Verse. 885 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

فَالِقُ الْاِصْبَاحِ۝۰ۚ وَ جَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا وَّالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْـبَانًا۝۰ۭ ذٰلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ۝۹۶
Faliqu alisbahi wajaAAala allayla sakanan waalshshamsa waalqamara husbanan thalika taqdeeru alAAazeezi alAAaleemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فالق الإصباح» مصدر بمعنى الصبح أي شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل «وجاعلُ اللَّيْل سكنا» تسكن فيه الخلق من التعب «والشمس والقمر» بالنصب عطفا على محل الليل «حسبانا» للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي يجريان بحسبان كما في آية الرحمن «ذلك» المذكور «تقدير العزيز» في ملكه «العليم» بخلقه.

96

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع المتقدم كان مأخوذاً من دلالة أحوال النبات والحيوان، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية، وتقرير الحجة من وجوه: الأول: أن نقول: الصبح صبحان. فالصبح الأول: هو الصبح المستطيل كذنب السرحان، ثم تعقبه ظلمة خالصة، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول: أما الصبح الأول: وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة الله وحكمته، وذلك لأنا نقول: إن ذلك النور إما أن يقال: إنه حصل من تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك، والأول باطل، وذلك لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم، وفي ذلك الموضع أيضاً نصف كرة الأرض، وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا، وذلك الضوء يكون منتشراً مستطيراً في جميع أجزاء الجو، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة والزيادة والكمال، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطاً مستطيلاً، بل يجب أن يكون مستطيراً في جميع الأفق منتشراً فيه بالكلية، وأن يكون متزايداً متكاملاً بحسب كل حين ولحظة، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان، ثم إنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس، ولا من جنس نوره، فوجب أن يكون ذلك حاصلاً بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيهاً على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بتخليقه، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة {وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ }. والوجه الثاني: في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى على الجرم المقابل لها. فأما الذي لا يكون مقابلاً لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة. إذا عرفت هذا نقول: الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلاً لجزء من أجزاء وجه الأرض، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس، فوجب أن يكون ذلك بتخليق الفاعل المختار. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل له، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض، فيصيره ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سبباً لضوء الهواء الواقف فوق الأرض، ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو علي بن الهيثم في تقرير هذا المعنى في كتابه الذي سماه «بالمناظر الكثة». والجواب: أن هذا العذر باطل من وجهين: الأول: أن الهواء جرم شفاف عديم اللون، وما كان كذلك فإنه لا يقبل النور، واللون في ذاته وجوهره، وهذا متفق عليه بين الفلاسفة. واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف البصر على سطحه. ولو كان كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه، ولصار إبصاره مانعاً عن إبصار ما وراءه، فحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون والنور في ذاته وجوهره، وما كان كذلك امتنع أن ينعكس النور منه إلى غيره، فامتنع أن يصير ضوءه سبباً لضوء هواء آخر مقابل له. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة؟ وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس. ثم إن بحصول الضوء فيها يصير سبباً لحصول الضوء في الهواء المقابل لها، فنقول: لو كان السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر، وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك، بل على العكس منه فبطل هذا العذر. الوجه الثاني: في إبطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين، فإذا كان كذلك، فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا، وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام. إذا ثبت هذا فنقول: إذا وصل مركز الشمس إلى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها، فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام، واستنار نصف العام هناك، والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محاذياً لهواء الربع الشرقي لأهل بلدنا. فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل. وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الإضاءة والإنارة بعد نصف الليل، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته. وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنا برهانين دقيقين عقليين محضين على أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس، والله أعلم. والوجه الثالث: هب أن النور الحاصل في العالم إنما كان بتأثير الشمس. إلا أنا نقول: الأجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك كان حصول هذه الخاصية لقرص الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار. أما بيان المقام الأول: فهو أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً ومتحيزة. فلو حصل الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعاً في مفهوم مغاير لمفهوم الجسمية ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول: ذلك الأمر إما أن يكون محلاً للجسمية أو حالاً فيها أو لا محلاً لها ولا حالاً فيها. والأول: باطل لأنه يقتضي كون الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن كان متحيزاً ومختصاً بحيز كان محل الجسم غير الجسم وهو محال، وإن لم يكن كذلك كان الحاصل في الحيز حالاً في محل لا تعلق له بشيء من الأحياز والجهات، وذلك مدفوع في بديهة العقل. والثاني: أيضاً باطل لأن على هذا التقدير: الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما يصح على الشيء صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب. والثالث: وهو القول بأن ما به حصلت المخالفة ليس محلاً للجسم ولا حالاً فيه، وفساد هذا القسم ظاهر. فثبت بهذا البرهان أن الأجسام متماثلة. وإذا ثبت هذا فنقول: كل ما يصح على أحد المثلين فإنه يصح أيضاً على المثل الثاني. وإذا استوت الأجسام بأسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان اختصاص جسم الشمس لهذه الإضاءة وهذه الإنارة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار. وإذا ثبت هذا كان فالق الإصباح في الحقيقة هو الله تعالى، وذلك هو المطلوب، والله أعلم. الوجه الرابع: في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم. بل البرهان القاطع قد دل على أنه مفهوم عدمي والنور محض الوجود. فإذا أظلم الليل حصل الخوف والفزع في قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات ورفعت التفعيلات فإذا وصل نور الصباح إلى هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة الإدراك فضعف النوم وابتدأت اليقظة بالظهور. وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان ظهور قوة الحس والحركة في الحيوانات أكمل. ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو قوة الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلي لحصول هذه الأحوال كان تأثير قدرة الله تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم وأجل أنواع الفضل والكرم. إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقاً للأصباح في كونه دليلاً على كمال قدرة الله تعالى أجل أقسام الدلائل، وفي كونه فضلاً ورحمة وإحساناً من الله تعالى على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } على وجود الصانع القادر المختار الحكم. والله أعلم. ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول: إنه تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات. المسألة الثالثة: في تفسير {ٱلإِصْبَاحِ } وجوه: الأول: قال الليث: الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضاً. قال تعالى: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } يعني الصبح. قال الشاعر:شعر : أفنى رياحاً وبنى رياح تناسخ الإمساء والإصباح تفسير : والقول الثاني: أن {ٱلإِصْبَاحِ } مصدر سمي به الصبح. فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه؟ فنقول فيه وجوه: الأول: أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور. وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة. ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلوماً حسن الحذف. والثاني: أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } أي فالق الإصباح ببياض النهار. والثالث: أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق تلك الظلمة فقوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب. الرابع: قال بعضهم: الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم. أما قوله تعالى: {وجعل الليل سكناً} فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد. فأولها: ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم. وثانيها: قوله {وجعل الليل سكناً} وفيه مباحث: المبحث الأول: قال صاحب «الكشاف»: السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيب، ومنه قيل: للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها المؤنسة. ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل. فإن قيل: أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا: كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق. المبحث الثاني: قرأ عاصم والكسائي {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ } على صيغة الفعل، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل، وهو قوله: {أية : فَالِقُ ٱلْحَبّ * فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } تفسير : (الأنعام95-96) وجاعل أيضاً اسم الفاعل. ويجب كون المعطوف مشاركاً للمعطوف عليه، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل، وما ذاك إلا أن يقدر قوله: {وَجَعَلَ } بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسباناً وذلك يفيد المطلوب. وأما قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً } ففيه مباحث: المبحث الأول: معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } تفسير : [يونس: 5] وقال في سورة الرحمن: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } تفسير : [الرحمن: 5] وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار، وحصول الغلات، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً }. المبحث الثاني: في الحسبان قولان: الأول: وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان. والثاني: أن الحسبان مصدر كالرجحان والنقصان. وقال صاحب «الكشاف»: الحسبان بالضم مصدر حسب، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب، ونظيره الكفران والغفران والشكران. إذا عرفت هذا فنقول: معنى جعل الشمس والقمر حسباناً جعلهما على حساب. لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما. المبحث الثالث: قال صاحب «الكشاف»: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } قرئا بالحركات الثلاث، فالنصب على إضمار فعل دل عليه قوله: {جَاعِلِ ٱلَّيْلَ } أي وجعل الشمس والقمر حسباناً، والجر عطف على لفظ الليل، والرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره، والشمس والقمر مجعولان حسباناً: أي محسوبان. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } والعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه أن تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} نعتٌ لاسم الله تعالى، أي ذلكم الله ربكم فالق الإصباح. وقيل: المعنى إن الله فالق الإصباح. والصُّبح والصباح أوَّلُ النهار، وكذلك الإصباح؛ أي فالق الصبح كلّ يوم، يريد الفجر. والإصباح مصدر أصبح. والمعنى: شاقّ الضياء عن الظلام وكاشفُه. وقال الضحاك: فالق الإصباح خالقُ النهار. وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر «فالق الأَصْبَاحِ» بفتح الهمزة، وهو جمع صبح. وروى الأعمش عن إبراهيم النَّخَعِيّ أنه قرأ «فلق الإصباحَ» على فَعَل، والهمزة مكسورة والحاء منصوبة. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وحمزة والكسائيّ «وجعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» بغير ألف. ونصب «الليل» حملاً على معنى «فالق» في الموضعين؛ لأنه بمعنى فلق، لأنه أمْرٌ قد كان فحُمِل على المعنى. وأيضاً فإن بعده أفعالاً ماضية وهو قوله: «جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ». «أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً». فحمِل أوّل الكلام على آخره. يقوّي ذلك إجماعُهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فِعل، ولم يحملوه على فاعل فيخفِضوه؛ قاله مكيّ رحمه الله. وقال النحاس: وقد قرأ يزيد بن قطيب السَّكُّوني «وجاعِلُ الليلِ سكناً والشمسِ والقمرِ حُسباناً» بالخفض عطفاً على اللفظ. قلت: فيريد مكيّ والمَهْدَويّ وغيرهما إجماع القراء السبع. والله أعلم. وقرأ يعقوب في رواية رُوَيْس عنه «وجاعِلُ الليلِ ساكِناً». وأهل المدينة «وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنا» أي محلاً للسكون. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: «حديث : اللَّهُمَّ فالقَ الإصباح وجاعلَ الليل سَكَنا والشمسَ والقمر حُسباناً ٱقضِ عني الدَّيْن واغْنِنِي من الفقر وأمْتعني بسمعي وبصرِي وقوّتي في سبيلك»تفسير : . فإن قيل: كيف قال «وأمتعني بسمعي وبصرِي» وفي كتاب النسائيّ والترمذيّ وغيرهما: «واجعله الوارث منّي» وذلك يفنَى مع البدن؟ قيل له: في الكلام تجوّزٌ، والمعنى: اللّهمّ لا تعدمه قبلي. وقد قيل: إن المراد بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر؛ لقوله عليه السلام فيهما: «هما السمع والبصر». وهذا تأويل بعيد، إنما المراد بهما الجارحتان. ومعنى {حُسْبَاناً} أي بحساب يتعلّق به مصالح العباد. وقال ابن عباس في قوله جل وعز: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً» أي بحساب. الأخفش: حُسْبان جمع حساب؛ مثل شِهاب وشُهبان. وقال يعقوب: حُسبان مصدر حَسَبْت الشيء أحسُبه حُسباناً وحِساباً وحِسْبة، والحساب الاسم. وقال غيره: جعل الله تعالى سير الشمس والقمر بحساب لا يزيد ولا ينقص؛ فدلّهم الله عز وجل بذلك على قدرته ووحدانيته. وقيل: «حُسْباناً» أي ضياء والحسبان: النار في لغة؛ وقد قال الله تعالى: {أية : وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الكهف: 40]. قال ٱبن عباس: ناراً. والحُسْبانة: الوِسادة الصغيرة.

البيضاوي

تفسير : {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الإِصباح وهو الغبش الذي يليه والإِصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصباح سمي به الصبح. وقرىء بفتح الهمزة على الجمع وقرىء {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} بالنصب على المدح. {وَجَاعِلُ اللَّيْل سَكَناً} يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به، أو يسكن فيه الخلق من قوله تعالى: {أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ }تفسير : [النمل: 86] ونصبه بفعل دل عليه جاعل لا به، فإن في معنى الماضي. ويدل عليه قراءة الكوفيين {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ} حملاً على معنى المعطوف عليه، فإن فالق بمعنى فلق ولذلك قرىء به، أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة وعلى هذا يجوز أن يكون {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} عطفاً على محل الليل ويشهد له قراءتهما بالجر والأحسن نصبهما بجعل مقدراً. وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان. {حُسْبَاناً} أي على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ويكونان علمي الحسبان، وهو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب. وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان. {ذٰلِكَ} إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم. {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ} الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص. {ٱلْعَلِيمُ} بتدبيرهما والأنفع من التداوير الممكنة لهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } مصدر بمعنى الصبح: أي شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل {وَجعَلَ } تسكن فيه الخلق من التعب {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } بالنصب، عطفاً على محل (الليل) {حُسْبَاناً } حساباً للأوقات، أو الباء محذوفة، وهو حال من مقدّر أي يجريان بحسبان كما في آية (الرحمن) [5:55] {ذٰلِكَ } المذكور {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } في ملكه {ٱلْعَلِيمُ } بخلقه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الإصْبَاحِ} الصبح، أو إضاءة الفجر، أو خالق نور النهار، أو ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {سَكَناً} يسكن فيه كل متحرك بالنهار، أو لأن كل حي يأوي إلى مسكنه {حُسْبَاناً} يجريان بحساب أدوار يرجعان بها إلى زيادة ونقصان، أو جعلهما ضياء قاله قتادة، كأنه أخذه من قوله ـ تعالى ـ {أية : حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الكهف: 40] قال: ناراً.

ابن عادل

تفسير : هذا نَوْعٌ آخر من دلائل وجود الصَّانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع الأوَّل من دلالة النبات والحيوان، والنوع الثاني من أنواع الفلك. وقوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} نعت لاسم الله - تعالى -، وهو كقوله: "فالق الحبِّ" فيما تقدَّم. والجمهور على كَسْرِ همزة "الإصباح" وهو المصدر: أصبح يصبح إصباحاً. وقال الليث والزجاج: إن الصبح والصباح والإصباح واحد، وهما أول النهار وكذا الفراء. وقيل: الإصباح: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل هو إضاءة الفجر نُقِلَ ذلك عن مُجَاهد، والظَّاهر أن "الإصباح" في الأصل مصدر كالإقبال والإدبار سُمِّيَ به الصباح، وكذا الإمساء وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 2258- ألاَ أيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِ بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ مِنْكَ بأمْثَلِ تفسير : وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر: "الأصباح" بفتح الهمزة، وهو جمع "صُبْح" نحو: قُفْل وأقْفَال، وبرد وأبراد، وينشد قوله: [الرجز] شعر : 2259- أفْنَى رِيَاحاً وَبَنِي رِيَاح تَنَاسُخُ الأمْسَاءِ والأصْبَاحِ تفسير : بفتح الهمزة من "الأمساء" و "الأصباح" على أنهما جمع "مُسْي" و "صُبْح"، وبكسرهما على أنهما مَصْدَرَان، وقرئ "فالق الأصباح" بفتح "الأصْبَاح" على حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقول القائل في ذلك: [المتقارب] شعر : 2260- ................... وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاَ تفسير : وقرئ {أية : وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [الحج: 35] و {أية : لَذَآئِقُواْ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الصافات:38] بالنصب حَمْلاً للنون على التنوين، إلا أن سيبويه - رحمه الله تعالى - لا يُجِيزُ حَذْفَ التنوين لالتقاء الساكنين إلا في شعر، وقد أجازه المُبرِّدُ في الشعر. وقرأ يحيى والنخعي وأبو حيوة: "فلق" فعلاً ماضياً، وقد تقدَّم أن عبد الله قرأ الأولى كذلك، وهذا أدَلُّ على أن القراءة عندهم سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ألا ترى أن عبد الله كيف قرأ "فلق الحب" فعلاً ماضياً، وقرأ "فالق الإصباح" والثلاثة المذكورين بعكسه. قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى "فلق الصبح"، والظلمة هي التي تنفلق عن الصُّبح، كما قال: [الطويل] شعر : 2261- .................. تَفَرِّيَ لَيْلٍ عَنْ بَيَاضِ نهارِ تفسير : قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يُرَادَ: فالق ظلمة الإصباح، يعني أنه على حذف مضاف. والثاني: أنه يُرَاد: فالق الإصباح الذي هو عمود الفَجْرِ عن بياض النهار وإسْفَارِهِ، وقالوا: انشق عمود الفجر وانصدع، وسمّوا الفجر فلقاً بمعنى مَفْلُوق؛ قال الطائي: [البسيط] شعر : 2262- وَأزْرَقُ الفَجْرِ يَبْدُوا قَبْلَ أبْيَضِهِ .................... تفسير : وقرئ: "فالق" و"جاعل" بالنصب على المَدْحِ انتهى. وأنشده غيره في ذلك: [البسيط] شعر : 2263- فانْشَقَّ عَنْهَا عَمُودُ الفَجْرِ جَافِلَةً عَدْوَ النَّحُوصِ تَخَافُ القَانِصَ اللَّحِمَا تفسير : قال الليث: الصبح والصباح هما أوَّلُ النهار، وهو الإصباح أيضاً، قال تبارك وتعالى: "فالق الإصباح" يعني الصبح. وقيل: إن الإصباح مصدر سُمِّيَ به الصبح كما تقدم. قوله: "وجَاعل اللَّيْل" قرأ الكوفيون: "جَعَلَ" فعلاً ماضياً، والباقون بصيغة اسم الفاعل والرَّسْم يحتملهما، و "اللَّيْل" مَنْصُوبٌ عند الكوفيين بمقتضى قراءتهم، ومجرور عند غيرهم، وَوَجْهُ قراءتهم له فعلاً مناسبة ما بعده، فإن بعده أفعالاً ماضية نحو: {جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} و {وَهُو الذي أنْشَأكُم} إلى آخر الآيات ويكون "سَكَناً" إما مفعولاً ثانياً على أنَّ الجَعْل [بمعنى التصيير، وإما حالاً على أنه بمعنى] الخلق، وتكون الحال مُقدّرة، وأما قراءة غيرهم فـ "جاعل" يحتمل أن يكون بمعنى المضي, ويؤيده قراءة الكوفيين، والماضي عند البصريين لا يعمل إلا مع "أل" خلافاً لبعضهم في مَنْع إعمال المعرَّف بها، وللكسائي في إعماله مُطْلَقا، فإذا تقرَّر ذلك فـ "سَكَناً" مَنْصُوبٌ بفعل مُضْمَرٍ عند البصريين، وعلى مقتضى مذهب الكسائي ينصبه به. وزعم أبو سعيد السِّيرَافِيُّ أن اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يجوز أن يعمل في الثَّاني، وإن كان ماضياً. قال: لأنه لما أضيف إلى الأوَّل تعذَّرت إضافته للثاني، فتعين نصبه له. وقال بعضهم: لأنه بالإضافة أشهب المعرف بـ "أل" فيستعمل مطلقاً فعلى هذا "سكناً" منصوب به أيضاً وأما إذا قلنا: إنه بمعنى الحال والاستقبال، فَنَصْبُهُ به، و"سكن" فعل بمعنى مَفْعُول كالقبض بمعنى مَقْبُوض، ومعنى سَكَن، أي ما يسكن إليه الرجل، ويطمئن إليه استئناساً به واسترواحاً إليه من زَوْجٍ أو حبيبٍ، ومنه قيل للنار سكن؛ لأنه يُسْتَأنَسُ بها، ألا تراهَمَ كيف سمّوها المُؤنِسَة. قوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} قرأ الجمهور بنصب "الشَّمس" و "القمر" وهي واضحة على قراءة الكوفيين، أي: بِعَطفِ هذين المنصوبين على المنصوبين بـ "جعل" و "حُسْبَاناً" فيه الوجهان في "سَكَناً" من المفعول الثاني والحال. وأما على قراءة الجماعة فإن اعتقدنا كَوْنَهُ ماضياً فلا بُدَّ من إضمار فِعْلٍ ينصبهما، أي: وجعل الشمس. وإن قلنا: إنه غير ماضٍ فمذهب سيبويه أيضاً أن النَّصْبَ بإضمار فعل، تقول: هذا ضاربٌ زيداً الآن أو غداً أو عمراً بنصب عَمْرٍو، وبفعل مُقدَّرٍ لا على موضع المجرور [باسم الفاعل، وعلى رأي غيره يكون النصب] على محل المجرور، وينشدون قوله: [البسيط] شعر : 2264- هَلْ أنْتَ بَاعِثُ دِينارٍ لِحَاجَتِنا أوْ عَبْدَ ربٍّ أخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ تفسير : بنصب "عبد"، وهو محتمل للوجهين على المذهبين. وقال الزمخشري: أو يعطفان على محل "الليل". فإن قلت: كيف يكون لـ "الليل" محلّ، والإضافة حقيقيّة، لأن اسم الفاعل المُضَاف إليه في معنى المُضِيّن ولا تقول: زيد ضارب عمراً أمس. قلت: ما هو بمعنى الماضي, وإنما هو دالٌّ على فِعْلٍ مستمر في الأزمنة. قال أبو حيَّان: أما قوله: إنما هو دَالٌّ على فعل مستمر في الأزمنة يعني: فيكون عاملاً، ويكون للمجرور إذا ذاك بعده مَوْضِعٌ فيعطف عليه "الشمس والقمر" قال: "وهذا ليس بِصَحيحٍ إذا كان لا يَتَقَيَّدُ بزمن خاصّ، وإنما هو للاستمرار، فلا يجوز له أن يعمل، ولا لمجروره مَحَلّ، وقد نَصُّوا على ذلك، وأنشدوا عليه قول القائل في ذلك: [البسيط] شعر : 2265- ألْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ........................ تفسير : فليس "الكاسب" هنا مقيداً بزمان، و "إن" تقيَّد بزمان فإما أن يكون ماضياً دون "أل" فلا يعمل عند البصريين، أو بـ "أل" أو حالاً أو مستقبلاً، فيعمل فيضاف على ما تقرر في النحو". ثم قال: وعلى تقدير تسليم أن الذي للاستمرار يعلم، فلا يجوز العَطْفُ على مَحَلِّ مجروره، بل مذهب سيبويه - رحمه الله - في "الذي" بمعنى الحال والاستقبال ألاًَّ يَجُوزُ العَطْفُ على محلِّ مجروره، بل على النصب بفعل مقدَّرٍ لو قلت: هذا ضارب زيد وعمراً [لم يكن نصب عمراً] على المحل [على الصحيح] وهو مذهب سيبويه؛ لأن شَرْطَ العَطْفِ على الموضع مفقود، وهو أن يكون للموضع محرز لا يتغير، وهذا مُوضِّحٌ في علم النحو. قال شهاب الدين: وقد ذكر الزَّمخشري في أوّل الفاتحة في {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة:4] أنه لمَّا لم يُقْصَدْ به زمانٌ صارت إضافته مَحْضَةً، فلذلك وَقَعَ صفة للمعارف فمن لازم قوله: إنه يتعرف بالإضافة ألاَّ يعمل؛ لأن العامل في نِيَّةِ الانفصال عن الإضافة، ومتى كان في نِيَّةِ الانفصال كان نكرة ومتى كان نكرة فلا يقع صِفَةً للمعرفة، وهذا حَسَنٌ حيث يرد عليه بقوله: وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة. وقرأ أبو حيوة: "والشَّمْسِ والقَمَرِ" جَرّاً نَسَقاً على اللفظ وقرأ شاذّاً "والشَّمْسُ والقَمَرُ" رَفْعاً على الابتداء، وكان من حَقِّهِ أن يقرأ "حُسْبَانٌ" رَفْعاً على الخبر، وإنما قرأه نَصْباً فالخبر حينئذ محذوف، تقديره مَجْعولان حُسْبَاناً، أو مخلوقان حُسْبَاناً. فإن قلت: لا يمكن في هذه القراءة رَفْع "حسبان" حتى تلزم القارئ بذلك، لأن الشَّمْسَ والقمر ليسا نَفْسَ الحسبان. فالجواب: أنهما في قراءة النصب إما مَفْعُولان أوَّلان، و "حسبان" ثانٍ، وإما صاحبا حال، و "حسبان" حال، والمفعول الثاني هو الأوَّل، والحال لا بد وأن تكون صَادِقَةً على ذي الحال، فمهما كان الجواب لكن كان لنا. والجواب ظاهر مما تقدَّم. والحُسْبَان فيه قولان: أحدهما: انه جمع, فقيل: جمع "حِسَاب" كـ "رِكاب" و"رُكْبَان" و"شِهَاب" و"شُهْبَان"، وهذا قول أبي عبيد والأخفش وأبي الهيثم والمبرد. وقال أبو البقاء: هو جمع "حسبانة" وهو غَلَطٌ؛ لأن الحسبانة: القِطْعَةُ من النار، وليس المراد ذلك قطعاً. وقيل: بل هو مصدر كـ "الرُّجْحَان" والنقصان و "الخُسْرَان"، وأما الحساب فهو اسم لا مَصْدَرٌ وهذا قول ابن السِّكِّيتِ. وقال الزمخشري: و "الحُسْبَان" بالضم مصدر حَسَبْتُ يعني بالفتح، كما أن الحِسْبَان بالكسر مصدر حَسِبْتُ يعني بالكسر ونظيره: الكُفْرَان والشُّكْران. وقيل: بل الحِسْبَان والحُسْبَان مصدران، وهو ول أحمد بن يحيى، وأنشد أبو عبيد عن أبي زَيْدٍ في مجيء الحُسْبَان مصدراً قوله: [الطويل] شعر : 2266- عَلَى اللَّهِ حُسْبَانِي إذَا النَّفْسُ أشْرَفَتْ عَلَى طَمَعِ أوْ خَافَ شَيْئاً ضَمِيرُهَا تفسير : وقال "حُسْبَاناً" على ما تقدَّم من المفعولية أو الحالية. وقال ثعلب عن الأخفش: إنه منصوب على إسْقاطِ الخافض، والتقدير: يجريان بِحُسْبَانٍ؛ كقوله: {أية : لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء:61] أي: من طين. وقوله: "ذلك" إشارة إلى ما تقدَّم من الفلق، أو الجعل، أو جميع ما تقدم من الأخبار في قوله "فالق الحبّ" إلى "حُسْبَاناً". ومعنى الآية الكريمة: جعل الشمس والقمر بحسابي معلوم لا يجاوزانه حتى يتهيّئان إلى أقصى منازلهما {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} فـ "العزيز" إشارة إلى كمال قُدْرتِهِ، "والعليم" إشارة إلى كمال عِلْمِهِ، والمعنى: أن تقدير أجْرَامِ الأفلاك بصفاتها المخصوصة وَهَيْئَتِهَا المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البُطْءِ والسرعة لا يمكن تحصيله إلاَّ بِقُدْرَةِ كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نَافِذٍ في جميع المعلومات من الكُلِّيَّاتِ والجزئيات، وذلك مختص بالفاعل المختار سبحانه وتعالى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فالق الإصباح} قال: خلق الليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فالق الإصباح} قال: يعني بالاصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فالق الإصباح} قال: اضاءة الفجر . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قوله {فالق الإصباح} قال: فالق الصبح . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله {فالق الإصباح} قال: فالق النور نور النهار . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وجاعل الليل سكناً} قال: يسكن فيه كل طير ودابة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والشمس والقمر حسباناً} يعني عدد الأيام والشهور والسنين . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {والشمس والقمر حسباناً} قال: يدوران في حساب . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {حسباناً} قال: ضياء . وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله {والشمس والقمر حسباناً} قال: الشمس والقمر في حساب، فإذا خلت أيامها فذلك آخر الدهر، وأول الفزع الأكبر . وأخرج أبو الشيخ في العظمة بسند واهٍ عن ابن عباس قال: خلق الله بحراً دون السماء بمقدار ثلاث فراسخ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله لا يقطر منه قطرة، جار في سرعة السهم تجري فيه الشمس والقمر والنجوم، فذلك قوله {أية : كل في فلك يسبحون}تفسير : [الأنبياء: 33] والفلك دوران العجلة في لجة غمر ذلك البحر، فإذا أحب الله أن يحدث الكسوف خرت الشمس عن العجلة فتقع في غمر ذلك البحر، فإذا أراد أن يعظم الآية وقعت كلها فلا يبقى على العجلة منها شيء، وإذا أراد دون ذلك وقع النصف منها أو الثلث أو الثلثان في الماء، ويبقى سائر ذلك على عجلة، وصارت الملائكة الموكلون بها فرقتين، فرقة يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجلة، وفرقة يقبلون إلى العجلة فيجرونها إلى الشمس، فإذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع، ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة، فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء، فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلق الشمس قال: وخلق الله عند المشرق حجاباً من الظلمة فوضعها على البحر السابع مقدار عدة الليالي في الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم القيامة، فإذا كان عند غروب الشمس أقبل ملك قد وكل بالليل، فقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل الغرب، فلا يزال يرسل تلك الظلمة من خلل أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها، ثم ينشر جناحيه فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء، فتشرق ظلمة الليل بجناحيه فإذا حان الصبح ضم جناحه، ثم يضم الظلمة كلها بعضها إلى بعض بكفيه من المشرق، ويضعها على البحر السابع بالمغرب. وأخرج أبو الشيخ بسند واه عن سلمان قال: الليل موكل به ملك يقال له شراهيل: فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة العين، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء الليل فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته، وترى الشمس الخرزة البيضاء فتطلع وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت جاء النهار. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله " . تفسير : وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : أحب عباد الله إلى الله رعاء الشمس والقمر، الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده " . تفسير : وأخرج ابن شاهين والطبراني والحاكم والخطيب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والاظلة لذكر الله ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد والخطيب عن أبي الدرداء قال: إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر. وأخرج الحاكم في تاريخه والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: التاجر الامين، والإِمام المقتصد، وراعي الشمس بالنهار " . تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال: سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل لقي أخاه فقال: إني أحبك في الله وقال الآخر مثل ذلك، ورجل ذكر الله ففاضت عيناه من مخافة الله، ورجل يتصدق بيمينه يخفيها من شماله، ورجل دعته أمراة ذات حسب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد من حبها، ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت على حلم. وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلم بن يسار قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : اللهم فالق الأصباح، وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً، اقضِ عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري، وقوّني في سبيلك " .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} [الآية: 96]. قال بعضهم: فالق القلوب بشرح أنوار الغيوب. وقال بعضهم: منور الأسرار بنور المعرفة.

القشيري

تفسير : وكما فَلَقَ صبحَ الكون فأشرقَتْ الأنوارُ كذلك فَلَقَ صبحَ القلوبِ فاستنارت به الأسرار، وكما جعل الليل سَكَناً لِتَسْكَنَ فيه النفوس من كدِّ التصرف عن أسباب المَعَاش كذلك جعل الليلَ سَكَناً للأحباب يَسْكَنونَ فيه إلى روح المناجاة إذا هدأت العيونُ من الأغيار. وجعل الشمس والقمر يجريان بحسبان معلوم على حد معلوم، فالشمس بوصفها مذ خُلِقَت لم تنقص ولم تزِدْ، والقمر لا يبقى ليلةً واحدةً على حالة واحدة فأبداً في الزيادة والنقصان، ولا يزال ينمو حتى يصير بدراً، ثم يتناقص حتى لا يُرى، ثم يأخذ في الظهور، وكذلك دأبُه دائماً إلى أَنْ تُنْقضَ عليه العادة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} فالق صباح مشاهدته من مطالع قلوب احابئه حين انتشر نورها من بشره الربانيين من اوليائه واصفيائه وجاعل الليل سكنا للمستانسين بحلاوة خطابه ولذائذ كشف جماله قال بعضهم فالق القلوب بشرح انوار الغيوب وقال بعضهم منور الاسرار بنور المعرفة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فالق الاصباح} خبر آخر لان. والاصباح بكسر الالف مصدر بمعنى الدخول فى ضوء النهار سمى به الصبح اى فالق عمود الفجر عن بياض النهار واسفاره {وجعل الليل سكنا} يسكن اليه التعب بالنهار لاستراحته من سكن اليه اذا اطمأن اليه استئناسا به او سكن فيه الخلق من قوله تعالى {أية : لتسكنوا فيه} تفسير : [القصص: 73] {والشمس والقمر} اى وجعلهما {حسبانا} اى على ادوار مختلفة يحسب بها الاوقات فانه تعالى قدر حركه الشمس بمقدار من السرعة والبطئ بحيث تتم دورتها فى سنة وقدر حركة القمر بحيث تتم الدورة فى شهر وبهذا التقدير تنتظم المصالح بالفصول الاربعة كنضج الثمار وامور الحرث والنسل ونحو ذلك مما يتوقف عليه قوام العالم وباختلاف منازل القمر وتجدد الاهلة فى كل شهر يعلم آجال الديون ومواقيت الاشياء فمعنى جعل الشمس والقمر حسبانا جعلهما علمى حساب. فالحسبان بالضم مصدر بمعنى الحساب والعد وبابه نصر. واما الحسبان بكسر الحاء فهو من باب علم ومعناه الظن والتخمين وتقديم الشمس لضيائها على القمر لانها معدن الانوار الفلكية من البدور والنجوم واصلها فى النورانية وان انوارهم مقتبسة من نور الشمس على قدر تقابلهم وصفوة اجرامهم قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره نور القمر ليس من نفسه وانما هو من عالم الانوار فهو ليس بناقص فى ذاته وانما ذلك بسبب عروض الكشافة بالتدريج ولولا ذلك لم تعرف الشهور والسنون والشمس والقمر عينا هذا التعين وظاهرهما الى الفوق والذى نراه جانبهما الداخل فهو تارة يفتح عينيه واخرى يغمض كما انا نفعل كذلك والكواكب ليست مركوزة فيه وانما هى بانعكاس الانوار فى بعض عروقه اللطيفة والذى يرى كسقوط النجم فكدفع الشمس من موضع الى موضع وهذا لا يطلع عليه الحكماء وانما يعرفه اهل السلوك ثم قال الليل والنهار فى عالم الآخرة ليسا بالظلمة والضياء بل لهما علامة اخرى بتجلى من التجليات فيعرفون به الليل والنهار وكيف يكون الليل هنا بالظلمة وقد قال عليه السلام "حديث : لو خرج ورق من اوراقها الى الدنيا لاضاء العالم" تفسير : انتهى كلامه. {ذلك} اشارة الى جعلهما حسبانا اى ذلك التسيير البديع بالحساب المعلوم {تقدير العزيز} الذى قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص {العليم} بما فيهما من المنافع والمصالح المتعلقة بمعاش الخلق ومعادهم: قال السعدى شعر : ابر وباد ومه وخورشيد وفلك دركارند تاتو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى همه ازبهر توسر كشته وفرمان بردار شرط انصاف نباشد كه توفرمان نبرى

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الكوفة {جعل الليل} على الفعل. الباقون "جاعل" على الفاعل. من قرأ "جاعل" على وزن فاعل فلأن قبله اسم فاعل، وهو قوله: {فالق الحب والنوى..} و {فالق الإصباح} فقرأ {وجاعل الليل} ليكون (فاعل) المعطوف على (فاعل) المعطوف عليه، فيكون متشاكلاً، لان من حكم الاسم ان يعطف على اسم مثله، لانه به أشبه من الفعل بالاسم، وهذه المشاكلة مراعاة في كلام العرب، ومثله {أية : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} تفسير : وقوله {أية : يدخل من يشاء في رحمته والظالمين}تفسير : وقوله {أية : وكلاً ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا}تفسير : نصبوا هذا كله ليكون القاريء بنصبها كالعاطف جملة من فعل وفاعل على جملة من فعل وفاعل، فكما أن الفعل أشبه من المبتدأ بالفعل، كذلك الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، ويقوي ذلك قول الشاعر: شعر : للبس عباءة وتقر عيني أحب الي من لبس الشفوف تفسير : ومن قرأ {وجعل} فلأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان (فاعل) بمعنى (فعل) في المعنى عطف عليه بالفعل لموافقته له في المعنى ويدلك على أنه بمنزلة (فعل) أنه نزل منزلته فيما عطف عليه، وهو قوله {والشمس والقمر حسبانا} ألا ترى أنه لما كان المعنى (فعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب الشمس والقمر على (فعل) لما كان فاعل كفعل. ويقوي ذلك قولهم: هذا معطي زيد درهما أمس، فالدرهم محمولا على (اعطى)، لان اسم الفاعل اذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل، فاذا جعل (معطي) بمنزلة (أعطى) كذلك جعل (فالق) بمنزلة (فلق) لان اسم الفاعل لما مضى، فعطف على (فعل) لما كان بمنزلته، ولا يجوز حمل (جاعل) على الليل، لان اسم الفاعل اذا كان لما مضى لا يعمل عمل الفعل، وقد أجازه بعض الكوفيين. معنى قوله {فالق الإصباح} أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، وذلك دال على القدرة العجيبة التي لا يقدر عليها غير الله، ويحتمل أن يكون معناه خالقه على ما حكيناه عن الضحاك وذكره الزجاج، ورفع {فالق} لانه خبر عن الله تعالى بعد خبر كأنه قال {إن الله فالق الحب والنوى} فالق الاصباح. ويحتمل أن يكون خبر أبتداء محذوف، فكأنه قال: هو فالق الاصباح. والاصباح مصدر أصبحنا إِصباحاً، والمراد أصبح كل يوم، فهو في معنى الاصباح. وروي عن الحسن أنه قرأ {فالق الإصباح} بفتح الالف وما قرأ به غيره. ومعنى {وجاعل الليل سكنا} أي تسكنون فيه وتتودعون فيه، وهو قول مجاهد والضحاك وقتادة وابن عباس وأكثر المفسرين. وروي عن ابن عباس أن معناه، خالق الليل والنهار. وقوله {والشمس والقمر حسبانا} نصبهما عطفا على موضع الليل، لان موضعه النصب بأنه مفعول جاعل. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس والسدي والربيع وقتادة، ومجاهد والجبائي: إِنهما يجريان في أفلاكهما بحساب، تقطع الشمس الفلك في سنة ويقطعه القمر في شهر قدّره الله تعالى به، فهو قوله {أية : والشمس والقمر بحسبان}تفسير : وقوله:{أية : وكل في فلك يسبحون}. تفسير : وقال قتادة معناه انه جعل الشمس والقمر ضياء. والاول أجود لان الله تعالى ذكر بمثل هذا من اياديه عند خلقه وعظيم سلطانه بفلقه الاصباح لهم واخراج النبات والغراس من الحب والنوى، وعقب ذلك بذكر خلق النجوم للاهتداء بها في البر والبحر، وكان وصفه اجراء الشمس والقمر بمنافعهم أشبه، وأنها تجري بحسبان ما يحتاج الخلق اليه في معائشهم ومعاملاتهم: أما الشمس فللزرع والحرث، واما القمر فللمواعيد وآجال الديون في المعاملات، وفيها منافع لا يعرف تفصيلها الا الله تعالى، لانه قال {فالق الإصباح} ذكر الضياء ولا معنى لتكريره دفعة ثانية. والحسبان جمع حساب على وزن شهبان وشهاب. وقيل في هذا الموضع انه مصدر حسبت الحساب أحسبه حسابا. وحكي عن بعض العرب على ذلك حسبان فلان وحسبته أي حسابه. والحسبان - بكسر الحاء - جمع حسبانة، وهي وسادة صغيرة. ونصب حسبانا على تقدير بحسبان، فلما حذف الباء نصبه. وقال قوم: هو نصب لقوله {وجعل}. وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} أي هذا الذي وصفه بأنه فعله من فلقه الاصباح، وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، تقدير الذي عز سلطانه فلا يقدر أحد أراده بسوء او عقاب او انتقام على الامتناع منه العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم، لا تقدير الاصنام والاوثاق التي لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه شيئا ولا تعقل.

الجنابذي

تفسير : {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} خبراً بعد خبرٍ لانّ، او مستأنفة ان كان مستأنفاً، او خبراً بعد خبر لذلكم {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} وقت راحة من سكن اليه اذا انس به واطمأنّ او وقت سكون عن الحركة وقرئ جاعل اللّيل وعلى قراءة جعل فالاختلاف بالاسم والفعل، كأنّه للاشارة الى انّ اقتضاء اللّيل السّكون امر ذاتىّ له لا عرضىّ محتاج الى تجديد الجعل بتجديد اللّيل، بل جعله سكناً لازم لخلقته اوّلاً بخلاف فلق الاصباح، واللّيل اعمّ من ليل اليوم وليل عالم الطّبع وليل عالم الجنّة وليل صروف الدّهر من القحط والزّلازل وكثرة القتل والنّهب وكثرة الامراض وغيرها، وكلّ مرتبة من مراتب العالم الكبير او الصّغير جهتها الدّانية ليل بالنّسبة الى جهتها العالية، هذا فى العالم الكبير وليل الطّبع والنّفس والجهل والشّهوات والامراض والبلايا والاحزان فى الصّغير {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} سببى حسبان للاوقات لتجاراتكم وزراعاتكم وديونكم ومواعيدكم وقد يعبّر عن الولاية والنّبوّة وعن الولىّ والنّبىّ بالشّمس والقمر، والحسبان حينئذٍ يكون بمعنى المحاسب او ميزان الحساب فانّهما شاهدان ومحاسبان على الجليل والقليل وهما اللّذان يعبّر عنهما الصّوفيّة بالشّيخ المرشد والشّيخ الدّليل فانّهما فى اصطلاحهم اعمّ من الولىّ والنّبىّ وخلفائهما والنّبوّة كالقمر تكسب النّور من الولاية كالدّليل من المرشد وقد يعبّر بهما عن العقل الكلّىّ والنّفس الكلّيّة وقد يعبّر عن العقل الجزوىّ والنّفس الجزويّة او العقل الجزوىّ والقلب او آدم وحوّاء، كلّ ذلك فى العالم الصّغير وعلى كلّ التّقادير، فالحسبان بمعنى المحاسب او ميزان الحساب {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} لمّا كان المراد من هذه المقدّمات تصوير تدبيره لمعاش الخلق بحيث لم يشذّ شيءٌ ممّا يحتاجون اليه فى المعاش حتّى يكون برهاناً قاطعاً على عدم اهمالهم فيما يحتاجون اليه فى امر المعاد المشار اليه بقوله {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا}.

اطفيش

تفسير : {فالقُ الإصْباحِ} شاق عمود الصبح عن الليل مظهر له من الظلمة، والمفلوق هو الظلمة، فلقها وأخرج منها الصبح، وضمن الفلق معنى الإظهار، فجعل الإصباح مفلوقاً أى مظهراً، والإصباح مصدر أصبح، سمى به الصبح، وهو الضوء الذى يكون فى ذلك الوقت، أو شاق الصبح عن بياض النهار، أو بياضه هو أول ما يبدو من الفجر، فيشق عنه الصبح وهو بياض أعظم، ويشق الصبح عن الإسفار وهو أعظم والصبح، فالمفلوق هنا على ظاهر وهو الإصباح بمعنى الصبح، فإنه يشقه ويخرج عنه ضوء أعظم، وإن قلت: كيف يكون ذلك فى الوجهين شقاً وإنما هو إحداث لضوء بجانب ظلمة، أو ضوء بجانب دونه؟ قلت: بل شق فى الوسط لا إحداث لضوء بجانب، لأن البحر المظلم لا تضيئه الشمس كله بل بعضه، فإذا لم تكن الشمس بحيث يظهر ضوءها فى طرف الباء والمحيط كله من جانب مطلع الفجر مظلم، فإذا طلع الفجر فقد شقت الظلمة، فبقى بعضها إلى ما توغل من المحيط، وهو ما لا يصله ضوءها، كما أنها إذا غربت انقطع المحيط الغربى، بل من فوق وسطه، فبعضه مضئ، وبعضه المتوغل فى الغرب لا ضوء فيه أبداً، وكذلك يكون الفلق على أصله، إذا قلنا معنى فالق، فالق الفجر الكاذب وهو الصبح الكاذب، فإن الله يفلقه ويخرج منه الصادق، وكذا إذا قدرنا مضافاً فقلنا: فالق ظلمة الإصباح، أى الظلمة الصحيحة، فإن الظلمة هى المفلوقة، فيخرج الصبح منها. وقيل: فالق بمعنى خالق، وفالق خبر ثان لإن، أو خبر لمحذوف، أى هو فالق الإصباح، أو خبر ثان لاسم الإشارة، وقرئ فالق الإصباح بنصب فالق على المدح، وجاعل الليل أيضا بالنصب عطفا وقرأ النخعى: فلق الإصباح وجعل الليل بلفظ الفعل فيهما، ونصب ما بعد الفعل به، وقرئ الإصباح بفتح همزة إصباح وهو جمع صبح. {وجَعلَ اللَّيل سَكناً} السكن ما يسكن إليه الإنسان مثلا ويناسبه للنوم والراحة، ويأنس به، وكذا الحيوان، قال ابن عباس: كل ذى روح يسكن فى الليل، قال الله تعالى: {أية : وجعل منها زوجها ليسكن إليها} تفسير : ويجوز أن يكون من السكون، لأن الحيوان ليسكن فيه عن الحركة، قال الله تعالى: {أية : لتسكنوا فيه} تفسير : وكلام ابن عباس قابل للوجهين، ولكن ذكرته أولا تصديقاً لقولى للنوم والراحة، وذلك أن الحيوان لا بد له من تعب ما، ولو انطرح على الأرض لا ينثنى، لأن نظر العين، وسمع الأذن وتكلم اللسان، وفكر القلب أعمال أيضا. وعلى كل حال فسكناً فعل بمعنى مفعول أى مسكوناً إليه، أو مسكوناً فيه، والأظهر أنه لم يرد أنه جعل الليل فيما مضى سكناً، بل أراد أنه ما زال ولن يزال يجعله سكنا فجاعل اسم فاعل للحال، فهو مضاف لمفعوله الأول، وسكناً المفعول الثانى، فهو باعتبار حاله واستقباله، فهذا أولى من أن يقال: إن الآية دليل للكسائى على جواز نصب المفعول بوصف الماضى، ولو لم يكن صلة لأل على أن يكون جاعل بمعنى هو الذى رأيتم أنه جعل الليل سكناً فيما مضى من أعماركم، وسمعتم عمن قبلكم وأولى من أن يقال سكنا مفعول لجعل محذوفا، أى جعل الليل سكناً للفظ الفعل عطفا على فالق، لأنه بمعنى فلق، ولو أجاز الكسائى عمل الوصف الماضوى، وقيل: لا يعمل الوصف المستمر، لأن فيه ظرفاً من الماضى، وفى تقدير الفعل إشكال لأنه لا بد أيضا أن يقدر لجاعل ما يتم به معناه. {والشَّمسَ والقَمَر حُسْباناً} عطف على معمولى عامل واحد، فالشمس معطوف على محل الليل، وحسباناً على سكناً، ويدل لهذا قراءة من قرأ بجر الشمس والقمر عطفاً على لفظ الليل، فيكون حسباناً أيضا معطوفاً على سكناً، وهى قراءة أبى حيوة وقيل: فى النصب إنهما منصوبان بفعل محذوف، أى وجعل الشمس والقمر حسباناً، كما يدل له قراءة الكسائى، وجعل الليل سكناً بالفعل، وليس ما هنا من العطف على معمولى عاملين مختلفين جراً عطفاً على لفظ الليل، أو نصباً عطفاً على محله، لأن العامل على كل حال هو لفظ جاعل، فعلى اعتبار استقباله وما ليته يكون محل الليل نصباً، وعلى اعتبار ماضويته يكون لا محل نصب له خلافاً المجيز عمل اسم الفاعل الماضوى، وقرئ بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف ناصب لحسباناً، أى والشمس والقمر محسوبان حسباناً. وعلى كل فى حال يقدر مضاف حسباناً أى ذوى حسبان، أو التى حسبان إذ كان على أدوار تحسب بها الأوقات كتقطيع الشمس الفلك فى سنة إذ تزيد على العام العربى أحد عشر يوماً، ويقطعه القمر فى ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين، فيكون ذلك الشمس، والشهور العربية مذكورة فى القرآن كحساب أجل الديون، ومواقيت الأشياء، فيكون ذكر الشمس فى الحساب ذكراً للشهور العجمية، ولكن السنة العربية والشهور العربية أفصح فى ذلك، لقوله تعالى: {أية : قل هى مواقيت للناس} تفسير : وهى أفضل لأن أمور الدين عليها كالزكاة والحج ورمضان، وبالفصول تختلف الاحوال من برد وحرارة وتوسط وغير ذلك، فيتعلق بذلك نضج الثمار، وأمر الحرث والنسل ونحو ذلك، فالحسبان حساب الآجال ومواقيت الأشياء الشمس والقمر، أو حساب مسيرهما لا يزيدان عليه يوماً أو أقل أو أكثر، فلا يجاوزان منتهاهما إلى جهة منتهى طول الأيام، أو منتهى قصرها، والحسبان مصدر حسب، وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان، وقال مجاهد الحسبان حسبان الرحى والدولاب وهو العود أو الحديد الذى يدوران عليه لعله شبه القطب بذلك العود أو الحديد، أعنى شبه قطب أسماء بقطب الرحى أو الدولاب. {ذلك} أى جعلهما حسباناً {تَقْديرُ العَزيزِ} الغالب لهما القاهر لهما على السير المخصوص {العَليمِ} بالتدبير النافع بهما، وهو التدوير المعتاد لهما.

اطفيش

تفسير : {فَالِقُ الإِصبَاحِ} شاق ضوء الصبح، خبر آخر لإِن أَو لذلكم، أَو يقدر هو فالق الإِصباح لا نعت للفظ الجلالة لأَن إِضافته لفظية إِلا إِن كان المراد فالق الإِصباح فيما مضى، أَو إِضافة فالق إِلى الإِصباح إِضافة لغير مفعوله، أَى فالق الظلمة بالإِصباح، فهو كقولك كاسب عياله، أَى كاسب المال لعياله، وعلى هذا فالمفلوق الظلمة فلا إِشكال، وإِما على أَنها للمفعول فيشكل إِن الإِصباح غير مفلوق وإِنما المفلوق الظلمة، وأَجيب بأَن التقدير فالق ظلمة الإِصباح فحذف المضاف، وظلمة الإِصباح هى بقية ظلمة الليل، أَو شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، والمراد الفجر الكاذب، أَو شاق عمود الصبح عن بياض النهار، والجنوب والمغرب كبحر مظلم يشقه ضوء الصبح، كما عبر عن الشق بالفلق، والحاصل أَنه كما شق الظلمة الخالصة الواقعة فى الليل، ويخرج منها عمود الصبح وهو الفجر الكاذب، كذلك يشق ذلك العمود ويخرج منه الظلمة الخالصة، ويخرج منه أَيضاً بياض النهار، والصبح الكاذب تعقبه الظلمة الخالصة، ويطلع بعده الصادق، فالله عز وجل فالق الإِصباح الأَول عن ظلمة آخر الليل، وفالق الظلمة عن الصادق، والإِصباح عبارة عما يبدو من النهار من كاذب أَو صادق، وأَصله الدخول فى الصباح، فيسمى المحل باسم الحال. وعن ابن عباس: الإِصباح ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. وعن مجاهد: إِضاءَة الفجر. واعلم أَن الجو جسم لطيف يتكاثف مع الأَجزاء اللطيفة من الأَرض كالمياه والأَجزاء من الأَرض، وإِذا قابلتها الشمس التصق به ضوءُها من خلفها صبحاً وقدامها غروباً، وهذا التكاثف لا يبلغ مقدار ما يحجب ما وراءَه، ولا يتجاوز من سطح الأَرض إِلى فوق أَحدا وخمسين ميلا {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً} يسكن إِليه من التعب بالنهار ويرتاح إِليه، وكل من تميل إِليه وتأْنس به من أَهل أَو صديق أَو مال أَو غير ذلك، فهو سكنكم، وفى لامية العجم: شعر : فيم الإِقامة بالزوراءِ لا سكنى فيها ولا ناقتى فيها ولا جملى تفسير : أَو هو من السكون ضد الحركة، فإِن أَكثر الحيوان من الدابة والطائر يترك فيه الحركة استراحة، ويناسبه قوله تعالى "أية : لتسكنوا فيه" تفسير : [القصص: 73] وعلى الوجهين فيه الحذف والإِيصال، أَى المسكون إِليه أَو المسكون فيه، كالفلق بمعنى المفلوق منه، وسكنا مفعول به ثان وجاءَ للاستمرار التجددى، والجعل تصيير، وبعض لا يجيز عمل الاستمرارى تغليبا لجانب الماضى، ولو جعلناه للماضى لكان سكنا حالا مقدرة، والجعل الخلق، والكوفيون يجيزون عمل الوصف الذى للماضى لأَنه بمعنى الفعل وبعض أَجاز عمله إِن قرن بأَل {وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَاناً} عطف على معمولى عامل واحد، عطف الشمس والقمر على محل الليل، فان الليل مفعول به لجاعل وحسبانا على سكنا مفعول ثان، أَوحال مقدرة، ومعنى حسبانا يجريان على حساب أَدوار مختلفة تحسب بهما الأَوقات، تتم دورة الشمس بالسنة للحرث والنسل ونضج الثمار وغير ذلك والعبادات، والقمر بالشهر للحج وأَجل لدين وغير ذلك، والعبادات، قال الله عز وجل: "أية : جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب"تفسير : [يونس: 5] والحسبان بمعنى الحساب، أَى ذوى حساب، أَو علامتى حساب، وقدر الأَخفش يجريان بحسبان فحذف الجار، ويدل له آية سورة الرحمن، وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان {ذَلِكَ} الجعل حسبانا وهو إِجراؤها على حساب {تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم} تجديده لهما بقدر معلوم متجدد، أَو بقضائه الأَزلى، وذكرهما بالعزة لأَنه سبحانه وتعالى قاهر لهما على الوجه المخصوص، وبالعلم لأَنه العالم بتدبيرهما وتدبير سيرهما، وبالأَنفع من التداوير، أَو يراد العليم بكل شئ ومنه علمه بشأنهما.

الالوسي

تفسير : {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} خبر لمبتدأ محذوف أي هو فالق أو خبر آخر لإن. والإصباح بكسر الهمزة مصدر سمي به الصبح؛ قال امرؤ القيس: شعر : / ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل تفسير : وقرأ الحسن بالفتح على أنه جمع صبح كقفل وأقفال. وأنشد قوله: شعر : أفنى رياحاً وبنى رياح تناسخ الإمساء والإصباح تفسير : بالكسر والفتح مصدرين وجمعي مسي وصبح. والفالق الخالق على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة والضحاك وقال غير واحد: الشاق. واستشكل بأن الظاهر أن الظلمة هي التي تفلق عن الصبح. وأجيب بأن الصبح صبحان، صادق وهو المنتشر ضوؤه معترضاً بالأفق، وكاذب وهو ما يبدو مستطيلاً وأعلاه أضوأ من باقيه وتعقبه ظلمة. وعلى الأول: يراد فلقه عن بياض النهار أو يقال: في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح بالأصباح وذلك لأن الأفق من الجانب الغربـي والجنوبـي مملوء من الظلمة والنور إنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة فشق سبحانه ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه. وعلى الثاني: فإيراد أنه سبحانه فالقه عن ظلمة آخر الليل وشاقه منه. وما ذكر من تقسيم الصبح إلى صادق وكاذب مما يشهد له العيان ولا يمتري فيه إثنان إلا أن في سبب ذلك كلاماً لأهل الهيئة حاصله أن الصبح وكذا الشفق استنارة في كرة البخار لتقارب الشمس من أفق المشرق وتباعدها عن أفق المغرب. وقد تحقق أن كرة البخار عبارة عن هواء متكاثف بما فيه من الأجزاء الأرضية والمائية المتصاعدة من كرتيهما بتسخين الشمس وغيرها إياها وأن شكل ذلك الهواء شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها وسطح مواز لسطحها المتساوي غاية ارتفاعها عن مركز الأرض في جميع النواحي المستلزم لكرويتها وأنها مختلفة القوام لأن ما كان منها أقرب إلى الأرض فهو أكثف مما بعد لأن الألطف يتصاعد ويتباعد أكثر من الأكثف ولكن لا يبلغ في التكاثف إلى حيث يحجب ما وراءه وأن هذه الكرة تنتهي إلى حد لا تتجاوزه وهو من سطح الأرض أحد وخمسون ميلاً تقريباً وأن للأرض ظلاً على هيئة مخروط قاعدته دائرة عليها تكاد تكون عظيمة وهي مواجهة للشمس ورأسه في مقابلها. وتنقسم الأرض بهذه القاعدة إلى قسمين: أحدهما أكبر مستضيء مواجه للشمس والآخر مظلم مقابل لها، ويتحرك الضياء والظلمة على سطح الأرض في يوم بليلته دورة واحدة كعلمين متقابلين أحدهما أبيض والآخر أسود. وأن شعاع الشمس محيط بمخروط الظل من جميع جوانبه ومنبث في جميع الأفلاك سوى مقدار يسير من فلك القمر وفلك عطارد وقع في مخروط ظل الأرض لكن الأفلاك لكونها مشعة في الغاية ينفذ فيها الشعاع ولاينعكس عنها فلذلك لا نراها مضيئة, وكذا الهواء الصافي المحيط بكرة البخار لا يقبل ضوءاً. وأما كرة البخار فهي مختلفة القوام لأن ما قرب منها إلى الأرض أكثف مما بعد والأكثف أقبل للاستضاءة فالكثيف الخشن باختلاط الهيئات الكثيرة من سطح مخروط الظل قابل للضوء وأن النهار مدة كون ذلك المخروط تحت الأفق والليل مدة كونه فوقه. وحيث تحقق كل ذلك يقال: إذا ازداد قرب الشمس من شرقي الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيه ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به وأول ما يرى هو الأقرب إلى موضع الناظر وهو خط يخرج من بصره في سطح دائرة سمتية تمر بمركز الشمس عموداً على الخط المماس للشمس والأرض وهو الذي في سطح الفصل المشترك بين الشعاع والظل فيرى الضوء أولاً مرتفعاً عن الأفق عند موقع العمود مستطيلاً كخط مستقيم وما بينه وبين الأفق يرى مظلماً لبعده وإن كان مستنيراً في الواقع / ولكثافة الهواء عند الأفق مدخل في ذلك أيضاً وهو الصبح الكاذب، ثم إذا قربت من الأفق الشرقي رؤى الضوء معترضاً منبسطاً يزداد لحظة فلحظة وينمحي الأول بهذا الضياء القوي كما ينمحي ضياء المشاعل والكواكب في ضوء الشمس فيخيل أن الأول قد عدم وهو الصبح الصادق. وتوضيح ما ذكر على ما في «التذكرة» و «شرح سيد المحققين» أنه يتوهم لبيان ذلك سطح يمر بمركز الشمس والأرض وبسهم المخروط ومركز قاعدته فيحدث مثلث حاد الزوايا قاعدته على الأفق وضلعاه على سطح المخروط. أما حدوث المثلث فلما تقرر أنه إذا مر سطح مستو بسهم المخروط ومركز قاعدته أحدث فيه مثلثاً. وأما حدة الزوايا فلأن رأس المخروط في نصف الليل يكون على دائرة نصف النهار فوق الأرض وحينئذ إما أن يكون المخروط قائماً على سطح الأفق وذلك إذا كانت الشمس على سمت القدم أو مائلاً إلى الشمال أو الجنوب مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب وذلك إذا لم تكن الشمس على سمت القدم. وأياً ما كان فذلك السطح المفروض ممتد فيما بين الخافقين أما على التقدير الأول فظاهر, وأما على التقدير الثاني فلتساوي بعد رأس المخروط عن جانبـي المشرق والمغرب فيكون زاويتا قاعدة المثلث حادتين لوجوب تساويهما وامتناع وقوع قائمتين أو منفرجتين في مثلث. وإذا مال رأس المخروط عن نصف النهار المغرب فوق الأرض بسبب انتقال الشمس عنه إلى جانب المشرق تحت الأرض تضايقت الزاوية الشرقية من ذلك المثلث فتصير أحد مما كانت واتسعت الزاوية الغربية حتى تصير منفرجة لكن المقصود لا يختلف. ولا شك أن الأقرب من الضلع الذي يلي الشمس إلى الناظر يكون موقع العمود الخارج من النظر الواقع على ذلك الضلع لا موضع اتصال الضلع بالأفق، وذلك أنه إذا خرج من البصر إلى الضلع الشرقي عمود فلا يمكن أن يقع على موضع اتصال هذا الضلع بالأفق وإلا انطبقت القائمة على بعض الحادة ولا أن يقع تحت الأفق بأن يقطع العمود قاعدة المثلث ويصل إلى الضلع المذكور بعد إخراجه تحته وإلا لزم في المثلث الحادث تحت الأفق من القدر المخرج من بعض القاعدة وبعض العمود قائمة ومنفرجة ولا أن يقع في جهة رأس المثلث على موضع اتصال أحد ضلعيه بالآخر ولا خارجاً عنه في تلك الجهة لما ذكرنا بعينه فوجب أن يقع داخل المثلث فيما بين طرفي الضلع الشرقي وقد تبين أن موضعه أقرب إلى الناظر من موضع اتصاله بالأفق. ولا شك في أن ما وقع من هذا الضلع فيما كثف من كرة البخار يكون مستنيراً بتمامه حال قرب الشمس من أفق المشرق إلا أن ما كان أقرب منه إلى الناظر يكون أصدق رؤية. وهو موقع العمود ومن هنا يتحقق الصادق والكاذب. انتهى كلامهم. والإمام الرازي أنكر كون الصبح الكاذب من أثر قرص الشمس وإنما هو بتخليق الله تعالى ابتداء قال: لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فالموضع الذي يكون فلك الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم وفي ذلك الموضع أضاء نصف كرة الأرض وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدنا وذلك الضوء يكون منتشراً مستطيراً في جميع أجزاء الجو ويجب أن يزداد لحظة فلحظة. وحينئذ يمتنع أن يكون الصبح الأول خطاً مستطيلاً فحيث كان كذلك علم أنه ليس من تأثير قرص الشمس ولا من جنس نوره. ويفهم من كلامه أيضاً أن الصبح الثاني كالصبح الأول ليس / إلا بتخليق الفاعل المختار ويمتنع أن يكون من تأثير قرص الشمس، وبين ذلك بأن من المقدمات المتفق عليها أن المضيء، شمساً كان أو غيره لا يقع ضوؤه إلا على الجرم المقابل له دون غير المقابل والشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلاً لجزء من أجزاء وجه الأرض فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير القرص، ثم قال فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل لها وذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض فيصير ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سبباً لضوء الهواء الواقف فوق الأرض ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا. وعلى هذا عول أبو علي بن الهيثم في «المناظر» فالجواب: أن هذا باطل من وجهين، الأول: أن الهواء شفاف عديم اللون فلا يقبل النور واللون في ذاته. وما كان كذلك يمتنع أن ينعكس منه النور إلى غيره فيمتنع أن يصير ضوؤه سبباً لضوء هواء آخر مقابل له. فإن قالوا فلم لا يجوز أن يقال إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس ثم يفيض على الهواء المقابل له؟ فنقول: لو كان كذلك لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى وليس الأمر كذلك بل بالعكس، الثاني: أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين. وإذا كان كذلك فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام، وإذا ثبت هذا فنقول. إذا وصل مركز الشمس إلى دئرة نصف الليل وتجاوز عنها فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام واستنار نصف العالم هناك. والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربـي بالنسبة إلى تلك البلدة، وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محازياً لهواء الربع الذي هو الربع الشرقي لأهل بلدنا فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل النور في هذا الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل وأن يصير هواء هذا الربع في غاية الإنارة حينئذ وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم انتهى المراد منه. ولا أراه أتى بشيء يتبلج به صبح هذا المطلب كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما قدمناه. وذكر أفضل المتأخرين العلامة أحمد بن حجر الهيتمي أن لأهل الهيئة في تحقيق الصبح الكاذب كلاماً طويلاً مبنياً على الحدس المبني على قاعدة الحكماء الباطلة كمنع الخرق والالتئام على أنه لا يفي ببيان سبب كون أعلاه أضوأ مع أنه أبعد من أسفله عن مستمده وهو الشمس ولا ببيان سبب انعدامه بالكلية حتى تعقبه ظلمة كما صرح به الأئمة وقدروها بساعة. والظاهر أن مرادهم مطلق الزمن لأنها تطول تارة وتقصر أخرى وهذا شأن الساعات الزمانية المسماة بالمعوجة ويقابلونها بالساعات المستوية المقدر كل منها دائماً بخمس عشرة درجة، وزعم بعض أهل الهيئة عدم انعدامه وإنما يتناقص حتى ينغمر في الصادق وقد تقدم لك ذلك فيما نقلناه لك عنهم ولعله بحسب التقدير لا الحس، وفي خبر مسلم « حديث : لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير » تفسير : أي ينتشر ذلك العمود في نواحي الأفق ويؤخذ من تسميته عارضاً للثاني شيئان، أحدهما: أنه يعرض للشعاع الناشيء عنه الصبح، الثاني: انحباس قرب ظهوره كما يشعر به التنفس في / قوله سبحانه: { أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } تفسير : [التكوير: 18] فعند ذلك الانحباس يتنفس منه شيء من شبه كوة، والمشاهد في المنحبس إذا خرج بعضه دفعة أن يكون أوله أكثر من آخره، وهذا لكون كلام الصادق قد يدل عليه ولانبائه عن سبب طوله وإضاءة أعلاه واختلاف زمنه وانعدامه بالكلية الموافق للحس أولى مما ذكره أهل الهيئة القاصر عن كل ذلك. ثانيهما: أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالعارض إلى أن المقصود بالذات هو الصادق وأن الكاذب إنما قصد بطريق العرضية لينبه الناس به لقرب ذلك فينتبهوا ليدركوا فضيلة أول الوقت لاشتغالهم بالنوم الذي لولا هذه العلامة لمنعهم إدراك أول الوقت، فالحاصل أنه نور يبرزه الله تعالى من ذلك الشعاع أو يخلقه حينئذ علامة على قرب الصبح ومخالفاً له في الشكل ليحصل التمييز وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود فتأمل ذلك فإنه غريب مهم. وفي حديث عند أحمد « حديث : ليس الفجر الأبيض المستطيل في الأفق ولكن الفجر الأحمر المعترض » تفسير : وفيه شاهد لما ذكر آخر. ومما يؤيد ما أشير إليه من الكوة ما أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن للشمس ثلثمائة كوة تطلع كل يوم من كوة فلا بدع أنها عند قربها من تلك الكوة ينحبس شعاعها ثم يتنفس كما مر. وللقرافي المالكي وغيره كالأصبحي من الشافعية فيه كلام يوضحه ويبين صحة ما ذكر من الكوات ويوافق الاستشكال لكونه يظهر ثم يغيب. وحاصله وإن كان فيه طول لمس الحاجة إليه أنه بياض يطلع قبل الفجر ثم يذهب عند أكثر الأبصار دون الراصد المجد القوي النظر. وذكر ابن بشير المالكي أنه من نور الشمس إذا قربت من الأفق فإذا ظهرت أنست به الأبصار فيظهر له أنه غاب وليس كذلك. ونقل الأصبحي أن بعضهم ذكر أنه يذهب بعد طلوعه ويعود مكانه ليلاً وهو كثير من الشافعية، وإن أبا جعفر البصري بعد أن عرفه بأنه عند بقاء نحو ساعتين يطلع مستطيلاً إلى نحو ربع السماء كأنه عمود وربما لم ير إذا كان الجو نقياً شتاء وأبين ما يكون إذا كان الجو كدراً صيفاً أعلاه دقيق وأسفله واسع ولا ينافي هذا ما تقدم من أن أعلاه أضوأ لأن ذلك عند أول الطلوع وهذا عند مزيد قربه من الصادق وتحته سواد ثم بياض ثم يظهر بياض يغشى ذلك كله ثم يعترض رده بأنه رصده نحو خمسين سنة فلم يره غاب وإنما ينحدر ليلتقي مع المعترض في السواد ويصيران فجراً واحداً، وزعم غيبته ثم عوده وهم أو رآه يختلف باختلاف الفصول فظنه يذهب، وبعض المؤقتين يقول: هو المجرة إذا كان الفجر بالسعود، ويلزمه أن لا يوجد إلا نحو شهرين في السنة قال القرافي: وقال آخرون هو شعاع يخرج من طباق بجبل قاف ثم أبطله بأن جبل قاف لا وجود له وبرهن عليه بما يرده ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق خرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول الصحابـي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبـي صلى الله عليه وسلم، منها " حديث : أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف ثم أرضاً ثم بحراً ثم جبلاً " تفسير : وهكذا حتى عد سبعاً من كل، وأخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء، وعن مجاهد مثله، وكما اندفع بذلك قوله: لا وجود له اندفع قوله إثره: ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه لأنه إن أراد بالدليل مطلق الأمارة فهذا عليه أدلة أو الأمارة العقلية فهذا مما يكفي فيه الظن كما هو جلي، ثم نقل عن القرافي عن أهل الهيئة أنه يظهر ثم يخفى دائماً، ثم استشكله وأطال في جوابه بما لا يتضح / إلا لمن أتقن علمي الهندسة والمناظر فأولى منه أن يختلف باختلاف النظر لاختلافه باختلاف الفصول والكيفيات العارضة لمحله فقد يدق في بعض ذلك حتى لا يرى أصلاً وحينئذ فهذا عذر من عبر بأنه يغيب ثم تعقبه ظلمة. هذا ولا يخفى أن القول بحدوث ضوء الصبح بمجرد خلق الله تعالى لا عن سبب عادي كما يشير إليه كلام الإمام أهون من القول بأنه من شعاع يخرج من طباق جبل قاف، والقول بخروج الشعاع من هذا الطباق أهون من القول بخروج الشمس - التي هي على ما بين في الأجرام مائة وستة وستون مثلاً للأرض مع كسر تقدم على ما هو المشهور أو ثلاثمائة وستة وعشرون مثلاً لها على ما قاله غياث الدين جمشيد الكاشي في رسالته «سلم السماء» أو ما يقرب من ذلك على ما في بعض الروايات - من كوة من جبل محيط بالأرض. والخبر في ذلك إن صح وقلنا: إن له حكم المرفوع مما ينبغي تأويله وباب التأويل أوسع من تلك الكوة فإن كثيراً من الناس قد قطعوا دائرة الأرض على مدار السرطان مراراً ولم يجدوا أثراً لهذا الجبل المحيط الشامخ. وإثبات سبعة جبال وسبعة أبحر على الوجه السابق مما لا يخفى ما فيه أيضاً. وكون الله تعالى لا يعجزه شيء مما لا يشك فيه إلا ملحد لكن الكلام في وقوع ما ذكر في الخارج. والذي تميل إليه قلوب كثير من الناس في أمر الصبح ما ذكره أهل الهيئة. وقد بين أرسطرخس في الشكل الثاني من «كتابه في جرم النيرين» أن الكرة إذا اقتبست الضوء من كرة أعظم منها كان المضيء منها أعظم من نصفها. وقد بين أيضاً في الشكل الأول من ذلك الكتاب أن كل كرتين مختلفتين أمكن أن يحيط بهما مخروط مستدير رأسه يلي أصغرهما ويكون المخروط مماساً لكل منهما على محيط دائرة، ولا شك أنه محيط بالشمس والأرض مخروط مؤلف من خطوط شعاعية رأسه يلي الأرض فيكون هذا المخروط مماساً للأرض على دائرة فاصلة بين المضيء والمظلم منها وهي دائرة صغيرة لأن الجزء المضيء من الأرض أصغر. وقد حققوا أن المستنير من الهواء كرة البخار سوى ما دخل في ظل مخروط الأرض وهي مستنيرة أبداً لكثافتها وإحاطة أشعة الشمس بها لكنها لا ترى في الليل لبعدها عن البصر وإن سهم المخروط أبداً في مقابلة جرم الشمس كما أشرنا إليه. ففي منتصف الليل يكون على دائرة نصف النهار وبعد ذلك يميل إلى جانب الغروب لحظة فلحظة إلى أن يرى البياض في جانب المشرق على ما تقدم تفصيله وعلى هذا لا يلزم في الصورة التي ذكرها الإمام من مجاوزة مركز الشمس دائرة نصف الليل وطلوعها على أولئك الأقوام. واستنارة نصف العالم عندهم استنارة الربع الشرقي عندنا لاختلاف الوضع كما لا يخفى على المتأمل، والتزام القول بالكروية والمخروط ونحو ذلك مما ذكره أهل الهيئة لا بأس به، نعم اعتقاد صحة ما يقولونه - مما علم خلافه من الدين بالضرورة أو علم بدليل قطعي - كفر أو ضلال فتدبر. وقرىء {فَالِق} بالنصب على المدح. وقرأ النخعي {فلق ٱلإصباح}. {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً } أي يسكن إليه من يتعب بالنهار ويستأنس به لاسترواحه فيه وكل ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيب يقال له: سكن، ومنه قيل للنار: سكن لأنه يستأنس بها ولذا سموها مؤنسة. وأخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أن المعنى يسكن فيه كل طير ودابة وروي نحوه عن ابن عباس ومجاهد / رضي الله تعالى عنهم، فالمراد حينئذ جعل الليل مسكوناً فيه أخذاً له من السكون أي الهدوء والاستقرار كما في قوله تعالى: { أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } تفسير : [يونس: 67] وقرأ سائر السبعة إلا الكوفيين {جَاعِلُ} بالرفع. وقرىء شاذاً بالنصب و {ٱلَّيْلِ} فيهما مجرور بالإضافة، ونصب {سَكَناً} عند كثير بفعل دل عليه هذا الوصف لا به لأنه يشترط في عمل اسم الفاعل كونه بمعنى الحال أو الاستقبال وهو هنا بمعنى الماضي كما يشهد به قراءة {جَعَلَ }. وجوز الكسائي وبعض الكوفيين عمله بمعنى الماضي مطلقاً حملاً له على الفعل الذي تضمن معناه. وبعضهم جوز عمله كذلك إذا دخلت عليه أل. وآخرون جوزوا عمله في الثاني إذا أضيف إلى الأول لشبهه بالمعرف باللام، وعلى هذا والأول لا يحتاج إلى تقدير فعل بل يكون الناصب هو الوصف، واختار بعضهم كونه الناصب أيضاً لكن باعتبار أن المراد به الجعل المستمر في الأزمنة المختلفة لا الزمان الماضي فقط ولا يجري على هذا مجرى الصفة المشبهة لأن ذلك ـ كما قال بعض المحققين ـ فيما قصد به الاستمرار مشروط باشتهار الوصف بذلك الاستعمال وشيوعه فيه ونصبه في قراءتنا على أنه مفعول ثان لجعل. وجوز أن يكون {جَعَلَ } بمعنى أحدث المتعدي لواحد فيكون نصباً على الحال. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } معطوفان على {ٱلَّيْلَ } وعلى قراءة من جره يكون نصبهما بجعل المقدر الناصب لسكناً أو بآخر مثله، وقيل: بالعطف على محل {ٱلَّيْلَ } المجرور فإن إضافة الوصف إليه غير حقيقية إذا لم ينظر فيه إلى المضي. وقرىء بالجر وهو ظاهر وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان {حُسْبَاناً } أي على أدوار مختلفة يحسب فيها الأوقات التي نيط بها العبادات والمعاملات أو محسوبان حسباناً. والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب وهذا هو الأصل المسموع في نحو ذلك وما سواه وارد على خلاف القياس كما قيل. وعن أبـي الهيثم أن {حُسْبَاناً } جمع حساب مثل ركبان وركاب وشهبان وشهاب؛ وفي إرادته هنا بعد. {ذٰلِكَ } إشارة إلى جعلهما كذلك. وقال الطبرسي: «إلى ما تقدم من فلق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً»، والجمهور على الأول وهو الظاهر. وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو منزلة المشار إليه وبعد منزلته أي ذلك التسيير البديع الشأن {تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ } أي الغالب القاهر الذي لا يتعاصاه شيء من الأشياء التي من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص {ٱلْعَلِيمُ } المبالغ في العلم بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسيير من المصالح المعاشية والمعادية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً}. أي مظلماً ساجياً ليسكن فيه الخلق فيستريحوا من تعب الكد بالنهار كما بينه قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تفسير : [يونس: 67]، وقوله {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 71-73] الآية، وقوله { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} يعني الليل، {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني بالنهار {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ} تفسير : [فصلت: 37] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 96- هو الذى يشق غبش الصبح بضوء النهار، ليسعى الأحياء إلى تحصيل أسباب حياتهم، وجعل الليل ذا راحة للجسم والنفس، وجعل سير الشمس والقمر بنظام دقيق يعرف به الناس مواقيت عباداتهم ومعاملاتهم. ذلك النظام المحكم، تدبير القادر المسيطر على الكون المحيط بكل شئ علماً. 97- وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بمواقعها إلى مقاصدكم، وأنتم سائرون فى ظلمات الليل بالبر والبحر، إنا قد بيّنا دلائل رحمتنا وقدرتنا لقوم ينتفعون بالعلم. 98- هو الذى أنشأكم من أصل واحد، هو أبو البشر آدم، وآدم من الأرض، فالأرض مكان استقراركم مدة حياتكم، ومستودع لكم بعد موتكم وتغيبكم فى بطنها، وقد بيّنا دلائل قدرتنا لقوم يدركون ويفهمون الأشياء على وجهها.

د. أسعد حومد

تفسير : (96) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الضِّيَاءِ وَالظَّلاَمِ، وَهُوَ يَفْلِقُ ظَلامَ اللَّيلِ عَنْ غُرَّةِ الصَّبَاحِ، فَيُضِيءُ الوُجُودُ، وَيَتَلاشَى الظَّلامُ، وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيَلَ سَاجِياً مُظْلِماً لِتَسْكُنَ فِيهِ الكَائِنَاتُ، وَتَرْتَاحَ مِنْ عَنَاءِ النَّهَارِ، وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مُقَنَّنٍ مُقَدَّرٍ، لا يَتَغَيَّرُ وَلاَ يَتَبَدَّلُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنَازِلُ يَسْلُكُها، وَيَنْتُجُ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ جَارٍ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الذِي لاَ يُمَانَعُ وَلاَ يُخَالَفُ، وَهُوَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيءٍ، فَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ - شَاقُّ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ بَيَاضِ النَّهَارِ. حُسْبَاناً - يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مُقَدَّرٍ فِي فَلَكِهِمَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه يأتي بآية أخرى من الآيات المعجزة كما جاء بالآية الأولى في أنه هو الذي خلق لنا ما يقيم حياتنا. {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً}. ومعنى "فالق" أي جعل الشيء شقين، وهما نعمتان متقابلتان لا تكفي واحدة عن الأخرى، إذ لا بد أن يوجد إصباح ويوجد الليل سكناً؛ لأن الإصباح هو زمان وضوح الأشياء أمام رؤية العين؛ لأننا نعلم أن الظلمة تجعل الإنسان يضطرب مع الإشياء، فإن كنت أقوى من هذه الأشياء حطمتها، وإن كانت أقوى منك حطمتك. إن السير في الظلمات التي لا يوجد فيها نور يهدي الإنسان إلى مرائيه قد يؤدي إلى خسارة الأشياء. إننّا في الصباح نعمل ونسعى في الأرض، ونملأ الدنيا حركة. فإذا ما أصابنا الكد والتعب والنَّصب من الحركة فالمنطق الطبيعي للكائن الحي أن يستريح ويهدأ ويسكن لا بحركته فقط ولكن بسكون كل شيء حوله؛ لأنك إن كنت ساكناً ويأتي لك ضوء فهو يؤثر في تكوينك، ولذلك يقولون الآن: إن "الأشعة" التي يكتشفون بها أسرار ما في داخل جسد الإنسان تترك آثاراً. إذن فالإشعاع الصادر عن الشمس يمنعه عنك الله ليلاً حتى يستريح الجسم من كل شيء، من كل حركة ناشئة فيه، ومن حركة وافدة عليه، وهكذا تكون نعمة سكون الليل وظلمته مثل نعمة الصباح، وكلاهما تتمم الأخرى، ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى في أول السورة قدّم الظلمات على النور: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1]. لأنك لا تستطيع أن تنتفع بحركتك في النور إلا إذا كنت نشيطاً ومرتاحاً أثناء الليل. فإن لم ترتح كنت مرهقاً ولن تستطيع العمل بدقة في حركة النهار. إذن فالظلمة مقصودة في الوجود. ولذلك فالحضارة الراقية هي التي تنظم حياة الإنسان ليعمل نهارا ويستريح ليلاً، حتى لا يستأنف عمله في الصباح مكدوداً. ومن يزور ريف مصر هذه الأيام يفاجأ بأن أهل الريف قد سهروا طوال الليل مع أجهزة الترفيه، ويقومون إلى العمل في الصباح وهم مكدودون مرهقون. ونقول: لنأخذ الحضارة من قمتها، ولا نأخذ الحضارة من أسفلها؛ فحين تذهب إلى أوروبا تجد الناس تخلد وتسكن ليلاً، ومن يسير في الشارع لا يسمع صوتاً ولا يجد من يخرج من بيته، ولا تسمع صوت ميكروفون في الشارع؛ حتى ينال كل إنسان قسطه من الهدوء، ويختلف الأمر في بلادنا: فالشوارع تمتلئ بالضجيج، والمريض لا يستطيع أن يرتاح، ومن يذاكر لا يجد الهدوء اللازم، ومن يتعبد تخرجه الضوضاء من جوّ العبادة، ونجد من يصف ذلك بأنه نقلة حضارية!! ونقول: لتأخذ كل نعمة من نعم الله على قدر معطياتها في الوجود النافع لك، وحين يأتي الليل عليك أن تطفئ المصباح حتى تهجع ولا تتشاغب فيك جزئياتك وتكوينك. وسبحانه يقول: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} و {فَالِقُ} - كما قلنا - تعني شاقق، فهل الإصباح ينفلق؟. وبماذا؟. ونقول: إن {فَالِقُ} هي اسم فاعل، مثلما نقول: "قاتل الضربة" أي أن الضربة من يده قاتلة. و{فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} معناها أن الصباح ينفلق عن الظلمة؛ لأن الظلمة متراكمة وحين يأتي الإصباح فكأنه فلق الظلمة وشقها ليخرج النور، وتعني {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} أيضاً أن الفلق واقع على الإصباح فيأتي من بعده الظلام، وهذه من دقة الأداء البياني في القرآن؛ لأن الذي يتكلم إله. وامرؤ القيس قال: شعر : ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل تفسير : والصبح والإصباح معناهما واحد. هل الصبح من طلوع الشمس؟ أو الصبح من ظهور الضوء قبل أن تشرق الشمس؟ يأتي الإصباح أولا وهو النور الهادئ، ونجد أطباء العيون بعد إجراء جراحة ما لإنسان في عينيه يقومون بفك الأربطة التي تساعد الجرح على الالتئام، يفكونها بالتدريج حتى لا يخطف الضوء البصر فوراً، ومن رحمة الله أن خلق فترة الصبح بضوئها الهادئ قبل أن تطلع الشمس بضوئها كله دفعة واحدة. فكأن الصبح جاء ليفلق ظلمة الليل فلقاً هادئاً، ثم جاءت الشمس ففلقت الصبح. إذن الإصباح فالق مرة لأنه شقّ الظلمة وفلقها ومفلوق مرة أخرى؛ لأن الظلمة جاءت بعده. إذن فاسم الفاعل قد أدى مهمتين. . المهمة الأولى: فالق الإصباح. أي دخل بضوء الشمس. وإن قلنا: إصباحه فالق، أي ظلمة الليل الأوى انفلقت. إذن فالإصباح فالق مرة، ومفلوق مرة أخرى. وسبحانه حين يقول: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} يريد أن يعطي شقين اثنين؛ لأنه هو في ذاته فالق الإصباح. فيأتي بالاسم ليعطي لها صفة الثبوت، ثم جاء بـ {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} صفة الحدوث بعد وجود المتعلّق. فإذا أراد الصفة اللازمة له قبل أن يوجد المتعلق يأتي بالاسم. وإن أراد الصفة بعد أن وجد المتعلّق يأتي بالفعل. ولذلك نجد القرآن الكريم يصور الثبات في قوله الحق: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} تفسير : [الكهف: 18]. الكلب هنا على هذه الصورة الثابتة، وحين يريد القرآن أن يأتي بالصفة التي تتغير، يأتي بالفعل: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} تفسير : [الحج: 63]. وكان القياس أن يقول: فأصبحت الأرض مخضرة؛ لأنه قال: "أنزل" لكنه يأتي بالتجدد الذي يحدث {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً}. ويتابع الحق: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} ونحن نعرف الشمس والقمر وجاء بعد ذلك بكلمة {حُسْبَاناً}، على وزن فُعْلان، وهذا ما يدل عادة على المبالغة مثلما تقول: فلان والعياذ بالله كفر كفراناً. ومثلما تدعو: غفر الله لك غفراناً. فحين تحب أن تبالغ تأتي بصيغة فُعْلان. وجاء القرآن بكلمة "حسبان" في موضعين اثنين فيما يتصل بالشمس والقمر جاء بها هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً}، وفي سورة الرحمن يقول الحق سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5]. وما الفرق بين التعبيرين؟ "حسبان" هنا تعني أن تحسب الأشياء، فنحن نحسب السنة بدورة الشمس بـ 365 يوماً وربع اليوم وهي تمر بالبروج فيها خلال هذه المدة، والقمر يبدأ بروجه كل شهر في ثمانية وعشرين يوماً وبعض اليوم، ونحن نحسب بالشمس اليوم، ونحسب بها العام، ولكنا نحسب الشهر بالقمر، وأنت لا تقدر أن تحسب الشهر بالشمس، بل تحسب الشهر بالقمر لأنه يظهر صغيراً ثم بكبر ويكبر ويكبر. ولذلك يثبت رمضان عندنا بالقمر لا بالشمس. واليوم نثبته بالشمس. وهكذا عرفنا أن الشمس والقمر ويعملان في حسابنا للأيام والشهور، والاثنان حسبان: الشمس لها حساب، والقمر له حساب وإذا ما نظرت إلى كلمة "حسبان" تفهم أن الشمس والقمر، كليهما مخلوق ليحسب به شيء آخر؛ لأنهما خلقتا بحسبان، أي أنهما قد أريد بهما الحساب الدقيق، لأن الشمس مخلوقة بحساب، وكذلك القمر. وتعال إلى الساعة التي نستعملها، ألا يوجد بها عقرب للساعات، وآخر للدقائق، وثالث للثواني؟. وهذا أقل ما قدرنا عليه، وإن كان من الممكن أننا نقسم الثانية إلى أجزاء مثلما عملنا في المساحات؛ فهناك المتر، والسنتيمتر، والملليمتر، ثم بعد ذلك قلنا الميكروملليمتر. إذن، كلما نرتقي في التقدم العلمي نحسب الحساب الأدق. ولم تكن الشمس والقمر حساباً لنا نحسب بهما الأشياء إلا إذا كانت مخلوقة بحساب. إنك حين تنظر إلى ساعتك تدرك قفزة عقرب الثواني ولكنك لا تدرك حركة عقرب الدقائق، وكذلك لا تدرك حكة عقرب الساعات، وكل من العقارب الثلاثة يدور "بزمبلك" وترس معين. إن اختلت الحركة في زمبلك أو ترس، ينعكس هذا الخلل على بقية العقارب، والثانية محسوبة على الدقيقة، والدقيقة محسوبة على الساعة. وهكذا فإن لم تكن الساعة مصنوعة بهذا الحساب الدقيق فهي لن تعمل جيداً. وهكذا لا نعتبر الساعة معيارا لحساب أزماننا إلا أنها في ذاتها خلقت بحساب. والحق سبحانه يقول: {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي لنحسب بهما لأنهما مخلوقتان بحسبان. أي بحساب دقيق، ولماذا لم يقل الحق حساباً وجاء بحسبان هنا، وحسبان في آية سورة الرحمن؟. ذلك لأن الأمر يقتضي مبالغة في الدقة. فهذا ليس مجرد حساب، لكنه حسبان. ويذيل الحق الآية بقوله: {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}، وكلمة "العزيز" تفيد الغلبة والقهر فلا يستطيع أحد أن يعلو عليه؛ فهذه الأجرام التي تراها أقوى منك ولا تتداولها يدك، إنّها تؤدي لك مهمة بدون أن تقرب منها؛ فأنت لا تقترب من الشمس لتضبطها، مثلما تفعل في الساعة التي اخترعها إنسان مثلك، والشمس لها قوة قد أمدها الله خالقها بها ولا شيء في صنعته ولا في خلقه يتأبّى عليه. فهذا هو تقدير العزيز العليم، وهو سبحانه يعطينا حيثيات الثقة في كونها حسبانا لنحسب عليها. فهو جل وعلا خالقها بتقدير عزيز لا يغلب، وهو عزيز يعلم علما مطلقا لا نهاية له ولا حدود. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} [الآية: 96] قال: يعني الشقتين اللتين فيهما. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الآية: 99] قال: المستقر في الأَرحام، والمستودع في الأَصلاب. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} [الآية: 97]. يعني: إِضاءَة الفجر. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} [الآية: 101] يقول: كذبوا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} وَهَو جَمعُ حِسابٍ.

همام الصنعاني

تفسير : 831- حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ}: الآية: 96]، قال: فالق الصُّبْح. 832- حدثنا مَعْمَر، عَنْ قتادةَ، في قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً}: [الآية: 96]، قال: يَدُورَانِ في حِسَابٍ.