Verse. 890 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

بَدِيْعُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اَنّٰى يَكُوْنُ لَہٗ وَلَدٌ وَّلَمْ تَكُنْ لَّہٗ صَاحِبَۃٌ۝۰ۭ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ۝۰ۚ وَہُوَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۱۰۱
BadeeAAu alssamawati waalardi anna yakoonu lahu waladun walam takun lahu sahibatun wakhalaqa kulla shayin wahuwa bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هو «بديع السماوات والأرض» مبدعهما من غير مثال سبق «أنَّى» كيف «يكون له ولد ولم تكن له صاحبة» زوجة «وخلق كلَّ شيء» من شأنه أن يخلق «وهو بكل شيء عليمٌ».

101

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين. شرع في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. واعلم أن تفسير قوله: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } قد تقدم في سورة البقرة إلا أنا نشير ههنا إلى ما هو المقصود الأصلي من هذه الآية. فنقول: الإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال، ولذلك فإن من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها، يقال: إنه أبدع فيه. إذا عرفت هذا فنقول: إن الله تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود. لأن الله تعالى أخرجه إلى الوجود من غير سبق الأب. إذا عرفت هذا فنقول: المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه والداً لله تعالى أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد. وإما أن تريدوا بكونه ولد الله تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولداً لأبيه، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله مفهوماً ثالثاً مغايراً لهذين المفهومين. أما الاحتمال الأول: فباطل، وذلك لأنه تعالى وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسايط مخصوصة إلا أن النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث، وإذا كان الأمر كذلك. لزمهم الاعتراف بأنه تعالى خلق السموات والأرض من غير سابقة مادة ولا مدة، وإذا كان الأمر كذلك. وجب أن يكون إحداثه للسموات والأرض إبداعاً فلو لزم من مجرد كونه مبدعاً لإحداث عيسى عليه السلام كونه والداً له لزم من كونه مبدعاً للسموات والأرض كونه والداً لهما. ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق، فثبت أن مجرد كونه مبدعاً لعيسى عليه السلام لا يقتضي كونه والداً له، فهذا هو المراد من قوله: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وإنما ذكر السموات والأرض فقط ولم يذكر ما فيهما لأن حدوث ما في السموات والأرض ليس على سبيل الإبداع، أما حدوث ذات السموات والأرض فقد كان على سبيل الإبداع، فكان المقصود من الإلزام حاصلاً بذكر السموات والأرض. لا بذكر ما في السموات والأرض، فهذا إبطال الوجه الأول. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات، فهذا أيضاً باطل ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وشهوة، وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على خالق العالم محال. وهذا هو المراد من قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة. والوجه الثاني: أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن تكوينه دفعة واحدة عدل إلى تحصيله بالطريق المعتاد. أما من كان خالقاً لكل الممكنات قادراً على كل المحدثات، فإذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون، ومن كان هذا الذي ذكرنا صفته ونعته، امتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة وهذا هو المراد من قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء }. والوجه الثالث: وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديماً أو محدثاً، لا جائز أن يكون قديماً لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته. وما كان واجب الوجود لذاته كان غنياً عن غيره فامتنع كونه ولداً لغيره. فبقي أنه لو كان ولداً لوجب كونه حادثاً، فنقول إنه تعالى عالم بجميع المعلومات فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالاً ونفعاً أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله تعالى خلق هذا الولد فيه إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبل ذلك، ومتى كان الداعي إلى إيجاده حاصلاً قبله وجب حصول الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزلياً وهو محال، وإن كان الثاني فقد ثبت أنه تعالى عالم بأنه ليس له في تحصيل الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الإلهية، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يحدثه البتة في وقت من الأوقات، وهذا هو المراد من قوله: {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } وفيه وجه آخر وهو أن يقال الولد المعتاد إنما يحدث بقضاء الشهوة، وقضاء الشهوة يوجب اللذة، واللذة مطلوبة لذاتها، فلو صحت اللذة على الله تعالى مع أنها مطلوبة لذاتها، وجب أن يقال إنه لا وقت إلا وعلم الله بتحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت لأنه تعالى لما كان عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون هذا المعنى معلوماً، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يحصل تلك اللذة في الأزل، فلزم كون الولد أزلياً، وقد بينا أنه محال فثبت أن كونه تعالى عالماً بكل المعلومات مع كونه تعالى أزلياً يمنع من صحة الولد عليه، وهذا هو المراد من قوله: {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فثبت بما ذكرنا أنه لا يمكن إثبات الولد لله تعالى بناء على هذين الاحتمالين المعلومين، فأما إثبات الولد لله تعالى بناء على احتمال ثالث فذلك باطل. لأنه غير متصور ولا مفهوم عند العقل، فكان القول بإثبات الولادة بناء على ذلك الاحتمال الذي هو غير متصور خوضاً في محض الجهالة وأنه باطل، فهذا هو المقصود من هذه الآية ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً يساويه في القوة والكمال لعجزوا عنه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مبدعهما؛ فكيف يجوز أن يكون له ولد. و«بَدِيعُ» خبر ابتداء مضمر أي هو بديع. وأجاز الكِسائيّ خفضه على النعت لِلَّه عز وجل، ونصبه بمعنى بديعا السموات والأرض. وذا خطأ عند البصريين لأنه لِما مضى. {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي من أين يكون له ولد. وولد كل شيء شبيهه، ولا شبيه له. {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ} أي زوجة. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} عموم معناه الخصوص؛ أي خلق العالم. ولا يدخل في ذلك كلامه ولا غيره من صفات ذاته. ومثله {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف: 156] ولم تسع إبليس ولا من مات كافراً. ومثله {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأحقاف: 25] ولم تدمر السموات والأرض.

ابن كثير

تفسير : {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: مبدعهما، وخالقهما، ومنشئهما، ومحدثهما على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي: ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها فيما سلف، {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي: كيف يكون ولد؟ {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ}، أي: والولد إنما يكون متولداً بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } تفسير : [مريم: 88 - 89] إلى قوله: {أية : وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95] {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه، وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : هو {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } مبدعهما من غير مثال سبق {أَنَّىٰ } كيف {يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ } زوجة {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ } من شأنه أن يُخْلَق {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} فيه لأهل التأويل خمسة أقاويل: أحدها: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بالأبصار، واعتل قائل هذا بقوله: {فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} فوصف الله الغرق بأنه أدرك فرعون، وليس الغرق موصوفاً بالرؤية، كذلك الإدراك هنا، وليس ذلك بمانع من الرؤية بالإِبصار، غير أن هذا اللفظ لا يقتضيه وإن دل عليه قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. والقول الثاني: معناه لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار، واعتل قائلو ذلك بأمرين: أحدهما: أن الأبصار ترى ما بينها ولا ترى ما لاصقها، وما بين البصر فلا بد أن يكون بينهما فضاء، فلو رأته الأبصار لكان محدوداً ولخلا منه مكان، وهذه صفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. والثاني: أن الأبصار تدرك الألوان كما أن السمع يدرك الأصوات، فلما امتنع أن يكون ذا لون امتنع أن يكون مرئياً، كما أن ما امتنع أن يكون ذا صوت امتنع أن يكون مسموعاً. والقول الثالث: لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا بدليل قوله: {لاَ تَدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} وتدركه في الآخرة بدليل قوله: {أية : إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 23] وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة. والرابع: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، لأن الإِدراك له كرامة تنتفي عن أهل المعاصي. والقول الخامس: أن الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة، ولكن الله يحدث لأوليائه حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها، اعتِلاَلاً بأن الله أخبر برؤيته، فلو جاز أن يُرَى في الآخرة بهذه الأبصار وإن زِيْدَ في قواها جاز أن يرى بها في الدنيا وإن ضعفت قواها بأضعف من رؤية الآخرة، لأن ما خُلِقَ لإِدراك شيء لا يُعْدَمُ إدراكه، وإنما يختلف الإِدراك بحسب اختلاف القوة والضعف، فلما كان هذا مانعاً من الإدراك - وقد أخبر الله تعالى بإدراكه - اقتضى أن يكون ما أخبر به حقاً لا يدفع بالشبه، وذلك بخلق حاسة أخرى يقع بها الإِدراك. ثم قال: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فاحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: لطيف بعباده في الإِنعام عليهم، خبير بمصالحهم. والثاني: لطيف في التدبير خبير بالحكمة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ولم يكن} بياء الغيبة: قتيبة {درست} بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب {دارست} بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو. والباقون بتاء الخطاب {درست} من الدرس. {عدوّاً} على فعول بالضم: يعقوب. الباقون {عدوا} على فعل. {إنها إذا جاءت} بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد. الباقون: بالفتح. {لا تؤمنون} بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة. الباقون: على الغيبة. الوقوف: {والأرض} ط {صاحبة} ط {كل شيء} ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف {عليهم} ط {ربكم} ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة {إلا هو} ط لأن قوله {خالق} بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف {فاعبدوه} ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف {وكيل} ه {لا تدركه الأبصار} ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود {يدرك الأبصار} ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً. {الخبير} ه {من ربكم} ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {فلنفسه} ط كذلك مع الواو. {فعليها} ط {بحفيظ} ه {يعلمون} ه {من ربك} ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة {إلا هو} ط للعطف مع العارض {المشركين} ه {ما أشركوا} ط {حفيظاً} ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى {بوكيل} ه {بغير علم} ط {يعلمون} ه {ليؤمنن بها} ط {وما يشعركم} ط لمن قرأ {إنها} بكسر الألف. {لا يؤمنون} ه {يعمهون} ه. التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله {بديع السموات والأرض} الآية. والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون {بديع} مبتدأ والجملة بعده خبره. وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله {خلق كل شيء} وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه تعالى عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال {وهو بكل شيء عليم} فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال {ذلكم الله} فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره. وإنما قال ههنا {لا إله إلا هو خالق كل شيء} وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم. ثم قال {فاعبدوه} وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة {وهو} مع تلك الصفات {على كل شيء وكيل} يحفظه ويرزقه ويراقبه. قال في التفسير الكبير: إنه سبحانه أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب. ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية. ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا. وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم. قالت الأشاعرة: عموم قوله {خالق كل شيء} يدل على أنه خالق أفعال العباد. وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق. أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم. وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له تعالى لزم أن تكون مخلوقة له. وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن. وأما الفرق بين قوله {وخلق كل شيء} وقوله {خالق كل شيء} فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار. ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال {لا تدركه الأبصار} هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته تعالى. قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان. ثم إن قوله {لا تدركه الأبصار} يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء. وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم} تفسير : [البقرة: 255] {أية : لم يلد ولم يولد} تفسير : [الصمد: 3] فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه تعالى. وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله {أية : وما ربك بظلام للعبيد} تفسير : [فصلت: 46] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم. وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه {أية : قال أصحاب موسى إنا لمدركون} تفسير : [الشعراء: 61] أي لملحقون وقوله تعالى {أية : حتى إذا أدركه الغرق} تفسير : [يونس: 90] أي لحقه. وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت. وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة. ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية. سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله {لا تدركه الأبصار} لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا. وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً. فقوله {لا تدركه الأبصار} يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي. أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله تعالى جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله {لا تدركه الأبصار} وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته. ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته لغاية جلاله ونهاية جماله. والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم} تفسير : [البقرة: 255] فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال. فقوله {لا تدركه الأبصار} يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته. ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف. ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول. فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه تعالى ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها. وأجيب بأن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه. وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه تعالى. وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله تعالى الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟ وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله تعالى منزه عن ذلك. وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا. ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه تعالى محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة. وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع. (في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا. ومنها أن موسى عليه السلام طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها. ومنها أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز. ومنها قوله {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس:26] قد اتفق الجمهور على أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله {أية : فمن كان يرجوا لقاء ربه} تفسير : [الكهف: 110] ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله {أية : كانت لهم جنات الفروس نزلاً} تفسير : [الكهف: 107] والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء. ومنها قوله {أية : ولقد رآه نزلة أخرى} تفسير : [النجم: 13] وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله تعالى. ومنها قوله {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22، 23] ومنها قوله {أية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} تفسير : [المطففين: 15] فيكون المؤمنون غير محجوبين. ومنها قوله {أية : فيها ما تشتهيه الأنفس} تفسير : [الزخرف: 71] ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان. ومنها قوله {أية : وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً} تفسير : [الدهر: 20] فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام. وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "حديث : إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته"تفسير : والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي. ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية. أما قوله تعالى {وهو يدرك الأبصار} ففيه دليل على أنه سبحانه مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها. ثم قال {وهو اللطيف الخبير} وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها. أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم. أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية. أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال {قد جاءكم بصائر} أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين. {فمن أبصر} الحق وآمن {فلنفسه} أبصر وإياها نفع. {ومن عمي} عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر. قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك. وعورض بالعلم والداعي {وما أنا عليكم بحفيظ} أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم. ثم حكى شبه المنكرين بقوله {وكذلك} أي مثل ذلك التقرير البليغ {نصرف الآيات} نأتي بها متواترة حالاً بعد حال {وليقولوا} عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها. ومعنى {درست} قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ {دارست} أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة. وأما قراءة ابن عامر {درست} فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله {وليقولوا دارست} والثاني قوله {ولنبينه} أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في {لنبينه} للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً. وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول {دارست} كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} تفسير : [البقرة: 26] وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله {أية : يبين الله لكم أن تضلوا} تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلوا. أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة. وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى. ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله {اتبع ما أوحي إليك من ربك} لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله {لا إله إلا هو} على أنه سبحانه لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين. ثم ختم الآية بقوله {وأعرض عن المشركين} وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال. وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ. {ولو شاء الله ما أشركوا} مذهب الأشاعرة فيه ظاهر. وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر. وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل. ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار. ثم إنهم لما نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله تعالى عن ذلك فقال {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول. وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء. قال ابن عباس: لما نزل {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [الأنبياء: 98] قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت. وقال السدي:حديث : لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه. فدعاه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟ قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟ قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها. فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله تعالى هذه الآيةتفسير : . قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟ وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول صلى الله عليه وسلم وآله فأجرى الله تعالى شتمه مجرى شتم الله كما في قوله {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} تفسير : [الفتح: 10] أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد صلى الله عليه وسلم وآله. وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنه؟ والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله سبحانه وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم. وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب. وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر. قال الزجاج {عدواً} منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء {عدوّاً} بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء. ومعنى {بغير علم} على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به {وكذلك} أي مثل ذلك التزيين {زينا لكل أمة عملهم} قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله تعالى {أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم} تفسير : [النمل: 24] [العنكبوت: 38] وبقوله {أية : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} تفسير : [البقرة: 257] فإذا المراد أنه تعالى زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله تعالى {كذلك زينا} بعد قوله {فيسبوا الله} مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى. وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً. قال: {وأقسموا بالله جهد إيمانهم} والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام. قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين. عن محمد بن كعب قال:حديث : كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً. قال: فأن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتركهم حتى يتوب تائبهم تفسير : وأنزل الله الآيات إلى قوله {ولكن أكثرهم يجهلون} قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه. وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان. والمراد بقوله {لئن جاءتهم آية} ما روينا من جعل الصفا ذهباً. وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا} تفسير : [الإسراء: 90] الآيات. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها. {قل إنما الآيات عند الله} أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله {أية : وعنده مفاتح الغيب} تفسير : [الأنعام: 59] أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه تعالى متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله {أية : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} تفسير : [الحجر: 21] {وما يشعركم} ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ {انها} بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال {إنها إذا جاءت لا يؤمنون} وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل. فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك. ويقوي هذا الوجه قراءة أبي {لعلها إذا جاءت لا يؤمنون} وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله {أية : ما منعك أن لا تسجد} تفسير : [الأعراف: 12] {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} تفسير : [الأنبياء: 95] وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون. وأما من قرأ {لا تؤمنون} بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار. قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه تعالى يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه. وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله تعالى ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر. وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره. ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات. والتقليب تحريك الشيء عن وجهه. وكان صلى الله عليه وسلم وآله يقول "حديث : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك"تفسير : والمراد أنه تعالى يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس. وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب. قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم. وزيف بأن قوله {ونذرهم} إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم. وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم. وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله {ونقلب} وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل. واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة. وأما قوله {كما لم يؤمنوا به أول مرة} فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره. والكناية في {به} إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم. قال الجبائي: {ونذرهم} أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم. وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى. التأويل: {قد جاءكم بصائر} دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه {فإن الله غني عن العالمين} {ومن عمي} فبالعكس. {ولا تسبوا الذين يدعون} لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة. {وأقسموا بالله} حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة {ونقلب أفئدتهم} عن الآخرة إلى الدنيا {وأبصارهم} عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟ قالوا بلى.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بيَّن فساد أقوال المشركين شَرَعَ في إقامة الدلالة على فساد قول من يثبت له الولد، فقال: {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. والإبداع: عبارة عن تَكْوينِ الشيء من غير سَبْقِ مثالٍ، وتقدَّم الكلامُ عليه في "البقرة". وقرأ الجمهور رفع العين، وفيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو بَدِيعٌ، فيكون الوَقْفُ على قوله: "والأرض" فهي جملة مستقلة بنفسها. الثاني: أنه فاعل بقوله: "تعالى"، أي: تعالى بديع السموات، وتكون هذه الجملة الفعلية مَعْطُوفَةً على الفِعْلِ المقدر قبلها، وهو النَّاصب لـ "سبحان" فإن "سبحان" كما تقدَّم من المصادرِ اللازم إضمار ناصبها. الثالث: أنه مبتدأ وخبره ما بعده من قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَد}. وقرأ المنصور "بديع" بالجر قال الزمخشري: ردَّا على قوله: "وجعلوا لله"، أو على "سبحانه" كذا قاله، ولم يبيّن على أي وجه من وُجُوهِ الإعراب هو وكذا أبو حيَّان - رحمه الله - حَكَاهُ عنه ومرَّ عليه، ويريد بالرد كونه تابعاً، إما: لله، أو للضمير المجرور في "سُبْحَانَهُ" وتبعيته له على كونه بدلاً من "لله" تعالى أو من الهاء في "سُبْحَانَهُ" ويجوز أن يكون نَعْتاً [لله على أن تكون إضافة "بديع" مَحْضَةً كما ستعرفه. وأما تَبَعِيَّتُهُ للهاء فيتعين أن يكون بدلاً، ويمتنع أن يكون نَعْتاً]، وإن اعتقدنا تعريفه بالإضافة لِمُعَارضِ آخر، وهوأن الضمير لا ينعت إلا ضمير الغائب على رأي الكسائي، فعلى رأيه قد يجوز ذلك. وقرأ أبو صالح الشَّامي: "بديعَ" نصباً، ونَصْبُهُ على المَدْحِ، وهي تؤيد قراءة الجر، وقراءة الرفع المتقدمة يحتمل أن تكون أصْلِيَّة الإتباع بالجر على البَدَلِ ثم قطع التابع رفعاً. و"بديع" يجوز أن يكون بمعنى "مُبْدِعٍ" وقد سَبَقَ معناه، أو تكون صِفَةً مشبهة أضيفت لمرفوعها، كقولك: فلان بديعُ الشعر، أي: بديع شعره، وعلى هذيْنِ القولين، فإضافته لَفْظِيَّةٌ، لأنه في الأو‍َّل من باب إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه، وفي الثُّاني من باب إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها، ويجوز أن تكون بمعنى عديم النظير والمثل فيهما، كأنه قيل: البديع في السموات والأرض، فالإضافة على هذا إضافةٌ مَحْضَةٌ. قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} "أنَّى" بمعنى "كيف" [أو "من أين"] وفيها وجهان: أحدهما: أنها خبر كان الناقصة، و "له" في محل نصبٍ على الحال، و "ولد" اسمها، ويجوز أن تكون مَنْصُوبَةً على التشبيه بالحال أو الظرف، كقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:28]. والعامل فيها قال أبو البقاء: ["يكون"] وهذا على رَأي من يجيز في "كان" أن تعمل في الأحوال والظروف وشبههما، و "له" خبر يكون، و "ولد" اسمها. ويجوز في "يكون" أن تكون تامَّةً، وهذا أحْسَنُ أي: كيف يوجد له ولدٌ، وأسباب الولدية مُنْتَفِيَةٌ؟ قوله: {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} هذه "الواو" للحال، والجملة بعدها في مَحَل نصب على الحال من مضمون الجملة المتقدمة، أي: كيف يُوجد له ولد، والحال أنه لم يكن له زَوجٌ، وقد عُلِمَ أن الولدَ إنما يكون من بين ذكرٍ وأنثى، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك. والجمهور على "تكن" بالتاء من فوق. وقرأ النخعي بالياء من تحت وفيه أربعة أوجه: أحدها: أن الفِعْلَ مسند إلى "صاحبه" أيضاً كالقراءة المشهورة، وإنما جاز التذكير لِلْفَصْلِ كقوله: [الوافر] شعر : 2777- لَقَدْ وَلَدَ الأخَيْطِلَ أمُّ سَوْءٍ ...................... تفسير : وقول القائل: [البسيط] شعر : 2278- إنَّ امْرَأ غَرَّهُ مِنْكُنَّ وَاحِدَةٌ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيَا لَمَغْرُورُ تفسير : وقال ابن عطيَّة: "وتذكير "كان" وأخواتها مع تأنيث اسمها أسْهَلُ من ذلك في سائر الأفعال". قال أبو حيَّان - رحمه الله -: "ولا أعرف هذا عن النحويين، ولم يُفَرِّقوا بين "كان" وغيرها". قال شهاب الدين: هذا كلامٌ صحيح، ويؤيده أن الفارسيَّ وإن كان يقول بِحَرْفِيَّةِ بعضها كـ "ليس"، فإنه لا يجيزحَذْفَ التاء منها لو قلت: "ليس هند قائمة" لم يَجْزْ. الثاني: أن في "يكون" ضميراً يعود على الله تعالى، و "له" خبر مُقدَّمٌ، و "صاحبة" مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "يكون". الثالث: أن يكون "له" وحْدَهُ هو الخبر، و"صاحبة" فاعل به لاعْتِمَادِهِ وهذه أوْلَى مِمَّا قبله؛ لأن الجار‍َّ أقْرَ‍بُ إلى المفرد، والأصل في الأخبار الإفراد. الرابع: أنَّ في "يكون" ضمير الأمر والشأن، و "له" خبر مُقدَّمٌ، و "صاحبة" مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "يكون" مفسّرة لضمير الشأن، ولا يجوز في هذا أن يكون "له" هو الخبر وَحْدَهُ، و "صاحبة" فاعل به، كما جاز في الوجه قبله. والفرق أن ضمير الشَّأن لا يُفَسَّر إلا بجملة صريحة، وقد تقدَّم أن هذا النَّوْعَ من قبيل المفردات، و ["تكن"] يَجُوزُ أن تكون النَّاقِصَةَ أو التامة حسبما تقدَّم فيما قبلها. وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ} هذه جملة إخبارية مُسْتَأنَفَةٌ، ويجوز أن تكون حالاً وهي حال لازمة. فصل في إبطال نسبة الولد إلى الله تعالى عن ذلك اعلم أنَّ المَقْصُودَ من الآية بيانُ إبطال من يثبت الولد منه تبارك وتعالى، فيقال لهم: إما أن تريديوا بكونه ولداً لله تبارك وتعالى [كما هو المعهود من كون الإنسان ولداً لأبيه] أو أبدعه من غير تقدُّمِ نُطْفَةٍ ووالد، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله كما هو المألوف، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله مفهوماً ثالثاً مغايراً لهذين المفهومين، أما الأول فباطل؛ لأنه - تبارك وتعالى - وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل، بناء على أسباب معلومة، إلاَّ أنَّ النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث. فصل في رد شبهة النصارى وإذا كان كذلك لزمهم الاعْتِرَافُ بأن الله - تعالى - خلق السَّموات والأرض من غير سبق مادَّةٍ، وإذا كان كذلك وَجَبَ أن يكون إحْدَاثُهُ للسموات والأرض إبْدَاعاً، فلو لزم من مجرد كونه مُبْدِعاً [لإحداث عيسى- عليه الصَّلاة والسَّلام - كونه والداً له لزم من كونه مُبْدِعاً] للسموات والأرض أن يكون والداً لهما، وذلك مُحَالٌ، فلزم من كونه مُبْدِعاً لعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام ألاًّ يكون والداً لهما وهذا هو المراد من قوله: {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وإنما ذكر السَّموات والأرض فقط، ولم يذكر ما فيهما، لأن حدوث ما في السموات والأرض ليس على سبيل الإبداع، أمَّا حُدُوثُ ذَاتِ السموات والأرض، فقد كان على سبيل الإبداع، فحصل الإبداع بِذِكْرِ السموات والأرض لا بذكر ما فيهما، وإن أرادوا من الوِلادَةِ الأمر المعهود في الحيوانات، فهذا أيضاً باطل من وجوه: أولها: أن الولادةَ لا تَصِحُّ إلا ممن له زوجة وشَهْوَةٌ ينفصل عنه بِجُزْءٍ في باطن تلك الصَّاحبة، وهذه الأحوال إنما تثبت في حَقِّ الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون والشَّهْوَةُ واللَّذَّةُ، وكل ذلك على خالق العالم مُحَالٌ، وهذا هو المراد من قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ}. ثانيها: أن تحصيل الولد بهذا الطريق المعتاد إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق، وأمَّا الخالق لكل الممكنات، القادر على كل المحدثات، فإذا أراد إحداث شيء قال له: "كن فيكون" ومن كان هذا صفته يمتنع إحداث شخص بطريق الوِلادةِ، وهذا هو المراد من قوله: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}. وثالثها: أن هذا الولد إمَّا أن يكون قديماً أو محدثاً، لا جائز أن يكون قديماً؛ لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لِذَاتِهِ وما كان واجباً لذاته غني عن غيره، فيمتنع كونه ولداً لغيره، فبقي أن يكون الولد محدثاً، وإذا كان والداً كان محدثاً فنقول: إنه تبارك وتعالى عالم بجميع المَعْلُومَات، فإما أن يعمل أن له في تحصيل الولد كمالاً ونفعاً أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وَقْتَ يفرض أن الله - تعالى - خلق هذا الولد فيه إلاَّ والدَّاعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبله، فيلزم حُصُولُ الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليَّا وهو مُحَالٌ. وإن علم أنه ليس في تحصيل الولد كمال ونفع، فيجب ألاَّ يحدثه ألبتة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وأما الاحتمال الثالث فذلك بَاطِلٌ غير مُتَصَوَّرٍ، ولا مفهوم للعقل، بإثبات الولادة بناء على ذلك مَحْضُ الجهل، وهو بَاطِلٌ. قوله: "ذَلِكُم" أي: ذلكم الموصوف بتلك الصِّفَاتِ المتقدمة اللَّهُ تعالى فاسم الإشارة مبتدأ، و "الله" تعالى خبره، وكذا "ربكم"، وكذا الجملة من قوله: "لا إله إلا هو"، وكذا "خالق". قال الزمخشري: "وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة". قال شهاب الدين: وهذا عند من يُجِيزُ تَعَدُّدَ الخبر مُطْلَقاً، ويجوز أن يكون "الله" وَحْدَهُ هو الخبر، وما بعده أبْدَالٌ، كذا قال أبو البقاء، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ بعضها مُشْتَقٌّ، والبدل يَقِلُّ بالمُشْتَقَّاتِ، وقد يقال: إنَّ هذه وإن كانت مُشْتَقَّةً ولكنها بالنِّسْبَةِ إلى الله - تعالى - من حيث اختصاصها به صارت كالجَوَامِدِ، ويجوز أن يكون "الله" تعالى هو البدل، وما بعده أخبار أيضاً. ومن منع تعدُّدَ الخبر قدَّرَ قبل كُلِّ خبر مبتدأ أو يجعلها كلها بمنزلة اسم واحد، كأنه قيل: ذلكم المَوْصُوفُ هو الجامع بين هذه الصفات. فصل في إثبات وحدانية الله تعالى اعلم أنه - تبارك وتعالى - لمَّا أقام الحُجَّة على وُجُودِ الإله القادرِ المختار الحكيم، وبيَّن فساد كل من ذهب إلى الإشراك، وفصَّل مذْهبهُمْ، وبيَّن فسادَ كل واحد منها، ثم حكى مَذْهَب مَنْ أثبت لله البَنينَ، وبيَّن فسادَ القول بها بالدليل القاطع، فعند هذا ثبَتَ أن إلهَ العالم فَرْدٌ أحَدٌ صَمَدٌ مُنَزَّهٌ عن الشَّريكِ والنظير، ومُنَزَّهُ عن الأولادِ، فعند هذا صرَّح بالنَّتيجة، فقال: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ} ولا تعبدوا غيره، فهو المُطَّلِعُ بمُهِمَّاتِ جميع العِبَادِ، وهو الذي يسمع دعاءهم وحَاجَتَهُمْ، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مُهَمَّاتِه. أعلم أنه - تبارك وتعالى - بيَّن في هذا السورة بالدلائل القاطعة الكثيرة افْتِقَارَ الخَلْقِ إلى خالقٍ ومُوجِدٍ ومُبْدِعٍ ومُدَبِّرٍٍ، ولم يذكر دليلاً مُنْفَصِلاً يَدُلُّ على نَفْي الشركاء والأضْدادِ والأنْدَادِ، بل نقل قَوْلَةَ من أثْبَتَ الشريك من الجن، ثم أبْطَلَهُ ثم أتى بالتوحيد المَحْضِ بعده، فقال: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ} وإقامة الدليل على وُجُودِ الخالق وتزْيِيف دليل من أثبت لله - تعالى - شِرِيكاً كيف يوجب الجَزْمَ بالتوحيد المَحْضِ، وللعلماء في إثبات التوحيد طُرُقٌ: أحدها: قال المُتقدِّمُونَ: الصَّانِعُ الواحد كافٍ في كونه إلهاً للعالم ومُدَبِّراً له، والقول بالزَّائِدِ على الواحد مُتَكَافِئ، لأن الزَّائدَ على الواحد لم يَدُلَّ الدليل على ثُبُوتِهِ، ولم يكن إثبات عددٍ أوْلَى من إثْباتِ عدد آخر، فلزم إمَّا إثبات آله لا نهاية لها، وهو مُحَالٌ، أو إثبات عدد مُعَيَّنٍ مع أنه ليس ذلك العَدَوُ أوْلَى من سائر الأعْدَادِ، وهو أيضاً محال، وإذا بطل القسمان تعيَّنَ القول بالتوحيد. الثاني: أن الإله القادرَ على كُلِّ الممكنات العالم بِكُلِّ المعلومات كافٍ في تَدْبيرِ العالم، فلو قدرت إلهاً ثانياً لكان ذلك الثَّانِي إمَّا أن يكون فاعلاً مختاراً أو موجد الشيء من حوادث العالم أوْلَى بكون الأول باطلاً لأنه لما كان كل واحد منهما قادراً على جميع المُمْكِنَاتِ، فكل فعل يفعله أحدهما صَارَ كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر عن تحصيل مقصوده ومَقْدُوره، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سبباً لعجز الآخر وهو مُحَالٌ، وإن كان الثاني لا يفعل فعلاً، ولا يوجد شيئاً كان ناقصاً معطلاً، وذلك لا يصلح للإلهية. الثالث: أن الإله الواحد لا بد وأن يكون [كاملاً] في صفة الإلهية، فلو فرضنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما يكون مُشَاركاً لأوَّل في جميع صفات الكمال أو لا، فإن كان مشاركاً للأوَّلِ في جميع صفات الكمال، فلا بد وأن يكون متميزاً بأمرها، إذ لو لم يحصل الامتياز [بأمر من الأمور لم يحصل التعَدُّد والاثنينية, وإذ حصل الامتياز بأمر ما, فلذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون، فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به] لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهما وإن لم يكن ذلك المميز من صفاتِ الكمالِ, فالموصوف به يكون مَوْصُوفاً بصفة ليست من صفات الكمال, وذلك نُقْصَان، فثبت بهذه الوُجُوهِ الثلاثة أن الإله الواحد كافٍ في تدبير العالم، وأن الزائد يجب نَفْيُهُ. تمسَّك العلماء - رضي الله عنهم - بقوله تبارك وتعالى {خَـٰلِق كُلِّ شيءٍ} على أنه - تبارك وتعالى - هو الخالق لأعمال العبادِ قالوا: لأن أعمال العبادِ أشياء، والله خَالِقٌ لكل شيء بحكم هذه الآية، فوجب كونه خالقاً لها. قالت المعتزلة: هذا اللَّفْظُ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآيةِ وجوه تَدُلُّ على أن أعمال العبادِ خارجة عن هذا العموم. أحدها: أنه - تبارك وتعالى - قال: {خَـٰلِق كُلِّ شيءٍ فَٱعْبُدُوهُ} ولو دخلت أعمال العبادِ تحته لصارَ تقدير الآية الكريمة: إنا خلقنا أعمالكم، فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى، وذلك فَاسِدٌ. وثانيها: أنه - تبارك وتعالى - إنما [قال:] {خَـٰلِق كُلِّ شيءٍ} في معرض المَدْح والثناء على نفسه، فلو دخل تحت أعْمَالِ العباد لخرج عن كَوْنِهِ مدحاً؛ لأنه لا يليق به تعالى أن يَمْتَدِحَ بِخَلْقِ الزنا واللواط، والسرقة والكفر. وثالثها: أنه - تبارك وتعالى - قال بعد هذه الآية: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} تفسير : [الأنعام:104] وهذا تصريح بكون العَبْدِ مستقلاً بالفعل والترك، وأنه لا مانع له ألْبَتَّةً من الفعل والترك، وذلك يَدُلُّ على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى [إذ لو كان مخلوقاً لله - تعالى - لما] كان العَبْدُ مستقلاً به؛ لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع من العبد دفعه، وإذا لم يوجده الله - تعالى - امتنع من العَبْدِ تحصيله, وإذا دلَّت الآية على كون العَبْدِ مستقلاً بالفعل والترك, وامتنع أن يقال: فعل العبد مخلوق لله تعالى ثبت أن قوله تعالى: {أية : فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} تفسير : [الأنعام:104] يوجب تخصيص ذلك العموم. والجواب: أن الدليل العَقْلِيَّ قد ساعد على صِحَّةِ ظاهرة هذه الآية الكريمة؛ لأن الفعل مَوْقُوفٌ على الداعي، وخالق الداعي هو الله - تعالى - ومجموع القُدْرَةِ مع الداعي يوجب الفعل، وذلك [يقتضي] كونه - تعالى - خَالِقَ كل شيء فاعبدوه، ويَدُلُّ على أن كونه خَالِقاً لكل الأشْيَاءِ سبب للأمر [بالعبادة] لأنه رتب الأمر بالعبادة على كَوْنِهِ خالقاً للأشياء بفاء التعقيب، وترتيب الحكم مُشْعِرٌ بالسّبَبِيَّةِ. فصل في دحض شبهة للمعتزلة في الصفات وخلق القرآن احْتَجَّ كثيرٌ من المعتزلة بقوله تبارك وتعالى: {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} على نفي الصفات، وعلى كون القرآن مَخْلُوقاً، أما نَفْيُ الصِّفَات، فإنهم قالوا: لو كان - تعالى - عالماً بالعلم قادراً بالقُدْرَةِ لكان ذلك العِلْمُ والقدرة إما أن يقال: إنهما قَدِيمانِ أو محدثان، والأوَّلُ باطل؛ لأن عموم قوله: {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} يقتضي كونه - تبارك وتعالى - خالقاً لِكُلِّ الأشياء وخَصَّصْنَا هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضَرُورَة أنه يِمْتَنِعُ أن يكون خالقاً لنفسه، فيبقى على عمومه فيما عَدَاهُ. وإن قلنا بحدوث عِلْمِ الله تعالى وقدرته، فهو بَاطِلٌ بالإجماع، ولأنه يلزم افْتِقَارُ إيجاد ذلك العلم والقُدْرَةِ إلى سَبْقِ عِلْمٍ آخر، وقدرة أخرى, وذلك مُحالٌ. أمَّا تَمَسُّكُهُمْ بهذه الآية على كونِ القُرآنِ مَخْلُوقاً فقالوا: لأن القرآن شيء وكل شيء فهو مَخْلُوقٌ لله - تبارك وتعالى - بِحُكْمِ هذا العموم وأقْصَى ما في الباب أن هذا العُمُومَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ في ذات الله - تبارك وتعالى - إلاَّ أن العام المَخْصُوصَ حُجَّةٌ في غير محلِّ التخصيص. وجوابه: أن تخصيص هذا العموم بالدَّلائلِ الدَّالَّةِ على أن كلام الله - تبارك وتعالى - قَدِيمٌ.

البقاعي

تفسير : ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من الشريك والولد، استدل على ذلك التنزيه بأن الكل خلقه، محيط بهم علمه، ولن يكون المصنوع كالصانع، فقال: {بديع السماوات والأرض} أي مبدعهما، وله صفة الإبداع، أي القدرة على الاختراع ثابتة، ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد، فلذا حسن التعجب في قوله: {أنَّى} أي كيف ومن أيّ وجه {يكون له ولد} وزاد في التعجيب بقوله: {ولم} أي الحال أنه لم {يكن له صاحبة و} الحال أنه {خلق كل شيء} أي مقدور ممكن من كل صاحبة تفرض، وكل ولد يتوهم، وكل شريك يدعي فكيف يكون المبدع محتاجاً إلى شيء من ذلك على وجه التوليد أو غيره. ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال: {وهو} ولم يضمر تنبيهاً على أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال: {بكل شيء عليم*} أي فهو على كل شيء قدير، لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة - كما يأتي برهانه إن شاء الله في طه، ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة، بل يكون محتاجاً إلى التوليد. ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله، وبين فساد أقوال المشركين، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه، وبين فساد كل واحد منها بأمتن الحجج، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال، قال مشيراً إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار: {ذلكم} أي العالي الأوصاف جداً الذي لا حاجة له إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه {الله} أي الذي له كل كمال {ربكم} أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان، فهي فذلكة ما قبلها وثمرته، لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع واستحق العبادة وحده فلذا أتبع ذلك قوله: {لا إله إلا هو} لأن المقام للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف الكمال التي هي معنى الحمد المفتتح به السورة، وساق قوله: {خالق كل شيء} الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل دليلاً على ذلك، فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة فقال: {فاعبدوه} أي وحده، لأن من أشرك به لم يعبده، لأنه الغنى المطلق، ومن كان له الغنى المطلق لا يحسن أن يقبل مشركاً، وختم الآية بقوله: {وهو} ولما كان المقام لنفي احتياجه إلى شيء، قدم قوله: {على كل شيء وكيل*} إشارة إلى أن الولد أو الشريك إنما يحتاجه العاجز المفتقر، وأما هو فهو القادر، ومن سواه عاجز، وهو الغني ومن سواه فقير، فكيف يحتاج القدير الغني إلى العاجز الفقير، هذا ما لا يكون، ولا ينبغي أن يتخيله الظنون، وفيه إشارة إلى أن العابد ينبغي أن يتفرغ لعبادته ويقطع أموره عن غير وكالته، فإنه يكفيه بفضله عمن سواه. ولما كان كل والد وكل شريك لا بد أن يكون مجانساً لولده وشريكه بوجه، وصل بذلك من وصفه ما اقتضاه المقام من تنزيهه، فقال: {لا تدركه} أي حق الإدراك بالإحاطة {الأبصار} أي أن من جعلتموه ولده أو شريكه هو مدرك بأبصاركم كعيسى وعزير عليهما السلام والأوثان والنجوم والظلمة والنور، وأما الملائكة والجن فإن كان حكمكم عليهم بذلك عن مشاهدة فهم كمن تقدمهم، وإن كان عن إخبار فهو عن الأنبياء ليس غير، وكل منهم مخبر بأنهم عباد الله كغيرهم، وأنه منزه عن شريك وولد، وهذه كتبهم وصحاح أخبارهم شاهدة بذلك، ووراء ذلك كله أنهم بحيث يدركون بالأبصار في الجملة، ليس إدراكهم مستحيلاً، وأما هذا الإله العزيز فهو غير مدرك لكم بالبصر كما يدرك غيره إدراكاً تاماً، فيتأمله ناظره فيزنه وينقده بالخبرة بما فيه من رضى وغضب وغيرهما، بما أبدته الفراسة وأوضحه التوسم، لأنه سبحانه متعال عن أن يحاط به، هذا على أنه من عموم السلب، وإن كان من سلب العموم فالمعنى أنه عزيز لا يراه كل أحد، بل يراه الخواص إذا أراد فكشف لهم الحجاب وأوجد لهم الأسباب {وهو} مع ذلك يدرككم، بل و {يدرك} ما لا تدركونه من أنفسكم {الأبصار} وهي القوى المودعة في عصبة العين لتدرك بها المبصرات {وهو اللطيف} عن أن يحيط به الأبصار، لأنه يمنع الأسباب عن أن ينشأ عنها مسبباتها، ويوجد أدق الأسباب وأغربها، فلا يستغرب عليه إدراك المعاني لأنه الذي أوجدها {أية : ألا يعلم من خلق} تفسير : [الملك: 14] وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء {الخبير*} أي المحيط بالأبصار, فإحاطته بأصحابها أجدر، ويتحقق معنى الاسمين لتحقق المعنى؛ قال الحرالي في شرح الأسماء: اللطف إخفاء التوسل إلى الشيء بإظهار ما يضاده، ولا يتم إلا بخبرة، ولذلك نظم باسمه {الخبير} لأنه أخفى حكمته في ظاهر يضادها، فاللطف مخبرة في حكمة، وباسمه تعالى اللطيف أقام أمر حكمته ما بين الدنيا والآخرة، وبذلك أقام أمر أهل ولايته في الدنيا لما جمع لهم من أمره فيها، فيبدو عزهم من وراء ذل، ويتراءى ذلهم ومن دونه عز، فيسبق عزهم إلى القلوب مع تذللهم في الحواس، ويؤول محسوسهم إلى عز في عقبى الدنيا، ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم، {أية : إن ربي لطيف لما يشاء} تفسير : [يوسف: 100] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها، وبحصول معناه بتمام الخبرة والحكمة - وتلك إبداء الشيء في ضده - يتضح اختصاصه بالحق، فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً، فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو، ثم قال: الخبرة إدراك خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك الخبير سابقاً لبدوها، وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها، وهو الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار باد ينبئ عن الخبء بمقتضى التجرية، وإلاّ لم يصح لهم الخبرة، كما قيل: مخبرة المرء فيما يبدو من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله، والخبير الحق خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره، فهو بالحقيقة الذي لا خبير إلاّ هو - انتهى. ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته، وختمها بهذا الدليل المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه، وهو متناه عن أن يدركه، أي يحيط به أحد، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثاً على تدبرها، وجعل ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه - لنور قلبه وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبُعد مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد - حقيق بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريراً لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية: {قد جاءكم}. ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب المعرفة فتكون سبباً لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات، قال: {بصائر} أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم {من ربكم} أي المحسن إليكم بكل إحسان، فلا إحسان أصلاً لغيره عندكم، فاصعدوا عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار بالبصائر، ولا تهبطوا في حضيض التقليد إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجرّدوا لقطاع الطريق صوارم البصائر، فإنكم إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم، وإن نافستم في المعالي فإياها نفعتم. ولذلك سبب عن هذا النور الباهر والسر الظاهر قوله: {فمن أبصر} أي عمل بالأدلة {فلنفسه} أي خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال المؤدي إلى الهلاك {ومن عمي} أي لم يهتد بالأدلة {فعليها} أي خاصة عماه لأنه يضل فيعطب. ولما كان المعنى أنه ليس لي ولا لغيري من إبصاره شيء ينقصه شيئاً، ولا علي ولا غيري شيء من عماه، كان التقدير: فإنما أنا بشير ونذير، عطف عليه قوله {وما أنا} وأشار إلى أن حق الآدمي التواضع وإسلام الجبروت والقهر لله بأداة الاستعلاء فقال: {عليكم} وأغرق في النفي بقوله: {بحفيظ*} أي أقودكم قسراً إلى ما ينجيكم، وأمنعكم قهراً مما يرديكم.

ابو السعود

تفسير : {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} أي مُبدِعُهما ومخترعُهما بلا مثالٍ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه، فإن البديعَ كما يطلق على المُبدِع (بكسر الدال) يطلق على المبدَع (بفتح الدال) نصَّ عليه أئمة اللغة كالصريخ بمعنى المُصرِخ وقد جاء: بدَعَه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه، على ما ذُكر في القاموس وغيرِه، ونظيرُه السميعُ بمعنى المُسمِع في قوله: [الوافر] شعر : أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ [يؤرِّقُني وأصحابي هُجُوعْ] تفسير : وقيل: هو من إضافة الصفةِ المشبهةِ إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبِه تشبـيهاً لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديعُ سمواتِه وأرضِه من بَدَع إذا كان على نمطٍ عجيبٍ وشكلٍ فائق وحُسنٍ رائقٍ، أو إلى الظرف كما في قولهم: ثبْتُ العذرِ بمعنى أنه عديمُ النظير فيهما، والأولُ هو الوجه، والمعنى أنه تعالى مبدعٌ لقطري العالم العلويِّ والسفليِّ بلا مادة فاعلٍ على الإطلاق منزّه عن الانفعال بالمرة، والوالدُ عنصرُ الولد منفعلٌ بانتقال مادتِه عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد؟ وقرىء بديعَ بالنصب على المدح وبالجر على أنه بدلٌ من الاسم الجليل أو من الضمير المجرورِ في سبحانه على رأي من يُجيزه، وارتفاعُه في القراءة المشهورة على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أو فاعلُ تعالى، وإظهارُه في موضع الإضمارِ لتعليل الحكمِ، وتوسيطُ الظرفِ بـينه وبـين الفعل للاهتمام ببـيانه، أو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} وهو على الأولَيْن جملةٌ مستقلةٌ مَسوقةٌ لما قبلها لبـيان استحالةِ ما نسبوه إليه تعالى وتقرير تنزُّهِه عنه وقوله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} حال مؤكدةٌ للاستحالة المذكورة فإن انتفاءَ أن يكون له تعالى صاحبةٌ مستلزمٌ لانتفاء أن يكون له ولدٌ ضرورةَ استحالة وجودِ الولدِ بلا والدة، وإن أمكن وجودُه بلا والد، وانتفاءُ الأولِ مما لا ريب فيه لأحد فمن ضرورته انتفاءُ الثاني أي من أين أو كيف يكون له ولد كما زعموا والحالُ أنه ليس له على زعمهم أيضاً صاحبةٌ يكون الولدُ منها؟ وقرىء لم يكنْ بتذكير الفعل للفصل أو لأن الاسمَ ضميرُه تعالى، والخبرُ هو الظرفُ وصاحبةٌ مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على المبتدإ، أو الظرفُ خبرٌ مقدمٌ وصاحبةٌ مبتدأٌ مؤخرٌ والجملةُ خبرٌ للكون وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الاسمُ ضميرَ الشأنِ لصلاحية الجملةِ حينئذ لأن تكونَ مفسِّرةً لضمير الشأنِ لا على الوجه الأولِ لما بـيّن في موضعه أن ضميرَ الشأنِ لا يفسَّر إلا بجملة صريحةٍ، وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء} إما جملةٌ مستأنفةٌ أخرى سيقت لتحقيق ما ذُكر من الاستحالة أو حالٌ أخرى مقرِّرةٌ لها أي أنى يكون له ولدٌ والحالُ أنه خلق كلَّ شيءٍ انتظمه التكوينُ والإيجادُ من الموجودات التي من جملتها ما سمَّوْه ولداً له تعالى فكيف يُتَصوَّر أن يكون المخلوقُ ولداً لخالقه؟ {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء} مِنْ شأنه أن يُعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غيرَ مخلوق كما ينبىء عنه تركُ الإضمار إلى الإظهار {عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلم أزلاً وأبداً حسبما يُعرِبُ عنه العدولُ إلى الجملة الاسميةِ فلا يخفى عليه خافيةٌ مما كان وما سيكون من الذوات والصفاتِ والأحوالِ التي من جملتها ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز من المُحالات التي ما زعموه فردٌ من أفرادها، والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعةِ ببطلان مقالتِهم الشنعاءِ التي اجترأوا عليها بغير علم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 101]. قيل: هو المبدع للأشياء والمبدئ لها. قال بعضهم: فاق الأشياء جمالاً وكمالاً.

القشيري

تفسير : البديع الذي لا مثل له، أو هو المنشئ لا على مثال، وكلاهما في وصفه مستحق. والواحد يستحيل له الوَلَدُ لاقتضائه البعضية، والتوحيد ينافيه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} مخرجها بصورة العلم الازلى على نعت اختراعه بالقدرة القادرية والحكمة الحكمية فلا اخذ من ما خذ المشاكلة والمشابهة فانه تعالى ناظرهما بما كان فى علمه من منقوش الحكمة وسانا القدرة وجلال العزة كساها انوار فواتح قدرته وضياء بهجته لطائف علمها ليجعلهما اسباب عبادة عباده ومعاش جميع خلقه قيل هو المبدع للاشياء والمبدى لها وقال بعضهم فاق الاشياء حمالا وكمالا.

اسماعيل حقي

تفسير : {بديع السموات والارض} اى هو مبدع من غير مثال سبق لقطرى العالم العلوى والسفلى بلا مادة فاعل على الاطلاق منزه عن الانفعال بالمرة والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه فكيف يكون له ولد فالفعيل بمعنى المفعل كالاليم والحكيم بمعنى المؤلم والمحكم والاضافة حقيقية وقيل هو من اضافة الصفة المشبهة الى فاعلها اى بديع سمواته وارضه من بدع اذا كان على نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق {انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} اى من اين او كيف يوجد له ولد والحال ان اسباب الولادة منتفية فان وجود الولد بلا والدة محال وان امكن بلا والد كعيسى عليه السلام والمراد بالصاحبة الزوجة: وفى المثنوى شعر : لم يلد لم يولداست او ازقدم نى بدر دارد نه فرزندونه عم تفسير : {وخلق كل شئ} انتظم بالتكوين والايجاد من الموجودات التى من جملتها ما سموه ولداله تعالى فكيف يتصور ان يكون المخلوق ولدا لخالقه شعر : خالق افلاك وانجم بلاعلا مردم ود يووبرى ومرغ را تفسير : {وهو بكل شئ} من شأنه ان يعلم كائنا ما كان مخلوقا او غير مخلوق {عليم} مبالغ فى العلم ازلا وابدا فلا يخفى عليه خافية مما كان وما سيكون من الذوات والصفات والاحوال التى من جملتها ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز من المحالات التى كان ما زعموه فردا من افرادها.

الطوسي

تفسير : البديع هو المبدع وهي صفة معدولة عن (مفعل) الى (فعيل) ولذلك تعدى (فعيل) لانه يعمل عمل ما عدل عنه، فاذا لم يكن معدولا للمبالغة لم يتعد نحو طويل وقصير، وارتفع بديع، لانه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو بديع السموات والارض. ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره {أنى يكون له ولد}. والفرق بين الابتداع والاختراع فعل ما لم يسبق الى مثله، والاختراع فعل ما لم يوجد سبب له، ولذلك يقال: البدعة والسنة، فالبدعة احداث ما لم يسبق اليه مما خالف السنة، ولا يوصف بالاختراع غير الله، لان حد ما ابتدىء في غير محل القدرة عليه، ولا يقدر على ذلك الا القادر للنفس، لان القادر بقدرة اما ان يفعل مباشرا وحده ما ابتدىء في محل القدرة عليه او متولد وحده ما وقع بحسب غيره، وهو على ضربين: احدهما تولده في محل القدرة عليه. والآخر انه يتعداه بسبب هو الاعتماد لا غير، ولا يقدر غير الله على الاختراع أصلا. فاما الابتداع فقد يقع منه، لانه قد يفعل فعلا لم يسبق اليه. واما {بديع السماوات والأرض} فلا يوصف به غير الله لانه خالقهما على غير مثال سبق. وقوله {أنى يكون له ولد} معناه وكيف يكون له ولد. وقيل: معناه من اين يكون له ولد؟ ولم تكن له صاحبة، فالولد هو الحيوان المتكون من حيوان، فعلى هذا آدم ليس بولد، لانه لم يتكون عن والد، والمسيح (ع) ولد، لان مريم ولدته فهو متكون عنها، وان لم يكن عن ذكر، والصاحب هو القرين اللازم، ولذلك يقال: اصحاب الصحراء وفي القرآن اصحاب النار وأصحاب الجنة. ومعناه المقارنون لها. وقد يكون المقارن لما هو من جنسه وما ليس من جنسه، فيوصف بانه صاحب الا انه لا بد من مشاكلته ويقال: صاحب القرآن أي حافظه، وصاحب الدار مالكها. وقوله: {وخلق كل شيء} يحتمل امرين: احدهما - ان يكون اراد بـ {خلق} قدر، فعلى هذا تكون الآية عامة، لانه تعالى مقدر كل شيء. ويحتمل ان يكون احدث كل شيء، فعلى هذا يكون مخصوصا، لانه لم يحدث اشياء كثيرة من مقدورات غيره، وما هو معدوم لم يوجد على مذهب من يسميها أشياء. وكقديم آخر، لانه يستحيل. وقوله: {وهو بكل شيء عليم} عام، لان الله تعالى يعلم الاشياء كلها قديمها ومحدثها، موجودها ومعدومها، لا تخفى عليه خافية.

اطفيش

تفسير : {بَديعُ السَّماوات والأرْض} خبر لمحذوف أى هو بديع، وبديع صفة مشبهة مضافة لفاعلها كقولك: زيد غريب الصنع، وحسن الوجه، وكريم الفعل، وأن بمعنى الضمير، أى بديع سماواته وأرضه، أو يقدر الضمير، أى بديع السماوات والأرض له، أى حال كونهن له، أو الإضافة الظرفية تعالى الله عن أن يكون مظروفاً، بل أحدث فيهن ما هو غريب، ليس إحداثه على قياس لشئ، أو بديع بمعنى مبدع، والإضافة لمفعوله، ومن أجاز الإخبار بالإنشاء أجاز أن يكون بديع مبتدأ خبره هو قوله تعالى: {أنَّى يكونُ له ولدٌ} أنى بمعنى كيف حال من ولد ولو نكرة، لتقدم الحال عليها، ولو وجب تقديمها لصدارتها، أو مفعول مطلق، أى كونا يكون له ولد، أو هو بمعنى من أين فيتعلق بيكون، وله متعلق بيكون، ولا خبر له، وولد فاعل يكون أوله خبر، وولد اسمه أو أتى خبره، ولد اسمه وإذا لم تجعل لفظ له خبراً صح كونه حالا من ولد. {ولَم يَكُن لهُ صاحِبةٌ} زوجة نفى الولادة عن نفسه من وجه الأول، قوله: {بديع السماوات والأرض} فإن من أبدع السماوات والأرض مع عظمهما لا يحتاج إلى ولد ولا إلى شئ، أما كيف يحتاج إلى خلقه، ولا يكون من جنس ما يتوالد فالثانى نفى آلة الولادة وهى الزوجة، ولا زوجة له، لأن الزوجة من جنس الزوج، تعالى الله عن المجانسة. الثالث قوله: {وخَلَق كل شئ} لأن الخالق لكل شئ لا يحتاج لولد، ثم بعد ما ذكرت ذلك رأيت الزمخشرى ذكر هذه الأوجه، والعطف فى الأول أن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسماً، وهذه الجملة مستأنفة، وقرئ ولم يكن له صاحبة بالتحتية، ولو كان مرفوعه مؤنثا حقيقا للفصل، بل له مثل: أتق القاضى بيت الواقف، أو لأن مرفوع يكن ضمير الشأن ولهُ خبر مقدم، وصاحبه مبتدأ مؤخر، والجملة خبر يكن، أو لأن فيه ضمير الله جل وعلا، وجملة له صاحبة خبره منفية بلم الداخل على يكن، وكذا الوجه قبله، والمتكلم هنا لا يدخل فى عموم كلامه قطعا، لأن الخالق سابق على الخلق، فكيف يخلق نفسه وهو معدوم، فلا يدخل الله هنا فى عموم قوله: {خلق كل شئ} ودخل فى عموم قوله: {وهو بكل شئ عليم} لأنك تقول علم الله نفسه سبحانه وتعالى، إلا أنه لا يتبادر أن يريد هنا نفسه، قال أبو يحيى زكريا بن أبى بكر رحمه الله: رب وخالق يستضئ بهما ضوء الشريعة، فلما جاء الشريعة حرمهما على خلقه يفنى فلا يقال إلا أنه رب للتنكير بلا إضافة، ولا بأل ولا خالق ولو بمعنى.

اطفيش

تفسير : {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فاعل تعالى، أَو خبر بعد خبر لهو من قوله: وهو الذى أَنزل. أَو يقدر هو بديع وهو صفة مشبهة مضافة لفاعلها وهو لازم أَى بديع سماواته وأَرضه بتنوين بديع ورفع ما بعده وأَل نائبة عن الضمير كما رأَيت، أَو يقدر ضمير أَى بديع السماوات والأَرض له، أَى حال كونهن له، ويضعف أَن يكون بديع وهو من الثلاثى بمعنى مبدع من الرباعى بالزيادة، ويجوز أَن يكون مبتدأ على الوجهين خبره قوله {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} أَى من اتصف بخلق السماوات على غير مثال، أَو بكونهما على غير مثال من أَين يصح أَن يكون له ولد، والحال أَنه لم تكن له صاحبة، أَى زوجة، وإِنما يحصل الولد على طريق التزوج للجسم والله ليس جسماً، وللمتلذذ والله لا يتلذذ، وللعاجز عن خلق الولد بدون ذلك والله قادر، تعالى أَن يكون له ولد بوجه ما. وليس هذه الحال مؤكدة كما توهم بعض من أَن انتفاءَ الولد بالاستفهام الإِنكارى موجب لانتفاء الصاحبة، بل هى قيد فى الاحتجاج كقولك: كيف يغرق زيد وليس فى البحر {وَخَلَقَ كُلَّ شَئٍ} عطف على لم تكن له صاحبة، ومن خلق كل شئ لا يصح له اتخاذ الصاحبة، وكيف تصح له مع أَنه خلقها، أَو حال من هاء له، أَى كيف يكون له الولد والحال أَنه خلق كل شئ، فإِن المخلوق لا يكون ولداً لخالقه، والخالق لا يلد مخلوقه، والفرض أَنه ما فى الوجود الحادث شئ غير مخلوق له تعالى، أَى وخلق كل شئ مضى، كما أَنه يخلق ما فى الحال والاستقبال، وخص الماضى لأَنهم ادعوا له أَولاداً موجودات، أَو المعنى من شأْنه أَن يخلق كل ما شاءَ وجوده، فكل موجود سواه قد شاءَ خلقه فَخَلَقَهُ من إِذا أَراد شيئاً قال كن فيكون لا يحتاج إِلى إِحداث شخص بطريق الولادة. والولد إِنما يكون ممن يصح له الفناء لإِبقاء النوع، والولد إِنما يكون من متجانسين والله منزه عن المجانسة، والولد كفؤ لوالده والله لا كفؤ له، والله عالم بكل المعلومات كما قال {وَهُوَ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ} الله عالم بنفسه وغيره، فلو كان له ولد لكان عالما بكلها. وإِجماع العقلاء الإِلهيين أَن لا يكون سواه عالما بكل شئ، ولا عالماً بلا توسط يرد عليه، وإِذا كان الأَفلاك والعرش والكرسى والسماوات والأَرضون مع طول عمرهن لا يلدن فأَولى أَن لا يلد الله، وهذه مناسبة والحجة أَن الله قديم لا يتحيز ولا يحتاج.

الالوسي

تفسير : {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مبدعهما «وموجدهما بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان» قاله الراغب، وهو كما يطلق على المبدع يطلق على المبدع اسم مفعول، ومنه قيل: ركي بديع وكذلك البدع بكسر الباء يقال لهما. وقيل: هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبه تشبيهاً لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديع سمواته وأرضه من بدع إذا كان على نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق أو إلى الظرف كما في قولهم فلان ثَبْتُ الغَدَرِ أي ثبت في الغدر وهو بغين معجمة ودال وراء مهملتين المكان ذو الحجارة والشقوق ويقولون ذلك إذا كان الرجل ثبتاً في قتال أو كلام. والمراد من بديع في السماوات والأرض أنه سبحانه عديم النظير فيهما. ومعنى ذلك ـ على ما قال بعض المحققين ـ أن إبداعه لهما لا نظير له لأنهما أعظم المخلوقات الظاهرة فلا يرد أنه لا يلزم من نفي النظير فيهما نفيه مطلقاً، ولا حاجة إلى تكلف أنه خارج مخرج الرد على المشركين بحسب زعمهم أنه لا موجود خارج عنهما. واختار غير واحد التفسير الأول، والمعنى عليه أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة فاعل على الإطلاق منزه عن الانفعال بالكلية، والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد؟. وقرىء {بَدِيع} بالنصب على المدح والجر على أنه بدل من الاسم الجليل أو من الضمير المجرور في { أية : سُبْحَـٰنَهُ } تفسير : [الأنعام: 100] على رأي من يجوزه، وارتفاعه على القراءة المشهورة على ثلاثة أوجه ـ كما قال أبو البقاءـ، الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف، والثاني: أنه فاعل { أية : تَعَالَى } تفسير : [الأنعام: 100] وإظهاره في موضع الإضمار لتعليل الحكم، وتوسيط الظرف بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه. والثالث: أنه مبتدأ خبره قوله سبحانه: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } وهو على الأولين جملة مستقلة مسوقة كما قبلها لبيان استحالة ما نسبوه إليه تعالى وتقرير تنزيهه عنه جل شأنه. وقوله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ } حال مؤكدة للاستحالة المذكورة ضرورة أن الولد لا يكون بلا والدة أصلاً وإن أمكن وجوده بلا والد أي من أين أو كيف يكون له ولد والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها. وقرأ إبراهيم النخعي {لَمْ يَكُنِ } بتذكير الفعل؛ وجاز ذلك مع أن المرفوع مؤنث للفصل كما في قوله: شعر : لقد ولد الأخيطل أم سوء على قمع استها صلب وشام تفسير : قال ابن جنى: تؤنث الأفعال لتأنيث فاعلها لأنهما يجريان مجرى كلمة واحدة لعدم استغناء كل / عن صاحبه فإذا فصل جاز تذكيره وهو في باب كان أسهل لأنك لو حذفتها استقل ما بعدها. وقيل: إن اسم {يَكُنِ } ضميره تعالى والخبر هو الظرف و {صَـٰحِبَةٌ } مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ أوالظرف خبره مقدم و {صَـٰحِبَةٌ} مبتدأ والجملة خبر {يَكُونَ} وعلى هذا يجوز أن يكون الاسم ضمير الشأن لصلاحية الجملة حينئذ لأن تكون مفسرة للضمير لا على الأول لأنه كما بين في موضعه لا يفسر إلا بجملة صريحة، والاعتراض بأنه إذا كان العمدة في المفسرة مؤنثاً فالمقدر ضمير القصة لا الشأن فيعود السؤال ليس بوارد كعدم اللزوم وإن توهمه بعضهم. وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} استئناف لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو حال أخرى مقررة لها أي أنَّى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولداً فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولداً لخالقه. ويفهم من «التفسير الكبير» أن من زعم أن لله تعالى شأنه ولداً إن أراد أنه سبحانه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة مثلاً رد بأن خلقه للسماوات والأرض كذلك فيلزم كونهما ولداً له تعالى وهو باطل بالاتفاق، وإن أراد ما هو المعروف من الولادة في الحيوانات رد أولاً بأنه لا صاحبة له وهي أمر لازم في المعروف. وثانياً بأن تحصيل الولد بذلك الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة أما من كان خالقاً لكل الممكنات وكان قادراً على كل المحدثات فإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون فيمتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة. وإن أراد مفهوماً ثالثاً فهو غير متصور. {وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ} من شأنه أن يعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غير مخلوق كما ينبىء عنه ترك الإضمار إلى الإظهار {عَلِيمٌ} مبالغ في العلم أزلا وأبداً حسبما يعرب عنه العدول إلى الجملة الإسمية، وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الولد قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته وما كان كذلك كان غنياً عن غيره فامتنع كونه ولداً للغير فتعين كونه حادثاً، ولا شك أنه تعالى عالم بكل شيء فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالاً أو نفعاً أو يعلم أنه ليس كذلك، فإن كان الأول فلا وقت يفرض إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبله وهو يوجب كونه أزلياً وهو محال وإن كان الثاني وجب أن لا يحدث البتة في وقت من الأوقات. وقرر الإمام عليه الرحمة الرد بهذه الجملة بوجه آخر أيضاً، وبعضهم جعل هذه الجملة مع ما قبلها متضمنة لوجه واحد من أوجه الرد. والجملة إما حالية أو مستأنفة، واقتصر بعضهم على الثاني فقال: «إنها استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم» والظاهر من هذا أن ما في الآية أدلة قطعية على بطلان ما زعمه المختلقون، وكلام الإمام حيث قال بعد تقرير الوجوه. «لو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً يساويه -أي ما دلت عليه الآية ـ في القوة والكمال لعجزوا عنه». وادعى الشهاب أن ما يفهم من ذلك أدلة اقناعية، ولعل الأولى القول بأن البعض قطعي والبعض الآخر إقناعي فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة وهذا شروع في الإخبار بعظيم قدرة الله تعالى، وهي تفيد مع ذلك تقوية التّنزيه في قوله: {أية : سبحانه وتعالى عمّا يصفون}تفسير : [الأنعام: 100] فتتنزّل منزلة التَعليل لمضمون ذلك التّنزيه بمضمونها أيضاً، وبهذا الوجه رَجَح فصلُها على عطفها فإنّ ما يصفونه هو قولهم: إنّ له ولداً وبنات، لأنّ ذلك التّنزيه يتضمّن نفي الشيء المنزّه عنه وإبطاله، فعُلّ الإبطال بأنّه خالقُ أعظم المخلوقات دلالة على القدرة فإذا كنتم تدّعون بنوّة الجنّ والملائكة لأجل عظمتها في المخلوقات وأنتم لا ترون الجنّ ولا الملائكة فلماذا لم تدّعوا البنوّة للسماوات والأرض المشاهدة لكم وأنتم ترونها وترون عظمها. فهذا الإبطال بمنزلة النّقض في علم الجدل والمناظرة. وقوله: {بديع} خبر لمبتدأ ملتزم الحذف في مثله، وهو من حذف المسند إليه الجاري على متابعة الاستعمال عندما يتقدّم الحديث عن شيء ثمّ يعقّب بخبر عنه مفردٍ، كما تقدّم في مواضع. وتقدّم الكلام على {بديع السّماوات والأرض} عند قوله تعالى: {أية : بل له ما في السّماوات والأرض كلّ له قانتون بديع السّماوات والأرض}تفسير : في سورة [البقرة : 116، 117]. والاستدلال على انتفاء البنوة عن الله تعالى بإبدَاع السّماوات والأرض لأنّ خلْق المحلّ يقتضي خلق الحالّ فيه، فالمشركون يقولون بأنّ الملائكة في السّماء وأنّ الجنّ في الأرض والفيافي، فيلزمهم حدوث الملائكة والجنّ وإلاّ لَوُجد الحالّ قبل وجود المحلّ، وإذا ثبت الحدوث ثبت انتفاء البنوّة لله تعالى، لأنّ ابن الإله لا يكون إلاّ إلهاً فيلزم قِدمه، كيف وقد ثبت حدوثه، ولذلك عقّب قولهم {أية : اتّخذ الله ولداً}تفسير : [البقرة: 116] بقوله: {أية : سبحانه بل له ما في السّماوات والأرض كلّ له قَانِتُون}تفسير : في سورة [البقرة: 116]. وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى: {أية : الحمد لله الَّذي خلق السّماوات والأرض}تفسير : في أوّل هذه السّورة (1). وجملة {أنَّى يكون له ولد} تتنزّل منزلة التّعليل لمضمون التنزيه مِن الإبطال، وإنّما لم تعطف على الّتي قبلها لاختلاف طريق الإبطال لأنّ الجملة الأولى أبطلتْ دعواهم من جهة فساد الشّبهة فكانت بمنزلة النقْض في المناظرة. وهذه الجملة أبطلت الدّعوى من جهة إبطال الحقيقة فكأنّها من جهة خطأ الدّليل، لأنّ قولهم بأنّ الملائكة بنات الله والجنّ أبناءُ الله يتضمّن دليلاً محذوفاً على البنوّة وهو أنّهم مخلوقات شريفة، فأبطل ذلك بالاستدلال بما ينافي الدّعوى وهو انتفاء الزّوجة الّتي هي أصل الولادة، فهذا الإبطال الثّاني بمنزلة المعارضة في المناظرة. و{أنّى} بمعنى من أيْن وبمعنى كَيْف. والواو في {ولم تكن له صاحبة} واو الحال لأنّ هذا معلوم للمخاطبين فلذلك جيء به في صيغة الحال. والصّاحبة: الزّوجة لأنّها تصاحب الزّوج في معظم أحْواله. وقد جعل انتفاء الزّوجة مسلّماً لأنّهم لم يدعوه فلزمهم انتفاء الولد لانتفاء شرط التولّد، وهذا مبنيّ على المحاجّة العرفيّة بناء على ما هو المعلوم في حقيقة الولادة. وقوله: {وخلَقَ كلّ شيء} عطف على جملة: {بديع السّماوات والأرض} باعتبار ظاهرها وهو التّوصيف بصفات العظمة والقدرة، فبعد أن أخبر بأنّه تعالى مبدع السّماوات والأرض أخبر أنّه خالق كلّ شيء، أي كلّ موجود فيشمل ذوات السّماوات والأرض، وشمل ما فيهما، والملائكة من جملة ما تحويه السّماوات، والجنّ من جملة ما تحويه الأرض عندهم، فهو خالق هذين الجنسين، والخالق لا يكون أبا كما علمتَ. ففي هذه الجملة إبطال والولَد أيضاً، وهذا إبطال ثالث بطريق الكليّة بعد أن أبطل إبطالاً جزئياً، والمعنى أنّ الموجودات كلّها متساوية في وصف المخلوقيّة، ولو كان له أولاد لكانوا غير مخلوقين. وجملة: {وهو بكلّ شيء عليم} تذييل لإتمام تعليم المخاطبين بعض صفات الكمال الثّابتة لله تعالى، فهي جملة معطوفة على جملة: {وخلق كلّ شيء} باعتبار ما فيها من التوّصيف لا باعتبار الردّ. ولكون هذه الجملة الأخيرة بمنزلة التّذييل عدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {بكلّ شيء} دون أن يقول «به» لأنّ التّذييلات يقصد فيها أن تكون مستقلّة الدّلالة بنفسها لأنّها تشبه الأمثال في كونها كلاماً جامعاً لمعان كثيرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 101- الله الذى أنشأ السموات والأرض على غير مثال سبق: كيف يكون له ولد كما يزعم هؤلاء، مع أنه لم تكن له زوجة، وقد خلق جميع الأشياء وفيها هؤلاء الذين اتخذوهم شركاء، وهو عالم بكل شئ يحصى عليهم ما يقولون وما يفعلون، وهو مجازيهم على قولهم وفعلهم. 102- ذلك المتصف بصفات الكمال هو الله ربكم، لا إله غيره، خالق كل شئ مما كان وما سيكون، فهو - وحده - المستحق للعبادة، فاعبدوه، وهو - وحده - المتولى كل أمر وكل شئ، فإليه - وحده - المرجع والمآب. 103- لا تبصر ذاته العيون، وهو يعلم دقائق العيون وغير العيون، وهو اللطيف فلا يغيب عنه شئ، الخبير فلا يخفى عليه شئ. 104- قل - أيها النبى - للناس: قد جاءكم من خالقكم ومالك أمركم حُجج وبينات فى القرآن، تنير لكم طريق الحق، فمن انتفع بها فانتفاعه لنفسه ومن أعرض عنها فقد جنى على نفسه. لست أنا بمحافظ عليكم، بل أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم. 105- ومثل هذا التنويع البديع فى عرض الدلائل الكونية نعرض آياتنا فى القرآن منوعة مفصلة، لنقيم الحُجة بها على الجاحدين، فلا يجدوا إلا اختلاق الكذب، فيتهموك بأنك تعلمت من الناس لا من الله ولنبين ما أنزل إليك من الحقائق - من غير تأثر بهوى - لقوم يدركون الحق ويذعنون له. 106- اتبع - أيها النبى - ما جاءك به الوحى من الله، مالك أمرك ومدبر شئونك، إنه - وحده - الإله المستحق للطاعة والخضوع، فالتزم طاعته، ولا تبال بعناد المشركين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {صَاحِبَةٌ} (101) - لَقَدْ أَبْدَعَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَخَلَقَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَالوَلَدُ يَتَوَلَّدُ مِنْ شَيْئَيْنِ مُتَنَاسِبَيْنِ، وَاللهُ لاَ يُشْبِهُهُ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ، لأَِنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، فَلا صَاحِبَةَ لَهُ وَلاَ وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَهُوَ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ - مُبْدِعُهَا وَخَالِقُها عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. أَنَّى يَكُونُ - كَيْفَ يَكُونُ، أَوْ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ؟.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى قال في آيات أخرى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]. فإن كنت ترى في نفسك عجائب كثيرة، وكل يوم يعطيك العلم التشريحي أو علم وظائف الأعضاء سرا جديدا فلا تتعجب من هذا الأمر؛ لأن السماء والأرض إيجاد من عدم، وسبحانه هنا يقول: "بديع" أي أنه - سبحانه - خلقهما على غير مثال سابق، فمن الناس من يصنع أشياء على ضوء خبرات أو نماذج سابقة، لكن الحق سبحانه بديع السمٰوات والأرض، وقد عرفنا بالعلم أن الأرض التي نعيش عليها وهي كوكب تابع من توابع الشمس، وقديما كانوا يقولون عن توابع الشمس إنها سبعة، ولذلك خدع كثير من العلماء والمفكرين وقالوا: إن السبعة التوابع هي السمٰوات، فأراد الحق أن يبطل هذه المسألة بعد أن قالوا سبعة. فقد اكتشف العلماء تابعا ثامنا للشمس، ثم اكتشفوا التاسع، ثم صارت التوابع عشرة، ثم زاد الأمر إلى توابع لا نعرفها. وأين هذه المجموعة الشمسية من السمٰوات؟ وكلها مجرد زينة للسماء الدنيا، وعندما اكتشفت المجاهر والآلات التي تقرب البعيد رأينا "الطريق اللبني" أو "سكة التبانة" ووجدناها مجرة وفيها مجموعات شمسية لا حصر لها، وجدنا مليون مجموعة مثل مجموعتنا الشمسية. هذه مجرة واحدة، وعندنا ملايين المجرات، ونجد عالماً في الفلك يقول: لو امتلكنا آلات جديدة فسنكتشف مجرات جديدة. ولنسمع قول الله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47]. إذن يجب أن نأخذ خلْق السمٰوات والأرض في مرتبة أهم من مسألة خلق الناس. {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101]. وما دام سبحانه بديع السمٰوات والأرض، وهو بقدرته الذاتية الفائقة خلق السمٰوات والأرض الأكبر من خلق الناس، إذن فإن أراد ولداً لطرأ عليه هذا الابن بالميلاد، ولا يمكن أن يسمى ولداً إلا إذا وُلد، وسبحانه منزه عن ذلك، ثم لماذا يريد ولداً، وصفات الكمال لن تزيد بالولد، ولم يكن الكون ناقصاً قبل ادّعاء البعض ان للحق سبحانه ولداً، إن الكون مخلوق بذات الحق سبحانه وتعالى، والناس تحتاج إلى الولد لامتداد الذكرى، وسبحانه لا يموت؛ مصداقاً لقوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. والبشر يحتاجون إلى الإنجاب ليعاونهم أولادهم، وسبحانه هو القوي الذي خلق وهو حي لا يموت؛ لذلك فلا معنى لأن يُدّعى عليه ذلك وما كان يصحّ أن تناقش هذه المسألة عقلا، ولكن الله - لطفا بخلقه - وضّح وبين مثل هذه القضايا. يقول جل وعلا: {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ}. وماذا يريد الحق من الصاحبة؟ إنه لا يريد شيئاً ، فلماذا هذه اللجاجة في أمر الألوهية؟. فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حكمة ترتب، ولا علما يدبر، ولا أي شيء، ومجرد هذا اللون من التصور عبث، فإذا كان الشركاء ممتنعين، والقصد من الشركاء أن يعاونوه في الملك؛ إله يأخذ ملك السماء، وإله آخر يأخذ ملك الأرض. وإله للظلمة، وإله للنور. مثلما قال الاغريق القدامى حين نصّبوا إلهاً للشر. وإلهاً للخير، وغير ذلك. والحق واحد أحد ليس له شركاء يعاونونه فما المقصود بالولد والصاحبة؟ أعوذ بالله! ألا يمتنع ويرتدع هؤلاء من مثل هذا القول: {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فسبحانه هو الخالق للكون والعليم بكل ما فيه ولا يحتاج إلى معاونة من أحد. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناهُ مُبتَدِعُهَا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تفرد ذاته وصفاته بقوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101]، {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]، إلى قوله: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، والإشارة فيها: أنه تعالى موصوف بالتنزيه ذاته وصفاته بحيث {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ} [الأنعام: 103]؛ أي: لا تلحقه المحدثات لا الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة، تقدَّست بالصمدية عن كل لحوق ودرك ينسب إلى مخلوق ومحدث. {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ} [الأنعام: 103]، بالتجلي لها، فيفني المحدثات فيكون هو بصره الذي يبصر به، فالقوة عند التجلي الأبصار الظاهرة والباطنة في الرؤية بنور الربوبية، {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، أي: هو اللطيف من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات، الخبير بمن يستحق أن يتجلى له الحق تعالى ويدرك أبصاره باطلاعه عليها فيستعد بها للرؤية، ومن لطفه أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلاً منه وكرماً من غير استحقاقها للوجود. ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: 104]، إلى قوله: {أية : بِوَكِيلٍ}تفسير : [الأنعام: 107]، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، كما أعطى بصراً لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} [الأنعام: 104]، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه، {أية : فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 97]. {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104]، يعني: من عمي عن النظر بالبصيرة عن هذه الكمالات لمَّا أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته، {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46]، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104]، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء.