Verse. 888 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَہُوَالَّذِيْۗ اَنْزَلَ مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً۝۰ۚ فَاَخْرَجْنَا بِہٖ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَاَخْرَجْنَا مِنْہُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْہُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا۝۰ۚ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِہَا قِنْوَانٌ دَانِيَۃٌ وَّجَنّٰتٍ مِّنْ اَعْنَابٍ وَّالزَّيْتُوْنَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِہًا وَّغَيْرَ مُتَشَابِہٍ۝۰ۭ اُنْظُرُوْۗا اِلٰى ثَمَرِہٖۗ اِذَاۗ اَثْمَــرَ وَيَنْعِہٖ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكُمْ لَاٰيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُوْنَ۝۹۹
Wahuwa allathee anzala mina alssamai maan faakhrajna bihi nabata kulli shayin faakhrajna minhu khadiran nukhriju minhu habban mutarakiban wamina alnnakhli min talAAiha qinwanun daniyatun wajannatin min aAAnabin waalzzaytoona waalrrummana mushtabihan waghayra mutashabihin onthuroo ila thamarihi itha athmara wayanAAihi inna fee thalikum laayatin liqawmin yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا» فيه التفات عن الغيبة «به» بالماء «نبات كل شيء» ينبت «فأخرجنا منه» أي النبات شيئا «خَضِرا» بمعنى أخضر «نخرج منه» من الخضر «حبا متراكبا» يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها «ومن النخل» خبر ويبدل منه «من طلعها» أول ما يخرج منها والمبتدأ «قنوان» عراجين «دانية» قريب بعضها من بعض «و» أخرجنا به «جناتِ» بساتين «من أعناب والزيتون والرمان مشتبها» ورقهما حال «وغير متشابه» ثمرها «انظروا» يا مخاطبون نظر اعتبار «إلى ثمره» بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب «إذا أثمر» أول ما يبدو كيف هو «و» إلى «ينعه» نضجه إذا أدرك كيف يعود «إن في ذلكم لآيات» دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره «لقوم يؤمنون» خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين.

99

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه. واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضاً نعم بالغة، وإحسانات كاملة، والكلام إذا كان دليلاً من بعض الوجوه، وكان إنعاماً وأحساناً من سائر الوجوه. كان تأثيره في القلب عظيماً، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن هذه الطريقة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ظاهر قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } يقتضي نزول المطر من السماء، وعند هذا اختلف الناس، فقال أبو علي الجبائي في «تفسيره»: إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء، والعدول عن الظاهر إلى التأويل، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره. وأما قول من يقول: إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض. ثم تصعد وترتفع إلى الهواء، فينعقد الغيم منها ويتقاطر، وذلك هو المطر، فقد احتج الجبائي على فساده من وجوه: الأول: أن البرد قد يوجد في وقت الحر، بل في صميم الصيف، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد، وذلك يبطل قولهم. ولقائل أن يقول: إن القوم يجيبون عنه فيقولون: لا شك أن البخار أجزاء مائية وطبيعتها البرد، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب، فيهرب البرد إلى باطنه، فيقوى البرد هناك بسبب الاجتماع، فيحدث البرد، وأما في وقت برد الهواء يستولي البرد على ظاهر السحاب، فلا يقوى البرد في باطنه، فلا جرم لا ينعقد جمداً بل ينزل ماء، هذا ما قالوه. ويمكن أن يجاب عنه بأن الطبقة العالية من الهواء باردة جداً عندكم، فإذا كان اليوم يوماً بارداً شديد البرد في صميم الشتاء، فتلك الطبقة باردة جداً، والهواء المحيط بالأرض أيضاً بارد جداً، فوجب أن يشتد البرد، وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتة، وحيث شاهدنا أنه قد يحدث فسد قولكم، والله أعلم. الحجة الثانية: مما ذكره الجبائي أنه قال: إن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء، بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل أملس كسقوف الحمامات المزججة. أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير، فإذا تصاعدت البخارات في الهواء، وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات، وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء. ولقائل أن يقول: القوم يجيبون عنه: بأن هذه البخارات إذا تصاعدت وتفرقت، فإذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت، والبرد يوجب الثقل والنزول، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى النزول، والعالم كروي الشكل، فلما رجعت من الصعود إلى النزول، فقد رجعت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت، فحصل من اتصال بعض تلك الذرات بعض قطرات الأمطار. الحجة الثالثة: ما ذكره الجبائي قال: لو كان تولد المطر من صعود البخارات، فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار، فوجب أن يدوم هناك نزول المطر، وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا فساد قولهم. قال: فثبت بهذه الوجوه، أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض، ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة، وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى، فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة، وأما المسلمون. فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة، وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد، فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية على أن الماء إنما ينزل من السماء، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر، فوجب القول بحمله على ظاهره، ومما يؤكد ما قلناه: أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء. قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُوراً }تفسير : [الفرقان: 48] وقال: {أية : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنفال: 11] وقال: {أية : وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } تفسير : [النور: 43] فثبت أن الحق، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء. ثم ينزلها إلى السحاب. ثم من السحاب إلى الأرض. والقول الثاني: المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء. والقول الثالث: أنزل من السحاب ماء وسمى الله تعالى السحاب سماء، لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت، فهذا ما قيل في هذا الباب. المسألة الثانية: نقل الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السموات، فالقول به مشكل والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } فيه أبحاث: البحث الأول: ظاهر قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ }تفسير : [البقرة: 22] فلا فائدة في الإعادة. البحث الثاني: قال الفراء: قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } ظاهره يقتضي أن يكون لكل شيء نبات. وليس الأمر كذلك، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات، فإذا كان كذلك، فالذي لا نبات له لا يكون داخلاً فيه. البحث الثالث: قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بعد قوله: {أَنَزلَ } يسمى التفاتاً. ويعد ذلك من الفصاحة. واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة. وما بينوا أنه من أي الوجوه يعد من هذا الباب؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } تفسير : [يونس: 22] فلا فائدة في الإعادة. والبحث الرابع: قوله: {فَأَخْرَجْنَا } صيغة الجمع. والله واحد فرد لا شريك له، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه، فإنما يكنى بصيغة الجمع، فكذلك ههنا. ونظيره قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ}تفسير : [الدخان: 3]. {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً}تفسير : [نوح: 1]. {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ}تفسير : [الحجر: 9]. أما قوله: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } فقال الزجاج: معنى خضر، كمعنى أخضر، يقال أخضر فهو أخضر وخضر، مثل أعور فهو أعور وعور. وقال الليث: الخضر في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين: حيث قال: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } فالذي ينبت من الحب هو الزرع، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضاً في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع، وهو المراد بقوله: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } وهو الزرع، كما رويناه عن الليث. وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولاً ويكون السنبل في أعلاه وقوله: {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } يعني يخرج من ذلك الخضر حباً متراكباً بعضه على بعض في سنبلة واحدة، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى، وهو القسم الثاني فقال: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوٰنٌ دَانِيَةٌ } وههنا مباحث: البحث الأول: أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل. وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفاً مطولاً. البحث الثاني: روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال: أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض، والأغريض يسمى طلعاً أيضاً. قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة، الواحدة طلعة. وأما {قِنْوانٌ } فقال الزجاج: القنوان جمع قنو. مثل صنوان وصنو. وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع. إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول: قوله: {قِنْوٰنٌ دَانِيَةٌ } قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها. وروي عنه أيضاً أنه قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] ولم يقل سرابيل تقيكم البرد، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني، فكذا ههنا وقيل أيضاً: ذكر الدانية في القريبة، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر. والبحث الثالث: قال صاحب «الكشاف» {قِنْوانٌ } رفع بالابتداء {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ } خبره {وَمِنْ طَلْعِهَا } بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه تقديره، ومخرجه من طلع النخل قنوان. ومن قرأ يخرج منه {حب متراكب } كان { قِنْوانٌ } عنده معطوفاً على قوله: {حُبَّ } وقرىء {قِنْوٰنٌ } بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير. ثم قال تعالى: {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ عاصم: {جَنَّـٰتُ } بضم التاء، وهي قراءة علي رضي الله عنه: والباقون {جَنَّـٰت } بكسر التاء. أما القراءة الأولى فلها وجهان: الأول: أن يراد، وثم وجنات من أعناب أي مع النخل والثاني: أن يعطف على {قِنْوانٌ } على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله: {نَبَاتَ كُلّ شَىْء } والتقدير: وأخرجنا به جنات من أعناب، وكذلك قوله: {أية : وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ }تفسير : [الأنعام: 141] قال صاحب «الكشاف»: والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ } تفسير : [النساء: 162] لفضل هذين الصنفين. والبحث الثاني: قال الفراء: قوله: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } يريد شجر الزيتون، وشجر الرمان كما قال: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ }تفسير : [يوسف: 82] يريد أهلها. البحث الثالث: اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار. النخل والعنب والزيتون والرمان، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من بقية طينة آدم» تفسير : وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم بعده يظهر الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة. ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلى في المجلدات، والخمر، وإن كان الشرع قد حرمها، ولكنه تعالى قال في صفتها: {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } ثم قال: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } فأحسن ما في العنب عجمه. والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه، وأما الزيتون فهو أيضاً كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل أيضاً عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال. وأما الرمان فحاله عجيب جداً، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: قشره وشحمه وعجمه وماؤه. أما الأقسام الثلاثة الأول وهي: القشر والشحم والعجم، فكلها باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات، وأما ماء الرمان، فبالضد من هذه الصفات. فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة موصوفة بالكثافة التامة الأرضية، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفاً باللطافة والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم. واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات، واكتفي بذكرها تنبيهاً على البواقي، ولما ذكرها قال تعالى: {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } وفيه مباحث: الأول: في تفسير {مُشْتَبِهاً } وجوه: الأول: أن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل، مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل. ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس. الثاني: أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية. وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنه يكون مختلفاً في الطعم، والثالث: قال قتادة: أوراق الأشجار تكون قريبة من التشابه. أما ثمارها فتكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة، والرابع: أقول إنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة. وعلى هذا التقدير: فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه. والبحث الثاني: يقال: اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً، وقرىء {مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ }. والبحث الثالث: إنما قال مشتبهاً ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير: والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله:شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن أجل الطوى رماني تفسير : ثم قال تعالى: {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي {ثَمَرِهِ } بضم الثاء والميم، وقرأ أبو عمرو {ثَمَرِهِ } بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم. أما قراءة حمزة والكسائي: فلها وجهان: الوجه الأول: وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا: خشبة وخشب. قال تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } تفسير : [المنافقون: 4] وكذلك أكمة وأكم. ثم يخففون فيقولون أكم. قال الشاعر:شعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : والوجه الثاني: أن يكون جمع ثمرة على ثمار. ثم جمع ثماراً على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم: رسل ورسل. وأما قراءة الباقين فوجهها: أن الثمر جمع ثمرة، مثل بقرة وبقر، وشجرة وشجر، وخرزة وخرز. والبحث الثاني: قال الواحدي: الينع النضج. قال أبو عبيدة: يقال ينع يينع، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل. وقال الليث: ينعت الثمرة بالكسر، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعاً وينعاً بفتح الياء، وينعاً بضم الياء، والنعت يانع ومونع. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {وَيَنْعِهِ } بضم الياء، وقرأ ابن محيصن {ويانعه}. والبحث الثالث: قوله: {مُتَشَـٰبِهٍ ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها. وقوله: {وَيَنْعِهِ } أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية. ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة. ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ لأَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } قال القاضي: المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }. ولقائل أن يقول: بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية، فكأن قائلاً قال: لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية؟ فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان، فكأنه قيل: هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلاً، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي المطر. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي كل صِنف من النبات. وقيل: رزق كل حيوان. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} قال الأخفش: أي أخضر؛ كما تقول العرب: أرِينها نمرة أرِكْها مِطرة. والخِضر رطب البقول. وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسُّلت والذّرة والأرز وسائر الحبوب. {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} أي يُركّب بعضه على بعض كالسنبلة. الثانية: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} ابتداء وخبر. وأجاز الفرّاء في غير القرآن «قِنْواناً دانيةً» على العطف على ما قبله. قال سيبويه: ومن العرب من يقول: قُنوان. قال الفرّاء: هذه لغة قيس، وأهل الحجاز يقولون: قِنوان، وتميم يقولون: قنيان؛ ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قِنْوٌ وقَنْوٌ. والطَّلْع الكُفُرَّى قبل أن ينشق عن الإغريض. والإغريض يسمى طلعاً أيضاً. والطلع؛ ما يُرى من عِذْق النخلة. والقِنوان: جمع قِنو، وتثنيته قِنْوان كصِنو وصِنوانِ (بكسر النون). وجاء الجمع على لفظ الاثنين. قال الجوهري وغيره: الاثنان صِنوانِ والجمع صنوانُ (برفع النون). والقِنْو: العذْق والجمع القِنوان والأقناء؛ قال:شعر : طويلـة الأَقْنــاء والأثاكِــلِ تفسير : غيره: «أقناء» جمع القلة. قال المهدوِيّ: قرأ ابن هُرْمز «قَنوان» بفتح القاف، وروي عنه ضمها. فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مُكَسّر، بمنزلة ركب عند سيبويه، وبمنزلة الباقِر والْجَامِل؛ لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع، وضمّ القاف على أنه جمع قِنو وهو العِذق (بكسر العين) وهي الكباسة، وهي عنقود النخلة. والعَذْق (بفتح العين) النخلة نفسُها. وقيل: القِنوان الجُمّار. {دَانِيَةٌ} قريبة، ينالها القائم والقاعد. عن ابن عباس والبَرَاء بن عازب وغيرهما. قال الزجاج: منها دانِية ومنها بعيدة؛ فحذف؛ ومثله {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]. وخصّ الدانية بالذكر، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة، والامتنانُ فيما يقربُ متناوَلُه أكثر. الثالثة: قوله تعالى: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} أي وأخرجنا جنات. وقرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش، وهو الصحيح من قراءة عاصم «وجناتٌ» بالرفع. وأنكر هذه القراءةَ أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم: هي محال؛ لأن الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس: والقراءة جائزة، وليس التأويل على هذا، ولكنه رفع بالابتداء والخبرُ محذوف؛ أي ولهم جنات. كما قرأ جماعة من القرّاء «وَحُورٌ عِينٌ». وأجاز مثل هذا سيبويه والكِسائيّ والفرّاء؛ ومثله كثير. وعلى هذا أيضاً «وحُوراً عِيناً» حكاه سيبويه، وأنشد:شعر : جئْنِي بمثلِ بنِي بَدْرٍ لقومهم أو مثلَ أُسْرةِ مَنْظورِ بن سيّارِ تفسير : وقيل: التقدير «وجنات من أعناب» أخرجناها؛ كقولك: أكرمت عبد الله وأخوه، أي وأخوه أكرمت أيضاً. فأمّا الزيتون والرمّان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك. وقيل: «وجنّاتٌ» بالرفع عطف على «قِنوان» لفظاً، وإن لم تكن في المعنى من جنسها. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي متشابهاً في الأوراق؛ أي ورق الزيتون يُشبه ورق الرمان في اشتماله على جميع الغُصْن وفي حجم الورق، وغير متشابه في الذَّوَاق؛ عن قتادة وغيرهِ. قال ابن جُريج: «مُتَشابِهاً» في النظر «وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ» في الطعم؛ مثل الرمّانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف. وخصّ الرمان والزيتون بالذِّكرِ لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }تفسير : [الغاشية: 17]. ردّهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه. الرابعة: قوله تعالى: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} أي نظر الاعتبار لا نظر الإبصار المجرَّد عن التفكُّر. وٱلثمر في اللغة جَنَى الشجر. وقرأ حمزة والكسائيّ «ثُمُره» بضم الثاء والميم. والباقون بالفتح فيهما جمع ثَمَرة، مثل بَقَرة وبقر وشجرة وشجر. قال مجاهد: الثّمَر أصناف المال، والتَّمَر ثمر النخل. وكأنّ المعنى على قول مجاهد: ٱنظروا إلى الأموال التي يتحصل منه الثمر؛ فالثُّمُر بضمتين جمع ثمار وهو المال المُثَمَّر. وروي عن الأعمش «ثُمْره» بضم الثاء وسكون الميم؛ حذفت الضمة لثقلها طلباً للخفة. ويجوز أن يكون ثُمْر جمع ثَمَرة مثلُ بدَنَة وبُدْن. ويجوز أن يكون ثُمُر جمع جمع، فتقول: ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر. ويجوز أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخُشُب لا جمع الجمع. الخامسة: قوله تعالى: {وَيَنْعِهِ} قرأ محمد بن السَّمَيْقَع «ويانعه». وٱبن مُحَيْصِن وٱبن أبي إسحاق «ويُنْعِه» بضم الياء. قال الفرّاء: هي لغة بعضِ أهل نجد؛ يقال: يَنَعَ الثمر يَيْنَعِ، والثمر يانع. وأينع يونع (والتمر مُونِع). والمعنى ونُضْجِه. يَنَع وأينع إذا نَضِج وأدرك. وقال الحجاج في خطبته: أرى رؤوساً قد أيْنَعَتْ وحان قِطافها. قال ابن الأنباريّ: اليَنْع جمع يانع، كراكب ورَكْب، وتاجر وتَجْر، وهو المدرك البالغ. وقال الفرّاء: أيْنع أكثرُ من يَنَع، ومعناه أحمر؛ ومنه ما روي في حديث المُلاَعَنة: «حديث : إن ولدته أحمر مثل اليَنَعة»تفسير : وهي خرزة حمراء، يقال: إنه العقيق أو نوع منه. فدلت الآية لمن تدبر ونظر ببصره وقلبه، نظر من تفكّر، أن المتغيّرات لا بدّ لها من مغيّر؛ وذلك أنه تعالى قال: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}. فتراه أوّلا طَلْعا ثم إِغْريضاً إذا انشق عنه الطَّلْعُ. والإغريض يُسَمّى ضَحْكاً أيضاً، ثم بلحاً، ثم سَيَاباً، ثم جَدَالاً إذا ٱخضرّ واستدار قبل أن يشتدّ، ثم بُسْراً إذا عظم، ثم زَهْواً إذا ٱحمرّ؛ يقال: أزهى يُزهِي، ثم مُوَكِّتاً إذا بدت فيه نقط من الإرطاب. فإن كان ذلك من قِبَل الذَّنَب فهي مُذَنَّبَة، وهو التَّذْنُوب، فإذا لانت فهي ثَعْدة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مُجَزَّعة، فإذا بلغ ثلثيها فهي حُلْقَانة، فإذا عَمّها الإرطاب فهي مُنْسِبتة؛ يقال: رطب مُنْسَبِت، ثم ييبس فيصير تمراً. فنبّه الله تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرّها ووجودها بعد أن لم تكن على وحدانيته وكمال قدرته. وأن لها صانعاً قادراً عالماً. ودلّ على جواز البعث؛ لإيجاد النبات بعد الجفاف. قال الجَوْهَرِيّ: يَنَع الثمر يَيْنَع ويَيْنِع يَنْعاً ويُنْعاً ويُنُوعاً، أي نَضِجَ. السادسة: قال ابن العربيّ قال مالك: الإيناع الطِّيب بغير فساد ولا نقش. قال مالك: والنّقش أن يَنْقُش أهلُ البصرة الثمَر حتى يُرْطب؛ يريد يُثقب فيه بحيث يُسرع دخولُ الهواء إليه فيرطب معجّلاً. فليس ذلك اليَنْع المراد في القرآن، ولا هو الذي ربط به رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع، وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة. وفي بعض بلاد التِّين، وهي البلاد الباردة، لا يَنْضُج حتى يُدخَل في فمه عُود قد دُهن زيتاً، فإذا طاب حلّ بيعه؛ لأن ذلك ضرورة الهواء وعادةُ البلاد، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطِّيب. قلت: وهذا اليَنْع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة، هو عند طلوع الثُّرَيّا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المُعَلَّى بن أسد عن وهيب عن عِسْل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا طلعت الثُّرَيَّا صباحاً رُفعت العاهة عن أهل البلد»تفسير : . والثريا النجم، لا خلاف في ذلك. وطلوعها صباحاً لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار، وهو شهر مايه. وفي البخاريّ: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثُّرَيّا فيتبين الأصفرُ من الأحمر. السابعة: وقد استدلّ من أسقط الجوائح في الثمار بهذه الآثار، وما كان مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يَبْدُوَ صلاحها، وعن بيع الثمارَ حتى تذهب العاهة. قال عثمان بن سُراقة: فسألت ٱبن عمر متى هذا؟ فقال: طلوع الثريا. قال الشافعيّ: لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوَضْع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعْدُه، والأصل المجتمَع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، قال: ولو كنت قائلاً بوضع الجوائح لوضعتها في القليل والكثير. وهو قول الثَّوْرِيّ والكوفيين. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها؛ لحديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. أخرجه مسلم. وبه كان يقضي عمر بن عبد العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث. وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث؛ إلا أن مالكاً وأصحابه ٱعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعداً، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تَبَعاً، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذّر القليل من طِيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد. وكان أصْبَغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة، فإذا كانت القيمة الثلث فصاعداً وضع عنه. والجائحة ما لا يمكن دفعه عند ابن القاسم. وعليه فلا تكون السرقة جائحة، وكذا في كتاب محمد. وفي الكتاب أنه جائحة، وروي عن ابن القاسم، وخالفه أصحابه والناس. وقال مُطَرِّف وابن الماجِشون: ما أصاب الثمرة من السماء من عَفَن أو برد، أو عطش أو حرٍّ أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدمي فهو جائحة. واختُلف في العطش؛ ففي رواية ابن القاسم هو جائحة. والصحيح في البقول أنها فيها جائحة كالثمرة. ومن باع ثمراً قبل بَدْو صلاحه بشرط التبقية فُسخ بيعه وردّ؛ للنهي عنه، ولأنه من أكل المال بالباطل؛ لقوله عليه السلام: «حديث : أرأيت إن منع الله الثمرة فبِم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق»تفسير : ؟ هذا قول الجمهور، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة. وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بَدْو الصلاح بشرط القطع. ومنعه الثَّوْرِيّ وابن أبي لَيْلَى تمسُّكاً بالنهي الوارد في ذلك. وخصّصه الجمهور بالقياس الجلِيّ؛ لأنه مبيع معلوم يصحّ قبضه حالة العقد فصحّ بيعه كسائر المبيعات.

البيضاوي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء} من السحاب أو من جانب السماء. {فَأَخْرَجْنَا} على تلوين الخطاب. {بِهِ} بالماء. {نَبَاتَ كُلّ شَيْء} نبت كل صنف من النبات والمعنى: إظهار القدرة في إنبات الأنواع المختلفة المفننة المسقية بماء واحد كما في قوله سبحانه وتعالى: {يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ } ونفضل بعضها على بعض في الأكل. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} من النبات أو الماء. {خُضْرًا} شيئاً أخضر يقال أخضر وخضر كأعور وعور، وهو الخارج من الحبة المتشعب. {نُّخْرِجُ مِنْهُ } من الخضر. {حَبّاً مُّتَرَاكِباً } وهو السنبل. {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوٰنٌ } أي وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان، أو من النخل شيء من طلعها قنوان، ويجوز أن يكون من النخل خبر قنوان ومن طلعها بدل منه والمعنى: وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو الأعذاق جمع قنو كصنوان جمع صنو. وقرىء بضم القاف كذئب وذؤبان وبفتحها على أنه اسم جمع إذ ليس فعلان من أبنية الجمع. {دَانِيَةٌ } قريبة من المتناول، أو ملتفة قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها. {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ } عطف على نبات كل شيء. وقرأ نافع بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثم جنات أو من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على {قِنْوٰنٌ } إذ العنب لا يخرج من النخل. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } أيضاً عطف على نبات أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم. {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } حال من الرمان، أو من الجميع أي بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه في الهيئة والقدر واللون والطعم. {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ} أي ثمر كل واحد من ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء والميم، وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب، أو ثمار ككتاب وكتب. {إِذَا أَثْمَرَ} إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلاً لا يكاد ينتفع به. {وَيَنْعِهِ} وإلى حال نضجه أو إلى نضيجة كيف يعود ضخماً ذا نفع ولذة، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت. وقيل جمع يانع كتاجر وتجر. وقرىء بالضم وهو لغة فيه ويانعه. {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لآيات دالة على وجود القادر الحكيم وتوحيده، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به والرد عليه فقال. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ} أي الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله. وسماهم جناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم، أو الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية. ومفعولا {جَعَلُواْ} {للَّهِ شُرَكَاء} والجن بدل من {شُرَكَاء } أو {شُرَكَاء} الجن و {لِلَّهِ} متعلق بـ {شُرَكَاء }، أو حال منه وقرىء {ٱلْجِنَّ} بالرفع كأنه قيل: من هم فقيل الجن، و {ٱلْجِنَّ} بالجر على الإِضافة للتبيين. {وَخَلَقَهُمْ} حال بتقدير قد، والمعنى وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق. وقرىء {وَخَلَقَهُمْ} عطفاً على {ٱلْجِنَّ} أي وما يخلقونه من الأصنام، أو على شركاء أي وجعلوا له اختلافهم للإِفك حيث نسبوه إليه. {وَخَرَقُواْ لَهُ} افتعلوا وافتروا له. وقرأ نافع بتشديد الراء للتكثير. وقرىء «وحرفوا» أي وزوروا. {بَنِينَ وَبَنَاتٍ} فقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت العرب الملائكة بنات الله. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه ويروا عليه دليلاً، وهو في موضع الحال من الواو، أو المصدر أي خرقاً بغير علم. {سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } وهو أن له شريكاً أو ولداً. {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أو إلى الظرف كقولهم: ثبت الغدر بمعنى أنه عديم النظير فيهما، وقيل معناه المبدع وقد سبق الكلام فيه، ورفعه على الخبر والمبتدأ محذوف أو على الابتداء وخبره. {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي من أين أو كيف يكون له ولد. {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} يكون منها الولد. وقرىء بالياء للفصل أو لأن الاسم ضمير الله أو ضمير الشأن. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا تخفى عليه خافية، وإنما لم يقل به لتطرق التخصيص إلى الأول، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: (الأول) أنه من مبدعاته السموات والأرضون، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء نظيره ولا نظير له فلا ولد. (والثاني) أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين والله سبحانه وتعالى منزه عن المجانسة. (والثالث) أن الولد كفؤ الوالد ولا كفؤ له لوجهين: الأول أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه. والثاني أنه سبحانه وتعالى لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره بالإِجماع. {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ. {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض بدلاً أو صفة والبعض خبراً. {فَٱعْبُدُوهُ} حكم مسبب عن مضمونها فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء وَكِيلٌ} أي وهو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم ورقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها. {لاَّ تُدْرِكُهُ} أي لا تحيط به. {ٱلأَبْصَـٰرِ} جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها واستدل به المعتزلة على امتناع الرؤية وهو ضعيف، إذ ليس الإِدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عاماً في الأوقات فلعله مخصوص ببعض الحالات ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه مع أن النفي لا يوجب الامتناع. {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} يحيط علمه بها. {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار، ويجوز أن يكون من باب اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها. {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها لدلالة لأنها تجلي لها الحق وتبصرها به. {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي أبصر الحق وآمن به. {فَلِنَفْسِهِ} أبصر لأن نفعه لها. {وَمَنْ عَمِيَ} عن الحق وضل. {فَعَلَيْهَا} وباله. {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وإنما أنا منذر والله سبحانه وتعالى هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها، وهذا كلام ورد على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام. {وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} ومثل ذلك التصريف نصرف، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف، وهو نقل الشيء من حال إلى حال. {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} أي وليقولوا درست صرفنا واللام لام العاقبة، والدرس القراءة والتعليم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، وابن عامر ويعقوب درست من الدروس أي قدمت هذه الآيات وعفت كقولهم أساطير الأولين. وقرىء {دَرُسْتَ} بضم الراء مبالغة في درست ودرست على البناء للمفعول بمعنى قرئت، أو عفيت ودارست بمعنى درست أو دارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم، وجاز إضمارهم بلا ذكر لشهرتهم بالدراسة، ودرسن أي عنون ودرس أي درس محمد صلى الله عليه وسلم ودارسات أي قديمات أو ذوات درس كقوله تعالى: {فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. {وَلِنُبَيّنَهُ} اللام على أصله لأن التبيين مقصود التصريف والضمير للآيات باعتبار المعنى، أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوماً أو للمصدر. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءِ فَأَخْرَجْنَا } فيه التفات عن الغيبة {بِهِ } بالماء {نَبَاتَ كُلّ شَىْءٍ } ينبت {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } أي النبات شيئاً {خَضِرًا } بمعنى أخضر {نُّخْرِجُ مِنْهُ } (من الخَضِر) {حَبَّاً مُّتَرَاكِباً } يركب بعضه بعضاً كسنابل الحنطة ونحوها {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ } خبر، ويبدل منه {مِن طَلْعِهَا } أول ما يخرج منها. والمبتدأ {قِنْوٰنٌ } عراجين {دَانِيَةٌ } قريب بعضها من بعض {وَ} أخرجنا به {جَنَّٰتُ } بساتين {مِّنْ أَعْنَٰبٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً } ورقهما حال {وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ } ثمرهما {ٱنْظُرُواْ } يا مخاطبين نظر اعتبار {إِلِىٰ ثَمَرِهِ }. بفتح الثاء والميم، وبضمهما وهو جمع (ثمرة) كـ (شجرة) و(شجر) و(خشبة) و(خشب) {إِذَا أَثْمَرَ } أول ما يبدو كيف هو؟{وَ} إلى {يَنْعِهِ} نضجه إذا أدرك كيف يعود {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ لاَيَٰتٍ } دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين.

ابن عطية

تفسير : {السماء} في هذا الموضع السحاب، وكل ما أظلك فهو سماء، و {ماء} أصله موه تحركت الواو وانفتح ما قبلها فجاء ماه فبدلت الهاء بالهمزة لأن الألف والهاء ضعيفان مهموسان، وقوله: {نبات كل شيء} قال بعض المفسرين أي مما ينبت، وحسن إطلاق العموم في {كل شيء} لأن ذكر النبات قبله قد قيد المقصد وقال الطبري والمراد بـ {كل شيء} ما ينمو من جميع الحيوانات والنبات والمعادن وغير ذلك، لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزول الماء من السماء، والضمير في {منه} يعود على النبات، وفي الثاني يعود على الخضر، و {خضراً} بمعنى أخضر، ومنه قوله عليه السلام: "الدنيا خضرة حلوة" بمعنى خضراء. قال القاضي أبو محمد: وكأن "خضراً" إنما يأتي أبداً لمعنى النضارة وليس للون فيه مدخل، وأخضر إنما تمكنه في اللون، وهو في النضارة تجوز، وقوله: {حباً متراكباً} يعم جميع السنابل وما شاكلها كالصنوبر، والرمان وغيرها من جميع النبات، وقوله تعالى: {ومن النخل} تقديره ونخرج من النخل و {من طلعها قنوان} ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول بنخرج، و "الطلع" أول ما يخرج من النخلة في أكمامه، و {قنوان} جمع قنو وهو العِذق بكسر العين وهي الكباسة، والعرجون عوده الذي ينتظم التمر، قرأ الأعرج "قنوان" بفتح القاف، وقال أبو الفتح ينبغي أن يكون اسماً للجمع غير مكسر لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع قال المهدوي وروي عن الأعرج ضم القاف، وكذلك أنه جمع "قُنو" بضم القاف، قال الفراء وهي لغة قيس وأهل الحجاز، والكسر أشهر في العرب، وقنو يثنى قنوان منصرفة النون، و {دانية} معناه قريبة من المتناول، قاله ابن عباس والبراء بن عازب والضحاك وقيل قريبة بعضها من بعض، وقرأ الجمهور "وجناتٍ" بنصب جَنات عطفاً على قوله نبات، وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى ورويت عن أبي بكر عن عاصم "وجناتٌ" بالرفع على تقدير ولكم جنات أو نحو هذا، وقال الطبري وهو عطف على قنوان. قال القاضي أبو محمد: وقوله ضعيف و {الزيتون والرمان} بالنصب إجماعاً عطفاً على قوله: {حباً}، {ومشتبها وغير متشابه} قال قتادة: معناه تتشابه في اللون وتتباين في الثمر، وقال الطبري: جائز أن تتشابه في الثمر وتتباين في الطعم، ويحتمل أن يريد تتشابه في الطعم وتتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة بالاعتبار في أنواع الثمرات، وقوله تعالى: {انظروا} وهو نظر بصر يترتب عليه فكرة قلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم "إلى ثَمَره" بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة كبقرة وبقر وشجرة وشجر، وقرأ يحيى بن وثاب ومجاهد "ثُمُره" بضم الثاء والميم قالا وهي أصناف المال. قال القاضي أبو محمد: كأن المعنى انظروا إلى الأموال التي تتحصل منه، وهي قراءة حمزة والكسائي، قال أبو علي والأحسن فيه أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب وأكمة وأكم، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : تَرَى الأكْمَ فيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ تفسير : نظيره في المعتل لابة ولوب وناقة ونوق وساحة وسوح. ويجوز أن يكون جمع جمع فتقول ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر، وقرأت فرقة "إلى ثُمْره" بضم الثاء وإسكان الميم كأنها ذهبت إلى طلب الخفة في تسكين الميم، والثمر في اللغة جنى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر ثماراً فتجوز، وقرأ جمهور الناس و "يَنعه" بفتح الياء وهو مصدر ينع يينع إذا نضج، يقال ينع وأينع, وبالنضج فسر ابن عباس هذه الآية, ومنه قول الحجاج "إني لأرى رؤوساً قد أينعت", ويستعمل ينع بمعنى استقل واخضر ناضراً، ومنه قول الشاعر: [المديد] شعر : في قبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَة حَوْلَها الزّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا تفسير : وقيل في {ينعه} إنه جمع يانع مثل في تاجر وتجر وراكب وركب ذكره الطبري، وقرأ ابن محيصن وقتادة والضحاك "ويُنعه" بضم الياء أي نضجه، وقرأ ابن أبي عبلة واليماني. "ويانعه"، وقوله {إن في ذلكم لآيات} إيجاب تنبيه وتذكير وتقدم تفسير مثله.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ} رزق كل شيء من الحيوان، أو نبات كل شيء من الثمار. {خَضِراً} زرعاً خضراً. {مُّتَرَاكِباً} سنبلاً تراكب حبه. {قِنْوَانٌ} جمع قنو وهو الطلع، أو العذق. {دَانِيَةٌ} من مجتنيها لقصرها، أو قرب بعضها من بعض. {مُشْتَبِهاً} ورقه مختلفاً ثمره، أو {مُشْتَبِهاً} لونه، مختلفاً طعمه. {ثَمَرِهِ} الثُّمر جمع ثمار، والثَّمر جمع ثمرة، أو الثُّمُر المال، والثَمَر ثمر النخل، قرىء بهما. {وَيَنْعِهِ} نضجه وبلوغه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وهو الذي أنزل من السماء ماء} يعني المطر وقيل إن الله ينزل المطر من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض {فأخرجنا به} يعني بالماء الذي أنزلناه من السماء {نبات كل شيء} يعني كل شيء ينبت وينمو من جميع أصناف النبات، وقيل معناه أخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء غذاء كل شيء من: الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم مما يتغذون به فينبتون عليه وينمون {فأخرجنا منه خضراً} يريد أخضر مثل عور وأعور. والأخضر هو جميع الزروع والبقول الرطبة {نخرج منه حباً متراكباً} يعني: يخرج من ذلك الأخضر سنابل فيها الحب يركب بعضها فوق بعض مثل: سنبل القمح والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب وفي تقديم الزرع على النخيل دليل على الأفضلية ولأن حاجة الناس إليه أكثر لأنه القوت المألوف {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} يعني من ثمرها. يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها وطلعها كفراها قبل أن ينشق عن الإغريض. والإغريض: يسمى طلعاً أيضاً وهو ما يكون في قلب الطلع والطلع أول ما يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان يكون فيه العذق فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقاً وهو القنو وجمعه قنوان مثل: صنو وصنون. دانية أي قريبة التناول ينالها القائم والقاعد وقال مجاهد: متدلية. وقال الضحاك: قصار ملتصقة بالأرض وفيه اختصار وحذف تقديره ومن النخل ما قنوانها دانية قريبة ومنها ما هي بعيدة عالية فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لشدة الاهتمام بها ولأنها أسهل تناولاً من البعيدة لأن البعيدة تحتاج إلى كلفة {وجنات من أعناب} يعني وأخرجنا من ذلك بساتين من أعناب {والزيتون والرمان} يعني وأخرجنا شجرة الزيتون وشجر الرمان {مشتبهاً} قال قتادة مشتبهاً ورقها مختلفاً ثمرها لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان {وغير متشابه} يعني ومنها غير متشابه في الورق والطعم. واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع وإنما قدم الزرع على سائر الأشجار لأن الزرع غذاء وثمار أشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه وإنما قدم النخلة على غيرها لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء، وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار وإنما ذكر العنب عقب النخلة؛ لأنها من أشرف أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثيرة في الأكل وسائر وجوه الاستعمال ثم ذكر عقيبه الرمان لما فيه من المنافع أيضاً لأنه فاكهة ودواء ثم قال تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} يعني ونضجه وإدراكه. والمعنى انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف أخرج الله تعالى هذه التمرة الرطبة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو قوله: {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} يعني يصدقون أن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم وإنما احتج الله عليهم بتصريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعاً ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها وإخراج سائر أنواع النبات والثمار منها وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى ليبين أنه تعالى كذلك قادر على أن يحييهم بعد موتهم ويبعثهم يوم القيامة فاحتج عليهم بهذه الأشياء لأنهم كانوا ينكرون البعث.

ابن عادل

تفسير : وهذا نَوْعٌ خَامِسٌ من الدَّلائِل على كمال قُدْرَتِهِ تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خَلقِهِ. قوله: "فَأخْرَجْنَا" فيه التِفَاتٌ من غيبة إلى تَكَلُّم بنون العظمة والباء في "به" للسَّببية. وقوله: {نَبَات كُلِّ شَيْءٍ} قيل: المراد كُلّ ما يسمّى نباتاً في اللغة. قال الفراء: "رزق كل شيء، أي: ما يصلح أن يكون غِذَاءً لكل شَيءٍ، فيكون مَخْصُوصاً بالمتغذى به". وقال الطَّبري: "هو جميع ما يَنْمُوا من الحيوان والنبات والمعادن؛ لأن كل ذلك يَتَغَذَّى بالماء". ويترتب على ذلك صِنَاعَةٌ إعرابية وذلك أنَّا إذا قُلْنَا بقول غير الفراء كانت الإضافة رَاجِعَةٌ في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، إذ يصير المعنى على ذلك: فَأخْرَجْنَا به كُلَّ شيء مُنْبَتٍ، فإن النبات بمعنى المُنْبَتِ، وليس مصدراً كهو في {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [نوح:17] وإذا قلنا بقول الفراء: كانت الإضافة إضافة بين مُتباينين؛ إذ يصير المعنى غذاء كل شيء أو رزقه، ولم ينقل أبو حيان عن الفراء غير هذا القول والفرَّاء له في هذه الآية القَولانِ المُتقدِّمان، فإنه قال: "رزق كل شيء" قال: وكذا جاء في التفسير، وهو وَجْهُ الكلام، وقد يجوز في العربية أن تضيف النبات إلى كُلّ شيء، وأنت تريد بكُلِّ شيء النَّبَات أيضاً، فيكون مثل قوله: "حَقّ اليَقينِ واليقين هو الحق". فصل في دحض شبهة للمعتزلة هذه الآيةُ تقتضي نُزُولَ المَطَرِ في السماء. قال الجُبَّائِيُّ: إن الله - تبارك وتعالى - ينزل الماء من السَّماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض لظاهر النَّصِّ قال بعض الفَلاسِفَةِ: إن البُخَارَاتِ الكثيرة تجتمع في بَاطِنِ الأرض، ثم تَصْعَدُ، وترتفع إلى الهواء، فينعقد الغَيْمُ منها، ويَتَقَاطَرُ، وذلك هو المَطَرُ، فقيل: المراد أنزل من جانب السماء ماءً. وقيل: ينزل من السحاب، وسمي السحاب سماء؛ لأن العربَ تُسَمِّي كل ما فَوْقَكَ سماء كسماءِ البيت. ونقل الواحديُّ في "البسيط" عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يريد بالماء هاهُنَا المَطَرَ، ولا تنزل نقطة من الماء إلا ومعها مَلَكٌ. قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} يَدُلُّ على أنَّ إخْراجَ النَّباتِ بواسطة الماء، وذلك يوجب القَوْلَ بالطَّبع، والمتكلمون ينكرونه. قال الفراء: هذا الكلام يَدُلُّ على أنه أخرج به نبات كل شيء، وليس الأمر كذلك،وكأن المراد: فأخرجنا [به نبات كل شيء له نبات، وإذا كان كذلك فالذي لا نبات له لا يكون داخلاً فيه وقوله: "فأخرجنا"] بعد قوله: "أنزل" فيه الْتِفَاتٌ، وهو من الفَصَاحةِ مذكور في قوله تبارك وتعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس:22]. وقوله تبارك وتعالى: "فأخْرَجْنَا" هذه النون تسمى نون العَظَمَةِ لا نون الجمع كقوله: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً} تفسير : [نوح:1] {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر:9] {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر:1] قوله: "فَأخْرَجْنَا مِنْهُ" في الهاء وجهان: أحدهما: أن يعود على النَّبَاتِ، وهو الظاهر، ولم يذكر الزمخشري غيره، وتكون "من" على بابها من كونها لابتداء الغاية، أو تكون "من" للتبعيض، وليس كذلك. والثاني: يَعودُ على الماء، وتكون "من" سَبَبِيَّةً. وذكر أبو البقاء - رحمه الله تعالى - الوَجْهَيْنِ، فقال: "فَأخْرَجْنَا مِنْهُ" أي: بسببه، ويجوز أن تكون الهاء في "منه" راجعةً على النبات، وهو الأشبه، وعلى الأول يكون "فأخْرَجْنَا" بدلاً من "أخْرَجْنَا" الأول أي: أنه يكتفى في المعنى بالإخبار بهذه الجملة الثانية، وإلا فالبدلُ الصناعي لا يظهر، فالظاهر أن "فأخرجنا" عطف على "فأخرجنا" الأول. وقال أبو حيان: وأجاز أبو البقاء - رحمه الله تعالى - أن يكون بدلاً من "فأخرجنا". قلت: إنما جعله بَدَلاً بِنَاءً على عَوْدِ الضمير في "منه" على الماء فلا يَصِحُّ أن يحكى عنه أنه جَعَلَهُ بدلاً مطلقاً؛ لأن البدليَّة لا تتصَوَّرُ على جعل الهاء في "منه" عائدةً على النبات، والخَضِرُ بمعنى الأخْضَر كـ "عَوِر" و"أعور". قال أبو إسحاق: يقال: أخضر يخضر فهو خضر وأخضر كـ "أعور" فهو عَوِر وأعور. والخُضْرَة أحد الألوان، وهو بين البياض والسواد ولكنها إلى السَّوادِ أقرب، وكذلك أطْلِقَ الأسود على الأخضر، وبالعكس، ومنه "سواد العراق" لِخُضْرَةِ أرضه بالشجر، وقال تبارك وتعالى: {أية : مُدْهَآمَّتَانِ} تفسير : [الرحمن:64] أي: شَديدتَا السواد لريِّهِمَا، والمُخاضَرَةُ مُبايَعَةُ الخُضَرِ والثمار قبل بلوغها، والخضيرة: نخلة ينتثر بُسْرُهَا أخضر. وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إيَّاكُمْ وخَضْرَاءَ الدِّمَنِ" تفسير : فقد فَسَّرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : المَرْأةُ الحَسْنَاءُ في المَنْبَتِ السُّوءِ"تفسير : والدِّمنُ: مَطَارحُ الزِّبَالَةِ، وما يُسْتَقْذّرُ، فقد يَنْبُت منها ما يَسْتَحْسِنُهُ الرائي. قال اللَّيْثُ: الخضر في كتاب الله الزَّرْعُ والكلأ، وكل نبت من الخضر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز، والمراد بهذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أوّلاً، وتكون السُّنْبُلَةُ مركبةً عليه من فوقه قوله: "نُخْرِجُ مِنْهُ" أي: من الخضر. والجمهور على "نخرج" مُسْنَداً إلى ضمير المعظم نفسه. وقرأ ابن محيصن والأعمش: "يخرج" بياء الغيبة مبنياً للمفعول و "حَبٌّ" قائم مقام فاعله، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفةً لـ "خَضِراً" وهذا هو الظاهر، وجوّزوا فيها أن تكون مُسْتَأنَفَةً، و "متراكب" رفعاً ونصباً صفة لـ "حب" بالاعتبارين، والمعنى أن تكون الحبَّات متراكبةً بعضها فوق بعض، مثل [سَنَابِلِ] البُرِّ والشعير والأرز، وسائر الحبوب، ويحصل فوق السُّنْبُلَةِ أجسام دقيقة حادة كأنها الإبَرُ، والمقصود [من تخليقها مَنْعُ الطير من التِقَاطِ تلك الحبَّاتِ المتراكبة. قوله: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ} يجوز في هذه الجملة أوجه:] أحسنها: أن يكون "من النخل" خبراً مقدماً، و "من طلعها" بدل بعض من كل بإعادة العامل، فهو كقوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} تفسير : [الأحزاب:21]. و "قِنْوَانٌ" مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة ابتدائية عطفت على الفعلية قبلها. الثاني: أن يكون "قِنْوان" فاعلاً بالجار قبله، وهو "من النخل" و "من طلعها" على ما تقدَّم من البدليَّة، وذلك على رأي الأخفش. الثالث: أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُعِ، يعني أن كلاًّ من الجارَّيْنِ يطلب "قنوان" على أنه فاعل على رأي الأخفش، فإن أعملت الثاني، وهو مختار قول البصريين أضمرت في الأوَّل، وإن أعملت الأوَّل كما هو مختار قول الكوفيين أضمرت في الثاني. قال أبو البقاءِ: والوجه الآخر أن يرتفع "قنوان" على أنه فاعل "من طلعها" فيكون في "من النخل" ضمير يفسره "قنوان" وإن رفعت ["قنوان"] بقوله: "ومن النخل" على قول من أعمل أول الفعلين جاز، وكان في "من طلعها" ضمير مرفوع قلت: فقد أشار بقوله: على أنه فاعل "من طلعها" إلى إعمال الثاني. الرابع: أن يكون "قنوان" مبتدأ، و"من طلعها" الخبر، وفي "من النخل" ضمير، تقديره ونبت من النخل شيء أو ثمر، فيكون "من طلعها" بدلاً منه. قاله أبو البقاء رحمه الله، وهذا كلام لا يصح؛ لأنه بعد أن جعل "من طلعها" الخبر، فكيف يجعله بدلاً؟ فإن قيل: يجعله بدلاً منه؛ لأن "من النخل" خبر للمبتدأ. فالجواب: أنه قد تقدَّم هذا الوجه، وجعله مقابلاً لهذا، فلا بد أن يكون هذا غيره، فإنه قال قبل ذلك: وفي رفعه وجهان: أحدهما: هو مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما: هو "من النخل"، و "من طلعها" بدل بإعادة الجار. قال أبو حيان: وهذا إعراب فيه تخليط. الخامس: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر لدلالة "أخرجنا" عليه، تقديره: ومخرجه من طلع النخل "قنوان". هذا نص الزمخشري، وهو كما قال أبو حيان لا حاجة إليه؛ لأن الجملة مُسْتَقِلَّةٌ في الإخبار بدونه. السادس: أن يكون "من النخل" متعلقاً بفعل مقدر، ويكون "من طلعها قنوان" جملة ابتدائية في موضع المفعول بـ "نخرج" وإليه ذهب ابن عطية، فإنه قال: "ومن النخل" تقديره: "نخرج من النخل"، و "من طلعها قنوان" ابتداء خبر مقدم، والجملة موضع المفعول بـ "نخرج". قال الشيخ: وهذا خطأ؛ لأن ما يتعدى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله إلا إذا كان الفعل مما يعلق، وكان في الجملة مَانِعٌ يمنع من العمل في شيء من مفرداتها على ما شرح في النحو، و " نخرج" ليس مما يعلّق، وليس في الجملة ما يمنع من العمل في مفرداتها؛ إذ لو سُلِّطَ الفعل على شيء من مفردات الجملة لكان التركيب: ويخرج من النخل من طلعها قنوان [بالنصب مفعولاً به. وقال أبو حيَّان: ومن قرأ "يخرج منه حبّ متراكب" جاز أن يكون قوله "ومن النخل من طلعها قنوان"] معطوفاً عليه نحو: ضرب في الدار زيد وفي السوق عمرو أي: إنه يعطف "قنوان" على حب "ومن النخل" على "منه"، ثم قال: "وجاز أن يكون مبتدأ وخبراً وهو الأوجه". والقنوان جمع لـ "قِنْو"، كالصِّنْوَان جمع لـ "صِنُو" والقِنْو: العِذْق بكسر العين وهو عُنْقُودُ النخلة، ويقال له: الكِبَاسَةُ. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 2268- وَفَرْع يُغَشِّي المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِمٍ أثِيثٍ كَقِنُوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ تفسير : وقال الآخر [الطويل]: شعر : 2269- سَوَامِقُ جَبَّارٍ أثِيثٍ فُرُوُعُهُ وعَالَيْنَ قِنْوَاناً مِنَ البُسْرِ أحْمَرَا تفسير : والقنوان: جمع تكسير. قال أبو علي: الكسرة التي في قنوان ليست التي في "قِنْو"؛ لأن تلك حذفت في التكسير، وعاقبتها كسرة أخرى كما قُدِّرَ تَغَيُّرُ كسرة "هِجَان" جمعاً عن كَسْرته مفرداً، فكسرة "هجان" جمعاً ككسرة "ظِرَاف". قال الواحدي - رحمه الله -: وهذا مما تُوَضِّحُهُ الضمة في آخر "منصُور" على قول من قال "يا حارُ" يعني بالضمة ليست التي كانت فيه في قول من قال: "يا حَار" يعني بالكسر. وفي لغات: فَلُغَةُ "الحجاز": "قِنْوان" بكسر القاف، وهي قراءة الجمهور وقرأ الأعمش، والحباب عن أبي عمرو - رضي الله عنه -، والأعرج بضمها، ورواها السمي عن علي بن أبي طَلْحَةَ، وهي لغة "قَيْس". ونقل ابن عطية عكس هذا، فجعل الضم لغة "الحجاز"، فإنه قال: "وروي عن الأعرج ضم القاف على أنه جمع "قُنْو" بضم القاف". قال الفراء: "وهي لغة "قيس"، وأهل "الحجاز"، والكسر أشهر في العرب". واللغة الثالثة "قَنْوَان" بفتح القاف، وهي قراءة أبي عمرو - رحمه الله تعالى - في رواية هارون عنه، وخرَّجها ابن جني على أنها اسم جمع "قنو" لا جمعاً؛ إذ ليس في صِيَغِ الجموع ما هو على وَزْن "فَعْلان" بفتح الفاء، ونظَّره الزمخشري بـ "رَكْب"، وأبو البقاء - رحمه الله بـ "الباقر"، وتنظير أبي البقاء أوْلَى؛ لأنه لا خلاف في "الباقر" أنه اسم جمع، وأما "رَكْب" فيه خلاف لأبي الحسن مشهور، ويَدُلُّ على ذلك أيضاً شيء آخر وهو أنه قد سمع في المفرد كسر القاف، وضمها، فجاء الجمع عليهما، وأما الفتح فلم يَرِدْ في المفرد. واللغة الرابعة "قنيان" بضم القاف مع الياء دون الواو. والخامسة: "قِنْيان" بكسر القاف مع الياء أيضاً، وهاتان لغتا "تميم" و "ربيعة". وأما المفرد فلا يقولونه بالياء أصلاً، بل بالواو، سواء كسروا القاف أم ضموها، فلا يقولون إلا قِنْواً وقُنْواً، ولا يقولون: قِنْياً ولا قُنْياً، فخالف الجمع مفرده في الماة، وهو غريب، واختلف في مدلول "القِنْو"؛ فقيل: هو الجُمَّار، وهذا يكاد يكون غَلَطاً، وكيف يوصف بكونه دانياً؛ أي: قريب الجَنَى والجُمَّارُ إنما هو في قَلْبِ النخلة؟ والمشهور أنه العِذْقُ كا تقدم ذلك. وقال ابن عباس: يريد العراجينَ الَّتي قد تدلّت من الطلع دَانِيَةً ممن يَجْتَنيها. وروي عنه أنه قال قصار النخل اللاصقة عُذُوقها بالأرض. قال الزجاج ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن ذِكْرَ أحد القسمين يَدُلُّ على الثاني، لقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل:81]، ولم يقل: سرابيل تقيكم البرد. وقيل أيضاً: ذكر الدانية القريبة، وترك البعيدة؛ لأن النعمة في القريبة أكثر. قال أبو عبيد: "وإذَا ثَنَّيْتَ "قِنْواً" قلت: قِنْوانِ بكسر النون ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل: صِنْو وصِنْوَان، والإعراب على النون في الجمع [وليس لهما في كلام العرب نظير؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2270- ................... ومال بِقِنوانٍ البُسْرِ أحْمَرَا تفسير : قال شهاب الدين: إذا وقف على "قنوان" المُثَنّى رفعاً، وعلى "قنوان" جمعاً وقع الاشتراك اللفظي، ألا ترى أنك إذا قلت "عندي قنوان" وقفاً احتمل ما ذكرته في التثنية والجمع، وإذا وصلت وقع الفرق، فإنك تجعل الإعراب على النون حال جمعه كغِرْبَان وصردان، وتكسر النون في التثنية، ويقع الفرق أيضاً بوجوه أخر: منها انقلاب الألف ياء نصباً وجراً في التثنية نحو رأيت قِنْويك وصنويْكَ، ومررت بِقنويْك وصِنْوَيْك. ومنها: حذف نون التثنية إضافة وثبوت النون في الجمع]. نحو: جاء قنواك وصنواك [وقنوانك وصنوانك] ومنها في النسب فإنك تحذف علامتي التثنية، فتقول: قنوي وصنوي، ولا تحذف الألف والنون إذا أردت الجمع بل تقول: قنواني وصنواني، وهذان اللفظان في الجمع تكسيراً يشبهان الجمع تصحيحاً، وذلك أن كُلاًّ منهما لحق آخره علامتان في حال الجمع مزيدتان، ولم يتغير معهما بناء الواحد، والفرق ما تقدم. وأيضاً فإن الجمع من قِنْوان وصِنْوَان إنما فهمناه من صيغة فعلان، لا من الزيادتين، بخلاف "الزيدين" فإن الجمع فهمناه منهما، وهذا الفصل الذي ذكرته من محاسن علم الإعراب والتصريف واللغة. وقال الراغب: بعد أن ذكر أنه العِذق: والقناة تُشْبِهُ القِنْوَ في كونهما غُصْنَيْنِ، وأما القناة التي يجري فيها الماء قيل لها ذلك؛ لأنها تشبه القناة في الخطِّ والامتداد. وقيل: أصلة من قَنَيْتُ الشيء إذا ادّخرته؛ لأنها مُدَّخرة للماء. وقيل: هو من قَانَاهُ أي: خالطه. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 2271- كبِكْرِ مُقَانَاةِ البيَاضِ بِصُفْرَةٍ غَذَاهَا نُمَيْرُ المَاءِ غَيْرَ مَحَلِّلِ تفسير : وأمَّا "القَنَا" الذي هو الاحْدِيدابُ في الأنْفِ فَيُشَبَّهُ في الهيئة بالقنا يقال: رجل أقْنَى، وأمرأةٌ قَنْوَاء، كأحْمَر وحمراء. والطَّلْعُ: أوَّل ما يخرج من النَّخْلة في أكْمامِهِ. قال أبو عبيد: الطَّلْعُ: الكُفُرَّى قبل أن تَنْشَقَّ عن الإغريض والإغْريضُ يسمى طلعاً يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها تطلع إطلاعاً وطلع الطلع يطلع طلوعاً؛ ففرقوا بين الإسنادين، وأنشد بعضهم في مراتب ما تثمره النخل قول الشاعر: [الرجز] شعر : 2272- إنْ شِئْتَ أنْ تَضْبِطَ يَا خَلِيلُ أسْمَاء مَا تُثْمِرُهُ النَّخِيل فَاسْمَعْهُ مَوْصُوفاً عَلَى مَا أذْكُرُ طَلْعٌ وبَعْدَهُ خلالٌ يَظْهَرُ وبَلَحٌ ثُمَّ يَلِيهِ بُسْرُ ورُطَبٌ تَجْنِيهِ ثُمَّ تَمْرُ فَهَذِهِ أنْواعُهَا يَا صِاحِ مَضْبُوطَةً عَنْ صَاحِبِ الصِّحَاحِ تفسير : قوله: "وجَنَّاتٍ" الجمهور على كَسْرِ التاء من "جنات"؛ لأنها مَنْصُوبة نَسَقاً على "نبات" أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عَطْفِ الخاصِّ على العام تشريفاً لهذين الجنسين على غيرهما كقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة:98] وعلى هذا فقوله: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ} جملة معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيماً للْمِنَّةِ به لأنه من أعظم قُوتِ العرب، ولأنه جامع بين التَّفَكُّهِ والقوت. ويجوز أن ينتصب "جنات" نسقاً على "خَضِراً"، وجوز الزمخشري - وجعلهُ الأحسن - أن ينتصب على الاختِصَاصِ، كقوله: {أية : وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [الحج:35]. قال: "لفضل هذين الصِّنفين" وكلامه يفهم أن القراءة الشهيرة عنده رفع "جَنَّات" والقراءة بنصبهما شاذَّة، فإنه أوَّل ما ذكر توجيه الرَّفْع كما سيأتي، ثم قال: وقرئ "وجنات" بالرفع وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف، واختلفت عبارة المعربين في تقديره فمنهم من قدَّرهُ متأخراً ومنهم من قدَّرَهُ متقدماً؛ فقدَّره الزمخشري متقدماً أي: وثمَّ جنات، وقدره أبو البقاء: ومن الكَرْمِ جنَّاتٌ، وهذا تقدير حسن لِمُقابلةِ قوله: "ومِنَ النَّخْل" أي: من النخل كذا، ومن الكرم كذا، وقدَّرهُ النَّحَّاسُ "ولَهُمْ جنَّاتٌ"، وقدره ابن عطية: "ولكن جنَّات". ونظيره قوله في قراءته {أية : وَحُورٌ عِينٌ} تفسير : [الواقعة:22] بعد قوله: {أية : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ} تفسير : [الواقعة:17، 18] أي: ولهم حُورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويه، والكسائي، والفراء. وقدره الزمخشري، وأبو حيان متأخراً؛ فقال: أي: وجنات من أعناب أخْرجناها قال الشيخ: ودلَّ على تقديره قوله قبل: "فأخْرَجْنَا" كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه، أي: وأخوه أكرمته. قال شهاب الدين: وهذا التَّقديرُ سَبَقَهُ إليه ابن الأنْبَارِيّ، فإنه قال: "الجنَّات" رفعت بمضمر بعدها تأويلها: وجنات من أعناب أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب "أكرمت عبد الله وأخوه" تريد وأخوه أكرمته. قال الفرزدق: [الطويل] شعر : 2273- غَدَاةَ أحَلَّتْ لابْنِ أصْرَمَ طَعْنَةٌ حُصَيْنٍ عَبِيطاتِ السِّدائِفِ والخَمْرُ تفسير : فرفع "الخمر" وهي مفعولة على معنى: والخمر أحَلَّها الطَّعْنَة. والوجه الثاني: أن يرتفع عَطْفاً على "قِنْوان" تغليباً للجوار؛ كقول الشاعر: [الوافر] شعر : 2274- ................... وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا تفسير : فنسق "العيون" على "الحواجب" تَغْلِيباً للمُجَاورةِ، والعيون لا تُزَجَّج كما أن الجنَّاتِ من الأعناب لا يَكُنَّ من الطَّلْع، هذا نص مذهب ابن الأنباري أيضاً، فَتَحَصَّلَ له في الآية الكريمة مذهبان، وفي الجملة فَالجواب ضَعيفٌ وقد تقدَّم أنه من خَصَائِصِ النَّعْتِ. والثالث: أن يُعطف على "قنوان". قال الزمخشري: على معنى مُحَاطَة أو مخرجه من النخل قنوان، وجنات من أعناب أي من نبات أعناب. قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وهذا العَطْفُ على ألاَّ يلحظ فيه قَيْدٌ من النخل، فكأنه قال: ومن النخل قِنْوانٌ دانية، وجنات من أعناب حَاصِلة، كما تقول: "من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش مُنْطَلِقان". قال شهاب الدين رحمه الله: وقد ذكر الطبري أيضاً هذا الوَجْهَ أعني عَطْفَهَا على "قنوان"، وضعَّفَهُ ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء عطفه على "قنوان"، قال: "لأن العِنبَ لا يخرج من النخل". وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة قال أبو حاتم: "هذه القرءاة محال لأن الجنات من الأعناب لا تكون من النخل". قال شهاب الدين: أما جواب أبي البقاء فبما قاله الزمخشري. وأما جواب أبي عبيد وأبي حاتم فبما تقدَّم من تَوْجِيهِ الرفع، و "من أعناب" صفة لـ "جنات" فتكون في محلِّ رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق بمحذوف. قوله: "والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ" لم يقرأهما أحد إلاَّ مَنْصُوبَيْنِ، ونصبهما: إما عطف على "جنات"، وإما على "نبات" وهذا ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: وقرئ "وجنات" بالنصب عطفاً على "نبات كل شيء" أي: وأخرجنا به جنات من أعناب، وكذلك قوله: "والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ". ونص أبو البقاء على ذلك فقال: "وجنات" بالنصب عَطْفاً على "نبات" ومثله "الزيتون والرمان". وقال ابن عطية: عطفاً على "حبًّا" وقيل على "نبات" وقد تقدم أن في المعطوف الثالث فصاعداً احتمالين: أحدهما: عطفه على ما يليه. والثاني: عطفه على الأوَّل نحوه مررت بزيد وعمرو وخالد، فخالد يحتمل عطفه على زيد وعمرو، وقد تقدم أن فائدة الخلاف تظهر في نحو: "مررت بك وبزيد وبعمرو"، فإن جعلتهُ عطفاً على الأول لزمت الباء، وإلاَّ جَازتْ. و"الزَّيْتُون" وزنه "فَيْعُول" فالياء مزيدة، والنون أصْلِيَّة لسقوط تلك في الاشتقاق، وثبوت ذي، قالوا: أرض زتنَةٌ، أي: كثيرة الزيتون، فهو نظير قَيْصُوم، لأن فَعْلُولاً مفقود، أو نادرٌ ولا يتوهم أن تَاءَهُ أصلية ونونه مزيدة لدلالة الزَّيْتِ، فإنهما مادَّتانِ مُتغايرتان، وإن كان الزيت مُعْتصراً منه، ويقال: زاتَ طعامه، أي: جعل في زَيْتاً، وزاتَ رَأسَهُ أي: دَهَنَهُ به، وازْدَاتَ: أي ادَّهَنَ أبْدلت تاء الافتعال دالاً بعد الزاي كازْدَجَرَ وازْدَانَ. و "الرُّمَّان" وزنه فُعَّال نونه أصلية، فهو نظير: عُنَّاب وحُمَّاض، لقولهم: أرض رَمِنَهُ أي: كثيرَتُهُ. قال الفراء: قوله تعالى: {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} يريد شجر الزيتون، وشجر الرمان؛ كقوله تعالى: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82] يريد أهْلَهَا. فصل في معنى تقدم النخل على الفواكه في الآية ذكر تبارك وتعالى هاهنا أربعة أنواع من الأشْجَارِ: النخل والعنب والزيتون والرمان، وقدَّم الزرع على الشَّجرِ؛ لأن الزَّرْعَ غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مُقدَّمٌ، وقدم النخل على الفواكه؛ لأن الثمر يجري مُجْرَى الغذاءِ بالنسبة إلى العرب. قال الحكماء: بينه وبين الحيوان مُشابهةٌ في خواصَّ كثيرة لا توجد في النبات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أكْرِمُوا النَّخْلَةَ فإنَّهَا عَمَّتُكُمْ فإنَّها خُلِقَتْ مِنْ طينَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ". تفسير : وذكر العِنَب عقيبَ النخل؛ لأن العنب أشْرَفُ أنواع الفواكه؛ لأنه أول ما يظهر يصير مُنْتَفَعاً به إلى آخر الحال، فأول ما يظهر على الشجر خُيُوطٌ خُضْرٌ رقيقة حَامِضَةُ الطعم لذيذَةٌ، وقد يمكن اتِّخَادُ الصبائِغ منه، ثم يظهر بعده الحُصْرُمُ، وهو طعام شَريفٌ للأصْحِّاءِ والمَرْضَى، وقد يتخذون من الحصرم أشربة لطيفة المذاقِ نافعَةٌ لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، لأنه ألَذّ الطبائخ الحامضة، ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه [وأشهاها فيمكن ادِّخار العنب المعلق سنة أو أكثر وهو ألذ الفواكه] المُدَّخرة، ثم يخرج منه أربعة أنواع من المتناولات: وهي الزَّبِيبُ والدبْسُ والخَمْرُ والخَلُّ، ومنافع هذه الأربع لا تنحصر إلا في مجلدات والخمر فإن كان الشَّرْعُ قد حَرَّمَهَا، ولكنه تبارك وتعالى قال في صفتها: {أية : وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [البقرة:219] ثم قال: {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة: 219] والأطباء يتخذون من عجمه جوارشات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة، فتبيّن أن العنب كأنه سلطان الفواكه، وأما الزَّيْتُونُ فهو أيضاً كثير النَّفْعِ كثير البركة؛ لأنه يمكن تَنَاوُلُهُ كما هو، ونفصل عنه أيضاً دهن كثير عظيم النفع في الأكل، وسائر وجوه الاستعمال وأما الرمان فحاله عجيب جداً؛ لأنه جِسْمٌ مُرَكَّبٌ من أربعة أقسام: قشرة وشحمه وعجمه وماءه، فأما الأقسام الثلاثة وهي القشر والشحم والعجم، فهي باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عَفِصَةٌ قوية في هذه الصفات وأما ماءُ الرمان فبالضِّدِّ من هذه الصفات، فإنه ألَذُّ الأشْرِبَةِ وألْطَفُهَا، وأقربها إلى الاعتدال، وأشَدُّهَا مناسبة للطَّبائِع المعتدلة فيه تقوية للمِزَاج الضعيف, وهو غذاء من وَجْهٍ، ودواء من وجه آخر، فإذا تَأمَّلت في الرُّمَّان وجدت الأقسام الثلاثة في غاية الكثافةِ التامة الأرضية، ووجدت القسم الرابع وهو مَاءُ الرُّمَّانِ في غاية اللَّطَافَةِ والاعتدال، فكأنه تبَارك وتعالى جمع فيه بين المُتَضَادَّيْنِ المُتَغَايريْنِ، فكانت دلالة القدرة والحكمة فيه أكمل وأتم. نَبَّه تعالى بذكر هذه الأقسام الأربعة [التي هي أشرف أنواع النبات] على الباقي. قوله: "مُشْتَبِهاً" حالٌ؛ إما من "الرُّمَّان" لِقُرْبِهِ، وحذفت الحال من الأول؛ تقديره: والرمان مشتبهاً، ومعنى التشابه أي في اللَّوْنِ، وعدم التشابه أي في الطعم. وقيل: هي حال من الأول، وحذفت حال الثاني، وهذا كما تقدَّم في الخبر المحذوف، نحو: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة:62] وإلى هذا نحا الزمخشري، فإنه قال: تقديره: والزيتون مشتبهاً، وغير مشتبه، والرمان كذلك؛ كقول القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2275- رَمَانِي بأمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئاً....................... تفسير : أي: ولم يقل: مشتبهين اكتفى بوصف أحدهما أو على تقدير: "والزيتون مشتبهاً وغير متشابه، والرُّمَّان كذلك". قال أبو حيان: "فعلى قوله يكون تقدير البيت: كنت منه بريئاً، ووالدي كذلك، أي: بريئاً، والبيت لا يتَعيَّنُ فيه ما ذكره؛ لأن "بريئاً" على وزن "فعيل" كصديق ورفيق، فَصَحَّ أن يخبر به عن المفرد والمثنى والمجموع، فيحتمل أن يكون "بريئاً" خبر "كان" على اشتراك الضمير والظاهر المعطوف عليه فيه إذ لا يجوز أن يكون خبراً عنهما، ولا يجوز أن يكون حالاً عنهما، إذ لو كان كذلك لكان التركيب مشتبهين وغير مشتبهين". وقال أبُو البقاءِ: حَالٌ من "الرمان" ومن الجميع، فإن عَنَى في المعنى فصحيح، ويكون على الحذف، وكما تقدم فإن أراد بالصِّناعةِ، فليس بشيء؛ لأنه كأنه يلزم المطابقة. والجمهور على "مشتبهاً". وقرئ شاذاً "متشابهاً" وغير متشابه كالثانية، وهما بمعنى واحِدٍ قال الزمخشري: "كقولك اشتبه الشيئان، وتشابها كاسْتَوَيَا وتَساوَيَا والافتعال والتَّفَاعُل يشتركان كثيراً". انتهى وقد جمع بينهما في هذه الآية الكريمة في قوله "مشتبهاً وغير متشابه". فصل في معنى "متشابه" في الآية قال بعضهم: متشابه في اللون والشكل، ومع أنها تكون مُتشابِهَةً في الطعم واللَّذَّةِ، فإن الأعناب والرمان قد تكون مُتَشابِهَةً في الصورة واللون والشكل، مع أنها تكون مختلفةً في الحلاوةِ والحُمُوضَةِ. وقيل: إن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القِشْرِ والعجم متشابهة في الطعم والخَاصيَّة. وقال قتادة: مشتبهاً وَرَقُهَا مختلفاً ثمرها؛ لأن وَرَقَ الزيتون يشبه ورق الرمان. وقيل: إنك إذا أخذت عنقود العنب وجدْت جميع حبَّاتِهِ نَاضِجةً حلوة طيبة إلاَّ حبَّاتٍ مخصوصة لم تدرك، بل بقيت على أوَّل حالها في الحموضة والعُفُوصَةِ، وعلى هذا فبعض حبَّات ذلك العنقود متشابه، وبعضها غير متشابه. قوله: "إلَى ثَمَرِهِ" متعلق بـ "انظروا" وهو بمعنى الرُّؤية، وإنما تَعَدَّتْ بـ "إلى" لما تَتَضَمنَّهُ من التفكر. وقرأ الأخوان "ثُمُرِهِ" بضمتين، والباقون: فتحتين. وقرئ شاذاً بضم الأوّل، وسكون الثاني. وأما قراءة الأخوين فتحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون اسماً مفرداً؛ كطُنُب وعُنُق. والثاني: أنه جمع الجمع، فَثْمر جمع: ثمار، وثمار جمع ثَمَرة وذلك نحو: أكُم جمع إكَام، وإكَام جمع أكَمَة، فهو نظير كُثْبَان وكُثُب. والثالث: أنه جمع "ثَمَر" كا قالوا: أسَد وأسُد. والرابع: أنه جمع: ثمرة. قال الفارسي: "الأحْسَنُ أن يكون جمع ثَمَرَة، كخَشَبَة وخُشُب، وأكَمَة وأكُمُ، ونظيره في المعتل: لابَةٌ ولُوبٌ، وناقةٌ ونوقٌ، وسَاحَةٌ وسُوحٌ". وأما قراءة الجماعة، فالثَّمَر اسم جنس، مفرده ثمرة، كشجر وشجرة، وبقر وبقرة، وجَرَز وجَرَزَة. وأما قراءة التسكين فيه تخفيف قراءة الأخوين وقيل: بل هي جمع "ثمرة" كبُدْن جمع "بَدَنة"، ونقل بعضهم أنه يقال: ثمرة بزنة سمرة، وقياسها على هذا ثَمُر كَسَمُر بحذف التاء إذا قصد جمعه، وقياس تكسيره أثمار، كعضد وأعْضَاد. وقد قرأ عمرو الذي في سورة "الكهف" بالضم وسكون الميم، فهذه القرءاة التي هنا فَصِيحَةٌ كان قياس أبي عمرو أن يقرأهما شيئاً واحداً لولا أن القراءة مُسْتَنَدُهَا النقل. وقرا أبو عمرو والكسائي وقنبل "خُشْب" والباقون بالضم فهذه القراءة نظير تيك. وهذا الخلاف أعني في "ثمره" والتوجيه بعينه جارٍ في سورة يس [آية 35] وأما الذي في سورة "الكهف" ففيه ثلاث قراءات: فعاصم يقرؤه بفتحتين، كما يقرؤه في هذه السورة، وفي يس فاستمر على عَمَلٍ واحد، والأخوان يقرآنه بضمتين في السور الثلاث، فاستمر على عمل واحد، وأما نافع وابن كثير وابن عامر فقرأوا في "الأنعام" و "يس" بفتحتين، وقرأوا ما في "الكهف" بضمتين. وأما أبو عمرو فقرأ ما في "الأنعام" و "يس" بفتحتين، وما في "الكهف" بضمة وسكون، وقد ذكروا في توجيه الضمتين في "الكهف" ما لا يمكن أن يأتي في السورتين، وذلك أنهم قالوا في الكهف: الثُّمُر بالضم: المال، وبالفتح المأكول. قوله: "إذَا أثْمَرَ" ظرف لقوله: "انْظُرُوا" وهو يحتمل أن يكون متمحضاً للظرف، وأن يكون شرطاً، وجوابه محذوف أو متقدم عند من يرى ذلك أي: إذا أثمر فانظروا إليه. قوله: "وَيَنْعِهِ" الجمهور على فتح الياء مِنْ "يَنْعهِ" وسكون النون. وقرأ ابن محيصن بضم الياء، وهي قراءة قتادة والضحاك. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ واليماني: يانعة، ونسبها الزمخشري لابن محيصن، فيجوز أن يكون عنه قراءتان، والينعُ بالفتح والضم مصدر يَنَعَتِ الثمرة؛ أي: نضجت، والفتح لغة "الحجاز" والضم لغة بعض "نجد"، ويقال أيضاً: يُنُع بضم الياء والنون ويُنُوع بواو بعد ضمتين. وقيل: اليَنْعُ بالفتح جمع "يانع" كتاجر وتَجْر، وصاحب وصَحْب، ويقال: يَنَعت الثمرة، وأينعت ثلاثياً ورباعياً بمعنى. وقال الحجاج: "أرى رءوساً قد أيْنَعَتْ وحان قِطَافُهَا"، ويانع: اسم فاعل. وقيل: أينعت الثمرة وينعت احْمَرَّتْ قاله الفراء، ومنه الحديث في المُلاعَنَةِ: "حديث : إنْ ولدَتْهُ أحْمَرَ مِثْلَ اليَنَعَةِ"تفسير : . وهي خَرَزَةٌ حمراء، قيل: هي العَقيقُ، أو نوع منه ويقال: يَنَعَتْ تَيْنِع بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، هذا قول أبي عبيده وأنشد: [المديد] شعر : 2276- فِي قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا تفسير : وقال الليث بعكس هذا، أي بكسرها في الماضي، وبفتحها في المستقبل وأينعت فهي تينعُ وتَوْنَعُ إيناعاً ويَنَعاً بفتح الياء ويُنعاً بضم الياء، والنَّعت يَانِعٌ ومُونِعٌ. فإن قيل هذا في أول حال حدوث الثمرة، وقوله: "وينعه" أمر بالنظر في حَالِ تمامها وكمالها، والمقصود منه أنَّ هذه الثمار في أول حدوثها على صفات مخصوصة عند كمالها تنتقل إلى أحوال مُتَضَادَّةٍ للأحوال السابقة. قيل: إنها كانت مَوْصُوفَةً بالخضرة، فتصير سَوْدَاءَ، أو حمراء، أو صفراء، أو كانت مَوْصُوفَةً بالحموضة، وربما كانت في أوَّل الأمْرِ بَارِدَةً بحسب الطبيعة، فتصير في آخر الأمر حَارَّةً بحسب الطبيعة، فحصول هذه التّبَدُّلاتِ والتغيرات لا بُدّ له من سَبَبٍ ليس هو تأثير الطَّبائعِ والفُصُولِ والأنجم والأفلاك؛ لأن نِسْبَةَ هذه الأفعال بأسْرِهَا إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية مُتَشَابِهَةٌ، والنِّسَبُ المتشابهة لا يمكن ان تكون سبباً لِحُدُوثِ الحوادث المختلفة، ولما بَطَلَ إسْنادُ حدوث هذه الحوادث إلى الطَّبائع والأنْجُمِ والأفلاك، وجب إسْنَادُهَا إلى القادرِ الحكيم العليم المُدَبِّرِ لهذا العالم على وَفْقِ الرحمة والمصلحة والحكمة، فَنَاسَبَ ختام هذه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} للدلالة على ما تقدم في وَحْدَانِيَّتِهِ، وإيجاد المَصْنُوعَاتِ المختلفة من أنها ناَبِتَةً من أرض واحدة، وتُسْقَى بماء واحد، وهذه الدلائل إنما تَنْفَعُ المؤمنين دون غيرهم، كقوله تبارك وتعالى: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة:2] قال القاضي رحمه الله: المراد لمن يطلب الإيمان بالله - تبارك وتعالى -؛ لأنه لمن آمن ولمن لا يؤمن فإن قيل: لم أوقع الاختلاف بين الخَلْقِ في هذه المسْألةِ مع وجود مثل هذه الدلالة [الجلية القوية؟]. أجيب عنه بأن قولة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلاَّ إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان، فكأنه قيل: هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله تعالى في حقه بالإيمان. فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالةِ ألبتة أصلاً فكان المقصود من هذه التخصيص التنبيه على ما ذكرنا.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر وجوه الإبداع التفريعي من هذين الكونين وأسباب البقاء له بما ينشأ عنه الفصول وغيرها، أتبعه سببه القريب، وهو الماء الذي جعل منه كل شيء حي، فقال مفصلاً ما أجمله في الحب والنوى، سائقاً له مساق الإحسان لما قبله من الدلائل، فإن الدليل إذا كان على وجه الإحسان ومذكراً بالإنعام كان تأثيره في القلب عظيماً، فينبغي للمشتغل بدعوة الخلق أن يسلك هذا المسلك ليكون للقلوب أملك: {وهو} أي لا غيره {الذي أنزل} أي بقدرته وعلمه وحكمته {من السماء} أي الحقيقية التي تعرفونها كما دل عليه صريح العبارة وما أشبهها من ذكور الحيوان المنبه عليه بطريق الإشارة {ماء} أي منهمراً ودافقاً. ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه، نبه عليه بالانتقال إلى التكلم في مظهر العظمة فقال: {فأخرجنا} أي على ما لنا من العظمة التي لا يدانيها أحد {به} أي الماء {نبات كل شيء} مختلفة طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد، فالسبب واحد والمسببات كثيرة منفتة، سواء كان ذلك النبات حقيقياً من النجم والشجر، أو مجازياً من الأنثى والذكر؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالاً على العظمة: {فأخرجنا منه} أي النبات {خضراً} أي شيئاً أخضر غضاً طرياً، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة؛ ثم زاد في بيان عظمته بقوله: {نخرج} أي حال كوننا مقدرين أن نخرج {منه} أي من ذلك الخضر {حباً متراكباً} أي في السنبل يركب بعضه بعضاً ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ستره بالقشر بحسك طويل لطيف جداً كالإبر خشن، بعد أن كان أصله حبة واحدة على صورتها، أو منفتة في التراب بعد أن طوّره سبحانه في عدة أطوار، إن فاعل ذلك لقادر مختار. ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة خصوصاً وعموماً، فعلم أن الكل منه، وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن يؤمن من نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون، وبالعجز عن إبداعه عالمون، وبدأ بما بدأ به أولاً في آية الفلق من الحب؛ ثنى بما من النوى، فقال معبراً لذلك الأسلوب: {ومن النخل} وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل يدل على أن الزرع أفضل منه، فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات والغذاء مقدم على الفاكهة؛ فإنها خلقت من طينة آدم؛ ثم أبدل مما أجمل من ذلك قوله مبيناً: {من طلعها} أي النخل، وهو أول ما يخرج منها في أكمامه {قنوان} جمع قنو، وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة، والعرجون عوده الذي يكون فيه البسر {دانية} أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم وسهل لكم من صنعة الوصول إليها. ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب وغيرها ما لهم من معالجة النخيل، عطف على "نبات" منبهاً لهم على أنها - كالنخيل - هو سبحانه المتفرد بإبداعها كما تقدم - فقال: {وجنات} أي بساتين {من أعناب} وجمعها لكثرة أنواعها، وبدأ بهاتين الشجرتين لفضلهما كما تقدم على غيرهما، لأن ثمرهما فاكهة وقوت، وقدم الأول لأنهم له أكثر ملابسة، وإن كان العنب أشرف أنواع الفواكه، فإنه ينتفع به من أول ظهوره لأنه أولاً يكون له خيوط خضر دقيقة حامضة لذيذة، ثم تكون الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ منه رُبّ الحصرم وأشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، ويطبخ منه ألذ الأطعمة الحامضة، وهو عنباً ألذ الفواكه وأشهاها، ويدخر عنباً قريباً من سنة، ويكون زبيبه غذاء، ويكون منه الدِبس والخل وغير ذلك، وأحسن ما فيه عجمه، وهو يتخذ منه جوارشات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة وقدم النخيل لأنها قوت للعرب، وبينها وبين الإنسان مشابهة في خواص كثيرة لا توجد في النبات، ولذا جاء في الحديث "حديث : أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام، وليس من الشجر يلقح غيرها" تفسير : - رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه؛ وأتبعهما ما يليهما في الفضيلة فقال: {والزيتون} و قدمه لكثرة نفعه، وينفصل منه دهن عظيم النفع في الأكل والضياء وسائر وجوه الاستعمال {والرمان} ختم به لحسنه وعظيم نفعه، وهو مركب من أربعة أشياء: قشره وشحمه وعجمه ومائه، فالثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة عفصية فائضة جداً، والماء بضدها وهو ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطبع المعتدل، وفي ذلك تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه. ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف الفواكه وأعمها، وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه، وكان اشتباه بعضها واختلاف بعضها - مع كونها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة - دالاً على القدرة والاختيار، وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك بإثبات كمال القدرة التي هي منفية عن غيره، فلا يصح أن يكون له شريك، لأنه لا يكون إلا مشابهاً لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه، وللبعث فكان المراد التفكر في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد الوجود، ولمحاجة أهل الكتاب الموسومين بالعلم المنسوبين إلى حدة الأذهان وغيرهم من الفرق، وكان افتعل يأتي للتعريف، وهو المبالغة في إثبات أصل الفعل والاجتهاد في تحصيله والاعتمال، فكان حصوله إذا حصل أكمل، قال بانياً حالاً من كل ما تقدم: {مشتبهاً} أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى لا يكاد يتميز، فلو قطع ثمرتا شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه من ثمرة هذه، فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل، فإنه لمجرد مشاركة أمرين أو أكثر في أصل الفعل، فعلم أن التقدير: وغير مشتبه ومتشابهاً، ثم لما كان ربما تمسك القائل بالطبائع بهذه العبارة، نفى ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملاً في اشتباه بعضها ببعض فقال: {وغير متشابه} أي غير طالب للاشتباه مع أنه لا بد من شبه ما، فالآية من الاحتباك: أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده، وهو عدم التشابه، ولأجل أن الاشتباه أبلغ من التشابه، علق الأمر بالنظر الذي هو أثبت الحواس، ودلالة على أن المراد إنما هو ظاهر ذلك، لأنه كان في الدلالة على البعث والتوحيد الذي هذا سياقه فقال: {انظروا إلى ثمره} وهذا بخلاف الحرف الثاني، فإنه في سياق الرد على العرب فيما يجعلون من خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، ولذلك ختم الآية بالإذن لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه منه على أنفسهم، وبالأمر بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه، وأما الباطن الذي هو الأكل فسيأتي؛ ثم نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله: {إذا أثمر} أي حين يبدو من كمامه ضعيفاً قليل النفع أو عديمه {وينعه} أي وانظروا إلى إدراكه إذ أدرك وحان قطافه، ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك، لأنه يلزم من مراقبة الأول والآخر، فيعلم استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه وأشكاله وغير ذلك من شؤونه وأحواله، ويلزم من ذلك أيضاً النظر إلى أشجاره ليعلم تفاوت بعضها واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ذلك من سائر الأحوال، كما أن ذلك موجود في التمر، فاستناد هذه التبدلات والتغيرات ليس إلا إلى الفاعل المختار، لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على حد سواء، فلو استندت إليها لم تتغير. ولما كان اتخاذ هذه المذكورات أولاً والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها وألوانها ثانياً دالاً على كمال القدرة المستلزم للوحدانية، دل على عظمته بقوله مستأنفاً مشيراً بأداة البعد وميم الجمع: {إن في ذلكم} أي الأمر العظيم الشأن العالي الرتبة {لآيات} أي علامات على قدرة الصانع واختياره. ولما كانت الآيات لا تغني عمن أريدت شقاوته قال: {لقوم يؤمنون *} أي حكم بأنهم - بحذقهم ونشاطهم وقوتهم على ما يحاولونه - يجددون الإيمان كلما تأملوا في مصنوعات الله سبحانه وتعالى الدالة عليه المشيرة بكل لسان إليه. ولما كان المشركون على أصناف: منهم عدة أصنام، شركوا في العبودية لا في الخلق، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السلام ومنهم عبدة الكواكب وهم فريقان: منهم من قال: هي واجبة الوجود، ومنهم من قال: ممكنة، خلقها الله وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام بالأفول، ومنهم من قال: لهذا العالم كله إلهان: فاعل خير، وفاعل شر، وقالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور، ويلقبون الزنادقة وهم المجوس، لأن الكتاب الذي زعم زردشت أنه نزل من عند الله سمي بالزند، فالمنسوب إليه زندي، ثم عرب فقيل: زنديق، وكان هذا كله في قوله {فالق الإصباح} شرحاً لآية {إن الله فالق الحب والنوى} دلالة على تمام القدرة الدالة على الوحدانية للدلالة على البعث؛ حسن كل الحسن العود إلى تقبيح حال المشركين بالتعجيب منهم في جملة حالية من الضمير في {فالق} أو غيره مما تقدم، فقال تعالى شارحاً أمر هذا الصنف، لأن أمر غيرهم تقدم؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في الزنادقة: {وجعلوا} أي هو سبحانه فعل هذا الذي لا يدع لبساً في تمام علمه وقدرته وكمال حكمته ووحدانيته والحال أن الذي فعل ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم الأعظم وقدمه استعظاماً لأن يعدل به شيئاً {لله} أي الذي له جميع الأمر. ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة، قدمه فقال: {شركاء} يعني وما كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقاً، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن يكون له الصفة، وحكم الإنكار حكم النفي. ولما اهتز السامع من هذا التقديم لزيادة المعنى من غير زيادة اللفظ، تشوف إلى معرفة النوع الذي كان منه الشركاء فبينهم بقوله: {الجن} أي الذين هم أجرأ الموجودات عليهم وأعداهم لهم، فأطاعوهم كما يطاع الإله فكان عبادة لهم وتشريكاً، وقد رأيت ما للبيان بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين {وخلقهم} أي والحال أنهم قد علموا أن الله خلقهم أي قدرهم بعلم وتدبير، فلذلك كان خلقه لهم محكماً {وخرقوا} أي العابدون {له بنين} أي كعزير والمسيح {وبنات} أي من الملائكة، فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات: وصف الملائكة بالأنوثة والاجتراء على مقام الربوبية بالحاجة، تخصيصه بعد ذلك بما لا يرضونه لأنفسهم بوجه؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق والتقدير بغير علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد، ولذلك قيل لمن لا يحسن العمل: خرق؛ وللمرأة: خرقاء، يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا القول الكذب، وأبعدوا به في هذه المجاوزة عن حقيقته، اتساع من سار في خرق أي برية واسعة بهماء وسوفة جوفاء متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه بشر، فضل عن الجادة ضلالاً لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد، فصار جديراً بالهلاك، وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ: وحرفوا - بالمهملة والفاء. ولما لم يكن لقولهم أصلاً حقيقة ولا شبهة، وكان الخرق التقدير بغير علم، دل على ذلك مصرحاً بما أفهمه محققاً له تنبيهاً على الدليل القطعي في اجتياح قولهم من أصله، وذلك أنه قول لا حجة له، ومسائل أصول الدين لا يصار إلى شيء منها إلا بقاطع، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال: {بغير علم} ثم نزه نفسه المقدسة تنبيهاً على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك، فقال: {سبحانه} أي أسبحه سبحاناً يليق بجلاله أن يضاف إليه؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص، وكان المقام يقتضي كونه في العلو، صرح به فقال: {وتعالى} أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء {عما يصفون *}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن البراء بن عازب {قنوان دانية} قال: قريبة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قنوان دانية} قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {قنوان} الكبائس، والدانية المنصوبة . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قنوان دانية} قال: تهدل العذوق من الطلع. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قنوان} قال: عذوق النخل {دانية} قال: متهدلة، يعني متدلية . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {مشتبهاً وغير متشابه} قال: مشتبهاً ورقه مختلفاً ثمره . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} قال: رطبه وعنبه . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {انظروا إلى ثمره} بنصب الثاء والميم {وينعه} بنصب الياء . وأخرج أبو الشيخ عن محمد مسعر قال: فرضاً على الناس إذا أخرجت الثمار أن يخرجوا وينظروا إليها. قال الله {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء {وينعه} قال: نضجه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وينعه} قال: نضجه . وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله {وينعه} قال: نضجه وبلاغه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول : شعر : إذا ما مشت وسط النساء تأوّدت كما اهتز عصن ناعم أنبت يانع

ابو السعود

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء} تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نعمه تعالى مُنَبِّئةٍ عن كمال قدرته تعالى وسعةِ رحمته أي أنزل من السحاب أو من سَمْتِ السماء ماءً خاصاً هو المطر، وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مراراً {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} التفات إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أُنزل الماءُ لأجله أي فأخرجنا بعظمتِنا بذلك الماءِ مع وِحْدته {نَبَاتَ كُلّ شَىْء} من الأشياء التي من شأنها النموُّ من أصناف النجْم والشجر وأنواعِها المختلفة في الكم والكيف والخواصِّ والآثار اختلافاً متفاوتاً في مراتبِ الزيادة والنقصان حسبما يُفصح عنه قولُه تعالى: {أية : يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ }تفسير : [الرعد، الآية 4] . وقولُه تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} شروعٌ في تفصيل ما أُجمل من الإخراج، وقد بُدِىء بتفصيل حال النجم أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساقَ له شيئاً غضّاً أخضرَ، يقال: شيءٌ أخضَرٌ وخضِرٌ كأعوَرَ وعَوِرٍ، وأكثرُ ما يُستعمل الخضِرُ فيما تكون خُضرتُه خَلْقية وهو ما تشعّب من أصل النبات الخارج من الحبة. وقوله تعالى: {نُّخْرِجُ مِنْهُ} صفةٌ لخضِراً وصيغة المضارعِ لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضِرِ {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} هو السُنبلُ المنتظِمُ للحبوب المتراكبة بعضُها فوق بعض على هيئة مخصوصةٍ وقرىء يَخرُجُ منه حبٌّ متراكب وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ} شروعٌ في تفصيل حالِ الشجر إثرَ بـيانِ حال النجم. فقوله تعالى: {مِنْ ٱلنَّخْلِ} خبرٌ مقدم وقوله تعالى: {مِن طَلْعِهَا} بدلٌ منه بإعادة العامل كما في قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب، الآية 21] الخ، والطَّلْعُ شيء يخرُج من النخل كأنه نعلانِ مُطبَقانِ، والحِمْلُ بـينهما منضود. وقوله تعالى: {قِنْوٰنٌ} مبتدأ أي وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ، ويجوز أن يكون الخبرُ محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه أي ومُخرِجةٌ من طلع النخل قنوانٌ ومَنْ قرأ يخرُجُ منه حبٌّ متراكبٌ كان (قنوانٌ) عنده معطوفاً على (حبٌّ) وقيل: المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوانٌ أو ومن النخل شيءٌ من طلعها قنوان، وهو جمع قِنْوٍ، وهو عنقودُ النخلة كصِنْوٍ وصِنْوان، وقرىء بضم القاف كذِئبٍ وذؤبان وبفتحها أيضاً على أنه اسمُ جمعٍ لأن فَعلان ليس من أبنية الجمع {دَانِيَةٌ} سهلةُ المُجتَنى قريبةٌ من القاطفِ فإنها وإن كانت صغيرةً ينالها القاعدُ تأتي بالثمر لا يُنتظَرُ الطولُ، أو ملتفةٌ متقاربة، والاقتصارُ على ذكرها لدلالتها على مُقابلها كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل، الآية 81] ولزيادة النعمة فيها {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ} عطفٌ على (نباتَ كل شيء) أي وأخرجنا به جناتٍ كائنةً من أعناب، وقرىء جناتٌ بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثَمةَ جناتٌ، وقد جوِّز عطفُه على (قنوان) كأنه قيل: وحاصلةٌ أو مخرجةٌ من النخل قنوانٌ وجناتٌ من نباتٍ وأعناب، ولعل زيادةَ الجنات هٰهنا من غير اكتفاءٍ بذكر اسمِ الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاعَ بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفةٍ من أفراده {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} منصوبان على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على (نباتَ) وقوله تعالى: {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ} حال من الزيتون اكتُفي به عن حال ما عطف عليه كما يكتفى بخبر المعطوف عليه عن خبر المعطوف في نحو قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة، الآية 62] وتقديرُه والزيتونَ مشتبهاً وغيرَ متشابه والرمانَ كذلك، وقد جُوِّز أن يكون حالاً من الرمان لقُربه ويكون المحذوفُ حالَ الأول والمعنى بعضُه متشابهاً وبعضُه غيرَ متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغيرِ ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعِها وحكمةِ مُنشئِها ومبدعِها {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} أي انظروا إليه نظرَ اعتبارٍ واستبصارٍ إذا أخرج ثمرَه كيف يُخرجه ضئيلاً لا يكاد يُنتفعُ به، وقرىء إلى ثمره {وَيَنْعِهِ} أي وإلى حال نُضجه كيف يصير إلى كماله اللائق به ويكون شيئاً جامعاً لمنافِعَ جمّةٍ واليَنْعُ في الأصل مصدر يَنَعَت الثمرةُ إذا أدركت وقيل: جمعُ يانع كتاجر وتجْرٍ وقرىء بالضم وهي لغة فيه وقرىء يانِعِهِ {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى ما أُمر بالنظر إليه، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشارِ إليه وبُعد منزلته {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لآياتٍ عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وجود القادر الحكيم ووَحدتِه فإن حدوثَ هاتيك الأجناسِ المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحدٍ وانتقالَها من حال إلى حال على نمط بديع تحارُ في فهمه الألباب لا يكاد يكون إلا بإحداث صانعٍ يعلم تفاصيلَها ويرجّح ما تقتضيه حكمتُه من الوجوه الممكنة على غيره ولا يَعوُقه عن ذلك ضدٌّ يناوئه أو نِدٌّ يُقاويه، ولذلك عقّب بتوبـيخِ من أشرك به والردِّ عليه حيث قيل.

القشيري

تفسير : تجانست أجزاءُ الأرض وتوافقت أقطارُ الكون، وتباين النبات في اللون والطَّعم واختلفت الأشياء، ودلَّ كلُّ مخلوقٍ بلسان فصيح، وبيان صريح أنه بنفسه غير مُستَقِل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو} اى الله تعالى {الذى انزل من السماء ماء} خاصاً هو المطر ثم التفت من الغيبة الى التكلم فقال {فاخرجنا} بعظمتنا فالنون للعظة لا الجمع فان الملك العظيم يعبر عن نفسه بلفظ الجمع تعظيما له {به} اى بسبب ذلك الماء مع وحدته {نبات كل شئ} ينب كنبات الحنطة والشعير والرمان والتفاح وغيرها فشئ مخصص فلا يلزم ان يكون لكل شئ بنات كالحجر مثلا والنبت والنبات ما يخرج من الارض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر او لم يكن كالنجم. فان قيل كيف جعل الله المطر سبباً للنبات والفاعل بالسبب يكون مستعينا بفعل السبب والله تعالى مستغن عن الاسباب. قيل لان المطر سبب يؤدى الى النبات وليس بمولود له والله تعالى قادر على انبات النبات بدون المطر وانما يكون الفاعل بالسبب مستعينا بذلك السبب اذا لم يمكنه فعل ذلك الشئ الا بذلك السبب كما ان الانسان اذا لم يمكنه ان يصعد السطح الا بالسلم فان السلم آلة للصعود والظاهر انه اذا صعد السطح بالسلم لم يكن السلم آلة له لانه يمكنه ان يصعد السطح بدون السلم {فاخرجنا منه} شروع فى تفصيل ما اجمل من الاخراج وقد بدأ بتفصيل حال النجم اى فاخرجنا من النبات الذى لا ساق له شيأ غضا {خضرا} بمعنى اخضر وهو اى الشئ الاخضر الخارج من النبات ما تشعب من اصل النبات الخارج من الحبة {تخرج منه} صفة لخضرا اى نخرج من ذلك الخضر المتشعب {حبا متراكبا} هو السنبل المنتظم للحبوب المتراكبة بعضها فوق بعض على هيئة مخصوصة {ومن النخل} شروع فى تفصيل حال الشجر اثر بيان حال النجم وهو خبر مقدم {من طلعها} بدل منه باعادة العالم وهو شئ يخجر من النخل كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود {قنوان} مبتدأ اى وحاصلة من طلع النخل قنوان جمع قنو وهو للثمر بمنزلة العنقود للعنب {دانية} سهلة المجتنى قريبه من القاطف فانها وان كانت صغيرة ينالها القاعد تأتى بالثمر لا تنتظر الطلو او ملتفة متقاربة وفيه اختصار معناه من النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هى بعيدة فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لأن النعمة فى القريبة اكمل واكبر وفى الحديث "حديث : اكرموا عماتكم النخل فانها خلقت من فضلة طينة آدم وليس من الشجر شجرة اكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر" تفسير : انتهى. فظهر ان السبب فى اطعام النفساء رطبا ان مريم رضى الله عنها كان اول ما اكلت حين وضع عيسى عليه السلام هو الرطب كما قال تعالى فى سورة مريم {أية : وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} تفسير : [مريم: 25]. وورد فى فضيلة السفرجل ايضا انه شكا بعض الانبياء الى الله تعالى من قبح اولاد امته فاوحى الله اليه مرهم ان يطعموا نساءهم الحبالى السفرجل فى الشهر الثالث والرابع لان فيه تصور الجنين فانه يحسن الولد {و} اخجرنا به {جنات} بساتين كائنة {من اعناب} فهو عطف على نبات كل شئ ولعل زيادة الجنات هنا من غير اكتفاء يذكر اسم الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما ان الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالبا الا عند اجتماع طائفة من افراده وكل نبت متكائف يستر بعضه بعضاً فهو جنة من جن اذا استتر والاعناب جمع عنب وهو بالفارسية [انكور] {والزيتون والرمان} اى واخرجنا ايضا شجر الزيتون وشجر الرمان {مشتبها} اوراقهما ومشتملا على الغصن من اوله الى آخره فى كليهما وهو حال {وغير متشابه} ثمرهما وفى التفسير الفارسى [{مشتبها} در حالتى كه آن درختان بعضى ببعضى ما نند دربرك {وغير متشابه} ونه ما ننند يكديكر درطعم ميوه جه بعضى بغايت ترش ميباشد وبعضى شيرين وبرخى ترشى وشيرين] {انظروا} يا مخاطبين نظر اعتبار {الى ثمره} [بميوه هردرختى] {اذا اثمر} اذا اخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ينتفع به {وينعه} والى حال نضجه كيف يعود ضخما ذا نفع ولذة والينع فى الاصل مصدر ينعت الثمرة اذا ادركت. وقوله اذا اثمر ظرف لقوله انظروا امر بالنظر فى اول حال حدوث الثمرة وفى كمال نضجها مع كونها نابتة من ارض واحدة ومسقية بماء واحد ليعلم كيف تتبدل وتنتقل الى احوال مضادة للاحوال السابقة وحصول هذه التغيرات مسند الى القادر الحكيم العليم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والحكمة والمصلحة. قال القرطبى هذا الينع هو الذى يتوقف عليه جواز بيع الثمرة وهو ان يطيب اكل الفاكهة وتأمن العاهة وهو عند طلوع الثريا بما اجرى الله تعالى عادته عليه ـ روى ـ ابو هريرة عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : اذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن اهل البلد " .تفسير : وطلوعها صباحا فى اثنتى عشرة تمضى من شهر ايار وهو آخر الشهور الثلاثة من اول فصل الربيع وهى اذار ونيسان وايار {ان فى ذلكم} اشارة الى ما امر بالنظر اليه {لآيات} عظيمة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته {لقوم يؤمنون} خصوا بالذكر لانهم المنتفعون بالاستدلال بها والاعتبار. والاشارة فى الآية ان الله تعالى ينزل من سماء العناية ماء الهداية فيخرج به انواع المعارف والاسرار على حسب مراتب اهل الزهد والفتوى واهل العشق والتقوى اذا القلب كالروضة ينشأ منه ما هو مستعد له وكل نبت يترجم عن ترابه: كما قال فى المثنوى شعر : درزمين كرنى شكر ورخود نى است ترجمان هر زمين نبت وى است تفسير : والنخل اعلى من غيره ولذا يقال انه اشارة الى اصحاب الولايات فمن ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين يعنى منهم من يكون مريبا فينتفع بثمرات ولايته ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المتمسكين به وجملة شؤونهم ناظرة الى امر الله تعالى واذنه ولذا لا يطعن فيهم الا جاهل وهم فى خلواتهم وجلواتهم يتفكهون من روضات القلوب ويتلذذون بلذائذ حبات الغيوب وامرهم مستور عن الخلق واعينهم. وعن بعضهم قال رأيت عند قبر النبى عليه السلام تسعة من الاولياء فتبعتهم فالتفت الى احدهم وقال اين تمر قلت اسير معكم لحبى فيكم فانى سمعت عمن زرتموه عليه السلام انه قال "حديث : المرء مع من احب " .تفسير : فقال احدهم انك لا تقدر على المسير الى هذا الموضع الذى نقصده فانه لا يقدر عليه الا من بلغ سنه اربعين سنة فقال آخر دعه لعل الله يرزقه فسرت معهم والارض تطوى من تحتنا طيا فلم نزل حتى انتهينا الى مدينة مبنية بالذهب والفضة واشجارها متكاثفة وانهارها مطردة رائقة وفواكهها كبيرة فائقة فدخلنا واكلنا من ثمرها واخذت معى ثلاث تفاحات فلم يمنعونى من اخذها فسألتهم عند الانصراف عن المدينة قالوا مدينة الاولياء اذا ارادوا التنزة ظهرت لهم اينما كانوا ما دخلها احد قبل الاربعين غيرك وكنت كلما جعت اكلت من التفاحة وهى لا تتغير ورجعت الى اهلى وقد بقى معى تفاحة واحد غير التى ادخرتها لنفسى فعانقتنى اختى وقالت اين الذى اطرفتنا به من سفرك فقلت وما الذى اطرفكم به وانا بعيد عن الدنيا وعن الراحة قالت فاين التفاحة فعميت عليها وقلت وأى تفاحة قالت يا مسكين والله لقد ادخلونى تلك المدينة وانا بنت عشرين سنة واما انت فلم ترها الا بعد ان طردوك وانا والله جذبت اليها جذبة وخطبت اليها خطبه قلت اى اخت فالبدل الكبير منهم يقول لى لم يدخلها احد لم يبلغ اربعين سنة غيرك قالت نعم من المريدين واما المرادون فيدخلونها ولا يرضون بها ومتى شئت اربتكها فقلت قد شئت فقالت يا مدينتى احضرى فوالله لقد رأيت المدينة بعينها تتدلى اليها وترف عليها فمدت يدها وقالت اين تفاحك قال فتساقط على من التفاح ما علانى فضحكت ثم قالت من عنده من الملك هذا يحتاج الى تفاحتك قال فاستحقرت والله نفسى عند ذلك وما كنت اعلم ان اختى منهم رضى الله عنها وعنهم: قال السعدى شعر : نه هركس سزاوار باشد بصدر كرامت بفضلست ورتبت بقدر

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الضمير في {منه}: يعود على النبات، و {خَضِرًا}: نعت لمحذوف، أي: شيئًا خضرًا، و {قِنوَانٌ}: مبتدأ، و {من النخل}: خبر، و {مِن طَلعها}: بدل، والطَّلع: أول ما يخرج من التمر في أكمامه، والقنوان: جمع قنو، وهو العنقود من التمر، و {مُشتبهًا}: حال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، و {جنات}: عطف على {نبات كل شيء}. و {ينعِهِ} أي: نضجه وطيبه، يقال: يَنَعتِ الثمرة، إذا أدركت وطابت. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي أنزل من السماء} أي: السحاب أو جانب السماء، {ماء فأخرجنا}، فيه الالتفات من الغيبة إلى التكلم، {به} أي: بذلك الماء، {نبات كل شيء} أي: نبات كل صنف من النبات على اختلاف أنواعه، فالماء واحد والزهر ألوان، {فأخرجنا منه} أي: من النبات، شيئًا {خَضِرًا} وهو ما يتولد من أصل النبات من الفراخ، {نُخرجُ منه} أي: من الخَضِر، {حبًّا مُترَاكبًا} وهو السنبل؛ لأن حبه بعضه فوق بعض، وكذلك الرمان والذرة وشبهها، {ومن النخل من طلعها قِنوانٌ دانية} أي: ويخرج من طلع النخل عناقيد متدانية قريبة من المتناول، أو ملتفة، قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على المتداني دون العالي؛ لزيادة النعمة والتمكن من النظر فيه، دون ضده. {و} أخرجنا أيضًا بذلك الماء، {جناتٍ} أي: بساتين، {من أعناب} مختلفة الألوان والأصناف {و} أخرجنا به {الزيتونَ والرمانَ} على اختلاف أصنافها، {مُشتبِهًا وغير مُتشَابه} أي: من النبات والثمار ما يُشبه بعضه بعضًا، في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يُشبه بعضُه بعضًا، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد، ولذلك أمر بالنظر والاعتبار فقال: {انظروا إلى ثمره} أي: انظروا إلى ثمرة كل واحد من ذلك {إذا أثمر}، {و} انظروا إلى {يَنعِه}؛ إذا ينع، أي: طاب ونضج، والمعنى: انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفًا لا منفعة، فيه، ثم ينتقل من طَور إلى طور، حتى يينع ويطيب. {إنَّ في ذلكم لآياتٍ} دالة على وجود الحكيم ووحدانيته، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة، ونقلها من حال إلى حال، لا يكون إلا بإحداث قادر، يعلم تفاصيلها، ويُرجَّح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها، ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه، أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك فقال: {وجعلوا لله شركاء...} الخ. قاله البيضاوي. الإشارة: مَن كحَّل عينه بإثمد التوحيد، غرق الكائنات كلها في بحر التوحيد والتفريد، فكل ما يبرز لنا من المظاهر والمطالع ففيه نور من جمال الحضرة ساطع، ولذلك قال ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : عَينِي لِغَيرِ جَمَالِكُمُ لا تَنظرُ وَسِوَاكُمُ فِي خَطِرِي لا يَخطُرُ تفسير : وقال الششتري رضي الله عنه: شعر : انظُر جَمالِي شاهدًا في كلِّ إنسان كالماءِ يَجرِي نافِذًا في أُس الإغصان يُسقَى بِماءٍ واحِد والزَّهرُ ألوان تفسير : وقال صاحبُ العَينية: شعر : تَجلَّى حَبِيِبي فِي مَرَائِي جَمَالِهِ فَفي كُلِّ مَرئًى لِلحبِيبِ طَلاَئِعُ فَلَمّا تَبَدى حُسنُهُ مُتَنَوّعًا تَسَمَّى بأسمَاءٍ فَهُن مَطَالِعُ تفسير : فما برز في عالم الشهادة هو من عالم الغيب على التحقيق، فرياض الملكوت فائضة من بحر الجبروت، (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان)، ولا يعرف هذا ذوقًا إلا أهل العيان، الذين وحدوا الله في وجوده، وتخلصوا من الشرك جليه وخفيه، الذي أشار إليه بقوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ}.

الطوسي

تفسير : روى الأعشى والبرجمي {وجنات} بالرفع. الباقون "جنات" على النصب. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {ثمره} و {كلوا من ثمره} وفي (يس) {لتأكلوا من ثمره} بضم الثاء والميم فيهن. الباقون بفتحها. من كسر التاء فلأنها تاء جمع المؤنث في موضع النصب عطفا على قوله {فأخرجنا به نبات كل شيء} فأخرجنا به "جنات" ومن رفع عطفها على القنوان في الاعراب وإِن لم يكن من جنسها، كما قال الشاعر: شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا تفسير : أي وحاملا رمحا. ومن قرأ {ثمره} بالفتح فيهما فوجهه ان سيبويه يرى ان الثمر جمع ثمرة مثل بقرة وبقر وشجر وشجر وخرزة وخرز: ويقويه قوله ايضا {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب}تفسير : وقد كسِّر على (فعال) فقالوا: ثمار كما قالوا أكمة واكام، وجذبة وجذاب ورقبة ورقاب. ومن جمعها احتمل امرين: أحدهما - أن يكون جمع ثمرة على ثمر، مثل خشبة وخشب في قوله {أية : كأنهم خشب مسندة}تفسير : واكمة واكم في قول الشاعر: شعر : ترى الاكم منه سجداً للحوافر تفسير : ومن المعتل ساحة وسوح، وقارة وقور، ولابة ولوب وناقة ونوق. والثاني - أن يكون جمع ثمار على ثمر، فيكون ثمر جمع الجمع، وجمعوه على (فعل) كما جمعوه على (فعايل) في قولهم جمال وجمايل. ومعنى الآية أن الذي يستحق العبادة خالصة لا شريك له فيها سواه هو الذي أنزل من السماء ماء. وأصل الماء ماه إِلا أن الهمزة ابدلت من الهاء بدلالة قولهم أمواه في الجمع ومويه في التصغير. وقوله {فأخرجنا به نبات كل شيء} معناه أخرج بالماء الذي أنزله من السماء من غذاء الانعام والبهائم والطير والوحش وارزاق بني آدم واقواتهم ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون، ويكون معنى قوله {فأخرجنا به نبات كل شيء} أخرجنا به ما ينبت كل شيء وينمو عليه ويصلح. ويحتمل أن يكون المراد أخرجنا به جميع أنواع النبات فيكون كل شيء هو اصناف النبات. والاول أحسن. وقوله {فأخرجنا به} يعني من الماء {خضرا} يعني أخضر رطبا من الزرع. والخضر والاخضر واحد يقال: خضرت الارض خضرا وخضارة. والخضرة رطب البقول يقال: نخلة خضرة اذا كانت ترمي ببسرها أخضرا قبل ان ينضج، وقد اختضر الرجل واغتضر اذا مات شابا مصححا، ويقال: هو لك خضرا مضرا أي هنيئا مريئا. وقوله {يخرج منه حبا متراكبا} يعني يخرج من الخضر حبا يعنى ما في السنبل من الحنطة والشعير والارز وغيرها من السنابل، لان حبها يركب بعضه بعضا. وقوله {ومن النخل من طلعها} إِنما خص الطلع بالذكر لما فيه من المنافع العجيبة والاغذية الشريفة التي ليست في شيء من كمام الثمار. قوله {قنوان دانية} تقديره ومن النخل من طلعها ما قنوانه دانية، ولذلك رفع القنوان. والقنوان جمع قنو، كصنوان وصنو، وهو العذب، يقال لواحده قنو وقنوُّ، وقني ويثنى قنوان على لفظ الجمع وقنيان وانما يميز بينهما بأعراب النون، ويجمعِ قنوان وقنوان وفي الجمع القليل ثلاثة أقناء، فالقنوان لغة أهل الحجاز، والقنوان لغة قيس قال امرؤ القيس: شعر : فأتت اعياله وآدت اصوله ومال بقنوان من البسر أحمر تفسير : وقنيان وقنوان لغة تميم وقوله {دانية} معناه قريبة متهدلة، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك. وقال الجبائي دانية أي متدانية في حلوق النخل متكور بها. وقوله {وجنات} يعني وأخرجنا به أيضا جنات من أعناب يعني بساتين من اعناب. وقوله {والزيتون والرمان} عطف الزيتون على الجنات على تقدير وأخرجنا الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، قال قتادة متشابه ورقه مختلف ثمره. ويحتمل أن يكون المراد مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم. وقال الجبائي مشتبها ما كان من جنس واحد، وغير متشابه اذا اختلف جنسه. والمعنى وشجر الرمان والزيتون، فاكتفى بذكر ثمره عن ذكر شجره، كما قال {واسأل القرية} فاكتفى بذكر القرية عن ذكر أهلها لدلالة الحال عليه. وقوله {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} الثمر جمع ثمرة، وهو ما انعقد على الشجر يقال: ثمر الثمر اذا نضج والمراد اذا أطلع ثمره. وقوله "وينعه" قال بعضهم: اذا فتحت ياؤه فهو جمع يانع مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر. وقال آخرون: هو مصدر قولهم ينع الثمر فهو ينع ينعا. ويحكى في مصدره ثلاث لغات يَنُع ويَنْع وينع، وكذلك نضج ونضج ونضج قال الشاعر: شعر : في قباب حول دسكرة حولها الزيتون قد ينعا تفسير : وسمع أيضا أينعت الثمرة تونع إِيناعا فمعنى {وينعه} نضجه وبلوغه حين يبلغ وفي ينعه لغتان: فتح الياء وضمها، فالفتح لغة اهل الحجاز والضم لغة نجد. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك والطبري والزجاج وغيرهم: معنى وينعه ونضجه. وقوله {إِن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} يعني في انزال الله الماء من السماء الذي أخرج به نبات كل شيء، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب وسائر ما عدد في الآية {لآيات} أي دلالات أيها الناس اذا نظرتم فيها أدَّاكم الى التصديق بتوحيده وخلع الانداد دونه، وأنه لا يستحق العبادة سواه، لان في ذلك بيانا وحججا وبرهانا لقوم يؤمنون، فتصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء. وانما خصَّ المؤمنين بالذكر، لانهم المنتفعون بذلك والمعتبرون به، كما قال {هدى للمتقين} وفي الآية دلالة على بطلان قول من يقول بالطبع، لان من الماء الواحد والتربة الواحدة يخرج الله ثمارا مختلفة وأشجارا متباينة ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} سماء الطّبع وسماء الارواح والنّبوّة والولاية {مَآءً فَأَخْرَجْنَا} التفات اشعاراً بانّ نزول الماء من السّماء كأنّه يكفيه الاسباب الطّبيعيّة ولا حاجة له الى مباشر قريب سواها بخلاف اخراج النّبات الاخضر الطّرىّ من الحبّ الجماد اليابس فانّ له مباشراً قريباً مدبّراً حكيماً قديراً آلهيّاً سوى الاسباب الطّبيعيّة {بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} من انواع النّبات او نموّ كلّ شيءٍ من انواع الحيوان بمعنى سبب نموّه او نباتاً مناسباً لكلّ نوع من انواع الحيوان ولرفع كلّ حاجة من انواع الحاجات {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} اى من النّبات ورقاً وغصناً {خَضِراً} وصف مثل اخضر او من اجل الماء زرعاً ونباتاً خضراً وعلى هذا يكون من عطف التّفصيل على الاجمال {نُّخْرِجُ مِنْهُ} اى من النّبات او من الخضر او من اجل الماء {حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ} خبر مقدّم {مِن طَلْعِهَا} بدل او من النّخل عطف على نبات كلّ شيءٍ باقامة من التّبعيضيّة مقام الاسم او عطف على منه ومن طلعها خبر مقدّم والجملة حال او مستأنفة {قِنْوَانٌ} اعذاق جمع قنو كصنوان جمع صنو {دَانِيَةٌ} قريبة التّناول {وَ} أخرجنا به او منه او نخرج منه {جَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً} فى الشّكل والطّعم واللّون {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ} اى ثمر كلّ واحد {إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} اى نضجه حتّى تعلموا انّ لها مدبّراً حكيماً قديراً وانّ حالكم حالها {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالايمان العامّ او الخاصّ فانّ الايمان بوحدته كافٍ فى الاستدلال بالمذكورات وان لم يكن علم وفقه.

اطفيش

تفسير : {وهُو الَّذى أنزلَ منَ السَّماء ماءً فأخْرجْنا بهِ نَباتَ كلِّ شئٍ} السماء السحاب، لأن كل ما كان فوقك منفصلا عنك فهو سماء كسقف وأعلى الخيمة والمظلة التى لم تلتصق برأسك، أو هى السماء الدنيا، قال الجبائى من المعتزلة: يخلق الله الماء فى السماء ثم يرسله إلى السحاب، وحمل السماء على المتبادر هو المتعين عنده لعدم دليل على التأويل، وقيل: المراد بالسماء جهة السماء، والله قادر أن ينزل الماء من السماء مسيرة عشرين سنة فى ساعة أو لحظة، ولكن المتبادر السحاب أو جهة السماء، وجاء أخرجنا على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم والنبات الأغصان والأوراق الخشب والأعواد، وكل شئ بمعنى كل شئ من الثمار التى خلقها الله، فنبات التمر الجذع والجريدة، ونبات الشعير ساقه وأوراقه، ونبات التين أوراقها وأعوادها ونبات القرع غصنه المنبطح على الأرض وورقه. وقيل: كل شئ هو النبات أيضا لكنه أخص باعتبار أفراده، فيكون نبات أعم، وإضافته إضافة عام لخاص، لأنه بمنزلة نبات النخل وشجر العنب وشجر التين وهكذا، والمعنى أخرجنا نبات كل شئ مما اعتيد أنه ينبت سواء حملنا كل شئ على الثمار أو على الغصن والورق، ودخل فى ذلك الكمأة، وخرج ما لا يكون له نبات، والآية دليل القدرة، إذ قدر على إخراج أنواع مختلفة بماء واحد، وذلك اختلاف فى الغصن والورق كما يذكر الاختلاف فى الثمار، إذ قال: {أية : تسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل} تفسير : وقيل: النبات الغذاء الذى ينبت به الجسم وهو الثمار، وكل شئ هو الحيوان الذى يأكل نبات الأرض وثماره، والهاء عائدة إلى الماء. وأما الهاء فى قوله: {فأخْرجْنا منْه خَضِراً} فللماء أيضا أو للنبات، والخضر الشئ الأخضر، والمراد الأغصان والورق الخارجة من أبزارها، وقيل: المراد بالخضر ما حسن منظره بلا اعتبار لون الخضرة {نُخْرج منهُ حبّاً مُتراكِباً} وقرأ الأعمش وابن محيصن: يخرج منه حب متراكب بالبناء للمفعول، ورفع حب متراكب وعلى القراءتين: الجملة نعت خضراً، وهاء منه عائدة إليه، ومعنى متراكباً، متراكباً بعضه على بعض كما ترى السنبلة والرمانة حبة على حبة، وقدم الحب على التمر لأنه قوت مألوف فى كل بلد يغنى عن التمر عالياً، وحاجة الناس إليه أكثر، والتمر كالفاكهة، وإنما يكتفى بها أهل الشدة، وربما اكتفى به أعراب الحجاز. {ومِنَ النَّخْل مِنْ طَلعِها قِنْوانٌ دانِيةٌ} الواو عاطفة لأخرجنا محذوفاً يتعلق به، من النخل ناصباً لمحذوف، والمحذوف منعوت بقوله: {من طلعها قنوان} أى وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان، ومعنى إخراج النخل من النخل إخراج نخل تكون من نوع النخل، أو إخراج نخلة من أصل نخلة، أو من جذعها، فتكون هذه ذات قنوان دانية، فما حال أصلها، والمعطوف عليه أخرجنا الأول، وإن شئت فقل ذلك من العطف على معمولى عامل واحد، ويجوز أن يكون من النخل خبراً مقدماً، ومن طلعها بدل بعض، وقنوان مبتدأ موجز، فتعطف الجملة الاسمية على الفعلية، ويجوز تعليق من النخل يكون خاص، أى ومخرجة من النخل، من طلعها قنوان، والطلع الكفرى، والقنوان جمع قنور وهو العذق أعنى الشماريخ مع ثمارها، وقرئ بضم القاف جمعاً أيضا كذيب وذوبان، وقرئ بفتحها على أنه اسم جمع، لأن فعلان بفتح الفاء لا يكون جمعاً، ودانية قريبة للتناول لقربها من الأرض لصغر النخل، فيتناول المضطجع والقاعد والقائم. وخص ما كان هكذا بالذكر، لأن النعمة فيه أعظم، ولدلالتها على الجبار وهى التى فاتت اليد إلا بطلوع فالتقدير فى هذا دانية وغير دانية، وهو قول ابن عباس، أو قال الحسن: دانية قريب بعضها من بعض، بأن تطلع قنواناً كثيرة متجاورة، وقيل: متدلية، ولو كانت فى الجبار وبه قال مجاهد، وخص المتدلية والكثيرة فى القولين لعظم النعمة، ولدلالتها على غيرها كذلك، والمتدلية أشهى إلى النفس. {وجنّاتٍ مِنْ أعْنابٍ} عطف على نبات خاص على عام لمزيته، ومن أعناب نعت جنات، والمراد بالأعناب شجر العنب، وقرئ بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أى ولكم جنات، أو ثم جنات، أى مع النجل أو من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على قنوان، لأن جنات الأعناب لا تكون من طلع النخل، ولعل صاحب الكشاف أراد بعطفه على قنوان عطف جملة على شبهها، هكذا، ومن النخل من طلعها قنوان ومن الكرم جنات من أعناب. {والزَّيتُون والرمَّانَ}: لم يقرأهما أحد بالرفع، بل بالنصب عطفاً على نبات، سواء نصبت جنات أو رفعت، ويجوز نصبهما على الاختصاص إذا رفعت جنات، وكذا يجوز نصب الثلاثة على الاختصاص، وذلك لشرفهن، ويجوز عطف جنات على خضر ويرجح القرب، ولأن الإخراج الجنات عبد إخراج النبات، كما أن إخراج الخضر بعده، ويجوز أن يعطف الزيتون والرمان على حباً ويقويه، قيل: إن الحب هو نفس ما أخرج بالأكل، وكذلك الزيتون والرمان، وليس كذلك، بل المتبادر أن يراد بهما شجر الزيتون والرمان، وإنما قدم النخلة لأنها قد تكون غذاء، وفيها من المنافع والخواص ما ليس فى غيرها، وقدم العنب لأنه أشرف الفواكه ثم الزيتون، لأنه يؤكل فى الطعام ويدهن به ويسرح به وهو مبارك. {مُشْتبهاً وغير مُتشابهٍ} ردهما قتادة إلى الزيتون والرمان، أى مشتبهاً ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورقهما مشتبهاً وحب الرمان ليس كحب الزيتون لوناً ولا طعما، ولا مقداراً ولا هيئة، فمتشابها حال من الرمان، أى مشتبهاً بالزيتون، أو غير متشابه، ويجوز أن يكون حال من خضرا وحبا، وحبات الزيتون والرمان، وأفرد لتأويل ما ذكر أى مشتبها ما ذكر بعضه ببعض، وغير متشابه، ووجه الشبه عام أى مشتبهاً لوناً وطعماً ومقداراً وهيئة ورائحة، أو فى عدم الرائحة أو فى بعض ذلك أو فى الورق، وبعض ذلك أو فى الورق وحده، أو حال من نبات أو نعته، ومشتبهاً بمعنى متشابه وخولف تغليباً فى اللفظ. {انْظُروا إلى ثَمره إذا أثمر ويَنْعِهِ} انظروا نظر اعتبار إلى ثمر ما ذكر من شجر الزيتون وشجر الرمان والنخل والخضر، وهذا مما يدل أن الزيتون والرمان مراد بهما الشجر لا الثمار، فالهاء عائدة إلى ما ذكر، ومعنى أثمر أخرج ثماره وقرأ حمزة والكسائى بضم الثاء والميم فى قوله: {إلى ثمره} جمع ثمرة بفتحتين كخشبة وخشب، أو جمع ثمار ككتاب وكتب، فهو جمع جمع، وأما كتاب وكتب فمرد وجمعه، وقرأ أبو عمرو بضم وإسكان تخفيفا، اعتبروا كيف يخرج ذلك كله رقيقا لا نفع يه، ثم يصير إلى حال مرغوب فيها نافعا غليظاً لذيذاً وهو حال ينعه، والينع النضج، أو نفس الثمر النضيج، وهو مصدر باق، أو بمعنى الثمر المدرك، ودل له قراءة ابن محيصن يانعه، وقيل ينعه جمع يانع كتاجر وتجر، وقرئ ويُنعه بضم الياء وهم لغة بعض نجد. {إنَّ فى ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون} دلائل على وجود الله جل وعلا، وكمال قدرته ووحدانيته، وصحة البعث إذ أخرج هؤلاء الثمار من أعواد وخشب مع اختلافها واختلاف أحوالها، وتنقلها من حال لأخرى بحسب ما هو لحكمة ولا معارض له، ينقض ما قضى وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم المنتفعون بالوعظ، ووبخ الكفار على شركهم مع تلك الأدلة كما قال بعضهم: شعر : تجلت لوحدانية الحق ثمار فدلَّت على أن الجحود هو العار

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً} تذكير لنعمة أخرى من نعمه سبحانه الجليلة المنبئة عن كمال قدرته عز وجل وسعة رحمته، والمراد من الماء المطر ومن السماء السحاب أو الكلام على تقدير مضاف أي من جانب السماء. وقيل: الكلام على ظاهره والإنزال من السماء حقيقة إلى السحاب ومنه إلى الأرض واختاره الجبائي، واحتج على فساد قول من يقول: إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء وينعقد السحاب منها ويتقاطر ماء وذلك هو المطر المنزل بوجوه، أحدها: أن البرد قد يوجد في وقت الحر بل في حميم الصيف ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد وذلك يبطل ما ذكر. ثانيها: أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف أملس كما في بعض الحمامات أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير فإذا تصاعدت البخارات في الهواء وليس فوقها سطح أملس تتصل به وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء. ثالثها: أنه لو كان تولد المطر من صعود البخارات فهي دائمة الارتفاع من البحار فوجب أن يدوم هناك نزول المطر وحيث لم يكن كذلك علمنا فساد ذلك القول، ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة فيمتنع دخول الزيادة والنقصان فيها وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفة أخرى، ولهذا السبب احتاجوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة، وأما المسلمون فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات وحيث دل ظاهر القرآن على أن الماء إنما ينزل من السماء ولا دليل على امتناع هذا الظاهر وجب القول بحمله عليه انتهى. ولا يخفى على من راجع كتب القوم أنهم أجابوا عن جميع تلك الوجوه وأن الذي دعاهم إلى القول بذلك ليس مجرد ما ذكر بل ألقوا بامتناع الخرق والالتئام أيضاً ووجود كرة النار تحت السماء وانقطاع عالم العناصر عندها ومشاهدة من على جبل شامخ سحاباً يمطر مع عدم مشاهدة ماء نازل من السماء إليه إلى غير ذلك. وهذا وإن كان بعضه مما قام الدليل الشرعي على بطلانه / وبعضه مما لم يقم الدليل عليه ولم يشهد بصحته الشرع لكن مشاهدة من على الجبل ما ذكر ونحوها يستدعي صحة قولهم في الجملة ولا أرى فيه بأساً. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما من قطرة تنزل إلا ومعها ملك، وهو عند الكثير محمول على ظاهره. والفلاسفة يحملون هذا الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول. وقيل: هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر للقطر حافظ إياه، ويثبت أفلاطون هذا النور المجرد لكل نوع من الأفلاك والكواكب والبسائط العنصرية ومركباتها على ما ذهب إليه صاحب «الإشراق» وهو أحد الأقوال في «المثل الأفلاطونية» ويشير إلى نحو ذلك كلام الشيخ صدر الدين القونوي في «تفسير الفاتحة». ونصب {مَاءً} على المفعولية لأنزل. وتقديم المفعول غير الصريح عليه لما مر مراراً. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي بسبب الماء، والفاء للتعقيب وتعقيب كل شيء بحسبه. و {أَخْرَجْنَا } عطف على {أَنَزلَ } والالتفات إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله، وذكر بعضهم نكتة خاصة لهذا الالتفات غير ما ذكر وهي أنه سبحانه لما ذكر فيما مضى ما ينبهك على أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب واختيار ضمير العظمة دون ضمير المتكلم وحده لإظهار كمال العناية أي فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء مع وحدته {نَبَاتَ كُلِّ شَىْء} أي كل صنف من أصناف النبات المختلفة في الكم والكيف والخواص والآثار اختلافاً متفاوتاً في مراتب الزيادة والنقصان حسبما يفصح عنه قوله سبحانه: { أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ } تفسير : [الرعد: 4] «والنبات كالنبت وهو ـ على ما قال الراغب ـ ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن له ساق كالنجم لكن اختص في التعارف بما لا ساق له بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات، ومتى اعتبرت الحقائق فإنه يستعمل في كل نام نباتاً كان أو حيواناً أو إنساناً». والمراد هنا عند بعض المعنى الأول. وجعل قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً} شروعاً في تفصيل ما أجمل من الإخراج وقد بدأ بتفصيل حال النجم وضمير {مِنْهُ} للنبات، والخضر بمعنى الأخضر كأعور وعور، وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته خلقية، وأصل الخضرة لون بين البياض والسواد وهو إلى السواد أقرب ولذا يسمى الأخضر أسود وبالعكس، والمعنى فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئاً غضاً أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. وجوز عود الضمير إلى الماء ومن سببية. وجعل أبو البقاء هذا الكلام حينئذ بدلاً من {أَخْرَجْنَا} الأول، وذكر بعض المحققين أن في الآية على تقدير عود الضمير إلى الماء معنى بديعاً حيث تضمنت الإشارة إلى أنه تعالى أخرج من الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافاً من النبات والثمار مختلفة الطعوم والألوان وإلى ذلك نظر القائل يصف المطر: شعر : يمد على الآفاق بيض خيوطه فينسج منها للثرى حلة خضرا تفسير : وقوله تعالى: {نُّخْرِجُ مِنْهُ } صفة لخضراً، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة بما فيها من الغرابة، وجوز أن يكون مستأنفاً أي نخرج من ذلك الخضر {حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أي بعضه فوق بعض كما في السنبل وقرىء {يَخْرُجُ مِنْهُ حَبٌّ مُتَراكبٌ} {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ} جمع نخل ـ كما قال الراغب ـ «والنخل معروف ويستعمل في / الواحد والجمع»، وهذا شروع في تفصيل حال الشجر إثر بيان حال النجم عند البعض، فالجار والمجرور خبر مقدم. وقوله سبحانه: {مِن طَلْعِهَا } بدل منه بدل بعض من كل بإعادة العامل. وقوله سبحانه: {قِنْوٰنٌ } مبتدأ؛ وحاصلة من طلع النخيل قنوان، وجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة {أَخْرَجْنَا } عليه وهو كون خاص وبه يتعلق الجار والتقدير ومخرجه من طلع النخل قنوان. وعلى القراءة السابقة آنفاً يكون {قِنْوٰنٌ } معطوفاً على (حب) وقيل: المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان [أو] ومن النخل شيئاً من طلعها قنوان، وهو جمع قنو بمعنى العذق وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب. وتثنيته أيضاً قنوان ولا يفرق بين المثنى والجمع إلا الإعراب، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة أسماء هذا وصنو وصنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه، وحكى سيبويه شقد وشقدان. وحش وحشان للبستان نقله الجلال السيوطي في «المزهر». وقرىء بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع لأن فعلان ليس من زنات التكسير. {دَانِيَةٌ} أي قريبة من المتناول كما قال الزجاج. واقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها؛ وقيل: المراد دانية من الأرض بكثرة ثمرها وثقل حملها والدنو على القولين حقيقة، ويحتمل أن يراد به سهولة الوصول إلى ثمارها مجازاً. {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ} عطف على {نَبَاتَ كُلِّ شَىْء} أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب، وجعله الواحدي عطفاً على {خَضِراً}. وقال الطيبـي: الأظهر أن يكون عطفاً على {حَبّاً } لأن قوله سبحانه: {نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ} مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي، والنامي الحب والنوى وشبههما. وقوله سبحانه: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } الخ تفصيل لذلك النبات، وهو بدل من {فَأَخْرَجْنَا } الأول بدل اشتمال، وقيل: وهذا مبني على أن المراد بالنبات المعنى العام وحينئذٍ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه وإن أريد ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه غير داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله سبحانه {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ } فعل آخر كما أشير إليه فتدبر. وقرأ أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود والأعمش ويحيـى بن يعمر وأبو بكر عن عاصم {وَجَنَّـٰتٍ } بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثَمَّ جنات أو نحو ذلك. وجوز الزمخشري أن يكون على العطف على {قِنْوٰنٌ } قال في «التقريب» وفيه نظر لأنه إن عطف على ذلك ـ فمن أعناب ـ حينئذ إما صفة {جَنَّـٰت} فيفسد المعنى إذ يصير المعنى وحاصلة من النخيل جنات حصلت من أعناب، وإما خبر لجنات فلا يصح لأنه يكون عطفاً لها على مفرد ويكون المبتدأ نكرة فلا يصح. وفي «الكشف» أن الثاني بعيد الفهم من لفظ الزمخشري وإن أمكن الجواب بأن العطف على المخصص مخصص كما قال ابن مالك، واستشهد عليه بقوله: شعر : عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا تفسير : والظاهر الأول لكنه عطف جملة على جملة ويقدر ومخرجة من الخضر أو من الكرم أو حاصلة جنات من أعناب دون صلته لأن التقييد لازم كما حقق في عطف المفرد وحده، ولا يخفى أن هذا تكلف مستغنى عنه، ولعل زيادة الجنات هنا ـ كما قيل ـ من غير اكتفاء بذكر اسم الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما/ أن الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفة من أفراده. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على {نَبَاتُ }. وقوله سبحانه: {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } إما حال من {الزَّيْتون} لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه والتقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك، وإما حال من {ٱلرُّمَّانَ} لقربه ويقدر مثله في الأول. وأياً ما كان ففي الكلام مضاف مقدر وهو بعض أي بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها وحكمة منشيها ومبدعها جل شأنه وإلا كان المعنى جميعه مشتبه وجميعه غير متشابه وهو غير صحيح. ومن الناس من جوز كونه حالاً منهما مع التزام التأويل. وافتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى. وقرىء {مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ }. {ٱنْظُرُواْ } نظر اعتبار واستبصار {إِلِىٰ ثَمَرِهِ} أي ثمر ذلك أي الزيتون والرمان والمراد شجرتهما وأريد بهما فيما سبق الثمرة ففي الكلام استخدام. وعن الفراء أن المراد في الأول: شجر الزيتون وشجر الرمان وحينئذ لا استخدام، وأياً ما كان فالضمير راجع إليهما بتأويله باسم الإشارة. ورجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل بعيد لا نظير له في عدم تعيين مرجع الضمير. وجوز رجوع الضمير إلى جميع ما تقدم بالتأويل المذكور ليشمل النخل وغيره مما يثمر {إِذَا أَثْمَرَ } أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلاً لا يكاد ينتفع به. وقرأ حمزة والكسائي {ثَمَرِهِ } بضم الثاء وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب أو ثمار ككتاب وكتب {وَيَنْعِهِ } أي وإلى حال نضجه أو إلى نضيجه كيف يعود ضخماً ذا نفع عظيم ولذة كاملة. وهو في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت، وقيل: جمع يانع كتاجر وتجر. وقرىء بالضم وهي لغة فيه. وقرأ ابن محيصن {ويانعه}. ولا يخفى أن في التقييد بقوله تعالى: {إِذَا أَثْمَرَ } على ما أشرنا إليه إشعاراً بأن المثمر حينئذ ضعيف غير منتفع به فيقابل حال الينع. ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة. وعن الزمخشري أنه قال «فإن قلت هلا قيل: إلى غض ثمره وينعه؟ قلت: في هذا الأسلوب فائدة وهي أن الينع وقع فيه معطوفاً على الثمر على سنن الاختصاص نحو قوله سبحانه: { أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] للدلالة على أن الينع أولى من الغض» وله وجه وجيه وإن خفي على بعض الناظرين. {إِنَّ فِى ذٰلِكُمْ } إشارة إلى ما أمروا بالنظر إليه. وما في اسم الإشارة من معنى البعد لما مر غير مرة {لآيَاتٍ} عظيمة أو كثيرة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي يطلبون الايمان بالله تعالى ـ كما قال القاضي ـ أو مؤمنون بالفعل. وتخصيصهم بالذكر لأنهم الذين انتفعوا بذلك دون غيرهم ـ كما قيل ـ ووجه دلالة ما ذكر على وجود القادر الحكيم ووحدته أن حدوث هاتيك الأجناس المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع لا بد أن يكون بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه الممكنة على غيره ولا يعوقه ضد يعانده أو ند يعارضه. ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذه النعم الجليلة الدالة على توحيده وبخ من أشرك به سبحانه ورد عليه بقوله عز شأنه: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ...}.

ابن عاشور

تفسير : القول في صيغة القصر من قوله: {وهو الذي أنزل} إلخ كالقول في نظيره السّابق. و(مِن) في قوله: {مِن السّماء} ابتدائية لأنّ ماء المطر يتكوّن في طبقات الجوّ العُليا الزمهريرية عند تصاعد البخار الأرضي إليها فيصير البخار كثيفاً وهو السّحاب ثمّ يستحيل ماء. فالسّماء اسم لأعلى طبقات الجوّ حيث تتكوّن الأمطار. وتقدّم في قوله تعالى: {أو كَصيّب من السّماء} في سورة البقرة. وعُدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير التكلّم في قوله: {فأخرجْنا} على طريقة الإلتفات. والباء للسّببيّة جَعل الله الماء سبباً لخروج النّبات، والضّمير المجرور بالباء عائد إلى الماء. والنّباتُ اسم لما يَنبت، وهو اسم مصدر نَبَتَ، سمّي به النّابت على طريقة المجاز الّذي صار حقيقة شائعة فصار النَّبات اسماً مشتركاً مع المصدر. و{شيء} مراد به صِنف من النّبات بقرينة إضافة {نباتَ} إليه. والمعنى: فأخرجنا بالماء ما ينبت من أصناف النّبت. فإنّ النبت جنس له أنواع كثيرة؛ فمنه زرع وهو ما له ساق ليّنة كالقَصَب؛ ومنه شجر وهو ما له ساق غليظة كالنّخل، والعنب؛ ومنه نَجْم وأبّ وهو ما ينبت لاصِقاً بالتّراب، وهذا التّعميم يشير إلى أنّها مختلفة الصّفات والثّمرات والطبائع والخصوصيات والمذاق، وهي كلّها نابتة من ماء السّماء الّذي هو واحد، وذلك آية على عظم القدرة، قال تعالى: {أية : تُسقَى بماء واحد ونُفضّل بعضَها على بعضٍ في الأكل}تفسير : [الرعد: 4] وهو تنبيه للنّاس ليعتبروا بدقائق ما أودعه الله فيها من مختلف القوى الّتي سبّبتْ اختلاف أحوالها. والفاء في قوله: {فأخرجنا به نبات كلّ شيء} فاء التّفريع. وقوله: {فأخرجنا منه خضراً} تفصيل لمضمون جملة {فأخرجْنا به نبات كلّ شيء}، فالفاء للتّفصيل، و(من) ابتدائية أو تبعيضيّة، والضّمير المجرور بها عائد إلى النّبات، أي فكان من النبت خضر ونَخْل وجنّات وشجر، وهذا تقسيم الجنس إلى أنواعه. والخَضِر: الشّيء الّذي لونه أخضر، يقال: أخْضر وخَضِر كما يقال: أعور وعَور، ويطلق الخضر اسماً للنّبت الرّطب الّذي ليس بشجر كالقصيل والقضب. وفي الحديث: «حديث : وإنّ ممّا يُنبت الرّبيعُ لَمَا يَقْتُل حَبَطا أو يُلِمّ إلاّ آكِلَةَ الخَضِر أكلتْ حتّى إذا امتَدّتْ خاصرتاها»تفسير : الحديث. وهذا هو المراد هنا لقوله في وصفه {نخرج منه حبّاً متراكباً}، فإنّ الحبّ يخرج من النّبت الرّطب. وجملة: {نخرج منه} صفة لقوله {خضرا} لأنّه صار اسماً، و(من) اتِّصاليّة أو ابتدائيّة، والضّمير المجرور بها عائد إلى {خَضِرا}. والحَبّ: هو ثمر النّبات، كالبُرّ والشّعير والزّراريع كلّها. والمتراكب: الملتصق بعضه على بعض في السنبلة، مثل القَمح وغيره، والتّفاعل للمبالغة في ركوب بعضه بعضاً. وجملة: {ومن النّخل من طلعها قنوان دانية} عطف على {فأخرجنا منه خضراً}. ويجوز أن تكون معترضة والواو اعتراضيّة، وقوله: {من النّخل} خبر مقدّم و{قنوان} مبتدأ مؤخّر. والمقصود بالإخبار هنا التّعجيب من خروج القنوان من الطلع وما فيه من بهجةٍ، وبهذا يظهر وجه تغيير أسلوب هذه الجملة عن أساليب ما قبلها وما بعدها إذ لم تعطف أجزاؤها عطف المفردات، على أنّ موقع الجملة بين أخواتها يفيد ما أفادته أخواتها من العبرة والمنّة. والتّعريف في {النّخل} تعريف العهد الجنسي، وإنّما جيء بالتّعريف فيه للإشارة إلى أنّه الجنس المألوف المعهود للعرب، فإنّ النّخل شجرهم وثَمره قُوتُهم وحوائطه منبَسَط نفوسهم، ولك أن تجعله حالاً من {النّخل} اعتداداً بالتّعريف اللّفظي كقوله {والزّيتونَ والرّمَّان مشتبهاً}، ويجوز أن يكون {من طلعها} بدل بعض من {النّخل} بإعادة حرف الجرّ الدّاخل على المبدل منه. و{قِنوان} ـــ بكسر القاف ـــ جمع قِنو ـــ بكسر القاف أيضاً ـــ على المشهور فيه عند العرب غيرَ لغة قيس وأهل الحجاز فإنّهم يضمّون القاف. فقنوان ـــ بالكسر ـــ جمع تكسير. وهذه الصّيغة نادرة، غير جمع فُعَل (بضمّ ففتح) وفُعْل (بضمّ فسكون) وفَعْل (بفتح فسكون) إذا كانا واويي العين وفُعال. والقِنو: عرجون التّمر، كالعنقود للعنب، ويسمّى العِذق ـــ بكسر العين ـــ ويسمّى الكِبَاسة ـــ بكسر الكاف ـــ. والطَّلْع: وعاء عرجون التّمر الّذي يبدو في أوّل خروجه يكون كشكل الأترُجَّة العظيمة مغلقاً على العرجون، ثمّ ينفتح كصورة نعلين فيخرج منه العنقود مجتمعاً، ويسمّى حينئذٍ الإغريض، ثمّ يصير قِنوا. و{دانية} قريبة. والمراد قريبة التّناول كقوله تعالى: {أية : قطوفها دانية}تفسير : [الحاقة: 23]. والقنوان الدانية بعض قنوان النّخل خصّت بالذّكر هنا إدماجاً للمنّة في خلال التّذكير بإتّقان الصنعة فإنّ المنّة بالقنوان الدّانية أتمّ، والدّانية هي الّتي تكون نخلتها قصيرة لم تتجاوز طول قامة المتناول، ولا حاجة لذكر البعيدة التّناول لأنّ الذّكرى قد حصلت بالدّانية وزادت بالمنّة التّامّة. و{جنّاتٍ} بالنّصب عطف على {خِضرا}. وما نسب إلى أبي بكر عن عاصم من رفْع {جنّات} لم يصحّ. وقوله: {من أعناب} تمييز مجرور بــ {مِن} البيانيّة لأنّ الجنّات للأعناب بمنزلة المقادير كما يقال جريت تَمراً، وبهذا الاعتبار عُدّي فعل الإخراج إلى الجنّات دون الأعناب، فلم يقل وأعناباً في جنّات. والأعناب جمع عِنَب، وهو جمع عِنَبَة، وهو في الأصل ثمر شجر الكَرْم. ويطلق على شجرة الكرم عِنب على تقدير مضاف، أي شجرة عنب، وشاع ذلك فتنوسي المضاف. قال الرّاغب: «العِنب يقال لثمرة الكرم وللكرم نفسه» اهــ. ولا يعرف إطلاق المفرد على شجرة الكرم، فلم أر في كلامهم إطلاق العنبة بالإفراد على شجرة الكرم ولكن يطلق بالجمع، يقال: عنب، مراد به الكرم، كما في قوله تعالى: {أية : فأنبتنا فيها حَبّاً وعنباً}تفسير : [عبس: 27، 28]، ويقال: أعناب كذلك، كما هنا، وظاهر كلام الرّاغب أنّه يقال: عِنبة لشجرة الكرم، فإنّه قال: «العنب يقال لثمرة الكرم وللكرم نفسه الواحدة عنبة». {والزّيتون والرمّان} ـــ بالنّصب ـــ عطف على {جنّات} والتّعريف فيهما الجنس كالتّعريف في قوله: {ومن النّخل}. والمراد بالزّيتون والرمّان شجرهما. وهما في الأصل اسمان للثمرتين ثمّ أطلقا على شجرتيهما كما تقدّم في الأعناب. وهاتان الشّجرتان وإن لم تكونا مثل النّخل في الأهميّة عند العرب إلاّ أنّهما لعزّة وجودهما في بلاد العرب ولتنافس العرب في التّفكّه بثمرهما والإعجاب باقتنائهما ذُكرا في مقام التّذكير بعجيب صنع الله تعالى ومنّته. وكانت شجرة الزّيتون موجودة بالشّام وفي سينا، وشجرة الرمّان موجودة بالطّائف. وقوله: {مشتبهاً وغير متشابه} حال ومعطوف عليه، والواو للتّقسيم بقرينة أنّ الشيء الواحد لا يكون مشتبهاً وغير متشابه، أي بعضه مشتبه وبعضه غير متشابه. وهما حالان من «الزّيتون والرمّان» معاً، وإنّما أفرد ولم يجمع اعتباراً بإفراد اللّفظ. والتّشابه والاشتباه مترادفان كالتساوي والاستواء، وهما مشتقّان من الشبَه. والجمع بينهما في الآية للتّفنّن كراهيّة إعادة اللّفظ، ولأنّ اسم الفاعل من التّشابه أسعد بالوقف لما فيه من مدّ الصّوت بخلاف {مُشتبه}. وهذا من بديع الفصاحة. والتّشابه: التماثل في حالة مع الاختلاف في غيرها من الأحوال، أي بعض شجره يشبه بعضاً وبعضه لا يشبه بعضاً، أو بعض ثمره يشبه بعضاً وبعضه لا يشبه بعضاً، فالتّشابه ممّا تقارب لونه أو طعمه أو شكله ممّا يتطلّبه النّاس من أحواله على اختلاف أميالهم، وعدم التّشابه ما اختلف بعضه عن البعض الآخر فيما يتطلّبه النّاس من الصّفات على اختلاف شهواتهم، فمن أعواد الشّجر غليظ ودقيق، ومن ألوان ورقه قاتم وداكن، ومن ألوان ثمره مختلف ومن طعمه كذلك، وهذا كقوله تعالى: {أية : ونفضّل بعضها على بعض الأكل}تفسير : [الرعد: 4]. والمقصود من التّقييد بهذه الحال التّنبيه على أنّها مخلوقة بالقصد والاختيار لا بالصدفة. ويجوز أن تجعل هذه الحال من جميع ما تقدّم من قوله: {نخرج منه حبّاً متراكباً}، فإنّ جميع ذلك مشتبه وغير متشابه. وجعله الزمخشري حالاً من {الزّيتون} لأنّه المعطوف عليه وقدّر لــ {الرمّان} حالاً أخرى تدلّ عليها الأولى، بتقدير: والرمّان كذلك. وإنّما دعاه إلى ذلك أنّه لا يَرى تعدّدَ صاحب الحال الواحدة ولا التّنازع في الحال ونظره بإفراد الخبر بعد مبتدأ ومعطوففٍ في قول الأزرق بن طَرفة الباهلي، جواباً لبعض بني قشير وقد اختصما في بئر فقال القُشيري: أنتَ لِصّ ابنُ لِصّ: شعر : رَمَاني بأمر كنتُ منه ووالدي بَريئاً ومن أجلِ الطَّوِي رَماني تفسير : ولا ضير في هذا الإعراب من جهة المعنى لأنّ التّنبيه إلى ما في بعض النّبات من دلائل الاختيار يوجّه العقول إلى ما في مماثله من أمثالها. وجملة: {انظروا إلى ثمره} بيان للجمل الّتي قبلها المقصودِ منها الوصول إلى معرفة صنع الله تعالى وقدرته، والضّمير المضاف إليه في {ثمره} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {مشتبهاً} من تخصيص أو تعميم. والمأمور به هو نظر الاستبصار والاعتبار بأطواره. والثَمَر: الجَنَى الّذي يُخرجه الشّجر. وهو ـــ بفتح الثّاء والميم ـــ في قراءة الأكثر، جمع ثَمَرة ـــ بفتح الثّاء والميم ـــ وقرأه حمزة والكسائي وخلَف ـــ بضمّ الثّاء والميم ـــ وهو جمع تَكسير، كما جمعت: خَشبة على خُشُب، وناقة على نُوق. واليَنْعُ: الطِّيبُ والنّضج. يقال: يَنَع ـــ بفتح النّون ـــ يَيْنع ـــ بفتح النّون وكسرها ـــ ويقال: أيْنَع يُونِع يَنْعا ـــ بفتح التّحتيّة بعدها نون ساكنة ـــ. و{إذا} ظرف لحدوث الفعل، فهي بمعنى الوقت الّذي يبتدىء فيه مضمون الجملة المضاف إليها، أي حين ابتداء أثماره. وقوله: {وينعه} لم يقيّد بإذا أينع لأنّه إذَا ينع فقد تمّ تطوّره وحان قطافه فلم تبق للنّظر فيه عبرة لأنّه قد انتهت أطواره. وجملة: {إنّ في ذلكم لآيات} علّة للأمر بالنّظر. وموقع (إنّ) فيه موقع لام التّعليل، كقول بشّار: شعر : إنّ ذاك النّجَاحَ في التّبْكير تفسير : والإشارة بـ {ذلكم} إلى المذكور كلّه من قوله {وهو الّذي أنزل من السّماء ماء فأخرجنا به نبات كلّ شيء} إلى قوله {ويَنْعه} فتوحيد اسم الإشارة بتأويل المذكور، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : عوان بين ذلك}تفسير : في سورة [البقرة: 68]. و{لقوم يؤمنون} وصف للآيات. واللاّم للتّعليل، والمعلّل هو ما في مدلول الآيات من مضمّن معنى الدّلالة والنّفع. وقد صرّح في هذا بأنّ الآيات إنّما تنفع المؤمنين تصريحاً بأنّهم المقصود في الآيتين الأخريين بقوله: {أية : لقوم يعلمون}تفسير : [الأنعام: 97] وقوله {أية : لقوم يفقهون}تفسير : [الأنعام: 98]، وإتماماً للتّعريض بأنّ غير العالمين وغير الفاقهين هم غير المؤمنين يعني المشركين.

الواحدي

تفسير : {وهو الذي أنزل من السماء ماء} يعني: المطر {فأخرجنا به نبات كلٍّ شيء} يَنبت {فأخرجنا} من ذلك النَّبات {خضراً} أخضر، كالقمح، والشَّعير، والذُّرة، وما كان رطباً أخضر مما ينبت من الحبوب {نخرج منه} من الخضر {حباً متراكباً} بعضه على بعض في سنبلةٍ واحدةٍ {ومن النخل من طلعها} أوَّل ما يطلع منها {قنوان} يعني: العراجين التي قد تدلَّت من الطَّلع {دانية} ممَّن يجتنيها. يعني: قصار النَّخل اللاَّحقة عذوقها بالأرض {وجنات} أَيْ: وأخرجنا بالماء جنَّات {من أعناب والزيتون} وشجر الزَّيتون {والرمان} وشجر الرُّمان {مشتبهاً} [في اللون: يعني: الرُّماني] {وغير متشابه} [في الطَّعم. أي: مختلفة في الطَّعم. وقيل:] مُشتبهاً ورقها، مُختلفاً ثمرها {انظروا إلى ثمره} نظر الاستدلال والعبرة أوَّل ما يعقد {وينعه} نضجه {إنَّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} يصدِّقون أنَّ الذي أخرج هذا النَّبات قادرٌ على أن يحيي الموتى. {وجعلوا لله شركاء الجن} أطاعوا الشَّياطين في عبادة الأوثان، فجعلوهم شركاء لله {وخَرَقوا له بنين وبنات} افتعلوا ذلك كذباً وكفراً، يعني: الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود والنَّصارى حين دعوا لله ولداً {بغير علم} لم يذكروه عن علمٍ، إنَّما ذكروه تكذُّباً. وقوله: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} أَيْ: مِنْ أين يكون له ولدٌ؟ ولا يكون الولد إلاَّ من صاحبةٍ، ولا صاحبة له {وخلق كلَّ شيء} أَيْ: وهو خالق كلِّ شيء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 99- وهو الذى أنزل من السحاب ماء أخرج به نبات كل صنف، فأخرج من النبات شيئاً غَضَّا طريَّا، ونخرج منه حباً كثيراً بعضه فوق بعض، ومن طلع النخل عراجين نخرجها محملة بالثمار سهلة التناول، وأخرجنا كذلك بالماء جنات من الأعناب والزيتون والرمان، ومنها ما هو متماثل الثمر فى الشكل وغير متماثل فى الطعم والرائحة ونوع الفائدة. انظروا فى تدبر واعتبار إلى ثمره حين يثمر، وإلى نضجه كيف تم بعد أطوار مختلفة؟ إن فى ذلك لدلائل لقوم ينشدون الحق ويؤمنون به ويذعنون له. 100- واتخذ الكافرون - مع هذه الدلائل - الملائكة والشياطين شركاء لله، وقد خلقهم فلا يصح مع علمهم ذلك أن يعبدوا غيره، وهو الذى خلق الملائكة والشياطين، فلا ينبغى أن يعبدوهم وهم مخلوقون مثلهم!.. واختلق هؤلاء الكفار لله بنين: فزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم مشركو بعض العرب أن الملائكة بنات الله، وذلك جهل منهم. تنزّه الله تعالى عما يفترون فى أوصافه سبحانه!

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتٍ} {مُتَشَابِهٍ} {لآيَاتٍ} (99) - وَهُوَ الذِي أَنْزَلَ بِقَدَرٍ مِنْهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً، وَرِزْقاً لِلْعِبَادِ، وَإِحْيَاءً وَغِيَاثاً لِلْخَلاَئِقِ، فَأَخْرَجَ النَّبَاتَ وَالزُّروعَ وَالشَّجَرَ الأَخْضَرَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْلُقُ فِيهِ الحَبَّ وَالثَّمَرَ، وَيَرْكَبُ بَعْضُ الحَبِّ بَعْضاً كَسَنَابِلِ القَمْحِ وَالذُّرَةِ وَنَحْوِهَا، وَيُخْرِجُ مِنْ طُلُوعِ النَّخْلِ عُذُوقَ الرُّطَبِ (قِنْوَانٌ - وَهِيَ عَنَاقِيدُ التَّمْرِ)، وَتَكُونُ دَانِيةً قَرِيبَةً مِنَ المُتَنَاوَلِ، وَيُخْرِجُ بِالمَاءِ بَسَاتِينَ (جَنَّاتٍ) العِنَبِ وَيُخْرِجُ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ. وَثِمَارُ هذِهِ الأّشْجَارِ تَتَشَابَهُ فِي مَنْظَرِهَا، وَتَخْتَلِفُ فِي طَعْمِها، فَانْظُرُوا، فِي تَدَبُّرٍ وَتَمَعُّنٍ، إِلَى ثَمَرِهِ حِينَ يُثْمِرُ، وَإِلى نُضْجِهِ، وَفَكِّرُوا فِي قُدْرَةِ الخَالِقِ، الذِي أَخْرَجَهُ إِلَى الوُجُودِ، فَبَعْدَ أنْ كَانَ حَطَباً صَار ثَمَراً صَغِيراً، ثُمَّ أَخَذَ فِي النَّمَاءِ حَتَّى صَارَ فَاكِهَةً نَاضِجَةً. فَإِنَّ فِي ذَلِكَ، يَا أَيُّها النَّاسُ، دَلاَلاتٍ عَلَى وُجُودِ خَالِقِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، وَعَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِهِ، وَيَتَّبِعُونَ رُسُلَهُ. خَضِراً - شَيْئاً أَخْضَرَ غَضّاً. حَبّاً مُتَرَاكِباً - يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضاً، كَسَنَابِلِ القَمْحِ وَعَنَاقِيدِ الذُّرَةِ. طَلْعُ النَّخْلِ - أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ ثَمَرُ النَّخْلِ فِي الكِيزَانِ. قِنْوانٌ - عُذُوقُ النَّخْلِ. وَهِيَ كَالعَنَاقِيِدِ لِلْعِنَبِ تَنْشَقُّ عَنْهَا الكِيزَانِ. دَانِيةً - مُتَدَلِّيَةً أَوْ قَريبَةً مِنْ مُتَنَاوَلِ اليَدِ. يَنْعِهِ - نُضْجِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كان السياق يقتضي أن يقول سبحانه: أنزل من السماء ماء "فأخرج". لكنه هنا قال: "فأخرجنا"؛ لأن كل شيء لا يوجد لله فيه شبهة شريك؛ فهو من عمله فقط، ولا يقولن أحد إنه أنزل المطر وأخرج النبات لأن الأرض أرض الله المخلوقة له والبذور خلقها الله، والإنسان يفكر بعقل خلقه الله وبالطاقة المخلوقة له. وأنت حين تنسب الحاجات كلها إلى صانعها الأول، فهو إذن الذي فعل، لكنه احترم تعبك، وهو يوضح لك: حين قال: "فأخرجنا" أي أنا وأسبابي التي منحتها لك، أنا خلقت الأسباب، والأسباب عملت معك. فإذا نظرت إلى مسبب الأسباب فهو الفاعل لكل شيء. وإن نظرت إلى ظاهرية التجمع والحركة فالأسباب التي باشرها الإنسان موجودة؛ لذلك يقول: "فأخرجنا". وسبحانه جل وعلا قد يتكلم في بعض المواقف فيثبت للإنسان عملاً لأنه قام به بأسباب الله الممنوحة له، ولكنه ينفي عنه عملاً آخر ليس له فيه دخل بأي صورة من الصور؛ مثل قوله الحق: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64]. سبحانه هنا ينسب لنا الحرث لأننا قمنا به ولكن بأسباب منه - سبحانه - فهو الذي أنزل لنا الحديد الذي صنعنا منه المحراث وهدانا إلى تشكيله بعد أن ألانه لنا بالنار التي خلقها لنا، وبالطاقة التي أعطانا إياها، أما الزراعة فليس لأحد منا فيها عمل ولذلك يقول سبحانه: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير : [الواقعة: 65]. هنا - سبحانه - أتى باللام في قوله تعالى: (لجعلناه) للتأكيد؛ لأن الإنسان له في هذا الأمر عمل، إنه حرث وتعهد ما زرعه بالريّ والكد حتى نما وأثمر، لكن قد تصيبه آفة تقضي عليه، فالأسباب وإن كانت قد عملت إلا أنها لا تضمن الانتفاع بثمرة الزرع، ذلك لأن الأسباب لا تتمرد، ولا تتأبى على الله ولا تخرج عليه، إنها تؤدي ما يريده منها الله، وقد يعطلها سبحانه. أما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}، إنه سبحانه لم يقل لجعلناه، لأنه ليس لأحد فيه عمل لذلك لم يؤكده باللام. ويقول سبحانه: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} تفسير : [الواقعة: 71-73]. إن كل شيء يذكره الحق يذكر معه أيضاً ما ينقضه، ذلك حتى لا يُفْتَن الإنسان بوجود الأشياء، وعليه أن يستقبل الأشياء مع إمكان إعدامها. وإذا ما كان الإنسان هو الذي يحرث فالحق بطلاقة قدرته قد يجعل النبات حطاماً، ومن قبل قال عن مقومات الحياة: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الواقعة: 58-59]. ثم جاء سبحانه بما ينقضه فقال: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ}. أما عن النار فلم يقل - سبحانه - إنه يقضي عليها ويخمدها ويطفئها، إنه - جل شأنه - أبقاها ليعلمنا ويذكرنا بنار الآخرة {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} أي لا بد أن نتركها أمامكم حتى لا يغيب عنكم العذاب الآخروي {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} أي ونتركها - جون نقض لها وذلك لأمر آخر هو المنفعة في الدنيا للذين ينزلون أماكن خالية قفراء أو للذين خلت بطونهم وأوعيتهم ومزاودهم من الطعام لأن النار تنفعهم وتساعدهم على إعداد طعامهم استبقاء لحياتهم: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 99]. والشيء هو ما يُخْبَر عنه؛ الهباءة شيء، والذرة شيء وكل حاجة اسمها شيء، ومعنى نبات كل شيء: أن كل حاجة مثل النبات تماماً. رأينا الحجارة التي يقول عنها العلماء هذه جرانيت، وتلك الرخام وتلك مرمر، ولو نظرت إلى أصلها وجدتها أعماراً للحجارة، طال عمر حجر ما فصارا فحماً، وطال عمر آخر فصار جرانيتاً، وهكذا. وكل حاجة لها حياة لتثبت لنا القضية الأولى، وهي: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] أو نبات كل شيء ترون فيه نمواً وحياة، والعقل الفطري يأخذها هكذا، لكن العقل المستوعب يأخذ منها قضايا كثيرة، ويتغلغل في الكون ويجد الآية سابحة معه وهو سابح معها. ويتابع سبحانه: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} وإذا قلت كلمة "خَضِر" فقد تعني اللون المعروف لنا وهو الأخضر، لكن "خضر" فيها وصف زائد قليلاًً عن أخضر؛ لأن "أخضر" يخبر عن لون فقط، واللون متعلقة العين، لكن "خضر" يعطي اللون، ويعطي الغضاضة ونعرفها "بالحس". وحين تلمسه تجد النعومة. إذن "خضر" فيها أشياء كثيرة؛ "لون" متعلق العين، و "غضاضة" نعرفها بالحس وفيها نعومة نعرفها باللمس. وهذا اللون الأخضر يكون داكناً جداً أي أن خضرته شديدة حتى أنها تضرب إلى السواد؛ لذلك نسمع من يقول: "سواد العرق" أي الأرض الخصبة التي في العراق، ويسمونها سواد العرق لأنها خضراء خضرة شديدة ولذلك تكون مائلة إلى السواد، ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَآمَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 62-64]. و"مدهامة" أي مثل دهمة الليل؛ كأنها من شدة خضرتها صارت كدهمة الليل. ويتابع الحق {خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} والحب هو ما ليس له نواة مثل حبة الشعير وحبة القمح وحبة العدس وحبة اللوبيا. و "متراكبا" تعني أنه حب مرصوص متساند. {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} والنخل عند العرب له مكانة عالية لأنه يعطي لهم الغذاء الدائم فيذكرهم به {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}. و"الطلع" هو أول شيء يبدو من ثمر النخل، وهو ما نسميه في الريف "الكوز الأخضر" وهو في الذكر من النخل الذي يسمى "الفحل" ويوجد أيضاً في الأنثى، وأول ما يبدو من ثمر النخل يسمى الطلع، ثم ينشق الطلع ويخرج منه القنو أو العزق أو العرجون، وهو الجزء الذي توجد فيه الشماريخ التي يتعلق بها البلح. والطلع إذن هو الثمرة الأولى للنخلة قبل أن تنشق ويطلع منها القنوان وهو "السباطة" كما نسميها في الريف. "قنوان دانية" ويصفها الحق بأنها دانية لأنك حين تنظر طلع النخيل أول ما يطلع تجده ينشق ويحمي نفسه بشوك الجريد حتى لا تأكله الحشرات ثم يثقل وينحني ويكاد ينزل على الأرض فيكون دانياً قريبا، فإن كانت هناك "سباطة" شاذة تجد من يجنيها يُدخل يده بين الشوك ليصل إليها. وسبحانه يترك لنا فلتات لنعرف نعمة الله في أنه جعلها تتدلى لأنها لو كانت كلها دانية. قد لا يلتفت إليها، لذلك يترك واحدة بين الشوك ليتعب الإنسان حتى يحصل عليها لتعرف أنه سبحانه قد دنّى لك الباقي وهذه نعمة من الله. ويُطلق الطلع مرة على الأكمام و "الكِم" هو ما توجد في قلبه الثمار، ومرة يطلق على الثمر نفسه: {أية : وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} تفسير : [ق: 10]. وأنت ترى البلح نازلاً من "الشماريخ"، وكل شمروخ به عدد من البلح، ثم ترى "الشمروخ" متصلاً بالأم، وفي ذلك ترى عظمة الهندسة العجيبة في ترتيب الثمار. وكل شيء محسوب في هذا الأمر بهندسة عجيبة وعندما ننظر إلى ما تعلمناه في حياتنا حين نصمم شبكة توصيل المياه وشبكة الصرف الصحي، إن شبكة المياه التي تعطينا الذي نستخدمه، وشبكة الصرف الصحي التي تأخذ الزائد من المياه والفضلات. عندما تنظر إلى هذه الشبكة أو تلك تجد هندسة كل منها دقيقة؛ لأن أي غفلة في التصميم تسبب المتاعب. فحين تريد توصيل المياع إلى حارة؛ فأنت تستخدم ماسورة قطرها كذا بوصة، وفي الحارة هناك عطفات فتحضر لكل عطفة ماسورة أقل قطراً من الأولى، ثم ماسورة أقل للبيوت، وماسورة أقل بكثير لكل شقة، لقد قام المهندسون بحساب دقيق لهذه المسائل. فإذا كانت هذه هي هندسة البشر، فما بالنا بهندسة الخالق؟ أنت تجد العزق: وهو حامل الرطب يأخذ من النخلة، وكل نخلة فيها كذا "سباطة" وفي كل "سباطة" هناك "الشماريخ"، ثم هناك البلح وكل بلحة تأخذ شعرة لغذائها. وهكذا نجد كل شيء محسوباً بدقة بالغة. إنها هندسة كونية عجيبة مصنوعة بقول الحق: كن، وصدق الله القائل: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وكلمة {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} لم نكن نعرف ما وراءها، كنا نعرف فقط أن السماء هي كل ما علاك فأظللك، والماء يأتي من السحاب، وكلنا نرى السماء تمطر. وكلنا نعرف التعبير الفطري الذي يقول: غامت السماء، ثم أمطرت، وهناك من قال: تضحك الأرض من بكاء السماء لأنها تستقبل الماء الذي يروي ما بها من بذور. لكن ما وراء عملية الإنزال هذه؟ إن هناك عملية أخرى تحدث في الكون دون شعور منا، عرفناها فقط حين تقدم العلم وحين قمنا بتقطير المياه، فأحضرنا موقداً ووضعنا فوقه قارورة ماء، وحين وصل إلى نقطة الغليان خرج البخار، وسار البخار في الأنابيب ومرت الأنابيب في أوساط باردة فتكثفت المياه ونزلت ماء مقطراً، ومثل ذلك يحدث في المطر، وانظر كم يكلفنا كوب واحد من الماء المقطر الذي نشتريه من الصيدلية؟ وقارن ذلك بالسماء التي تنزل بماء منهمر، ولا ندري كيق صُنع. ولذلك يقول الحق: {أية : أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} تفسير : [الواقعة: 69]. هكذا ينزل الماء من السماء، ولم نكن نعرف كيف يحدث ذلك وسبحانه يقول هنا: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه} [الأنعام: 99]. وحين يقول سبحانه {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه} نصدق، مثال حبة الخوخ، هناك حبة من نوع نسميه "الخوخ السلطاني"، حين تمسك بالثمرة الواحدة تنفلق لتخرج البذرة نظيفة، وحبة أخرى نفلقها نحن فتجد البذرة فيها بعض لحم الفاكهة ونجد فيها أيضا بعضاً من الألياف. وهذه لها لون والأخرى لها لون، هذه لها طعم وتلك لها طعم مختلف. {أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} تفسير : [الرعد: 4]. هذا ليعرف الإنسان أن طلاقة القدرة تحقق ما يريده الخالق، وبعد ذلك تلتفت فتجد الفصائل، فهذا برتقال منه بسرّة، ومنه برتقال بلدي. وبرتقال بدمّه ثم اليوسفي. ولذلك سنجد في الجنة ما يحدثنا عنه سبحانه فيقول: {أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} تفسير : [البقرة: 25]. وحين يأكل منه ساكن الجنة يكتشف أن لفاكهة الجنة طعما مختلفا. ومن طلاقة القدرة أنه بعد التحليلات التي قام بها العلماء المعمليون - جزاهم الله عنا خيراً - لـ "حبة العنب" وجدوا أن القشرة التي تغلفها لها طبيعة "البارد" و "اليابس"، واللحم لحبة العنب طبيعته مختلفة "حار رطب" ثم البذرة "بارد يابس"، وهذه ثلاث طبائع في الحبة الواحدة، وهذا شيء عجيب التكوين. وكذلك "الأترجة" وهي فاكة كالنارنج تجد القشرة "حارة يابسة"، واللحم فيها "بارد رطب"، والسائل الذي في اللحم "بارد يابس" والبذرة "حار يابس"، طبائع أربعة في الشيء الواحد، كيف؟ وبأية قدرة؟ إن العلماء قد تعبوا حتى عرفوا تكوينها ليظهروا لنا المسألة، وتلتفت لتجد ثمرة تأكل ظاهرها، وباطنها بذرة، وثمرة ثانية تأكل ما في داخلها كالجوز أو اللوز، وتقشر القشرة وتلقيها، والخوخة تأكل لحمها وتترك بذرتها، وذلك لتعرف أن المسألة ليست آلية خلق بل إبداع خالق. وتجد الشيء له اللون، واللون بلا طعم، ثم الرائحة المميزة وكل ذلك دليل على طلاقة القدرة. وهذا هو السبب في أن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن ثمار الجنة يأتي بثمار مثلها في الدنيا؛ لأنه لو أحضر ثماراً ليس لها مثيل في الدنيا لقال الإنسان: هذه طبيعة الثمار، ولو وجدت في الدنيا لكان لها طعم مماثل. لكن هاهي ذي تتشابه، وطعومها مختلفة.. إنها طلاقة القدرة. ويقول الحق: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} الحق سبحانه وتعالى لا يعطي الإنسان حتى يملأ بطنه فحسب لا، ولكنه يغذي كل الملكات في النفس الإنسانية حتى ملكات الترف، وملكات الجمال، وملكات الحسن، فيوضح لك قبل أن تأكل: انظر للثمر وشكله! لتغذي عينيك بالمنظر الجميل حين ترى الثمرة طالعة وتتبعها حتى تنضج، إنّها مراحل عجيبة تدل على أن الصانع قيّوم، وكل يوم لها شكل مختلف وحجم مختلف، وإن أكلتها اليوم فستجد طعمها يختلف عما إذا أكلتها بعد ذلك بيوم، وهذا دليل على أن خالقها قيّوم عليها. ما دامت كل لحظة من اللحظات فيها شكل، وفيها لون وفيها طعم وفيها رائحة جديدة. {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}، و"ينعه" أي وصلت إلى النضج وذلك إشاعة للتمتع بنعم الكون لأن النظر إلى الثمر لا يعني أنني أملكه، فقد أراه في حقل جاري وأنظر له وأتمتع بشكله. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يشيع الانتفاع بنعم الله حتى عند غير واجدها، لأن أحداً لن يمنعني من أن أنظر، فأنبسط، فمن ناحية الكمال الإنساني هناك غذاء لملكات النفس؛ لأن النفس ليست ملكات جوع وعطش فقط بل هي ملكات متعددة، وكل ملكة لها غذاؤها. ولذلك فقبل أن يقول لي: إن الخيل والبغال تحمل الأثقال.. قال سبحانه: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 6-7]. إذن فهو يعطيني فائدة حمل الأثقال؛ لأن حمل الأثقال لمن يملكها، إنما الذي لا يملكها فهو يرى الحصان يسير بجمال، فيسعد برؤيته فيتمتع بما لا يملك، هذه إشاعة لنعم الله على خلق الله. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يؤمنون بأن الإله الذي آمنوا به يستحق بصفات الجلال والجمال فيه أن يُؤْمَن به، وكلما رأى الإنسان خلقا جميلاً قال: الله، إذن أنا إيماني صحيح والآيات تؤكد صدق إيماني بالإله الذي خلق كل هذا، وكل يوم تبدو لي حاجة عجيبة تزيدني إيماناً، وعقلي الذي وهبه الله لي هداني إلى الإيمان بهذا الإله. ومن العجيب ان هناك من جعلوا لله شركاء!! إله له كل هذه الصفات من أول فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، وجعل الليل ساكناً، والشمس، والقمر، حسابناً وبحسبان، والنجوم نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وأنزل لنا من السماء ماء، وأخرج لنا النبات منه خضر، كل هذه المسائل كان يجب أن تكون صارفة للناس إلى أن الله وحده هو الخالق المستحق للعبادة، ولا تتجه أبداً بالعبادة أو بالإيمان بغيره، لكن هناك من جعلوا لله شركاء، وجاء بها سبحانه بعد كل ذلك حتى يحفظنا ويغضبنا عليهم لنحذرهم ونتقيهم. وإذا أحفظنا عليهم استحمدنا أي استوجب علينا حمد إذْ أنه هدانا إلى الإيمان، فنقول: الحمد لله الذي هدانا إلى الإيمان. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} فالقِنو: هو العِذقُ. والاثْنَانُ: قنوَانُ. ودَانيةٌ: معناه قَريبَةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَيَنْعِهِ} معناهُ مَدرَكَهُ.

الجيلاني

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: بالماء - التفت لئلا يتوهم إسناد الإخراج إلى الماء - {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} نبت كل صنف من أصناف النباتات {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} أي: من النبات {خَضِراً} وهو السارق {نُّخْرِجُ مِنْهُ} من الخضر {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} وهو السنبلة {وَ} أخرجنا {مِنَ ٱلنَّخْلِ} طلعها {مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ} عنقود {دَانِيَةٌ} متلفة بعضها ببعض {وَ} أيضاً أخرجنا {جَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَ} كذا أخرجنا {ٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} من أشجارها {مُشْتَبِهاً} بعضها ببعض {وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ} أي: أنواع مختلفة {ٱنْظُرُوۤاْ} أيها الناظرون {إِلِىٰ ثَمَرِهِ} أي: ثمر كل من المذكورات {إِذَآ أَثْمَرَ} حين أخرج أولاً صغيراً بلا لذة وانتفاع (وَ) انظر إلى {وَيَنْعِهِ} نضجعه وبدو صلاحه ونفعه وكبره قليلاً قليلاً {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] دلائل واضحات على وجود الفاعل المختار الحكيم، المتقن في فعله بلا مشاركة أحد وممانعة ضد وند، العليم الخبير بتطوراتها وتبديلاتها من حال إلى حال متدرجاً من كمال إلى أكمل، العربي لها في كل مرتبة بما يناسبها ويلائمها على الاعتدال إلى أن يعود إلى ما بدأ. {وَ} مع عجائب صنيعه وغرائب قدرته {جَعَلُواْ} من غاية جهلهم ونهاية غفلتهم {للَّهِ} التوحد في ذاته، المنزه عن الشريك مطلقاً {شُرَكَآءَ} خصوصاً {ٱلْجِنَّ} أي: الشياطين فيعبدنهم كعبادة الله ويمتثلون أوامرهم كأوامر الله {وَ} الحال أنهم عالمون بأن الله تعالى قد {خَلَقَهُمْ} ومعبوداتهم {وَ} من جملة شركهم أنهم {خَرَقُواْ لَهُ} أي: أثبتوا له افتراء ومراء {بَنِينَ} كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله {وَبَنَٰتٍ} كما قالت العرب: الملائكة بنات الله، كل ذلك صار منهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} ومعرفة بذاته المنزه عن الأهل والولد {سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] هؤلاء الظالمون المفرطون؛ إذ هو: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} مبدعهما ومظهرهما من كتم العدم بلا سبق مادة ومدة وأزواج وأرواج، بل بالتجلي عليها ومد الظل إليها {أَنَّىٰ} أي: من أين {يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} وليس غيره أحد {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ} والولد إنما يتصور بين المتجانسين {وَخَلَقَ} أوجد وأظهر {كُلَّ شَيْءٍ} بأظلال أوصافه الذاتية وعكوس شؤونه وتجليات الحبية {وهُوَ} بذاته {بِكُلِّ شَيْءٍ} مما ظهر من تحليات صفاته {عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] لا يخفى عليه شيء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من أعظم مننه العظيمة، التي يضطر إليها الخلق، من الآدميين وغيرهم، وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا وقت حاجة الناس إليه، فأنبت الله به كل شيء، مما يأكل الناس والأنعام، فرتع الخلق بفضل الله، وانبسطوا برزقه،وفرحوا بإحسانه، وزال عنهم الجدب واليأس والقحط، ففرحت القلوب، وأسفرت الوجوه، وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم، ما به يتمتعون وبه يرتعون، مما يوجب لهم، أن يبذلوا جهدهم في شكر من أسدى النعم، وعبادته والإنابة إليه، والمحبة له. ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء، من أنواع الأشجار والنبات، ذكر الزرع والنخل، لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس فقال: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ } أي: من ذلك النبات الخضر، { حَبًّا مُتَرَاكِبًا } بعضه فوق بعض، من بر، وشعير، وذرة، وأرز، وغير ذلك، من أصناف الزروع، وفي وصفه بأنه متراكب، إشارة إلى أن حبوبه متعددة، وجميعها تستمد من مادة واحدة، وهي لا تختلط، بل هي متفرقة الحبوب، مجتمعة الأصول، وإشارة أيضا إلى كثرتها، وشمول ريعها وغلتها، ليبقى أصل البذر، ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار. { وَمِنَ النَّخْلِ } أخرج الله { مِنْ طَلْعِهَا } وهو الكفرى، والوعاء قبل ظهور القنو منه، فيخرج من ذلك الوعاء { قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } أي: قريبة سهلة التناول، متدلية على من أرادها، بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن طالت، فإنه يوجد فيها كرب ومراقي، يسهل صعودها. { و } أخرج تعالى بالماء { جنات مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } فهذه من الأشجار الكثيرة النفع، العظيمة الوقع، فلذلك خصصها الله بالذكر بعد أن عم جميع الأشجار والنوابت. وقوله { مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون، أي: مشتبها في شجره وورقه، غير متشابه في ثمره. ويحتمل أن يرجع ذلك، إلى سائر الأشجار والفواكه، وأن بعضها مشتبه،يشبه بعضه بعضا، ويتقارب في بعض أوصافه، وبعضها لا مشابهة بينه وبين غيره، والكل ينتفع به العباد، ويتفكهون، ويقتاتون، ويعتبرون، ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به، فقال: { انْظُرُوا } نظر فكر واعتبار { إِلَى ثَمَرِهِ } أي: الأشجار كلها، خصوصا: النخل { إذا أثمر } . { وَيَنْعِهِ } أي: انظروا إليه، وقت إطلاعه، ووقت نضجه وإيناعه، فإن في ذلك عبرا وآيات، يستدل بها على رحمة الله، وسعة إحسانه وجوده، وكمال اقتداره وعنايته بعباده. ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر وليس كل من تفكر، أدرك المعنى المقصود، ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات بالمؤمنين فقال: { إِنَّ فِي ذَلِكَم لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان، على العمل بمقتضياته ولوازمه، التي منها التفكر في آيات الله، والاستنتاج منها ما يراد منها، وما تدل عليه، عقلا وفطرة، وشرعا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 272 : 11 : 13 - سفين عن أبي إسحاق عن البرآء في قوله {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} قال، قريبة. [الآية 99].

همام الصنعاني

تفسير : 836- حدثنا عَبْد الرزَّاق، عن الثَّوْريِّ، عن أبي إسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ في قوله تعالى: {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}: [الآية: 99]، قال: قريبة. 837- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}: [الآية: 99]، قال: قنوان، عزوق النخل، يَقُولُ: دانية مُتَهَدِّلَةٌ، يعني: متدلِّيَةُ. 838- حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَيَنْعِهِ}: [الآية: 99] قال: وَنُضْجِهِ.