Verse. 891 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

ذٰلِكُمُ اللہُ رَبُّكُمْ۝۰ۚ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۚ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوْہُ۝۰ۚ وَہُوَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ وَّكِيْلٌ۝۱۰۲
Thalikumu Allahu rabbukum la ilaha illa huwa khaliqu kulli shayin faoAAbudoohu wahuwa AAala kulli shayin wakeelun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالقُ كلَّ شيء فاعبدوه» وحِّدوه «وهو على كل شيء وكيل» حفيظ.

102

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به. ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال: ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحداً فإنه هو المصلح لمهمات جميع العباد، وهو الذي يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم، ويعلم حاجتهم، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه، وإظهار فساد الشرك، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: «ذلكم» إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة، وهي: {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } أي ذلك الجامع لهذه الصفات فاعبدوه، على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه، ولا تعبدوا أحداً سواء. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد، ومحدث، ومبدع، ومدبر، ولم يذكر دليلاً منفصلاً يدل على نفي الشركاء، والأضداد والأنداد، ثم إنه اتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكاً، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن، ثم أبطله، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى بالتوحيد المحض حيث قال: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء فَٱعْبُدُوهُ } وعند هذا يتوجه السؤال وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على وجود الخالق، وتزييف دليل من أثبت لله شريكاً، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض؟ فنقول: للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة، ومن جملتها هذه الطريقة. وتقريرها من وجوه: الأول: قال المتقدمون الصانع الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافىء، فوجب القول بالتوحيد أما قولنا: الصانع الواحد كاف فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات كاف في كونه إلهاً للعالم، ومدبراً له. وأما أن الزائد على الواحد، فالقول فيه متكافىء، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها، وهو محال، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد، وهو أيضاً محال، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد. الوجه الثاني: في تقرير هذه الطريقة أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم، فلو قدرنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلاً وموجوداً لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون، والأول باطل، لأنه لما كان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر عن تحصيل مقدوره، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سبباً لعجز الآخر وهو محال. وإن كان الثاني لا يفعل فعلاً ولا يوجد شيئاً كان ناقصاً معطلاً، وذلك لا يصلح للإلهية. والوجه الثالث: في تقرير هذه الطريقة أن نقول: إن هذا الإله الواحد لا بد وأن يكون كاملاً في صفات الإلهية، فلو فرضنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون، فإن كان مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال فلا بد وأن يكون متميزاً عن الأول بأمر ما، إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والإثنينية، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون. فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهما، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال، فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال، وذلك نفصان، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد. وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة. المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا بقوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا: أعمال العباد أشياء، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقاً لها واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب «الجبر والقدر»، ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة. قالت المعتزلة: هذا اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم. فأحدهما: أنه تعالى قال: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء فَٱعْبُدُوهُ } فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } لصار تقدير الآية: أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى. ومعلوم أن ذلك فاسد. وثانيها: أنه تعالى إنما ذكر قوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } في معرض المدح والثناء على نفسه، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحاً وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر. وثالثها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {أية : قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا }تفسير : [الأنعام:104]، وهذا تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك، وأنه لا مانع له ألبتة من الفعل والترك، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقاً لله تعالى لما كان العبد مستقلاً به، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل. فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلاً بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى، ثبت أن ذكر قوله: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } يوجب تخصيص ذلك العموم. ورابعها: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم. أحدهما يفعل اللذات والخيرات، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك: {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } يجب أن يكون محمولاً على إبطال ذلك المذهب، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام، فإذا حملنا قوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد. قالوا: فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء }. والجواب: أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية. وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقاً لأفعال العباد، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء فَٱعْبُدُوهُ } يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقاً لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقاً للأشياء هو الموجب لكونه معبوداً على الإطلاق، والإله هو المستحق للمعبودية، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع. المسألة الخامسة: احتج كثير من المعتزلة بقوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } على نفي الصفات، وعلى كون القرآن مخلوقاً. أما نفي الصفات فلأنهم قالوا: لو كان تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال: إنهما قديمان. أو محدثان، والأول باطل. لأن عموم قوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } يقتضي كونه خالقاً لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم، وأنه لا يجوز. والثاني: وهو القول بحدوث علم الله وقدرته. فهو باطل بالإجماع، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى، وأن ذلك محال. وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً. فقالوا: القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم. فلزم كون القرآن مخلوقاً لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وجواب أصحابنا عنه: أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى قديم. المسألة السادسة: قوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } المراد منه أن يحصل للعبد كمال التوحيد وتقريره، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله إلا هو، وأنه لا مدبر إلا الله تعالى، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب. وسمعت الشيخ الإمام الزاهد الوالد رحمه الله يقول: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب. وإذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة، فتارة يعتمد على الأمير، وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير، فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير الأحزان، والحق تعالى قال: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ إلا الله، ولا مصلح للمهمات إلا الله، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه، ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه. المسألة السابعة: أنه قال قبل هذه الآية بقليل {أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } تفسير : [الأنعام:101] وقال ههنا {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } وهذا كالتكرار. والجواب من وجوه: الأول: أن قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } إشارة إلى الماضي. أما قوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } فهو اسم الفاعل، وهو يتناول الأوقات كلها، والثاني: وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } ليجعله مقدمة في بيان نفي الأولاد، وههنا ذكر قوله: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } ليجعله مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو، والحاصل أن هذه المقدمة مقدمة توجب أحكاماً كثيرة ونتائج مختلفة، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة، ليفرع عليها في كل موضع ما يليق بها من النتيجة. المسألة الثامنة: لقائل أن يقول: الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً، فقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } معناه لا يستحق العبادة إلا هو، فما الفائدة في قوله بعد ذلك {فَٱعْبُدُوهُ } فإن هذا يوهم التكرير. والجواب: قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي لا يستحق العبادة إلا هو، وقوله: {فَٱعْبُدُوهُ } أي لا تعبدوا غيره. المسألة التاسعة: القوم كانوا معترفين بوجود الله تعالى كما قال: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [لقمان: 25] وما أطلقوا لفظ الله على أحد سوى الله سبحانه، كما قال تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }تفسير : [مريم: 65] فقال: {أية : ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } تفسير : [إبراهيم: 34] أي الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم ذكرها هو الله تعالى، ثم قال بعده: {رَبُّكُـمْ } يعني الذي يربيكم ويحسن إليكم بأصناف التربية ووجوه الإحسان، وهي أقسام بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها، كما قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }. ثم قال: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } يعني أنكم لما عرفتم وجود الإله المحسن المتفضل المتكرم فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه. ثم قال: {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } يعني إنما صح قولنا: لا إله سواه، لأنه لا خالق للخلق سواه، ولا مدبر للعالم إلا هو. فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} «ذلكم» في موضع رفع بالابتداء. «اللَّهُ رَبُّكُمْ» على البدل. {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} خبر الابتداء. ويجوز أن يكون «ربكم» الخبر، و«خالق» خبراً ثانياً، أو على إضمار مبتدأ، أي هو خالق. وأجاز الكسائيّ والفراء فيه النصب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: الذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ} أي: فاعبدوه وحده، لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ ورقيب، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار، وقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} فيه أقوال للأئمة من السلف [أحدها]: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت، في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة: أنها قالت: من زعم أن محمداً أبصر ربه فقد كذب، وفي رواية: على الله؛ فإن الله تعالى قال: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه، وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه: أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله. وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} قال: هذا في الدنيا، وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله، أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة، وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {أية : &#1649وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة:22-23] وقال تعالى عن الكافرين: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } تفسير : [المطفّفين: 15] قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. أما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال وغير واحد من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقيل: المراد بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} أي: العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه قال ذلك، وهذا غريب جداً، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله أعلم. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلاّ هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. قال ابن علية في الآية: هذا في الدنيا؛ رواه ابن أبي حاتم. وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة، ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110] وفي صحيح مسلم: «حديث : لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» تفسير : ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في الآية: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} وهو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة:22-23] قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به؛ من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ههنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} قال: «حديث : لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفاً واحداً، ما أحاطوا بالله أبداً» تفسير : غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم. وقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضاً، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى، فقلت: أليس الله يقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} الآية، فقال لي: لا أم لك، ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية: لا يقوم له شيء، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وفي معنى هذا الأثر، ما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً: «حديث : إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور - أو النار - لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»تفسير : وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، أي: تدعثر، وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 143] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه، تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار. ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} فالذي نفته الإدراك، الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال، على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء، وقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} أي: يحيط بها، ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها؛ كما قال تعالى: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } تفسير : [الملك: 14] وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السدي: في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ}: لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق، وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} قال: اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها، والله أعلم، وهذا كما قال تعالى إخباراً عن لقمان، فيما وعظ به ابنه: {أية : يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } تفسير : [لقمان: 16].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ } وحِّدوه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ } حفيظ.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى المنعوت بما ذُكر من جلائل النعوتِ وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوِّ شأنِ المُشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في العظمة، والخطابُ للمشركين المعهودين بطريق الالتفاتِ، وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى: {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء} أخبارٌ أربعةٌ مترادفةٌ أي ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ العظيمةِ هو الله المستحِقُّ للعبادة خاصةً، مالكُ أمرِكم لا شريك له أصلاً، خالقُ كلِّ شيءٍ مما كان ومما سيكون، فلا تكرارَ، إذ المعتبرُ في عنوان الموضوعِ إنما هو خالقيتُه لما كان فقط كما ينبىء عنه صيغةُ الماضي، وقيل: الخبرُ هو الأولُ، والبواقي أبدالٌ، وقيل: الاسمُ الجليلُ بدلٌ من المبتدأ والبواقي أخبارٌ، وقيل: يقدر لكلَ من الأخبار الثلاثةِ مبتدأٌ، وقيل: يُجعل الكلُّ بمنزلة اسمٍ واحد. وقولُه تعالى: {فَٱعْبُدُوهُ} حكم مترتبٌ على مضمون الجملة، فإن مَنْ جمع هذه الصفاتِ كان هو المستحقُّ للعبادة خاصة، وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ} عطفٌ على الجملة المتقدمة أي هو مع ما فُصل من الصفات الجليلةِ متولي أمورِ جميعِ مخلوقاتِه التي أنتم من جملتها فكِلوا أمورَكم إليه وتوسلوا بعبادته إلى نجاح مآربِكم الدنيويةِ والأخروية.

القشيري

تفسير : تعرَّف إليهم بآياته، ثم تعرَّف إليهم بصفاته، ثم كاشفهم بحقائق ذاته. فقوله: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تعريف للسادات والأكابر، وقوله: {خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} تعريف للعوام والأصاغر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ} لما وصف تعالى نفسه بالقدرة الكاملة فى خلق الكون وعرفهم نفسه باظهار الايات ونفى عن نفسه علة الحدثان وعرفهم بتنزيه صافته وفراد ذاته وصافته من بين الاضداد والانداد ووصف جلاله بالوحدانية الازلية وعرفهم قدس ذاته وصفاته بخاطبه معهم بوصف معهم بوسصف تلك النعوت الزمهم بعد ذلك العبودية ضرة بقوله فاعبده اى ابعد وامن هذا وصفه ولا تتكلموا الى غيره فانه الكون وما فيه خاضع لعظمته بعد ان كان فى قبض عرف لا يضر ولا ينفع ولا بمشيته الازلية وارادته القديمة وهذا معنى قوله تعالى {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} اى انا ملجا الكل ومفرغ ذوى الحاجات ومناص صواحب العاهات قال الاستاد فى الأية تعرف عليهم بأيات ثم تعرف اليهم بصفاته ثم كاشفهم بحقائق ذاته بقوله لا اله الى هو تعريف السادة والاكابر وقوله خالق كل شئ تعريف العوام والا صاغر ثم وصف نفسه عقيب الأية بالتنزيه عن احاطة اباصر الحدثان به وعجزهم فى حواشى ساحات كبريائه عن درك مكنون اسرار قدمه واحاطة علمه وقدرته بجيمع ذارت الوجود.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلكم} اى ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة ايها المشركون {الله} المستحق للعبادة خاصة مبتدأ وخبره {ربكم} اى مالك امركم شعر : نيست خلقش را دكركس مالكى شركتش دعوى كند جزهالكى تفسير : {لا اله الا هو} اى لا شريك له اصلا {خالق كل شئ} مما كان وما سيكون فلا تكرار وهذه اخبار مترادفة {فاعبدوه} حكم مسبب عن مضمونها فان من جمع هذه الصفات استحق العبادة خاصة {وهو على كل شئ وكيل} اى وهو مع تلك الصفات متولى اموركم فكلوها اليه وتوسلوا بعبادته الى انجاح مآربكم الدنيوية والاخروية ورقيب على اعمالكم. فيجازيكم. قال الامام الغزالى قدس سره والوكيل ينقسم الى من يفى بما وكل اليه وفاء تاما من غير قصور والى من لا يفى بالجميع والوكيل المطلق هو الذى يفى بالامور الموكولة اليه وهو ملى بالقيام بها وفى باتمامها وذلك هو الله تعالى فقط وقد فهمت من هذا مقدار يدخل العبد فى معنى هذا الاسم انتهى كلامه. وعن الشيخ ابى حمزة الخراسانى رحمه الله قال حججت سنة من السنين فبينما انا امشى اذ وقعت فى بئر فنازعتنى نفسى ان استغيث فقلت لا والله لا استغثيث فما استتم هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال احدهما للآخر تعالى حتى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيه احد فأتيا بقصب وبارية وطمسا رأس البئر فهممت ان اصيح ثم قلت فى نفسى الجأ الى من هو اقرب منهما وسكت وفوضت امرى الى الله تعالى فبينما انا بعد ساعة اذا بشئ جاء وكشف عن رأس البئر وادلى رجله وكأنه يقول تعلق بى فى همهمة منه كنت اعرف منها ذلك فتعلقت به فاخرجنى فاذا هو سبع فمر وهتف بى هاتف يا ابا حمزة أليس هذا احسن نجيناك من التلف بالتلف فالله تعالى قادر على ذلك وهو على كل شئ وكيل. والاشارة فى الآيات ان الله تعالى كما اخرج بماء اللطف والهداية من ارض القلوب لأربابها انواع الكمالات اخرج بماء القهر والخذلان من ارض النفوس لأصحابها انواع الضلالات حتى اشركوا بالله تعالى وقالوا ما قالوا من اسوأ المقال مع انه تعالى متفرد بالذات والصفات والافعال. فعلى العاقل ان يستعيذ بالله من مكره وقهره ويستجلب بطاعته مزيد رضاءه ورحمته ويقطع النظر عن الغير فى كل شر وخير فان الكل من الله تعالى وان كان لا يرضى لعباده الكفر شعر : كناه اكرجه نبود اختيار ما حافظ تودر طريق ا دب كوش وكوكناه منست تفسير : اللهم لا تؤمنا مكرك فانه لا يأمن منه الا القوم الكافرون.

الطوسي

تفسير : "ذلك" اشارة الى ما تقدم ذكره من وصف الله بانه {بديع السماوات والأرض} وغير ذلك من صفاته تعالى. وانما ادخل فيه الميم، لانه خطاب لجميع الخلق. {الله ربكم} صفة بعد صفة. وقوله: {لا إِله إِلا هو} اخبار بانه لا معبود سواه تحق له العبادة. وبين انه {خالق كل شيء} من اصناف الخلق. وحذف اختصارا - في المبالغة - لقيام الدلالة على انه لا يدخل فيه ما لم يخلقه من اصناف الاشياء من المعدوم، وافعال العباد والقبائح، ومثله في المبالغة قوله: {أية : تدمر كل شيء بأمر ربها}.تفسير : وقوله: {أية : وأوتيت من كل شيء}.تفسير : ثم امر الخلق بعبادة من كان خالق الاشياء كلها، والمنعم على خلقه بما يستحق به العبادة: من خلق الحياة والقدرة والشهوة والبقاء، وغير ذلك. واخبر انه تعالى {على كل شيء وكيل} أي حافظ. والوكيل على الشيء هو الحافظ الذي يحوطه ويدفع الضرر عنه. وانما وصف بانه وكيل مع انه مالك الاشياء، لانه لما كانت منافعه لغيره لاستحالة المنافع عليه والمضار، صحة الصفة له من هذه الجهة بانه وكيل، وكان فيها تذكير بالنعمة مع كونه مالكا من جهة انه قادر عليه له ان يصرف اتم التصريف مما يريده بمنزلة ما يريده الوكيل في ان منافعه تعود على غيره، ولا يلزم على هذا ان يقال: هو وكيل على القبائح والفواحش، لانه يوهم انها عرض وانما تدخل في الجملة على طريق التبع، لانه يجازي عليها بالعذاب المستحق بها. ورفع {خالق كل شيء} بانه خبر ابتداء محذوف كأنه قيل هو خالق كل شيء، لانه تقدم ذكره فاستغني عن ذكره. ولا يجوز رفعه على ان خبره {فاعبدوه} لدخول الفاء. وكان يجوز نصبه على الحال لانه نكرة اتصل بمعرفة بعد التمام.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكُمُ} الموصوف بالاوصاف المذكورة من قوله {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ} الى ههنا والاتيان باسم الاشارة البعيدة المشيرة الى الموصوف بتلك الاوصاف للتّعظيم ولاحضارها فى الذّهن وليكون اشارة الى علّة انّيّته تعالى بطريق برهان الانّ والتّكرار مع سابقه للتّمكّن فى الاذهان {ٱللَّهُ} اى المسمّى بالله الدّائر على السنتكم والموصوف بهذه الاوصاف حقيقة وجوديّة فالمسمّىٰ بالله حقيقة متحقّقة {رَبُّكُمْ} اشارة الى قيّوميّته وربوبيّته لخصوص نوع الانسان {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نفى للشّريك له فى الآلهة {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} نفى للثّانى عنه تعالى، فانّ كلّ ما يسمّى شيئاً فهو مخلوق له تعالى متعلّق الوجود به تعالى وليس ثانياً له {فَٱعْبُدُوهُ} يعنى بعد ما ثبت انّيتّه وربوبيّته، وان لا ثانى له فينبغى العبادة له فاعبدوه {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} حافظ لا حاجة له فى تدبير الاشياء الى وكيل وواسطة من ولد وغيره لاحاطته بالكلّ، ولمّا صار المقام مظنّة ان يقال هل يدرك مع احاطته؟ - فقال جواباً: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ}.

الهواري

تفسير : قال: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي حفيظ لأعمال العباد. قوله: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} أي اللطيف بخلقه فيما أعطاهم، الخبير بأعمالهم. قوله: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي القرآن {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي اهتدى {فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ} أي عن الهدى {فَعَلَيْهَا} أي فعلى نفسه {وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} أي أحفظ أعمالكم حتى أجازيكم بها. قوله: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} وهي تقرأ على أربعة أوجه: درَسْتَ وَدَارَسْتَ وَدُرِسَت وَدَرَسَت. ذكروا عن ابن عباس قال: درستَ أي: قرأتَ وتعلّمتَ. وقال مجاهد مثل ذلك. وبعضهم يقول: دارستَ، أي: قارأت أهل الكتابين. ومن قرأ: دُرِسَت فهو يقول: قُرِئت: ومقرأ الحسن: دَرَسَتْ، أي: قد دَرَست وذهبت مع كذب الأولين وباطلهم. قال: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. قوله: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي ادعهم إلى لا إله إلا هو والعمل بفرائضه. {وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}. وقد نسخها القتال. قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا} وهو كقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي: لأعمالهم حتى تجازيهم بها. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}. قوله: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}. وهي تقرأ على وجهين: عَدْواً وَعُدُوّاً. وهو من العدوان، والعدوان الظلم. قال الحسن: كان المسلمون يسبون آلهة المشركين، أي أوثانهم، فإذا سبّوها سبَّ المشركون الله. وقال بعضهم: كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردون عليهم، فنهاهم الله أن يستسبّوا لربهم قوماً جهلة لا علم لهم بربهم. وقال الكلبي: قال المشركون: والله لينتهين محمد عن سبّ آلهتنا أو لنسبَّنَّ ربه، فنزلت هذه الآية. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} وهي مثل قوله: (أية : إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) تفسير : [النمل:4] {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {ذلكمُ اللهُ ربُّكم} ذلكم الموصوف بالصفات العظام، كخلق السماوات والأرض، وخلق كل شئ، وعلم كل شئ هو الله ربكم، المستحق للعبادة لا الأصنام وغيرها من الخلق، والله خبر، وربكم خبر ثان، أو بدل، أو الله بدل من ذلك، أو بيان، وربكم خبر أو ذلك مبتدأ والله عطف بيان، وربكم بدل من الله والخبر قوله: {لا إله إلاَّ هُو} وفى غير هذا الوجه يكون هذا خبرا ثانيا أو ثالثا وقوله: {خَالقُ كلِّ شئٍ} خبر ثان أو ثالث أو رابع، أو خبر محذوف، أى هو خالق، ويجوز أن يكون ربكم نعتا لله {فاعْبدُوه} لأنه المستحق للعبادة لتلك الصفات، وهو النافع الضار، {وهُو عَلى كلِّ شئٍ وكيلٌ} رقيب على أعمالكم بالرزق، حفيظ وغيره، فكِلوا أموركم إليه، ولا قائم بها سواه فتوسلوا إليه بعبادته.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكُمُ} أَى الموصوف بتلك الصفات من الخلق لكل شئ والعلم بكل شئ وانتفاء الصاحبة والولد وبدع سمواته وأَرضه وغير ذلك مما مر وإِشارة البعد للتعظيم، والخطاب للمشركين ولذلك جمع {اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَئ} إِخبار عن ذلكم أَو ربكم بدل أَو نعت للفظ الجلالة، أَو الله بدل أَو بيان لا نعت إِلا بتأويل المعبود، والمراد بكل شئ ما شاءَ خلقه لا نفسه تعالى ولا المستحيل لذاته أَو لعدم قضاء الله بخلقه إِلا أَن الصحيح وهو مذهبنا إِن لم يكن، وما هو غير كائن فى الحال أَو الاستقبال لا يسمى شيئاً، وليس قوله خالق كل شئ تكريراً، إِما لأَن قوله وخلق كل شئ لما مضى وهذا للحال والاستقبال مع أَنه لا مانع من التوكيد وإِما أَنه كرره ليبنى عليه قوله {فَاعْبُدُوهُ} وحده لاستجماعه تلك الصفات، وقوله وخلق كل شئ استدلالا على نفى الولد وعلى نفى الشركة، {أية : أَفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : [النحل: 17]، وإِنما قلت وحده بالحصر ليناسب قوله {لا إِله إِلا هو} ولأَن مشركى العرب يعبدون الله وغيره، فليس كما قيل أَن المقام ليس فيه ما يدل على الحصر، ولو وجب فى المعنى، وقدم هنا لا إِله إِلا هو على خالق كل شئ لأَنه جاءَ بعد قوله {أية : وجعلوا لله شركاءَ} تفسير : [الأنعام: 100] فتقديم ما يدل على نفى الشركة أَهم، وأَخره فى سورة غافر لأَنه جاءَ بعد قوله عز وجل "أية : لخلق السماوات والأَرض"تفسير : [غافر: 57] فكان بيان خلق الناس أَهم فقدم نفى الشركة فى الخالقية، فلا إِله إِلا الله هو كالنتيجة للأَوصاف قبله ففرع فأَنى تؤفكون على ما قبله، وهنا فرع فاعبدوه، والخالقية سبب للمعبودية {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ وَكِيلٌ} حفيظ ومتولى الأُمور كلها ورقيب على الأَعمال فهو الذى يتوكل عليه لقدرته ويطاع ليجازى بخير.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى المنعوت بما ذكر من جلائل النعوت، وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً. والخطاب للمشركين المعهودين بطريق الالتفات. وذهب الطبرسي أنه لجميع الناس. وهو مبتدأ وقوله سبحانه: {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْءٍ} أخبار أربعة مترادفة أي ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة الشأن هو الله المستحق للعبادة خاصة مالك / أمركم لا شريك له أصلاً خالق كل شيء مما كان وسيكون، والمعتبر في عنوان الموضوع حسبما اقتضته الإشارة إنما هو خالقيته سبحانه لما كان فقط كما ينبىء عنه صيغة الماضي، وجوز أن يكون الاسم الجليل بدلاً من اسم الإشارة و {رَبُّكُـمْ} صفته وما بعده خبر، وأن يكون الاسم الجليل هو الخبر وما بعده إبدال منه، وأن يكون بدلاً والبواقي أخبار، وأن يقدر لكل خبر من الأخبار الثلاثة مبتدأ، وأن يجعل الكل بمنزلة اسم واحد، وأن يكون {خَـٰلِقُ كُلّ شَيْءٍ} بدلاً من الضمير، وجوز غير ذلك. وقوله تعالى: {فَٱعْبُدُوهُ} مسبب عن مضمون الجملة فإن من جمع هذه الصفات كان هو المستحق للعبادة خاصة، وادعى بعضهم أن العبادة المأمور بها هي نهاية الخضوع وهي لا تتأتى مع التشريك فلذا استغنى عن أن يقال: فلا تعبدوا إلا إياه، ويفهم منه أن مجرد مفهوم العبادة يفيد الاختصاص، ولا يأباه دعوى إفادة تقديم المفعول في { أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ } تفسير : [الفاتحة: 5] إياه لأن إفادة الحصر بوجهين لا مانع منها كما في { أية : فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ } تفسير : [الجاثية: 36] ونحوه، وإنما قال سبحانه هنا: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ } وفي سورة المؤمن [26] { أية : ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } تفسير : فقدم سبحانه هنا {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} على {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْءٍ} وعكس هناك، قال بعض المحققين: لأن هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: { أية : جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ } تفسير : [الأنعام: 100] الخ فلما قال جل شأنه: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ } أتى بعده بما يدفع الشركة فقال: عز قائلاً {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ثُمَّ {خَـٰلِقُ كُلّ شَىْءٍ} وتلك جاءت بعد قوله سبحانه { أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [غافر: 57] فكان الكلام على تثبيت خلق الناس وتقريره لا على نفي الشريك عنه جل شأنه كما كان في الآية الأولى فكان تقديم {خَـٰلِقُ كُلّ شَيْءٍ} هناك أولى والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} عطف على الجملة السابقة أي وهو مع تلك الصفات الجليلة الشأن متولي جميع الأمور الدنيوية والأخروية، ويلزم من ذلك أن لا يوكل أمر إلى غيره ممن لا يتولى. وجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال وقيدا للعبادة ويؤول المعنى إلى أنه سبحانه مع ما تقدم متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مأربكم، وفسر بعضهم الوكيل بالرقيب أي أنه تعالى رقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها. واستدل أصحابنا بعموم {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد والمعتزلة قالوا: عندنا هنا أشياء تخرج أعمال العباد من البين. أحدها: تعقيب ذلك العموم بقوله سبحانه: {فَٱعْبُدُوهُ} فإنه لو دخلت أعمال العباد هناك لصار تقدير الآية إنا خلقنا أعمالكم فافعلوها بأعيانها مرة أخرى وفساده ظاهر. وثانيها: أن {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ذكر في معرض المدح والثناء ولا تمدح بخلق الزنا واللواطة والسرقة والكفر مثلا. ثالثها: أنه تعالى قال بعد. { أية : قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } تفسير : [الأنعام: 104] وهو تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك وأنه لا مانع له. رابعها: أن هذه الآية أتى بها بعد { أية : وَجَعَلُواْ ٱللَّهِ شُرَكَاءَ ٱلْجِنَّ } تفسير : [الأنعام:100] والمراد منه على ما روي عن الحبر الرد على المجوس في إثبات الهين فيجب أن يكون {خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} محمولاً على إبطال ذلك وهو إنما يكون إذا قلنا: إنه تعالى هو الخالق لما في هذا العالم من السباع والآلام ونحوها وإذا حمل على ذلك لم تدخل أعمال العباد ولا يخفى ما في ذلك من النظر ومثله استدلالهم بالآية على نفي الصفات وكون القرآن مخلوقاً فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : وقوع اسم الإشارة بعد إجراء الصّفات والأخبار المتقدّمة، للتّنبيه على أنّ المشار إليه حقيق بالأخبار والأوصاف الّتي تَرد بعد اسم الإشارة، كما تقدّم عند قوله: {أية : ذلكم الله فأنَّى تؤفكون}تفسير : [الأنعام: 95] قبل هذا، وقوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربّهم}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. والمشار إليه هو الموصوف بالصّفات المضمّنة بالأخبار المتقدّمة، ولذلك استغنى عن اتباع اسم الإشارة ببياننٍ أو بدل، والمعنى: ذلكم المبدع للسّماوات والأرض والخالق كلّ شيء والعليم بكلّ شيء هو الله، أي هو الّذي تعلمُونه. وقوله: {ربّكم} صفة لاسم الجلالة. وجملة: {لا إله إلاّ هو} حال من {ربّكم} أو صفة. وقوله: {خالق كلّ شيء} صفة لــ {ربّكم} أو لاسم الجلالة، وإنّما لم نجعله خبراً لأنّ الإخبار قد تقدّم بنظائره في قوله: {وخلق كلّ شيء}. وجملة: {فاعبدوه} مفرّعة على قوله: {ربّكم لا إله إلاّ هو} وقد جعل الأمر بعبادته مفرّعاً على وصفه بالرّبوبيّة والوحدانيّة لأنّ الربوبيّة مقتضية استحقاق العبادة، والانفرادُ بالربوبيّة يقتضي تخصيصه بالعبادة، وقدْ فهم هذا التّخصيص من التّفريع. ووجه أمرهم بعبادته أنّ المشركين كانوا معرضين عن عبادة الله تعالى بحيث لا يتوجّهون بأعمال البرّ في اعتقادهم إلاّ إلى الأصنام فهم يزورونها ويقرّبون إليها القرابين وينذرون لها النّذور ويستعينون بها ويستنجدون بنصرتها، وما كانوا يذكرون الله إلاّ في موسم الحجّ، على أنّهم قد خلطوه بالتّقرّب إلى الأصنام إذ جعلوا فوق الكعبة (هُبَل)، وجعلوا فوق الصّفا والمروة (أسافاً ونائلة). وكان كثير منهم يُهلّ (لمناة) في منتهى الحجّ، فكانوا معرضين عن عبادة الله تعالى، فلذلك أمروا بها صريحاً، وأمروا بالاقتصار عليها بطريق الإيماء بالتّفريع. وجملة: {وهو على كلّ شيء وكيل} يجوز أن تكون معطوفة على الصّفات المتقدّمة فتكون جملة {فاعبدوه} معترضة، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {فاعبدوه} بناء على جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس (وهو الحقّ)، على وجه تكميل التّعليل للأمر بعبادته دون غيره، بأنّه متكفّل بالأشياء كلّها من الخلق والرّزق والإنعام وكلّ ما يطلب المَرْءُ حفظه له، فالوجه عبادته ولا وجه لِعبادة غيره، فإنّ اسم الوكيل جامع لمعنى الحفظ والرّقابة، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}تفسير : في سورة [آل عمران: 173].

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِقُ} (102) - وَيَقُولُ تَعَالَى لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ: إِنَّ الإِلهَ المُنَزَّهَ عَنْ كُلِّ مَا يَقُولُونَ، المُتَّصِفَ بِصِفَاتِ الكَمَالِ وَالخَلْق وَالإِبْدَاعِ، الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَلاَ صَاحِبَةً لَهُ وَلاَ وَلَدَ، هُوَ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِله غَيْرُهُ، فَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَبِعُبُودِيَّتِكُمْ لَهُ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، مُتَوَلٍّ شُؤُونَ خَلْقِهِ، وَمُدَبِّرُ مُلْكِهِ بِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ حَفيظٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ. وَكِيلٌ - رَقِيبٌ وَمُتَوَلٍّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : انظر التقديم بكلمة رب، قبل "لا إله إلا هو" كلمة "رب" هذه هي حيثية "لا إله إلا هو"؛ لأن إلهاً تعني معبودا، ومعبودا يعني مُطاعا، ومطاعا يعني له أوامر ونواهٍ، ولماذا ولأي سبب؟. السبب أنه الرب المتولي الإيجاد والتربية. ومن الواجب والمعقول أن نسمع كلامه؛ لأنه هو الرّب والخالق وهو الذي يرزق، بدليل أننا حين نسأل أهل الكُفْر في غفلة شهواتهم: من خلق السمٰوات والأرض؟ تنطق فطرتهم ويقولون: الله هو الذي خلق السمٰوات والأرض. أما إن كان السؤال موجها في محاجاة مسبقة فأنت تجد المكر والكذب. وحين تريد أن تنزع منهم قضية صدق وتضع وتبطل قضية كذب فلنأخذهم على غفلة ودون تحضير فيقولون إن الذي خلق هو الله. ورأينا الآلات التي صمموها ليكتشفوا الكذب، وليروا العملية العقلية التي تجهد الكذاب، أما صاحب الحق فلا يُجْهد؛ لأن صاحب الحق يستقرئ واقعا ينطق به ولا يصيبه الجهد، لكن الذي يكذب يجهد نفسه ويتردد بين أمور ويضطرب ولا يدري بأيها يأخذ ويجيب بإجابات متناقضة في الشيء الواحد. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]. وما دام هو خالق لكل شيء وهو الباقي فهو الأحق بالعبادة؛ لأن العبادة - كما قلنا - معناها طاعة الأمر وطاعة النهي - ومادام سبحانه الذي خلق فهو الذي يضع قانون الصيانة للإنسان والكون، وإن خالفت المنهج يفسد الكون والإنسان، وإذا فسد الكون أو الإنسان فأنت تلجأ إلى منهج الخالق لتعيد لكل منهما صلاحيته؛ لذلك هو الأولى بالعبادة. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. وهذه شهادة شهد بها لذاته قبل أن يخلق كل شيء، وقبل أن يخلق الملائكة، وشهدت بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم. {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [آل عمران: 18]. إذن فالله شهد بألوهيته من البداية، ومن أسمائه "المؤمن" ونحن مؤمنين بالله، وربنا المؤمن بأنه إله واحد، وهذا الإيمان منه أنه إله واحد، يخاطب كل شيء يريده وهو يعلم أن أي شيء لا يقدر أن يخالفه، إنه يخاطبه بقوله: "كن فيكون" ولأنه إله واحد يعلم أن أحداً أو شيئاً لم يخالفه، لذلك يباشر ملكه وهو العليم بأن الغير خاضع لأمره ولا يمكن أن يتخلف عن مراداته، أو نقول: "المؤمن" لما خلق ولمن خلق، أي منحهم الأمن والأمان فهو سبحانه القائل: {أية : ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4]. لقد أوضح الحق سبحانه لنا: أنتم خلقي فإن أخذتم منهجي أطعمكم من الجوع وآمنكم من الخوف. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}. إذن فالمنطق يفرض علينا عبادته سبحانه، والأمر المنسجم مع المقدمة، أن لا رب، ولا إله إلا هو، إنه خالق كل شيء؛ لذلك تكون عبادته ضرورة، ويتمثل ذلك أن تطيعه فيما أمر، وفيما نهى. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]. وهذه دقة الأداء البياني في القرآن، فنحن في أعرافنا فلان وكيل لفلان أي يقوم لصالحه بالأمور التي يريدها، وسبحانه ليس وكيلاً لك، بل هو وكيل عنك؛ لأن الوكيل لك ينفذ أوامرك، لكن هو وكيل عليك، مثل الوصي على القاصر هو وكيل عليه، ويقول للقاصر: افعل كذا فيفعل، وسبحانه وكيل علينا، ولذلك نحن نطلب منه وهو الذي يستجيب لدعائنا بالخير، فلا ينفذ رغباتنا الطائشة، ونجد الأحمق من يقول: لقد دعوت الله ولم يستجيب لي، ونقول: إنك تفهم الاستجابة أنها تؤدي لك مطلوبك، وسبحانه أعلم بما يناسبك لأنه وكيل عليك ويعدل من تصرفاتك، وساعة تطلب حاجة، إن كان فيها خير يعطيها لك، وإن كنت تظن أنها خير، لكنها ستأتي بالشر لا يعطيها لك. وعلى من يدعو ألا يتعجل الإجابة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يستجاب لأحدكم مالم يَعْجَل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي ". تفسير : {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي سواء أكان هذا الشيء مختاراً أم غير مختار؛ لأن المختار قد يختار شراً، ولأن الله وكيل عليه يقول له: لا، وغير المكلف ولا اختيار له، مقهور لإرادة الله مثل النار، فهي مأمورة أن تحرق، لكنه أمرها ألا تحرق سيدنا إبراهيم وتبقيه سليماً. وتأتي الآية التالية لتؤكد دواعي عظمته سبحانه فيقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ...}

الجيلاني

تفسير : {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} أي: الذات الأحدية الموصوفة بالصفات الأزلية الأبدية السرمدية المتجلي بالتجليات اللطيفة والقهرية {رَبُّكُمْ} ومربيكم أيها الأطفال الهالكة والعكوس الباطلة {لاۤ إِلَـٰهَ} ولا موجود {إِلاَّ هُوَ} وهو {خَٰلِقُ} ومظهر {كُلِّ شَيْءٍ} ظهر من العكوس والأضلال {فَٱعْبُدُوهُ} فهو المستحق للعبادة والرجوع ، وفوضوا أمروكم كلها إليه وكيف لا يفوضونها إليه {وَهُوَ} بذاته وأوصافه وأسمائه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الكوائن والفواسد الحادثة في مظاهره {وَكِيلٌ} [الأنعام: 102] يوليها ويصرفها كيف يشاء حسب قدرته وإرادته. وإن كان {لاَّ تُدْرِكُهُ} من غاية ظهوره وجلائه {ٱلأَبْصَٰرُ} القاصره عن إبصار نوره {وَ} كيف تدركه الأبصار {هُوَ} بذاته {يُدْرِكُ} ويبصر {ٱلأَبْصَٰرَ} ومبصر الأبصار لا يبصره الأبصار {وَ} كيف يبصر {هُوَ ٱللَّطِيفُ} الرقيق المنزه عن المجازاة والمقابلة والانطباع والمحاكاة {ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] هو كيف يخبر عنه، وبالجملة ما يرى الله إلا الله، وما يخبر عنه إلا هو، كل شيء هالك إلى وجهه له الحكم وإليه ترجعون رجوع الظل إلى ذي الظل. {قَدْ جَآءَكُمْ} وحصل عندكم أيها المجبولون على فطرة التوحيد {بَصَآئِرُ} شواهر وكواشف {مِن رَّبِّكُمْ} الذي أوجدكم وأظهركم عليها {فَمَنْ أَبْصَرَ} شهد وانكشف بها {فَلِنَفْسِهِ} أي: عاد نفعه إليها {وَمَنْ عَمِيَ} و احتجب {فَعَلَيْهَا} أي: وبالها عائد عليها {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104] رقيب مصرف بل منبه مبلغ، والحفظ بيد الله، والتصرف بقدرته، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم قال سبحانه: {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل ذلك المذكور {نُصَرِّفُ} ونكرر {ٱلآيَاتِ} الدالة على توحيدنا رجاء أن يتنبهوا فلم يتنبهوا {وَ} غاية أمرهم أنهم {لِيَقُولُواْ} لك يا أكمل الرسل: {دَرَسْتَ} تعلمت هذه الأساطير الكاذبة القديمة من أهل الكتاب {وَ} مع كونه ما نصرفها ونكررها إلا {لِنُبَيِّنَهُ} ونوضحه إلى التوحيد الذاتي المدلول عليه بتصريف الآيات والدلالة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 105] يستدلون بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على وحدة الصانع الحكيم، وانصرفوا عنكم ولم يقبلوا منك ما جئت به من الآيات، اتركهم وحالهم.