Verse. 887 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَہُوَالَّذِيْۗ اَنْشَاَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَّاحِدَۃٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَّمُسْـتَوْدَعٌ۝۰ۭ قَدْ فَصَّلْنَا الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّفْقَہُوْنَ۝۹۸
Wahuwa allathee anshaakum min nafsin wahidatin famustaqarrun wamustawdaAAun qad fassalna alayati liqawmin yafqahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي أنشأكم» خلقكم «من نفس واحدة» من آدم «فّمُستقِرٌ» منكم في الرحم «ومستودع» منكم في الصلب وفي قراءة بفتح القاف أي مكان قرار لكم «قد فصَّلنا الآيات لقوم يفقهون» ما يقال لهم.

98

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا نوع رابع من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه، وهو الاستدلال بأحوال الإنسان فنقول لا شبهة في أن النفس الواحدة هي آدم عليه السلام وهي نفس واحدة. وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه. فصار كل الناس من نفس واحدة وهي آدم. فإن قيل: فما القول في عيسى؟ قلنا: هو أيضاً مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها. فإن قالوا: أليس أن القرآن قد دل على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المنفوخ فيها فكيف يصح ذلك؟ قلنا: كلمة «من» تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء تكون عيسى عليه السلام كان من مريم وهذا القدر كاف في صحة هذا اللفظ. قال القاضي: فرق بين قوله: {أَنشَأَكُمْ } وبين قوله: {خَلَقَكُمْ } لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء. ولكن على وجه النمو والشنوء لا من مظهر من الأبوين، كما يقال: في النبات إنه تعالى أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء. وأما قوله: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {فَمُسْتَقَرٌّ } بكسر القاف والباقون بفتحها قال أبو علي الفارسي. قال سيبويه، يقال: قر في مكانه واستقر فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر «منكم» أي منكم مستقر. ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به لأن استقر لا يتعدى فلا يكون له مفعول به فيكون اسم مكان فالمستقر بمنزلة المقر. وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر «منكم» بل يكون خبره «لكم» فيكون التقدير لكم مقر وأما المستودع فإن استودع فعل يتعدى إلى مفعولين تقول استودعت زيداً ألفاً وأودعت مثله، فالمستودع يجوز أن يكون اسماً للإنسان الذي استودع ذلك المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه. إذا عرفت هذا فنقول: من قرأ مستقراً بفتح القاف جعل المستودع مكاناً ليكون مثل المعطوف عليه والتقدير فلكم مكان استقرار ومكان استيداع ومن قرأ {فَمُسْتَقَرٌّ } بالكسر، فالمعنى: منكم مستقر ومنكم مستودع، والتقدير: منكم من استقر ومنكم من استودع. والله أعلم. المبحث الثاني: الفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى النبات من المستودع فالشيء الذي حصل في موضع ولا يكون على شرف الزوال يسمى مستقراً فيه، وأما إذا حصل فيه وكان على شرف الزوال يسمى مستودعاً لأن المستودع في معرض أن يسترد في كل حين وأوان. إذا عرفت هذا فنقول: كثر اختلاف المفسرين في تفسير هذين اللفظين على أقوال: فالأول: وهو المنقول عن ابن عباس في أكثر الروايات أن المستقر هو الأرحام والمستودع الأصلاب قال كريب: كتب جرير إلى ابن عباس يسأله عن هذه الآية فأجاب المستودع الصلب والمستقر الرحم ثم قرأ: {أية : وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاء } تفسير : [الحج: 5] ومما يدل أيضاً على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رحم الأم زماناً طويلاً، ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى. والقول الثاني: أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم، لأن النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وهي حصلت في رحم الأم بفعل الغير، فحصول تلك النطفة في الرحم من قبل الرجل مشبه بالوديعة لأن قوله {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } يقتضي كون المستقر متقدماً على المستودع وحصول النطفة في صلب الأب مقدم على حصولها في رحم الأم، فوجب أن يكون المستقر ما في أصلاب الآباء، والمستودع ما في أرحام الأمهات. والقول الثالث: وهو قول الحسن المستقر حاله بعد الموت لأنه إن كان سعيداً فقد استقرت تلك السعادة، وإن كان شقياً فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل في أحوال الإنسان بعد الموت وأما قبل الموت فالأحوال متبدلة. فالكافر قد ينقلب مؤمناً والزنديق قد ينقلب صديقاً، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة التي تكون مشرفة على الزوال والذهاب. والقول الرابع: وهو قول الأصم. إن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. والقول الخامس: للأصم أيضاً المستقر من استقر في قرار الدنيا والمستودع من في القبور حتى يبعث. وعن قتادة على العكس منه فقال مستقر في القبر ومستودع في الدنيا. القول السادس: قول أبي مسلم الأصبهاني أن التقدير هو الذي أنشأكم من نفس واحدة / فمنكم مستقر ذكر ومنكم مستودع أنثى إلا أنه تعالى عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تتولد في صلبه وإنما تستقر هناك وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة. والله أعلم. المبحث الثالث: مقصود الكلام أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه السلام، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول: الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر والمستودع والاختلاف في تلك الصفات لا بد له من سبب ومؤثر وليس السبب هو الجسمية ولوازمها وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى: {وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوٰنِكُمْ }. ثم قال تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } والمراد من هذا التفصيل أنه بين هذه الدلائل على وجه الفصل للبعض عن البعض. ألا ترى أنه تعالى تمسك أولاً بتكوين النبات والشجر من الحب والنوى، ثم ذكر بعده التمسك بالدلائل الفلكية من ثلاثة وجوه، ثم ذكر بعده التمسك بأحوال تكوين الإنسان فقد ميز تعالى بعض هذه الدلائل عن بعض، وفصل بعضها عن بعض لقوم يفقهون، وفيه أبحاث: الأول: قوله: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } ظاهره مشعر بأنه تعالى قد يفعل الفعل لغرض وحكمة. وجواب أهل السنة: أن اللام لام العاقبة، أو يكون ذلك محمولاً على التشبيه بحال من يفعل الفعل لغرض. والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أراد من جميع الخلق الفقه، والفهم والإيمان. وما أراد بأحد منهم الكفر. وهذا قول المعتزلة. وجواب أهل السنة: أن المراد منه كأنه تعالى يقول: إنما فصلت هذا البيان لمن عرف وفقه وفهم، وهم المؤمنون لا غير. والثالث: أنه تعالى ختم الآية السابقة، وهي الآية التي استدل فيها بأحوال النجوم بقوله: {يَعْلَمُونَ } وختم آخر هذه الآية بقوله: {يَفْقَهُونَ } والفرق أن إنشاء الإنس من واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً، فكان ذكر الفقه ههنا لأجل أن الفقه يفيد مزيد فطنة وقوة وذكاء وفهم. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يريد آدم عليه السلام. وقد تقدّم في أوّل السورة. {فَمُسْتَقَرٌّ} قرأ ابن عباس وسعيد بن جُبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشَيْبة والنَّخَعِيّ بكسر القاف، والباقون بفتحها. وهي في موضع رفع بالإبتداء، إلا أن التقدير فيمن كسر القاف فمنها «مستَقِر» والفتح بمعنى لها «مستَقَر». قال عبد الله بن مسعود: فلها مستقر في الرَّحِم ومستودَع في الأرض التي تموت فيها؛ وهذا التفسير يدلّ على الفتح. وقال الحسن: فمستقر في القبر. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقرّ ما كان في الرحم، والمستودَع ما كان في الصُّلْب؛ رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس، وقاله النَّخَعيّ. وعن ابن عباس أيضاً: مستقرّ في الأرض، ومستودع في الأصلاب. قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس هل تزوّجت؟ قلت لا؛ فقال: إن الله عز وجل يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه. وروي عن ابن عباس أيضاً أن المستقر مَن خُلق، والمستوع من لم يُخلق؛ ذكره المَاوَرْدِي. وعن ابن عباس أيضاً: ومستودع عند الله. قلت: وفي التنزيل «وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن يُبعثوا للحساب؛ وقد تقدّم في البقرة. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} قال قتادة: «فصلنا» بينا وقررنا. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} هو آدم عليه الصلاة والسلام. {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أي فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام، أو تحت الأرض أو موضع استقرار واستيداع، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل، والمستودع اسم مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع، لأن الاستقرار منا دون الاستيداع. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر، ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} يعني: آدم عليه السلام؛ كما قال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1] وقوله: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} اختلفوا في معنى ذلك، فعن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغيرهم: {فَمُسْتَقَرٌّ} أي: في الأرحام، قالوا، أو: أكثرهم: {وَمُسْتَوْدَعٌ} أي: في الأصلاب، وعن ابن مسعود وطائفة عكسه، وعن ابن مسعود أيضاً وطائفة: فمستقر: في الدنيا، ومستودع: حيث يموت، وقال سعيد بن جبير: فمستقر: في الأرحام، وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت، وقال الحسن البصري: المستقر: الذي قد مات، فاستقر به عمله، وعن ابن مسعود: ومستودع: في الدار الآخرة، والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} أي: يفهمون ويعون كلام الله ومعناه، وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي: بقدر، مباركاً ورزقاً للعباد، وإحياء وغياثاً للخلائق؛ رحمة من الله بخلقه {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ} كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ} تفسير : [الأنبياء: 30] {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} أي: زرعاً وشجراً أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، ولهذا قال تعالى: {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أي: يركب بعضه بعضاً؛ كالسنابل ونحوها، {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَٰنٌ} أي: جمع قنو، وهي عذوق الرطب {دَانِيَةٌ} أي: قريبة من المتناول؛ كما قال علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: {قِنْوَٰنٌ دَانِيَةٌ} يعني: بالقنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض، رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون: قِنْوان، وقيس يقول قُنْوان، قال امرؤ القيس:شعر : فأتَّتْ أعاليه وآدَتْ أُصولُهُ ومالَ بقِنْوانٍ منَ البُسْرِ أَحْمَرا تفسير : وقال: وتميم يقولون: قُنْيَان، بالياء. قال: وهي جمع قِنْو، كما أن صِنْوان جمع صِنْو، وقوله تعالى: {وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَـٰبٍ} أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا خيار الثمار في الدنيا؛ كما امتن الله بهما على عباده، في قوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} تفسير : [النحل: 67] وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ} تفسير : [يس: 34]. وقوله تعالى: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ} قال قتادة وغيره: متشابه في الورق والشكل، قريب بعضه من بعض، ومتخالف في الثمار شكلاً وطعماً وطبعاً، وقوله تعالى: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة، وغيرهم، أي: فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطباً، صار عنباً ورطباً، وغير ذلك مما خلق سبحانه وتعالى؛ من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: {أية : وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ وَجَنَّـٰتٌ مِّنْ أَعْنَـٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَٰنٌ وَغَيْرُ صِنْوَٰنٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ} تفسير : [الرعد: 4] الآية، ولهذا قال ههنا: {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ} أيها الناس {لآيَـٰتٍ} أي: دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: يصدقون به، ويتبعون رسله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُم } خلقكم {مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } هي آدم {فَمُسْتَقَرٌّ } منكم في الرحم {وَمُسْتَوْدَعٌ } منكم في الصلب. وفي قراءة بفتح القاف أي مكانَ قرار لكم {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلأَيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } ما يقال لهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَاحِدَةٍ} يعني آدم عليه السلام. {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَودَعٌ} فيه ستة تأويلات: أحدها: فمستقر في الأرض ومستودع في الأصلاب، قاله ابن عباس. والثاني: فمستقر في الرحم ومستودع في القبر، قاله ابن مسعود. والثالث: فمستقر في أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، قاله عطاء، وقتادة. والرابع: فمستقر في الدنيا ومستودع في الآخرة، قاله مجاهد. والخامس: فمستقر في الأرض ومستودع في القبر، قاله الحسن. والسادس: أن المستقر ما خُلِق، والمستودع ما لم يُخلق، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} فيه قولان: أحدهما: معناه رزق كل شيء من الحيوان. والثاني: نبات كل شيء من الثمار. {فَأَخْرجْنَا مِنهُ خَضِراً} يعني زرعاً رطباً بخلاف صفته عند بذره. {نُّخْرِجُ مِنهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} يعني السنبل الذي قد تراكب حبه. {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيةٌ} القنوان جمع قنو وفيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: أنه الطلع، قاله الضحاك. والثاني: أنه الجمار. والثالث: هي الأعذاق، قال امرؤ القيس شعر : أثت أعاليه وآدت أصوله ومال بقنوان من البسر أحمرا تفسير : {دَانِيَةٌ} فيه قولان: أحدهما: دانية من المجتني لقصر نخلها وقرب تناولها، قاله ابن عباس. والثاني: داينة بعضها من بعض لتقاربها، قاله الحسن. {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ} يعني بساتين من أعناب. {مُشْتَبِهاً وَغَيرَ مُتَشَابِهٍ} فيه وجهان: أحدهما: مشتبها ورقه مختلفاً ثمره، قال قتادة. والثاني: مشتبهاً لونه مختلفاً طعمه، قاله الكلبي. {انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} قرأ حمزة والكسائي بالضم، وقرأ الباقون بالفتح، وفي اختلافه بالضم والفتح قولان: أحدهما: أن الثُّمُر بالضم جمع ثمار، وبالفتح جمع ثمرة، قاله علي بن عيسى. والثاني: أن الثُّمُر بالضم: المال، وبالفتح: ثمر النخل، قاله مجاهد، وأبو جعفر الطبري. {وَيَنْعِهِ} يعني نضجة وبلوغه.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمُسْتَقَرٌّ} في الأرض، {وَمُسْتَوْدَعٌ} في الأصلاب، أو مستقر في الرحم، ومستودع في القبر، أو مستقر في الرحم، ومستودع في صلب الرجل، أو مستقر في الدنيا ومستودع في الآخرة، أو مستقر في الأرض ومستودع في الذر، أو المستقر ما خلق، والمستودع ما لم يخلق، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ}، يريد: آدم ـــ عليه السلام ـــ، {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}، ٱختَلَفَ المتأوِّلون في معنى هذا الاستقرارِ والاِستيداعِ. فقال الجمهور: مستقَرٌّ في الرحِمِ، ومستودَعٌ في ظهور الآباءِ حتى يَقْضِيَ اللَّه بخروجهم، قال ابنُ عَوْن: مشَيْتُ إلى منزل إبراهيمَ النَّخَعيِّ وهو مريضٌ، فقالوا: قد تُوُفِّيَ، فأخبرني بعضهم أنَّ عبد الرحمن بْنَ الأسود سأله عن: {مُّسْتَقِرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}، فقال: مستقرٌّ في الرحِمِ، ومستودع في الصُّلْبِ، وقال ابن عباس: المستقرُّ: الأرض، والمستودَعُ: عند الرحمن، وقال ابن جُبَيْر: المستودَعُ: في الصلب، والمستقَرُّ في الآخرة، قال الفَخْر: والمنقول عن ابن عباس في أكثر الرواياتِ أن المستقرَّ هو الأرحام، والمستودَعُ الأصلاب، ثم قرأ: {أية : ونُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} تفسير : [الحج:5] ومما يدلُّ علَىٰ قوة هذا القولِ؛ أنَّ النطفة لا تبقَىٰ في صُلْب الأب زماناً طويلاً، والجنينُ في رَحِمِ الأم يبقى زماناً طويلاً، ولما كان المُكْث في الرحمِ أكثر مما في صُلْب الأب، كان حمل الاستقرارِ على المُكْث في الرحمِ أولَى. انتهى. قال * ع *: والذي يقتضيه النظر أنَّ ابن آدم هو مستودَعٌ في ظهر أبيه، وليس بمستقِرٍّ فيه ٱستقراراً مطلقاً؛ لأنه يتنقَّل لا محالة، ثم ينتقلُ إلى الرحِمِ، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقلُ إلى القبر، ثم ينتقلُ إلى المَحْشَر، ثم ينتقلُ إلى الجَنَّة أو النار، فيستقرُّ في أحدهما ٱستقراراً مطلقاً، وليس فيها مستودَعٌ؛ لأنه لا نُقْلَة له بَعْدُ، وهو في كلِّ رتبة متوسِّطة بين هذين الطرفَيْن مُسْتَقِرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودَعٌ بالإضافة إلى التي بعدها؛ لأن لفظ الوديعةِ يقتضي فيها نُقْلة، ولا بُدَّ. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}، {ٱلسَّمَاء}؛ في هذا الموضع: السحابُ، وكلُّ ما أظلَّك فَهُو سماءٌ، وقوله: {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}، قيل: معناه: ممَّا ينبتُ، وقال الطبريُّ: المراد بـ {كُلِّ شَيْءٍ}: كلُّ ما ينمو مِنْ جميع الحيوان والنباتِ والمعادِنِ، وغير ذلك؛ لأن ذلك كله يتعذَّىٰ وينمو بنزولِ الماء من السماءِ، والضمير في {مِنْهُ} يعود على النباتِ، وفي الثانِي يعود على الخَضِر، و {خُضِراً}: بمعنى: أَخْضَر؛ ومنه قوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : الدُّنْيَا خَضِرَةً حُلْوَةٌ»تفسير : ، بمعنى: خضراء؛ وكأن خَضِراً إنما يأتي أبداً لمعنى النَّضَارة، وليس لِلَّوْن فيه مدخلٌ، وأخضر إنما تمكُّنه في اللون، وهو في النَّضَارة تجوّز، و {حَبّاً مُّتَرَاكِباً}: يعم جميع السنابلِ وما شاكَلَها؛ كالصَّنَوْبر، والرُّمَّان، وغيرِ ذلك. وقوله: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ }، تقديره: ونُخْرِجُ مِنَ النخلِ والطَّلْعِ أولَ ما يخرج من النَّخْل، في أكمامه، و {قِنْوٰنٌ}: جمع قِنْو، وهو العِذْق ـــ بكسر العين ـــ، وهي الكِبَاسَةُ، والعُرْجُونُ: عوده الذي فيه ينتظمُ التمر، و {دَانِيَةٌ}: معناه: قريبةٌ من التناول؛ قاله ابن عباس وغيره. وقرأ الجمهور: «وجَنَّاتٍ» ـــ بالنصب ـــ؛ عطفاً على قوله: «نَبَاتَ»، وروي عن عاصم: «وجَنَّاتٌ» ـــ بالرفع ـــ؛ على تقدير: ولكُمْ جناتٌ أو نحو هذا، {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} ـــ بالنصب إجماعاً ـــ؛ عطفاً علَىٰ قوله: «حَبًّا»، و {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}، قال قتادة: معناه يتشابه في الوَرَقِ ويتبايَنُ في الثَّمَرِ، وقال الطبريُّ: جائز أن يتشابه في الثَّمَر ويتبايَنُ في الطَّعْم، ويحتمل أن يريد يتشابه في الطَّعْمِ ويتباين في المَنْظَرِ، وهذه الأحوال موجودةٌ بالاعتبارِ في أنواع الثمرات. وقوله سبحانه: {ٱنْظُرُواْ}، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، «والثمر»؛ في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور الناس: {وَيَنْعِهِ} ـــ بفتح الياء ـــ، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ؛ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن عباس، وقد يستعمل «يَنَعَ» بمعنى ٱستقَلَّ وٱخضرَّ ناضراً، قال الفخر: وقدَّم سبحانه الزَّرع؛ لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ؛ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ بالنسبة إلى العرب. انتهى.

ابن عادل

تفسير : وهذا نوع رابع من دلائلِ وُجُودِ الإله سبحانه وتعالى وكمال قدرته وعلمه، وهو الاستدلال باحوال الإنسان، فقوله: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، يعني آدم عليه الصلاة والسلام، وهي نفس واحدة، وحواء مَخْلُوقةٌ من ضِلْعٍ من أظلاعه، فصار كل [الناس] من نَفْسٍ واحدة، وهي آدم. فإن قيل: فما القول في عِيسَى؟ فالجواب: أنه مَخْلوقٌ من مريم التي هي مَخْلُوقَةٌ من أبَوَيْهَا. فإن قيل: أليس القرآن دالٌّ على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المَنْفُوخ فيها، فكيف يصح ذلك؟! فالجواب: أن كلمة "من" تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء عيسى عليه الصلاة والسلام كان من مريم، وهذا القدر كان في صِحَّةِ هذا اللفظ. قال القاضي: فرق بين قوله تبارك وتعالى: ["أنشأكم" وبين قوله: "خلقكم" لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء، ولكن على وجه النمو والنشوء لا من مَظْهَرِ من الأبوين، كما يقال في النبات: إنه تعالى أنشأه بمعنى] النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء. قوله: "فَمُسْتَقَرٌّ" قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف، والباقون بفتحها، وأما "مُسْتَوْدَعٌ" فالكل قرأه مفتوح الدال، وقد روى الأعور عن أبي عمرو بن العلاء كسرها فمن كسر القاف جعل "مُسْتَقَرّاً" اسم فاعل، والمراد به الأشْخَاصُ، وهو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فمنكم مُسْتَقرٌّ؛ إما في الأصلاب، أو البطون، أو البقور، وعلى هذه القراءة تتناسقُ "ومستودع" بفتح الدال. وجوز أبو البقاء في "مُسْتَقِرٌّ" بكسر القاف أن يكون مَكَاناً وبه بدأ. قال: "فيكون مكاناً يستقر لكم" انتهى. يعني: والتقدير: ولكم مكان يستقر، وهذا ليس بظاهر ألَبَتَّة؛ إذ المكان لا يوصف بكونه مُسْتَقِرّاً بكسر القاف، بل بكونه مُسْتَقراً فيه. وأما "مستودَع" بفتحها، فيجوز أن يكون اسم مفعول، وأن يكون مكاناً، وأن يكون مصدراً، فيقدر الأوّل: فمنكم مستقر في الأصلاب، ومستودع في الأرحام، أو مستقر في الأرض ظاهراً، ومستودع فيها باطناً، ويقدر للثاني: فمنكم مستقر، ولكم مكان تستودعون فيه، ويقدر للثالث: فمنكم مستقر ولكم استيداع. وأما من فَتَحَ القاف فيجوز فيه وجهان فقط: أن يكون مكاناً، وأن يكون مصدراً، أي: فلكم مكان تَسْتَقِرُّونَ فيه، وهو الصُّلْب، أو الرحم، أو الأرض، أو لكم استقرار فيما تقدَّم، وينقص أن يكون اسم مفعول؛ لأن فعله قاصر لا يُبْنى منه اسم مفعول به [فيكون اسم مكان والمستقر بمنزله المقر؛ وإن كان كذلك لم يجز أن يكون خبر المضمر "منكم" بل يكون خبره "لكم" فلتقدير لكم, مقر بخلاف] مستودع حيث جاز فيه الأوجه الثلاثة. وتوجيه قرءاة أبي عمرو في رواية الأعور عنه في "مستودع" بالكسر على أن يجعل الإنسانُ كأنه مُسْتَوْدِعُ رزقه وأجله حتى إذا نَفِدَا كأنه رَدَّهُمَا وهو مجاز حَسَنٌ، ويقوي ما قلته قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2267- وَمَا المَالُ والأهُلُونَ إلاَّ وَدِيعَةٌ وَلاَ بُدَّ يَوْماً أنْ تُرَدَّ الوَدَائعُ تفسير : والإنْشَاءُ: الإحْدَاثُ والتربية، ومنه: إنشاء السحاب، وقال تبارك وتعالى: {أية : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} تفسير : [الزخرف:18] فهذا يُرَادُ به التربية، وأكثر ما يستعمل الإنشاء في إحْداثِ الحيوان، وقد جاء في غيره قال تبارك وتعالى: {أية : وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} تفسير : [الرعد:12]. والإنْشَاءُ: قَسِيمُ الخَبَرِ، وهو ما لم يكن له خَارجٌ، وهل هو مندرج في الطَّلَب أو بالعكس، أو قسم برأسه؟ خلاف. وقيل على سبيل التقريب: هو مقارنة اللفظ لمعناه. قال الزمخشري: "فإن قلت: فلم قيل: "يعلمون" مع ذكر النجوم، و"يفقهون" مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كأن إنْشَاءَ الإنْسِ من نَفْسِ واحدة، وتصريفهم على أحوال مختلفة ألْطَفُ وأدَقُّ صنعة وتدبيراً، فكان ذكر الفِقْهِ الذي هو استعمال فِطْنَةٍ، وتَدْقِيقُ نَظَرٍ مُطابقاً له". فصل في تفسير الاستقرار قال ابن عبَّاسٍ في أكثر الروايات: إن المستقر هو الأرْحَامُ، والمستودع الأصلاب. قال كريب: كتب [جرير إلى] ابن عباس يسأله عن هذه الآية الكريمة، فأجاب: "المستودع": الصّلب، و "المستقر": الرحم، ثم قرأ {أية : وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ} تفسير : [الحج:5]. قال سعيد بن جبير: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: أما إنه ما كان من مستودع في ظهرك، فسيخرجه الله عزَّوجلَّ ويؤيده أيضاً أن النُّطْفَة لا تبقى في [صُلْبِ الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رحم الأم زماناً طويلاً فلما كان المُكْثُ في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم] أولى. وقيل: "المستقر" صلب الأب، و "المستودع" رحم الأم؛ لأن النطفة حَصَلَتْ في صُلْبِ الأب لا من قبل الغير، وحصلت في رحم [الأم بفعل الغير] فأشبهت الوديعة كأنَّ الرجل أوْدَعَهَا ما كان مستقرّاً عنده. وقال الحسنُ: "المستقر" حَالهُ بعد الموت، و "المتسودع" حالُهُ قبل الموت؛ لأنه أشبه الوديعَةَ لكونها مُشْرِفَةً على الذَّهابِ والزَّوال وقيل العكس. وقال مجاهد: "مستقر" على ظَهْرِ الأرض، و "مستودع" عند الله في الآخرة؛ لقوله عز وجل {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [البقرة: 36]. وقيل: المستودع: القبر، والمستقر: الجنة والنار. وقال أبو مُسْلِمٍ: تقديره: هو الذي أنشأكم من نَفْسٍ واحدة، فمنكم ذكر ومنكم أنثى إلاَّ أنه - تبارك وتعالى - عبَّر عن الذَّكرِ بالمستقر، لأن النُّطْفَةَ ما تتولَّدُ في صلبه، وتستقر هناك، وعبر عن الأنْثَى بالمستودع؛ لأن رَحمَهَا شبيه بالمستودع لتلك النُّطْفَةِ، والمقصود من ذكر الله التِّفَاوُت في الصفات أن هذا الاختلاف لا بد له من سببٍ ومؤثّر وذلك هو الفاعل المُخْتَارُ الحكيم.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}[98] أي مستقر في أرحام النساء و "مستودع" يعني النطفة في صلب آدم عليه السلام.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الآية: 98]. قال ابن عطاء: خلق أهل المعرفة على جهة ومنزلة واحدة فمستقر فى حال معرفته مكشوف عنه، ومستودع فى حال معرفته مستتر عنه. قال بعضهم: مستقر لطاعته وعبادته مع الإيمان به، ومستودع لذلك زائلٌ عنه بعد موته. قال الواسطى رحمة الله عليه: مستقر فيه أنوار الذات على الأبد، ومستودع لا يعود إليه إذا فارقه. وقال محمد بن عيسى الهاشمى فى قوله مستقر ومستودع قال: لم يزل عالمًا بخلقه شائيًا لما أراد، وأودع اللوح فيما استقر من كلامه، ثم أودع اللوح إلى المقادير ما استقر فيه، ثم كذلك حالاً بعد حالٍ حتى يبلغه إلى درجة السعادة أو الشقاوة، وذلك قوله فمستقر ومستودع.

القشيري

تفسير : ذكَّرهم وصفهم حين خَلَقَهم من آدم عليه السلام. وكما أن للنفوس والأبشار مستقراً ومستودعاً فللأسرار والضمائر مستقر ومستودع، فَمِنْ عَبْدٍ مُسْتَقَرٌّ قلبِه أوطانُ الشهواتِ والمنى، ومن عبدٍ مستقره موقع الزهد والتُّقى، ومن عبدٍ مستقره - حيث لا مسكن ولا مأوى - وراء الورى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} ذكرت فى موضع أخر تفسير قوله تعالى خلفكم من نفس واحدة انشا الكل من جواهر الفطرة وجوهر الفطرة منشاؤه نور فعل الخاص ومنشا نور فعل الخاص ظهور الصفة وظهور الصفة وظهور الذات تجلى القدم فاخرج الكل من العدم تخصيص لطائف الخطاب بالاشارة الى نفس واحدة اى بظهور نفس وحدانية ازلية ابدية منزهة عن الاجتماع والافتراق فبعض القلوب مستقرها الملكوت ومستودعها الصفات وبعض الارواح مستقرها الصفات ومستودعها الذات بنعت البقاء فى لاصفات والفناء فى الذات لان القدم منزه ان يحل فيه الحدث وايضا مستقر القلوب المقامات ومستودعها الحالات ومستقر العقول العبادات ومستودعها الكرامات ومستبقر الارواح انوار المعرفة من تجلى الصفات ومستودعها انور التوحيد ومن تجلى الذات قال ابن عطا خلق اهل المعرفة على جهة ومنزلة واحدة فمستقر ومستودع فمستقر فى حال معرفة مكشوف عنه ومكشوف فى حال معرفته مستقر عليه وقال بعضهم مستقر لطاعته وعابدته مع الايمان ومستودع لذلك زائل عنه بعد موته وقال الواسطى مستقر انوار الذات على الابد ومستودع لا يعود اليه اذا فارقه قال محمد بن عيسى الهاشمى لم يزل علمال بخلقه شائبا كما اراد اودع اللوح ما استقر فى كلامه ثم اودع اللوح الى المقادير ما استقر فيه ثم كذلك حالا بعد حال حتى بلغه الى درجة السعادة والشقاوة وذلك قوله فمستقر ومستودع.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو الذى انشأكم} مع كثرتكم {من نفس واحدة} من نفس آدم وحدها فانه خلقنا جميعاً منه وخلق امّنا حواء من ضلع من اضلاع آدم فصار كل الناس محدثة مخلوقة من نفس واحدة حتى عيسى فان ا بتداء تكوينه من مريم التى هى مخلوقة من ماء ابويها وانما منّ علينا بهذا لان الناس اذا رجعوا الى اصل واحد كانوا اقرب الى ان يألف بعضهم بعضا. قال اهل الاشارة ان الله تعالى كما خلق آدم ابتداء وجعل اولاده منه كذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الارواح كما قال "حديث : اول ما خلق الله روحى " .تفسير : ثم خلق الارواح من روحه فكان آدم أبا البشر وكان محمد صلى الله عليه وسلم ابا الارواح واليه يشير قوله تعالى {هو الذى انشأكم من نفس واحدة} {فمستقر ومستودع} كل واحد منهما مصدر ميمى مرفوع على الابتداء والخبر محذوف اى فلكم استقرار فى الاصلاب او فوق الارض واستيداع فى الارحام او تحت الارض وجعل صلب الاب مستقر النطفة ورحم الام مستودعا لها لان النطفة حصلت فى صلب الاب لا من قبل الغير وحصلت فى رحم الام بفعل الغير فاشبهت الوديعة كأن الرجل اودعها ما كان مستقرا عنده. وقال الحسن يا ابن آدم انت وديعة فى اهلك ويوشك ان تلحق بصاحبك وانشد قول لبيد شعر : وما المال والاهلون الا وديعة ولا بد يوما ان ترد الودائع تفسير : والقلب ايضا من الودائع والامانات: قال الصائب شعر : ترا بكوهر دل كرده اند اما نتدار نه دزد امانت حق را نكاه دار مخسب تفسير : {قد فصلنا الآيات} المبينة لتفاصيل خلق البشر من هذه الآية ونظائرها {لقوم يفقهون} غوامض الدقائق باستعمال الفطنة وتدقيق النظر وانما ذكر مع ذكر النجوم يعلمون ومع ذكر تخليق بنى آدم يفقهون لان ذلك اشارة الى آيات الآفاق وهذا الى آيات الانفس ولا شك ان آيات الآفاق اظهر واجلى وآيات الانفس ادق واخفى فكان ذكر الفقه لها انسب واولى لان الفقه عبارة عن الوقوف على المعنى الخفى واصل تركيب الفقه يدل على الشق والفتح والفقيه العالم الذى يشق الاحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق منها فالفقه انما يطلق حيث يكون فيه حذاقة وتدقيق. نظر قال الحدادى الفقه فى اللغة هو الفهم لمعنى الكلام الا انه قد جعل فى العرف عبارة عن علم الغيب على معنى انه استدراك معنى الكلام بالاستنباط من الاصول ولهذا لا يجوز ان يوصف الله تعالى بانه فقيه لانه لا يوصف بالعلم على جهة الاستنباط ولكنه عالم بجميع الاشياء على وجه احد انتهى. ثم هذه الآيات الآفاقية والانفسية تفصح عن صنع الله البديع وتدعو اهل الشرك الى التوحيد والايمان واهل الاخلاص الى الشهود والعيان واهل المعصية الى الطاعة والتوبة باللسان والجنان فان الامتنان بذكر النعم الجليلة يستدعى شكرا لها ومعرفة لحقها ولكل قوم وفريق سلوك الى طريق التحقيق على حسب ما انعم عليه من توحيد الافعال والصفات والذات فعلى العاقل ان يجتهد فى طلب الحق فان المقصود من ترتيب مقدمات العوالم آفاقية كانت او انفسية هو الوصول الى الظاهر من جهة المظاهر وانما اصل الحجاب هو الغفلة ـ وحكى ـ ان الشيخ أبا الفوارس شاهين بن شجاع الكرمانى رحمه الله خرج للصيد وهو ملك كرمان فامعن فى الطلب حتى وقع فى برية مقفرة وحده فاذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع فلما رأته ابتدرت نحوه فزجرها الشاب عنه فلما دنا اليه سلم عليه وقال له ياشاه ما هذه الغفلة عن الله اشتغلت بدنياك عن آخرتك وبلذاتك وهواك عن خدمة مولاك انما اعطاك الله الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة الى الاشتغال عنه فبينما الشاب يحدثه اذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب فدفع باقيه الى الشاه فشربه فقال ما شربت شيأ ألذ منه ولا ابرد ولا اعذب ثم غابت العجوز فقال الشاب هذه الدنيا وكلها الله الى خدمتى فما احتجت الى شئ الا احضرته الى حين يخطر ببالى أما بلغك ان الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها "حديث : يا دنيا من خدمنى فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه " . تفسير : فلما رأى ذلك تاب وكان منه ما كان وانشد بعضهم شعر : خدمت لما ان صرت من خدمك ودار عندى السرور من نعمك وكانت الحادثات تطرقنى فاستحشمتنى اذ صرت من حشمك تفسير : اللهم اجعلنا من الملازمين لبابك ولا تقطعنا عن جنابك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: من قرأ (مستقر) بفتح القاف، فمصدر، أو اسم مكان ومن قرأه بالكسر، فاسم فاعل، وعلى كل ـ هو مبتدأ، حذف خبره؛ الجار والمجرور، أي: لكم مستقر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} آدم عليه السلام {فمستقر ومستودع} أي: فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، أو موضع استقرار واستيداع فيهما، أو: فمنكم مُستَقِّر في الأصلاب أو في الأرض، أي: قارٌّ فيهما، ومنكم مستودَع في الأرحام أو تحت الأرض. وقيل: الاستقرار: في الأرحام، والاستيداع: في الصلب، بدليل قوله: {أية : وَنُقِرُّ في الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ } تفسير : [الحَجّ:5]. {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي: يفهمون دقائق أسرار القدرة، ذكر مع النجوم، {يعلمون}؛ لأن أمرها ظاهر، وذكر مع تخليق بني آدم؛ {يفقهون}؛ لأن إنشاءهم من نفس واحدة، وتصريفهم على أحوال مختلفة، دقيق يحتاج إلى زيادة تفهم وتدقيق نظر. الإشارة: بعض الأرواح مستقرها الفناء في الذات، ومستودعها الفناء في الصفات، وهم العارفون من أهل الإحسان، وبعضها مستقرها الفناء في الصفات، ومستودعها الاستشراف على الفناء في الذات، وهم أهل الإيمان بالغيب. وقال الورتجبي: بعض الأرواح مستقرها الصفات، ومستودعها الذات، بنعت البقاء في الصفات، والفناء في الذات، لأن القَدَم مُنزه أن يحل فيه الحدث. هـ. ثم ذكر بُرهاناً آخر، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وروح {فمستقر} بكسر القاف. الباقون بفتحها. قال ابو علي النحوي: قال سيبويه: قالوا: قرَّ في مكانه واستقر، كما قالوا: جلب وأجَلب، يراد بهما شيء واحد، فكما بني هذا على (أفعلت) بني هذا على (استفعلت) فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار، والخبر مضمر، وتقديره منكم مستقر كقولك: بعضكم مسقر أي مستقر في الارحام. وقال {أية : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق}تفسير : كما قال{أية : وقد خلقكم أطوارا}تفسير : ومن فتح فليس على أنه مفعول، لان استقر لا يتعدى، واذا لم يتعد لم يُبن منه اسم مفعول، فاذا له يكن مفعولا كان اسم الفاعل مكانه، فالمستقر بمنزلة المقر كما أن المستقر بمعنى القار، وعلى هذا، لا يجوز أن يكون خبره المضمر (منكم) كما جاز في قول من كسر القاف، واذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر (لكم) وتقديره: لكم مقر، ومستودع، فان استودع فعل يتعدى الى مفعولين تقول: استودعت زيدا ألفا وأودعت زيدا الفا، فاستودع مثل أودع، ومثل استجاب واجاب، فالمستودع يجوز ان يكون الانسان الذي استودع ذلك المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه. فمن فتح القاف في (مستقر) جعل المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه أي فلكم مكان استقرار ومكان استيداع. ومن كسر القاف، فالمعنى منكم مستقر في الارحام ومنكم مستقر في الاصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان. قال الزجاج: ويحتمل ان يكون مستقرا في الدنيا موجودا ومستودعا في الاصلاب لم يخلق بعد. ويحتمل مستقر - بكسر القاف - في الاحياء، ومنكم مستودع في الثرى. ورفع (مستقر ومستودع) على معنى فلكم مستقر ومستودع. ومن كسر فمعناه فمنكم مستقر ومنكم مستودع. وقال الفراء: تقديره ثم مستقر ومستودع. واختلف المفسرون في قوله {فمستقر ومستودع} فقال عبد الله بن مسعود: المستقر ما في الرحم، والمستودع حيث يموت، وبه قال ابراهيم ومجاهد. وقال سعيد ابن جبير: مستودع ما كان في أصلاب الرجال، فاذا قروا في أرحام النساء وعلى ظهر الارض وفى بطونها، فقد استقروا به. وقال ابن عباس، وروي عن مجاهد - في رواية أخرى - المستقر الارض، والمستودع عند ربك. وروي عن ابن مسعود - في رواية - ان مستقرها في الآخرة ومستودعها في الصلب. وقال عكرمة: مستقر في الآخرة ومستودع في صلب لم يخلق سيخلق. وبه قال قتادة والضحاك والسدي وابن زيد. وقال الحسن: المستقر في القبر والمستودع في الدنيا. ومعنى الآية أن الله تعالى هو الذي أنشأ الخلق ابتداء من نفس واحدة يعني آدم، منهم مستقر ومستودع، واذا حمل على العموم، فانه يتناول كل أحد على تأويل من قال المستقر في القبر والمستودع في الحشر، وعلى تأويل من قال المستودع من كان في الاصلاب والمستقر من كان في الارحام، لان كل الخلائق داخلون فيه، فالأولى حمل الآية على عمومها وهو اختيار الطبري. وقوله {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} معناه قد بينا الحجج وميزنا الآيات والادلة والاعلام، واحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويعرفون الآيات والذكر، وهو قول قتادة والمفسرين.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} نفس آدم (ع) بحسب الجسم او نفس النّبىّ (ص) بحسب الاسلام او نفس الولىّ (ع) بحسب الايمان او نفس الكلّ او ربّ النّوع بحسب الحيوة الحيوانيّة وبحسب الحيوة الانسانيّة {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} هذه الكلمة مجملة متشابهة من حيث اللّفظ والمعنى والاعراب، قرئ مستقرّ بفتح القاف اسم مفعول من استقرّه اذا وجده قارّاً ساكناً، او من استقرّ اذا قرّ وسكن بمعنى مستقرّ فيه، او اسم مكان او مصدراً ميميّاً وهكذا الحال فى المستودع، وقرئ بكسر القاف اسم فاعل من استقرّ بمعنى قرّ والمعنى هو الّذى انشأكم فمنكم قارّ ومنكم غير قارٍّ، او محلّ قرارٍ ومحلّ عدم قرارٍ، او لكم استقرار وعدم استقرار، او محلّ قرار زعدم قرارٍ، او فيكم استقرار او عدم استقرار او محلّ قرارٍ او قارّ وغير قارٍّ، والاصلاب والارحام والابدان والدّنيا والبرازخ بوجهٍ محلّ قرارٍ وبوجه محلّ عدم قرارٍ للنّطف والنّفوس والابدان، وبعد القيامة محلّ قرارٍ على الاطلاق، والابدان والنّفوس والصّدور والقلوب محلّ قرار للحيوة الحيوانيّة والانسانيّة والاسلام والايمان والعلوم بوجهٍ، ومحلّ عدم قرار بوجهٍ {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ولمّا كان الاستدلال بالانشاء من نفس والاستقرار والاستيداع على تدبيره وحكمته محتاجاً الى استعمال نوع فطنة فوق العلم ذكر الفقه معه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} وهي تقرأ على وجهين: (فمستقِر ومستودع)، (فمستَقَر ومستودَع) {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} أي عن الله فيؤمنون. ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقرأها (فَمستَقَر ومستودَع) فالمستقَر: الرحم، والمستودع الصلب. وكان الحسن يقرأها فمستقِر [بكسر القاف] ومستودع؛ أي مستقر من أجله من يوم يولد إلى يوم يموت، ومستودع في قبره من يوم يوضع فيه إلى يوم يبعث. وبيان قول ابن عباس: المستقَر الرحم في هذه الآية الأخرى: (أية : وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) تفسير : [الحج:5]. وبيان قول الحسن: فمستقِر في أجله من يوم يولد إلى يوم يموت في هذه الآية الأخرى: (أية : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) تفسير : [الأعراف:24] أي إلى الموت. وتفسير الحسن أن المستقر هو المخلوق. قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي من النبات الذي ينبت. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أي يركب بعضه بعضاً، والحب: الزرع {وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} والقِنوان العذُوق. والدانية في تفسير الحسن: قريب بعضها من بعض، وفي تفسير الكلبي قريبة من الأرض. وقال بعضهم: قنوان دانية: عذوق متهدّلة. وقوله: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} يعني العنب {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} يقول: وأخرجنا الزيتون والرمان {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} يقول مشتبهاً في طعمه ولونه، وغير متشابه. وقال الكلبي: مشتبهاً في المنظر مختلفاً في الطعم. وقال بعضهم: مشتبهاً ورقه مختلفاً ثمره، ألا تراه يقول: {انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} يعني حين يكون غضاً {وَيَنْعِهِ} أي ونضجه في تفسير الحسن وغيره. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قال الحسن: فالذي أخرج من هذا الماء هذا النبات وهذا الخضر وهذه الجنات وهذه الأعناب قادر على أن يحيي الموتى.

اطفيش

تفسير : {وهُو الَّذى أنْشأكُم من نَفْسٍ واحِدةٍ} ابتدأ خلقكم من نفس واحدة هى أدم، لأن أمنا حواء منه أيضا، فصح أن يقال من نفس واحدة، لأنا وإياها كلنا منه، فما كان منها فهو أيضا منه، هذا ما ظهر لى، ولا يشكل عيسى لأنه من مريم، وهى من أب وأم إلى آدم، وهذا ايضا دليل لقدرة الله تعالى ووحدانيته {فمُسْتقرٌّ ومسْتَودعٌ} اسما مكان أى موضع استقرار، وموضع استقرار، أو مصدران ميميان أى لكم استقرار أو استيداع، والوجهان فى الأقوال الآتية كلها، وهو حينئذ محذوف الخبر، أى فلكم مستقر ومستودع، فالمستقر صلب الأب أو الاستقرار فيه، والمستودع رحم الأم أو الاستيداع فيه، وذلك أن الاستقرار أعظم ثباتاً من الاستيداع، لأن الاستيداع معرض للانتقال، فكان المستقر أولى بالصلب، كذلك روى عن ابن عباس، وذلك أن النطفة أسبق فى صلب الأب وأبقى فيه زماناً أطول من بقائها فى الرحم، إذا خرجت من الأب إلى الرحم، أعنى المادة التى تستحيل نطفة، وهذا مشكل، لأن للأم أيضا نطفة سبقتها، لأنها فى صدرها. والجواب أن المعتبر ماء الرجل لأنه أعظم وأكثر، ووجهه بعض بأن النطفة حصلت فى صلب الأب لا من قبل غيره، ثم فى رحم الأم من جهة الأب، فهى فيها وديعة، وعن ابن عباس المستقر رحم الأم، والمستودع الصلب: وقرئ: {أية : ونقر فى الأرحام ما نشاء} تفسير : لأن النطفة لم تبق فى الأب نطفة إلا زماناً قليلا بعد كونها نطفة، وتبقى فى رحم الأم أربعين يوما، وتبقى مستحيلة أطواراً وجنينا مدة طويلة، وهذه الرواية عن ابن عباس هى المشهورة. قال سعيد بن جبير: قال لى ابن عباس رضى الله عنهما: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: أما أنه كان مستودعا فى ظهرك فسيخرجه الله تعالى، وهذا قول الجمهور، قالوا: مستقر فى الرحم، مستودع فى ظهور الآباء حتى يقضى الله بخروجه، قال ابن عون: مشيت إلى منزل إبراهيم النخعى وهو مريض، فقالوا: قد توفى فأخبرنى بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن مستقر ومستودع فقال: مستقر فى الرحم ومستودع فى الصلب، وكان ابن عباس يقرأ فمستقر الرحم، ومستودع الصلب. وعن ابن مسعود: المستقر الرحم والمستودع القبر إلى يوم يبعث، وقال الحسن: المسقر ظهر الأرض فى حياته، والمستودع القبر بعد موته إلى البعث، قال الله جل وعلا: {أية : ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين} تفسير : وبه قال مجاهد، وروى عن الحسن عكس هذا، وأنه كان يقول يا ابن آدم أنت مستودع فى أهلك إلى أن تلحق بأهلك يعنى القبر، وقال ابن عطية: كل من الصلب والرحم والدنيا والقبر والمحشر مستودع، لأنه ينتقل من كل للآخر وكلا أيضا مستقر بالنسبة إلى ما قبله، مستودع بالنسبة لما بعده، والجنة أو النار مستقر على الإطلاق، لأنه لا انتقال منهما، وكأنه يرى الخلود فى النار كالجنة، وقيل: المستقر الجنة أو النار، والمستودع القبر، وتشكل الفاء بتفسير ما يليها فى بعض هذه الأقوال بالمعنى الذى يتأخر وجوده عن معنى لفظ المستودع، لما مرّ من أن المتعاطفات بغير الفاء وثم بعد المعطوف بالفاء لا ترتيب بينها وبين ما عطف قبلها بالفاء، بل ترتيب بينهما بعد الفاء كله وما قبلها. وأما لو قلت: قام زيد فبكر وعمرو فالترتيب بينهما وبين زيد فقط، فكلاهما بعد زيد، وأما هما فيحتمل أن بكراً قام قبل عمرو، وأن عمراً قام قبل بكر، هذا ما ظهر لى عند التحقيق، ورأيت فى بعض الكتب غير هذا، وهو إنما يلى الفاء مقدم على ما بعدها، ولا ترتيب بين ما بعدها إذ لم يعطف بحرف مرتب لو قرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: مستقر ومستودع بكسر القاف، فيكون اسم فاعل، ومستودع على هذا اسم فاعل، أى فمنكم إنسان مستقر، ومنكم إنسان مستودع، والاستقرار والاستيداع محلهما على الخلاف السابق، ولا يجوز أن يكون مستقر بفتح القاف اسم مفعول، لأنه لازم لا مفعول له ينوب عن الفاعل، ولا ظرف أو مجرور أو مصدر ينوب، اللهم إلا أن يقال: الأصل مستقر به فيه، أو الهاء نائب فحذف الجار واتصل الضمير به واستتر نائبا على الحذف والإيصال، فيكون كقولك زيد ممرور به، فحينئذ يجوز أن يكونا اسمى مفعول أى منكم إنسان مستقر به، ومنكم إنسان مستودع. {قَدْ فصَّلنا الآيات لقومٍ يفْقَهون} قال: هنالك يعلمون، وهنا يفقهون، لأن العلم يقوم بما يدقق فيه النظر وما يظهر، والفقه مختص بما يخفى ويدق فيه النظر كما سمى علم الشرع فقها، لأنه بدلائل دقيقة، وأمر النجوم ظاهراً وبعضه يخفى فذكر فيه يعلمون لصلوحه لذلك، وأنشأ الناس من نفس واحدة مع كثرتهم وكثرة أحوال نشأتهم وتصرفاتها غامض فذكر فيه يقهون.

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَكُمْ} خلقكم. قال هنا أَنشأَ بخلاف بقية السور ليس فيها لفظ أَنشأَكم ليوافق قوله بعد "أية : وهو الذى أَنشأَ جنات" تفسير : [الأنعام: 141] والكل فى الإِيجاد بعد العدم للدلالة على البعث، وقد وافق قوله قبل "أية : ثم أَنشأنا من بعدهم قرنا آخرين"تفسير : [المؤمنون: 31] فينبغى أَن يقال كلاهما لموافقة أَنشأَ جنات، إِذ هن فى سورة واحدة نزلت بمرة، أَو للتفنن، أَو لاعتبار مفهوم الخلق تارة وهو قطع الشئِ وفرضه، ومفهوم أَنشأَنا تارة وهو الإِبداع، والخطاب لبنى آدم كلهم، أَو من وجد وقت النزول ومن وجد بعده {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة} آدم ومنه خلقت حواء من ضلعه، وعيسى إِذ هو من مريم ومن ذريته، ويأجوج ومأجوج، وإِذا كنتم من نفس واحدة فلم يتعاظم بعض على بعض، ولم لا تكونون فى المعاونة على الخير كواحد، ولم يظلم بعضكم بعضاً وكأَنه ظلم نفسه، والرجوع إِلى أَصل واحد أَقرب إِلى التواد، وقد اجتمعنا أَيضا فى نوح. وجمهور العرب فى إسماعيل وإِبراهيم، وأَهل التوحيد على اختلاف المذاهب فى دين الإِسلام، والنبى محمد صلى الله عليه وسلم، ومع كونهم من نفس واحدة اختلفت أَجسامكم فى الأَلوان والخصال والأَحوال وذلك لكمال قدرته تعالى {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} مصدران، أَى فلكم استقرار واستيداع، أَو اسما مكان أَى موضع استقرار وموضع استيداع، أَو اسما زمان أَى مدة استقرار ومدة استيداع، والاستقرار فى الأَصلاب والاستيداع فى الأَرحام، أَو الاستقرار فى الأَرحام والاستيداع فى القبور، أَو الاستقرار فى الأَرض والاستيداع فى القبور أَو الاستقرار فى الأَصلاب وفى الأرحام وفى الأَرض وفى بعض ذلك والاستيداع فى القبور، وناسب الاستقرار الصلب والاستيداع الرحم لأن النطفة فى الرحم بفعل الأَب فكأَنه استودعها ولا استيداع له فى الصلب، والله يستودع كل ما يشاء لما شاءَ، قلت: أَخرج الله ذرية آدم منه وردها فيه، ولا بأس من تسمية هذا الرد استيداعا، فالصلب مستودع. ويناسب الاستقرار فى الأَرحام قوله تعالى: "أية : ونقر فى الأَرحام" تفسير : [الحج: 5] ويناسب الاستقرار فى الأَرض قوله تعالى "أية : ولكم فى الأَرض مستقر" تفسير : [البقرة: 36] والإِنسان وديعة فى القبر يخرج منه تارة أُخرى، وصلب الأَب مستقر للنطفة وقدم على الاستيداع لتقدمها فى الصلب على وقوعها فى الرحم إِما على أَن الولد من نطفة الأَب فقط وهو ضعيف فواضح، وإِما على أَنه منها ومن نطفة الأم ففيه أَن نطفة الأم فى الترائب متقدمة على الرحم فيجاب بأَن نطفته أَعظم وعمدة، وأبى بن كعب فسر الآية بالاستقرار بالأَصلاب وبالاستيداع فى الأَرحام، وأَكثر الروايات عن ابن عباس كما أَجاب به حبر تيماء إِذ سأَله أَن المستقر الرحم والمستودع الصلب لقوله تعالى "أية : ونقر فى الأَرحام" تفسير : [الحج: 5] وعن الحسن: أَنت وديعة فى أَهلك ويوشك أَن تلحق بصاحبك، وقال لبيد: شعر : وما المال والأَهلون إِلا ودائع ولا بد يوما أَن ترد الودائع تفسير : ويقوى قول ابن عباس أَن المستقر أَقرب إِلى الثبات من المستودع، فعنه أَن النطفة الواحدة لا تبقى فى صلب الأَب زمانا طويلا، والجنين يبقى فى الرحم زمانا طويلا، وقال سعيد بن جبير: قال لى ابن عباس رضى الله عنهما: هل تزوجت؟ قلت: لا. قال: أَما أَنه ما كان مستودع فى ظهرك فسيخرجه الله {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ذكر العلم فى النجوم والفقه فى تخليق بنى آدم لأَن أَمر النجوم ظاهر مشاهد فى الاهتداءِ، وتخليق بنى آدم من نفس واحدة وتصريف أَحوالهم وأَطوارهم غامض. ومادة فقه لما يحتاج إِلى تدقيق نظر وللشق والفتح، والفقيه من يشق الأَحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق من ذلك، إِن علم الشريعة سمى فقها لاحتياجه إِلى تدقيق النظر للاستنباط، وأَنفس بنى آدم أَدق صنعا فذلك الاستدلال بها على الصانع أَدق، وقيل: العلم والفقه بمعنى، وذكر الفقه لئلا تتكرر الفاصلة وللتفنن، وقيل: الفقه دون العلم، كحال من لا يتأَهل للعلم كالحيوانات، وقد يكون لشئ أَهلية للعلم ولم يعلم فتقول لا يعلم، ومن لا يستدل من نفسه شبه حمار، والله المستعان، امتن الله علينا بإِيجادنا فى الآية السابقة وبما نحتاج إِليه فى معاشنا بقوله: {وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءٍ} إِلخ، أَى من السحاب أَو من جهة السماءِ، قال أَبو على الجبائى من المعتزلة فى كل آية فيها إِنزال الماء من السماء أَنها على ظاهرها إِذ لا دليل يخرجها عن الظاهر، فالله خلق الماءَ فى السماء وأَنزله إِلى السحاب، قلت: هو محتمل صحيح والله قادر أَى يوصله إِلى السحاب فى لحظة من مسيرة خمسمائة عام فى الهواءِ بعد خمسمائة فى الغلط، وهو منزل بتدريج متوال على مقادير من الزمان متواصلة، وشاهد القبائل ونحوهم وهم على جبل عال سحابا ومطرا أَسفل منهم، يقال: ذلك من بخارات تجتمع تحت الأَرض وتخرج وتنعقد ماء كما نشاهد القطر من سقف الحمام، ولا يلزم من صعودها دائما الإِمطار دائما وأَن لا مطر فى الصيف وأَلا يحصل البرد وقت الحر، ولا أَن تصعد البخار يدعو إِلى تفرقة فكيف ينعقد؟ لأَن الله تعالى أن يفعل ما يشاءُ، وأَن يحدث مانعا، والآية أَيضا نعم بالغة وإِحسانات كاملة، وفى الآية تغليب الماضى على الآتى، لأَن ما مضى أَكثر وفيه استدلال على المستقبل. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} مقتضى الظاهر فأَخرج به، لكن لفظ التكلم إِظهار لكمال العناية بشأن ما أَنزل الماءَ لأَجله، وإِظهار أَيضا لعظم آثار قدرته لعظمه موجده، وزاد تفخيما بضمير العظمة إِذ لم يقل فأَخرجت بالتاء المضمومة، أَو أَنزل المنتظر منزلة الواقع، لكن يفوت الكلام على ما مضى أَو يشمله فيكون من استعمال الكلمة فى الحقيقة والمجاز، وفى الالتفات مطلقا تطرية، وهنا زيادة أَن العارف يتقوى بما مضى من طرق الغيبة حتى يتأَهل لأن يكون الكلام معه بطريق التكلم وهو أَقوى، والتعقيب بالفاء للمبالغة، أَو هو فى كل شئ بحسبه، وفى بعض المواضع والأَزمنة يتصل إِخراج النبات بالإِنزال، أَو هى هنا لمجرد السببية، أَو بمعنى الواو، أَو يقدر مضت مدة فأَخرجنا به {نَبَاتَ كُلِّ شَئٍ} يتصف بأَنه ينبت، فما لا يكون له نبات لا يدخل فى قوله كل شئ، والنبات مالا ساق له، وقيل مالا ساق له وما له ساق على اختلاف ذلك لونا وطعما ومنفعة مع اتحاد الماءِ فذلك من أَدل دليل على كمال القدرة، قال الله عزو جل "أية : يسقى بماءِ واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل" تفسير : [الرعد: 4] وذلك إِجمال فصله بقوله {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} من الماءِ أَو من النبات وهو أَولى لأَن إِخراج الخضر من النبات بلا توسط، وإِخراج الخضر من الماءِ بتوسط النبات، إِلا أَن يقال هو أَول خروجه بالماءِ من الأَرض غير أَخضر، ويبعد جعل من للسببية، والخضرة قيل لون بين البياض والسواد وهو إِلى السواد أَقرب، ولذلك يقال للأَخضر أَسود وبالعكس، ولا لون للماءِ، ويقال: لونه البياض فى الظاهر فيقال: أَخرج الله عز وجل من الماءِ الأَبيض ثمارا مختلفات اللون والطعم، والهاءِ للماءِ، فهو يخرج بالماءِ من الأَرض أَخضر وخضرا بمعنى أَخضر كعَوِر وأَعور، أَى شيئا خضرا، أَو نباتا خضرا، وقيل: المراد هنا مالا ساق له، وفى العرف النبات مالا ساق له والنجم ماله ساق، وخص عند العامة فى بعض البلاد بما يأكل الحيوان فإِن البر والشعير مما له حب ولهما ساق وهما ونحوهما داخلة فى قوله عز وجل {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِباً} كسنابل البر والشعير والذرة والسلت والدخن، والجملة نعت خضرا لنيابة خضرا عن نباتا أَو شيئا، ولك طريق آخر وهو أَنه نعت ثان للمحذوف أَو مستأَنفة فى جواب سؤال لبيان ما يعتبر به، والأَول أَولى، وهذا المضارع للتجدد والاستمرار أَو لحكاية ما مضى من الأَشياءِ استحضاراً لها كأَنها مشاهدة، وإِلى التركيب والخضرة إِشارة القائل بقوله يصف المطر: شعر : يصب على الآفاق بعض خيوطه فينسج منه للثرى حلة خضرا تفسير : {وَمِنَ النَّخْلِ} خبر {مِنْ طَلْعِهَا} بذل بعض لا بدل اشتمال كما قيل {قِنْوَانٌ} مبتدأ أَو من النخل معطوف على منه والمعطوف على حبا محذوف، أَى وأَخرجنا من النخل نخلا، ومن طلعها خبر لقنوان، والجملة نعت لنخلا المقدر، وذلك معطوف على معمولى عامل، ولا إِشكال فى إِخراج نخلة من نخلة لأَنها من نواها أَو مقطوعة منها {دَانِيَةٌ} الطلع أَول ما يخرج وهو مشتمل علىثمارها، ويقال له الكفرى لأَنه يكفر ثمارها، أَى يسترها، والقنوان جمع قنو وهو ثمار النخلة وشماريخها التى جمعها طرف العرجون، ويقال لمجموع الثمار والشماريخ كباسة وعذق بكسر العين وإِعجام الذال مثل عنقود العنب، ودانية قريبة لمن يتناولها، أَى سهلة التناول ولو كانت بطلوع، أَو قريبا بعضها من بعض، أَو خص سهلة التناول أَو قرب قنو من قنو لزيادة النعمة أَو لدلالة الشيءِ على ضده، أَى وقنوان دانية التناول وبعيدة عنه، أَو متدان بعضها من بعض لكثرتها، وغير متدان لقلتها مثلا، وذكر الطلع قيل لأَنه طعام وإِدام بخلاف سائر الأَكمام، وقدم النبات قيل لتقدم القوت على الفاكهة ومثنى قنو قنوان بكسر النون بلا تنوين، وحذف للإِضافة وحدها ومع الأَلف للنسب، وقنوان إِذا كان جمعا ينون ويثلث نونه بالإِعراب ولا تحذف للإِضافة وتحذف مع الأَلف للنسب لأَنه ينسب إِلى المفرد إِلا إِن كان جمع التكسير شبيها بالمفرد كالأُصول من قولك أُصول الفقه لأَنه بمعنى فن مخصوص، وكذلك فى صنوان وصنوان، ورئد ورئدان، وشغد وشغدان، وحش وحشان بمعنى البستان كذا قيل، وإِذا وقف على النون فى ذلك لم يعلم الجمع أَو التثنية إِلا بقرينة {وَجَنَّاتٌ} عطف على نبات عطف خاص على عام، أَو على نخلا المنصوب المقدر فى قوله ومن النخل من طلعها، أَو على خضرا لقربه والأَول أَولى فيكون اعترض بالنخل للمنة إِذ هو فاكهة وطعام، وضعف العطف على خضرا لا الشجر وهو المراد من النبات ليس بمخرج من النبات كإِخراج الخضر منه، نعم يصح إِذا جعلنا النبات عاما لما لا ساق له وما له ساق {مِنْ أَعْنَابٍ} ثمار شجر العنب سمى شجر العنب أَعنابا لأَنها أَصل لثمارها أَو يقدر مضاف أَى من شجر أَعناب، وكذا فى قوله {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} عطفا على نبات عطف خاص على عام لمزيتهما، ولمزيتهما ناسب أَن يقدر واذكر الزيتون والرمان، وقد قيل إِن النصب على الاختصاص، ولا مانع أَن يقدر هنا شجر لأَن الزيتون والرمان مخرجان من النبات أَى وأَخرجنا من النبات ثمارا تسمى زيتونا ورمانا {مُشْتَبِهاً} ورقها فى اللون وفى الشكل {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ثمرها لونا وشكلا وطعما والنصب على الحال من الزيتون والرمان، ولم يقل مشتبهين وغير متشابهين بالتثنية لأَن الفاعل مستتر عائد فى الأَول للورق وفى الثاني للثمر لدلالة المشاهدة للشجرتين وهذا مما يقوى تقدير الشجر، أَى وشجر الزيتون وشجر الرمان، بخلاف ما لو أُريد الثمار وحدها فإِنه لا ورق فيها تشتبه ويجوز عود مشتبها وغير متشابه إِلى جميع ما ذكر بتأويل ما ذكر أَو بمراعاة قولك مشتبها ورقه وغير متشابه، أَما إِن رددناها للرمان فقط لقربه وقدرنا مثله للزيتون أَو بالعكس فلا إِشكال فى الإِفراد، ثم إِنك إِما أَن ترد متشابها إِلى مشتبه من الافتعال بمعنى التفاعل كاجتوروا بمعنى تجاوروا، ومعنى ذلك فى الرمان تشابه الورق واختلاف الطعم بالحموضة والحلاوة وكونه مزا، وحمرة الحب وبياضه وكذا القشر والزيتون متشابه الورق مختلف الثمار بالصغر والكبر أَنواعا بعضها كبعر الشاة أَو أَكبر، وبعضها كبعر البعير أَو أَصغر، ومما يناسب إِرادة الشجر فى الزيتون والرمان قوله تعالى {انْظُرُوا} يا من يصلحون لنظر الاعتبار {إِلَى ثَمَرِهِ} ثمر شجر الرمان أَو ثمر ما ذكر من شجر الزيتون والرمان أَو ثمر ما ذكر كله أَو إِلى ثمر الله {إِذَا أَثْمَرَ} أَبدى الثمر أَول ما يخرج ضعيفاً لا نفع فيه، وإِسناد الإِثمار إِلى الشجر مجازا لعلاقة السبب العادى أَو المحل، والمعنى إِذا صار ذا ثمر، وإِذا فسر الزيتون والرمان فيما مر بالثمار فالهاء عائدة إِليهما بمعنى الشجر على طريق الاستخدام، وإِن فسرا فيما مر بالشجر فلا استخدام، وكأَنه قيل انظروا إِلى ثمر ذلك الشجر {وَيَنْعِهِ} وإِلى ينعه، أَى نضجه، كيف يتلون وينفع ويقوى ويجمع منافع، والمراد إِلى حال ثمره وحال ينعه، أَو ينعه جمع يانع أَى نضج، والحاصل أَن الثمار تتبدل وتنتقل إِلى أَحوال مضادة لأَحوال سابقة والماء واحد والأَرض واحدة ولا بد لها من سبب فى التغيرات وليس تأثيرا للطبائع والفصول والنجوم والأَفلاك لأَن نسبتها إِلى جميع النبات واحدة، وكثيراً أَيضاً ما يكون ذلك التغاير فى فصل واحد والنسب المتشابهة لا تكون أَسبابا لحوادث مختلفة فبان أَن ذلك بقدرة الله وحده، وما كان بالطبع فيما يظهر لك فإِن الله سبحانه هو الخالق للطبع ومسبب الأَسباب ومؤثرها، وهو الفاعل المختار لبعض الجائزات عن باقيها {إِنَّ فِى ذَلِكُمْ} فى ذلكم المذكور من فلق الحب والنوى والإِصباح وجعل الشمس والقمر حسبانا وإِخراج الحى من الميت والميت من الحى وإِخراج النبات والتشابه وغيره والإِثمار والينع {لآيَاتٍ} دلالات على وجود قدرته على البعث عظيمة أَو كثيرة أَو عظيمة كثيرة استعمالا للتنوين فى معنيين، أَو للتنكير {لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ} وغيرهم وخصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون، أَى لقوم كتب الله لأَن يؤمنوا أَو يزدادوا إِيمانا.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} أي آدم عليه السلام وهو تذكير لنعمة أخرى فإن رجوع الكثرة إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتعاطف. وفيه أيضاً دلالة على عظيم قدرته سبحانه وتعالى {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو في القبر أو موضع استقرار واستيداع فيما ذكر، وجعل الصلب مقر النطفة والرحم مستودعها لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة كأن الرجل أودعها ما كان عنده، وجعل وجه الأرض مستقراً وبطنها مستودعاً لتوطنهم في الأول واتخاذهم المنازل والبيوت فيه وعدم شيء من ذلك في الثاني. وقيل: التعبير عن كونهم في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرهم الطبيعي كما أن التعبير عن كونهم في الأرحام أو في القبر بالاستيداع لما أن كلاً منهما ليس بمقرهم الطبيعي. وأخرج جماعة منهم الحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المستقر الرحم والمستودع الأصلاب، وجاء في رواية أن (حبرتيما) كتب إليه يسأله رضي الله تعالى عنه عن ذلك فأجابه بما ذكر. / ويؤيد تفسير المستقر بالرحم قوله تعالى: { أية : وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَاء } تفسير : [الحج: 5] وأما تفسير المستودع بالأصلاب فقال شيخ الإسلام: إنه ليس بواضح وليس كما قال، فقد ذكر الإمام بعد أن فرق بين المستقر والمستودع «بأن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، ومما يدل على قوة هذا القول ـ يعني المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى زماناً طويلاً، ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى» ويلزم ذلك أن حمل الاستيداع على المكث في الصلب أولى. وأنا أقول: لعل حمل المستودع على الصلب باعتبار أن الله تعالى بعد أن أخرج من بني آدم عليه السلام من ظهورهم ذريتهم يوم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم وكان ما كان ردهم إلى ما أخرجهم منه فكأنهم وديعة هناك تخرج حين يشاء الله تعالى ذلك. وقد أطلق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اسم الوديعة على ما في الصلب صريحاً. فقد أخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أتزوجت؟ قلت: لا وما ذلك في نفسي اليوم قال: إن كان في صلبك وديعة فستخرج. وروي تفسير المستودع بالدنيا والمستقر بالقبر عن الحسن وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك وينشد قول لبيد: شعر : وما المال والأهلون إلا وديعة ولا بد يوماً أن ترد الودائع تفسير : وقال سليمان بن زيد العدوي في هذا المعنى: شعر : فجع الأحبة بالأحبة قبلنا فالناس مفجوع به ومفجع مستودع أو مستقر مدخلاً فالمستقر يزوره المستودع تفسير : وعن أبـي مسلم الأصفهاني أن المستقر الذكر لأن النطفة إنما تتولد في صلبه والمستودع الأنثى لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة فكأنه قيل: وهو الذي خلقكم من نفس واحدة فمنكم ذكر ومنكم أنثى. وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو (فمستقر) بكسر القاف وهو حينئذ اسم فاعل بمعنى قار ومستودع اسم مفعول والمراد فمنكم مستقر ومنكم مستودع. ووجه كون الأول: معلوماً والثاني: مجهولاً أن الاستقرار هنا بخلاف الاستيداع والمتعاطفان على القراءة الأولى مصدران أو اسما مكان ولا يجوز أن يكون الأول اسم مفعول لأن استقر لا يتعدى وكذا الثاني ليكون كالأول. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَـٰتِ} المبينة لتفاصيل خلق البشر ومن جملتها هذه الآية {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } معاني ذلك، قيل: ذكر مع ذكر النجوم { أية : يَعْلَمُونَ } تفسير : [الأنعام: 97] ومع ذكر إنشاء بني آدم {يَفْقَهُونَ} لأن الإنشاء من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوالهم المختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقاً له، وهو مبني على أن الفقه أبلغ من العلم، وقيل: هما بمعنى إلا «أنه لما أريد فصل كل آية بفاصلة تنبيهاً على استقلال كل منهما بالمقصود من الحجة وكره الفصل بفاصلتين متساويتين لفظاً للتكرار عدل إلى فاصلة مخالفة تحسيناً للنظم (وافتناناً) في البلاغة. وذكر ابن المنير وجهاً آخر في تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله تعالى ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآيات المذكورة أولاً خارجة عن أنفس النظار [ومنافية لها] إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلٰهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس / واحدة وتقليبهم في أطوار مختلفة وأحوال متغايرة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها فإذا تمهد هذا فجهل الإنسان بنفسه وأحواله وعدم النظر والتفكر فيها أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك ومقادير سيرها وتقلبها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى (بطريق التعريض عن أبشع القبيلتين) جهلاً وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم ونفي الأدنى أبشع من نفي الأعلى فخص به أسوأ الفريقين حالاً و {يَفْقَهُونَ } هٰهنا مضارع فقه الشيء بكسر القاف إذا فهمه ولو أدنى فهم، وليس من فقه بالضم لأن تلك درجة عالية ومعناه صار فقيهاً. ثم ذكر أنه إذا قيل: فلان لا يفقه شيئاً كان أذم في العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئاً وكأن معنى قولك: لا يفقه شيئاً ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك: لا يعلم شيئاً فغايته عدم حصول العلم له وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو تعلم. واستدل على أن التارك للتفكر في نفسه أجهل وأسوأ حالاً من التارك للفكرة في غيره بقوله سبحانه: { أية : وَفِى ٱلأَرْضِ آَيَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 20-21] فخص التبصر في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من الآيات وأنكر على من لا يتبصر في نفسه إنكاراً مستأنفاً» والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

ابن عاشور

تفسير : هذا تذكير بخلق الإنسان وكيف نشأ هذا العدد العظيم من نفْس واحدة كما هو معلوم لهم، فالّذي أنشأ النّاس وخلقهم هو الحقيق بعبادتهم دون غيره ممّا أشركوا به، والنّظر في خلقة الإنسان من الاستدلال بأعظم الآيات. قال تعالى: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}تفسير : [الذاريات: 21]. والقصر الحاصل من تعريف المسند إليه والمسند تعريض بالمشركين، إذ أشركوا في عبادتهم مع خالقهم غيرَ من خلقهم على نحو ما قررتُه في الآية قبل هذه. والإنشاء: الإحداث والإيجاد. والضّمير المنصوب مراد به البشر كلّهم. والنّفس الواحدة هي آدم ـــ عليه السّلام ـــ. وقوله: {فمستقرّ} الفاء للتّفريع عن {أنشأكم}، وهو تفريع المشتَمَل عليه المقارن على المشتمِل. وقرأه الجمهور {مستقَر} ـــ بفتح القاف ـــ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وروح عن يعقوب «بكسر القاف». فعلى قراءة ـــ فتح القاف ـــ يكون مصدراً ميمياً، و{مستَودَع} كذلك، ورفعهما على أنّه مبتدأ حُذف خبره، تقديره: لكم أو منكم، أو على أنّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فأنتم مُستقرّ ومستودَع. والوصف بالمصدر للمبالغة في الحاصل به، أي فتفرّع عن إنشائكم استقرار واستيداع، أي لكم. وعلى قراءة ـــ كسر القاف ـــ يكون المستقرّ اسم فاعل. والمستودَع اسم مفعول من استودعَه بمعنى أودعه، أي فمستقِرّ منكم أقررناه فهو مستقرّ، ومستودَع منكم ودّعناه فهو مستودَع. والاستقرار هو القرار، فالسّين والتّاء فيه للتّأكيد مثل استجاب. يقال: استقرّ في المكان بمعنى قرّ. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : لكلّ نبأ مستقرّ}تفسير : في هذه السورة (67). والاستيداع: طلب التّرك، وأصله مشتقّ من الوَدْع، وهو التّرك على أن يُسترجع المستوْدَعُ. يقال: استودعه مالاً إذا جعله عنده وديعة، فالاستيداع مؤذن بوضع موقّت، والاستقرار مؤذن بوضع دائم أو طويل. وقد اختلف المفسّرون في المراد بالاستقرار والاستيداع في هذه الآية مع اتّفاقهم على أنّهما متقابلان. فعَن ابن مسعود: المستقَرّ الكون فوق الأرض، والمستودَع الكون في القبْر. وعلى هذا الوجه يكون الكلام تنبيهاً لهم بأنّ حياة النّاس في الدّنيا يعقبها الوضع في القبور وأنّ ذلك الوضع استيداع موقّت إلى البعث الّذي هو الحياة الأولى ردّاً على الّذين أنكروا البعث. وعن ابن عبّاس: المستقرّ في الرّحم والمستودَع في صلب الرجل، ونقل هذا عن ابن مسعود أيضاً، وقاله مجاهد والضحْاك وعطاء وإبراهيم النخعي، وفسّر به الزجّاج. قال الفخر: وممّا يدلّ على قوّة هذا القول أنّ النّطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رَحم الأمّ زماناً طويلاً. وعن غير هؤلاء تفسيرات أخرى لا يثلج لها الصّدر أعرضنا عن التّطويل بها. وقال الطّبري إنّ الله لم يخصّص معنى دون غيره، ولا شكّ أنّ من بني آدم مستقرّاً في الرّحم ومستودَعاً في الصلب، ومنهم من هو مستقرّ على ظهر الأرض أو بطنها ومستودَع في أصلاب الرّجال، ومنهم مستقرّ في القبر مستودَع على ظهر الأرض، فكلّ مستقِرّ أو مستودع بمعنى من هذه المعاني داخل في عموم قوله: {فمستقَرّ ومستودع} اهــ. وقال ابن عطيّة: الّذي يقتضيه النّظر أنّ ابن آدم هو مستودَع في ظهر أبيه وليس بمستقرّ فيه لأنّه ينتقل لا محالة ثمّ ينتقل إلى الرّحم ثمّ ينتقل إلى الدّنيا ثمّ ينتقل إلى القبر ثمّ ينتقل إلى الحشر ثمّ ينتقل إلى الجنّة أو النّار. وهو في كلّ رتبة بين هذين الظرفين مستقِرّ بالإضافة إلى الّتي قبلها ومستودَع بالإضافة إلى الّتي بعدها اهــ. والأظهر أن لا يقيّد الاستيداع بالقبور بل هو استيداع من وقت الإنشاء، لأنّ المقصود التّذكير بالحياة الثّانية، ولأنّ الأظهر أنّ الواو ليست للتّقسيم بل الأحسن أن تكون للجمع، أي أنشأكم فشأنكم استقرار واستيداع فأنتم في حال استقراركم في الأرض ودائع فيها ومرجعكم إلى خالقكم كما ترجع الوديعة إلى مودِعها. وإيثار التّعبير بهذين المصدرين ما كان إلاّ لإرادة توفير هذه الجملة. وعلى قراءة ـــ كسر القاف ـــ هو اسم فاعل. {ومستودع} اسم مفعول، والمعنى هو هو. وقوله: {قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون} تقرير لنظيره المتقدّم مقصود به التّذكير والإعذار. وعدل عن (يعلمون) إلى {يفقهون} لأنّ دلالة إنشائهم على هذه الأطوار من الاستقرار والاستيداع وما فيهما من الحكمة دلالة دقيقة تحتاج إلى تدبّر، فإنّ المخاطبين كانوا معرضين عنها فعبّر عن علمها بأنّه فِقه، بخلاف دلالة النّجوم على حكمة الاهتداء بها فهي دلالة متكرّرة، وتعريضاً بأنّ المشركين لا يعلمون ولا يفقهون، فإنّ العلم هو المعرفة الموافقة للحقيقة، والفقه هو إدراك الأشياء الدّقيقة.a فحصل تفصيل الآيات للمؤمنين وانتفى الانتفاع به للمشركين، ولذلك قال بعدَ هذا {أية : إنّ في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 99].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ} الآية. ولم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة، ولكنه بين في مواضع أخر أن كيفيته أنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم زوجها حواء، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1] وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف: 189] الآية.

الواحدي

تفسير : {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} يعني: آدم {فمستقر} أَيْ: فلكم مستقرٌّ في الأرحام {ومستودع} في الأصلاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةٍ} {ٱلآيَاتِ} (98) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَنْشَأَ البَشَرَ، وَخَلَقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ نَفْسُ آدَمَ، إِذْ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ (وَهُوَ تُرَابٌ خَالَطَهُ مَاءٌ)، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها (حَوَّاءَ)، وَبَثَّ البَشَرَ جَمِيعاً مِنْهُمَا بِالتَّزَاوُجِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، وَذَلِكَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَمَقَرُّ النُّطْفَةِ صُلْبُ الرَّجُلِ، وَمُسْتَوْدَعُها رَحْمُ الأُنْثَى (فَتَخْرُجُ النُّطْفَةُ مِنْ مُسْتَقَرِّهَا فِي الأَصْلاَبِ وَتُسْتَوْدَعُ فِي الأَرْحَامِ فَيَتَخَلَّقُ البَشَرُ). وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ فَصَّلَ الآيَاتِ وَبَيَّنَها لِمَنْ يَفْقَهُونَ، لأَِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَعُونَ كَلاَمَ اللهِ، وَيَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ. مُسْتَقَرُّ النُّطْفَةِ - فِي أَصْلاَبِ الذُّكُورِ (وَقِيلَ لاَ بَلْ فِي الأَرْحَامِ). وَمُسْتَوْدَعُها - فِي أَرْحَامِ الإِنَاثِ (وَقِيلَ لاَ بَلْ تُسْتَودَعُ فِي أَصْلاَبِ الذُّكُورِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد تكلم سبحانه لنا - أولاً - عن الآيات المحيطة بنا والتي بها قوام حياتنا من فلق الحب والنوى، وبعد ذلك تكلم عن الشمس والقمر، ثم تكلم عن النجوم، كل هذه آيات حولنا، ثم يتكلم عن شيء في ذواتنا ليكون الدليل أقوى، إنه - سبحانه - يأتي لك بالدليل في ذاتك وفي نفسك؛ لأن هذا الدليل لا يحتاج منك إلى أن تمد عينيك إلى ما حولك، بل الدليل في ذاتك ونفسك، يقول سبحانه: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. أي يكفي أن تجعل من نفسك عَالَماً، هذا العلم موجود فيه كل ما يثبت قدرة الحق، وأحقيته بأن يكون إلهاً واحداً، وإلهاً معبوداً. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ينطبق على هذا القول أنه إخبار من الله، وأنه - أيضاً - استقراء في الوجود، الذي نسميه التنازل للماضي؛ لأنك لو نظرت إلى عدد العالم في هذا القرن، ثم نظرت إلى عدد العالم في القرن الذي مضى تجده نصف هذا العدد، وإذا نظرت إليه في القرن الذي قبله، تجده ربع تعداد السكان الحاليين. وكلما توغلت في الزمن الماضي وتذهب فيه وتبعد، يقل العدد ويتناهى إلى أن نصل إلى {نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، وهذا ما ذكره الله لنا، ولقائل أن يقول: كيف تكون نفساً واحدة وهو القائل: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49]. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى خلق النفس الواحدة، وأوضح أيضاً أنه خلق من النفس الواحدة زوجها، ثم بدأ التكاثر. إذن فالاستقراء الإحصائي في الزمن الماضي يدل على صدق القضية. وكذلك كل شيء متكاثر في الوجود من نبات ومن حيوان. تجدها تواصل التكاثر وإن رجعت بالإحصاء إلى الماضي تجد أن الأعداد تقل وتقل إلى أن تنتهي إلى أصل منه التكاثر إنّه يحتاج إلى اثنين: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير : [يس: 36]. ولماذا جاء الحق هنا بقوله: {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ولم يقل زوجين؟ أوضح العلماء أن ذلك دليل على الالتحام الشديد؛ لأننا حين نكون من نفس واحدة فكلنا - كل الخلق - فيها أبعاض من النفس الواحدة، وقلنا من قبل: إننا لو أتينا بسنتيمتر مكعب من مادة ملونة حمراء مثلاً ثم وضعناها في قارورة، ثم رججنا القارورة نجد أن السنتيمتر المكعب من المادة الحمراء قد ساح في القارورة وصار في كل قطرة من القارورة جزء من المادة الملونة، وهب أننا أخذنا القارورة ووضعناها في برميل، ثم رججنا البرميل جيداً سنجد أيضاً أن في كل قطرة من البرميل جزءاً من المادة الملونة، فإذا أخذنا البرميل ورميناه في البحر فستنساب المادة الملونة ليصير في كل قطرة من البحر ذرة متناهية من المادة الملونة. إذن ما دام آدم هو الأصل، وما دمنا ناشئين من آدم، وما دام الحق قد أخذ حواء من آدم الحي فصارت حية، إذن فحياتها موصولة بآدم وفيها من آدم، وخرج من آدم وحواء أولاد فيهم جزء حي، وبذلك يردنا الحق سبحانه إلى أصل واحد؛ ليثير ويحرك فينا أصول التراحم والتواد والتعاطف. ويقول سبحانه: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} والمستقر له معان متعددة يشرحها الحق سبحانه وتعالى في قرآنه. وفي قصة عرش بلقيس نجد سيدنا سليمان يقول: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} تفسير : [النمل: 38]. وأجاب على سيدنا سليمان عفريت من الجن، وكذلك أجاب من عنده علم من الكتاب. ويقول الحق سبحانه: {أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} تفسير : [النمل: 40]. مستقر هنا إذن تعني حاضراً؛ لأن العرش لم يكن موجوداً بالمجلس بل أحضر إليه. وفي مسألة الرؤية التي شاءها الحق لسيدنا موسى عليه السلام: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} تفسير : [الأعراف: 143]. ونعلم أن جبريل كان له استقرار قبل الكلام، إذن فـ "استقر" تأتي بمعنى حضر، وتأتي مرة أخرى بمعنى ثبت. والحق يقول: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف: 24]. وذلك بلاغ عن مدة وجودنا في الدنيا، وكذلك يقول الحق: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} تفسير : [الفرقان: 24]. إذن فالجنة أيضاً مستقر، وكذلك النار مستقر للكافرين، يقول عنها الحق: {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66]. إذن فمستقر تأتي بمعنى حاضر، أو ثابت، أو كتعبير عن مدَّة وزمن الحياة في الدنيا، والجنة أيضاً مستقر، وكذلك النار. ولذلك اختلف العلماء ونظر كل واحد منهم إلى معنى، منهم من يقول: "مستقر" في الأصلاب ثم استودعنا الحق في الأرحام. ومنهم من رأى أن "مستقر" مقصود به البقاء في الدنيا ثم نستودع في القبور. ونقول: إن الاستقرار أساسه "قرار" حضور أو ثبات، وكل شيء بحسبه، وفيه استقرار يتلوه استقرار يتلوه استقرار إلى أن يوجد الاستقرار الأخير، وهو ما يطمع فيه المؤمنون. وهذا هو الاستقرار الذي ليس من بعده حركة، أما الاستقرار الأول في الحياة فقد يكون فيه تغير من حال إلى حال، لقد كنا مستقرين في الأصلاب، ثم بعد ذلك استودعنا الحق في الأرحام، وكنا مستقرين في الدنيا ثم استودعنا. في القبور. حتى نستقر في الآخرة. إن كل عالم من العلماء أخذ معنى من هذه المعاني. والشاعر يقول: شعر : وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوماً أن ترد الودائع تفسير : ونلحظ أن هناك كلمة "مُسْتَقَرّ" وكلمة "مستودع"، و"مستودع" هو شيء أوقع غيره عليه أن يودع. ولكن "مُسْتَقَرّ" دليل على أن المسألة ليست خاضعة لإرادة الإنسان. فكل واحد منا "مُسْتَقَرّ" به. ويقول الحق: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} والتفصيل يعني أنه جاء بالآيات مرة مفصلة ومرة مجملة؛ لأن الأفهام مختلفة، وظروف الاستقبال للمعاني مختلفة، فتفصيل الآيات أريد به أن يصادف كل تفصيل حالة من حالات النفس البشرية؛ لذلك لم يترك الحق لأحد مجالاً في ألا يفقه، ولم يترك لأحد مجالاً في ألا يتعلم، ونلحظ أن تذييل الآيتين المتتابعتين مختلف؛ فهناك يقول سبحانه: {أية : قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأنعام: 97]. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98]. و"الفقه" هو أن تفهم، أي أن يكون عندك ملكة فهم تفهم بها ما يقال لك علْماً، فالفهم أول مرحلة والعلم مرحلة تالية. وأراد الحق بالتفصيل الأول في قوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}الدعوة للنظر في آيات خارجة عن ذات الإنسان، وهنا أي في قوله سبحانه: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} لفت للنظر والتدبر في آيات داخلة في ذات الإنسان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} معناهُ فَمُسْتَقَرٌ فِي صُلْبِ الأَبِ ومُسْتَودعٌ فِي رَحمِ الأُمِ.

همام الصنعاني

تفسير : 833- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الآية: 98] قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب. 834- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عَنْ إسْماعِيلَ بن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في الآخرة. 835- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ عُيَيْنَة، عن إسماعيل بن أخبي خال، عن قيس قال، قال ابنُ مَسْعُودٍ: إذا كان أَجَلُ الرجُل بأرض أنبت له إليْها حاجةً - فإذا بلغ أقْصَى أَثَرِهِ قُبِضَ، فتقول الأرض يوم القيامَة: هَذَا ما اسْتَوْدَعتنِي.