} القادر الغالب على جميع صور التدابير والتداوير {ٱلْعَلِيمِ} [الأنهام: 96] بفنع التدوير المخصوص والوضع المتعارف لمعاش عباده. {وَ} كيف تصرفون عنه {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} لتدبير مصالحكم {ٱلنُّجُومَ} الزاهرات مرتكزة في السماوات {لِتَهْتَدُواْ بِهَا} وتوصلوا إلى مطالبكم بسببها حين كنتم تائهين ضالين {فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ} أي: مفاوزه {وَٱلْبَحْرِ} أي: لججه، وبالجملة: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ} الدالة على توحيدنا واستقلالنا في التصرفات والتدبيرات الواردة في علام الكون والفساد {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] يستدلون وينتفعون بها وينتبهون إلى وحدة موجودها ومصرِّفها. {وَ} أيضاً كيف يصرفون عنه سبحانه مع أنه {هُوَ} القادر {ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم} وأظهركم بالتجلي الحبي {مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} هي طبيعة العدم {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أي: فكلكم أطوار مختلفة، وشؤون متفاوتة، لبعض قرار واستقرار، ولبعض استيداع واستتار، تتبدلون وتتحولون من حال إلى حال على مقتضى تطوراتها وتجلياتها {قَدْ فَصَّلْنَا} وأوضحنا {ٱلآيَٰتِ} الدالة على ألا وجود لغيرنا من الأظلال، والإقرار ولا مراد لها أصلاً {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98] يتأملون ويتدبرون لينكشفوا بكيفية سريان الهوية الإلهية في المظاهر الكونية والكيانية.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} [الأنعام: 95]، إلى قوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: "لا إله إلا الله" في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى: {أية : كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}تفسير : [إبراهيم: 24]، {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} [الأنعام: 95]، يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية. {وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ} [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في الدارين، وأيضاً مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير خذلانه، {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} [الأنعام: 96]، ستراً من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس المعارف والشهود آفة "أنا الحق" و"سبحاني"، وفي تفريطه آفة "أنا ربكم"، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلهاً. {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} [الأنعام: 96] أي: قدره عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية لديه، {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} [الأنعام: 97]، يعني: نجوم القلوب في سماوات القلوب، {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ} [الأنعام: 97]، بر البشرية، {وَٱلْبَحْرِ} [الأنعام: 97]، بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ} [الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]. ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه وتعالى: {عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} [الأنعام: 98]، فكذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه" تفسير : فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، إليه يشير قوله تعالى: {أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ}. وقوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: 98]، يعني: من الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق باقٍ، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فانٍ، {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ} [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال. {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب وإشارات الغيوب، {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} [الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ما هو غض طري، {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} [الأنعام: 99]، من الحقائق يركب بعضها بعضاً، {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ} [الأنعام: 99]، يشير إلى أصحاب الولايات من طلعها، {مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} [الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدانٍ للطالبين والمريدين؛ يعني: منهم من يكون قريباً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن التمكين به، {وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ} [الأنعام: 99] يشير به إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع، {مُشْتَبِهاً} أي: متفقاً في الأصول والفروع، {وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ}؛ أي: مختلفاً فيهما بين العلماء والأئمة. {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ} [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية {إِذَآ أَثْمَرَ} [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، {وَيَنْعِهِ} [الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99]، بأحوالهم ويتبعونهم بأقوالهم، {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا. {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [الأنعام: 100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كماله، وعظمة سلطانه، وقوة اقتداره، وسعة رحمته، وعموم كرمه، وشدة عنايته بخلقه، فقال: { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ } شامل لسائر الحبوب، التي يباشر الناس زرعها، والتي لا يباشرونها، كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار، فيفلق الحبوب عن الزروع والنوابت، على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومنافعها، ويفلق النوى عن الأشجار، من النخيل والفواكه، وغير ذلك. فينتفع الخلق، من الآدميين والأنعام، والدواب. ويرتعون فيما فلق الله من الحب والنوى، ويقتاتون، وينتفعون بجميع أنواع المنافع التي جعلها الله في ذلك. ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول، ويذهل الفحول، ويريهم من بدائع صنعته، وكمال حكمته، ما به يعرفونه ويوحدونه، ويعلمون أنه هو الحق، وأن عبادة ما سواه باطلة. { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } كما يخرج من المني حيوانا، ومن البيضة فرخا، ومن الحب والنوى زرعا وشجرا. { وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ } وهو الذي لا نمو فيه، أو لا روح { مِنَ الْحَيِّ } كما يخرج من الأشجار والزروع النوى والحب، ويخرج من الطائر بيضا ونحو ذلك. { ذَلِكُمْ } الذي فعل ما فعل، وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها { اللَّهُ } رَبُّكُمْ أي: الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين، وهو الذي ربى جميع العالمين بنعمه، وغذاهم بكرمه. { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: فأنى تصرفون، وتصدون عن عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا؟!! ولما ذكر تعالى مادة خلق الأقوات، ذكر منته بتهيئة المساكن، وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد، من الضياء والظلمة، وما يترتب على ذلك من أنواع المنافع والمصالح فقال: { فَالِقُ الإصْبَاحِ } أي: كما أنه فالق الحب والنوى، كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي، الشامل لما على وجه الأرض، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا فشيئا، حتى تذهب ظلمة الليل كلها، ويخلفها الضياء والنور العام،الذي يتصرف به الخلق في مصالحهم، ومعايشهم، ومنافع دينهم ودنياهم. ولما كان الخلق محتاجين إلى السكون والاستقرار والراحة، التي لا تتم بوجود النهار والنور { جَعَلَ } الله { اللَّيْلَ سَكَنًا } يسكن فيه الآدميون إلى دورهم ومنامهم، والأنعام إلى مأواها، والطيور إلى أوكارها، فتأخذ نصيبها من الراحة، ثم يزيل الله ذلك بالضياء، وهكذا أبدا إلى يوم القيامة { و } جعل تعالى { الشمس وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا } بهما تعرف الأزمنة والأوقات، فتنضبط بذلك أوقات العبادات، وآجال المعاملات، ويعرف بها مدة ما مضى من الأوقات التي لولا وجود الشمس والقمر، وتناوبهما واختلافهما - لما عرف ذلك عامة الناس، واشتركوا في علمه، بل كان لا يعرفه إلا أفراد من الناس، بعد الاجتهاد، وبذلك يفوت من المصالح الضرورية ما يفوت. { ذَلِكَ } التقدير المذكور { تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } الذي من عزته انقادت له هذه المخلوقات العظيمة، فجرت مذللة مسخرة بأمره، بحيث لا تتعدى ما حده الله لها، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر { الْعَلِيم } الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن،والأوائل والأواخر. ومن الأدلة العقلية على إحاطة علمه، تسخير هذه المخلوقات العظيمة، على تقدير، ونظام بديع، تحيُّرُ العقول في حسنه وكماله، وموافقته للمصالح والحكم. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } حين تشتبه عليكم المسالك، ويتحير في سيره السالك، فجعل الله النجوم هداية للخلق إلى السبل، التي يحتاجون إلى سلوكها لمصالحهم، وتجاراتهم، وأسفارهم. منها: نجوم لا تزال ترى، ولا تسير عن محلها، ومنها: ما هو مستمر السير،يعرف سيرَه أهل المعرفة بذلك، ويعرفون به الجهات والأوقات. ودلت هذه الآية ونحوها، على مشروعية تعلم سير الكواكب ومحالّها الذي يسمى علم التسيير، فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن إلا بذلك. { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ } أي بيناها، ووضحناها، وميزنا كل جنس ونوع منها عن الآخر، بحيث صارت آيات الله بادية ظاهرة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي: لأهل العلم والمعرفة، فإنهم الذين يوجه إليهم الخطاب، ويطلب منهم الجواب، بخلاف أهل الجهل والجفاء، المعرضين عن آيات الله، وعن العلم الذي جاءت به الرسل، فإن البيان لا يفيدهم شيئا، والتفصيل لا يزيل عنهم ملتبسا، والإيضاح لا يكشف لهم مشكلا. { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } وهو آدم عليه السلام. أنشأ الله منه هذا العنصر الآدمي؛ الذي قد ملأ الأرض ولم يزل في زيادة ونمو، الذي قد تفاوت في أخلاقه وخلقه، وأوصافه تفاوتا لا يمكن ضبطه، ولا يدرك وصفه، وجعل الله لهم مستقرا، أي منتهى ينتهون إليه، وغاية يساقون إليها، وهي دار القرار، التي لا مستقر وراءها، ولا نهاية فوقها، فهذه الدار، هي التي خلق الخلق لسكناها، وأوجدوا في الدنيا ليسعوا في أسبابها، التي تنشأ عليها وتعمر بها، وأودعهم الله في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، ثم في دار الدنيا، ثم في البرزخ، كل ذلك، على وجه الوديعة، التي لا تستقر ولا تثبت، بل ينتقل منها حتى يوصل إلى الدار التي هي المستقر، وأما هذه الدار، فإنها مستودع وممر { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } عن الله آياته، ويفهمون عنه حججه، وبيناته.

همام الصنعاني

تفسير : 830- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}: [الآية: 95]، قال: ما يُفْلَق من النوى عن النبات.