٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة، وهو أنه تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد وهي من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى خلقها لتهتدي الخلق بها إلى الطرق والمسالك في ظلمات البر والبحر حيث لا يرون شمساً ولا قمراً لأن عند ذلك يهتدون بها إلى المسالك والطرق التي يريدون المرور فيها. الوجه الثاني: وهو أن الناس يستدلون بأحوال حركة الشمس على معرفة أوقات الصلاة، وإنما يستدلون بحركة الشمس في النهار على القبلة، ويستدلون بأحوال الكواكب في الليالي على معرفة القبلة. الوجه الثالث: أنه تعالى ذكر في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء، فقال {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجاً }تفسير : [الفرقان: 61] وقال تعالى: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوٰكِبِ } تفسير : [الصافات: 6] وقال: {أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ }تفسير : [البروج: 1]. الوجه الرابع: أنه تعالى ذكر في منافعها كونها رجوماً للشياطين. الوجه الخامس: يمكن أن يقال: لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر أي في ظلمات التعطيل والتشبيه، فإن المعطل ينفي كونه فاعلاً مختاراً، والمشبه يثبت كونه تعالى جسماً مختصاً بالمكان فهو تعالى خلق هذه النجوم ليهتدى بها في هذين النوعين من الظلمات، أما الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل، فذلك لأنا نشاهد هذه الكواكب مختلفة في صفات كثيرة فبعضها سيارة وبعضها ثابتة، والثوابت بعضها في المنطقة وبعضها في القطبين، وأيضاً الثوابت لامعة والسيارة غير لامعة، وأيضاً بعضها كبيرة درية عظيمة الضوء، وبعضها صغيرة خفية قليلة الضوء، وأيضاً قدروا مقاديرها على سبع مراتب. إذا عرفت هذا فنقول: قد دللنا على أن الأجسام متماثلة، وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كان اختصاص كل واحد منها بصفة معينة دليلاً على أن ذلك ليس إلا بتقدير الفاعل المختار فهذا وجه الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل. وأما وجه الاهتداء بها في ظلمات بحر التشبيه فلأنا نقول إنه لا عيب يقدح في إلهية هذه الكواكب إلا أنها أجسام فتكون مؤلفة من الأجزاء والأبعاض، وأيضاً إنها متناهية ومحدودة، وأيضاً إنها متغيرة ومتحركة ومنتقلة من حال إلى حال فهذه الأشياء إن لم تكن عيوباً في الإلهية امتنع الطعن في إلهيتها، وإن كانت عيوباً في الإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها فوجب الجزم بأن إله العالم والسماء والأرض منزه عن الجسمية والأعضاء والأبعاض والحد والنهاية والمكان والجهة، فهذا بيان الاهتداء بهذه الكواكب في بر التعطيل وبحر التشبيه، وهذا وإن كان عدولاً عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا أنه قريب مناسب لعظمة كتاب الله تعالى. الوجه السادس: في منافع هذه الكواكب ما ذكره الله تعالى في قوله: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191] فنبه على سبيل الإجمال على أن في وجود كل واحد منها حكمة عالية ومنفعة شريفة، وليس كل ما لا يحيط عقلنا به على التفصيل وجب نفيه فمن أراد أن يقدر حكمة الله تعالى في ملكه وملكوته بمكيال خياله ومقياس قياسه فقد ضل ضلالاً مبيناً، ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم. قال: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وفيه وجوه: الأول: المراد أن هذه النجوم كما يمكن أن يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر، فكذلك يمكن أن يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم، وكمال قدرته وعلمه. الثاني: أن يكون المراد من العلم ههنا العقل فقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } نظير قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله: {لأَيَـٰتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وفي آل عمران في قوله: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لأَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ }تفسير : [آل عمران: 190] والثالث: أن يكون المراد من قوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لقوم يتفكرون ويتأملون ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} بين كمال قدرته، وفي النجوم منافع جَمّة. ذكر في هذه الآية بعض منافعها، وهي التي ندَب الشرع إلى معرفتها؛ وفي التنزيل: {أية : وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ }تفسير : [الصافات: 7]. {أية : وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الملك: 5]. و«جعل» هنا بمعنى خلق. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} أي بيّناها مفصّلة لتكون أبلغ في الاعتبار. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} خصهم لأنهم المنتفعون بها.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} خلقها لكم. {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة، وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد ما أجملها بقوله لكم. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} بيناها فصلاً فصلاً. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون به.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } في الأسفار {قَدْ فَصَّلْنَا } بيَّنا {الأَيَٰتِ } الدلالات على قدرتنا {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يتدبرون.
ابن عطية
تفسير : هذه المخاطبة تعم المؤمنين والكافرين، فالحجة بها على الكافرين قائمة والعبرة بها للمؤمنين ممكنة متعرضة، و {جعل} هنا بمعنى خلق لدخولها على مفعول واحد، وقد يمكن أن تكون بمعنى صير ويقدر المفعول الثاني في {لتهتدوا} لأنه يقدر وهو الذي جعل لكم النجوم هداية، و {في ظلمات} هي ها هنا على حقيقتها في ظلمة الليل بقرينة النجوم التي لا تكون إلا بالليل، ويصح أن تكون "الظلمات" ها هنا الشدائد في المواضع التي يتفق أن يهتدي فيها الشمس، وذكر الله تعالى النجوم في ثلاث منافع وهي قوله: {أية : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} تفسير : [المُلك:5] وقوله: {أية : وجعلناها رجوماً للشياطين} تفسير : [المُلك:5] وقوله: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} فالواجب أن يعتقد أن ما عدا هذه الوجوه من قول أهل التأثير باطل واختلاق على الله وكفر به، و {فصلنا} معناه بينا وقسمنا و {الآيات} الدلائل و {لقوم يعلمون} تخصيص لهم بالذكر وتنبيه منهم لتحصلهم الآية المفصلة المنصوبة، وغيرهم تمر عليهم الآيات وهم معرضون عنها، وقوله {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع} الآية، الإنشاء فعل الشيء، و {من نفس واحدة} يريد آدم عليه السلام، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "فمستقَر" بفتح القاف على أنه موضع استقرار، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "فمستقِر" بكسر القاف على أنه اسم فاعل، وأجمعوا على فتح الدال من "مستودَع" بأن يقدر موضع استيداع، وأن يقدر أيضاً مفعولاً ولا يصح ذلك في مستقر لأن استقر لا يتعدى فيبنى منه مفعول أما أنه روى هارون الأعور عن أبي عمرو "ومستودِع" بكسر الدال، فمن قرأ "فمستقَر ومستودِع" على أنها موضع استقرار وموضع استيداع علقها بمجرور تقديره فلكم مستقر ومستودع، ومن قرأ "فمستقِر ومستودع" على اسم الفاعل في "مستقِر" واسم المفعول في "مستودَع" علقها بمجرور تقديره فمنكم مستقر ومستودع واضطرب المتأولون في معنى هذا الاستقرار والاستيداع، فقال الجمهور مستقر في الرحم ومستودع في ظهور الآباء حتى يقضي الله بخروجهم، وقال ابن عون: مشيت إلى منزل إبراهيم النخعي وهو مريض فقالوا قد توفي فأخبرني بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن "مستقر ومستودع" فقال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقال الحسن بن أبي الحسن: مستقر في القبور ومستودع في الدنيا، وقال ابن عباس: المستقر الأرض والمستودع عند الرحم، وقال ابن جبير: المستودع في الصلب والمستقر في الآخرة والذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه وليس بمستقر فيه استقراراً مطلقاً لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى المحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار فيستقر في أحدهما استقراراً مطلقاً، وليس فيها مستودع لأنه لا نقلة له بعد وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الظرفين "مستقر" بالإضافة إلى التي قبلها و "مستودع" بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بد، و {يفقهون} معناه يفهمون وقد تقدم تفسير مثل هذا آنفاً.
ابن عادل
تفسير : وهذا نوع ثالث على كمالِ القُدْرةِ. فقوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} الظاهر أن "جعل" بمعنى "خَلَق"، فتكون متعديةً لواحد، و "لكم" متعلّق بـ "جعل"، وكذا "لِتَهْتَدُوا". فإن قيل: كيف يتعلّقُ حَرْفا جَرٍّ متحدان في اللفظ والمعنى؟ فالجواب: أن الثَّاني بدلٌ من الأوَّل بدل اشتمال بإعَادَةِ العامل، فإن "ليهتدوا" جَارّ ومجرور؛ إذ اللام لام "كي"، والفعل بعدها منصوب بإضمار "أن" عند البصريين، وقد تقدَّم تقريره. والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم، ونطيره قوله: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ} تفسير : [الزخرف:33] فـ "لبيوتهم" بدل "لمن يَكْفُرُ" بإعادة العامل. وقال ابن عطية: "وقد يمكن أن يكون بمعنى "صَيَّر"، ويُقدَّرُ المفعول الثاني من "لتهتدوا" أي: جعل لكم النجوم هِدَايَةً". قال أبو حيَّان: "وهو ضعيف لندور حذف أحد مفعولي "ظَنَّ" وأخواتها". قال شهابُ الدين - رحمه الله -: لم يَدَّع ابن عطية المفعول الثاني حتى يجعله ضعيفاً، إنما قال: إنه [بدل] من "لتهتدوا"، أي: فَيُقَدَّرُ مُتعلِّقُ الجار الذي وقع مفعولاً ثانياً، كما يُقَدَّرُ في نظائره، والتقدير: جعل لكم النجوم مُسْتَقِرَّةً أو كائنة لاهتدائكم. وأما قوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} هداية فلإيضاحِ المعنى وبيانه. والنجوم مَعْرُوفَةٌ، وهي جمع "نَجْم"، والنَّجْمُ في الأصل مصدر؛ يقال: نجم الكوكب ينجم نجماً ونجوماً، فهو ناجمٌ، ثم أطْلِقَ على الكواكب مجازاً، فالنجم يستعمل مرة اسماً للكوكب ومرة مصدراً، والنجوم تُسْتَعْملُ مَرَّةً للكواكب وتارة مصدراً ومنه نَجَمَ النَّبْتُ؛ أي: طلع، ونجم قَرْنُ الشاة وغيرها، والنجم من النبات ما لا سَاقَ له، والشجر ما له ساق، والتَّنْجِيمُ: التفريق، ومنه نجوم الكتابة تشبيهاً بتفرق الكواكب. فصل في معنى الآية معنى الآية الكريمة: خَلَقَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا إلى الطرق والمسالِكِ في ظلمات البر والبحر، حيث لا يرون شَمْساً ولا قَمَراً، وهو أن السَّائِرَ في البحر والقِفَارِ يهتدي بها في الليل إلى مَقْصدِه وإلى القِبْلةِ، وأيضاً إنها زِينَةُ السماء كما قال: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيح} تفسير : [تبارك:5] وقال: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} تفسير : [الصافات:6] ومن منافعها أيضاً كونها رُجُوماً للشياطين، ثم قال: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ هذه النجوم كما يمكن أن يستدلَّ بها على [الطرقات في ظلمات البر والبحر فكذلك يمكن أن يُسْتَدلَّ بها على] معرفة الصانع الحكيم، وكمال قُدْرِتهِ وعلمه. والثاني: أن يكون المراد هاهنا: من العلم: العقل، فيكون نظير قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة:164] إلى قوله: {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة:164] وقوله في آل عمران: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ} تفسير : [آل عمران:190] إلى قوله: {أية : لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [آل عمران:190]. [الثالث:] أن المراد من قوله: "لِقَومٍ يعلَمُونَ" أي: لقوم يتفكَّرون ويتأملون، ويستدلون بالمحسوس على المعقول، ويتنقلون، من الشَّاهد إلى الغائب.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر ذلك، أتبعه منفعة أخرى تعمهما مع غيرهما مبيناً ما أذن فيه من علم النجوم ومنافعها فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي جعل} ولما كانت العناية بنا أعظم، قدم قوله: {لكم النجوم} أي كلها سائرها وثابتها وإن كان علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن الرسوخ والبلوغ في علم السير للسيارة منه {لتهتدوا} أي لتكلفوا أنفسكم علم الهداية {بها} لتعلموا القبلة وأوقات الصلوات والصيام وغير ذلك من منافعكم دنيا وديناً. ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا الظلمة، وانضمت إلى ذلك ظلمة الليل، قال: {في ظلمات البر} أي الذي لا عَلَم فيه، وإن كانت له أعلام فإنها قد تخفى {والبحر} فإنه لا عَلَم به، والإضافة إليهما للملابسة أو تشبيه الملبَّس من الطرق وغيرها بالظلمة؛ روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل الأشناني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون في البر والبحر ثم انتهوا، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون ما يحل لكم ويحرم عليكم من النساء ثم انتهوا. وفيه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على المسند عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا علي! أسبغ الوضوء وإن شق عليك، ولا تأكل الصدقة ولا تنز الحمير على الخيل، ولا تجالس أصحاب النجومتفسير : . وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : لا تسألوا عن النجوم، ولا تفسروا القرآن برأيكم، ولا تسبوا أصحابي، فإن ذلك الإيمان المحضتفسير : . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر في النجوم - رواه من طرق كثيرة؛ وعن عائشة رضي الله عنها مثله سواء، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا تفسير : - رواه من طرق وأسند عن قتادة قوله تعالى {أية : وأنهاراً وسبلاً}تفسير : [النحل: 15] قال: طرقاً {أية : وعلامات} تفسير : [النحل: 16] قال: هي النجوم، قال: إن الله عز وجل إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها شيئاً غير ذلك فقد أخطأ حظه وقال رأيه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به - في كلام طويل حسن، وهذا الأثر الذي عن قتادة أخرجه عنه البخاري في صحيحه، وقال صاحب كنز اليواقيت في استيعاب المواقيت في مقدمة الكتاب: واعلم أن العلم منه محمود، ومنه مذموم لا يذم لعينه، إنما يذم في حق العباد لأسباب ثلاثة: أولها أن يكون مؤدياً إلى ضرر كعلم السحر والطلسمات وهو حق إذ شهد القرآن به وأنه سبب للتفرقة بين الزوجين، وسحر النبي صلى الله عليه وسلم ومرض بسببه، حتى أخبره جبرئيل عليه السلام وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر - كما ورد في الحديث الصحيح؛ ومعرفة ذلك من حيث إنه معرفة ليس مذموماً، أو من حيث إنه لا يصلح إلا لإضرار بالخلق يكون مذموماً. والوسيلة إلى الشر شر؛ الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر كالقسم الثاني من علم النجوم الاحكامي المستدل به على الحوادث بالأسباب كاستدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض، وهو معرفة مجاري سنة الله وعادته في خلقه، ولكنه ذمه الشرع وزجر عنه لثلاثة أوجه: أحدها أنه يضر بأكثر الناس فإنه إذا قيل: هذا الأمر لسبب سير الكواكب، وقر في نفس الضعيف العقل أنه مؤثر، فينمحي ذكر الله عن قلبه، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط بخلاف العالم الراسخ، فإنه يطلع على الشمس والقمر والنجوم مسخرات، وفرق كبير بين من يقف مع الأسباب وبين من يترقى إلى مسبب الأسباب، ثم ذكر ما حاصله أن السبب الثاني في النهي عنه أنه تخمين لا يصل إلى القطع؛ والثالث أنه لا فائدة فيه، فهو خوض في فضول، وأن السبب الثالث مما يذم به ما يذم من العلوم أنه مما لا تبلغه عقول أكثر الناس ولا يستقل به، ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الأشخاص كما يضر لحم الطير بالرضيع - انتهى. وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"تفسير : . وقال صاحب كتاب الزينة في آخر كتابه بعد أن ذكر العيافة والزجر ونحوهما، ويأتي أكثره عنه في سورة الصافات: وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إياكم والنجوم! فإنها تدعو إلى الكهانة"تفسير : ، قال: هذه الأشياء كلها لها أصل صحيح، فمنها ما كانت من علوم الأنبياء مثل النجوم والخط وغير ذلك، ولولا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير في استقامتها ورجوعها، وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه، لما قدر الناس على إدراكه، وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام، وقد روي أن إدريس عليه السلام أول من علم النجوم، وروي في الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء، ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها. ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حداً علا عن طوق الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن، فكانت فخراً يتوقع فيه التنبيه عليه فقال: {قد فصلنا} أي بينا بياناً شافياً على ما لنا من العظمة {الآيات} واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال الرفيع؛ ولما كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال: {لقوم يعلمون *} أي لهم قيام فيما إليهم، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب. ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي، أتبعه - كما مضى في أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت، وهو الإنسان، دالاً على كمال القدرة على كل ما يريد، مبطلاً بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما، لأن واحداً منها لا اختيار له في شيء يصدر عنه، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور، فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي أنشأكم} أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته {من نفس واحدة} ثم اقتطع منها زوجها ثم فرّعكم منهما. ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا يزول، لا يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية من حياة، قال: {فمستقر *} أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير وابن عمر وبكسر القاف اسم فاعل، والمعنى في قراءة الباقين بفتحه اسم مكان {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} تفسير : [البقرة: 26]. ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم الغطاء فهم موقنون بالساعة غير عاملين على ضد ذلك، وكذا من في الصلب والرحم، عبر بما يدل على عدم الاستقرار فقال: {ومستودع} أي في الأصلاب أو الأرحام أو في بطن الأرض، فدلت المفاوتة من كل منهما - مع أن الكل من نفس واحدة - على القادر المختار، لا يقدر غيره أن يعكس شيئاً من ذلك، وكل ذلك مضمون الآيتين في أول السورة، وقدم الإصباح والليل ومتعلقهما لتقدمهما في الخلق، ثم تلاه بخلق الإنسان على حسب ما مرّ أول السورة، وذكر هنا أنه جعل ذلك الطين نفساً واحدة فرّع الإنس كلهم منها مع تفاوتهم فيما هناك وفي غيره. ولما ذكر هذا المفرد الجامع، وفصّله على هذه الوجوه المعجبة، كان محلاً لتوقع التنبيه عليه فقال: {قد فصلنا} أي بعظمتنا {الآيات} أي أكثرنا بيانها في هذا المفرد الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة، تارة بأن يكون من التراب بشر، وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر، وتارة بأن يفرّع من الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد ولا يجمعه الخبر من النطفة إلى الولادة إلى الكبر. ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جداً ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجاً إلى تدبر واستعمال فطنة وتدقيق نظر، قال: {لقوم يفقهون *} أي لهم أهلية الفقه والفطنة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} قال: يضل الرجل وهو الظلمة والجور عن الطريق . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والخطيب في كتاب النجوم عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم امسكوا، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، وتعلموا من النسبة ما تصلون به أرحامكم، وتعلموا ما يحل لكم من النساء ويحرم عليكم ثم امسكوا . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب في كتاب النجوم عن قتادة قال: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال رأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطوير والقصير والحسن والدميم، ولو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء . وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا " . تفسير : وأخرج الخطيب عن مجاهد قال : لا بأس أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به في البر والبحر، ويتعلم منازل القمر . وأخرج ابن أبي حاتم والمرهبي في فضل العلم عن حميد الشامي قال: النجوم هي علم آدم عليه السلام. وأخرج المرهبي عن الحسن بن صالح قال: سمعت عن ابن عباس أنه قال: ذلك علم ضيعه الناس النجوم. وأخرج الخطيب عن عكرمة. أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم وجعل الرجل يتحرج أن يخبره؟ فقال: عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: علم عجز الناس عنه، وددت أني علمته! قال الخطيب: مراده الضرب المباح الذي كانت العرب تختص به . وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن حفص قال: خصت العرب بخصال بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب، فهدم الإِسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن القرظي قال: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء من نجم ولكن يتبعون الكهنة، وْيتخذون النجوم علة . وأخرج أبو داود والخطيب عن سمرة بن جندب أنه خطب، فذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال"حديث : أما بعد فإن ناساً يزعمون أن كسوف الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر من يحدث له منهم توبة " . تفسير : وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا تسألوا عن النجوم ، ولا تفسروا القرآن برأيكم، ولا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن ذلك الايمان المحض " . تفسير : وأخرج ابن مردويه والخطيب عن علي قال " نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم، وأمرني باسباغ الطهور ". وأخرج ابن مردويه والمرهبي والخطيب عن أبي هريرة قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم " . وأخرج الخطيب عن عائشة قالت " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم". وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا ذكر أصحابي فامسكوا، وإذا ذكر القدر فامسكوا، وإذا ذكر النجوم فامسكوا " . تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والخطيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أخاف على أمتي خصلتين: تكذيباً بالقدر وتصديقاً بالنجوم، وفي لفظ: وحذقا بالنجوم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : من اقتبس علماً من النجوم أقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد " . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والخطيب عن ابن عباس قال: إن قوماً ما ينظرون في النجوم ويحسبون ابراجاً، وما أرى الذين يفعلون ذلك من خلاق . وأخرج الخطيب عن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباس أوصني. قال: أوصيك بتقوى الله وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك أن تذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير فَيُكِبُّكَ الله على وجهك في جهنم فإن الله أظهر بهم هذا الدين، وإياك والكلام في القدر فإنه ما تكلم فيه اثنان إلا اثماً أو اثم أحدهما . وأخرج الخطيب في كتاب النجوم بسند ضعفه عن عطاء قال: قيل لعلي بن أبي طالب: هل كان للنجوم أصل؟ قال: نعم، كان نبي من الأنبياء يقال له يوشع بن نون. فقال له قومه: انا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله، فأوحى الله تعالى إلى غمامة فأمطرتهم، واستنقع على الجبل ماء صافياً، ثم أوحى الله إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثم أوحى إلى يوشع بن نون أن يرتقي هو وقومه على الجبل، فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله، بمجاري الشمس والقمر والنجوم، وساعات الليل والنهار، فكان أحدهم يعلم متى يموت، ومتى يمرض، ومن ذا الذي يولد له، ومن ذا الذي لا يولد له. قال: فبقوا كذلك برهة من دهرهم، ثم إن داود عليه السلام قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل من هؤلاء أحد، فقال داود رب ها أنا أقاتل على طاعتك ويقاتل هؤلاء على معصيتك، فيقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد؟! فأوحى الله إليه: أني كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنما أخرجوا إليك من لم يحضر أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فمن ثم يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد. قال داود: يا رب على ماذا علمتهم؟ قال: على مجاري الشمس والقمر والنجوم، وساعات الليل والنهار، فدعا الله فحبست الشمس عليهم، فزاد في النهار فاختلطت الزيادة بالليل والنهار، فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط عليهم حسابهم. قال علي رضي الله عنه: فمن ثم كره النظر في النجوم. وأخرج المرهبي في فضل العلم عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر دعا بقوسه واتكأ على سيتها، وحمد الله وذكر ما فتح الله على نبيه ونصره، ونهى عن خصال عن مهر البغي، وعن خاتم الذهب، وعن المياثر الحمر، وعن لبس الثياب القسي، وعن ثمن الكلب، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية، وعن الصرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة بينهما فضل، وعن النظر في النجوم " . وأخرج المرهبي عن مكحول قال: قال ابن عباس: لا تُعَلِمْ النجوم فانها تدعوا إلى الكهانة. وأخرج ابن مردويه من طريق الحسن عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد طهر الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم تضلهم النجوم " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن متعلم حروف أبي جاد وراء في النجوم ليس له عند الله خلاق يوم القيامة " . تفسير : أما قوله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} . أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نصب آدم بين يديه ثم ضرب كتفه اليسرى، فخرجت ذريته من صلبه حتى ملأوا الأرض " . تفسير : قوله تعالى: {فمستقر ومستودع} . أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله {فمستقر ومستودع} قال: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب. وفي لفظ: المستقر ما في الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما قد مات. وفي لفظ: المستقر ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله {فمستقر ومستودع} قال: مستقرها في الدنيا ومستودعها في الآخرة . وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود قال: المستقر الرحم، والمستودع المكان الذي تموت فيه . وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: إذا كان أجل الرجل بأرض أتيحت له إليها الحاجة، فإذا بلغ أقصى أثره قبض. فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله {فمستقر ومستودع} قالا: مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا أوشك أن يلحق بصاحبة . وأخرج أبو الشيخ عن عوف قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أنبئت بكل مستقر ومستودع من هذه الأمة إلى يوم القيامة كما علم آدم الأسماء كلها . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: من اشتكى ضرسه فليضع يده عليه وليقرأ {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} الآية . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم {فمستقر} بنصب القاف . وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: أتزوجت؟ قلت لا، وما ذاك في نفسي اليوم. قال: إن كان في صلبك وديعة فستخرج . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قد فصلنا الآيات} يقول: بينا الأيات {لقوم يفقهون} .
ابو السعود
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ} شروعٌ في بـيان نعمتِه تعالى في الكواكب إثرَ بـيانِ نعمتِه تعالى في النَّيِّرَيْنِ والجعلُ متعدَ إلى واحد واللامُ متعلقةٌ به، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور لما مر غيرَ مرةٍ من الاهتمام بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر أي أنشأها وأبدعها لأجلكم، فقوله تعالى: {لِتَهْتَدُواْ بِهَا} بدلٌ من المجرور بإعادة العامل بدلَ اشتمال كما في قوله تعالى: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً } تفسير : [الزخرف، الآية 33] والتقدير جعلَ لكم النجومَ لاهتدائكم لكن لا على أن غايةَ خلقِها اهتداؤُهم فقط بل على طريقة إفراد بعضِ منافعِها وغاياتها بالذكر حسبما يقتضيه المقام، وقد جُوِّز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل، وهو بمعنى التصيـير أي جعلها كائنةً لاهتدائكم في أسفاركم عند دخولِكم المفاوزَ أو البحارَ كما ينبىء عنه قولُه تعالى: {فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} أي في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتُها إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى الاهتداء بها إنما تتحقق عند ذلك أو في مشتَبِهات الطرق، عبّر عنها بالظلمات على طريقة الاستعارة {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} أي بـيّنا الآياتِ المتلُوَّةَ المذكِّرةَ لنِعَمه التي هذه النعمةُ من جملتها أو الآياتِ التكوينيةَ الدالةَ على شؤونه تعالى مفصّلةً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي معانِيَ الآياتِ المذكورةِ ويعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقةَ الحال، وتخصيصُ التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به. {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نِعَمه تعالى دالةٍ على عظيم قدرتِه ولطيفِ صُنعه وحكمتِه أي أنشأكم مع كثرتكم من نفس آدمَ عليه السلام {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أي فلكم استقرارٌ في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداعٌ في الأرحام أو تحت الأرض أو موضعُ استقرارٍ واستيداعٍ فيما ذكر، والتعبـيرُ عن كونهم في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرُّهم الطبـيعيُّ كما أن التعبـيرَ عن كونهم في الأرحام أو تحت الأرض بالاستيداع لِما أن كلاًّ منهما ليس بمقرِّهم الطبـيعيِّ، وقد حُمل الاستيداعُ على كونهم في الأصلاب وليس بواضح، وقرىء (فمستقِر) بكسر القاف أي فمنكم مستقِرٌ ومنكم مستوْدَعٌ فإن الاستقرارَ منّا، بخلاف الاستيداع {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} المبـينةَ لتفاصيل خلقِ البشرِ من هذه الآية ونظائرِها {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} غوامضَ الدقائقِ باستعمال الفِطنة وتدقيقِ النظرِ فإن لطائفَ صنعِ الله عز وجل في أطوار تخليقِ بني آدمَ مما تحارُ في فهمه الألبابُ وهو السرُّ في إيثار (يفقهون) على يعلمون كما ورد في شأن النجوم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا} [الآية: 97]. قال أبو على الجوزجانى: جعل الله تعالى الليل مطية ودليلاً، فالمطية يركبها فى طلب الزلف، والدليل يستدل به على أبواب الرضا، قال الله تعالى {لِتَهْتَدُواْ بِهَا} الطريق إلى الجنة.
القشيري
تفسير : كما أن نجوم السماء يُهتدى بها في الفلوات فكذلك نجوم القلوب يهتدى بها في معرفة ربِّ الأرضين والسماوات.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} نور نجوم العقول لتعرفوا بها حقائق الآيات ونور نجوم القلوب لتعرفوا بها انوار الصفات ونور نجوم الارواح لتعرفوا بها لطائف سبحات الذات جعل نجوم الافعال العرفان الصفات وجعل نجوم الصفات العرفان الذات اسرج مصباح قلوبكم من انوار نجم تجلى الجلال والجمال لتهدوا وتعرفوا وتسجوابها فى ظلمات بحار القهر وظلمات برريه لتبلغوا الى روية اقمار الصفات وشموس الذات وتنالوا جواهر المعارف من اصداف الكواشف قال ابو على الجورحانى جعل الله الليل مطبة ودليلا فالمطية تركبها فى طلب الزلف والدليل وتستدل به الى ابواب الرضا قال الله تهتدوا به الطريق الى الجنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى} [واوست خداونديكه بقدرت كامله] {جعل لكم} اى انشأ لاجلكم وابدع {النجوم} التى تختلف مواضعها من جهة الشمال والجنوب والصبا والدبور {لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر} اى فى ظلمات الليل فى البر والبحر واضافتها اليهما للملابسة فان الحاجة الى الاهتداء بها انما تحقق عند ذلك قال الحدادى لتعرفوا بها الطرق من بلد الى بلد فى المفاوز ولجج البحار فى الليالى المظلمة فى السفن فان من النجوم ما يجعله السائر تلقاء وجهه. ومنها ما يجعله على يمنيه. ومنها ما يجعله على يساره. ومنها ما يجعله خلفه ليظهر له الطريق التى تؤديه الى بغيته. وللنجوم فوائد اخر وهى انها زينة السماء ورمى الشياطين وغير ذلك {قد فصلنا الآيات} اى بينا الآيات الدالة على قدرتنا فصلاً فصلاً {لقوم يعلمون} فانهم المنتفعون بها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها} أي: ببعضها {في ظلمات البر والبحر} أي: في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضاف الظلمات إليهما؛ لملابستها بهما، أو في مشتبهات الطرق في البر والبحر، وسماها ظلمات على الاستعارة، {قد فصلنا الآيات}؛ بيناها {لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون بها. الإشارة: جعل الحق ـ جل جلاله ـ نجوم العلم يهتدي السائرون بها في مشكلات أمور الشريعة وأمور الحقيقة، فلبر الشريعة علم يسير به أهلُه إلى جنته ورضوانه، ولبحر الحقيقة علم يسير به أهلها الطالبون لها إلى معرفة ذاته وصفاته، وشهودها في حال جلاله وجماله، ولله در المجذوب رضي الله عنه، حيث قال: شعر : العلم مرايا من هند، والجهل صندوق راشي من لا قرايش يعرف الله ما هو مبني على شي تفسير : ثم ذكر دليلاً آخر، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
الطوسي
تفسير : هذه الآية موصولة بالتي قبلها، ومعناهما متقارب، وهو أن الله تعالى عدد نعمه على خلقه وأن من جملتها أنه جعل لهم النجوم بمعنى خلقها ليهتدوا بها في اسفارهم في ظلمات البر والبحر، وأنه قد فصل آياته لقوم يعلمون. وانما أضاف الآيات الى الذين يعلمون وان كانت آيات لغيرهم، لانهم المنتفعون بها، كما قال {هدى للمتقين} وليس في قوله انه خلقها ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ما يدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك. قال البلخي: بل يشهد أنه خلقها لامور جليلة عظيمة. ومن فكر في صغر الصغير منها وكبر الكبير، واختلاف مواقعها ومجاريها وسيرها، وظهور منافع الشمس والقمر في نشؤ الحيوان والنبات علم أن الامر كذلك. ولو لم يخلقها إِلا للاهتداء لما كان لخلقها صغارا وكبارا، ولاختلاف سيرها معنى. قال الحسين بن علي المغربي: هذا من البلخي اشارة منه الى دلالتها على الاحكام.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا} واحضره باسم الاشارة وصرّح بأنّه تقديره ليكون كالمشاهد للسّامع فيصير قوله وهو الّذى جعل لكم النّجوم لتهتدوا بها {فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} غنيّاً من الحجّة، والنّجوم ان كانت اعمّ من الشّمس والقمر فذكرهما هناك لشأن الحسبان وههنا لشأن الاهتداء بهما، والنّجوم فى عالم الكون معلوم وفى الصّغير القوى والمدارك الجزئيّة والواردات الغيبيّة والالهامات القلبيّة والاذكار السنيّة وفى الكبير الائمّة (ع) وخلفاؤهم والمراد بالظّلمات الظّلمات الصّوريّة والمعنويّة من ظلمات النّفس وشبهاتها وزّلاتها وضلالاتها وقد فسّرت النّجوم بآل محمّد (ص) {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ} آيات علمنا وقدرتنا وتدبيرنا للاشياء على طبق حكمتنا بنصب رئيسٍ فى كلّ من مراتب العالم الكبير والصّغير فى الكتاب التّدوينىّ الآفاقىّ والانفسىّ، ليدلّ على وجوب رئيسٍ منّا فى اشرف اجزاء العالم الكبير وهو الانسان وليس تفصيلنا للآيات لكلّ ذى شعورٍ بل للانسان ولا لكلّ فرقة منهم بل {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فانّ غيرهم لا ينجع فيه تفصيل الآيات {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف:105] والعلم قد يطلق بمعنى مطلق الادراك تصوّراً كان او تصديقاً، وقد يطلق بمعنى العرفان وهو التّصوّر الجزئىّ وقد يطلق بمعنى ادراك النّسبة وهماً كان او شكّاً او ظنّاً او علماً عاديّاً او تقليديّاً او يقيناً تحقيقيّاً، وقد يطلق على الاعتقاد الرّاجح ظنّاً كان او علماً عاديّاً، او تقليداً، او يقيناً، وقد يطلق على ما يقابل الظّنّ من هذه الثّلاثة وهذه ليست بمرادة وهو واضح، وقد يطلق على اليقين واليقين ان كان متعلّقاً بالامور المعاشيّة من غير توجّه وارتباط بالآخرة كما قال تعالى {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [الروم:7] فليس تفصيل الآيات لهذا العالم لانّه لغفلته لا يدرك ذا الآية من الآيات بل ينفى عنه العلم وان كان متعلّقاً بالامور الاخرويّة من العقائد العقليّة والاعمال القلبيّة والاخلاق النّفسيّة والعبادات القالبيّة والاعمال المعاشيّة المؤدّية الى اصلاح المعاد فامّا ان لا يقارن العمل ولا يستخدم الخيال بل يستخدمه الخيال فى مآربه الكاسدة ومقاصده الفاسدة ويجعل آلة الدّين شركاً للدّنيا سواء قارن صورة العمل كما فى المتعبّدين المرائين او لا، كما فى المتهتّكين الّذين لا يبالون بما عملوا ولا بما قيل فيهم او قالوا، فهذا لا يسمّى ايضاً علماً عند اهل الله لما فيه من عدم الاشتداد بل من عدم التّوجّه الى المعلوم، الا ترى الى قوله تعالى {أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة:102] كيف اثبت لهم هذا العلم ثمّ نفاه عنهم لمّا لم يعملوا بمقتضاه، وامّا ان يقارن العمل فيما له تعلّق بالعمل ويقارن الاشتداد فيه وفيما لا تعلّق له بالعمل بان يستخدم الخيال ويستتبع المدارك والقوى ثمّ الاعضاء فى مآربه العقليّة، ويترقّى القوى والاعضاء من حضيض التأبّى الى اوج الانقياد والتّسليم والعقل من مقام حصول صورة المعلوم عنده الى مقام حضوره، فانّ العلم يقتضى العمل فاذا قارن مقتضاه اشتدّ ولم يقف حتّى يتحقّق العالم بالمعلوم ويتّحد العلم والعالم والمعلوم، فهذا العالم هو الّذى يرى قدرة الله وعلمه وحكمته فى كلّ مقدور ولذا جعل تفصيل الآيات من فلق الحبّ الى جعل النّجوم سبباً للهداية لهذا العالم، وقد مضى تحقيق العلم ومراتبه فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 102].
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم} أي خلقها {لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} قوله تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني من آدم (عليه السلام) {فمستقر ومستودع} مستقر في الأرض ومستودع في الصلب، وقيل: مستقر في الرحم ومستودع في القبر، وقيل: مستقر على وجه الأرض ومستودع عند الله، وقال الحسن: المستقر في الأرض القبر والمستودع في الدنيا وكان يقول ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك وأنشد قول لبيد: شعر : وما المال والأهلون إلاَّ وديعة ولا بد يوماً أن ترد الودائع تفسير : قوله تعالى: {فأخرجنا منه خضراً} قيل: من الماء، وقيل: من النبات يعني ورقاً خضراً وهو رطب البقول {نخرج منه} أي من الخضرة {حبّاً متراكباً} يعني سنابل الحبوب تركب بعض الحبوب بعضاً {ومن النخل} أي ونخرج من النخل {من طلعها قنوان} أي: من ثمرها وهو جمع قنو وهو العذق مثل صنوٍ وصنوان قال أبو عبيدة: ولا نظير لها في كلام العرب {دانية} أي قريبة ينالها القائم والقاعد {وجنات} يعني وأخرجنا منه جناتٍ {من أعناب والزيتون والرمان مُشتبِهاً وغير متشابه}، قيل: متشابهاً ورقه مختلفاً ثمره، وقيل: متشابهاً في المنظر مختلفاً في المطعم، قوله تعالى: {إذا أثمر وينعه} يعني نضجه وأدركه {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن} الآية نزلت في الزنادقة، قالوا: الله تعالى وابليس شريكان فالله تعالى خلق النور والناس والدواب وكل خير والشيطان خلق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وقال بعضهم: ان الله خالق الأجسام النافعة وابليس خالق الأجسام الضارة وهذا كقوله {أية : وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسباً}تفسير : [الصافات: 158]، وقيل: نزلت في المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وقيل: في اليهود وفي النصارى {أية : قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله}تفسير : [التوبة: 30]، وقوله: {الجن} لاستتارهم عن العيون، وقيل: أراد بالجن الشياطين لأنهم أطاعوهم في عبادة الأوثان {وخلقهم} أي خلقهم جميعاً الجن والانس {وخرقوا له} أي اختلفوا له {بنين وبنات بغير علم} بأن قالوا ما لم يعلموا من الكذب على الله تعالى وهم كفار العرب، قالوا: الملائكة بنات الله تعالى، واليهود قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله ثم نزّه نفسه فقال عزّ من قائل: {سبحانه وتعالى عما يصفون} {بديع السموات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة}، يعني كيف يكون له ولد ولا صاحبة له، قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} والآية تدل على أنه لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة لأنه يمدح بنفي الرؤية عزّ وجل عما يقول المبطلون وهو يدرك الأبصار لا يخفى عليه شيء ولا يفوته {وهو اللطيف الخبير} واللطف من الله الرحمة والرأفة والرفق واللطف في الأعمال الرفق فيها، الخبير بجميع الأشياء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، يعني التي يهتدى بها منها. قال بعض السلف: من قال في النجوم شيئاً سوى هذه الثلاث فهو كاذب آثم مفتر مبتدع: قال الله: (أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ)تفسير : [المُلك: 5]. وقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ} فهي مصابيح ورجوم ويُهتدى بها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أخاف على أمتي حيف الأئمة والتكذيب بالقدر والتصديق بالنجوم . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فكفوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا .
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذى جَعَل لكُم النُّجوم} أى خلقها لكم {لتهْتدُوا بها فى ظُلمات البرِّ والبَحْر} فى ظلمات الليل فى البر والبحر، وأضافها لهما لأنها نفع فيهما، أو أراد بالظلمات مشتبهات الطرق شبه اشتباهها بالظلمات لجامع عدم الاهتداء فى كل، وإنما تعلق اللامان بفعل واحد بلا تبعية لاختلاف معناهما، لأن الأولى للتعدية، والثانية للتعليل، وإن جعلناهما معاً للتعليل جعلنا لتهتدوا بدل اشتمال من قوله: لكم، أى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها إلى المواضع التى قصدتم، وإلى جهة القبلة فى الصلاة، والخطاب للمشركين يذكر لهم نعمه وقدرته ليؤمنوا، أو لهم وللمؤمنين، وذلك إفراد لبعض منافعها، ومنها زينة السماء، ومنها رجم الشياطين ببعضها فيما قيل: وباقتباس الشهب منها للرجم فيما قيل على القول بأن النجوم والشمس والقمر من تحت السماء الدنيا. {قَدْ فصَّلنا الآيات لقومٍ يعْلَمونَ} قد بينا الآيات الدالات على قدرتنا ووحدانيتنا، فصلا فصلا لقوم من شأنهم أن يعلموا الحق لتدبرهم، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بالوعظ، وأما غيرهم فيمر وهو معرض، أو يزيد بها ضلالا، كمن ينسب الأفعال للنجوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخاف على أمتى حيف الأئمة والتكذيب بالقدر والتصديق بالنجوم" تفسير : فالمراد بالإمساك عن النجوم فى حديث ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا" تفسير : الإمساك عن التصديق، والمراد القدر الإمساك عن نفيه أو إثباته لغير الله لوجوب الإيمان به لله فى أحاديث.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} خلقها لكم، أَو صيرها ثابتة لكم، وهذه اللام للنفع بخلاف اللام فى قوله {لِتَهْتَدُوا بِهَا فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ} فإِنها للتعليل فجاز تعليقهما بعامل واحد بلا تبعية لاختلاف معناهما فلا حاجة إِلى جعل لتهتدوا بدلا من لكم بدل اشتمال توصلا إِلى جواز ذلك بالتبعية، وأَيضا هذه التبعية لا تجوز، كيف يجوز إِبدال ما هو للتعليل مما هو للنفع إِلا إِن جعلنا الثانية للنفع كالأُولى أَو الأُولى للتعليل كالثانية فيجوز الإِبدال. ويجوز أَن يكون لتهتدوا مفعولا ثانيا بعد مفعول ثان، أَو مفعولا ثانيا فيعلق لكم بجعل، والمراد ظلمات البر والبحر ليلا فى السفر وما يلتحق به مما فيه خفاء، وأَضاف الظلمات إِلى البر والبحر لأَنهما محلها فهى إِضافة حال لمحل، والأَصل إِضافتها لليل، أَو المراد بالظلمات مشتبهات الطرق على الاستعارة التصريحية لجامع خوف المضرة وعدم الأَمن وعدم الوصول إِلى البغية، وقوله لتهتدوا تخصيص بعد التعميم بقوله لكم فإِن قوله لكم يعم تزيين السماء بها وجعلها رجوما للشياطين، وحديث الربيع والبخارى ومسلم: "حديث : أَصبح من عبادى مؤمن وكافر" تفسير : محمول على ما إِذا قال إِن طلوع نجم كذا أَو سقوطه هو الممطر، وأَما من قال: يمطرنا الله تعالى عند ذلك وأَن ذلك علامة فلا يكفر، ولكن يجتنب لفظ الكفر وما يوهمه، مثل أَن يقول مطرنا بنوء كذا، بل يقول: أَمطرنا الله تعالى، وكذلك يجوز أَن يستدل باقتران الكواكب وافتراقها على وقوع أَو انتفاء كالأمطار والرياح والثلوج والرخص والغلاء، يجوز أَن يقال: ذلك علامة كذا والفاعل هو الله سبحانه وتعالى، واختلفوا هل لتلك الأشياء تأثير لكن بالله مثل تأثير الماء فى النبات، وقيل: لا تأثير لها بل عندها من الله تعالى وهو الصحيح والأحوط، وهو مذهبنا ومشهور الأَشاعرة، وقال سلفهم بالأَول {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ} من المتلوة والتكوينية، بيناها شيئا فشيئا ليستدل بها على قدرتنا، أَو بيانا بعد بيان فى معنى واحد لأَن العلمين خبر من علم واحد {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأَى قوم أَرادوا العلم، أَى التدبر، أَو أَراد خصوص من يتدبر لأَنه المنتفع بها كقوله تعالى"أية : هدى للمتقين"تفسير : [البقرة: 2].
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ } أي أنشأ أو صير {لَكُمُ} أي لأجلكم {ٱلنُّجُومِ} قيل: المراد بها ما عدا النيرين لأنها التي بها الإهتداء الآتي ولأن النجم يخص في العرف بما عداهما. وجوز أن يدخلا فيها فيكون هذا بياناً لفائدتهما العامة إثر بيان فائدتهما الخاصة. والمنجمون يقسمون النجوم إلى ثوابت وسيارات والسيارات سبع باجماع المتقدمين وثمان بزيادة هرشل عند المنجمين اليوم. والثوابت لايعلم عدتها إلا الله تعالى. والمرصود منها كما قال عبد الرحمن الصوفي: ألف وخمسة وعشرون بإدخال الضفيرة. ومن أخرجها قال: / هي ألف واثنان وعشرون، ورتبوا الثوابت على ست أقدار وسموها أقداراً متزائدة سدساً سدساً، وجعلوا كل قدر على ثلاث مراتب: أعظم وأوسط وأصغر؛ ولهم تقسيمات لها باعتبارات أخر بنوا عليها ما بنوا ولا يكاد يسلم لهم إلا ما لم يلزم منه محذور في الدين. {لِتَهْتَدُواْ بِهَا } بدل من ضمير {لَكُمْ } بإعادة العامل بدل اشتمال كأنه قيل: جعل النجوم لاهتدائكم {فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } أي في ظلمات الليل في البر والبحر. وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة، وهذا إفراد لبعض منافعها بالذكر حسبما يقتضيه المقام وإلا فهي أجدى من تفاريق العصا. وهي في جميع ما يترتب عليها كسائر الأسباب العادية لا تأثير لها بأنفسها ولا بأس في تعلم علم النجوم ومعرفة البروج والمنازل والأوضاع ونحو ذلك مما يتوصل به إلى مصلحة دينية. قال العلامة ابن حجر عليه الرحمة: والمنهي عنه من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه أحد غيره فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به إلى الكفر، فأما من يقول: إن الاقتران أو الافتراق الذي هو كذا جعله الله تعالى علامة بمقتضى ما اطردت به عادته الإلٰهية على وقوع كذا وقد يتخلف فلا إثم عليه بذلك، وكذا الإخبار عما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعلم به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي من الوقت فإنه لا إثم فيه بل هو فرض كفاية. وأما ما في حديث «الصحيحين» - حديث : عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في أثر سماء ـ أي مطر ـ كان من الليل فلما انصرف أقبل علينا فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله تعالى فذلك مؤمن بـي كافر بالكواكب ومن قال: مطرنا بنوء كذا فذاك كافر بـي مؤمن بالكواكب" تفسير : . - فقد قال العلماء: إنه محمول على ما إذا قال ذلك مريداً أن النوء هو المحدث أما لو قال ذلك على معنى أن النوء علامة على نزول المطر ومنزله هو الله تعالى وحده فلا يكفر لكن يكره له قول ذلك لأنه من ألفاظ الكفر انتهى. وأقول: قد كثرت الأخبار في النهي عن علم النجوم والنظر فيها، فقد أخرج ابن أبـي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد » تفسير : وأخرج الخطيب عن ميمون بن مهران قال: »قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما أوصني قال أوصيك بتقوى الله تعالى وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة«. وأخرج حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم تفسير : وعن أبـي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن متعلم حروف أبـي جادوراء في النجوم ليس له عند الله تعالى خلاق يوم القيامة »تفسير : . وأخرج هو والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر / ثم انتهوا » تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار. ولعل ما تفيده من النهي عن التعلم من باب سد الذرائع لأن ذلك العلم ربما يجر إلى محظور شرعاً كما يشير إليه خبر ابن مهران, وكذا النهي عن النظر فيها محمول على النظر الذي كان يفعله الكهنة الزاعمون تأثير الكواكب بأنفسها والحاكمون بقطعية ما تدل عليه بتثليثها وتربيعها واقترانها ومقابلتها مثلاً من الأحكام بحيث لا تتخلف قطعاً على أن الوقوف على جميع ما أودع الله تعالى في كل كوكب مما يمتنع لغير علام الغيوب، والوقوف على البعض أو الكل في البعض لا يجدي نفعاً ولا يفيد إلا ظناً المتمسك به كالمتمسك بحبال القمر والقابض عليه كالقابض على شعاع الشمس. نعم إن بعض الحوادث في عالم الكون والفساد قد جرت عادة الله تعالى بإحداثه في الغالب عند طلوع كوكب أو غروبه أو مقارنته لكوكب آخر وفيما يشاهد عند غيبوبة الثريا وطلوعها وطلوع سهيل شاهد لما ذكرنا. ولا يبعد أن يكون ذلك من الأسباب العادية وهي قد تتخلف مسبباتها عنها سواء قلنا: إن التأثير عندها كما هو المشهور عن الأشاعرة أم قلنا: إنها المؤثرة بإذن الله تعالى كما هو المنصور عند السلف، ويشير إليه كلام حجة الإسلام الغزالي في العلة. فمتى أخبر المجرب عن شيء من ذلك على هذا الوجه لم يكن عليه بأس. وما أخرجه الخطيب عن عكرمة أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم وجعل الرجل يتحرج أن يخبره فقال عكرمة: سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: علم عجز الناس عنه وددت أني علمته، وما أخرجه الزبير بن بكار عن عبد الله بن حفص قال: خصت العرب بخصال بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب فهدم الإسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك، وقول الحسن بن صالح: سمعت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في النجوم: ذلك علم ضيعه الناس فلعل ذلك إن صح محمول على نحو ما قلنا. وبعد هذا كله أقول: هو علم لا ينفع والجهل به لا يضر فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} أي بينا الآيات المتلوة المذكرة لنعمه سبحانه التي هذه النعمة من جملتها أو الآيات التكوينية الدالة على شؤونه تعالى فصلاً فصلاً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} معاني الآيات المذكورة فيعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقة الحال، وتخصيص التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : وجاعل اللّيل سكناً}تفسير : [الأنعام: 96]، وهذا تذكير بوحدانيّة الله، وبعظيم خلقة النّجوم، وبالنّعمة الحاصلة من نظام سيرها إذ كانت هداية للنّاس في ظلمات البرّ والبحر يهتدون بها. وقد كان ضبط حركات النّجوم ومطالعها ومغاربها من أقدم العلوم البشريّة ظهر بين الكلدانيّين والمصريّين القدماء. وذلك النّظام هو الّذي أرشد العلماء إلى تدوين علم الهيئة. والمقصود الأوّل من هذا الخبر الاستدلال على وحدانيّة الله تعالى بالإلهيّة، فلذلك صيغ بصيغة القصر بطريق تعريف المسند والمسند إليه، لأنّ كون خلق النّجوم من الله وكونها ممّا يهتدَى بها لا ينكره المخاطبون ولكنّهم لم يَجْرُوا على ما يقتضيه من إفراده بالعبادة. والنّجُوم جمع نجم، وهو الكوكب، أي الجسم الكروي المضيء في الأفق ليْلاً الّذي يبدو للعين صغيراً، فليس القمر بنجْم. و{جَعَل} هنا بمعنى خَلَق، فيتعّدى إلى مفعول واحد و{لكُم}. متعلّق بــ{جعل}، والضّمير للبشر كلّهم، فلام {لكم} للعلّة. وقوله: {لتهتدوا بها} علّة ثانية لِــ {جعَل} فاللاّم للعلّة أيضاً، وقد دلّت الأولى على قصد الامتنان، فلذلك دخلت على ما يدلّ على الضّمير الدالّ على الذّوات، كقوله: {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1]، واللاّم الثّانية دلّت على حكمة الجعل وسبب الامتنان وهو ذلك النّفع العظيم. ولمّا كان الاهتداء من جملة أحوال المخاطبين كان موقع قوله: {لتهتدوا} قريباً من موقع بدل الاشتمال بإعادة العامل، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {أية : تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا}تفسير : في سورة [المائدة: 114]. والمراد بالظلمات: الظلمة الشّديدة، فصيغة الجمع مستعملة في القوّة. وقد تقدّم أنّ الشّائع أن يقال: ظلمات، ولا يقال: ظلمة، عند قوله تعالى: {أية : وتَركهم في ظلمات لا يبصرون}تفسير : في سورة [البقرة: 17]. وإضافة {ظلمات} إلى {البرّ والبحر} على معنى (في) لأنّ الظّلمات واقعة في هذين المكانين، أي لتهتدوا بها في السّير في الظّلمات. ومن ينفي الإضافة على معنى (في) يجعلها إضافة على معنى اللاّم لأدنى ملابسة كما في «كوكب الخرقاء». والإضافة لأدنى ملابسة، إمّا مجاز لغوي مبني على المشابهة، فهو استعارة على ما هو ظاهر كلام «المفتاح» في مبحث البلاغة والفصاحة إذ جعل في قوله تعالى: {أية : يا أرض ابلعي ماءك}تفسير : [هود: 44] إضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتّصال المِلك بالمالك اهــ. فاستُعمل فيه الإضافة الّتي هي على معنى لام الملك فهو استعارة تبعيّة؛ وإمّا مجاز عقليّ على رأي التفتزاني في موضع آخر إذ قال في «كوكب الخرقاء» «حقيقة الإضافة اللاّميّة الاختصاص الكامل، فالإضافة لأدنى ملابسة تكون مجازاً حُكمياً». ولعلّ التفتزاني يرى الاختلاف في المجاز باختلاف قرب الإضافة لأدنى ملابسة من معنى الاختصاص وبعدها منه كما يظهر الفرق بين المثالين، على أنّ قولهم: لأدنى ملابسة، يؤذن بالمجاز العقلي لأنّه إسناد الحكم أو معناه إلى ملابسسٍ لما هُوَ لَهُ. وجملة: {قد فصّلنا الآيات} مستأنفة للتّسجيل والتّبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا. واللاّم للتّعليل متعلّق بــ {فصّلنا} كقوله: شعر : ويوم عَقرت للعذاري مطيّتي تفسير : أي فصّلنا لأجل قوم يعلمون. وتفصيل الآيات تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصّل الآيات}تفسير : في هذه السّورة (55). وجعل التّفصيل لقوم يعلمون تعريضاً بمَن لم ينتفعوا من هذا التّفصيل بأنّهم قوم لا يعلمون. والتّعريف في {الآيات} للاستغراق فيشمل آية خلق النّجوم وغيرها. والْعِلم في كلام العرب إدْراك الأشياء على ما هي عليه قال السّمَوْأل أو عبد الملك الحارثي: شعر : فليس سواء عالم وجهول تفسير : وقال النّابغة: شعر : ولَيْسَ جاهِلُ شيءٍ مثلَ مَنْ عَلِما تفسير : والّذين يعلمون هم الّذين انتفعوا بدلائل الآيات. وهم الّذين آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: {أية : إنّ في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 99].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة أن حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط كقوله {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16]، ولكنه تعالى بين في غير هذا الموضع أن لها حكمتين أخريين غير الاهتداء بها وهما تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين بها، كقوله {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الملك: 5] الآية. وقوله {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} تفسير : [الصافات: 6-10]، وقوله {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [فصلت: 12].
د. أسعد حومد
تفسير : {ظُلُمَاتِ} {ٱلآيَاتِ} (97) - وَجَعَلَ اللهُ النُّجُومَ لِيَهْتَدِيَ بِهَا النَّاسُ فِي الأَوْقََاتِ التِي يَغْشَى فِيها الأَرْضَ الظَّلامُ، وَلِيَعْرِفُوا الاتِّجَاهَاتِ، حِينَمَا تَكُونُ الشَّمْسُ غَائِبَةً. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ بَيَّنَ الآيَاتِ وَوَضَّحَهَا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَيَعْرِفُونَ الحَقَّ، وَيَتَجَنَّبُونَ البَاطِلَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن أوضح سبحانه أنه قد خلق الشمس والقمر بحسبان لتكون حسابا بتقدير منه، وهو العزيز العليم، إنه - سبحانه - يصف لنا مهمة النجوم فقال: {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، والنجوم هي الأجرام اللامعة التي نراها في السماء لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر؛ ومن رحمته بنا وعلمه أن بعض خلقه ستضطرهم حركة الحياة إلى الضرب في الأرض؛ والسير ليلا في الأرض أو البحر مثل من يحرسون ويشيعون الأمن في الدنيا ولا يمكن أن يناموا بالليل. بل لا بد أن يسهروا لحراستنا، كل ذلك أراده الله بتقدير عزيز حكيم عليم، ولذلك ترك لنا النجوم ليهتدي بها هؤلاء الذين يسهرون أو يضربون في الأرض أو يمشون في البحر بسفنهم، وهم يحتاجون إلى ضوء قليل ليهديهم، ولذلك كان العرب يهتدون بالنجوم؛ يقول الواحد منهم للآخر: اجعل النجم الفلاني أمام عينيك، وسر فوق الحي الفلاني. واجعل النجم الفلاني عن يسارك وامش تجد كذا، أو اجعل النجم الفلاني خلفك وامش تجد كذا. إذن لو طمّت الظلمة لمنّعت الحركة بالليل، وهي حركة قد يضّطر إليها الكائن الحي، فجعل الحق النجوم هداية لمن تجبرهم الحياة على الحركة في الليل. وعلى ذلك فالنجوم ليست فقط للاهتداء في ظلمات البر والبحر؛ لأنه لو كان القصد منها أن نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، لكانت كلها متساوية في الأحجام، لكنا نرى نجماً كبيراً، وآخر صغيراً، وقد يكون النجم الصغير أكبر في الواقع من النجم الكبير لكنه يبعد عنا بمسافة أكبر، وعلى ذلك لا تقتصر الحكمة من النجوم على الهداية بها في حركة الإنسان براً وبحراً، فليست هذه هي كل الحكمة، هذه هي الحكمة التي يدركها العقل الفطري أولا؛ لذلك يأتي الحق في أمر النجوم بقول كريم آخر ليوضح لنا ألا تحصر الحكمة في الهداية بها ليلاً براً وبحراً فيقول: {وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} فلم يقل - سبحانه - يهتدون في ظلمات البر والبحر. إذن - النجوم - لها مهمة أخرى، إنه جلت قدرته يقول: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76]. وكل يوم يتقدم العلم يبين لنا الحق أشياء كثيرة، فها هو ذا المذنب الذي يقولون عنه الكثير، وها هي ذي نجوم جديدة تكتشف تأكيداً لقول الحق: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47]. أي أنه سبحانه قد خلق عالماً كبيراً. وأنت أيها الإنسان قد أخذت منه على قدر إدراكاتك وامتداداتك في النظر الطبيعي الذي لا تستخدم فيه آلة إبصار، وأخذت منه بالنظر المعان الذي تستخدم فيه التليسكوب والميكروسكوب، وغير ذلك من اقمار صناعية, ولذلك يقول الحق سبحانه: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} وبعض العلماء يقول: إن كل إنسان يوجد في الوجود له نجم، وترتبط حياته بهذا النجم، وحين يأفل النجم يأفل قرينه على الأرض، وهناك نجوم لامعة ندرك خفقانها، ونجوم أخرى غير لامعة وبعيدة عنا، ويقال إنها تخص أناساً لا يدري بهم أحد لقلة تأثيرهم بأعمالهم في الحياة. ويتقدم العلم كل يوم ويربط لنا أشياء بأشياء وكأن الحق يوضح: إنني خلقت لكم الأشياء مِمّا قَدَرْتم بعقولكم أن تصلوا إلى شيء من الحكمة فيها، ولكن لا تقولوا هذه منتهى الحكمة، بل وراءها حِكَم أعلى، فسبحانه هو الحكيم القادر، إنك قد تدرك جانبا يسيرا من حكم الله، ولكن عليك أن تعلم أن كمال الله غير متناه، ولا يزال في ملك الله ما لا نستطيع إدراك حكمته إلى أن ينهي الله الأرض ومن عليها. ويقول الحق سبحانه في تذييل الآية: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} والآية هي الشيء العجيب، وتطلق على آيات كونية: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [فصلت: 37]. وتطلق كلمة "آية" على الطائفة من القرآن التي لها فاصلة. إذن هناك آيات قرآنية، وآيات كونية، والآيات الكونية تعتبر مفسرة للآيات القرآنية؛ فتفصيل الآيات في الكون ما نراه من تعددها أشكالاً وألواناً وحكماً وغايات. وتفصيل الآيات في القرآن هو ما ينبهنا إليه الحق في قرآنه وليلفت النظر إلى أن ذلك التفصيل في آيات الكون وذلك الخلق العجيب الحكيم الذي لا يمكن أن يكون إلا لإله قادر حكيم يستحق أن يكون إلهاً موحَّداً، ويستحق أن يكون إلهاً معبوداً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم...}
الأندلسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا} نبه تعالى على أعظم فوائد خلقها وهي الهداية للطرق والمسالك والجهات التي تقصد والقبلة، إذ حركات الكواكب في الليل يستدل بها على القبلة كما يستدل بحركة الشمس في النهار عليها. والخطاب عام لكل الناس ولتهتدوا متعلق بجعل مضمرة لأنها بدل من لكم، أي جعل ذلك لاهتدائكم، وجعل معناها خلق، فهي تتعدى إلى واحد. قال ابن عطية: ويمكن أن تكون بمعنى صيّر ويقدر المفعول الثاني من لتهتدوا أي جعل لكم النجوم هداية. "انتهى". هذا ضعيف لندور حذف أحد مفعولي باب ظن وأخواتها. {قَدْ فَصَّلْنَا} أي بينا وقسّمنا وخص من يعلم لأنهم الذين ينتفعون بتفصيلها. {مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} وهو آدم عليه السلام. {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أي موضع استقرار وموضع استيداع، أو مصدراً أي فاستقرار واستيداع. وقرىء: فمستقر بكسر القاف اسم فاعل وعلى هذه القراءة يكون ومستودع بفتح الدال إسم مفعول. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} لما كان الاهتداء بالنجوم واضحاً ختمه بيعلمون أي من له أدنى إدراك ينتفع بالنظر في النجوم وفائدتها ولما كان الإِنشاء من نفس واحدة والتصريف في أحوال كثيرة يحتاج إلى فكر وتدقيق ختمه بقوله تعالى: {يَفْقَهُونَ} إذ الفقه هو استعمال فطنة ودقة نظر وفكر فناسب ختم كل جملة بما يناسب ما صدر به الكلام. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} لما ذكر إنعامه تعالى بخلقنا ذكر انعامه علينا بما يقوم به أودنا ومصالحنا. والسماء هنا: السحاب. والظاهر أن المعنى بنبات كل شىء ما يسمى نباتاً في اللغة وهو ما ينمى من الحبوب والفواكه والبقول والحشائش والشجر، ومعنى كل شىء مما ينبت، وأشار إلى أن السبب واحد والمسببات كثيرة. وقال الطبري: نبات كل شىء جميع ما ينمو من الحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزول الماء من السماء. وفي قوله: {فَأَخْرَجْنَا} التفات من غيبة إلى تكلم بنون العظمة. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} أي من النبات. {خَضِراً} غضّا ناضراً طرياً. {نُّخْرِجُ مِنْهُ} جملة في موضع الصفة لخضرا ويجوز أن يكون استئناف اخبار. {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أي من الخضر كالقمح والشعير وسائر القطاني، ومن الثمار كالرمان والسنوبر. وغيرهما مما تراكب حبه وركب بعضه بعضاً. {مِن طَلْعِهَا} بدل من قوله: ومن النخل، أعيد فيه حرف الجر. والطلع: أول ما يخرج من النخلة في أكمامه، أطلعت النخلة: أخرجت طلعها. {قِنْوَانٌ} القنو بكسر القاف وضمها: العِذق بكسر العين، وهو الكباسة وهو عنقود النخلة. وجمعه في القلة أقناء وفي الكثرة قِنوان بكسر القاف في لغة الحجاز وضمها في لغة قيس، وبالياء بدل الواو في لغة ربيعة وتميم بكسر القاف وضمها. ويجتمعون في المفرد على قِنو وقَنو بالواو ولا يقولون فيه قَنى ولا قِنى. {دَانِيَةٌ} أي قريبة من المتناول. وهذه الجملة مبتدأ وخبر قطعت مما قبلها في الاعراب لما في تجريدها من عظم المنة والنعمة إذ كانت من أعظم قوت العرب لتدل على الثبوت والاستغراق وأن ذلك مفروغ منه، فلها شبه بالحب المتراكب في القوت ولها شبه بالتفكه كالعنب المذكور فناسب الاعتراض بهذه الجملة بينهما. قال ابن عطية: ومن النخل تقديره ويخرج من النخل ومن طلعها قنوان ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول بنخرج. "انتهى". هذا خطاب لأن ما يتعدى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله إلا إذا كان الفعل مما يعلق وكانت الجملة فيها مانع من أن يعمل في شىء من مفرداتها الفعل من الموانع المشروحة في علم النحو. ونخرج ليست مما يعلق وليس في الجملة مانع من عمل الفعل في شىء من مفرداتها إذ لو كان الفعل هنا مقدر التسلط على ما بعده ولكان التركيب والتقدير ونخرج من النخل من طلعها قنواناً دانية بالنصب. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه تقديره ونخرجه من طلع النخل قنوان. "انتهى". لا حاجة إلى هذا التقدير إذ الجملة مستقلة في الاخبار بدونه، ومن قرأ: قنواناً دانية بالنصب أشرك بين ذلك وبين المنصوب قبله والمنصوب بعده. {وَجَنَّٰتٍ} معطوف على نبات، ولما جرد النخل جرد جنات الأعناب لشرفهما. {وَٱلزَّيْتُونَ} شجر معروف ووزنه فيعول كقيصوم لقولهم: أرض زتنة، ولعدم فعلون أو قلته. فمادّته مغايرة لمادة الزيت. {وَٱلرُّمَّانَ} فعال كالحماض والعناب وليس بفعلان لقوهم: أرض رمنة. قال الزجاج: قرن الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره. {مُشْتَبِهاً} أي بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم وانتصب مشتبهاً على أنه حال من الرمان لقربه منه. وحذفت الحال من الأول أو حال من الأول لسبقه فالتقدير، والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك. {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} النظر نظر رؤية ولذلك عداه بإِلى لكن يترتب عليه الفكر والاعتبار والاستبصار والاستدلال على قدرة باهرة تنقله من حال إلى حال ونبه على حالين: الابتداء وهو وقت ابتداء الأثمار، والانتهاء وهو وقت نضجه. والينع مصدر ينع بفتح الياء في لغة الحجاز وبضمها في لغة بعض نجد. وكذا الينع بضم الياء والنون والينوع بواو بعد الضمتين. يقال: ينعت الثمرة، إذا أدركت ونضجت وأينعت. كذلك أيضاً قال الفراء: ينع الثمر وأينع أي احمر. والعامل في إذا أنظروا وينعه معطوف على ثمره. {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الإِشارة بذلك إلى جميع ما سبق ذكره من فلق الحب والنوى إلى آخر ما خلق تعالى وما امتنّ به. والآيات: العلامات الدالة على كمال قدرته وإحكام صنعته وتفرده بالخلق دون غيره وظهور الآيات لا ينفع إلا لمن قدر الله له الإِيمان وأما من سبق قدر الله له بالكفر فإِنه لا ينتفع بهذه الآيات فنبه بتخصيص الإِيمان على هذا المعنى وانظر إلى حسن مساق هذا الترتيب لما تقدّم أن الله فالق الحب والنوى جاء الترتيب بعد ذلك تابعاً لهذا الترتيب: فحين ذكر أنه أخرج نبات كل شىء ذكر الزرع وهو المراد بقوله تعالى: {خَضِراً} فخرج منه حباً متراكباً. وابتدأ به كما ابتدأ به في قوله: فالق الحب، ثم ثني بماله نوى فقال: ومن النخل من طلعها قنوان، إلى آخره، كما ثنى به في قوله: والنوى، وقدم الزرع على الشجر لأنه غذاء والثمر فاكهة والغذاء مقدم على الفاكهة. وقدم النخل على سائر الفواكه لأنه يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب، وقدم العنب لأنه أشرف الفواكه وهو في جميع أطواره ينتفع به حنوط ثم حصرم ثم عنب ثم أن عصر كان منه خل ودبس وإن جف كان منه زبيب، وقدم الزيتون لأنه أكثر في المنفعة في الأصل وفيما يعصر منه من الدهن العظيم النفع في الأكل والاستصباح وغيرهما وذكر الرمان لعجب حاله وغرابته في أنه مركب من قشر وشحم وعجم وماء، فالثلاثة باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات وماؤه بالفنذ ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى خير الاعتدال، وفيه تقوية للخراج الضعيف غذاء من وجه دواء من وجه، فجمع تعالى فيه بين المتضادين المتعاقدين فما أبهر قدرته وأعجب ما خلق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):