٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
100
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية، وكمال القدرة والرحمة. ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف. فالطائفة الأولى: عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين. والطائفة الثانية: من المشركين الذين يقولون، مدبر هذا العالم هو الكواكب، وهؤلاء فريقان منهم من يقول: إنها واجبة الوجود لذاتها، ومنهم من يقول: إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة، وخالقها هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل صلى الله عليه وسلم ناظرهم بقوله: {لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } وشرح هذا الدليل قد مضى. والطائفة الثالثة: من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من السموات والأرضين إلهان: أحدهما فاعل الخير. والثاني فاعل الشر، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد. فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس أخوان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور. واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة، قال ابن عباس: والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } تفسير : [الصافات: 158] وإنما وصف بكونه من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون فصارت كأنها مستترة من العيون، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها، وأقول: هذا مذهب المجوس، وإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى بالزند والمنسوب إليه يسمى زندي. ثم عرب فقيل زنديق. ثم جمع فقيل زنادقة. واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن، وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة، والأقلون منهم قالوا: إنه قديم أزلي، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من الله تعالى وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما. فإن قيل: فعلى هذا التقدير: القوم أثبتوا لله شريكاً واحداً وهو إبليس، فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء؟ والجواب: أنهم يقولون عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات. والشياطين أيضاً فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين. فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكاً لله تعالى في ملكه، وتقريره من وجهين: الأول: أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث. إذا ثبت هذا فنقول: إن كل محدث فله خالق وموجد، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى، ولما كان إبليس أصلاً لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلاً للخيرات، والثاني يكون فاعلاً للشرور لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الأعظم فقوله تعالى: {وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى أن تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس، وإذا كان خالقاً لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلاً لأعظم الشرور، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم: لا بد للخيرات من إله، وللشرور من إله آخر. والوجه الثاني: في استنباط الحجة من قوله: {وَخَلَقَهُمْ } ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب «الأربعين في أصول الدين» أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث. وحصول الوجود بعدم العدم، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية وبالله التوفيق. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } معناه: وجعلوا الجن شركاء لله. فإن قيل: فما الفائدة في التقديم؟ قلنا: قال سيبويه: إنهم يقدمون الأهم الذي هم بشأنه أعنى، فالفائدة في هذا التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك سواء كان ملكاً أو جنياً أو إنسياً أو غير ذلك. فهذا هو السبب في تقديم اسم الله على الشركاء. إذا عرفت هذا فنقول: قرىء {ٱلْجِنَّ } بالنصب والرفع والجر، أما وجه النصب فالمشهور أنه بدل من قوله: {شُرَكَاء } قال بعض المحققين: هذا ضعيف لأن البدل ما يقوم مقام المبدل، فلو قيل: وجعلوا لله الجن لم يكن كلاماً مفهوماً بل الأولى جعله عطف بيان. أما وجه القراءة بالرفع فهو أنه لما قيل: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } فهذا الكلام لو وقع الاقتصار عليه لصح أن يراد به الجن والأنس والحجر والوثن فكأنه قيل ومن أولئك الشركاء؟ فقيل: الجن. وأما وجه القراءة بالجر فعلى الإضافة التي هي للتبيين. المسألة الثالثة: اختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه: فالأول: ما ذكرناه من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر. والقول الثاني: أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهؤلاء يقولون المراد من الجن الملائكة، وإنما حسن إطلاق هذا الاسم عليهم، لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، والملائكة مستترون عن الأعين، وكان يجب على هذا القائل أن يبين أنه كيف يلزم من قولهم الملائكة بنات الله؟ قولهم بجعل الملائكة شركاء لله حتى يتم انطباق لفظ الآية على هذا المعنى، ولعله يقال: إن هؤلاء كانوا يقولون الملائكة مع أنها بنات الله فهي مدبرة لأحوال هذا العالم وحينئذ يحصل الشرك. والقول الثالث: وهو قول الحسن وطائفة من المفسرين أن المراد: أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام، وإلى القول بالشرك، فقبلوا من الجن هذا القول وأطاعوهم، فصاروا من هذا الوجه قائلين: يكون الجن شركاء لله تعالى. وأقول: الحق هو القول الأول. والقولان الأخيران ضعيفان جداً. أما تفسير هذا الشرك بقول العرب الملائكة بنات الله، فهذا باطل من وجوه: الوجه الأول: أن هذا المذهب قد حكاه الله تعالى بقوله: {أية : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 100] فالقول بإثبات البنات لله ليس إلا قول من يقول الملائكة بنات الله، فلو فسرنا قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } بهذا المعنى يلزم منه التكرار في الموضع الواحد من غير فائدة، وأنه لا يجوز. الوجه الثاني: في إبطال هذا التفسير أن العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وإثبات الولد لله غير، وإثبات الشريك له غير، والدليل على الفرق بين الأمرين أنه تعالى ميز بينهما في قوله: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 3، 4] ولو كان أحدهما عين الآخر لكان هذا التفصيل في هذه السورة عبثاً. الوجه الثالث: أن القائلين بيزدان وأهرمن يصرحون بإثبات شريك لإله العالم في تدبير هذا العالم، فصرف اللفظ عنه وحمله على إثبات البنات صرف للفظ عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز. وأما القول الثاني: وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة: أن الكفار قبلوا قول الجن في عبادة الأصنام، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه شريكاً لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب مجازه، وأيضاً فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لزم وقوع التكرير من غير فائدة، لأن الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على سبيل الاستقصاء، فثبت سقوط هذين القولين، وظهر أن الحق هو القول الذي نصرناه وقويناه. وأما قوله تعالى: {وَخَلَقَهُمْ } ففيه بحثان: البحث الأول: اختلفوا في أن الضمير في قوله: {خَلَقَهُمْ } إلى ماذا يعود؟ على قولين: فالقول الأول: إنه عاد إلى {ٱلْجِنَّ } والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب، فتولد الشيطان عن ذلك العجب، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان، فهؤلاء معترفون بأن إهرمن محدث، وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى: {وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى هذا المعنى، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق لله تعالى امتنع جعله شريكاً لله في تدبير العالم، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق، وجعل الضعيف الناقص شريكاً للقوي الكامل محال في العقول. والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى الجاعلين، وهم الذين أثبتوا الشركة بين الله تعالى وبين الجن، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين: أحدهما: أنا إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلاً قاطعاً تاماً كاملاً في إبطال ذلك المذهب، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب، وأقرب المذكورات في هذه الآية هو الجن، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {وَخَلَقَهُمْ } أي اختلاقهم للأفك. يعني: وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى الله في قولهم: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا }. ثم قال: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وفيه مباحث: البحث الأول: أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكاً لله تعالى. ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات. أما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه. الحجة الأولى: أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته، ومن كان كذلك فيكون عبداً له ولا ولداً له، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو، امتنع منه أن يثبت له البنات والبنين. الحجة الثانية: أن الولد يحتاج إليه أن يقوم مقامه بعد فنائه، وهذا إنما يعقل في حق من يفنى، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه. الحجة الثالثة: أن الولد مشعر بكونه متولداً عن جزء من أجزاء الوالد، وذلك إنما يعقل في حق من يكون مركباً ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه، وذلك في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال، فحاصل الكلام أن من علم أن الإله ما حقيقته استحال أن يقول له ولد فكان قوله: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } إشارة إلى هذه الدقيقة. البحث الثاني: قرأ نافع {وَخَرَقُواْ } مشددة الراء. والباقون {خرقوا} خفيفة الراء. قال الواحدي: الاختيار التخفيف، لأنها أكثر والتشديد للمبالغة والتكثير. البحث الثالث: قال الفراء: معنى {خرقوا} افتعلوا وافتروا. قال: وخرقوا واخترقوا وخلقوا واختلقوا، وافتروا واحد. وقال الليث: يقال: تخرق الكذب وتخلقه، وحكى صاحب «الكشاف»: أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة فقال: كلمة عربية كانت تقولها. كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم قد خرقها، والله أعلم. ثم قال: ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه. أي شقوا له بنين وبنات. ثم إنه تعالى ختم الآية فقال: { سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } فقوله سبحانه تنزيه لله عن كل ما لا يليق به. وأما قوله: {وَتَعَالَىٰ } فلا شك أنه لا يفيد العلو في المكان، لأن المقصود ههنا تنزيه الله تعالى عن هذه الأقوال الفاسدة، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى. فثبت أن المراد ههنا التعالي عن كل اعتقاد باطل. وقول فاسد. فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله: «سبحانه» وبين قوله: «وتعالى» فرق. قلنا: بل يبقى بينهما فرق ظاهر، فإن المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل يسبحه وينزهه عما لا يليق به والمراد بقوله: {وَتَعَالَىٰ } كونه في ذاته متعالياً متقدساً عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه، فالتسبيح يرجع إلى أقوال المسبحين، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له لذاته لا لغيره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} هذا ذِكر نوع آخر من جهالاتهم، أي فيهم من ٱعتقد لله شركاء من الجِن. قال النحاس: «الجن» مفعول أوّل، و«شركاء» مفعول ثان؛ مثل {أية : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}تفسير : [المائدة: 20]. {أية : وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } تفسير : [المدثر: 12]. وهو في القرآن كثير. والتقدير: وجعلوا لله الجن شركاء. ويجوز أن يكون «الجن» بدلاً من شركاء، والمفعول الثاني «لله». وأجاز الكِسائيّ رفع «الجن» بمعنى هم الجن. {وَخَلَقَهُمْ} كذا قراءة الجماعة، أي خلق الجاعلين له شركاء. وقيل: خلق الجن الشركاء. وقرأ ٱبن مسعود «وهو خلقهم» بزيادة هو. وقرأ يحيـى بن يَعْمَر «وخلْقهم» بسكون اللام، وقال: أي وجعلوا خلقهم لله شركاء؛ لأنهم كانوا يخلقون الشيء ثم يعبدونه. والآية نزلت في مشركي العرب. ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم كطاعة الله عز وجل؛ رُوي ذلك عن الحسن وغيره. قال قَتادة والسُّدّيّ: هم الذين قالوا الملائكةُ بنات الله. وقال الكلبيّ: نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس أخوان؛ فالله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق الجان والسباع والعقارب. ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا: للعالَم صانعان: إله قديم، والثاني شيطان حادث من فكرة الإلٰه القديم؛ وزعموا أن صانع الشر حادث. وكذا الحائطية من المعتزلة من أصحاب أحمد بن حائط، زعموا أن للعالَم صانعين: الإلٰه القديم، والآخر محدث، خلقه الله عز وجل أوّلاً ثم فوّض إليه تدبير العالم؛ وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة. تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون عُلُوًّا كبيراً. {وَخَرَّقُواْ} قراءة نافع بالتشديد على التكثير؛ لأن المشركين ٱدّعوا أن لله بنات وهم الملائكة، وسَمَّوهم جِنًّا لاجتنانهم. والنصارى ٱدّعت المسيح ٱبنَ الله. واليهود قالت: عزير ٱبن الله، فكثُر ذلك من كفرهم؛ فشُدّد الفعل لمطابقة المعنى. تعالى الله عما يقولون. وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل. وسئل الحسن البصريّ عن معنى «وخرّقوا له» بالتشديد فقال: إنما هو «وخَرَقوا» بالتخفيف، كلمة عربية، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل: خَرَقها وربِّ الكعبة. وقال أهل اللغة: معنى «خَرقوا» اختلقوا وافتعلوا «وخرّقوا» على التكثير. قال مجاهد وقَتادة وابن زيد وابن جُريج: «خرقوا» كذبوا. ويقال: إن معنى خرق واخترق واختلق سواء؛ أي أحدث.
ابن كثير
تفسير : هذا رد على المشركين، الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا في عبادته، أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء له في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم. فإن قيل: فكيف عبدت الجن، مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها، إلا عن طاعة الجن، وأمرهم إياهم بذلك، كقوله: {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأَضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } تفسير : [النساء:117-120] وكقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى} الآية. وقال إبراهيم لأبيه: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} تفسير : [مريم: 44] وكقوله: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِىۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [يس:60-61] وتقول الملائكة يوم القيامة: {أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 41] ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} أي: وقد خلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم: {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات: 95 - 96] ومعنى الآية، أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له، وقوله تعالى: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ينبه به تعالى عن ضلال من ضل، في وصفه تعالى بأن له ولداً؛ كما يزعم من قاله من اليهود في عزير، ومن قال من النصارى في عيسى، ومن قال من مشركي العرب في الملائكة: إنها بنات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ومعنى وخرقوا أي: اختلقوا وائتفكوا، وتخرصوا وكذبوا؛ كما قاله علماء السلف: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وخرقوا يعني: تخرصوا، وقال العوفي عنه: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} قال جعلوا له بنين وبنات، وقال مجاهد {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} قال: كذبوا، وكذا قال الحسن، وقال الضحاك: وضعوا، وقال السدي: قطعوا، قال ابن جرير: وتأويله إذاً: وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلاً بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلهاً أن يكون له بنون وبنات، ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك، ولهذا قال: {سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون؛ من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ } مفعول ثان {شُرَكَاءَ } مفعول أوّل، ويبدل منه {ٱلْجِنَّ } حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان {وَ} قد { خَلْقَهُمْ } فكيف يكونون شركاء {وَخَرَقُواْ } بالتخفيف والتشديد أي اختلقوا {لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } حيث قالوا:عزير ابن الله، والملائكة بنات الله {سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له {وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } بأن له ولداً.
الشوكاني
. تفسير : هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم. قال النحاس: {الجنّ} المفعول الأوّل، و{شركاء} المفعول الثاني كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً }تفسير : [المائدة: 20] {أية : وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً }تفسير : [المدثر: 12] وأجاز الفراء: أن يكون الجنّ بدلاً من شركاء ومفسراً له. وأجاز الكسائي رفع الجنّ بمعنى هم الجنّ، كأنه قيل: من هم؟ فقيل الجنّ، وبالرفع قرأ يزيد بن أبي قطيب، وأبو حيان، وقرىء بالجر على إضافة شركاء إلى الجنّ للبيان. والمعنى: أنهم جعلوا شركاء لله فعبدوهم كما عبدوه، وعظموهم كما عظموه. وقيل المراد بالجنّ هاهنا الملائكة لاجتنانهم، أي استتارهم، وهم الذين قالوا: الملائكة بنات الله. وقيل: نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله تعالى وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدوابّ، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب. وروي ذلك عن الكلبي، ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا: للعالم صانعان هما الربّ سبحانه والشيطان. وهكذا القائلون: كل خير من النور، وكل شرّ من الظلمة، وهم المانوية. قوله: {وَخَلَقَهُمْ } جملة حالية بتقدير قد، أي وقد علموا أن الله خلقهم، أو خلق ما جعلوه شريكاً لله. قوله: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ } قرأ نافع بالتشديد على التكثير، لأن المشركين ادّعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى ادّعوا أن المسيح ابن الله، واليهود ادّعوا أن عزيراً ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم فشدّد الفعل لمطابقة المعنى. وقرأ الباقون بالتخفيف. وقرىء "حرفوا" من التحريف أي زوّروا. قال أهل اللغة: معنى {خرقوا} اختلقوا وافتعلوا وكذبوا، يقال اختلق الإفك، واخترقه وخرقه، أو أصله من خرق الثوب: إذا شقه، أي اشتقوا له بنين وبنات. قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلق بمحذوف هو حال، أي كائنين بغير علم، بل قالوا ذلك عن جهل خالص، ثم بعد حكاية هذا الضلال البين، والبهت الفظيع من جعل الجنّ شركاء لله، وإثبات بنين وبنات له، نزه الله نفسه، فقال: {سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } وقد تقدّم الكلام في معنى {سبحانه}. ومعنى {تعالى} تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به. قوله: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } أي مبدعهما، فكيف يجوز أن {يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } وقد جاء البديع بمعنى المبدع، كالسميع بمعنى المسمع كثيراً، ومنه قول عمرو بن معدي كرب:شعر : أمن ريحانة الدَّاعى السَّميع يؤرقني وأصحابي هجوع تفسير : أي المسمع. وقيل: هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل، والأصل: بديع سمواته وأرضه. وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله. والظاهر أن رفعه على تقدير مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ وخبره {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ }. وقيل: هو مرفوع على أنه فاعل {تعالى}، وقرىء بالنصب على المدح، والاستفهام في {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } للإنكار والاستبعاد، أي من كان هذا وصفه، وهو أنه خالق السموات والأرض وما فيهما، كيف يكون له ولد؟ وهو من جملة مخلوقاته، وكيف يتخذ ما يخلقه ولداً، ثم بالغ في نفي الولد، فقال:{وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ } أي كيف يكون له ولد والحال أنه لم تكن له صاحبة؟ والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد، وجملة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } لتقرير ما قبلها، لأن من كان خالقاً لكل شيء استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولداً {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، والإشارة بقوله {ذٰلِكُمْ } إلى الأوصاف السابقة، وهو في موضع رفع على الابتداء وما بعده خبره، وهو الاسم الشريف، و{رَبُّكُـمْ } خبر ثان، و{لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } خبر ثالث، و{خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } خبر رابع، ويجوز أن يكون {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } بدلاً من اسم الإشارة، وكذلك {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } خبر المبتدأ، ويجوز ارتفاع خالق على إضمار مبتدأ، وأجاز الكسائي والفراء النصب فيه. {فَٱعْبُدُوهُ } أي من كانت هذه صفاته، فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء. قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأبْصَـٰرُ } الأبصار: جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به. قال الزجاج أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفيّ هو هذا الإدراك لا مجرّد الرؤية. فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلاً عظيماً، وأيضاً قد تقرّر في علم البيان، والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية، فالمراد به هذه الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأوّل تخلفه الجزئية، والتقدير: لا تدركه كل الأبصار بل بعضها، وهي أبصار المؤمنين. والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرّفناك من تواتر الرؤية في الآخرة، واعتضادها بقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } تفسير : الآية [القيامة: 22]. قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأبْصَـٰرَ } أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية، وخصّ الأبصار ليجانس ما قبله. وقال الزجاج: في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار، أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى. {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ } أي الرفيق بعباده، يقال لطف فلان بفلان: أي رفق به، واللطف في العمل الرفق به. واللطف من الله التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا: إذا أبرّه. والملاطفة: المبارّة. هكذا قال الجوهري وابن فارس، و{ٱلْخَبِيرُ } المختبر بكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ } قال: والله خلقهم {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } قال: تخرّصوا. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله {وَخَرَقُواْ } قال: جعلوا: وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال كذبوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن عدي وأبو الشيخ، وابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } قال: "حديث : لو أن الإنس والجنّ والملائكة والشياطين منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً"تفسير : . قال الذهبي: هذا حديث منكر انتهى. وفي إسناده عطية العوفى وهو ضعيف. وأخرج الترمذي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه. قال عكرمة: فقلت له أليس الله يقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } قال: لا أمّ لك، ذاك نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. وفي لفظ «إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر». وأخرج ابن جرير عنه قال: لا يحيط بصر أحد بالله. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية، عن الحسن في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأبْصَـٰرُ } قال: في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إسماعيل بن علية مثله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المجوس نسبت الشر إلى إبليس، وتجعله بذلك شريكاً لله. والثاني: أن مشركي العرب جعلوا الملائكة بنات الله وشركاء له، قاله قتادة، والسدي، وابن زيد كقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَينَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} فَسَمَّى الملائكة لاختفائهم عن العيون جنة. والثالث: أنه أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان حتى جعلوها شركاء لله في العبادة، قاله الحسن، والزجاج. {وَخَلَقَهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه خلقهم بلا شريك [له]، فَلِمَ جعلوا له في العبادة شريكاً؟. والثاني: أنه خلق من جعلوه شريكاً فكيف صار في العبادة شريكاً. وقرأ يحيى بن يعمر {وَخَلْقَهُمْ} بتسكين اللام. ومعناه أنهم جعلوا خلقهم الذي صنعوه بأيديهم من الأصنام لله شريكاً. {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} في خرقوا قراءتان بالتخفيف والتشديد، وفيه قولان: أحدهما: أن معنى خرقوا كذبوا، قاله مجاهد، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد. والثاني: معناه وخلقوا له بنين وبنات، والخلق والخرق واحد، قاله الفراء. والقول الثاني: أن معنى القراءتين مختلف، وفي اختلافهما قولان: أحدهما: أنها بالتشديد على التكثير. والثاني: أن معناها بالتخفيف كذبوا، وبالتشديد اختلفوا. والبنون قول النصارى في المسيح أنه ابن الله، وقول اليهود أن عزيراً ابن الله. والبنات قول مشركي العرب في الملائكة أنهم بنات الله. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: بغير علم منهم أن له بنين وبنات. والثاني: بغير حجة تدلهم على أن له بنين وبنات.
ابن عطية
تفسير : {جعلوا} بمعنى صيروا، و {الجن} مفعول و {شركاء} مفعول ثان مقدم، ويصح أن يكون قوله {شركاء} مفعولاً أولاً و {لله} في موضع المفعول الثاني و {الجن} بدل من قوله {شركاء} وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله والقائلين إن الجن تعلم الغيب العابدين للجن، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الأودية في أسفارها ونحو هذا، أما الذين "خرقوا البنين" فاليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله، فكأن الضمير في {جعلوا} و {خرقوا} لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا، وبنحو هذا فسر السدي وابن زيد، وقرأ شعيب بن أبي حمزة "شركاء الجنِّ" بخفض النون، وقرأ يزيد بن قطيب وأبو حيوة "الجن والجن" بالخفض والرفع على تقديرهم الجن، وقرأ الجمهور "وخلَقهم" بفتح اللام على معنى وهو خلقهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وهو خلقهم" يحتمل العودة على الجاعلين ويحتملها على المجعولين، وقرأ يحيى بن يعمر "وخلْقهم" بسكون اللام عطفاً على الجن أي جعلوا خلقهم الذي ينحتونه أصناماً شركاء بالله، وقرأ السبعة سوى نافع "وخرَقوا" بتخفيف للراء وهو بمعنى اختلفوا وافتروا وقرأ نافع "وخرّقوا" بتشديد الراء على المبالغة، وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما "وحرّفوا" مشددة الراء، وقوله {بغير علم} نص على قبح تقحمهم المجهلة وافترائهم الباطل على عمى، {سبحانه} أي تنزه عن وصفهم الفاسد المستحيل عليه تبارك وتعالى و {بديع} بمعنى: مبدع ومخترع وخالق، فهو بناء اسم فاعل كما جاء: سميع بمعنى مسمع و {أنى} بمعنى كيف ومن أين، فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير، وقرأ جمهور الناس "ولم تكن" بالتاء على تأنيث علامة الفعل، وقرأ إبراهيم النخعي: بالياء على تذكيرها وتذكير كان وأخواتها مع تأنيث اسمها أسهل من ذلك في سائر الأفعال، فقولك: كان في الدار هند أسوغ من قام في الدار هند، وحسن القراءة الفصل بالظرف الذي هو الخبر ويتجه في القراءة المذكورة أن يكون في {تكن} ضمير اسم الله تعالى، وتكون الجملة التي هي {له صاحبة} خبر كان، ويتجه أن يكون في "يكن" ضمير أمر وشأن وتكون الجملة بعد تفسيراً له وخبراً، وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد، وقوله {وخلق كل شيء} لفظ عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن يدخل تحته صفات الله تعالى وكلامه، فليس هو عموماً مخصصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصص هو أن يتناول العموم شيئاً ثم يخرجه التخصيص، وهذا لم يتناول قط هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان: قتلت كل فارس وأفحمت كل خصم فلم يدخل القائل قط في هذا العموم الظاهر من لفظه، وأما قوله {وهو بكل شيء عليم} فهذا عموم على الإطلاق ولأن الله عز وجل يعلم كل شيء لا رب غيره ولا معبود سواه، ولما تقررت الحجج وبانت الوحدانية جاء قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم} الآية تتضمن تقريراً وحكماً إخلاصاً أمراً بالعبادة وإعلاماً بأنه حفيظ رقيب على كل فعل وقول وفي هذا الإعلام تخويف وتحذير.
ابن عبد السلام
تفسير : {شُرَكَآءَ الْجِنَّ} قولهم: "الملائكة بنات الله" سماهم الله جناً، لاستتارهم، أو أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان حتى جعلوهم شركاء لله في العبادة. {وَخَرَقُواْ} كذبوا، أو خلقوا، الخرق والخلق واحد. {بَنِينَ} المسيح وعزير. {وَبَنَاتٍ} الملائكة جعلهم مشركو العرب بنات الله.
الخازن
تفسير : قوله تعالى {وجعلوا لله شركاء الجن} قال الحسن: معناه أطاعوا الجن في عبادة الأوثان. وهو اختيار الزجاج. قال: معناه إنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله. وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشرك لاثنين في الخلق فقالوا الله خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب ونقل هذا القول ابن الجوزي عن ابن السائب ونقله الرازي عن ابن عباس. قال الإمام فخر الدين: وهذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلتبسون بالزندقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل من السماء سماه بالزند والمنسوب إليه زندي ثم عرب: فقيل: زنديق فإذا جمع، قيل: زنادقة. ثم إن المجوس قالوا: كل ما يكون في هذا العالم من الخير فهو من يزدان يعني النور وجميع ما في العالم من الشر فهو من الظلمة يعني إبليس ثم اختلف المجوس فالأكثرون منهم على أن إبليس محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة والأقلون منهم قالوا: إنه قديم وعلى كلا القولين فقد اتفقوا على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيراً. فإن قلت فعلى هذا القول إنما أثبتوا لله شريكاً واحداً وهو إبليس فكيف حكى الله أنهم جعلوا له شركاء قلت: إن إبليس له أعوان من جنسه وحزبه وهم شياطين الجن يعملون أعماله فصح ما حكاه الله عنهم من أنهم جعلوا له شركاء الجن ومعنى الآية وجعلوا الجن شركاء لله واختلفوا في معنى هذه الشركة فمن قال إن الآية في كفار العرب قال إنهم لما أطاعوا الجن فيما أمروهم به من عبادة الأصنام فقد جعلوهم شركاء لله ومن قال إنها في المجوس قال إنهم أثبتوا إلهين اثنين النور والظلمة، وقيل إن كفار العرب قالوا الملائكة بنات الله وهم شركاؤه فعلى هذا القول فقد جعلوا الملائكة من الجن وذلك لأنهم مستورون عن الأعين. وقوله {وخلقهم} في معنى الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الجن فيكون المعنى: والله خلق الجن فكيف يكون شريك الله من هو محدث مخلوق. والقول الثاني: إن الكناية تعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى: وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئاً. وهذا كالدليل القاطع بأن المخلوق لا يكون شريكه لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله تعالى هو الخالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} أي اختلقوا وكذبوا يقال: اختلق واخترق على فلان إذا كذب عليه وذلك أن النصارى وطائفة من اليهود ادعوا أن لله ابناً، وكفار العرب ادعوا أن الملائكة بنات الله وكذبوا على الله جميعاً فيما ادعوه وقوله {بغير علم} كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع على فساد هذا القول لأن الولد جزء من الأب والله سبحانه وتعالى لا يتجزأ فثبت بهذا فساد قول من يدعي أن لله ولداً ثم نزه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد وعن هذه الأقاويل الفاسدة فقال تعالى: {سبحانه وتعالى عما يصفون} فقوله سبحانه فيه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وقوله تعالى يعني هو المتعالي عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد، أو يكون المعنى: المتعالي عن اتخاذ الولد والتشريك وقوله {عما يصفون} يعني عما يصفونه به من الكذب. قوله عز وجل: {بديع السموات والأرض} الإبداع عبارة عن تكوين الشيء على غير مثال سبق والله تعالى خلق السموات والأرض على غير مثال سبق {أنى يكون له ولد} يعني من أين يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة} لأن الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى ولا ينبغي أن تكون لله صاحبة لأنه ليس كمثله شيء {وخلق كل شيء} يعني أن الصاحبة والولد في جملة من خلق لأنه خالق كل شيء وليس كمثله شيء فكيف يكون الولد لمن لا مثل له وإذا نسب الولد والصاحبة إليه فقد جعل له مثل والله تعالى منزه عن المثلية وهذه الآية حجة قاطعة على فساد قول النصارى {وهو بكل شيء عليم} يعني أنه تعالى عالم بجميع خلقه لا يعزب عن علمه شيء وعلمه محيط بكل شيء. قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم} يعني ذلكم الله الذي من صفته أنه خلق السموات والأرض وأبدعهما على غير مثال سبق {وأنه بكل شيء عليم} هو ربكم الذي يستحق العبادة لا من تدعون من دونه من الأصنام لأنها جمادات لا تخلق ولا تضر ولا تنفع ولا تعلم والله تعالى هو الخالق الضار النافع {لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} يعني أنه هو الذي يستحق العبادة فاعبدوه وأطيعوه {وهو على كل شيء وكيل} يعني أنه هو تعالى على كل شيء خلق رقيب حفيظ، يقوم بأرزاق جميع خلقه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ ٱلْجِنَّ}: {جَعَلُواْ}: بمعنى صَيَّروا، و {ٱلْجِنَّ}: مفعولٌ، و {شُرَكَاءَ} مفعولٌ ثانٍ. قال * ص *: {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ}: {جَعَلُواْ }: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب «الجنِّ»، فقال ابن عطيَّة وغيره: هو مفعولٌ أول لِـ {جَعَلُواْ}، و {شُرَكَاء} الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من {شُرَكَاء}، و {لِلَّهِ} في موضع المفعولِ الثانيِ، و {شُرَكَاء} الأول، وردَّه أبو حَيَّان؛ بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه؛ إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل؛ على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه؛ على قول، وهذا لا يصحُّ؛ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر. انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالَىٰ، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنينَ، فاليهودُ في ذكْر عُزَيْرٍ، والنصارَىٰ في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم؛ فكأنَّ الضمير في {جَعَلُواْ} و {خَرَقُوا}؛ لجميع الكفَّار؛ إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن زَيْد، وقرأ الجمهورُ: «وَخلَقَهُمْ» ـــ بفتح اللام ـــ؛ على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ مسعود: «وَهُوَ خَلَقَهُمْ»، والضمير في {خَلْقَهُمْ} يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة سوَىٰ نافعٍ: «وَخَرَقُوا» ـــ بتخفيف الراء ـــ؛ بمعنى اختلقوا وٱفتَروا، وقرأ نافع: «وَخَرَّقُوا» ـــ بتشديد الراء ـــ؛ على المبالغة، وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} نصٌّ على قُبْح تقحُّم المَجْهَلة، وافتراءِ الباطلِ علَىٰ عَمًى، و {سُبْحَـٰنَهُ}: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالَىٰ، و {بَدِيعُ}: بمعنى: مُبْدِع، و {أَنَّىٰ}: بمعنى: كيف، وأين، فهي ٱستفهامٌ في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد. وقوله سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء} لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أنْ يدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالَىٰ، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً؛ علَىٰ ما ذهب إليه قوم؛ لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فهو عمومٌ على الإطلاق؛ لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر البراهين الخمسة من دلائل العالم الأعْلَى والأسفل على ثبوت الإلهية، وكمال القدرة والحكمة، ذكر بعد ذلك أنَّ من النَّاسِ من أثبت لله شركاء، وهذه المَسْألةُ تقدَّمَ، إلاَّ أن المَذْكُورَ هنا غير ما تقَّم ذِكرُهُ؛ لأن مثبتي الشَّريك طوائف منها عَبَدَةُ الأصنام فهم يقولون: الأصنام شُرَكَاءُ لله في العبودية والتكوين. ومنها من يقول: مدبر هذا العالم هو الكَوَاكِبُ، وهؤلاء فَرِيقَان منهم من يقول: إنها وَاجِبَةُ الوجود لذواتها، ومنهم من يقول: إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة، خالقها هو الله تبارك وتعالى، إلا أنه تبارك وتعالى فَوَّضَ تدبير هذا العالم الأسفل إليها، وهؤلاء هم الذين نَاظَرَهُمُ الخليل عليه السلام بقوله: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام:76]. ومنها الذين قالوا: للعالم إلهان: أحدهما: يفعل الخير خالق النور والناس والدَّوَابَ والأنعام والثاني: يفعل الشَّر، [وهو إبليس] خالق الظلمة، والسِّبَاع والحيَّات والعقارب، وهم مذكورون هاهنا. قال ابن عباس رضي الله عنها والكلبي: نزلت هذه الآية في الزَّنَادقة أثبتوا الشرك لإبليس [في الخلق]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: والَّذِي يقوي هذا قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات:158] فإنما وصف بكونه من الجِنّ؛ لأن لفظ الجِنّ مشتق من الاستتار، والملائكة الروحانيون لا يرون بالعيون، فصارت كأنها مستترة عن العيون، فلهذا أطلق لفظ الجن عليها. قال ابن الخطيب - رحمه الله -: هو مذهب المَجُوسِ، وإنما قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا قول الزَّنَادقة؛ لأن المجوس يُلَقبونَ بالزنادقة؛ لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نُزِّلَ عليه من عند الله تبارك وتعالى مسمى بالزند، والمنسوب إليه يسمى زندي، ثم أعْرِبَ فقيل: زنديق، ثم جمع فقيل: الزنادقة. واعلم أن المجُوسَ قالوا في كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشر فهو من أهرمن وهو المسمى بـ "إبليس" في شرعنا، ثم اختلفوا فقال أكثرهم: هو محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة. وقال بعضهم: إنه قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، واتفقوا أنه شريك لله - تعالى - في تَدْبيرِ هذا العالم، فَخَيْرُهُ من الله تبارك وتعالى، وشَرُّهُ من إبليس لَعَنَهُ الله، فهذا شرح قول ابن عباس رضي الله عنهما. فإن قيل: القوم أثبتوا لله شريكاً واحداً، وهو إبليس، فكيف حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء. فالجواب: أنهم يقولون: عَسْكَرُ الله هم الملائِكَةُ، وعسكر إبليس الشياطين، والملائكة فيهم كثرة عظيمة، وهم أرْوَاحٌ طاهرة مُقَدَّسَةٌ يلهمون الأرواح البشرية للخيرات والطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة تلقي الوَسَاوِس الخبيثة إلى الأرواح البَشَرِيَّةِ، والله تبارك وتعالى مع عَسْكَرِهِ من الملائكة يحاربون إبْلِيسَ مع عَسْكَرِهِ من الشياطين، فلهذا حكى الله تبارك وتعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء الجنَّ. قوله: "شُرَكَاءَ الجنَّ" الجمهور على نصب "الجِنَّ" وفيه خمسة أوجه: أحدها: وهو الظاهر أن الجِنَّ هن المفعول الأوَّل. والثاني: هو "شركاء" قدم، و "لله" متعلّق بـ "شركاء"، والجَعْلُ هنا بمعنى التَّصْيير، وفائدة التقديم كما قال الزمخشري اسْتِعْظَامُ أن يتخذ لله شريك من كان ملكاً أو جنياً أو إنسيَّا، ولذلك قد اسم الله - تبارك وتعالى - على الشُّركاء انتهى. ومعنى كونهم جعلوا الجنَّ شركاء لله هو أنهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُمْ يخلقون من المضارِّ والحيَّات والسباع، [كما جاء في التفسير]. وقيل: ثمَّ طائفة من الملائكة يُسَمَّوْنَ الجن كان بعض العرب يَعْبُدُهَا. الثاني: أن يكون "شركاء" مفعولاً أوَّل، و"لله" مُتعلِّق بمحذوف على أنه المفعول الثاني، و "الجن" بدلٌ من "شركاء" أجاز ذلك الزمخشري، وابن عطية، والحوفي، وأبو البقاء، و مكي بن أبي طالب إلا أن مكيَّا لما ذكر هذا الوَجْهَ جعل اللام من "لله" مُتعلِّقةً بـ "جعل" فإنه قال: الجنّ مفعول أوَّل لـ "جَعَلَ" و "شركاء" مفعول ثانٍ مقدم، واللام في "لله" متعلّقة بـ "شركاء" وإن شِئْتَ جَعَلْتَ "شركاء" معفولاً أوّل، و "الجن" بدلاً من "شركاء" و "لله" في موضع المفعول الثاني، واللام متعلقة بــ "جعل". قال شهاب الدين: بعد أن جعل "لله" مفعولاً ثانياً كيف يُتَصَوَّرُ أن يجعل اللام متعلقة بالجعل؟ هذا ما لا يجوز لأنه لما صار مفعولاً ثانياً تعيَّن تعلُّقُهُ بمحذوف على ما عرفته غير مَرَّة. قال أبو حيَّان: "ومَا أجَازُوهُ - يعني الزمخشري ومن معه - لا يجوز؛ لأنه يصح للبدل أن يحل مَحَلّ المبدل منه، فيكون الكلام منتظماً لو قلت: وجعلوا لله الجِنَّ لم يصح، وشرط البَدَلِ أن يكون على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل على أشهر القولين، أو معمولاً للعامل في المبدل منه على قول، وهذا لا يَصِحُّ هنا ألبتة لما ذكرنا". قال شهاب الدين: - رحمه الله تعالى - هذا القول المنسوب للزمخشري، ومن ذكر معه سبقهم إليه الفرَّاء وأبو إسحاق، فإنهما أجَازَا أن يكونا مفعولين قدم ثانيهما على الأوَّلِ, وأجازا أن يكون "الجنَّ" بدلاً من "الشركاء" ومفسراً للشركاء هذا نَصّ عبارتهم، وهو معنى صحيح أعني كون البَدَلِ مفسراً، فلا معنى لرد هذا القول، وأيضاً فقد رَدّ على الزمخشري عند قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ} تفسير : [المائدة:117] فإنه لا يلزم في كل بدلٍ أن يحل محل المبدل منه، قال: "ألا ترى إلى تَجْويز النحويين "زيد مررت به أبي عبد الله" ولو قلت: "زيد مررت بأبي عبد الله" لم يجز إلاَّ على رَأي الأخفش"، وقد سبق هذا في "المائدة" فقد قرَّر هو أنه لا يلزمُ حُلُول البدل مَحَلّ المبدل منه، فكيف يَرُدُّ به هنا؟ الثالث: أن يكون "شركاء" هو المَفْعُول الأوّل، و "الجن" هو المفعول الثاني قاله الحوفي، وهذا لا يَصِحُّ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ الأوَّل في هذا الباب مبتدأ في الأصل، والثاني خبر في الأصل، وتقرَّرَ أنه إذا اجتمع مَعْرِفَةٌ ونكرة جَعَلْتَ المعرفة مبتدأ، والنكرة خبراً من غير عكس، إلا في ضرورة تقدَّم التَّنْبِيهُ على الوارد منها؟ الرابع: أن يكون "شركاء الجن" مفعولين على ما تقدَّم بيانه، و "لله" متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من "شركاء"؛ لأنه لو تأخَّرَ عنها لجاز أن يكون صفة لها قاله أبو البقاء، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه يصير المعنى: جعلوهم شركاء في حال كَوْنِهِم لله، أي: مملوكين، وهذه حالٌ لازمة لا تَنْفَكُّ، ولا يجوز أن يقال: إنها غير منتقلة؛ لأنها مؤكدة؛ إذا لا تأكيد فيها هنا، وأيضاً فإن فيه تَهْيِئَةَ العامل في معمول وقطعه عنه، فإن "شركاء" يطلب هذا الجارّ ليعمل فيه، والمعنى مُنْصَبٌّ على ذلك. الخامس: أن يكون "الجنَّ" مَنْصُوباً بفعل مضمر جواب لسؤال مقدر، كأن سائلاً سألَ، فقال بعد قوله تعالى {وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ}: مَنْ جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجنّ، أي: جعلوا الجِن. نقله أبو حيَّان عن شيخه أبي جعفر بن الزبير، وجعله أحسن مما تقدم؛ قال: "ويؤيد ذلك قراءة أبي حيوة، ويزيد بن قطيب "الجنُّ" رفعاً على تقدير: هم الجنّ جواباً لمن قال: جعلوا لله شركاء؟ فقيل: هم الجنُّ، ويكون ذلك على سبيل الاسْتِعْظَامِ لما فعلوه، والاسْتِنْقَاصِ بمن جعلوه شَرِيكاً لله تعالى". وقال مكي: "وأجاز الكِسَائِيُّ رفع "الجنّ" على معنى هم الجنّ". فلم يَرْوِها عنه قراءة، وكأنه لم يَطَّلِعْ على أن غيره قرأها كذلك. وقرأ شعيب بن أبي حمزة، ويزيد بن قطيب، وأبو حيوة في رواية عنهما أيضاً "شركاء الجنِّ" بخفض "الجنّ". قال الزَّمَخْشريّ: "وقرئ بالجر على الإضافة التي للتَّبْيينِ، فالمعنى: أشركوهم في عبادتهم؛ لأنهم أطَاعُوهُمْ كما أطاعوا الله". قال أبو حيَّان: و لا يتَّضِحُ معنى هذه القراءة؛ إذا التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله. قال شهاب الدين: مَعْنَاها واضح بما فَسَّرَهُ الزمخشري في قوله، والمعنى: أشْرَكوهم في عبادتهم إلى آخره، ولذلك سمَّاها إضافة تبيين أي أنه بين الشركاء، كأنه قيل: الشركاء المطيعين للجن. قوله: "وخَلَقَهُمْ". الجمهور على "خَلَقَهُمْ" بفتح اللام فعلاً ماضياً، وفي هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أنها حالية فـ "قد" مضمرة عند قوم، وغير مضمرة عند آخرين. والثاني: أنها مُسْتَانَفَةٌ لا محلَّ لها، والضمير في "خلقهم" فيه وجهان: أحدهما: أنه يعود على الجاعلين، أي: جعلوا له شركاء مع أنه خلقهم وأوجدهم منفرداً بذلك من غير مشاركة له في خَلْقِهِم، فكيف يشركون به غيره ممن لا تَأثيرَ له في خلقهم؟ والثاني: أنه يعود على الجنِّ، أي: والحال أنه خلق الشركاء، فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له؟ وقرأ يحيى بن يعمر: "وخَلْقهم" بسكون اللام. قال أبو حيان - رحمه الله -: "وكذا في مصحف عبد الله". قال شهاب الدين: قوله: "وكذا في مصحف عبد الله" فيه نظرٌ من حيث إن الشَّكْلَ الاصطلاحي أعني ما يدل على الحَركَاتِ الثلاث، وما يَدُلُّ على السكون كالجزء منه كانت حيث مصاحف السلف منها مجردة، والضبط الموجودة بين أيدينا اليوم أمر حادث، يقال: إن أوَّل من أحدثه يحيى بن يَعْمُر، فكيف يُنْسَبُ ذلك لِمُصْحَفِ عبد الله بن مسعود؟ وفي هذه القراءة تأويلان: أحدهما: أن يكون "خَلْقهم" مصدراً بمعنى اختلاقهم. قال الزمخشري: أي اختلاقهم للإفْكِ، يعني: وجعلوا لله خَلْقَهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم: "واللَّهُ أمَرَنَا بِهَا" انتهى. فيكون "لله" هو المفعول الثاني قُدِّمَ على الأول. والتأويل الثاني: أن يكون "خَلْقهم" مَصْدراً بمعنى مخلوقهم، فيكون عَطْفاً على "الجنّ" ومفعوله الثاني محذوف، تقديره: وجعلوا مخلوقهم وهو ما يَنْحِتُونَ من الأصنام كقوله تعالى: {أية : قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} تفسير : [الصافات:59] شركاء لله تعالى. قوله تعالى: "وخَرَقُوا" قرأ الجمهور "خَرَقُوا" بتخفيف الراء، ونافع بتشديدها. وقرأ ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء، وابن عمر كذلك أيضاً، إلا أنه شدَّدَ الراء، والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاخْتِلاق. قال الفراء: يقال: "خَلَقَ الإفْكَ وخَرَقَهُ واخْتَلَقَهُ وافتَرَاهُ وافتَعَلَهُ وخَرَصَهُ بمعنى كذب فيه". والتشديد للتكثير، لأن القائلين بذلك خَلْقٌ كثير وجَمٌّ غفير. وقيل: هما لغتان، والتخفيف هو الأصل [وحكى الزمخشري أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة، فقال: كلمة عربية كانت العربُ تقولها كان الرجل إذا كذب كذْبَةً في نادي القوم يقُولُ له بعضهم: قد خرقها والله أعلم]. وقال الزمخشري: "ويجوز أن يكون من خَرْقِ الثوب إذا شقّه، أي: اشتقوا له بَنِينَ وبناتٍ". وأما قراءة الحاء المهملة فمعناها التَّزْوير، أي: زَوَّرُوا له أولاداً؛ لأن المُزَوِّرَ مُحَرِّفٌ ومُغَيِّرُ الحق إلى الباطل. وقوله: "بِغَيْرِ عِلْمٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه نَعْتٌ لمصدر محذوف؛ أي: خَرَقُوا له خَرْقاً بغير علمٍ قاله أبو البقاء، وهو ضعيف المعنى. الثاني: وهو الأحسن: أن يكون منصوباً على الحال من فاعل "خَرَقوا" أي: افتعلوا الكذب مُصَاحبين للجهل وهو عدم العلم كقول اليهود {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:30] وقول النصارى: {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:30] وقول كُفَّار العرب: الملائكة بَنَاتُ الله، ثم إنه تبارك وتعالى نَزَّهُ نفسه، فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ}، والمقصود تَنْزِيهُ الله تعالى عن كل ما لا يليقُ به. واعلم أنه تبارك وتعالى حكى عن الكُفَّارِ أنه أثْبَتُوا له بَنينَ وبنات، أما الذين أثبتوا البَنينَ فمنهم النَّصارى، وقوم من اليهود، وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يَقُولُون: الملائكة بناتُ الله. وقوله: "بِغَيْرِ عِلْمٍ" كالتَّنْبِيهِ على ما هو الدليل القاطع على فسادِ هذا القول؛ لأن الإله يجب أن يكون واجبَ الوجود لِذاتِهِ [فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته، أو لا يكون، فإن كان واجب الوجود لذاته] كان مُسْتَقِلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلُّق له في وجوده بالآخر، ومن كان كذلك لم يكن له وَلَد ألْبَتَّةَ؛ لأن الولد مُشْعِرٌ بالفرعية والحاجة. وإن كان مُمْكِنَ الوجود، فحينئذ يكون وُجُودُهُ بإيجاد واجب الوجود لذاته، فيكون عَبْداً له لا والداً له، فثبت أنَّ من عرف أن الإله ما هو امْتَنَعَ من أن يُثْبِتَ له البنات والبنين. وأيضاً فإن الولدَ يحتاج إليه ليقوم مقامهُ عبد فنائِهِ، وهذا إنما يُقالُ في حَقِّ مَنْ يَفْنَىَ، أما من تقدَّس عن ذلك لم يعقل الولد في حقِّهِ. أيضاً فإن الولد يشعر بكونه مُتولِّداً عن جُزْءٍ من أجزاء الوالد، وذلك إنما يعقل في حقِّ المُركَّبِ من الأجزاء، أما الفرد الواجب لذاته فَمُحَالٌ، فمن علم ما حقيقة الله؛ اسْتَحَالَ أن يقول: له ولد، فكان قوله تبارك وتعالى: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} إشارة إلى هذه الدقيقة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم} قال: والله خلقهم {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} قال: تخرصوا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وخرقوا له بنين وبنات} قال: عباس في قوله {وخرقوا له بنين وبنات} قال: جعلوا له بنين وبنات . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وخرقوا} قال: كذبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وخرقوا له بنين وبنات} قال: قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعُزير ابنا الله . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وخرقوا له بنين وبنات} قال: كذبوا له، أما اليهود والنصارى فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وأما مشركو العرب فكانوا يعبدون اللات والعزى فيقولون العزى بنات الله {سبحانه وتعالى عما يصفون} أي عما يكذبون . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {وخرقوا له بنين وبنات} قال: وصفوا لله بنين وبنات افتراء عليه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت حسان بن ثابت يقول: شعر : اخترق القول بها لاهيا مستقبلاً أشعث عذب الكلام تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن يعمر. أنه كان يقرأها {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم} خفيفة، يقول جعلوا لله خلقهم . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن. أنه قرأ {وخلقهم} مثقلة. يقول: هو خلقهم . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: خرقوا ما هو إنما خرقوا خفيفة، كان الرجل إذا كذب الكذبة فينادي القوم قيل: خرقها .
ابو السعود
تفسير : {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء} أي جعلوا في اعتقادهم لله الذي شأنُه ما فُصّل في تضاعيفِ هذه الآية الجليلةِ شركاءَ {ٱلْجِنَّ} أي الملائكةَ حيث عبدوهم وقالوا: الملائكةُ بناتُ الله وسُمُّوا جِناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم بالنسبة إلى مَقام الألوهية، أو الشياطينَ حيث أطاعوهم كما أطاعوا الله تعالى أو عبدوا الأوثانَ بتسويلهم وتحريضِهم أو قالوا: الله خالقُ الخير وكلِّ نافعٍ، والشيطانُ خالقُ الشرِّ وكلِّ ضارَ، كما هو رأي الثنوية ومفعولا (جعلوا) قوله تعالى: {شُرَكَاء ٱلْجِنَّ} قُدِّم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يُتَّخذَ لله سبحانه شريكٌ ما، كائناً ما كان، ولله متعلق بشركاء قدم عليه للنكتة المذكورة وقيل: هما لله شركاء والجنَّ بدلٌ من شركاءَ مفسِّرٌ له نَصَّ عليه الفراءُ وأبو إسحاقَ، أو منصوبٌ بمضمرٍ وقعَ جواباً عن سؤالٍ مقدَّرٍ نشأ من قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء} كأنه قيل: مَنْ جعلوه شركاءَ لله تعالى؟ فقيل: الجنَّ أي جعلوا الجن، ويؤيده قراءةُ أبـي حيوة ويزيدَ بن قطيب (الجنُّ) بالرفع على تقدير: همُ الجنُّ في جواب من قال: مَن الذين جعلوهم شركاء لله تعالى؟ وقد قرىء بالجر على أن الإضافة للتبـيـين {وَخَلَقَهُمْ} حالٌ من فاعل (جعلوا) بتقدير قد أو بدونه على اختلاف الرأيـين، مؤكدةٌ لما في جَعْلهم ذلك من كمال القباحة والبُطلان باعتبار علمِهم بمضمونها، أي وقد علموا أنه تعالى خالقُهم خاصة، وقيل: الضميرُ للشركاءِ أي والحال أنه تعالى خلق الجنَّ فكيف يجعلون مخلوقَه شريكاً له تعالى؟ وقرىء خَلْقَهم عطفاً على (الجنَّ) أي وما يخلقونه من الأصنام أو على (شركاءَ) أي وجعلوا له اختلاقَهم الإفكَ حيث نسبوه إليه تعالى. {وَخَرَقُواْ لَهُ} أي افتعلوا وافترَوْا له يقال: خلقَ الإفكَ واختلقه وخَرَقه واخترقه بمعنى وقرىء خرّقوا بالتشديد للتكثير وقرىء وحرّفوا له أي زوّروا {بَنِينَ وَبَنَاتٍ} فقالت اليهودُ: عزيرٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيحُ ابنُ الله، وقالت طائفة من العرب: الملائكةُ بناتُ الله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صوابٍ رمياً بقوله عن عمىً وجهالةٍ من غير فكرٍ ورويّة أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادَرُ قدرُه، والباء متعلقةٌ بمحذوف هو حالٌ من فاعل خرقوا أو نعتٌ لمصدر مؤكِّدٍ له أي خرقوا ملتبسين بغير علم أو خرقاً كائناً بغير علم {سُبْحَـٰنَهُ} استئنافٌ مَسوقٌ لتنزيهه عز وجل عما نسَبوه إليه، وسبحانه علمٌ للتسبـيح الذي هو التبعيدُ عن السوء اعتقاداً وقولاً أي اعتقادَ البعدِ عنه والحكمَ به، مِنْ سبَح في الأرض والماء إذا أبعدَ فيهما وأمعن ومنه فرَسٌ سَبوحٌ أي واسعُ الجرْي، وانتصابُه على المصدرية ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أسبِّح سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقداً أو عملاً تنزيهاً خاصاً به حقيقاً بشأنه، وفيه مبالغةً من جهة الاشتقاق من السَّبْح ومن جهة النقل إلى التفعيل ومن جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم الموضوع له خاصة، لا سيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة إقامته مُقامَ المصدر مع الفعل وقيل: هو مصدرٌ كغُفران لأنه سُمع له فعلٌ من الثلاثي كما ذكر في القاموس أُريد به التنزُّهُ التامُّ والتباعدُ الكُلي، ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ التنزهِ إلى ذاتِه المقدسةِ أي تنزه بذاتِه تنزّهاً لائقاً به وهو الأنسبُ بقوله سبحانه: {وَتَعَالَىٰ} فإنه معطوفٌ على الفعل المُضمر لا محالة ولِمَا في السُّبحان والتعالي من معنى التباعُد قيل: {عَمَّا يَصِفُونَ} أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكاً أو ولداً.
القشيري
تفسير : سُدَّت بصائرهم فاكتفوا بكل منقوصٍ أن يعبدوه، وتلك عقوبةٌ لأرباب الغفلة عن الله تعالى عُجِّلَتْ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلوا لله شركاء الجن}. قال الكاشفى الاصح انها نزلت فى الزنادقة اعنى المجوس ويقال لهم الثنوية ايضا قالوا ان الله تعالى وابليس اخوان فالله تعالى خالق الناس والدواب والانعام وكل خير ويعبرون عن الله بيزدان وابليس خالق السباع والحيات والعقارب وكل شر ويعبرون عن ابليس باهر من وهذا كقوله تعالى {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} تفسير : [الصافات: 158]. وابليس من الجنة والمعنى وجعلوا الجن شركاء لله فى اعتقادهم الباطل {وخلقهم} حال من فاعل جعلوا بتقدير قد اى والحال انهم قد علموا ان الله خالقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق فالضمير للجاعلين ويحتمل ان يكون للجن اى والحال انه تعالى خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له {وخرقوا له} اى افتعلوا وافتروا له تعالى يقال خرق واخترق واختلق وافترى اذا كذب {بنين وبنات} فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقالت طائفة من العرب الملائكة بنات الله {بغير علم} بحقيقة ما قالوه من خطأ او صواب بل رميا بقول من عمى وجهالة من غير فكر وروية. والباء متعلقة بمحذوف هو حال من فاعل خرقوا اى خرقوا ملتبسين بغير علم {سبحانه} اى تنزه تعالى بذاته تنزها لألقابه {وتعالى} من العلو اى استعلى ويجوز فى صفات الله تعالى علا ولا يجوز ارتفع لان العلو قد يكون بالاقتدار والارتفاع يقتضى الجهة والمكان ولما فى السبحان والتعالى من معنى التباعد قيل {عما يصفون} اى تباعد عما يصفونه من ان له شريكا او ولدا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الجن}: مفعول أول لجعلوا، و {شركاء}: مفعول ثانٍ، وقدّم لاستعظام الإشراك، أو {شركاء}: مفعول أول، و {لله}: في موضع المفعول الثاني، و {الجن}: بدل من شركاء، وجملة {خلقهم}: حال، و {بديع}: خبر عن مضمر، أو مبتدأ وجملة {أنَّى}: خبره، وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي: مبدع السماوات، أو إلى فاعلها: أي: بديع سماواته، من بَدُعَ؛ إذا كان على نمط عجيب، وشكل فائق، وحُسن لائق. يقول الحقّ جلّ جلاله: توبيخًا للمشركين: {وجعلوا لله شركاء} في عبادته، وهم {الجن} أي: الملائكة؛ لاجتنانهم أي: استتارهم، فعبدوهم واعتقدوا أنهم بنات الله، أو الجن حقيقة، وهم الشياطين؛ لأنهم أطاعوهم كما يُطاع الله تعالى، أو: عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، فقد أشركوا مع الله، و {و} الحال أن الله قد {خلقهم} أي: الجن أي: عبدوهم وهم مخلوقون، أو الضمير للمشركين، أي: عبدوا الجن، وقد عَلِمُوا أن الله قد خلقهم دون الجن لعجزه، وليس من يَخلُق كمَن لا يَخلُق. {وخرقوا له} أي: اختلقوا وافترَوا، أو زوَّرُوا برأيهم الفاسد له {بنين} كالنصارى في المسيح، واليهود في عُزَير، {وبنات} كقول العرب في الملائكة: إنهم بنات الله ـ تعالى الله عن قولهم ـ قالوا ذلك {بغير علم} أي: بلا دليل ولا حجة، بل مجرد افتراء وكذب، {سبحانه وتعالى} أي: تنزيهًا له، وتعاظم قدره {عما يصفون} من أن له ولدًا أو شريكًا. وكيف يكون له الولد أو الشريك، وهو {بديعُ السماوات والأرض}؟. أي: مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه، والمعنى: أنه تعالى مُبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة: لأنه تعالى مُنزه عن الأفعال بالمادة. والوالد عنصر الولد، ومُنفصل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟. ولذلك قال: {أَنى يكونُ له ولدٌ} أي: من أين، أو كيف يكون له ولد، {ولم تكن له صاحبة} يكون منها الولد، فإن انتفاء الصاحبة مستلزم لانتفاء الولد، ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة في العادة، وانتفاء الصاحبة مما لا ريب فيه، وكيف أيضًا يكون له ولد {و} قد {خلقَ كلَّ شيء}، فيكف يتصور أن يكون المخلوق ولدًا لخالقه؟ {وهو بكل شيء عليم} أي: أحاط بما من شأنه أن يعلُم كائنًا ما كان، فلا تخفى عليه خافية مما كان، ومما سيكون من الذوات والصفات، ومن جملتها: ما يجوز عليه تعالى وما يستحيل كالولد والشريك. {ذلكم} المنعوت بما ذكر من جلائل الصفات، هو {الله} المستحق للعبادة خاصة، {ربُكم} أي؛ مالك أمركم لا شريك له أصلاً، {خالقُ كل شيء}، مما كان وسيكون، ولا تكرار مع ما قبله؛ لأن المعتبر فيما تقدم خالقيته لِمَا كان فقط، كما تقتضيه صيغة الماضي، بخلاف الوصف يصلح للجميع، وإذا تقرر أنه خالق كل شيء {فاعبدوه}؛ فإن من كان خالقًا لكل شيء، جامعًا لهذه الصفات، هو المستحق للعبادة وحده، {وهو على كل شيء وكيل} أي: هو متولي أمور جميع عباده ومخلوقاته، التي أنتم من جملتها، فَكِلُوا أمركم إليه، وتوسلوا بعبادته إلى جميع مآربكم الدنيوية والأخروية، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه. الإشارة: كل من خضع لمخلوق في نيل حظ دنيوي، إنسيًا أو جنيًا، أو أطاعه في معصية الخالق، فهو مشرك به مع ربه، {أية : وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا }تفسير : [النساء:116]، فلذلك عمل الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى؛ لئلا تميل بهم إلى شيء من السِّوى، وتحرروا من رق الطمع، وتوجهوا بمهمتهم إلى الحق وحده، ليتبرأوا من أنواع الشرك كلها، جليها وخفيها. حفظنا الله بما حفظهم به. آمين. ثم عَرَّف بذاته المقدسة، فقال: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل المدينة {خرَّقوا} بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها، قال أبو عبيدة {وخرقوا له بنين وبنات} أي جعلوا له وأشركوه. يقال: خرق واخترق واختلق بمعنى، اذا افتعل وافترا وكذب، قال أحمد بن يحيى: خرق واخترق، وقال ابو الحسن الخفيفة أحب اليَّ، لانها أكثر. وقيل ان المعنى المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى المسيح ابن الله واليهود عزير ابن الله ومن شدد كأنه ذهب الى التكثير. أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار العادلين عن الحق المتخذين معه آلهة جعلوا له أندادا وشركاء الجن، كما قال {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا}تفسير : وقال{أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن أناثا}تفسير : وقال{أية : ويجعلون لله البنات}تفسير : ووصفهم بالجن لخفائهم عن الابصار وقوله {وجعلوا لله شركاء الجن} أراد به الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله والنصارى الذين جعلوا المسيح ابن الله، واليهود الذين جعلوا عزيراً ابن الله، ولذلك قال {وخرقوا له بنين وبنات} ففصل أقوالهم. وقيل ان معنى {شركاء الجن} في استعاذتهم بهم. وقيل ان المعنى ان المجوس تنسب الشرَّ الى إِبليس وتجعله بذلك شريكا. والهاء والميم في قوله {وخلقهم} يحتمل أن تكون عائدة الى الكفار الذين جعلوا لله الجن شركاء. ويحتمل أن تكون عائدة على الجن، ويكون المعنى {وجعلوا لله شركاء الجن} والله خلق الجن فكيف يكونون شركاء له. وفي نصب الجن وجهان أحدهما - ان يكون تفسيرا للشركاء وبدلا منه. والآخر - ان يكون مفعولا به ومعناه وجعلوا لله الجن شركاء وهو خالقهم. وروي عن يحيى بن يعمر انه قرأ "وخلقهم" بسكون اللام بمعنى أن الجن شركاء لله في خلقه إِيانا، وهذه القراءة ضعيفة. والقراءة المعروفة أجود، لان المعنى وخلقهم بمعنى أن الله خلقهم متفردا بخلقه اياهم. وقوله {وخرقوا له بنين وبنات} معناه تخرصوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم، فيتلخص الكلام أن هؤلاء الكفار جعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم اياه مع انه المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير {وخرقوا له بنين وبنات} معناه تخرصوا له كذبا بنين وبنات {بغير علم} أي بغير حجة. ويحتمل أن يكون معناه بغير علم منهم بما عليهم عاجلا وآجلا ويحتمل ان يكون معناه بغير علم منهم بما قالوه على حقيقة ما يقولون، لكن جهلا منهم بالله وبعظمته، لانه لا ينبغي لمن كان الها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ولا أن يشركه في خلقه شريك، ثم نزه نفسه تعالى وأمرنا بتنزيهه عما أضافوه اليه، وأنه يجلُّ عن ذلك ويتعالى عنه، فقال {سبحانه وتعالى عما يصفون} من ادعائهم له شركاء واختراقهم له بنين وبنات لان ذلك لا يليق بصفته ولا بواحدانيته.
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} يدل من شركاء او مفعول اوّل ولله حال من شركاء وذلك لانّ بعضهم يجعلون ابليس ذا آلهةٍ، وبعضهم قائلون بالظّلمة كناية عن دار الجنّة والشّياطين، وبعضهم يعبدون الارواح الخبيثة الّتى هى الجنّة والشّياطين زعماً منهم انّ تلك الارواح هى الارواح الّتى كانت واسطة بين الله وبين الخلق وجميع المشركين سواء صرّحوا بانّ معبوديهم الشّياطين والجنّة او لم يصرّحوا بل عبدوا الشّجر والصّنم والكوكب وغيرها لا يعبدون الاّ الجنّ فى عبادتهم المعبودات الباطلة كما قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} تفسير : [سبأ:40و 41] والسّرّ فى ذلك انّ الجنّ من اتباع ابليس تزيّن لهم المعبودات الباطلة فيطيعونهم فى ذلك فيعبدون الجنّ من يحث لا يشعرون {وَخَلَقَهُمْ} جملة حاليّة بتقدير قد او لا حاجة لها الى قد لورود الماضى حالاً كثيراً وفصيحاً بدون قد يعنى خلق الله الجنّ والمخلوق لا يكون معبوداً كالخالق، ويحتمل ارجاع الضّمير الى الجاعلين يعنى والخالق لهم لا يكون كغير الخالق لهم {وَخَرَقُواْ لَهُ} جعلوا لله من عند انفسهم من غير حقيقة وبرهان {بَنِينَ وَبَنَاتٍ} فقالوا نحن ابناء الله والمسيح ابن الله وعزيرٌ ابن الله والملئكة بنات الله وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً {بِغَيْرِ عِلْمٍ} منهم بذلك {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خالقهما من غير سبق مادّة ومدّة لا من اصل خلق ولا على مثال سبق بدعه انشأه كابتدعه والبديع الحادث لازم ومتعدّ فسماوات الارواح وأراضى الاشباح كلّها مخلوقة {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} كيف يجوز ان يكون له ولد {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ} على مثاله شريكة له غير مخلوقة {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فلم يلكن شيءٌ صاحبته ولا ولده بل الكلّ مخلوق له {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فلا يحتاج الى ولد ووكيل فى استعلام حال بعض الاشياء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ} يعني الشياطين من الجن لأن الشياطين هي التي دعتهم إلى عبادة الأوثان، ولم تدعهم الأوثان إلى عبادتها، فأشركوا الجن بعبادة الله. قال: {وَخَلَقَهُمْ} أي الله خلقهم {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} أي جعلوا له بنين وبنات في تفسير الحسن. وقال بعضهم: كذِبوا له بنين وبنات. وقالوا: له بنون وبنات. قال الحسن: يعني قوله: (أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ) تفسير : [النحل:57] قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي أتاهم من الله {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عما قالوا: {وَتَعَالَى} أي من قبل العلو والارتفاع، أي ارتفع {عَمَّا يَصِفُونَ} أي عما يكذبون. قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي ابتدعها على غير مثال. {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي كيف يكون له ولد {وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : فقال: {وجَعَلوا للهِ شُركاء الجنَّ} لله متعلق بجعلوا، أو حال من شركاء على زعمهم لعنهم الله، وشركاء مفعول ثان، والجن مفعول أول، أى جعلوا الجن شركاء لله فعبدوها، ولا يصح تعليق اللام بشركاء إلا معنى مشاركين، ومعنى لام التقوية المختلف فى تعليقها، ويجوز كما قيل أن يكون لله مفعولا ثانيا وشركاء مفعولا أول، والجن بدلا من المفعول الأول، ويرده أنه لا يصح أن يقال: جعلوا لله الجن شركاء، والجن أولاد إبليس المؤمنين والكافرين، لأنهم يعبدونهم بحسب ما يتخيل لهم من المنافع، والمؤمنون من الجن يكرهون أن يعبدهم المشركون، وقيل: المراد الشياطين، وهم كفار الجن يوسوسون للمشركين فيعبدونهم. ومعنى جعلهم الجن شركاء أن الجن أمروهم بعبادة الأصنام فعبدوها، ومن أطاع أحداً فى الإشراك فقد جعله شريكا، وهذا قول الزجاج، فقبول أمرهم فى الإشراك كعبادتهم، وجعلهم شركاء لله، ودخل فى الآية عبادة النار والكواكب، وقول: عزير ابن الله، وقول: المسيح ابن الله، وأنها مدبرة أمر هذا العالم، وقول: إن الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك ونحو ذلك من أنواع الكفر، فإن الشياطين آمرون بذلك كله، فمتبعهم قد جعلهم شركاء، وقيل: الجن فى الآية الملائكة لاستتارهم، وكانت العرب تعبدهم، وفى تسميتهم جناً احتقار لهم عن الألوهية. وعن ابن عباس، وابن السائب، والكلبى: أن الآية فى المجوس القائلين بأن إبليس خالق الشر كالعقرب والحيات والحرب والقتل ويسمونه هزمن وهرمن، وبعض يسمونه ظلعة، واختلفوا لعنهم الله فى قدمه وحدوثه، وخالق غير ذلك هو الله تعالى عن الشريك، ولإبليس لعنه الله أعوان من جنسه يعملون أعماله، فكانوا جملة شركاء عندهم، وقرئ نرفع الجن على أنه خبر لمحذوف، أى هم الجن، وبالجر على إضافة شركاء إليه إضافة بيان، أى هم الجن أو تبعيض، ولا يلزم من كونها للبيان أن يكونوا يعبدونهم كلهم، مع أنه يحتمل أنهم يعبدون الجن مطلقاً. {وخَلَقَهم} أى والحال أن الله خلق الجن، فكيف يكونون شركاء له تعالى، أو والحال أن الله خلق المشركين الجاعلين، فكيف يعبدون من لم يخلقهم ويسمونه إلهاً، فالواو للحال، وصاحب الحال واو جعلوا، أو لفظ الجلالة أو الجن، وقيل يقدر قد، أو المبتدأ بعد واو الحال الداخلة على ماض متصرف مثبت، أى وقد خلقهم، أو هو خق، أو الهاء فى خلقهم للجن أو للمشركين الجاعلين، وفى قراءة ابن مسعود ومصحفه: وهو خلقهم، وقرئ خلقهم بإسكان اللام، إذ جعلوا لله شركاء الجن، واختلاقهم للإفك، أى نسبوا لله تعالى قبائحهم التى افتروها، إذ قالوا الله أمرنا بها، وعطفه فى هذه القراءة على شركاء على أن المفعول الثانى هو الله، ولا يصح عطفه على شركاء ولا على الجن إذا جعلنا شركاء مفعولا ثانيا، والجن مفعولا أول، لأن افتراءهم لا يكون جنا، ولا يكون شريكاً، فإنك إذا قلت: جعلوا الجن شركاء وافتراء فقد جعلت الجن افتراء، وإذا قلت جعلوا الجن والافتراء شركاء فقد جعلت الافتراء شريكا. ويجوز أن يكون خلقهم فى هذه القراءة بمعنى مخلوقاتهم وهى الأصنام التى تخلق باليد، أى تقدر بالقياس والنجر والنحت، أو يكذبون بها فى الألوهية فبعطف على الجن أى جعلوا الجن والأصنام شركاء، وقدر لفظ الجلالة إعظاماً لله جل جلاله، بحيث إن من فهم معناه وأحضره غاب عنه سواه فكيف يعبد سواه ثم شركاء لأن المراد التقبيح عليهم بالشرك، وقدم الجن على الأصنام لأن الجن هى الآمرة لهم بعبادة الأصنام. {وخَرقُوا له بَنينَ وبناتٍ بغَيْر علمٍ} عطف على جعلوا لله شركاء الجن، فالتخريق تشبه الشئ لآخر على جهة الكذب، والتشديد للمبالغة، وقرأ غير نافع بالتخفيف، قال الحسن والفراء: وكان العرب إذا كذب الرجل قالوا اخترقها وخرقها، أى كذب فى هذه الكلمة، أو من خرق الثوب إذ شقه أى اشتقوا له بنين وبنات، وقرأ ابن عباس وابن عمر: وحرقوا بالحاء المهملة وتخفيف الراء، أى زوروا له بنين وبنات، وذلك أن العرب قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والاثنان جمع مجازاً أو حقيقة، بل قال فى اليهود: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : فسموا أنفسهم أبناء الله، بل قيل: إن طائفة من اليهود والنصارى زعموا أن لله أبناء، وذلك كله كذب وزور وجهل، كما قال بغير علم أى بغير علم أتاه من الله بذلك وبلا دليل ولا فكر وبغير حال من الواو، أو نعت لمصدر أى خرقوا له تخريقاً ثابتاً بغير علم، أو متعلق بخرقوا. {سُبحانهُ وتَعالى عمَّا يَصفُون} ما مصدرية أى سبحانه عن وصفهم الكاذب وتعالى عنه، أو سبحانه عنه وتعالى عن وصفهم الكاذب، تنازع سبحان وتعالى فيما بعده، ويجوز كونها موصولا اسميا حذف الرابط للعلم به، ولو لم يوجد شرطه أى عما يصفونه به، فحذف هاء به مع أن الموصول لم يجر بالباء، ولا تعلق بمثل يصف، فذلك قيل محفوظ، وقيل مقيس لدليل وصفهم هو وصفهم إياها بالشرك والولد والموصوف هو به الولد والشريك.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} مع أَنها لا تقدر على شئ من فلق الحب أَو غيره مما ذكر، والجن مفعول أَول وشركاءَ مفعول ثان، ولله يتعلق بجعلوا أَو مفعول ثان وشركاءَ أَول، والجن بدل أَو بيان، أو لله يتعلق بشركاءَ أَو حال منه، والجن الملائكة، من المشركين من يعبد الملائكة ويسمونهم بنات الله، ويقولون أَنهم مدبرون أَمر هذا العالم، ويسمونهم جنا لاستتارهم أَو تحقيراً لشأنهم كما تستتر الأَنثى، أَو الجن الشياطين لأَنها تأمرهم بالشرك والمعاصى فيطيعونها كما يطاع الله، أَو عبدوا الأَوثان بإِغوائهم، أَو قالوا الشيطان الذى هو إِبليس خلق الشر والظلمة وكل ضار كالعقارب والحيات، والله خالق للخيور والمنافع {وَخَلَقَهُمْ} حال مقرونة بالواو بلا تقدير لقد، وقيل لا بد من تقديرها فى الماضى المتصل المثبت المقرون بواو الحال، والمعنى أَنهم جعلوا لله شركاءَ الجن والحال أَنه خلقهم هو لا الجن، كيف يجعلون المخلوق شريكاً لخالقه، أَو والحال أَنهم عالمون بأَن الله خلقهم والمشركون عالمون بأَن الله خلقهم كما علموا أَن الله خلق السماوات والأَرض، "أية : ولئن سأَلتهم من خلق السماوات"تفسير : [الزخرف: 9] إِلخ، والهاء للجاعلين أَو للجن، أَى وقد علموا أَن الجن خلقهم الله كما خلق السماوات والأَرض والمخلوق لا يكون خالقاً، أَو نزل تمكنهم من العلم بأَن ما سوى الله مخلوق لله منزلة العلم لقوة أَدلته، والخرق قطع الشئ بلا مبالاة به، أَو على قصد الفساد، والخلق جعل الشئ بتقدير ورفق، والواو فى جعلوا، والهاء فى خلقهم والواو فى قوله {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بَغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} للمشركين مطلقاً، فيكون على التوزيع، فمشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وكذا بعض النصارى على ما ذكر فى بعض الكتب، واليهود والنصارى نسبوا إِليه البنين فقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقيل: الهاءَ فى خلقهم للجاعلين والضمائر بعد لليهود والنصارى، وفيه تفكيك الضمائر، وإِنما قال بنين مع أَن مدعاهم اثنان فقط عزير وعيسى أِطلاقاً للجمع على الاثنين مجازاً على الصحيح، أَو حقيقة، ولأَن إِثبات الولد ولو واحداً فقط أَو اثنين فقط إِثبات لجواز مالا يحصى من الأَولاد، بل من أَجاز مالا يجوز ولو لم يقل بوقوعه فهو فى حكم من قال بوقوعه، أَو عاب الله عليهم قولهم: {أية : نحن أَبناء الله} تفسير : [المائدة: 18]؛ لأَنه لفظ سوء ولو أَرادوا به المكانة لا حقيقة البنوة، وكانوا يسمعون من آبائهم الأَب والابن بمعنى المؤثر والمؤثَّر ولم يعلموا مرادهم فحملوا اللفظ على ظاهره، ومعنى خرقوا بالشد للمبالغة أَو للتكثير أَثبتوا بالكذب، وهذا أَولى من جعله استعارة من خرق الثوب بمعنى شقة، أَى شقوا له بنين إِلخ. ومعنى بغير علم أَنهم أَثبتوا البنوة لله سبحانه وهم عالمون بأَنه لا علم لهم بذلك، أَو بغير علم بحقيقة ما قالوا من خطأ أَو صواب ولا دليل، أَو بغير علم بقبح ما قالوا غاية القبح وهو حال من الواو أَى ثابتين بغير علم، أَو نعت المصدر، أَى خرقوا تخريقاً ثابتاً بغير علم، ومعنى سبحانه تنزيهاً له عما يصفون، أَى عن وصفهم له بأن له شريكاً، وبأَن له ولداً. ومعنى تعالى ترفع عن وصفهم له بذلك، فما مصدرية وسبحانه وتعالى متنازعان فى قوله {عما يصفون}.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلُواْ} في اعتقادهم {لِلَّهِ} الذي شأنه ما فصل في تضاعيف هذه الآيات {شُرَكَاءَ} في الألوهية أو الربوبية {ٱلْجِنَّ } أي / الملائكة حيث عبدوهم وقالوا: إنهم بنات الله سبحانه. وتسميتهم جناً مجاز لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن. وفي التعبير عنهم بذلك حط لشأنهم بالنسبة إلى مقام الإلهية، وروي هذا عن قتادة والسدي. ويفهم من كلام بعضهم أن الجن تشمل الملائكة حقيقة. وقيل: المراد بهم الشياطين وروى عن الحسن. ومعنى جعلهم شركاء أنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم. ويروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والحيوان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور. فالمراد من الجن إبليس وأتباعه الذين يفعلون الشرور ويلقون الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية، وهؤلاء المجوس القائلون بالنور والظلمة ولهم في هذا الباب أقوال تمجها الأسماع وتشمئز عنها النفوس. وادعى الإمام أن هذا أحسن الوجوه المذكورة في الآية. ومفعولا ـ جعل ـ قيل: (لله) و(شركاء) و(الجن) إما منصوب بمحذوف وقع جواباً عن سؤال كأنه قيل: من جعلوه شركاء؟ فقيل: الجن، أو منصوب على البدلية من {شُرَكَاءَ} والمبدل منه ليس في حكم الساقط بالكلية وتقديم المفعول الثاني لأنه محز الإنكار ولأن المفعول الأول منكر يستحق التأخير وقيل: هما {شُرَكَاءَ} و{ٱلْجِنَّ} وتقديم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يتخذ لله سبحانه شريك ما كائناً ما كان، و {لِلَّهِ } متعلق بشركاء وتقديمه عليه للنكتة المذكورة أيضاً على ما اختاره الزمخشري وقرىء {ٱلْجِن} بالرفع كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الجن وبالجر على الإضافة التي هي للتبيين. {وَخَلَقَهُمْ} حال من فاعل {جَعَلُواْ} بتقدير قد أو بدونه على اختلاف الرأيين مؤكدة لما في جعلهم ذلك من الشناعة والبطلان باعتبار علمهم بمضمونها أي وقد علموا أن الله تعالى خالقهم خاصة، وقيل: الضمير (للجن) أي والحال أنه تعالى خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له. ورجح الأول بخلوه عن تشتت الضمائر ورجح الإمام الثاني بأن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب، وبأنه إذا رجع الضمير إلى هذا الأقرب صار اللفظ الواحد دليلاً قاطعاً تاماً كاملاً في إبطال المذهب الباطل. وقرأ يحيى بن يعمر {وَخَلَقَهُمْ} على صيغة المصدر عطفاً على {ٱلْجِنَّ} أي وما يخلقونه من الأصنام أو على {شُرَكَاءَ} أي وجعلوا له اختلاقهم للقبائح حيث نسبوها إليه سبحانه وقالوا: { أية : الله أمرنا بها تفسير : [الأعراف:28]. {وَخَرَقُواْ لَهُ } أي افتعلوا وافتروا له سبحانه، قال الفراء: يقال: خلق الإفك واختلقه وخرقه واخترقه بمعنى. ونقل عن الحسن أنه سئل عن ذلك فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله. وقال الراغب «أصل الخرق قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تفكر ولا تدبر ومنه قوله تعالى: { أية : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } تفسير : [الكهف: 71] وهو ضد الخلق فإنه فعل الشيء بتقدير ورفق والخرق بغير تقدير قال تعالى: {وَخَرَقُواْ لَهُ } أي حكموا بذلك على سبيل الخرق وباعتبار القطع». وقرأ نافع {وَخَرَقُواْ } بتشديد الراء للتكثير. وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم {وحرفوا} من التحريف أي وزوروا له. {بَنِينَ وَبَنَاتٍ } فقالت اليهود؛ عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله وقالت العرب الملائكة بنات الله والله سبحانه منزه عما قالوه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بحقيقته من خطأ أو صواب / ولا فكر ولا روية فيه بل قالوه عن عمى وجهالة أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة بالمحل البعيد. وأياً ما كان فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الواو أو نعت لمصدر مؤكد أي خرقوا ملتبسين بغير علم أو خرقاً كائناً بغير علم والمقصود على الوجهين ذمهم بالجهل، وقيل: إن ذلك كناية عن نفي ما قالوا فإن ما لا أصل له لا يكون معلوماً ولا يقام عليه دليل، ولا حاجة إليه إذ نفيه معلوم من جعله اختلاقاً وافتراء ومن قوله عز وجل: {سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } من أن له جل شأنه شريكاً أو ولداً. وقد تقدم الكلام في سبحان وما يفيده من المبالغة في التنزيه. و {تَعَالَى } عطف على الفعل المضمر الناصب لسبحان. وفرق الإمام بين التسبيح والتعالي بأن الأول راجع إلى أقوال المسبحين والثاني إلى صفاته تعالى الذاتية التي حصلت لذاته سبحانه لا لغيره والمراد بالبنين فيما تقدم ما فوق الواحد أو أن من يجوز الواحد يجوز الجمع.
ابن عاشور
تفسير : عطف على الجمل قبله عطف القصّة على القصّة، فالضّمير المرفوع في {جعلوا} عائد إلى {قومُك} من قوله تعالى: {أية : وكذّب به قومك}تفسير : [الأنعام: 66]. وهذا انتقال إلى ذكر شِرك آخر من شرك العرب وهو جعلهم الجِنّ شركاءَ لله في عبادتهم كما جعلوا الأصنام شركاء له في ذلك. وقد كان دين العرب في الجاهليّة خليطاً من عبادة الأصنام ومن الصّابئيّة عبادة الكواكب وعبادة الشّياطين، ومجوسيّة الفرس، وأشياء من اليهوديّة، والنّصرانيّة، فإنّ العرب لجهلهم حينئذٍ كانوا يتلقّون من الأمم المجاورة لهم والّتي يرحلون إليها عقائد شتّى متقارباً بعضها ومتباعداً بعض، فيأخذونه بدون تأمّل ولا تمحيص لفقد العلم فيهم، فإنّ العلم الصّحيح هو الذّائد عن العقول من أنّ تعشّش فيها الأوهام والمعتقدات الباطلة، فالعرب كان أصل دينهم في الجاهليّة عبادة الأصنام وسرت إليهم معها عقائد من اعتقاد سلطة الجنّ والشّياطين ونحو ذلك. فكان العرب يثبتون الجنّ وينسبون إليهم تصرّفات، فلأجل ذلك كانوا يتّقون الجنّ وينتسبون إليها ويتّخذون لها المَعاذات والرّقَى ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسميّة الله على بعض الذبائح. وكانوا يعتقدون أنّ الكاهن تأتيه الجنّ بالخبر من السّماء، وأنّ الشّاعر له شيطان يوحى إليه الشّعر، ثمّ إذ أخذوا في تعليل هذه التصرّفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهيّة الله تعالى تعلّلوا لذلك بأنّ للجنّ صلة بالله تعالى فلذلك قالوا: الملائكة بنات الله مِن أمّهاتتٍ سَرَوات الجنّ، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وجعلوا بينه وبينَ الجِنّة نسباً}تفسير : [الصافات: 158] وقال {أية : فاستفتهم ألرَبِّك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ألاَ إنّهم من إفكهم ليقولون ولد اللّهُ وإنّهم لكاذبون}تفسير : [الصافات: 149 - 152]. ومن أجل ذلك جَعَل كثير من قبائل العرب شيئاً من عبادتهم للملائكة وللجنّ. قال تعالى: {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون}تفسير : [سبأ: 40، 41]. والّذين زعموا أنّ الملائكة بنات الله هم قريش وجُهينة وبنو سلمة وخزاعة وبنو مُليح. وكان بعض العرب مجوساً عبدوا الشّيطان وزعموا أنّه إلهُ الشرّ وأنّ الله إله الخير، وجعلوا الملائكة جند اللّهِ والجنّ جندَ الشّيطان. وزعموا أنّ الله خلق الشّيطان من نفسه ثمّ فوّض إليه تدبير الشرّ فصار إله الشرّ. وهم قد انتزعوا ذلك من الدّيانة المزدكيّة القائلة بإلهين إله للخير وهو (يَزْدَانْ). وإلهٍ للشرّ وهو (أهْرُمُنْ) وهو الشّيطان. فقوله: {الجنّ} مفعول أوّل {جعلوا} و{شركاء} مفعوله الثّاني، لأنّ الجنّ المقصود من السّياق لا مطلق الشّركاء، لأنّ جعل الشركاء لله قد تقرّر من قبل. و{لله} متعلّق بـ {شركاء}. وقدم المفعول الثّاني على الأوّل لأنّه محلّ تعجيب وإنكار فصار لذلك أهمّ وذكره أسبق. وتقديم المجرور على المفعول في قوله: {لله شركاء} للاهتمام والتعجيب من خطل عقولهم إذ يجعلون لله شركاء من مخلوقاته لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو خالق الجنّ، فهذا التّقديم جرى على خلاف مقتضى الظّاهر لأجل ما اقتضى خُلافه. وكلام «الكشاف» يَجعل تقديم المجرور في الآية للاهتمام باعتقادهم الشّريك لله اهتماماً في مقامه وهو الاستفظاع والإنكار التّوبيخي. وتبعه في «المفتاح» إذ قال في تقديم بعض المعمولات على بعض «للعناية بتقديمه لكونه نُصْب عينك كما تَجِدُك إذا قال لك أحد: عرفتَ شركاء لله، يَقِف شَعَرُك وتقول: للّهِ شركاء. وعليه قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء} اهــ. فيكون تقديم المجرور جارياً على مقتضى الظّاهر. والجِنّ ـــ بكسر الجيم ـــ اسم لموجودات من المجرّدات الّتي لا أجسام لها ذاتتِ طبع ناري، ولها آثار خاصّة في بعض تصرّفات تؤثّر في بعض الموجودات ما لا تؤثّره القُوى العظيمة. وهي من جنس الشّياطين لا يُدرى أمدُ وجود أفرادها ولا كيفيّة بقاء نوعها. وقد أثبتها القرآن على الإجمال، وكان للعرب أحاديث في تخيّلها. فهم يتخيّلونها قادرة على التشكّل بأشكال الموجودات كلّها ويزعمون أنّها إذا مسّت الإنسان آذته وقتلته. وأنّها تختطف بعض النّاس في الفيافي، وأنّ لها زَجَلاً وأصْواتاً في الفيافي، ويزعمون أنّ الصدى هو من الجنّ، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {أية : كالّذي استهوته الشّياطين في الأرض}تفسير : [الأنعام: 71]، وأنّها قد تقول الشّعر، وأنّها تظهر للكهان والشّعراء. وجملة {وخلقهم} في موضع الحال والواو للحال. والضّمير المنصوب في {خلقهم} يحتمل أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير {جعلوا}، أي وخلق المشركين، وموقع هذه الحال التّعجيب من أن يجعلوا لله شركاء وهو خالقهم، من قبيل {أية : وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون}تفسير : [الواقعة: 82]، وعلى هذا تكون ضمائر الجمع متناسقة والتعجيب على هذا الوجه من جعلهم ذلك مع أنّ الله خالقهم في نفس الأمر فكيف لا ينظرون في أنّ مقتضى الخلق أن يُفرد بالإلهيّة إذ لا وجه لدعواها لمن لا يَخلق كقوله تعالى: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تَذكَّرون}تفسير : [النحل: 17] فالتّعجيب على هذا من جهلهم وسوء نظرهم. ويجوز أن يكون ضمير {وخلقهم} عائداً إلى الجنّ لصحّة ذلك الضمير لهم باعتبار أنّ لهم عقلاً، وموقع الحال التّعجيب من ضلال المشركين أنّ يشركوا الله في العبادة بعض مخلوقاته مع علمهم بأنّهم مخلوقون لله تعالى، فإنّ المشركين قالوا: إنّ الله خالق الجنّ، كما تقدّم، وأنّه لا خالق إلاّ هو، فالتّعجيب من مخالفتهم لمقتضى علمهم. فالتّقدير: وخلقهم كما في علمهم، أي وخلقهم بلا نزاع. وهذا الوجه أظهر. وجملة: {وخرّقوا} عطف على جملة: {وجعلوا} والضّمير عائد على المشركين. وقرأ الجمهور {وخَرَقوا} ـــ بتخفيف الرّاء ـــ، وقرأه نافع، وأبو جعفر ـــ بتشديد الرّء ـــ. والخرق: أصله القطع والشقّ. وقال الراغب: هو القطع والشقّ على سبيل الفساد من غير تدبّر، ومنه قوله تعالى: {أية : أخَرَقْتها لتُغْرِق أهلَها}تفسير : [الكهف: 71]. وهو ضدّ الخلق، فإنّه فعل الشّيء بتقدير ورفق، والخرق بغير تقدير. ولم يقيّده غيره من أئمّة اللّغة. وأيّاً ما كان فقد استعمل الخرق مجازاً في الكذب كما استعمل فيه افترى واختلقَ من الفَرْي والخَلْق. وفي «الكشاف»: سئل الحسن عن قوله تعالى: {وخرّقوا} فقال: كلمة عربيّة كانت العرب تقولها، كان الرّجل إذا كذب كذبة في نادى القوم يقول بعضهم: «قد خَرَقها والله». وقراءة نافع تفيد المبالغة في الفعل لأنّ التّفعل يدلّ على قوّة حصول الفعل. فمعنى {خرّقوا} كذبوا على الله على سبيل الخرق، أي نسبوا إليه بنين وبناتتٍ كذباً، فأمّا نسبتهم البنين إلى الله فقد حكاها عنهم القرآن هنا. والمراد أنّ المشركين نسبوا إليه بنين وبنات. وليس المراد اليهود في قولهم: {أية : عُزير ابن الله}تفسير : [التوبة: 30]، ولا النّصارى في قولهم: {أية : المسيح ابنُ الله}تفسير : [التوبة: 30]. كما فسّر به جميع المفسّرين، لأنّ ذلك لا يناسب السّياق ويشوّش عود الضّمائر ويخرم نظم الكلام. فالوجه أنّ المراد أنّ بعض المشركين نسبوا لله البنين وهو الّذين تلقّنوا شيئاً من المجوسيّة لأنّهم لمّا جعلوا الشّيطان متولّداً عن الله تعالى إذ قالوا إنّ الله لمّا خلق العالم تفكّر في مملكته واستعظمها فحصل له عُجب تولّد عنه الشّيطان، وربّما قالوا أيضاً: إنّ الله شكّ في قدرة نفسه فتولّد من شكّه الشّيطانُ، فقد لزمهم أنّ الشّيطان متولّد عن الله تعالى عمّا يقولون، فلزمهم نسبة الابن إلى الله تعالى. ولعلّ بعضهم كان يقول بأنّ الجنّ أبناء الله والملائكة بنات الله، أو أنّ في الملائكة ذكوراً وإناثاً، ولقد ينجرّ لهم هذا الاعتقاد من اليهود فإنّهم جعلوا الملائكة أبناء الله. فقد جاء في أوّل الإصحاح السّادس من سفر التّكوين «وحدث لَمَّا ابتدأ النّاس يكثرون على الأرض ووُلد لهم بنات أنّ أبناءَ الله رأوا بنات النّاس أنّهن حسَنات فاتَّخذوا لأنفسهم نساء من كلّ ما اختاروا وإذ دخل بنو الله على بنات النّاس ووَلَدْن لهم أولاداً هؤلاء هم الجبابرة الّذين منذ الدّهر ذوو اسم». وأمّا نسبتهم البنات إلى الله فهي مشهورة في العرب إذ جعلوا الملائكة إناثاً، وقالوا: هنّ بنات الله. وقوله {بغير علم} متعلّق بـــ {خرّقوا}، أي اختلقوا اختلاقاً عن جهل وضلالة، لأنّه اختلاق لا يلتئم مع العقل والعِلم فقد رموا بقولهم عن عمى وجهالة. فالمراد بالعلم هنا العلم بمعناه الصّحيح، وهو حُكمُ الذّهنِ المطابقُ للواقع عن ضرورةٍ أو برهانٍ. والباء للملابسة، أي ملابساً تخريقُهم غيرَ العلم فهو متلبّس بالجهل بدءاً وغاية، فهم قد اختلقوا بلا داع ولا دليل ولم يجدوا لما اختلقوه ترويجاً، وقد لزمهم به لازمُ الخَطل وفسادِ القول وعدممِ التئامه، فهذا موقع باء الملابسة في الآية الّذي لا يفيد مُفادَه غيرُه. وجملة: {سبحانه وتعالى عمّا يصفون} مستأنفة تنزيهاً عن جميع ما حكي عنهم. فــ{سبحان} مصدر منصوب على أنّه بدل من فعله. وأصل الكلام أسبّح الله سبحاناً. فلمّا عُوّض عن فعله صار (سبحانَ الله) بإضافته إلى مفعوله الأصلي، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا}تفسير : في سورة [البقرة: 32]. ومعنى: {تعالى} ارتفع، وهو تفاعل من العلوّ. والتّفاعل فيه للمبالغة في الاتّصاف. والعلوّ هنا مجاز، أي كونُه لا ينقصه ما وصفوه به، أي لا يوصف بذلك لأنّ الاتّصاف بمثل ذلك نقص وهو لا يلحقه النّقص فشبّه التّحاشي عن النّقائص بالارتفاع، لأنّ الشّيء المرتفع لا تلتصق به الأوساخ الّتي شأنها أن تكون مطروحة على الأرض، فكما شبّه النّقص بالسفالة شبّه الكمالُ بالعُلوّ، فمعنى (تعالى عن ذلك) أنّه لا يتطرّق إليه ذلك. وقوله: {عمّا يصفون} متعلّق بــ (عَنْ) للمجاوزة. وقد دخلت على اسم الموصول، أي عن الّذي يصفونه. والوصف: الخَبر عن أحوال الشّيء وأوصافه وما يتميّز به، فهو إخبار مبيِّن مُفصّل للأحوال حتّى كأنّ المخبَر يصف الشّيءَ وينْعته. واختير في الآية فعل {يصفون} لأنّ ما نسبوه إلى الله يرجع إلى توصيفه بالشّركاء والأبناء، أي تباعد عن الاتّصاف به. وأمّا كونهم وصفوه به فذلك أمر واقع.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: شركاء: جمع شريك في عبادته تعالى. الجن: عالم كعالم الإِنس إلا أنهم أجسام خفية لا ترى لنا إلا إذا تشكلت بما يُرى. وخرقوا: اختلقوا وافتاتوا. يصفون: من صفات العجز بنسبة الولد والشريك إليه. بديع السماوات والأرض: مبدع خلقهما حيث أوجدهما على غير مثال سابق. أنى يكون له ولد: أي كيف يكون له ولد؟ كما يقول المبطلون. ولم تكن له صاحبة: أي زوجة. لا تدركه الأبصار: لا تراه في الدنيا، ولا تحيط به في الآخرة. وهو يدرك الأبصار: أي محيط علمه بها. وهو اللطيف: الذي ينفذ علمه إلى بواطن الأمور وخفايا الأسرار فلا يحجبه شيء. معنى الآيات: لقد جاء في الآيات السابقة من الأدلة والبراهين العقلية ما يبهر العقول ويذلها لقبول التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه، ولكن مع هذا فقد جعل الجاهلون لله من الجن شركاء فأطاعوهم فيما زينوا لهم من عبادة الأصنام والأوثان، وهذا ما أخبر به تعالى في هذه الآية الكريمة [100] إذ قال {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} ومعنى الآية وجعل العادلون بربهم الأصنام والجن شركاء لله في عبادته، وذلك بطاعتهم فيما زينوا لهم من عبادة الأصنام، والحال أنه قد خلقهم فالكل مخلوق له العابد والمعبود من الجن والأصنام، وزادوا في ضلالهم شوطاً آخر حيث اختلقوا له البنين والبنات وهذا كله من تزيين الشياطين لهم وإلا فأي معنى في أن يكون لخالق العالم كله بما فيه الإِنس والجن والملائكة أبناء وبنات. هذا ما عناه تعالى بقوله: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} فنزه الرب تبارك وتعالى نفسه عما وصفوه به كذباً بحتاً وتخرّصاً كاملاً من أن له بنين وبنات وليس لهم على ذلك أي دليل علمي لا عقلي ولا نقلي، وقد شارك في هذا الباطل العرب المشركون حيث قالوا الملائكة بنات الله، واليهود حيث قالوا عزير ابن الله، والنصارى إذ قالوا المسيح ابن الله، تعالى الله عما يقول المبطلون. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [101] فقد تضمنت إقامة الدليل الذي لا يرد على بطلان هذه الفرية المنكرة فرية نسبة الولد لله سبحانه وتعالى، فقال تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما على غير مثال سابق {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ} أي يا للعجب كيف يكون لله ولد ولم تكن له زوجة إذ النوالد يكون بين ذكر وأنثى لحاجة إليه لحفظ النوع وكثرة النسل لعمارة الأرض بل ولعبادة الرب تعالى بذكره وشكره، أما الرب تعالى فهو خالق كل شيء ورب كل شيء فأي معنى لاتخاذ ولد له، لولا تزيين الشياطين للباطل حتى يقبله أولياؤهم من الإِنس، وقوله تعالى: {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} دليل آخر على بطلان ما خرق أولئك الحمقى لله من ولد، إذ لو كان لله ولد لعلمه وكيف لا، وهو بكل شيء عليم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة [102] وهي قوله تعالى: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي ذلكم الله الذي هو بديع السماوات والأرض والخالق لكل شيء بكل شيء هو ربكم الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ولا تشركوا به سواه. وإنه لكفيل برزقكم وحفظكم ومجازاتكم على أعمالكم وهو على كل شيء قدير. والآية الأخيرة في السياق الكريم [103] يقرر تعالى حقيقة كبرى وهي أن الله تعالى مباين لخلقه في ذاته وصفاته ليس كمثله شيء فكيف يشرك به وكيف يكون له ولد، وهو لا تدركه الأبصار وهو يدركها وهو اللطيف الذي ينفذ علمه وقدرته في كل ذرات الكون علويِّة وسفليِّة الخبير بكل خلقه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وهو العزيز الحكيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أن من الإِنس من عبد الجن بطاعتهم وقبول ما يأمرونهم به ويزينونه لهم. 2- تنزه الرب تعالى عن الشريك والصاحبة والولد. 3- مباينة الرب تبارك وتعالى لخلقه. 4- استحالة رؤية الرب في الدنيا، وجوازها في الآخرة لأوليائه في دار كرامته.
القطان
تفسير : خلق الكلمة، واختلقها، وخرقها، واخترقها: ابتدعها كذباً، والخلقُ فعلُ الشيء بتدبير ورفق بديع السماوات: خالقها ومنشئها، والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء الادراك: الوصول الى الشيء، يقال: تبعه حتى أدركه. البصر: حاسة الرؤية. اللطيف: ضد الكثيف، واللطف في العمل: الرفق فيه. بعد ان ذكر سبحانه البراهين الدالة على توحيده بالخلق والتدبير في هذا الكون - ذكر هنا بعض انواع الشِرك التي كانت منتشرة عند العرب وكثير من الأمم، وهي اتخاذ شركاء لله من عالم الجِن المستتر عن العيون. وهم لا يعرفون من هم الجن، ولكنها أوهام الوثنية. هذا كما اخترعوا لله نسلاً من البنين والبنات.. لقد قالوا ان الملائكة والشياطين شركاء لله، وقد خلقهم الله جميعا، فإذا كان هو الذي خلقهم فكيف يكونون شركاء له في الألوهية والربوبية!! {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ}. فقد قال مشركو العرب: ان الملائكة بنات الله،وقالت اليهود: عُزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله.. كل هذه الادعاءات لا تقوم على أساس من علم، بل هي الجهل المطبِق. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ}. تنزّه الله تعالى عن كل نقص ينافي انفراده بالخلق والتدبير. قراءات: قرأ نافع وأهل المدينة "خرقوا" بتشديد الراء. {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ....}. هنا يواجه كذبهم واختلاقهم بالحقيقة الالهية ويكشف لهم جهلهم وأوهامهم، فيقول: ان الله هو الذي انشأ السماوات والارض على غير مثال سبق، فكيف يكون له ولد، كما يزعم هؤلاء، مع انه لم تكن له زوجة، ولقد خلق جميع الاشياء بما فيها هؤلاء الذين اتخذوهم شركاء له، فكيف يخلقهم ويشاركون في القدرة على الخلق؟ انه هو عالم بكل شيء يحصي عليهم ما يقولون وما يفعلون. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ....}. ذلكم الله المنزَّه عن كل ما يصفونه به، المتصف بصفات الكمال، لا إله غيره، خالق كل شيء مما كان ومما سيكون، فهو وحده المستحق للعبادة. فاعبدوه وحده. وهو مع تلك الصفات الجليلة الشأن متوّلٍ جميع الأمور، يدبّر ملكه بعلمه وحكمته، فيرزق عباده، ويكلؤهم بالليل والنهار. {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ....}. أي لا تُبصر ذاتَه العيون، لكنه يعلم الأبصار والبصائر، وهو الرفيق بعباده والخبير بخلقه فلا يخفى عليه شيء من أمرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَنَاتٍ} {سُبْحَانَهُ} {تَعَالَىٰ} (100) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ مِنَ المَجُوسِ، الذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ خَالِقُ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ، فَهُوَ إلهُ الخَيْرِ. وَإِبْلِيسُ خَالِقُ السِّبَاعِ وَالضَّوَارِي وَالحَيَّاتِ وَالشَّرِّ، فَهُوَ إِلهُ الشَّرِّ. وَيَقُولُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: لَقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ للهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، شُرَكَاءَ مِنَ الجِنِّ، وَالحَاُل أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ هَؤُلاَءِ الشُّرَكَاءَ الذِينَ عَبَدَهُمُ المُشْرِكُونَ، كَمَا خَلَقَ غَيْرَهُمْ، فَجَمِيعُ الخَلْقِ عَبِيدُهُ، وَالمَخْلُوقُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَبّاً وَلاَ إِلهاً، وَاخْتَلَقَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ بِحُمْقِهِمْ، وَجَهْلِهِمْ، للهِ بَنَاتٍ وَبَنِينَ، وَجَعَلُوهُمْ أَبْنَاءَهُ (فَجَعَلَ العَرَبُ المَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، وَجَعَلَ اليَهُودُ عُزَيْراً ابْنَ اللهِ، وَجَعَلَ النَّصَارَى المَسِيحَ ابْنَ اللهِ). وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَا قَالُوا إِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ صَوَاباً (بِغَيِْر عِلْمٍ). تَنَزَّهَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ هَؤُلاَءِ الضَّالُّونَ، وَعَنْ كُلِّ نَقْصٍ يُنَافِي انْفِرَادَهُ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، إِذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ. الجِنَّ - الشَّيَاطِينَ. خَرَقُوا لَهُ - اخْتَلَقُوا وَافْتَرَوْا وَنَسَبُوا إِلَيْهِ افْتِراءً وَحَمَاقَةً.
الثعلبي
تفسير : {وَجَعَلُواْ} يعني الكافرين {للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} يعني وجعلوا للّه الجن شركاء، وإن شئت نصبته على التفسير {وَخَلَقَهُمْ} يعني وهو خلقهم وخلق الجن. وقرأ يحيى بن معمر: وخلقهم بسكون اللام وفتح القاف أراد إفكهم وادّعاءهم ما يعبدون من الأصنام حيث جعلوها شركاء للّه عز وجل يعني وجعلوا له خلقهم. وقرأيحيى بن وثاب: وخلقهم بسكون اللام وكسر القاف، يعني جعلوا للّه شركاء ولخلقهم أشركوهم مع اللّه في خلقه إياهم. وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة قالوا: إن اللّه وإبليس شريكان، واللّه خالق النور والناس والدواب والأنعام. وإبليس خالق الظلمة والسباع والعقارب والحيّات، وهذا كقوله {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] يعني في الجنة، وهم صنف من الملائكة خزان الجنان أشق لهم منهم صنف من الجن {وَخَرَقُواْ} أي اختلفوا وخرصوا. وقرأ أهل المدينة: بكثرته وخرّقوا على التكثير {لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وهم كفار مكة، قالوا: الملائكة والأصنام بنات اللّه. واليهود قالوا: عزير ابن اللّه. والنصارى قالوا: المسيح ابن اللّه ثم نزّه نفسه. وقال تعالى {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ} زوجة {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} إلى قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} أجراه بعضهم على العموم فقال: معناه لا تحيط به الأبصار بل تراه وهو يحيط بها. قال اللّه عز وجل {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110] فكما تعرفه في الدنيا لا كالمعروفين فكذلك تراه في العقبى لا كالمرئيين. قالوا: وقد ترى الشيء ولا تدركه كما أخبر اللّه تعالى عن قول أصحاب موسى (عليه السلام) حين قرب منهم فرعون {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم لأن اللّه تعالى قد وعد نبيه موسى (عليه السلام) إنهم لا يدركون بقوله {أية : لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 77]. وكذلك قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار. وقال عطاء: كلّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به. وقال الحسن: لا تقع عليه الأبصار ولا تدلّ عليه العقول ولا يدركه الإذعان. يدلّ عليه ما روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ}. قال: حديث : لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا باللّه أبداً . تفسير : وأجراه بعضهم على النصوص. قال ابن عباس ومقاتل: معناه لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} لا يخفى عليه شيء ولا يفوته. وقيل: معناه لا تدركه أبصار الكافرين، فأما المؤمنون فيرونه، واللّه أعلم {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}. قال أبو العالية: لطيف باستخراج الأشياء خبير بها. وقال أكثر العلماء في معنى اللطيف. فقال الجنيد: اللطيف: من نوّر قلبك بالهدى وربي جسمك بالغدا، وجعل لك الولاية في البلوى ويحرسك من لظى ويدخلك جنة المأوى. وقيل: اللطيف الذي أنسى العباد ذنوبهم لئلاّ يخجلوا. وقيل: الذي ركّب من النطفة من ماء مهين وقيل: هو الذي يستقل الكثير من نعمه ويستكثر القليل من طاعة عباده. قتادة: وقيل: اللطيف الذي يُغِير ولا يُغَير. وقيل: اللطيف الذي إن رجوته لبّاك وأن قصدته آواك، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافاك، وإن عصيته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك، وإن أقبلت إليه عداك. وقيل: اللطيف: الذي لا يطلب من الأحباب الأحساب والأنساب. وقيل: اللطيف: الذي يغني المفتقر إليه ويعز المفتخر به. وقيل: اللطيف: من يكافي الوافي ويعفو عن الباقي. وقيل: اللطيف: من أمره تقريب ونهيه تأريب. وقيل: اللطيف: الذي يكون عطاؤه خير ومنعه ذخيرة. وأصل اللطيف دقة النظر في جميع الأشياء {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} يعني الحجج البينة التي يبصرون بها الهدى من الضلال والحق من الباطل. قال الكلبي: يعني بينات القرآن. {فَمَنْ أَبْصَرَ} يعني عرفها وآمن بها {فَلِنَفْسِهِ} عمل وحظه أصاب وإياها بغى الخير {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} عنها فلم يعرفها ولم يصدقها. وقرأ طلحة بن مصرف: ومن عُمّي بضم العين وتشديد الميم على المفعول التي تدل عليها، يقول: فنفسه ضر وإليها أساء لا إلى غيره {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } رقيب أحصي إليكم أعمالكم وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} نبينها في كل وجه لندعوكم بها {وَلِيَقُولُواْ} وليلاً يقولوا إذا قرأت عليهم القرآن {دَرَسْتَ} أي تلوت وقرأت يا محمد بغير ألف قرأه جماعة منهم أبي رجاء وأبي وائل والأعرج ومعظم أهل العراق وأهل الحجاز، وكان عبد اللّه بن الزبير يقول: إن صبياناً يقرأونها دارست بالألف وإنما هي درست. وقرأ علي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: دارست بالألف يعني قارأت أهل الكتاب وتعلمت منهم تقرأ عليهم يقرأوا عليك. وقال ابن عباس: يعني جادلت وخاصمت، وكذلك كان يقرأها، وقرأ قتادة: درست بمعنى قرئت وتليت. وقرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: درست بفتح الدال والراء وجزم التاء بمعنى تقادمت وانمحت وقرأ ابن مسعود وأبي طلحة والأعمش: درس بفتحها يعنون النبي درس الآيات {وَلِنُبَيِّنَهُ} يعني القول والتحريف والقرآن {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * ٱتَّبِعْ} يا محمد {مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} يعني القرآن إعمل به {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} فلا تجادلهم ولا تعاقبهم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} رقيباً. ويقال رباً. قال عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظاً تمنعهم مني {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} والإعراض منسوخ بآية السيف. وهذه الآية نزلت حين قال المشركون لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائك.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومادة الجن هي "الجيم" و "النون" وكلها تدل على الستر والتغطية والتغليف، ومنها الجنون، لأن العقل في هذه الحالة يكون مستوراً، ونحن لا نرى الجن، فهم مستورون، والملائكة كذلك، والمادة كلها مادة "الجيم" و "النون" تدل على اللف والتغطية. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} و"الجن" هو الخفي من كل شيء، والجن - كما تعلمون - هم خلق من خلق الله فسبحانه خلق الإنس وخلق الجن، خلق الجن مستوراً حتى لا نعتقد أن خلق الله لحي كائن، يجب أن يتمثل في هذا القالب المادي، بل سبحانه يخلق ما شاء وكما شاء، فيخلق أشياء مستورة لا تُرى، ولها حياة، ولها تناسل، ويخلق أشياء مستورة، ولا تناسل لها: كل ذلك بطلاقة قدرة الحق سبحانه، ليقرب لنا هذه القضية؛ لأن عقولنا قد تقف في بعض الأشياء التي لا تدرك ولا ترى؛ لأننا لا نعلم وجوداً لشيء إلا إذا أحسسناه. إن الحق سبحانه يوضح ذلك. فإياك أن تظن أنك تستطيع أن تدرك كل ما خلقه الله، فليس حسك هو الوسيلة الوحيدة للإدراك لأن حسك له قوانين تضبطه، فأنت ترى، ولكنك ترى بقانون، بحيث إذا بعد المرئي عنك امتداداً فوق امتداد بصرك فلا تراه وكذلك أذنك تسمع، فإن بعد الصوت أو مصدر الصوت عنك بحيث لا تصل الذبذبة إليك، فلا تسمع، كذلك عقلك، قد تفهم أشياء ولا تفهم أشياء أخرى، ثم ضرب لنا في وجودنا المادي أمثالاً تقرب لنا ذلك الخلق الخفي من الجن ومن الملائكة. لقد وجدنا العقل البشري قد هداه الله الذي قدر فهدى، إلى أن يكتشف شيئاً اسمه "الميكروب" و "الميكروب" كائن حي دقيق جداً بحيث إن البصر العادي لا يدركه، ولكنه كان موجوداً، وفعل الأفاعيل في الناس ودخل في أجسامهم دون أن يشعروا كيف دخل وعمل فيهم وفي صحتهم ما عمل من الهلاك والموت مثل أمراض الطاعون والكوليرا وغيرها، ومع ذلك فالميكروب كان موجوداً ومن جنس وجودنا، أي هو مادة وله حياة وله فعل، وله نفوذ في الهيكل الذي يدرك وهو الإنسان. وهكذا رأينا أن شيئاً خفياً لا يدرك ويهدد إنساناً ضخماً يدرك، فهل معنى اكتشاف الميكروب أننا أوجدناه؟ لا، إن وجود الميكروب شيء، وإدراك وجوده شيء آخر، وإذا حللنا "الميكروب" نجد أنه مادة الإنسان ولكنه دقيق جداً حتى إن العين المجردة لا تراه، فلما اكتشف المجهر وكبرناه عرفناه، وهذا الكائن الحي إن كنت لا تراه، فعدم رؤيتك له سابقاً لا تعني أنه غير موجود، بل هو موجود ولكنك لم تدركه، ثم اكتشفت - أيها الإنسان - آلة جعلتك تدركه، ولنعرف أن وجود شيء لا يعني أنك من الضروري أن تدركه، فإذا قال الله لك: لي ملائكة من خلقي، ولي جن من خلقي، ولكنكم لا ترونهم وهم يرونكم، نقول: صدقت يا ربي، لأن شيئاً من جنس مادتنا كان موجوداً ولا نراه ثم بعد ذلك رأيناه. إذن فالأشياء التي نكتشفها الآن هي دليل على صدق البلاغ القرآني بما أخبر به من الأمور الغيبية، الجن مستور، والمادة كلها - كما بينا - تدل على الستر، فالجنون غياب العقل، وجن الليل، أي ستر وغطى، والجنة لأن فيها أشجاراً وغير ذلك بحيث لا يظهر الذي يسير فيها فتكون ساترة لمن يدخلها. إذن المادة كلها تدل على الستر، وهل الذي نتعجب منه أنهم جعلوا الجن شركاء، أو أن التعجيب ليس من جعل الجن شركاء بل من اتخاذ مبدأ الشركاء، سواء أكان جناً أم غير جن، إن التعجيب هنا من المبدأ نفسه، فنحن لا نعترض فقط على أن الجن شركاء، بل نحن نعترض على المبدأ نفسه، أن يكون لله شريك من جن أو من ملائكة أو من غير ذلك، ولهذا قدم المجعول - وهو الشريك - على المجعول منه - وهو الجن - مع أن العادة أن يقدم المجعول منه على المجعول، فتقول جعلت الطين إبريقاً أي: أن الطين كان موجوداً، وأخذت منه الذي لم يكن موجوداً وهو الإبريق. ثم هل كان الشركاء موجودين وطرأ الجن عليهم؟ أو كان الجن موجوداً وطرأ الشركاء عليهم؟ في هذه الحالة كان يجب القول: وجعلوا الجن لله شركاء، إذن فالعجيبة ليس في أن يكون الجن شركاء، العجيبة في المبدأ نفسه، وكيف ترد فكرة الشركاء على أذهانهم سواء أكان الشركاء من الجن أم من غير ذلك، ولهذا قال سبحانه: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} وساعة تسمعها تقول: أعوذ بالله {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ}!! ولا يهمك من هم الشركاء؛ لأن مطلق مجيء شريك لله هو الأمر العجيب، سواء كان من الجن أم من الملائكة وكيف جعلوا الجن شركاء؟ ألم يقل الحق في كتابه إن إبراهيم قال: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} تفسير : [مريم: 44]. وما هي العبادة؟ العبادة هي أن يطيع العابد المعبود فيما يأمره به، وما داموا يطيعون الشياطين في وسوستهم فكأنهم عبدوهم، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تفسير : [سبأ: 40]. فقالت الملائكة: {أية : قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 41]. وكيف كانوا يعبدون الجن؟ إنهم كانوا يطيعونهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه؛ لأن العبادة هي الطاعة، وأنت أيها العباد لا تقترح العبادة بل تنظر فيما طلب منك أن تتقرب به إلى المعبود، إذن "افعل ولا تفعل" هي الأصل. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} ولماذا جاءوا لله بشركاء؟ لماذا لم يعبدوهم وحدهم ويستبعدوا الله من العبادة؟ لأن وجود شريك دليل على الاعتراف بالله أيضاً فلماذا جعلوا له شركاء؟ ولماذا لم يلحدوا وينكروا ويكفروا بالله وتنتهي المسألة؟ لا. لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم رأوا أن الشركاء ليس لهم مطلوبات تعبدية وحين عبدوها - مثلاً - لم تقل لهم "افعلوا" و"لا تفعلوا" وليس هنام منهج لاتباعه، لكن أحداثاً فوق أسبابهم ولا يستطيعون لها دفعاً قد تحدث فلمن يجأرون؟ أللآهة التي يعتقدون كذبها وبهتانها وأنها لا تنفع ولا تضر؟ لذلك احتفظوا باعترافهم بالله ليلجأوا إليه فيما لا يقدرون على دفعه لا هم ولا من اتخذوهم شركاء، ولذلك يقول الحق: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} تفسير : [يونس: 12]. كأنه يريد عبادة الله للمصلحة فقط. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ}. ومن العجيب - إذن - أنهم جعلوا لله شركاء، مع أن الله هو الذي خلق العابد والمعبود، والتعجيب من أمرين اثنين: أن يجعلوا شركاء لله من الجن أو من الملائكة، والعجيبة الأخرى أنه {وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وما معنى خرقوا له؟ معناها أنهم اختلقوا؛ لأن الخرق إيجاد فجوة في الشيء المستوى على قانون السلامة، ولذلك قال في السفينة: {أية : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} تفسير : [الكهف: 71]. وخرقوا له. أي عملوا خرقاً في الشيء السليم الذي تأبى الفطرة أن يكون. {وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} [الأنعام: 100]. أما القسم الذي ادّعى أن لله البنين فهم أهل الكتاب؛ إنهم قالوا ذلك: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30]. أما من جعلوا لله البنات، فهم بعض العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله. {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً} تفسير : [الإسراء: 40]. وقال سبحانه: {أية : أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} تفسير : [الصافات: 153-154]. وسبحانه القائل: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 21-22]. وهناك من العرب من جعل بين الله وبين الجن صلة نسب مصداقاً لقول الحق: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158]. لقد افتروا على الحق وادّعو أن اتصالاً تم بين الله وبين الجنَّة فخلقت وولدت الملائكة. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]. ولماذا يقول الحق: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} لأن العلم يؤدي إلى النقيض، فالعلم قضية استقرائية معتقدة واقعة يقام عليها الدليل، وهذا شيء لا واقع له، ولا يمكن أن يوجد عليه دليل لذلك فهو قول بغير علم بل هو بجهل. هي إذن جهالة بأن يصدقوا في حاجة وأنها واقعة وهي ليست واقعة، ولا يقام عليها دليل لأنها غير موجودة، ولو استقام الدليل عندهم بفطرتهم المستقبلة لأدلة البيان وأدلة الكون لتبرأوا مما اعتقدوا، ولرفضوا أن يتخذوا لله شركاء. وقد عرض الحق قضية طرأت على الأفكار المشوشة وقالوا: "شركاء" فقال: "سبحانه"، أي تنزيهاً له عن الشرك في الذات وفي الصفات، وفي الأفعال؛ لأن ذاته ليست ككل الذوات، وأفعاله ليست ككل الأفعال، وصفاته ليست ككل الصفات، ولذلك تأتي "سبحانه" في كل أمر يناقض نواميس الكون الموجودة. وخذ كل أمر يتعلق بالإله الحق في إطار "سبحانه". ولذلك حينما جاء بالإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به في ليلة واحدة وكان ذلك أمراً عجيباً، أمرنا الحق أن نتقبلها في إطار قوله الحق: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء: 1]. إن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يقل: أنا سَرَيت من مكة إلى بيت المقدس، إنما قال: أُسْرِي بي"، وما دام قد أسري به فالقانون في الإسراء هو قانون الحق سبحانه. فخذها في إطار سبحانه، وهو القائل: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [يس: 36]. ثم يأتي بما هو أوسع من إدراكك فيقول: {أية : وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. كأننا سوف نعلم فيما بعد أشياء فيها زوجية، وقد أزاح الكشف العلمي في القرن العشرين بعضاً من ذلك، فعرفنا الموجب والسالب في الكهرباء والالكترونات، وقوله: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} يفسح المجال لقضايا الكون التي تحدث بنشاطات العقول المكتشفة. {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]. فـ (سبحانه) تنزيها له وتقديسا عن أن يقاس بالكائن الموجود. تعالى اسمه، وتعالت ذاته، وتعالت صفاته وأفعاله {عَمَّا يَصِفُونَ} بأوصاف لا تليق بذاته. وبعد ذلك يقول الحق: {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ} معناهُ اخْتَلَقُوا
الأندلسي
تفسير : {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} لما ذكر تعالى ما اختص به من باهر قدرته ومتقن صنعته وامتنانه على عالم الإِنسان لما أوجد له مما يحتاج إليه في قوام حياته، وبين أن ذلك آيات لقوم يعلمون ولقوم يفقهون ولقوم يؤمنون ذكر ما عاملوا به منشأهم من العدم وموجد أرزاقهم من إشراك غيره له في عبادته ونسبة ما هو مستحيل عليه من وصفه بسمات الحدوث من البنين والبنات. والضمير في وجعلوا عائد على الكفار لأنهم مشركون، وأهل كتاب شركاء مفعول أوّل ولله متعلق به والجن مفعول ثان وأعرب أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي قال: انتصب الجن على إضمار فعل جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من جعلوا لله شركاء. قيل: الجن، أي جعلوا الجن. ويؤيد هذا المعنى قراءة أبي حيوة ويزيد بن قطيب الجن بالرفع على تقديرهم الجن جواباً لمن قال: من الذي جعلوهم شركاء فقيل لهم هم الجن. ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه والانتقاص لمن جعلوه شريكاً لله تعالى، فعلى قراءة الرفع في الجن يكون شركاء مفعول أول، ولله جار ومجرور في موضع المفعول الثاني أي صيروا شركاء كائنين لله. قال الزمخشري وابن عطية: الجن مفعول أول لجعلوا وهو بمعنى صيروا وشركاء مفعول ثان، ولله متعلق بشركاء. قال الزمخشري: فإِن قلت: فما فائدة التقديم؟ قلت: فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من كان ملكاً أو جنياً أو إنسياً ولذلك قدم اسم الله على الشركاء "انتهى". وأجاز والحوفي وأبو البقاء أن يكون الجن بدلاً من شركاء، ولله في موضع المفعول الثاني، وشركاء هو المفعول الأول وما أجازوه لا يجوز لأنه لا يصح للبدل أن يحل محل المبدل منه فيكون الكلام منتظماً. لو قلت: وجعلوا لله الجن لم يصح. وشرط البدل أن يكون على نية تكرار العامل على أشهر القولين أو معمولاً للعامل في المبدل منه على قول وهذا لا يصح هنا البتة كما ذكرنا. والضمير في وخلقهم عائد على الجاعلين إذ هم المحدث عنهم وهي جملة حالية أي وقد خلقهم وانفرد بإِيجادهم دون من اتخذوه شريكاً له وهم الجن فجعلوا من لم يخلقهم شريكاً لخالقهم وهذه غاية الجهالة. {وَخَرَقُواْ} قرىء: بتخفيف الواو وتشديدها، أي اختلقوا وافتروا. ويقال: خلق الإِفك وخرقه واختلقه واخترقه وافتعله وافترا، وخرصه إذا اكذب فيه، قال الفراء. وأشار بقوله: بنين، إلى قول أهل الكتاب بنين في المسيح وعزيز، وبقوله: وبنات إلى قول قريش في الملائكة. {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو بديع، وتقدم تفسيره في البقرة. {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي كيف يكون له ولد وهذه حالة أي أن الولد إنما يكون من الزوجة وهو لا زوجة له فلا ولد له. وفي ابطال الولد من ثلاثة أوجه أحدها أنه مبتدع السماوات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة لأن الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسماً حتى يكون والداً، والثاني أن الولادة لا تكون إلاّ بين زوجين من جنس واحد وهو تعالى متعال عن مجانس فلم يصح أن تكون له صاحبة فلم تصح الولادة، والثالث أنه ما من شىء إلا وهو خالقه والعالم به؛ ومن كان بهذه الصفة كان غنياً عن كل شىء والولد إنما يطلبه المحتاج إليه. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي ذلكم الموصوف بتلك الأوصاف السابقة من كونه بديعاً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً خالق الموجودات عالماً بكل شىء هو الله بدأ بالاسم العلم ثم قال: ربكم، أي مالككم والناظر في مصالحكم ثم حصر الألوهية فيه ثم كرر وصف خلقه كل شىء، ثم أمر بعبادته لأن من استجمعت فيه هذه الصفات كان جديراً بالعبادة وأن يفرد بها فلا يتخذ معه شريك ثم أخبر أنه مع تلك الصفات السابقة التي منها خلق كل شىء هو المالك لكل شىء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال. {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ} اختلف المفسرون في الإِدراك في هذه الآية ما هو فقيل: الإِدراك هنا الرؤية. وبه قال جماعة من الصحابة وقيل: الإِدراك هنا هو الإِحاطة بالشىء وليس بمعنى الرؤية وهو قول جماعة من الصحابة أيضاً. وسيأتي الكلام على الرؤية في سورة الأعراف عند قوله حكاية عن موسى عليه السلام في قوله: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 143]. الآية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده وتعرفه إليهم، بآياته البينات، وحججه الواضحات -أن المشركين به، من قريش وغيرهم، جعلوا له شركاء،يدعونهم، ويعبدونهم، من الجن والملائكة، الذين هم خلق من خلق الله، ليس فيهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، فجعلوها شركاء لمن له الخلق والأمر، وهو المنعم بسائر أصناف النعم، الدافع لجميع النقم، وكذلك "خرق المشركون" أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله، بنين وبنات بغير علم منهم، ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم، وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب تنزيه الله عنه؟!!. ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون فقال: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } فإنه تعالى، الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب. { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما، ومتقن صنعتهما، على غير مثال سبق، بأحسن خلق، ونظام وبهاء، لا تقترح عقول أولي الألباب مثله، وليسله في خلقهما مشارك. { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ } أي: كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد، الذي لا صاحبة له أي: لا زوجة له، وهو الغني عن مخلوقاته،وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده؛ والله خالق كل شيء وليس شيء من المخلوقات مشابها لله بوجه من الوجوه. ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر إحاطة علمه بها فقال: { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه، وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته، كما قال تعالى: {أية : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } تفسير : وكما قال تعالى: {أية : وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ } تفسير : ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدر ما قدر. { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي: المألوه المعبود، الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب،الرب، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وصرف عنهم صنوف النقم. { لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ } أي: إذا استقر وثبت، أنه الله الذي لا إله إلا هو،فاصرفوا له جميع أنواع العبادة، وأخلصوها لله، واقصدوا بها وجهه. فإن هذا هو المقصود من الخلق، الذي خلقوا لأجله {أية : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ } . تفسير : { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي: جميع الأشياء، تحت وكالة الله وتدبيره،خلقا، وتدبيرا، وتصريفا. ومن المعلوم، أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته وتمامه، وكمال انتظامه، بحسب حال الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء، ليست من جنس وكالة الخلق، فإن وكالتهم، وكالة نيابة، والوكيل فيها تابع لموكله. وأما الباري، تبارك وتعالى، فوكالته من نفسه لنفسه، متضمنة لكمال العلم،وحسن التدبير والإحسان فيه، والعدل، فلا يمكن لأحد أن يستدرك على الله،ولا يرى في خلقه خللا ولا فطورا، ولا في تدبيره نقصا وعيبا. ومن وكالته: أنه تعالى، توكل ببيان دينه، وحفظه عن المزيلات والمغيرات،وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم. { لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ } لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم. { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ } أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن،وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية، وبصره بجميع المبصرات،صغارها، وكبارها، ولهذا قال: { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } الذي لطف علمه وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن. ومن لطفه، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي، من حيث لا يحتسب، حتى أنه يقدر عليه الأمور، التي يكرهها العبد، ويتألم منها، ويدعو الله أن يزيلها، لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها، فسبحان اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين. { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } لما بين تعالى من الآيات البينات، والأدلة الواضحات، الدالة على الحق في جميع المطالب والمقاصد، نبه العباد عليها، وأخبر أن هدايتهم وضدها لأنفسهم، فقال: { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: آيات تبين الحق،وتجعله للقلب بمنزلة الشمس للأبصار، لما اشتملت عليه من فصاحة اللفظ،وبيانه، ووضوحه، ومطابقته للمعاني الجليلة، والحقائق الجميلة، لأنها صادرة من الرب، الذي ربى خلقه، بصنوف نعمه الظاهرة والباطنة، التي من أفضلها وأجلها، تبيين الآيات، وتوضيح المشكلات. { فَمَنْ أَبْصَرَ } بتلك الآيات، مواقع العبرة، وعمل بمقتضاها { فَلِنَفْسِهِ } فإن الله هو الغني الحميد. { وَمَنْ عَمِيَ } بأن بُصِّر فلم يتبصر، وزُجِر فلم ينزجر، وبين له الحق، فما انقاد له ولا تواضع، فإنما عماه مضرته عليه. { وَمَا أَنَا } أي: الرسول { عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظ أعمالكم وأرقبها على الدوام إنما عليَّ البلاغ المبين وقد أديته، وبلغت ما أنزل الله إليَّ، فهذه وظيفتي، وما عدا ذلك فلست موظفا فيه.
همام الصنعاني
تفسير : 839- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ في قوله تعالى: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ} [الآية: 100] قال: خَرَصُوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):