Verse. 892 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

لَا تُدْرِكُہُ الْاَبْصَارُ۝۰ۡوَہُوَيُدْرِكُ الْاَبْصَارَ۝۰ۚ وَہُوَاللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ۝۱۰۳
La tudrikuhu alabsaru wahuwa yudriku alabsara wahuwa allateefu alkhabeeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا تدركه الأبصار» أي لا تراه وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» وحديث الشيخين «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» وقيل المراد لا تحيط به «وهو يدرك الأبصار» أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه أويحيط به علمًا «وهو اللطيف» بأوليائه «الخبير» بهم.

103

Tafseer

الرازي

تفسير : في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه: الأول: في تقرير هذا المطلوب أن نقول: هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته. وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة. أما المقام الأول: فتقريره: أنه تعالى تمدح بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية. وإذا ثبت هذا فنقول: لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته. والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد كونه تعالى جائز الرؤية، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء. أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة. فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته. وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان: قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته. فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلاً. فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية. الوجه الثاني: أن نقول المراد بالأبصار في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئاً ألبتة في موضع من المواضع. بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } المراد منه وهو يدرك المبصرين، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } يقتضي كونه تعالى مبصراً لنفسه، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته، وكان تعالى يرى نفسه. وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه، قال: إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصاراً قلنا: قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } المراد منه إما نفس البصر أو المبصر، وعلى التقديرين: فيلزم كونه تعالى مبصراً لأبصار نفسه، وكونه مبصراً لذات نفسه. وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق. الوجه الثالث: في الاستدلال بالآية أن لفظ {ٱلأَبْصَـٰرِ } صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب. إذا عرفت هذا فنقول: تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم. فإذا قيل: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، وكذا قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } معناه: أنه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار. أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسك بدليل الخطاب. فنقول: هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثاً، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب. الوجه الرابع: في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة. المسألة الثانية: في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية. اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين: الأول: أنهم قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، بدليل أن قائلاً لو قال أدركته ببصري وما رأيته، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضاً، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية. إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال، والدليل على صحة هذا العموم وجهان: الأول: يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال: لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله. فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال. وذلك يدل على أن أحداً لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال. الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علماً بلغة العرب. فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب. الوجه الثاني: في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا: إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعد ذلك: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } أيضاً مدح وثناء فوجب أن يكون قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } مدحاً وثناء، وإلا لزم أن يقال: إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله. إذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً في حق الله تعالى، والنقص على الله تعالى محال، لقوله: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }تفسير : [البقرة: 255] وقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] وقوله: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }تفسير : [الإخلاص: 3] إلى غير ذلك. فوجب أن يقال كونه تعالى مرئياً محال. واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله: {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 108] وقوله: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم، فذكروا هذا القيد دفعاً لهذا النقض عن كلامهم. فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب. والجواب عن الوجه الأول من وجوه: الأول: لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه: أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى: {أية : قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }تفسير : [الشعراء: 61] أي لملحقون وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ }تفسير : [يونس: 90] أي لحقه، ويقال: أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم، وأدركت الثمرة أي نضجت. فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء. إذا عرفت هذا فنقول: المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته. صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكاً، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً. فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان: رؤية مع الإحاطة. ورؤية لا مع الإحاطة. والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس. فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم. فإن قالوا لما بينتم أن الإدراك أمر مغاير للرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذه الآية في إثبات الرؤية على الله تعالى. قلنا: هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم. وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم. فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا. الوجه الثاني: في الاعتراض أن نقول: هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال. وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد نفي العموم. وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي، فسقط كلامهم. الوجه الثالث: أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً، وإذا كان كذلك فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله؟ الوجه الرابع: سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة. الوجه الخامس: هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا؟ الوجه السادس: أن نقول بموجب الآية فنقول: سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية، ثم نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سبباً لحصول المدح والثناء، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والثناء والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء. قيل: بأن ذلك النفي يوجب المدح. ومثاله أن قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي. فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات أبداً من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام: 14] يدل على كونه قائماً بنفسه غنياً في ذاته لأن الجماد أيضاً لا يأكل ولا يطعم. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلاْبْصَـٰرُ } يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء، وذلك هو الذي قلناه، فإنه يفيد كونه تعالى قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته. وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه. المسألة الثالثة: اعلم أن القاضي ذكر في «تفسيره» وجوهاً أخرى تدل على نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم الأصول، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ثم نذكر لأصحابنا وجوهاً دالة على صحة الرؤية. أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية أولها: أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية، إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة. قالوا إذا ثبت هذا فنقول: إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته. وهذان المعنيان حاصلان في هذا الوقت. فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت. وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية. والحجة الثانية: أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك، فوجب أن تمتنع رؤيته. والحجة الثالثة: قال القاضي: ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب. والحجة الرابعة: قال القاضي: إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضاً باطل، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد. وأيضاً فرؤيته أعظم اللذات، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبداً. فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة. فهذا مجموع ما ذكره في «كتاب التفسير». واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف. أما الوجه الأول: فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام. وأما الوجه الثاني: فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهياً لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء. وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهياً كان الاشتغال بذكر الدليل عبثاً فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة. وإن كان الثاني فنقول: قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم: الدليل على أن ما لا يكون مقابلاً ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته، أن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى. وأما الوجه الثالث: فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها، كان هذا رجوعاً إلى الطريقة الأولى، وقد سبق جوابها. وأما الوجه الرابع: فيقال لم لا يجوز أن يقال: إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال دون حال. أما قوله فهذا يقتضي أن يقال: إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة، وهو عود إلى الطريق الأول، وقد سبق جوابه، وقوله ثانياً: الرؤية أعظم اللذات، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا. فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب. المسألة الرابعة: في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن نعدها هنا عدا، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها. فالأول: أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى. والثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال: {أية : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } تفسير : [الأعراف: 143] واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف. الحجة الثالثة: التمسك بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } من الوجوه المذكورة. الحجة الرابعة: التمسك بقوله تعالى: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [يونس: 26] وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس. الحجة الخامسة: التمسك بقوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ }تفسير : [الكهف: 110] وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مراراً وأطواراً. الحجة السادسة: التمسك بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } تفسير : [الإنسان: 20] فإن إحدى القراآت في هذه الآية: {ملكاً } بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى. وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها. الحجة السابعة: التمسك بقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }تفسير : [المطففين: 15] وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل. الحجة الثامنة: التمسك بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 13، 14] وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم. الحجة التاسعة: أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية. فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } تفسير : [فصلت: 31]. الحجة العاشرة: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } تفسير : [الكهف: 107] دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلاً للمؤمنين، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالاً من ذلك النزل، وما ذاك إلا الرؤية. الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ }تفسير : [القيامة: 22، 23] وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب. وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: «حديث : سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» تفسير : واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }تفسير : [يونس: 26] فقال الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة المعراج، ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة، وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلاً في رؤية الله تعالى، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية. المسألة الخامسة: دل قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها. وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار. أو المراد منه المبصرين، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائياً لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات. وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائياً للمبصرين، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصراً للمبصرات رائياً للمرئيات. المسألة السادسة: قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائياً للمرئيات ومبصراً للمبصرات ومدركاً للمدركات، أمر عجيب وماهية شريفة، لا يحيط العقل بكنهها. ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها، فيكون المعنى من قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته، فكلت الأبصار عن إدراكه، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته، وكما أن شيئاً لا يحيط به، فعلمه محيط بالكل، وإدراكه متناول للكل، فهذا كيفية نظم هذه الآية. المسألة السابعة: قوله: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } اللطافة ضد الكثافة، والمراد منه الرقة، وذلك في حق الله ممتنع، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وهو من وجوه: الوجه الأول: المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى. الوجه الثاني: أنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة. والوجه الثالث: أنه لطيف بعباده، حيث يثني عليهم عند الطاعة، ويأمرهم بالتوبة عند المعصية، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة. الوجه الرابع: أنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم. وأما الخبير: فهو من الخبر وهو العلم، والمعنى أنه لطيف بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والإقدام على القبائح، وقال صاحب «الكشاف» {ٱللَّطِيفُ } معناه: أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار {ٱلْخَبِيرُ } بكل لطيف، فهو يدرك الأبصار، ولا يلطف شيء عن إدراكه، وهذا وجه حسن.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} بيّن سبحانه أنه منزه عن سِمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات، والرؤية ثابتة. فقال الزجاج: أي لا يبلغ كُنْه حقيقته؛ كما تقول: أدركت كذا وكذا؛ لأنه قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الأحاديث في الرؤية يوم القيامة. وقال ٱبن عباس: «لا تدركه الأبصار» في الدنيا، ويراه المؤمنون في الآخرة؛ لإخبار الله بها في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }. وقاله السُّدِّي. وهو أحسن ما قيل لدلالة التنزيل والأخبار الواردة برؤية الله في الجنة وسيأتي بيانه في «يونس». وقيل: «لا تدركه الأبصار» لا تحيط به وهو يحيط بها، عن ٱبن عباس أيضاً. وقيل: المعنى لا تدركه أبصار القلوب، أي لا تدركه العقول فتتوهمه؛ إذ {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. وقيل: المعنى لا تدركه الأبصار المخلوقة في الدنيا، لكنه يخلق لمن يريد كرامته بصراً وإدراكاً يراه به كمحمد عليه السلام؛ إذ رؤيته تعالى في الدنيا جائزةٌ عقلاً، إذ لو لم تكن جائزةً لكان سؤال موسى عليه السلام مستحيلاً، ومحالٌ أن يجهل نبيّ ما يجوز على الله وما لا يجوز، بل لم يسأل إلا جائزاً غير مستحيل. وٱختلف السلف في رؤية نبينا عليه السلام ربّه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة ثلاثٌ من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الْفِرْية. قلت: ما هنّ؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفِرية. قال: وكنت متكئاً فجلست فقلت: يا أمّ المؤمنين، أنْظِريني ولا تُعْجِلِيني، ألم يَقُلِ الله عز وجل: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ }تفسير : [التكوير: 32]. {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ }تفسير : ؟ [النجم: 13] فقالت: أنا أوّل هذه الأمة من سأل عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عِظم خلقِه ما بين السماء والأرض»تفسير : . فقالت: أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }تفسير : ؟ [الأنعام: 103] أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ـ إلى قوله ـ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}تفسير : ؟[الشورى: 51] قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الْفِرْيَةَ، والله تعالى يقول: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} تفسير : [المائدة: 67] قالت: ومن زَعم أنه يُخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الْفِرْية، والله تعالى يقول: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [النمل: 65]. وإلى ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من عدم الرؤية، وأنه إنما رأى جبريل: ابن مسعود، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه إنما رأى جبريل، وٱختلف عنهما. وقال بإنكار هذا وٱمتناع رؤيته جماعةٌ من المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين. وعن ٱبن عباس أنه رآه بعينيه؛ هذا هو المشهور عنه. وحجته قوله تعالى: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ }تفسير : [النجم: 11]. وقال عبد الله بن الحارث: ٱجتمع ٱبن عباس وأبَيّ بن كعب، فقال ٱبن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمداً رأى ربّه مرتين. ثم قال ٱبن عباس: أتعجبون أن الخَلّة تكون لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. قال: فكبّر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسّم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما السلام، فكلّم موسى ورآه محمد صلى الله عليه وسلم. وحكى عبد الرزّاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربّه. وحكاه أبو عمر الطَّلَمَنْكيّ عن عِكرمة، وحكاه بعض المتكلمين عن ٱبن مسعود، والأوّل عنه أشهر. وحكى ٱبن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربّه؟ فقال: نعم. وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ٱبن عباس: بعينه رآه رآهٰ حتى ٱنقطع نفسه، يعني نفس أحمد. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريّ وجماعة من أصحابه (أن محمداً صلى الله عليه وسلم) رأى الله ببصره وعيني رأسه. وقاله أنس وٱبن عباس وعكرمة والربيع والحسن. وكان الحسن يحلف بالله الذي لا إلٰه إلا هو لقد رأى محمد ربّه. وقال جماعة منهم أبو العالِية والقُرَظِيّ والربيع بن أنس: إنه إنما رأى ربّه بقلبه وفؤاده؛ وحكى عن ٱبن عباس أيضاً وعكرمة. وقال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل رآه بقلبه، وجَبُنَ عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. وعن مالك بن أنس قال: لم يُرَ في الدنيا؛ لأنه باق ولا يُرَى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورُزقوا أبصاراً باقية رأوا الباقي بالباقي. قال القاضي عِياض: وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة؛ فإذا قوّى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع في حقّه. وسيأتي شيء من هذا في حق موسى عليه السلام في «الأعراف» إن شاء الله. قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} أي لا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه. وإنما خصّ «الأبصار» لتجنيس الكلام. وقال الزجاج: وفي هذا الكلام دليل على أن الخلق لا يُدركون الأبصار؛ أي لا يعرفون كيفية حقيقةِ البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يُبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه. ثم قال: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} أي الرفيق بعباده؛ يقال: لَطَف فلان بفلان يَلْطُف، أي رفق به. واللطف في الفعل الرفْقُ فيه. واللُّطف من الله تعالى التوفيق والعِصمة. وألطفه بكذا، أي بَرّه به. والاسم اللَّطف بالتحريك. يقال: جاءتنا من فلان لَطَفة؛ أي هَدِيّة. والملاطفة المبارّة؛ عن الجوهري وٱبنِ فارس. قال أبو العالية: المعنى لطيف باستخراج الأشياء خبيرٌ بمكانها. وقال الجُنَيد: اللّطيف من نوّر قلبك بالهدى، ورَبَّى جسمك بالغذا، وجعل لك الولاية في البَلْوَى، ويحرسُك وأنت في لظى، ويدخلك جنة المَأْوى. وقيل غير هذا، مما معناه راجع إلى معنى الرفق وغيرهِ. وسيأتي ما للعلماء من الأقوال في ذلك في «الشُّوَرى» إن شاء الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلاْبْصَٰرُ } أي لا تراه، وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ }تفسير : [22:75، 23] وحديث الشيخين: (حديث : إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)تفسير : وقيل المراد: لا تحيط به {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلاْبْصَٰرَ } أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه أو يحيط به علما {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ } بأوليائه {ٱلْخَبِيرُ } بهم.

ابن عطية

تفسير : أجمع أهل السنة على أن الله تعالى يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون وقاله ابن وهب عن مالك بن أنس، والوجه أن يبين جواز ذلك عقلاً ثم يستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز، واختصار تبيين ذلك يعتبر بعلمنا بالله عز وجل، فمن حيث جاز أن نعلمه لا في مكان ولا متحيز ولا مقابل ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود، جاز أن نراه غير مقابل ولا محاذى ولا مكيفاً ولا محدوداً، وكان الإمام أبو عبد الله النحوي يقول: مسألة العلم حلقت لحى المعتزلة ثم ورد الشرع بذلك وهو قوله عز وجل: {أية : وجوه يؤمئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة:22] وتعدية النظر يأتي إنما هو في كلام العرب لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهبت إليه المعتزلة، وذكر هذا المذهب لمالك فقال: فأين هم عن قوله تعالى: {أية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} تفسير : [المطفّفين:15]. قال القاضي أبو محمد: فقال بدليل الخطاب ذكره النقاش ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما صح عنه وتواتر وكثر نقله: إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر ونحوه من الأحاديث على اختلاف ترتيب ألفاظها، وذهبت المعتزلة إلى المنع من جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة واستحال ذلك بآراء مجردة، وتمسكوا بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وانفصل أهل السنة عن تمسكهم بأن الآية مخصوصة في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتة بأخبارها، وانفصال آخر، وهو أن يفرق بين معنى الإدراك ومعنى الرؤية، ونقول إنه عز وجل تراه الأبصار ولا تدركه، وذلك الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته، وذلك كله محال في أوصاف الله عز وجل، والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله {وهو يدرك الأبصار} ويحسن معناه، ونحو هذا روي عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي، فرقوا بين الرؤية والإدراك، وأما الطبري رحمه الله ففرق بين الرؤية والإدراك واحتج بقول بني إسرائيل إنَّا لمدركون فقال إنهم رأوهم ولم يدركوهم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا كله خطأ لأن هذا الإدراك ليس بإدراك البصر بل هو مستعار منه أو باشتراك، وقال بعضهم إن المؤمنين يرون الله تعالى بحاسة سادسة تخلق يوم القيامة، وتبقى هذه الآية في منع الإدراك بالأبصار عامة سليمة، قال: وقال بعضهم: إن هذه الآية مخصوصة في الكافرين، أي إنه لا تدركه أبصارهم لأنهم محجوبون عنه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الأقوال كلها ضعيفة ودعاو لا تستند إلى قرآن ولا حديث، و {اللطيف} المتلطف في خلقه واختراعه وإتقانه، وبخلقه وعباده و {الخبير} المختبر لباطن أمورهم وظاهرها، و "البصائر" جمع بصيرة وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء المنظور فيها، بالاعتبار، فكأنه قال قد جاءكم في القرآن والآيات طرائق إبصار الحق والمعينة عليه، والبصيرة للقلب مستعارة من إبصار العين، والبصيرة أيضاً هي المعتقد المحصل في قول الشاعر [الأسعر الجعفي]: [الكامل] شعر : راحوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى اكْتَافِهِمْ وَبَصيِرَتي يَعْدُو بها عَتدٌ وَأَى تفسير : وقال بعض الناس في هذا البيت البصيرة طريقة الدم، والشاعر إنما يصف جماعة مشوا به في طلب دم ففتروا فجعلوا الأمر وراء ظهورهم، وقوله تعالى: {من أبصر ومن عمي} عبارة مستعارة فيمن اهتدى ومن ضل، وقوله {وما أنا عليكم بحفيظ} كان في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيظاً على العالم آخذاً لهم بالإسلام والسيف، وقوله تعالى: {وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست} الآية، الكاف في قوله {وكذلك} في موضع نصب بـ {نصرف} أي ومثل ما بينا البصائر وغير ذلك نصرف الآيات أي نرددها نوضحها وقرأت طائفة "ولْيقولوا درست" بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد. وقرأ الجمهور"ولِيقولوا" بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة كقوله {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص:8] إلى ذلك، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي "درست" أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيبنا به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "دارست" أي أنت يا محمد دارست غيرك في هذه الأشياء أي قارأته وناظرته، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة "درستْ " بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وامحت، قال أبو علي واللام في {ليقولوا} على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة، وقرأت فرقة "دارست" كأنهم أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود وغيرهم، وقرأت فرقة "درُست" بضم الراء وكأنها في معى درست أي بليت، وقرأ قتادة "دُرِست" بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن الحسن، قال أبو الفتح في "درست" ضمير الآيات، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت، وقرأ أبي بن كعب "درس" وهي في مصحف عبد الله، قال المهدوي وفي بعض مصاحف عبد الله أيضاً "درس"، ورويت عن الحسن، وقرأت فرقة "درّس" بتشديد الراء على المبالغة في درس، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف، واللام في قوله و {ليقولوا} وفي قوله {ولنبينه} متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود "ولتبينه" بالتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأه فرقة "وليبينه" بياء أي الله تعالى, وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله {وليقولوا} فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا كما أضمروها في قوله {أية : يبين الله لكم أن تضلوا} تفسير : [النساء:176]. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لا تحيط به، أو لا تراه، أو لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة، أو لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة وتدركه أبصار المؤمنين، أو لا تدركه بهذه الأبصار بل لا بدّ من خلق حاسّة سادسة لأوليائه يدركونه بها.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال جمهور المفسرين معنى: الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به. وقال سعيد بن المسيب في تفسيره: قوله لا تدركه الأبصار، لا تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به. (فصل) تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع ووهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلاً، لأن الله أخبر أن الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلاً واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال الله تبارك وتعالى:{أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}تفسير : [القيامة: 22-23] ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وقال تعالى:{أية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}تفسير : [المطففين: 15] قال الشافعي رحمه الله: حجب قوماً بالمعصية وهي الكفر فثبت أن قوماً يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى:{أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] وفسروا هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى يوم القيامة. وأما دلائل السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال "حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}"تفسير : أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة:"حديث : أن ناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضامون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ترونه"تفسير : كذلك أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي وليس عنده في أوله أن أناساً سألوا ولا في آخره ليس دونها سحاب. عن أبي رزين العقيلي قال:"حديث : قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة؟ قال: نعم قلت وما آية ذلك من خلقه؟ قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال: "فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله أجل وأعظم" تفسير : أخرجه أبو داود وأما الدلائل العقلية، فقد احتج أهل السنة أيضاً بهذه الآية على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وتقريره، أنه تعالى تمدح بقوله لا تدركه الأبصار فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل هذا التمدح لأن المعدوم لا يصح التمدح به فثبت أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد المدح، وهذا يدل على أنه تعالى جائز الرؤية وتحقيق هذا أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية. ثم إنه قدر على حجب الأبصار عنه كانت القدرة دالة على المدح والعظمة فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، لأن موسى صلى الله عليه وسلم سأل الرؤية بقوله: أرني أنظر إليك وذلك يدل على جواز الرؤية، إذ لا يسأل نبي مثل موسى ما لا يجوز ويمتنع وقد علق الله الرؤية على استقرار الجبل بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني. استقرار الجبل جائز. والمعلق على الجائز جائز. وأما الجواب عن تمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية في نفي الرؤية، فاعلم أن الإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، والرؤية: المعاينة للشيء من غير إحاطة. وقد تكون الرؤية بغير إدراك كما قال تعالى في قصة موسى: قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم ولكن قاربوا إدراكهم إياه فنفى موسى الإدراك مع إثبات الرؤية بقوله كلا والله تعالى يجوز أن يرى في الآخرة من غير إدراك ولا إحاطة لأن الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وهو ما كان محدوداً وله جهات والله تعالى منزه عن الحد والجهة لأنه القديم الذي لا نهاية لوجوده فعلى هذا أنه تعالى يرى ولا يدرك وقال قوم: إن الآية مخصوصة بالدنيا. قال ابن عباس في معنى الآية: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة وعلى هذا القول فلا فرق بين الإدراك والرؤية قالوا ويدل على هذا التخصيص قوله:{أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}تفسير : [القيامه: 22-23] فقوله:{أية : يومئذ ناضرة}تفسير : [القيامه: 22] مقيد بيوم القيامة على هذا يمكن الجمع بين الآيتين وقال السدي: البصر بصران: بصر معاينة وبصر علم فمعنى قوله {لا تدركه الأبصار} لا يدركه علم العلماء ونظيره ولا يحيطون به علماً هذا وجه حسن أيضاً والله أعلم. وقوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار} يعني أنه تعالى يرى جميع المرئيات ويبصر جميع المبصرات لا يخفى عليه شيء منها ويعلم حقيقتها ومطلع على ماهيتها فهو تعالى لا تدركه أبصار المبصرين وهو يدركها {وهو اللطيف الخبير} قال ابن عباس: بأوليائه الخبير بهم. وقال الزهري: معنى اللطيف الرفيق بعباده. وقيل هو الموصل الشيء إليك برفق ولين. وقيل هو الذي ينسى عباده ذنوبهم لئلا يخجلوا وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء. وقال أبو سليمان الخطابي: اللطيف هو اللين بعباده يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويوصل إليهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقال الأزهري: اللطيف في أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده. وقيل: هو اللطيف حيث لم يأمر عباده بفوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم. وقيل: هو اللطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة ولم يقطع عنهم بره وإحسانه عند المعصية. وقيل: هو الذي لطف عن أن تدركه الأبصار وهو يدركها. قوله تعالى: {قد جاءكم بصائر من ربكم} البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به. والمعنى: قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والحجج التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل. وقيل: إن الآيات والبراهين ليست في أنفسها بصائر إلا أنها لقوّتها توجب البصائر لمن عرفها ووقف على حقائقها فلما كانت هذه الآيات والحجج والبراهين أسباباً لحصول البصائر سميت بصائر {فمن أبصر} يعني فمن عرف الآيات واهتدى بها إلى الحق {فلنفسه} يعني فلنفسه أبصر ولها عمل لأنه يعود نفع ذلك عليه {ومن عمي} يعني ومن جهل ولم يعرف الآيات ولم يستدل بها إلى الطريق {فعليها} يعني فعلى نفسه عمى ولها ضر وكان وبال ذلك العمى عليه لأن الله تعالى غني عن خلقه {وما أنا عليكم بحفيظ} يعني وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم إنما أنا رسول من ربكم إليكم أبلغكم ما أرسلت به إليكم والله هو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. وقيل معناه لا أقدر أن أدفع عنكم ما يريده الله بكم وقيل معناه لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ الوكيل وهذا كان قبل الأمر بقتال المشركين فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآيات السيف وعلى القول الأول ليست منسوخة والله أعلم. قوله عز وجل: {وكذلك نصرف الآيات} يعني وكذلك نبين الآيات ونفصلها في كل وجه كما صرفناها وبيناها من قبل {وليقولوا درست} يعني وكذلك نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا درست. وقيل: معناه لئلا يقولوا درست وقيل اللام فيه لام العاقبة ومعناه عاقبة أمرهم أن يقولوا درست يعني قرأت على غيرك. يقال: درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته وذللـه للحفظ. قال ابن عباس: وليقولوا، يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست يعني تعلمت من يسار وجبر وكانا عبدين من سبي الروم ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله وقال الفراء: معناه تعلمت من اليهود وقرئ دارست بالألف بمعنى قارأت أهل الكتاب من المدارسة التي هي بين اثنين يعني يقولون قرأت على أهل الكتاب وقرؤوا عليك وقرئ درست بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء ومعناه أن هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة فدرست وانمحت من قولهم فرس الأثر إذا محي وذهب أثره {ولنبينه لقوم يعلمون} يعني القرآن وقيل: معناه نصرف الآيات لقوم يعلمون. قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل: معنى الآية وكذلك نصرف الآيات ليسعد بها قوم ويشفى بها آخرون فمن أعرض عنها وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : درست أو درست فهو شقي ومن تبين له الحق وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد"تفسير : وقال أبو إسحاق: إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا درست هو تلاوة الآيات عليهم وهذه اللام تسميها أهل اللغة لام الصيرورة يعني صار عاقبة أمرهم أن قالوا دارست فصار ذلك سبباً لشقاوتهم وفي هذا دليل على أن الله تعالى جعل تصريف الآيات سبباً لضلالة قوم وشقاوتهم وسعادة قوم وهدايتهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ}، أجمع أهلُ السنَّة علَىٰ أن اللَّه عزَّ وجلَّ يُرَىٰ يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، وٱختصارُ تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه ـــ عز وجل ـــ؛ فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه؛ لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه؛ غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك؛ كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة:22، 23]، وتعدية النَّظَر بـ «إلَىٰ» إنما هو في كلام العربِ؛ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار؛ علَىٰ ما ذهب إليه المعتزلة؛ ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: «حديث : إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»تفسير : ، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى ٱختلافِ ألفاظها، وٱستمْحَلَ المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالَىٰ: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم؛ بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها؛ وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤْيةِ، ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه؛ وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلَىٰ هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ}، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ؛ أنهم فَرَقُوا بين الرؤية والإدراك، و {ٱللَّطِيفُ}: المتلطِّف في خلقه وٱختراعه، والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المُعْتَقَدُ. وقوله سبحانه: {فَمَنْ أَبْصَرَ}، و {مَنْ عَمِيَ}: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن ٱهتدَىٰ، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} ـــ كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلى الله عليه وسلم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام؛ أو السيفِ. وقوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلأَيَـٰتِ} أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور: «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» ـــ بكسر اللام ـــ؛ علَىٰ أنها لامُ كَيْ، وهي علَىٰ هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «دَرَسْتَ»، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دَارَسْتَ»، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «دَرَسَتْ» ـــ بإسناد الفعل إلى الآيات ـــ؛ كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم؛ حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وٱمَّحَتْ، واللام في قوله: {لِّيَقُولواْ}، وفي قوله: {وَلِنُبَيِّنَهُ}: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: «صَرَّفْنَاهَا»، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ «لا»: مضمرةٌ بعد «أَنِ» المقدَّرةِ في قوله: {وَلِيَقُولُواْ}، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ؛ كما أضمروها في قوله: {أية : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} تفسير : [النساء:176]. قال * ع *: وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار «لا» في موضعٍ من المواضعِ. قلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنَىٰ؛ إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دَارَسَ أحداً صلى الله عليه وسلم، فتأمَّله. وقوله سبحانه: {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ...} الآية: هذه الآيةُ فيها موادَعَةٌ، وهي منسوخةٌ.

ابن عادل

تفسير : قال سعيد بن المُسَيَّبِ: لا تحيط به الأبصارُ. وقال عطاء: كَلَّتْ أبْصَارُ المخلوقين عن الإحَاطَةِ به. وقال ابن عبَّاسٍ: لا تدركه الأبْصَارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة. قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} أي: لا يخفى عليه شيءٌ ولا يفوته {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}. قال ابن عباس: اللَّطيفُ بأوليائه، الخَبِيرُ بهم. وقال الأزهري: اللَّطِيفُ الرفيق بعباده. وقيل: اللطيف الذي يُنْسِي العِبادَ ذنوبهم لئلاَّ يَِخْجَلُوا، واللَّطَافَةُ ضِد‍ُّ الكَثَافَةِ، والمراد منه الرقة، وذلك في حَقِّ الله تعالى ممتنع، فوجب المصير إلى التأويل، وهو من وجوه: أحدها: لطف صنعه في تركيب أبْدانِ الحيوانات من الأجزاء الدقيقة، والمنَافِذِ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا اللَّه تبارك وتعالى. وثانيها: لَطِيفٌ بعباده حيث يثني عليهم عند الطَّاعةِ، ويأمرهم [بالتَّوبْةِ عند] المعصية، ولا يقطعُ عنهم موادَّ رحمته، سواء كانوا مطيعين أو عُصَاةً. وثالثها: لَطِيفٌ بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم، وينعم عليهم بما هو فوقَ اسْتِحْقَاقهمْ. وأما الخبير فهو من الخبرِ، وهو العلم، والمعنى: أنه لَطِيفٌ بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارْتِكَابِ المعاصي والقبائح. وقال الزمخشري: اللَّطِيفُ معناه: أنه يلطف عن أن تُدْرِكهُ الأبصار الخبير بكل لطيف، فهو يُدْرِكُ الأبصار ولا يلطف شيء عن إدراكه. فصل فيما تدل عليه الآية احتج أهل السُّنَّةِ بهذه الآية على أنه - تبارك وتعالى - لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ، وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا اسْتِدْلاَلَهُمْ على نَفْي الرؤية، فنقول: لو لم يكن تعالى جَائِزَ الرّ‍ُؤيَةَ لما حَصَلَ التَّمَدُّحُ بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ}؛ ألا ترى أن المعدوم لا تَصِحُّ رؤيته، والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا يَصِحُّ رؤيتها، فثبت أن قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المَدْحَ لو كان صَحِيحَ الرُّؤيَةِ، وهذا يَدُلُّ على أن قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يفيد كونه - تعالى - جَائِزَ الرُّؤيَةِ، وتحقيقه أن الشيء إذا كان في نَفْسِهِ بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يَلْزمُ من عدم رؤيته مَدْحٌ وتَعْظيمٌ لذلك الشيء، أما إذا كان في نفسه جَائِزَ الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رُؤيَتِهِ، وعن إدراكه كانت هذه القُدْرَةُ دَالَّةً على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالَّةٌ على أنه - تعالى - يجوز رُؤيَتُهُ بحسب ذاته، وإذا ثبت هذا وجب القَطْعُ بأن المؤمنين يرونه [يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان قائل قال بجواز الرؤية، مع أن المؤمنين يرونه، وقال قال: لا يرونه، ولا تجوز] رؤيته. فأما القول بأنه - تعالى - تجوز رؤيته، مع أنه لا يَرَاه أحَدٌ من المؤمنين، فهذا قول لم يقل به أحَدٌ من الأمَّةِ، فكان بَاطِلا. الثاني: أن نقول: المراد بـ "الأبصار" في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} ليس هو نفس الإبصار، فإن البَصَر لا يدرك شيئاً ألبته في مَوْضع من المواضع، بل المدرك هو المبصر، فوجب القَطْعُ بأن المُرَادَ من قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} هو إدراك المبصرين، ومعتزلة البَصرةٍ يوافقون بناء على أنه - تعالى - يبصر الأشياء، فكان تعالى من جملة المبصرين، فقوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} يقتضي كونه تعالى مُبصراً لنفسه ومن قال: إن المؤمنين يرونه يوم القِيامَةِ، فدلَّتِ الآية الكريمة على أنه جَائِزُ الرؤية، وعلى أنَّ المؤمنين يرونه يوم القِيامَةِ، وإذا اخْتَصَرْنَا هذا الاستدلال قلنا قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} المراد منه إنما نفس البصر، أو المبصر على التقديرين يلزم كونه - تعالى - مبصراً لإبصار نفسه، أو كونه مبصراً لذات نَفْسِهِ، وإذا ثبت هذا وجب أن يراه [المؤمنون] يوم القيامة ضَرُورَةَ أنه لا قَائِلَ بالفَرْقِ. الثالث: أن لَفْظِ "الأبصار" صيغة جَمْعٍ دَخَلَ عليها الألف واللام، فهي تفيد الاسْتِغْراقِ في قوله: {تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ}. [فإذا كان كذلك كان قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يفيد أنه لا تراه جَميعُ الأبْصارِ، فهذا يفيد سَلْبَ العُمُوم، ولا يفيد عموم السَّلب، وإذا عُرِفَ هذا فَنَقُول: تخصيص هذا السَّلْبِ بالمجموع يَدُلُّ على ثبوت الحكم في بعض أفْرَادِ المجموع؛ ألا تَرَى أن الرَّجُلَ إذا قال: إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ، وإذا قيل: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، فكذلك قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} معناه أنه: لا تدركه كل الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصَارِ أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسُّك بدليل الخطاب، فنقول: هَب أنه كذلك إلاَّ إنه دليلٌ صحيح؛ لأن بتقدير ألاَّ يحصل الإدْرَاكُ لأحَدٍ ألْبَتَّةَ كان تخصيص هذا السَّلْبِ بالمجموع من حَيْثُ هو مجموع عبثاً، وَصَوْنُ كلام الله - تعالى عن العَبَثِ واجِبٌ. الرابع: نقل أن ضرار بْنَ عَمْرو الكُوفِيَّ كان يقول: إن الله - تعالى - لا يُرَى بالعين، وإنما يرى بِحَاسَّةٍ سَادِسَةٍ يخلقها يوم القيامة واحتج بهذه الآية الكريمة، فقال: دلَّتْ [هذه] الآية الكريمةُ على تخصيص نَفْي إدْرَاكِ الله - تبارك وتعالى - بالبَصَرِ، وتخصيص الحكم بالشيء يَدُلُّ على أن الحال في غيره بخلافه، فوجَبَ أن يكون إدْراكُ الله - تبارك وتعالى - بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواسِّ الموجودة الآن لا تَصْلُحُ لذلك وجب أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة حَاسَّةً سادسَةً بها تحصل رُؤيَةُ الله - تعالى - وإدراكه. واسْتَدَلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة على نَفْيِ الرُّؤيَةِ من وجهين: الأول: قالوا: الإدْرَاكُ بالبَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ بدليل لو قال قائل: أدركته ببصري، وما رأيته، أو قال: رأيته، وما أدْرَكتُهُ ببصري، فإنَّ كلامه يكوم متناقضاً، فثبت أن الإدْراكَ بالبَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يقتضي أنه لا يَرَاهُ شيء من الأبْصَارِ في شيء من الأحْوالِ، ويدل على صِحَّةِ هذا العموم وجهان: الأول: أنه يصح اسْتِثْنَاءُ جميع الأشخاص، وجميع الأحوال عنه، فيقال: لا تدركه الأبصار إلاَّ بصر فلان وإلاَّ في الحالة الفُلانيَّةِ، والاستثناء يُخْرجُ من الكلام مَا لولاهُ لدخل، فثبت أن عُمُومَ هذه الآية الكريمة يُفِيدُ عموم النفي عن كُلِّ الأشخاص، وفي جميع الأحوال، وذلك يَدُلُّ على أن أحَداً لا يرى الله - تعالى - في حالٍ من الأحوال. الثاني: أن عائشة - رضي الله عنها - لما أنكرت قَوْلَ ابْنِ عبَّاسِ - رضي الله عنه - في أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربَّهُ لَيْلَة المِعْراج تَمَسَّكَتْ بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآيةُ تفيد العُمُومَ بالنسبة إلى كُلِّ الأشخاص، وكُل الأحوال لما تَمَّ ذلك الاسْتِدلالُ، وكانت من أعظم الناس بِلُغَةِ العربِ. الوجهُ الثاني: أن قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَار} مَدْحٌ وثناء، فوجب أن يكون قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} مَدْحاً وثناءً، وإلاّ لزم أن يقال: إن ما ليس بِمَدْحٍ وثناء وَقَعَ في خلال ما هو مَدْحٌ وثناء، وذلك يوجب الرَّكَاكَة وهي غير لائِقَةٍ بكلام الله - تبارك وتعالى - وإذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عَدَمُهُ مَدْحاً، ولم يكن من باب الفِعْلِ كان ثُبُوتُهُ نَقْصاً في حقِّ الله - تبارك وتعالى - والنُّقْصانُ على الله مُحَالٌ، واعلم أن القَوْمَ إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من بابِ الفعل؛ لأنه تعالى تَمَدَّحَ بِنَفْي الظُّلم عن نفسه في قوله: {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران:108] {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت:46] مع أنه تبارك وتعالى قَادِراً على الظُّلم عندهم، وذكروا هذا القيد دَفْعاً لهذا النَّقْضِ عن كلامهم فهذا [غاية] تقرير كلامهم في هذا الباب. والجوابُ عن الأوَّل من وجوه. أحدها: لا نُسَلِّمُ أن إدْرَاكَ البَصَرِ عبارة عن الرُّؤيَةِ، لأن لَفْظِ الإدْراكِ في اصل اللغة عبارة عن اللُّحُوقِ والوُصُول؛ قال تعالى: {أية : قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُون} تفسير : [الشعراء:61] أي لمُلْحَقُونَ، وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} تفسير : [يونس:90] أي: لحقه، ويقال: أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغُلامُ الحلْمَ، أي: بلغ، وأدركت الثمرة، أي: نَضَجَتْ، فثبت أن الإدْراكَ هو الوُصُولُ إلى الشيء، وإذا عُرِفَ هذا فنقول المرئِيُّ إذا كان له حَدُّ ونهايةٌ، وأدْرَكَهُ البَصَرُ بجميع حُدُودهِ وجَوانبهِ ونهايته صَارَ ذلك الإبْصَارُ كأنه أحَاطَ به فَتُسَمَّى هذه الرُّويةُ إدْرَاكاً. أما إذا لم يُحِطِ البَصَرُ بجوانب المرئيِّ لم تُسَمَّ تلك الرؤية [إدراكاً، فالحاصل أن الرؤية] جنس تحته نوعان: رؤية مع الإحاطة [ورؤية لا مع الإحاطة، والرؤية مع الإحاطة] هي التي تسمى إدراكاً، فنفي الإدراك يفيد نفي الجِنْسِ, فلم يلزم من نَفْي الإدْرَاكِ على الله - تعالى - نَفْيُ الرؤية عن الله، وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ في الاعْتِرَاضَ على كلامهم، فإن قالوا: إنْ قلتم: إنَّ الإدْراك يُغَايِرُ الرؤية، فقد أفْسَدْتُمْ على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تَمَسَّكْتُمْ بها في هذا الآية الكريمة على إثبات الرؤية. قلنا: هذا يفيد أنه إدْرَاكٌ أخَصُّ من الرُّؤيَةِ، وإثبات الأخَصِّ يوجب إثبات الأعَمِّ، أما نَفْيُ الأخَصِّ فلا يوجب نَفْيَ الأعَمِّ، فثبت أن البَيَانَ الذي ذَكَرْنَاهُ يبطل كلامهم، ولا يبطل كلامنا. وثانيها: أن نقول: هَبْ أن الإدْراكَ يفيد عموم النَّفْي عن كل الأشخَاصِ في كُلِّ الأحوال، فلا نُسَلِّمُ أنه يفيد نَفْي العموم، إلاَّ أن نَفْيَ العموم غير، وعموم النفي غير, وقد دَلَّلْنَا على أن هَذَا اللَّفْظِ لا يفيد إلا نفي العموم، وبَيَّنَّا أن نَفْيَ العموم يوجب ثبوت الخُصُوصِ. وأما قولهم: إن عَائِشَةَ تَمَسَّكَتْ بهذه الآية في نَفْي الرؤية، فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تُكْتَسَبُ من علماء اللغة، فأمَّا كيفية الاسْتِدْلالِ بالدليل، فلا يُرْجَعُ فيه إلى التَّقْلِيدِ، وبالجملة فالدليل العَقْلِيُّ دَلَّ على أن قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يفيد نفي العموم وثبت بصريح العَقْلِ أن نَفْيَ لعموم مُغَايِرٌ لعموم النَّفْيِ، ومقصودهم إنما يَتِمُّ لو دلَّتِ الآية الكريمة على عُمُومِ النفي، فَسَقَطَ كلامُهُمْ. وثالثها: أن نقول: صيغة الجَمْعِ كما تُحْملُ [على الاستغراق فقد تُحْمَلُ] على المعهود السَّابق أيضاً، وإذا كان كذلك، فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} وهي الأحْدَاقُ وما دامتْ تبقى على هذه الصفات التي هي مَوْصُوفَةٌ به في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله تعالى إذا تَبَد‍َّلَتْ صِفَاتُهَا، وتغيَّرتْ أحوالها، فَلِمَ قلتم، إن حصول هذه التغيرات لا تدرك الله تعالى. ورابعها: سَلَّمْنَا أن الأبْصَارَ لا تُدْرِكُ الله - تبارك وتعالى - فَلِمَ لا يجوز حصول إدراك الله تبارك وتعالى بِحَاسَّةٍ سَادسةٍ مُغَايِرَةٍ لهذه الحواسِّ، كما قال ضرار بن عمرو به، وعلى ها التقدير فلا يبقى بالتمسُّكِ بهذه الآية الكريمة فَائدةٌ. وخامسها: هَبْ أن هذه الآية عامَّةٌ، إلاَّ أنَّ الآيات الدَّالَّة على إثبات رؤة الله تعالى خَاصَّةٌ والخَاصُّ مُقدَّمٌ على العام، وحينئذ ينتقل الكلام إلى أنَّ بيان أن تلك الآيات هل تَدُلُّ على حصول رؤية الله تعالى أم لا؟ وسادسها: أن نقول بموجب الآية الكريمة، فنقول: سلمنا أن الأبْصَارَ لا تدرك الله - تعالى - فمل قلتم: إن المُبْصِرينَ لا يُدْرِكُونَ الله تعالى. وأما الوجه الثاني فقد بَيَّنَّا أنه يمتنع حصول التَّمَدُّحِ بِنَفْي الرؤية لو كان تعالى في ذَاتِهِ بحيث تَمْتَنْعُ رؤيته، ثم إنه تبارك وتعالى يَحْجُبُ الإبصار عن رُؤيَتِهِ فَسَقَطَ كلامهم بالكلية، ثم نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سَبَباً لحصول المَدْحِ والثناء، لأن النَّفْيَ المَحْضَ, والعدم الصرف لا يكون سَبَباً مُوجِباً إلى المدح والثناء, والعلم به ضروري، بل إذا كان النَّفْيُ دليلاً على حصول صِفَةٍ ثابتة من صفات المَدْحِ والثناء، فإن ذلك النَّفْيَ يوجب المَدْحَ. مثال: أن قوله تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة: 255] أن هذا النفي في حقِّ الباري - تعالى - يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات أبداً من غير تَبَدُّلِ ولا زوالٍ، وكذا قوله: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} تفسير : [الأنعام:14] يَدُلُّ على كونه قائماً بنفسه غَنِيَّاً في ذَاتِهِ؛ لأن الجماد أيضاً لا يأكل ولا يطعم، وإذا ثبت هذا فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يمتنع أن يُفِيدَ المَدْحَ والثناء، إلا إذا دَلَّ على معنى مَوْجُودٍ يفيد المَدْحَ والثناء، وذلك هو الذي قلنا: إنه - تبارك وتعالى - قادرٌ على حَجْبِ الأبْصَارِ، ومنعها عن إدراكه ورؤيته، فانْقَلَبَ الكلامُ على المعتزلة، وسَقَطَ الاستلال. واعلم أن القاضي ذَكَرَ وُجُوهاً أخر تَدُلُّ على نَفْيِ الرؤية، وهي خَارِجةٌ عن التَّمْسُّكِ بهذه الآية الكريمة. فأولها: أن الحَاسَّة إذا كانت سَلِيمَةً، وكان المرئي حَاضِراً، وكانت الشرائط المعتبرة حَاصِلَةً، وهو ألاَّ يحصل القُرْبُ القريب، ولا البعد البعيد، ولا يحصل الحِجَابُ، ويكون المرئي مقابلاً، أو في حكم المقابل، فإنه يجب حُصُولُ الرؤية؛ إذ لو جاز مع حُصُولِ هذه الأمور ألا تحصل الرؤية جَازَ أن يكون بِحَضْرَتَنَا بُوقَاتٌ وطبلاتٌ ولا نسمعها ولا نراها، وذلك يوجب السَّفْسَطَة وإذا ثبت هذا فنقول: إن انْتِفَاءِ القُرْبِ القريب، والبعد البعيد، والحِجَاب، وحُصول المُقابلةِ في حق الله - تعالى - ممتنع، فلو صَحَّتْ رؤيته لوَجَبَ أن يكون المقتضي لِحُصُولِ تلك الرؤية هو سَلامَةُ الحَاسَّةِ، وكون المرئي بحيث تَصِحُّ رؤيته. وثانيها: أنَّ كل ما كان مرئياً كان مُقَابِلاً، أو في حكم المُقابلِ، والله - تعالى - ليس كذلك، فَوَجَبَ أن تمتنع رُؤيَتُهُ. وثالثها: قال القاضي: ويقال لهم كيف يراهُ أهلُ الجنة دون أهْلِ النار، فإما أن يقرب منهم أو يقابلهم، فيكون حاله معهم دُونَ أهْلِ النار، وهذا يوجب أن جِسْمٌ يجوز عليه القرب والبعد والحِجَابُ. ورابعها: قال: أهْلُ الجَنَّة دون أهل النار يَرَونَهُ في كل حال عند الجِمَاعِ وغيره، وهو بَاطِلٌ، ويرونه في حالٍ دون حالٍ، وهو أيضاً باطل؛ لأن ذلك يوجب أنه - تبارك وتعالى - مرَّةً يقرب، وأخرى يَبْعد، وأيضاً فَرُؤيَتُهُ أعْظَمْ اللَّذَّاتِ, وإذا كان كذلك وَجَبَ أن يكون مُشْتهين لتك الرُّؤيَةِ أبداً, فإذا لم يَرَوْهُ في بَعْضِ الأوقات وقعُوا في الغَمِّ والحُزْنِ، وذلك لا يليق بصفات أهل الجَنَّةِ، وهذه الوجوه في غاية الضَّعْفِ. أمَّا الأول: فيقال: هَبْ أن الأجْسامَ والأعراضَ عند سلامة الحاسَّةِ، وحضور المرئي، وحصل سائر الشَّرائط واجبة فلم قلتم: إنه يلزم منه وُجُوبُ حصول الرؤية إذا كان المرئي بحيث تَصِحُّ رؤيته ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ ذَاتَهُ تعالى مُخَالِفَةٌ لسائر الذوات، ولا يلزم من ثُبُوتِ حكمه في شيء ثُبُوتُ مثل ذلك الحكم فيما يُخَالِفُهُ. وأما الثاني: يقال النزاع وقع في أن الموجود الذي لا يكون مُخْتَصاً بمكان وجهَةٍ هل تجوز رؤيته أم لا؟ فإما أن تدّعوا أن العلم بامْتِنَاع رُؤيَةِ هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة عِلْمٌ بديهي، أو تقولوا: علم اسْتدلالِيُّ، والأوَّلَ باطل؛ لأنه لو كان العلم به بَدِيهياً لما وقع الخِلافُ فيه بين العقلاء، وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العِلْمُ بَدِيهياً كان الاشْتِغَالُ بِذِكْرِ الدليل عَبَثاً فاتركوا الدليل، واكتفوا بِذِكْرِ هذه البديهية. وإن كان الثاني: فنقول قولكم المَرْئِيُّ يجب أن يكون مُقَابلاً، و في حكم المقابل، فلا فَائِدة في هذا الكلام إلا إعادة الدَّعْوَى. وأما الثالث: فيقال له: لم لا يجوز أن يقال: إنَّ أهل الجنَّةِ يرونه، وأهل النار لا يرونه؟ لا لأجل القرب والبعد، بل لأنَّهُ - تعالى - يخلق الرؤية في عُيُون أهل الجنَّة، ولا يَخْلُقُهَا في عُيُونِ أهل النار، فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تَجْويزَهُ يُفْضِي إلى تَجْويز أن يكون بِحَضْرتِنَا بُوقَاتٌ وطَبْلاتٌ لا نراها ولا نسمعها، كان هذا رُجُوعاً إلى الطريقة الأولى، وقد سبق جوابها. وأما الرابع: فيقال: لم لا يجوز أن يُقَال: إنَّ المؤمنين بدون الله - تبارك وتعالى - في حالٍ دون حال [وقوله: فإنه يقتضي أن يقرب منه مرة ويبعد أخرى، فنقول: هذا عَوْدٌ إلى أن الإبْصَار لا يَحْصُلُ إلاَّ عند الشَّرائِطِ المذكورة وقد سَبَقَ جوابُهُ، وقوله: الرؤية أعْظَمُ اللَّذَّاتِ، فيقال له: إنَّها وإن كانت كذلك، إلاَّ أنه لا يبعد أن يقال: يشتهونها في حالٍ دون حالٍ بدليل أن سَائِرَ لذَّاتِ الجنَّة, ومنافعها لَذِيذَةٌ طيبة، ثم إنها تَحِصُلُ في حالٍ دون حالٍ] فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها. وأما الدَّلالةُ الدَّالَّةُ على أن المؤمنين يَرَوْنَ الله تعالى { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة:22، 23]. وقال مقاتل: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين:15] قال مالك: لو لم يَرَ المُؤمِنُونَ ربَّهُمْ يوم القيامة لم يُعِدَّ الله للكفار الحِجَابَ، وقال: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} تفسير : [الإنسان:20] بفتح الميم وكسر اللام على إحْدَى القراءات، ولما طلب موسى عليه الصلاة والسلام من الله تعالى الرؤية دَلَّ ذلك على جوازِ رُؤيَةِ الله تعالى. وأيضاً علَّق الرؤية على اسْتِقرَارِ الجبل حيث قال: {أية : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} تفسير : [الأعراف:143] واستقرار الجَبَلِ جائز، والمُعَلَّفُ على الجائز جائز. الوجوه الأربعة المُتقدِّمَةُ في أوَّلِ الآية الكريمة سيأتي الكلام عليها وعلى هذه الآيات، وما يشبهها في الدِّلالةِ في مواضعها إن شاء اللَّهُ تعالى. وأمَّا الأخبار فكثيرة منها قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : سَتروْنَ ربَّكُمْ كَمَا تَروْنَ القمَرَ ليْلَةً البَدْرِ" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ ربَّكُمْ عياناً" تفسير : وقرأ عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس:26] قال: "الحُسْنَى" هِيَ الجَنَّةُ و "الزِّيَادةُ هِيَ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللِّهِ. واختلف الصحابة في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رَأى رَبَّهُ ليلة المعراج؟ ولم يُكَفِّرْ بعضهم بعضاً بهذا السَّبب، ولا نَسَبَهُ إلى البِدْعَةِ والضلالة، وهذا يَدُلُّ على أنهم كانوا مجتمعين على أنه لا امْتِنَاعَ عَقْلاً في رُؤيتِهِ تعالى، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصَحْبِهِ وسلَّمَ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {لا تدركه الأبصار} قال "حديث : لو أن الإِنس والجن والشياطين والملائكة منذ خُلِقُوا إلى أن فُنُوا صُفُّوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله أبداً. قال الذهبي: هذا حديث منكر " . تفسير : وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه واللالكائي في السنة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه. قال عكرمة: فقلت له: أليس الله يقول {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا أم لك.! ذلك نوره وإذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. وفي لفظ: إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {لا تدركه الأبصار} قال: لا يحيط بصر أحد بالله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس قال " إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه. فقال له رجل عند ذلك: أليس قال الله {لا تدركه الأبصار} فقال له عكرمة: ألست ترى السماء؟ قال: بلى قال: فكلها تُرَى" . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {لا تدركه الأبصار} قال: هو أجلُّ من ذلك وأعظم أن تدركه الأبصار . وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في كتاب الرؤية عن الحسن في قوله {لا تدركه الأبصار} قال: في الدنيا. وقال الحسن: يراه أهل الجنة في الجنة، يقول الله {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22] قال: ينظرون إلى وجه الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} يقول: لا يراه شيء وهو يرى الخلائق . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إسمعيل بن علية في قوله {لا تدركه الأبصار} قال: هذا في الدنيا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ واللالكائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت أبا الحصين يحيى بن الحصين قارىء أهل مكة يقول {لا تدركه الأبصار} قال: أبصار العقول. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {لا تدركه الأبصار} قال:حديث : قالت امرأة: استشفع لي يا رسول الله على ربك قال "هل تدرين على من تستشفعين؟ إنه ملأ كرسيه السموات والأرض ثم جلس عليه، فما يفضل منه من كل أربع أصابع، ثم قال: إن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، فذلك قوله {لا تدركه الأبصار} ينقطع به بصره قبل أن تبلغ أرجاء السماء زعموا أن أول من يعلم بقيام الساعة الجن، تذهب فإذا ارجاؤها قد سقطت لا تجد منفذاً تذهب في المشرق والمغرب واليمن والشام" .

ابو السعود

تفسير : {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} البصرُ حاسةُ النظرِ، وقد تطلق على العين من حيث أنها محلُّها، وإدراكُ الشيءِ عبارةٌ عن الوصول إليه والإحاطةِ به أي لا تصِل إليه الأبصارُ ولا تُحيط به كما قال سعيد بن المسيِّب، وقال عطاء: كلّتْ أبصارُ المخلوقين عن الإحاطة به فلا مُتمسَّك فيه لمنكري الرؤيةِ على الإطلاق. وقد روي عن ابن عباس ومقاتل رضي الله عنهم: لا تدركه الأبصارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ} أي يحيطُ بها علمُه إذ لا تخفىٰ عليه خافيةٌ {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} فيدرك ما لا تدركه الأبصارُ، ويجوز أن يكون تعليلاً للحُكمين السابقين على طريقة اللفِّ أي لا تدركه الأبصارُ لأنه اللطيفُ وهو يدرك الأبصارَ لأنه الخبـيرُ فيكون اللطيفُ مستفاداً من مقابل الكثيفِ لما لا يُدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها. وقوله تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} استئنافٌ وارد على لسان النبـي عليه الصلاة والسلام، والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ وهي النورُ الذي به تستبصِرُ النفسُ كما أن البصرَ نورٌ به تبصِرُ العين، والمرادُ بها الآيةُ الواردةُ هٰهنا أو جميعُ الآيةِ المنتظمةِ لها انتظاماً أولياً، ومن لابتداء الغايةِ مجازاً سواءٌ تعلقت بجاء أو بمحذوف هو صفةٌ لبصائرُ، والتعرضُ لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطبـين لإظهار كمالِ اللطفِ بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلِّغِكم إلى كمالكم اللائقِ بكم من الوحي الناطقِ بالحق والصوابِ ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائرُ كائنةٌ من ربكم {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي الحقَّ بتلك البصائرِ وآمن به {فَلِنَفْسِهِ} أي فلنفسه أبصر، أو فإبصارُه لنفسه لأن نفعَه مخصوصٌ بها {وَمَنْ عَمِيَ} أي ومن لم يبصر الحقَّ بعد ما ظهر له بتلك البصائرِ ظهوراً بـيِّناً وضلَّ عنه، وإنما عبّر عنه بالعمىٰ تقبـيحاً له وتنفيراً عنه {فَعَلَيْهَا} أي فعليها عمِي أو فعَماهُ عليها أو وبالُ عملِه {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وإنما أنا منذر، والله هو الذي يحفظ أعمالَكم ويجازيكم عليها. {وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي مثلَ ذلك التصريفِ البديعِ نصرِّف الآياتِ الدالةَ على المعاني الرائقةِ الكاشفةِ عن الحقائق الفائقةِ لا تصريفاً أدنى منه، وقوله تعالى: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} علةٌ لفعل قد حذف تعويلاً على دلالة السياقِ عليه، أو وليقولوا درست نفعلُ ما نفعل من التصريفِ المذكورِ، واللامُ للعاقبة، والواو اعتراضيةٌ وقيل: هي عاطفةٌ على علة محذوفةٍ واللام متعلقةٌ بنُصرِّف أي مثلَ ذلك التصريفِ نصرِّف الآياتِ لنُلزِمَهم الحجةَ وليقولوا الخ، وقيل: اللام لامُ الأمرِ، وتنصُره القراءةُ بسكون اللامِ كأنه قيل: وكذلك نصرف الآياتِ وليقولوا هم ما يقولون فإنه لا احتفالَ بهم ولا اعتدادَ بقولهم، وهذا أمرٌ معناه الوعيدُ والتهديدُ وعدمُ الاكتراثِ بقولهم ورُدَّ عليه بأن ما بعده يأباه، ومعنى درست قرأتَ وتعلمتَ، وقُرىء دارسْتَ أي دارستَ العلماءَ، ودَرَسَتْ أي تقدمت هذه الآياتُ وعفَت كما قالوا أساطيرُ الأولين ودَرُسَت بضم الراءِ مبالغةً في درَست أي اشتد دروسُها ودُرست على البناء للمفعول بمعنى قُرئت أو عُفِيت ودارَسَتْ وفسروها بدارست اليهودُ محمداً صلى الله عليه وسلم. وجاز الإضمارُ لاشتهارهم بالدراسة، وقد جُوز إسنادُ الفعل إلى الآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارسَ أهلُ الآيات وحَمَلتُها محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهلُ الكتاب ودرَسَ أي درَسَ محمدٌ ودارِسات أي هي دارساتٌ أي قديمات أو ذاتُ دَرْسٍ كعيشة راضية وقوله تعالى: {وَلِنُبَيّنَهُ} عطفٌ على ليقولوا واللام على الأصل لأن التبـيـينَ غايةُ التصريفِ، والضميرُ للآيات باعتبار المعنى أو للقرآن وإن لم يُذكر، أو للمصدر أي ولِنفعلَ التبـيـينَ، واللامُ في قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} متعلقةٌ بالتبـيـين، وتخصيصُه بهم لما أنهم المنتفِعون به، قال ابن عباس: هم أولياؤُه الذين هداهم إلى سبـيل الرشادِ، ووصفُهم بالعلم للإيذان بغاية جهلِ الأولين وخلوِّهم عن العلم بالمرة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} [الآية: 103]. قال أبو يزيد رحمة الله عليه: إن الله احتجب عن القلوب كما احتجب عن الأبصار، فإن أطيع تجلى فالبصر والفؤاد واحد وقيل معناه: إن الله عز وجل يطلع على الأبصار بالتجلى لها، لأن الأبصار تسمو إليه. قال ابن عطاء: لا تحيط به وهو يحيط بها. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}. قال الحسين فى قوله اللطيف قال: لطف عن الكنه فأنَّى له الوصف، ومن لطفه ذكره لعبده فى الدهور الخالية، إذ لا سماء مبنية ولا أرض مدحية قبل سبق الوقت وإظهار الكونين وما فيهما فهذا معنى اللطيف. قال القاسم: اللطيف الذى لم يدع أحدًا يقف على ماهية اسمه فكيف الوقوف على وصفه.

القشيري

تفسير : قدَّسَ الصمديةَ عن كل لحوقٍ ودَرَك، فأنَّى بالإدراك ولا حدَّ له ولا طرف؟! {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ} الذي لا يخفى عليه شيء، {ٱلْخَبِيرُ} الذي أحاط علمُه بكل معلوم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} لا تدركه الابصار الا بالابصار مستفادة من ابصار جلاله وكيف يدركه الحدثان ووجود الكون عند ظهور سطوات عظمته عدم وهو يدرك الابصار ببصره القديم المنزه عن المشابهة بالحدثان بان يكسيها انوار صفاته لتراه لا بنفسها لانه بلطف ذاته ممتنع عن مطالعة خلقه مع علو شان علمه احاطته بجميعهم وجودا وعدما بقوله تعالى {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} من لطف جماله انجذب القلوب بنعت العشق الى ضياء وجهه الكريم عجزوا واضاطرار من لطفه غرقت الارواح فى بحار محبته وفينت الاسرار فى قضاء هويته وهشت القلوب فى معارك اشواقه واضمحلت العقول فى بيداء الوهيته من ادراك غوامض عليمه قال ابو يزيد فى قوله لا تدركه الابصار ان الله احتجب عن القلوب كما احتجب عن الابصار فان اوقع تجليا فالبصر والفواد واحد وقيل معناه ان الله يطلع على الابصار بالتجلى لها لان الابصار تمسوا اليه قال السحين فى قوله اللطيف قال لطف عن الكنه فانى له الوصف ومن لطفه ذكره لعبده فى الدهور الخالية اذا السماء مبنية والارض مدحية قيل سبق الوقت واظهار الكونين وما فيها فهذا معنى لطيف وقال القاسم الطيف الذى لم يدع احدا يقف على ما هية اسمه فيكف الوقوف على وصفه قال ابن عطا قوله لا يدركه الفهوم واحط بكل شئ علما وروى ابو سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وأله وسلم انه قال فى قوله تعالى لا تدركه الابصار لو ان الجن والانس والشياطين والملائكة منذ خلقوا الى ان فنوا صفوا صفا واحدا ما احاطوا بالله ابدا وقال الجنيد اللطيف من نور قلبك بالهدى وربى جسمك بالغذاء وجعل لك الولاية فى البلوى ويحرسك وانت فى اللظى ويدخلك جنة الماوى وقيل اللطيف الذى ان دعوته لباك وان قصدته أواك وان احببته ادناك وان اطعته كافاك وان عصيته عافاك وان عرضت عنه دعاك وان قبلت اليه هداك.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا تدركه الابصار} البصر حاسة النظر وقد تطلق على العين من حيث انها محله وادراك الشئ عبارة على الوصول اليه والاحاطة به اى لا تصل اليه الابصار ولا تحيط به {وهو يدرك الابصار} اى يحيط بها علمه {وهو اللطيف الخبير} فيدرك ما لا تدركه الابصار ولهذا خص الابصار بادراكه تعالى اياها مع انه يدرك كل شئ لان الابصار لا تدرك نفسها ولا يجوز فى غيره ان يدرك البصر وهو لا يدركه ففيه دليل على ان الخلق لا يدركون بالابصار كنه حقيقة البصر وهو الشئ الذى صار به الانسان يبصر من عينيه دون ان يبصر من غيرهما من سائر اعضائه. اعلم ان الادراك غير الرؤية لان الادراك هو الوقوف على كنه الشئ والاحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون الرؤية بلا ادراك لانه يصح ان يقال رآه وما ادركه فالادراك اخص من الرؤية ونفى الاخص لا يستلزم نفى الاعم فالله يجوز ان يرى من غير ادراك واحاطة كما يعرف فى الدنيا ولا يحاط به يعنى ان معرفة الله تعالى ممكنة من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية اذ منه ما لا تفيه الطاقة البشرية وهو ما وقع به الكمل فى ورطة الحيرة واقروا بالعجز عن حق المعرفة وقالوا ما عرفناك حق معرفتك فذات الله تعالى من حيث تجرده عن النسب والاضافات لا يدرك ولهذا "حديث : سئل النبى عليه السلام هل رأيت ربك قال "نورانى اراه" " .تفسير : اى النور المجرد لا يمكن رؤيته وكذا اشار الحق فى كتابه لما ذكر ظهور نوره فى مراتب المظاهر قال الله تعالى {أية : الله نور السموات والأرض} تفسير : [النور: 35]. فلما فرغ من ذكر مراتب التمثيل قال {أية : نور على نور} تفسير : [النور: 35]. فاحد النورين هو الضياء والآخر هو النور المطلق الاصلى ولهذا تمم فقال {أية : يهدى الله لنوره من يشاء} تفسير : [النور: 35]. اى يهدى الله بنوره المتعين فى المظاهر والسارى فيها الى نوره المطلق الاحدى فانما تتعذر الرؤية والادراك باعتبار تجرد الذات عن المظاهر والنسب والاضافات فاما فى المظاهر ومن ورائية حجابية المراتب فاالدراك ممكن كما قيل شعر : كالشمس تمنعك اجتلاءك وجهها فاذا اكتست برقيق غيم امكنا تفسير : والى مثل هذا اشار النبى صلى الله عليه وسلم فى بيان الرؤية الجنانية المشبهة برؤية الشمس والقمر فاخبر عن اهل الجنة انهم يرون ربهم وانه ليس بينه وبينهم حجاب الا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن فنبه صلى الله عليه وسلم على بقاء الرتبة الحجابية وهى رتبة المظهر وتحقيقه ان اهل الاعتزال بالغوا فى نفى الرؤية واستدلوا على مذهبهم بما ورد فى الصحيحين عن ابى موسى "حديث : جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه " .تفسير : قالوا ان الرداء حجاب بين المرتدى والناظرين فلا تمكن الرؤية وجوابهم انهم حجبوا وان المرتدى لا يحتجب عن الحجاب اذ المراد بالوجه الذات وبرداء الكبرياء هو العبد الكامل المخلوق على الصورة الجامعة للحقائق الامكانية والالهية والرداء هو الكبرياء واضافته للبيان والكبرياء رداؤه الذى يلبسه عقول العلماء بالله. يقول الفقير فى شرح هذا المقام قوله ولكنهم حجبوا الخ وذلك لان المرآة لا تكون حجابا للناظر كما ان اللباس كذلك بالنسبة الى البدن نفسه اذ لا واسطة بينهما فالرداء من المرتدى بمنزلة المرآة من النظر وكذا المرتدى من الرداء بمنزلة الناظر من المرآة اذ المراد بالوجه الذات بطريق اطلاق اسم الجزء على الكل فالمرتدى وهو الذات لا يحتجب عن حجابه وانما يحتجب به عن الغير كالقناع للعروس فانه كشف بالاضافة اليها وحجاب بالنسبة الى غيرها وبرداء الكبرياء الخ الحقيقة المحمدية التى هى حقيقة الحقائق ولكل موجود حصة من تلك الحقيقة بقدر قابليته لكنها فى نفسها حقيقة واحدة وهو الوجود العام الشامل كالحيوان الناطق فانه معنى واحد عام شامل لجميع الافراد وكثرته بالنسبة الى تلك الافراد لا تنافى وحدته الحقيقية فمعنى قوله عليه السلام وما بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم الارداء الكبرياء على وجهه حقيقة كل منهما التى تجلى الذات فيها بحسب صفاء مرآتها ومعرفتها وتلك الحقيقة ليست بحجاب بين القوم وبين الذات الاحدية اذ ما وراء تلك الحقيقة مع قطع النظر عن التجلى فيها وكونها مرآة له اطلاق صرف لا يتعلق به رؤية رداء ايا كان فكل ناظر ينكشف له جمال الذات من حقيقة نفسه فينظر اليه من تلك الحقيقة وهى ليست بحجاب للنظر ولا للذات اذهى كالمرآة فالنظر الظاهرى قيد تام وما وراء تلك الحقيقة من الذات اطلاق صرف فلا مناسبة بينهما بوجه من الوجوه وتلك الحقيقة بين التقييد والاطلاق برزخ جامع لهما كما قال عليه السلام "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه " .تفسير : فالعارف اذ لم يتعلق عرفانه بنفسه الكلية وحقيقته الجامعة لا يتأتى منه عرفان ربه لان ربه مطلق عن القيود والنسب والاضافات وهو بهذا الاعتبار لا تتعلق به المعرفة واما نفسه المتجلى فيها الرب بحقائق اسمائه فتتعلق بها تلك الرؤية من تلك الحيثية فتكون حقيقة نفسه ومعرفتها مرآة معرفة ربه فلا حجاب بين المرتدى وردائه اصلا وانما غلط من غلط بقياس الغائب على الشاهد وهو ممنوع باطل لانه لا يلزم ان يكون هناك رداء مانع وبرزخ بين الناظر والمرتدى ولذا قال الكبرياء رداؤه الذى يلبسه عقول العلماء بالله. فالتردد فى ان الرداء حجاب بين المرتدى والناظرين فلا يمكن الرؤية انما هو من عمى البصيرة والعياذ بالله وهو فى ثلاثة اشياء ارسال الجوارح فى معاصى الله والتصنع بطاعة الله والطمع فى خلق الله فالحق ليس بمحجوب عنك لثبوت احاطته وانما المحجوب انت عن النظر اليه بما تراكم على بصيرتك من العيوب العارضة وما يلازم بصرك من العيب اللازم الذى هو الفناء الحسى الذى لا يرتفع الا فى الدار الآخرة فلذلك كانت الرؤية موقوفة عليها والا فالحجاب فى حقه تعالى ممتنع غير متصور فلا تكن ممن يطلب الله لنفسه ولا يطالب نفسه لربه فذلك حال الجاهلين. وقال بعض المفسرين ان الإدراك اذا قرن بالبصر كان المراد منه الرؤية فانه يقال ادركت ببصرى ورأيت ببصرى بمعنى واحد فمعنى قوله {لا تدركه الابصار} اى لا تراه فى الدنيا فهو مخصوص برؤية المؤمنين له فى الآخرة لقوله تعالى {أية : وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22-23]. وحديث الشيخين "حديث : انكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " .تفسير : والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية فى الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئى بالمرئى اى فى الجهة وانما يرونه فى الآخرة لانها قلب الدنيا فالبصيرة هناك كالبصر فى الدنيا فيكون البصر الظاهر فى الدنيا باطنا فى الآخرة والبصيرة الباطنة ظاهرة فيستعد الكل للرؤية بحسب حاله واما فى الدنيا فالرؤية غاية الكرامة فيها وغاية الكرامة فيها لأكرم الخلق وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود الذى شاهد ربه ليلة المعراج بعينى رأسه يعنى رآه بالسر والروح فى صورة الجسم فكان كل وجوده الشريف عينا لانه تجاوز فى تلك الليلة عن عالم العناصر ثم عن عالم الطبيعة ثم عن عالم الارواح حتى وصل الى عالم الامر وعين الرأس من عالم الاجسام فانسخل عن الكل ورأى ربه بالكل فافهم هداك الله الى خير السبل فان العبارة ههنا لا تسع غير هذا. قال فى التأويلات النجمية {لا تدركه الابصار} اى لا تلحقه المحدثات لا الابصار الظاهرة ولا الابصار الباطنة تقدست صمديته عن كل لحوق ودرك ينسب الى مخلوق ومحدث بل {وهو يدرك الابصار} بالتجلى لها فيفنى المحدثات فيكون هو بصره الذى يبصر به فاستوت عند التجلى الابصار الظاهرة والباطنة فى الرؤية بنور الربوبية {وهو اللطيف} من ان يدركه المحدثات او يلحقه المخلوقات {الخبير} بمن يستحق ان يتجلى له الحق ويدرك ابصارها باطلاعه عليها فيستعدها للرؤية ومن لطف الله انه اوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه وكرما من غير ان يكون استحقاقها للوجود انتهى ولو رآه انسان فى الموطن الدنيوى لوجب عليه شكره ولو شكره لاتسحق الزيادة ولا مزيد على الرؤية ولذلك حرمها وهذا هو المعنى فى قوله عليه السلام "حديث : لن تروا ربكم حتى تموتوا " .تفسير : قال ابن عطاء اتمام النعيم بالنظر الى وجه الله الكريم على الوجه اللائق بجلاله فى الدار الآخرة حسبما جاء الوعد الصدق بذلك كما فى الدنيا اذ غالب النصوص يقتضى منع ذلك بل يكاد يقع الاجماع على نفى وقوع ذلك ومنعه شرعا وان جاز عقلا انتهى. واما الرؤية فى المنام فقد حكيت عن كثير من السلف كأبى حنيفة. وعن ابى يزيد رحمه الله رأيت ربى فى المنام فقلت له كيف الطريق اليك فقال اترك نفسك ثم تعال. وروى عن حمزة القارئ انه قرأ على الله القرآن من اوله الى آخره فى المنام حتى اذا بلغ الى قوله {أية : وهو القاهر فوق عباده} تفسير : [الأنعام: 18و 61]. قال الله تعالى يا حمزة وانت القاهر ولا خفاء فى ان الرؤية فى المنام نوع مشاهدة يكون بالقلب دون العين وفى الحديث "حديث : رأيت ربى فى المنام فى صورة شاب امرد " .تفسير : وسر تجليه فى صورة الانسانية بصفة الربوبية ان الحقيقة الانسانية اجمع الحقائق فانه تعالى لما استخلف الانسان وجعله خاتما على خزائن الدنيا والآخرة ظهر جميع ما فى الصورة الآلهية من الاسماء فى النشأة الانسانية الجامعة بين النشأة العنصرية والروحانية واليه يشير قوله عليه السلام "حديث : ان الله خلق آدم على صورته " .تفسير : واطلاق الصورة على الحق مجاز باعتبار اهل الظاهر اذ لا تستعمل فى الحقيقة الا فى المحسوسات ففى المعقولات مجاز واما عند المحققين فحقيقة لان العالم الكبير باسره صورة الحضرة الآلهية ومظاهر اسمائها بحضراتها تفصيلا واجمالا والانسان الكامل صورته جمعا. فان قلت أ لرؤية اقوى انواع الادراك ام العلم. قلت قد قيل بالاول ولهذا يتلذذ المؤمنون برؤية الله تعالى فوق ما يتلذذون بمعرفته. قال الامام فى الاحياء ان الرؤية نوع كشف وعلم الا انها اوضح واتم من العلم فاذا جاز تعلق العلم به ليس فى جهة جاز تعلق الرؤية من غير جهة وكما جاز ان يعلم من غير كيفية وصورة جاز ان يرى كذلك من غير كيفية وصورة. قال بعضهم الرؤية اعلى من المعرفة لان العارفين مشتاقون الى منازل الوصال والواصلون لايشتاقون الى منازل المعرفة. وقال بعضهم المعرفة ألطف والرؤية اشرف. قال حضرة الشيخ الشهير بافناده افندى قدس سره وصلة العلماء على قدر علمهم واستدلالهم ووصلة الكمل على قدر مشاهدتهم وعيانهم لكن لا على وجه مشاهدة سائر الاشياء فانه تعالى منزه عن الكيف والاين بل هى عبارة عن ظهوره وانكشاف الوجود الحقيقى عند اضمحلال وجود الرائى وفنائه انتهى. اقول فظهر من هذا ان من فنى عن ذاته وصفاته وافعاله واضمحل عن بشريته وهويته فجائز ان يرى الله تعالى فى الدنيا بالبصيرة بعد الانسلاخ التام شعر : جون تجلى كرد اوصاف قديم بس بسوزد وصف حادث راكليم تفسير : وذلك كالشمس فى الجلاء لا يكابر فيه احد اصلالان القلب من عالم الملكوت والبصيرة كالبصر له وعالم الملكوت مطلق عن قيود الامور الوهمية التى هى الزمان والمكان والجهة والكيفية وغيرها لانها من احكام عالم الملك فاين هذا من ذاك ولا يقاس احدهما على الآخر وحقيقة ذوق هذا المطلق الاعلى لا تعرف الا بالسلوك: قال الحافظ شعر : شكر كمال حلاوت بس از رياضت يافت نخست درشكن ننك ازان مكان كيرد تفسير : ثم اللطيف من يعلم دقائق المصالح وغوامضها ومادق منها وما لطف ثم يسلك فى ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف واذا اجتمع الرفق فى الفعل واللطف فى الادراك تم معنى اللطيف ولا يتصور كمال ذلك فى العلم والفعل الا لله تعالى وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله تعالى والتلطف بهم فى الدعوة الى الله تعالى والهداية الى سعادة ا لآخرة من غير ازراء وعنف ومن غير تعصب وخصام واحسن وجوه اللطف فيه الجذب الى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية والاعمال الصالحة فانها اوقع وألطف من الالفاظ المزينة. قال الشيخ الاكبر قدس سره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صلوا كما رأيتمونى اصلى " .تفسير : ولم يقل صلوا كما قلت لكم لان الفعل ارجح فى نفس التابع المقتدى من القول كما قيل شعر : واذا المقال مع الفعال وزنته رجع الفعال وخف كل مقال تفسير : انتهى: وفى المثنوى شعر : بند فعلى خلق را جذاب تر كه رسد درجان هربا كوش كر تفسير : والخبير هو الذى لا تعزب عنه الاخبار الباطنة ولا يجرى فى الملك والملكوت شئ ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن الا ويكون عنده خبرها وهو بمعنى العليم لكن العلم اذا اضيف الى الخفايا الباطنة سمى خبرة وسمى صاحبه خبيرا وحظ العبد من ذلك ان يكون خبيرا بما يجرى فى عالمه وعالمه قلبه وبدنه والحفايا التى يتصف القلب بها من الغش والخيانة والطواف حول العاجلة واضمار الشر واظهار الخير والتجمل باظهار الاخلاص والافلاس عنه لا يعرفها الا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها فحادبها وتشمر لمعاداتها واخذ الحذر منها فذلك من العباد جدير بان يسمى خبيرا.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لا تدركه الأبصار} أي: لا تحيط به، ولا تناله بحقيقته، وعن ابن عباس: ( لا تدركه في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة)، ومذهب الأشعرية: أن رؤية الله في الدنيا جائزة عقلاً، لأن موسى عليه السلام سألها، ولا يسأل موسى ما هو محال، وأحالته المعتزلة مُطلقًا، وتمسكوا بالآية، ولا دليل فيها؛ لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية، ولا النفي في الآية عامًا في الأوقات، فلعله مخصوص ببعض الحالات، ولا في الأشخاص؛ فإنه في قوة قولنا: لا كل بصر يدركه، مع أن النفي لا يوجب الامتناع. قاله البيضاوي. ثم قال تعالى: {وهو يُدرك الأبصارَ} أي: يحيط علمه بها؛ إذ لا تخفى عليه خافية، {وهو اللطيف الخبير} فيدرك ما لا تدركه الأبصار، ويجوز أن يكون تعليلاً للحُكمَين السابقين على طريق اللفّ، أي: لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف، وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مقابلاً للكثيف، لا يُدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها. قاله البيضاوي وأبو السعود. الإشارة: اعلم أن الحق جل جلاله قد تجلى لعباده في مظاهر الأكوان، لكنه لحكمته وقدرته، قد تجلى بين الضدين، بين الأنوار والأسرار، بين الحس والمعنى، بين مظهر الربوبية وقالب العبودية، فالأنوار ما ظهر من الأواني، والأسرار ما خَفِيَ من المعاني، فالحس ما يُدرك بحاسة البصر، والمعنى ما يُدرك بالبصيرة. فالحس رداء للمعنى، فمن فتح الله بصيرته استولى نورُ بصيرته على نور بصره، فأدرك المعاني خلف رقة الأواني، فلم تحجبه الأواني عن المعاني، بل تمتحق في حقه الأواني، ولا يرى حينئذٍ إلا المعاني. لذلك قال الحلاج، لما سئل عن المعرفة، قال: (استهلاك الحس في المعنى). فإذا فَنِيَ العبد عن شهود حِسِّه بشهود معناه، غاب وجوده في وجود معبوده، فشاهد الحقَّ بالحق. فالعارفون لَمَّا فنوا عن أنفسهم، لا يقع بصرهم إلا على المعاني، فهم يشاهدون الحق عيانًا. ولذلك قال شاعرُهم: شعر : مُذَ عَرَفت الإله لَم أرَ غَيرًا وكذَا الغَيرُ عِنَدنَا مَمنُوعُ تفسير : وقال في الحِكَم: "ما حَجَبَكَ عن الحَقِّ وجُودُ مَوجُودٍ مَعَه؛ إذ لا شَيءَ مَعَهَ، وَإنَّما حَجَبك تَوّهُّمُ مَوُجُودٍ مَعَهُ". وقوله تعالى: {لا تُدركه الأبصارُ} أي: الأبصار الحادثة، وإنما تدركه الأبصار القديمة في مقام الفناء. وقال الورتجبي: لا تدركه الأبصار، إلا بأبصار مستفادة من أبصار جلاله، وكيف يدركه الحدثان؟ ووجود الكون عند ظهور سطوات عظمته عدم. هـ. أو لا تحيط به، إذ الإحاطة بكُنه الربوبية متعذرة. وعلى هذا حمل الآية في نوادر الأصول، قال: إدراك الهوية ممتنع، وإنما يقع التجلي بصفة من صفاته. وقال ابن عبد الملك في شرح مشارق الصغاني، ناقلاً عن المشايخ: إنما يتجلى الله لأهل الجنة، ويريهم ذاته تعالى، في حجاب صفاته، لأنهم لا يطيقون أن يروا ذاته بلا حجابٍ مرَتبةٍ من مراتب الصفات. وقال الورتجبي: التجلي لا يكون بكلية الذات، ولا بكلية الصفات، وإنما يكون على قدر الطاقات، فيستحيل أن يقال: تجلى كل الهوى لذرة واحدة، وإنما يتجلى لها على قدرها. هـ. وتتفاوت الناس في لذَّة النظر يوم القيامة على قدر معرفتهم في الدنيا، وتدوم لهم النظرة على قدر اسغراقهم هنا، فمن كان هنا محجوبًا لا يرى إلا الحس، كان يوم القيامة كذلك، إلا في وقت مخصوص، يُغيبه الحق تعالى عن حسه، فيشاهد معاني أسرار الربوبية في مظاهر أنوار صفاته. ومن كان هنا مفتوحًا عليه في شهود المعاني، كان يوم القيامة كذلك، لا تغيب عنه مشاهدة الحق ساعة. قال الغزالي في كتاب الأربعين: إذا ارتفع الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة. قلت: ومعنى كلامه: أن ما عرفه به هنا من التجليات، صار بعينه هناك مشاهدة؛ لأن المعنى هناك غالب على الحس، بخلاف دار الدنيا، الحس فيها غالب، إلاَّ لمن غاب عنه واستهلكه. ثم قال: ويكون لكل واحد على قدر معرفته، ولذلك تزيد لذة أولياء الله تعالى في النظر على لذة غيرهم، ولذلك يتجلى الله تعالى لأبي بكر خاصة، ويتجلى للناس عامة. وقال في الإحياء: ولَمَّا كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي على درجات متفاوتة، ثم ذكر حديث التجلي لأبي بكر المتقدم. ثم قال: فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر، ممن هو دونه، يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر، بل لا يجده، إلا عُشرَ عُشرِه، إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشره، ولما فَضَل الناسَ بسر وقر في صدره، فضل لا محالة بِتَجلًّ انفرد به. وقال أيضًا: يتجلى الحق للعبد، تجليًا يكون انكشاف تجلَّيه، بالإضافة إلى ما علمه، كانكشاف تجلي المرئيات بالإضافة إلى ما تخيله ـ أي: إلى ما وصفه له الواصف. ثم قال: وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية، ثم قال: المعرفة الحاصلة في الدنيا هي التي تستكمل، فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف، إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح. وقال أيضًا: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلاله مُحال، وكلما كثرت المعرفة وقويت؛ كثر النعيم في الآخرة، وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن؛ كثر الزرع وحسن، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا، ولا يزرع إلا في صعيد القلب، ولا حصاد إلا في الآخرة. هـ. قال شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه: بل الرجال زرعوا اليوم وحصدوا اليوم، وفي تفسير الأقليشي لقوله: {أية : اهْدِنَا الصِّرَاط المُسْتَقِيمَ } تفسير : [الفاتحة:6]: ليس لهذه الهدايةـ ما دام العبد في الدنيا ـ نهاية، حتى إذا حصل في جوار الجبار، ونظر إلى وجهه العظيم، كان حظه من النعيم بقدر ما هداه في الدنيا لصراطه المستقيم. هـ. وقال في نوادر الأصول: في الحديث: " حديث : إنَّ مِن أهل الجنَّة من ينظرُ إلى الله عزَّ وجَلَّ غُدوَةً وعَشيًّا " تفسير : . ورُوِي عن معاذ أنه قال: "صِنفٌ مِن أهلِ الجَنَّة مَن يَنظُر إلى الله عزَّ وجَلَّ، لا يُستر الربُّ عنهم ولا يحتَجِبُ" ثم قال: وذُكر أن الرضوان آخر ما ينال أهلُ الجنة، ولا شيء أكبر منه، وكل عبد من أهل الجنة حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على الله في الدنيا. هـ. وقوله تعالى: {وهو اللطيف الخبير} ، قال الورتجبي: هو بلطف ذاته ممتنع عن مطالعة خلقه، مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم، وجودًا وعدمًا، أي: وإنما يُرى بنوره، لا بالحواس الخفاشية، فإنها تضعف عن مقاومة شعاعه، وتنخنس عند انكشاف سبحاته. هـ. على نقل الحاشية الفاسية. والله تعالى أعلم. ولمَّا كان الاطلاع على هذه الأسرار، به تنفتح البصائر، أشار إلى ذلك بقوله: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية دلالة واضحة على انه تعالى لا يرى بالابصار، لانه تمدح بنفي الادراك عن نفسه. وكلما كان نفيه مدحا غير متفضل به فاثباته لا يكون الا نقصا، والنقص لا يليق به تعالى. فاذا ثبت انه لا يجوز ادراكه، ولا رؤيته، وهذه الجملة تحتاج الى بيان اشياء: احدها - انه تعالى تمدح بالآية. والثاني - ان الادراك هو الرؤية. والثالث - ان كلما كان نفيه مدحا لا يكون اثباته الا نقصا. والذي يدل على تمدحه شيآن: احدهما - اجماع الامة، فانه لا خلاف بينهم في انه تعالى تمدح بهذه الآية، فقولنا: تمدح بنفي الادراك عن نفسه لاستحالته عليه. وقال المخالف: تمدح لانه قادر على منع الابصار من رؤيته، فالاجماع حاصل على ان فيها مدحة. والثاني - ان جميع الاوصاف التي وصف بها نفسه قبل هذه الآية وبعدها مدحة، فلا يجوز ان يتخلل ذلك ما ليس بمدحة. والذي يدل على ان الادراك يفيد الرؤية ان اهل اللغة لا يفرقون بين قولهم: ادركت ببصري شخصا، وآنست، واحسست ببصري. وانه يراد بذلك اجمع الرؤية. فلو جاز الخلاف في الادراك، لجاز الخلاف فيما عداها من الاقسام. فاما الادراك في اللغة، فقد يكون بمعنى اللحوق، كقولهم: ادراك قتادة الحسن. ويكون بمعنى النضج، كقولهم ادركت الثمرة، وادركت القدر، وادرك الغلام اذا بلغ حال الرجال. وأيضا فان الادراك اذا اضيف الى واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة. فيه ألا ترى انهم يقولون: ادركته بأذني يريدون سمعته، وادركته بانفي يريدون شممته وادركته بفمي يريدون ذقته. وكذلك اذا قالوا: ادركته ببصري يريدون رأيته. واما قولهم ادركت حرارة الميل ببصري فغير معروف ولا مسموع، ومع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد، لان قولهم حرارة الميل تقييد لان الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة، ولو قال ادركت الميل ببصري لما استفيد به الا الرؤية. وقولهم ان الادراك هو الاحاطة باطل، لانه لو كان كذلك لقالوا: أدرك الجراب بالدقيق وأدرك الحب بالماء وأدرك السور بالمدينة لاحاطة جميع ذلك بما فيه، والامر بخلاف ذلك. وقوله {أية : حتى إذا أدركه الغرق}تفسير : فليس المراد به الاحاطة بل المعنى حتى اذا لحقه الغرق، كما يقولون أدركت فلانا اذا لحقته، ومثله{أية : فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إِنا لمدركون}تفسير : أي لملحقون، والذي يدل على أن المدح اذا كان متعلقا بنفي فاثباته لا يكون الا نقصا، قوله {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم}تفسير : وقوله {أية : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إِله}تفسير : لما كان مدحا متعلقا بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصا. فان قيل كيف يتمدح بنفي الرؤية ومع هذا يشاركه فيها ما ليس بممدوح من المعدومات والضمائر.؟ قلنا: انما كان ذلك مدحا بشرط كونه مدركا للأبصار وبذلك يميز من جميع الموجودات لانه ليس في الموجودات ما يدرك ولا يدرك. فان قيل: ولم اذا كان يدرك ولا يدرك يجب ان يكون ممدوحا؟؟ قلنا: قد ثبت ان الآية مدحة بما دللنا عليه، ولا بد فيها من وجه مدحة فلا يخلو من أحد وجهين: اما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه رائيا أو ما قالوه من أنه يقدر على منع الابصار من رؤيته بأن لا يفعل فيها الادراك، وما قالوه باطل لقيام الدلالة على أن الادراك ليس بمعنى الاحاطة، فاذا بطل ذلك لم يبق الا ما قلناه، والا خرجت الآية من كونها مدحة. وقد قيل: ان وجه المدحة في ذلك أن من حق المرئي أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل وذلك يدل على مدحته، وهذا دليل من أصل المسألة لا يمكن ان يكون جوابا في الآية. فان قيل: انه تعالى نفى أن تكون الابصار تدركه فمن أين ان المبصرين لا يدركونه؟ قلنا: الابصار لا تدرك شيئا البتة فلا اختصاص لها به دون غيره، وأيضا فان العادة ان يضاف الادراك الى الابصار ويراد به ذووا الابصار، كما يقولون: بطشت يدي وسمعت أذني وتكلم لساني ويراد به أجمع ذووا الجارحة فان قيل: انه تعالى نفى أن جميع المبصرين لا يدركونه، فمن أين أن البعض لا يدركونه وهم المؤمنون؟ قلنا: اذا كان تمدحه في استحالة الرؤية عليه لما قدمناه فلا اختصاص لذلك براء دون رائي، ولك ان تستدل بأن تقول: هو تعالى نفى الادراك عن نفسه نفيا عاما كما أنه أثبت لنفسه ذلك عاما فلو جاز ان يخص ذلك بوقت دون وقت لجاز مثله في كونه مدركا. واذا ثبت نفي ادراكه على كل حال فكل من قال بذلك قال الرؤية مستحيلة عليه. ومن أجاز الرؤية لم ينفها نفيا عاما فالقول بنفيها عموما مع جواز الروية عليه قول خارج عن الاجماع. فان عورضت هذه الآية بقوله {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : فانا نبين انه لا تعارض بينهما وانه ليس في هذه الآية ما يدل على جواز الرؤية اذا انتهينا اليها ان شاء الله. وقوله {وهو اللطيف الخبير} قيل في معنى {اللطيف} قولان: أحدهما - أنه اللاطف لعباده بسبوغ الانعام، غير انه عدل من وزن (فاعل) الى (فعيل) للمبالغة. الثاني - أنه لطيف التدبير، وحذف لدلالة الكلام عليه. والخبير هو العالم بالاشياء المتبين لها، وما ذكرناه من أن معنى الآية نفي الرؤية عن نفسه على كل حال قول جماعة منهم عائشة، روى مسروق عن عائشة انها قالت: من حدثك أن رسول الله رأى ربه فقد كذب {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} و {أية : ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}تفسير : ولكن رأى جبرائيل في صورته مرتين. وفي رواية أخرى أن مسروقا لما قال لها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: سبحان الله، لقد وقف شعري مما قلت، ثم قرأت الآية. وقال الشعبي قالت عائشة من قال: ان أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، وقرأت الآية، وهو قول السدي وجماعة أهل العدل من المفسرين كالحسن والبلخي والجبائي والرماني وغيرهم. وقال أهل الحشو والمجبرة بجواز الرؤية على الله تعالي في الآخرة وتأولوا الآية على الاحاطة وقد بينا فساد ذلك.

الجنابذي

تفسير : {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} لا ابصار العيون ولا ابصار القلوب لاحاطته وقصور المحاط عن ادراك المحيط، ولكن تدركه القلوب بحقيقة الايمان {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} لانّ شأن المحيط ادراك المحاط {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ} لطفاً يقصر عن ادراكه الابصار لقصورها {ٱلْخَبِيرُ} بالاشياء ومنها الابصار ومثل هذا يسمّى فى البديع بتشابه الاطراف.

اطفيش

تفسير : {لا تُدْركه الأبْصار} لا تراه فى زمان ما رؤية ما بصر ما، ولا دليل على أن الإدراك موضوع لرؤية الشئ، ورؤية تفيد العلم من كل وجه لا لمطلق الرؤية، وأل فى الأبصار للحقيقة فانتفى الإدراك أى الرؤية مطلقاً عن حقيقة البصر، فكل ما يسمى بصراً لا يراه، أو للاستغراق حقيقة بمعنى كل، والنفى مع ذلك كلية لا كل، أعنى لعموم السلب، ولو تأخرت عن النفى، وذلك كثير فى القرآن كقوله تعالى: {ولا تطع كل حلاَّف} {والله لا يحب كل مختال} ونحوه، والداعى لذلك أن دعوى جواز رؤيته يدل على جواز النقص عليه، لأن المرئى لون وجسم وحال فى مكان، وله عوض، لأن لكل جسم عرضاً، وتركيباً وجهات ست، وحاجة وجريان زمان عليه، وحدوث وعجز بما بعد عنه، واحتجاب عن من لا يحضره، فللزوم ذلك يجب تأويل حديث: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون البدر" بمعنى أنكم ستحققون وجوده ووعده ووعيده، وتزيدون يقيناً كما تكشفون البدر، وهذا كما تعلم أشياء وتجزم بوجودها وبصفاتها ولم ترها ولم تحسها، وإذا رأيتها فلا بد أن تصفه بالمكان والجهة وتكيفه بأمر، فبطل ما يقال إنه كما نعلمه بلا مكان ولا حدولا كيف. كذلك يبصره بلا حد ولا مكان ولا كيف، لأن الرؤية لا بد فيها من تكييف وحد ومكان، وكذلك يجب تأويل {أية : إلى ربها ناظرة} تفسير : كما تراه إن شاء الله فى محله، فالرؤية نقص فى حقه فنفيه إياها عن نفسه نفى للنقص، كما نفى عن نفسه سائر النقائص، ولا يلزم من امتناع الوصف لشئ للذات امتناع أن يذكر نفيه، فالشركة ممتنعة عن الله بالذات، وقد نفاها الله جل وعلا، فكما نفى الشركة مدحاً وتعظيماً، كذلك نفى الرؤية مدحاً وتعظيماً، فلا يقال إذا كان فى نفسه ممتنع الرؤية لم يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم. وإذا كان الإدراك موضوعاً لمطلق الرؤية فلم خصوه فى الآية بالإحاطة، مع أن الحديث الداعى لذلك، وهو حديث الرؤية يجب تأويله لأدائه بلا تأويل إلى مستحيل، وقد علمت الأشعرية بذلك إلى أن تستروا إلى قولهم نرى بلا كيف، بل قال الله جل وعلا: {لا تدركه الأبصار} ليدل على أن رؤيته مستحيلة بعيدة فائتة كالشئ الذى فات، بحيث لو أريد التحاق به، واجتهد فى ذلك لم يدرك ولا دليل على اختصاص نفى رؤيته بالدنيا إلا ذلك الحديث، وتلك الآية، وقد علمت وجوب تأويلهما، ولا يضرنا أن يدرك فى قوله: {وهُو يُدْرك الأبْصار} بمعنى يعلم الإبصار من حيث إنه تعالى منزه عن الجوارح، لأنا نقول: استحالة الجارحة عنه تعالى دليل على أن هذا الإدراك المثبت له بمعنى العلم اللازم لبصر العين فى الجملة، لا بمعنى الإدراك المنفى عنه تعالى، وهو رؤيته، ولا يصح جعل الإدراكين معاً بمعنى العلم، لأن البصر لا يعلم شيئا فضلا عن أن يقال لا تعلمه الأبصار، كما لا يقال: الخائط لا يعلمك إلا لداع إلى قوله، وإنما العالم القلب، والقلب يعلم الله إلى شبه معنى لا تدركه الأبصار لا تراه، وهب أنه بمعنى لا يعلمه أحد، فمعناه لا يعلمه العلماء علم إحاطة ولا بأس بذلك، فيبقى نفى الرؤية مأخوذاً من نفى صفات النقص المذكورة آنفاً عنه تعالى، كما قال السدى: البصر بصر المعاينة، وبصر علم، وذكر الأبصار فى قوله: {وهو يدرك الأبصار} لتأكيد نفى رؤيته تعالى، من حيث إن الأبصار الباصرة يدركها، ولا تدركه، ولذلك لم يقل وهو يدرك الأبدان أو الأجسام أو الأشياء أو نحو ذلك، وزاد تأكيد نفيها بقوله: {وهُو اللَّطيفُ الخَبيرُ} فإن اللطف الدقة والخفاء، أى هو بعد من أن يراه بصر ما فى زمان ما رؤية ما، وهو العليم علما دقيقا بكل بصر وغيره، فإن الخبرة العلم بدقيق الأمور، فهو يدرك ما لا يدركه الأبصار ويعلم ما لا يعلمه غيره، فهو لا يرى كما لا يرى الشئ الذى ليس من الكثافة فى شئ، كما لا ترى الريح لا تراه، تعالى الله علواً كبيراً عن كل نقص، وعن أن يشبه الريح أو غيرها، وعن أن يوصف بالكثافة أو اللطافة الحقيقية، فقوله: "اللطيف" عائد إلى قوله: {ولا تدركه الأبصار} لأن من شأن الشئ الدقيق الخفى من الأجسام أن لا تدركه الأبصار، تعالى الله عن الدقة والجسمية، وقوله: "الخبير" عائد إلى قوله: {وهو يدرك الأبصار} كيف لا يدركها من هو عالم بدقائق الأمور، وقيل: معنى اللطيف بغوامض الأمور، ودقائق المعانى والحقائق، فهو أبلغ من الخبير، والأبصار جرم الناظر من العين أو العين كلها. ويجوز أن يراد بالأبصار النور الذى ترى به العين وهو لا يراه أحد، ولا يحققه، والله محيط علما به من كل وجه، وإنما فسرت اللطيف بذلك ليناسب نفى الرؤية عنه، وإثبات أنه يدرك غيره، بخلاف ما إذا فسر بالمنعم على عباده المزيل عنهم الضر من حيث لا يعلمون أن تلك الجهة يأتى منها النعم، أو تزول بها المضار، بل قد يتوهمون العكس، أو بموصل الخير إليك برفق أو بالمنسى عباده ذنوبهم فلا يخجلوا، أو بالذى لم يكلفهم ما لا يطيقون، أو بالمثنى على عباده عند الطاعة، الذى لا يقطع إحسانه عند المعصية أقوال، فإن ذك لا يناسب بظاهره نفى الرؤية عن الله عز وجل. ثم إن قوله تعالى: {تدركه الأبصار} موجبة كلية يحتمل أنه جاء النفى، ثم جاء عليه العموم، فتكون سالبة كلية، أى لا شئ من الأبصار يراه، ويحتمل أنه اعتبر العموم أولا، ثم جاء النفى عليه، فتكون سالبة جزئية، أى لا يراه بعض الأبصار وهو أبصار الكفار، ويجب الاحتمال الأول بما يلزم من النقص فى رؤيته، وإن جعلنا أل للحقيقة قلنا: الحقيقة من حيث هى تعد فرداً فكفانا نفا رؤية هذا الفرد الذى هو الحقيقة لله تعالى، فما صدق عليه أنه بصر صدق أنه لا يراه، والصارف إلى هذا ما يلزم من الرؤية فلم ندخل فى قولك هذه القضية حينئذ سالبة مهملة فى قوة الجزئية، إذ لا سور لها كلى ولا جزئى، وما كان نقصا بالذات لم يتغير بالزمان ولا بغيره، فرؤية نقص الدنيا والأخرى سواء يراه المؤمن فقط كما زعموا أو الكافر أيضا، ولا قائل به. ونفى الرؤية مذهب الأباضية بأصنافها، والمعتزلة وبعض المرجئة، وقد قال الله جل وعلا: {لن ترانى} ولن للتأبيد، ومهما رأيت من جزئى لها لغير التأبيد فلدليل، ولا دليل فى الآية، وإذا نفيت عن موسى نفيت عن غيره بإجماع من خالفنا، وأما: {أية : ولن يتمنوه أبداً}تفسير : وهم يتمنونه يوم القيامة فلا دليل فيه، لأن المنفى تمنيهم الموت فى الدنيا، ورؤية موسى فى الآخرة نقص أيضاً، ولا يلزم من وجود الشئ أن يرى، وإن يصح أن يرى سواه عرضا كان أو جسما، وهذا مقبول عقلا مسلم، ولو سلم اللزوم ففى الجسم والعرض، والله لا يوصف بهما لكن لا يسلم، فهل ترى الصوت والرائحة والطعم.

اطفيش

تفسير : {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولا يختص الإِدراك بالكنه، بل من أَدرك طرف شئ فقد أَدركه ولو لم يدركه كله، ورؤيته تعالى توجب التحيز والجهات والزمان والحلول واللون والغلط أَو الدقة والطول والعرض والحاجة وذلك يوجب الحدوث، ونفى الإِدراك مدح وما هو مدح يستمر فى الدنيا والآخرة، ولا يدرك بالقلب أَيضاً لأَنه إِذا صوره القلب لزم تحيزه، وما ذكر بعده، وإِنما تدرك أَفعاله الدالة على أَوصافه الموجبة لوجوده بلا أَول ولوحدانيته وهو مخالف للحوادث وجوباً وما وجبت مخالفته للحوادث لا تدركه الحوادث لأَن إِدراكها إِياه يناقض المخالفة، والفرض المخالفة، وأَل للاستغراق باقية على العموم الشمولى بعد النفى فشملت أَبصار المؤمنين وأَبصار الكفار كما هو الوارد فى القرآن بلا تكلف تأويل فى قوله تعالى "أية : إِن الله لا يحب كل مختال فخور" تفسير : [لقمان: 18] نحو هذا، وأَما قوله تعالى "أية : إِلى ربها ناظرة"تفسير : [القيامة: 23] فمعناه إِلى دلائل ربها أَو إِلى رحمة ربها، والنظر بمعنى الانتظار قد جاءَ تعدية بإِلى أَو إِلى معناه النعمة، أَى ناظرة إِلى ربها أَى ناظرة نعمة ربها، وأَما قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : سترون ربكم تفسير : فمعناه ازداد اليقين فى الجنة بدلائل لم يتقدم مثلها، وهذا هو المراد أَيضاً فى رواية ترون ربكم بعين رأسكم، أَى تشاهدون بأَبصاركم دلائل لم تتقدم فى الدنيا وذلك أن رؤيته منافية لقوله تعالى "أية : ليس كمثله شئ" تفسير : [الشورى: 11] ولسائر صفاته وعموم الأَزمنة يدل على عموم الأَمكنة، والبصر يطلق على العين وعلى القوة التى فيها وعلى قوة القلب، والمراد هنا العين أَو القوة التى فيها، وقيل ذلك والأَوهام والأَفهام، فعلل على توحيد الله أَنه لا تتوهمه، وقال كل ما أَدركته فهو غيره، وحمل بعضهم الآية على قوة القلب، وقال الصديق رضى الله عنه: يا من غاية معرفته القصور عن معرفته، وقد قال إِمام الأََشعرية أَبو الحسن الأَشعرى: المنفى فى الآية الرؤية المطلقة المحيطة وغير المحيطة، وكما تؤدى الإِحاطة به إِلى نقص يؤدى إِدراكه بلا إِحاطة إِلى نقص، والإِسناد فى لا تدركه الأَبصار مجاز عقلى، أَى لا يدركه أو لو الأبصار، والفعلية للتجدد والاستمرار التجددى، والاسمية للدوام فى قوله تعالى كما قالوا وهو يدرك الأَبصار، وهذا عجيب فإِنه لا فرق بين تقدم الفعل وتأَخره، فقولك يدرك الأَبصار وقولك هو يدرك الأَبصار، فقام زيد وزيد قام سواء {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} يراها أَى يعلمها، والبصر الأَسود الذى وسط أَسود العين، وبه يكون الإِبصار، أَو القوة المودعة فى ذلك الأَسود، أَو فى العصبتين المجوفتين المؤديتين إِليه، وقد يطلق على العين لأَنها محل ذلك، والعصبتان ممتدتان من خارج {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} اللطف الدقة الموجبة لخفاء الإِدراك، مستعار من مقابل الكثيف الذى لا تدركه الحاسة ولا ينطبع فيها، وهذا هو المراد هنا، وقد يطلق اللطيف على الخفى المدرك، وهو عائد إِلى قوله عز وجل {لا تدركه الأَبصار} وذلك أَنه خلق الأَبصار على أَن لا تدركه وعلى عدم إِمكان إِدراكها إِياه، والخبرة العلم بما دق وخفى وهى عائدة إِلى قوله عز وجل وهو يدرك الأَبصار، والحاصل أَنه لا تدركه الأَبصار لأَنه من شأنه الخفاء عنها ويدركها لكمال علمه، وكذا يفسر ما فى سورة الملك، وأَما الذى فى سورة الشورى فيعنى الذى يربى الخلق بصنوف الإِنعام التى لا تدركها الأَوهام، ولا يليق تفسير الآية هنا به، فلا يليق بالمقام ما قيل من أَن المعنى لطيف بأَوليائه خبير بهم.

الالوسي

تفسير : {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} جمع بصر يطلق كما قال الراغب «على الجارحة الناظرة وعلى القوة التي فيها / وعلى البصيرة وهي قوة القلب المدركة» وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إلى غايته والإحاطة به، وأكثر المتكلمين على حمل البصر هنا على الجارحة من حيث إنها محل القوة. وقيل: هو إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه: التوحيد أن لا تتوهمه وقال أيضاً كل ما أدركته فهو غيره. ونقل الراغب عن بعضهم أنه حمل ذلك على البصيرة، وذكر أنه قد نبه به على ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله: يا من غاية معرفته القصور عن معرفته إذا كان معرفته تعالى أن تعرف الأشياء فتعلم أنه ليس بمثل لشيء منها بل هو موجد كل ما أدركته. واستدل المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يرى. وتقرير ذلك على ما في «المواقف وشرحها» أن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية ولا فرق بين أدركته ببصري ورأيته إلا في اللفظ أو هما متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر فلا يجوز رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه، فالآية نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة في جميع الأوقات، لأن قولك: فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله فلا يراه شيء من الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة لما ذكر ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى حيث ذكره في أثناء المدائح وما كان من الصفات عدمه مدحاً كان وجوده نقصاً يجب تنزيه الله تعالى عنه فظهر أنه يمتنع رؤيته سبحانه، وإنما قيل: من الصفات احترازاً عن الأفعال كالعفو والانتقام فإن الأول تفضل والثاني عدل وكلاهما كمال انتهى. وحاصله أن المراد بالإدراك الرؤية المطلقة لا الرؤية على وجه الإحاطة، وأن {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} سالبة كلية دائمة وهذا أقوى أدلتهم النقلية في هذا المطلب كما ذكره شيخ مشايخنا الكوراني قدس سره والجواب عنه من وجوه. الأول أن الإدراك ليس هو الرؤية المطلقة وإن اختاره ـ على ما نقله الآمدي ـ أبو الحسن الأشعري وإنما هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بها في أحد تفسيريه، ففي «الدر المنثور» «وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} لا يحيط بصر أحد بالله» تعالى انتهى. وإليه ذكب الكثير من أئمة اللغة وغيرهم. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقاً من الرؤية المطلقة ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فظهر صحة أن يقال: رأيته وما أدركه بصري أي ما أحاط به من جوانبه وإن لم يصح عكسه. الثاني أن {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} كما يحتمل أن يلاحظ فيه أولاً دخول النفي ثم ورود اللام فتكون سالبة كلية على طرز قوله تعالى: { أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } تفسير : [غافر: 31] فيكون لعموم السلب كذلك يحتمل أن يعتبر فيه العموم أولاً ثم ورود النفي عليه فتكون سالبة جزئية نحو ما قام العبيد كلهم ولم آخذ الدراهم كلها فتكون لسلب العموم وكلما احتمل سلب العموم لم يكن نصاً في عموم السلب وإن كان عموم السلب في مثل هذا هو الأكثر وكلما كان كذلك لم يبق فيه حجة على امتناع الرؤية مطلقاً وهو ظاهر، هذا إذا كان أل في «الأبصار» للاستغراق فإن كان للجنس كان {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} سالبة مهملة وهي في قوة الجزئية فيكون المعنى لا تدركه بعض الأبصار وهو متفق عليه. الثالث أنا لو سلمنا أن الإدراك هو الرؤية المطلقة وأن أل للاستغراق وأن الكلام لعموم السلب لكن لا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات أي لا نسلم أنها دائمة لجواز أن يكون المراد نفي الرؤية في الدنيا كما يروى تقييده بذلك عن الحسن وغيره. ويدل عليه ما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عباس قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { أية : رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 143] فقال: قال الله تعالى: يا موسى إنه / لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم» قولهم: بل هي دائمة لأن قولك: فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله، قلنا: هذا لا يتم إلا إذا وجب أن يكون التقابل من الله تعالى تدركه الأبصار و «لا تدركه الأبصار» تقابل تناقض ولا موجب لذلك لا عقلياً ولا لغوياً ولا شرعياً: أما الأول فلأنا إذا وجدنا قضية موجبة مطلقة جاز أن يقابلها سالبة دائمة مطلقة وأن يقابلها سالبة دائمة ولا تتعين الدائمة الصادقة إلا إذا كانت المطلقة كاذبة قطعاً لكن كذب المطلقة هٰهنا أول البحث وعين المتنازع فيه فلا يجوز أن يبنى كون {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} دائمة على كذب هذه المطلقة أعني الله تعالى يدركه الأبصار مراداً بها أبصار المؤمنين في الجنة والموقف لأنه مصادرة على المطلوب المستلزم للدور، وأما الثاني فلأن الجملة ثبوتية كانت أو منفية تستعمل بحسب المقامات تارة في الإطلاق وتارة في الدوام وليس يجب في اللغة أنا إذا وجدنا جملة مثبتة استعملت في مقام ما في معنى الإطلاق أن تكون الجملة المقابلة لها مستعملة في معنى الدوام البتة بل يخلتف باختلاف المقامات وقصد المستعملين لها وهو ظاهر جداً، وأما الثالث فلأن المطلقة المذكورة بالمعنى السابق عين المتنازع فيه بيننا وبين المعتزلة شرعاً فنحن نقول إنها صادقة شرعاً ونحتج عليها بالعقل والنقل من الكتاب والسنة، وكلما كان كذلك لزم أن لا يكون {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } دائمة دفعاً للتناقض فتكون إما مطلقة عامة أو وقتية مطلقة، وعلى التقديرين لا تناقض لانتفاء اتحاد الزمان فيصدق الله تعالى تدركه الأبصار أي أبصار المؤمنين يوم القيامة مثلاً أو وقت تجليه في نوره الذي لا يذهب بالأبصار الله تعالى لا تدركه الأبصار أي في الدنيا بالقيد الذي أشير إليه سابقاً أو وقت تجليه بنوره الذي يذهب بالأبصار وهو النور الشعشعاني المشار إليه في الحديث الوارد في «صحيح مسلم» وغيره « حديث : لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره »تفسير : . وإلى هذا التقييد يشير ثاني تفسيري ابن عباس المتقدم أولهما. فقد روي أنه قال: « حديث : رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه فقال له عكرمة: أليس الله تعالى يقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} فقال: لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء » تفسير : الحديث. وبإثبات هذين النورين يجمع بين حديث : جوابيه عليه الصلاة والسلام لأبي ذر حيث سأله هل رأيت ربك؟ فقال في أحد جوابيه «نور أنى أراه». وفي الجواب الآخر «رأيت نوراً»تفسير : فيقال: النور الذي نفى رؤيته في الاستفهام الإنكاري المدلول عليه بأنى هو نوره أعني النور الذي يذهب بالأبصار ولا يقوم له بصر، والنور الذي أثبت رؤيته هو النور الذي لا يذهب بالأبصار. وكذا يمكن حمل قول عائشة رضي الله عنهما: «من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه فقد أعظم على الله عز وجل الفرية» واستشهادها لذلك بهذه الآية على هذا بأن يقال: أرادت من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام رأى ربه سبحانه في نوره الذي هو نوره الذي يذهب بالأبصار فقد أعظم على الله عز وجل الفرية؛ ويكون الاستشهاد بالآية على ما روي عن ابن عباس من ثاني تفسيريه، وحينئذ لا يتم للمعتزلة دعوى كون {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } دائمة إلا إذا كانت هذه المطلقة كاذبة شرعاً وهو عين المتنازع فيه كما عرفت فلم يبق لهم على دعوى الدوام دليل أصلاً. وقد يقال أيضاً: المراد نفي الرؤية وقت عدم إذن الله تعالى للأبصار بالإدراك، والدليل على صحة إرادة هذا القيد هو أن إرادة الأبصار فعل من أفعال العبيد وكسب من كسبهم وقد ثبت بغير ما دليل أن العباد / لا يقدرون على شيء ما من المقدورات إلا بإذن الله تعالى ومشيئته وتمكينه فلا تدركه الأبصار إلا بإذنه وهو المطلوب. ويؤيد هذا البيان ويشيد أركانه أن {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} وقع بعد قوله سبحانه: { أية : وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } تفسير : [الأنعام: 102]. ووجه التأييد أن الله تعالى أخبر بأنه على كل شيء وكيل أي متول لأموره، ومعلوم أن الأبصار من الأشياء وأن إدراكها من أمورها فهو سبحانه وتعالى متوليها ومتصرف فيها على حسب مشيئته فيفيض عليها الإدراك ويأذن لها إذا شاء كيف شاء وعلى الحد الذي شاء ويقبض عنها الإدراك قبضاً كلياً أو جزئياً في أي وقت شاء كيف شاء، ولا يخفى على هذا أنه غاية التمدح بالعزة والقهر والغلبة فإن من هو على كل شيء وكيل إذا لم تدركه الأبصار إلا بإذنه مع كونه يدرك الأبصار ولا تخفى عليه خافية كان ذلك غاية في عزته وقهره وكونه غالباً على أمره. وذهب بعض المحققين أن الآية لم تسق للتمدح وإنما سيقت للتخويف بأنه سبحانه رقيب من حيث لا يرى فليحذر، وهو ظاهر على التفسير الثاني للوكيل. الرابع من الوجوه يجوز أن يكون المراد لا تدركه الأبصار على الوجه المعتاد في رؤية المحسوسات المشروطة بالشروط التسعة العادية على ما يشير إليه آخر الآية، ومعلوم أن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام فلا يلزم على هذا من الآية نفي الرؤية مطلقاً. الخامس ما قيل: إنا لو سلمنا للخصم ما أراد نقول: إن الآية إنما تدل على أن الأبصار لا تدركه ونحن نقول به وندعي أن ذوي الأبصار يدركونه، والاعتراض بأنه كما أن الأبصار لا تدركه فكذلك لا يدركه غيرها فلا فائدة للتخصيص مدفوع بأنه إنما يلزم انتفاء الفائدة أن لو انحصرت في نفي حكم المنطوق على المسكوت وهو غير مسلم ولعله كان بخصوص سؤال سائل عنه دون غيره أو لمعنى آخر. السادس أنا سلمنا أن المراد لا يدركه المبصرون بأبصارهم لكنه لا يفيد المطلوب أيضاً لجواز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما يدعيه ضرار بن عمرو الكوفي، فقد نقل عنه أنه كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها سبحانه له يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: إنها دلت على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه فوجب أن يكون إدراك الله تعالى بغير البصر جائزاً في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا يصلح لذلك ثبت أنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه اهـ. ومن الناس من استدل بالآية على أن الإطلاع على كنه ذات الله تعالى ممتنع بناء على أن الأبصار جمع بصر بمعنى البصيرة وقرره كما قرر المعتزلة استدلالهم على امتناع الرؤية وفيه ما فيه. نعم احتمال حمل البصر على البصيرة مما يوهن استدلال المعتزلة كما لا يخفى، ولهم في هذا المطلب أدلة أخرى نقلية سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على بعضها، وعقلية قد عقلها القوم في معاطن البطلان. ولعل النوبة تفضي إلى تسريح يعملات الأقلام في رياض تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى الملك العلام فمنه التوفيق لإدراك أبصار الأفهام مخفيات الأسرار وفلق صباح الحق بسواطع الأنوار. {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ } أي يراها على وجه الإحاطة أو يحيط بها علماً أو علما ورؤية كما قيل. وذكر الآمدي أن البصريين من المعتزلة ذهبوا إلى أن إدراك الله تعالى بمعنى / الرؤية وأن البغداديين منهم ذهبوا إلى أنها بمعنى العلم لا بمعنى الرؤية، والمراد بالأبصار هنا على ما قرره بعض المحققين النور الذي تدرك به المبصرات فإنه لا يدركه مدرك بخلاف جرم العين فإنه يرى. ولعل هذا هو السر في الإظهار في مقام الإضمار، وجوز أن يقال المراد أن كل عين لا ترى نفسها. {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} فيدرك سبحانه ما لا يدركه الأبصار، فالجملة سيقت لوصفه تعالى بما يتضمن تعليل قوله سبحانه: «وهو» الخ. وجوز غير واحد أن يكون ما ذكر من باب اللف فإن اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالفتح والخبير يناسب كونه تعالى مدركاً بالكسر، واللطيف مستعار من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة من الشيء الخفي. ويفهم من ظاهر كلام البهائي ـ كما قال الشهاب ـ أنه لا استعارة في ذلك حيث قال في «شرح أسماء الله تعالى الحسنى»: اللطيف الذي يعامل عباده باللطف وألطافه جل شأنه لا تتناهى ظواهرها وبواطنها في الأولى والأخرى { أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18] وقيل: اللطيف العليم بالغوامض والدقائق من المعاني والحقائق ولذا يقال للحاذق في صنعته لطيف. ويحتمل أن يكون من اللطافة المقابلة للكثافة وهو وإن كان في ظاهر الاستعمال من أوصاف الجسم لكن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم لأن الجسمية يلزمها الكثافة وإنما لطافتها بالإضافة، فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها النور المطلق الذي يجل عن إدراك البصائر فضلاً عن الأبصار ويعز عن شعور الأسرار فضلاً عن الأفكار ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والأشكال، فإن كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة ويوصف إليه بالكثافة انتهى. والمرجح أن إطلاق اللطيف بمعنى مقابل الكثيف على ما ينساق إلى الذهن على الله تعالى ليس بحقيقة أصلا كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : جملة ابتدائيّة لإفادة عظمته تعالى وسعة علمه، فلعظمته جلّ عن أن يحيط به شيء من أبصار المخلوقين، وذلك تعريض بانتفاء الإلهيّة عن الأصنام الّتي هي أجسام محدودة محصورة متحيّزة، فكونُها مدركة بالأبصار من سمات المحدثات لا يليق بالإلهيّة ولو كانت آلهة لكانت محتجبة عن الأبصار، وكذلك الكواكب الّتي عبدها بعض العرب، وأمّا الجنّ والملائكة وقد عبدوهما فإنّهما وإن كانا غير مدركين بالأبصار في المتعارف لكلّ النّاس ولا في كلّ الأوقات إلاّ أنّ المشركين يزعمون أنّ الجنّ تَبدو لهم تارات في الفيافي وغيرها. قال شَمِر بن الحارث الضبي: شعر : أتَوْا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتُم فقالوا الجنّ قلتُ عِمُوا ظَلامَا تفسير : ويتوهّمون أنّ الملائكة يظهرون لبعض النّاس، يتلقّون ذلك عن اليهود. والإدراك حقيقته الوصول إلى المطلوب. ويطلق مجازاً على شعور الحاسّة بالمحسوس أو العقللِ بالمعقول يقال: أدركَ بصري وأدرك عقْلي تشبيهاً لآلة العلم بشخص أو فرس وصل إلى مطلوبه تشبيهَ المعقول بالمحسوس، ويقال: أدرك فلان ببصره وأدرك بعقله، ولا يقال: أدرك فلان بدون تقييد، واصطلح المتأخّرون من المتكلّمين والحكماء على تسمية الشعور العقلي إدراكاً، وجعلوا الإدراك جنساً في تعريف التصوّر والتّصديق، ووصفوا صاحب الفهم المستقيم بالدّراكَة. وأمّا قوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار} فيجوز أن يكون إسنادُ الإدراك إلى اسم الله مشاكلة لما قبله من قوله: {لا تدركه الأبصار}. ويجوز أن يكون الإدراك فيه مستعاراً للتصرّف لأنّ الإدراك معناه النوال. والأبصار جمع بصر، وهو اسم للقوّة الّتي بها النّظر المنتشرة في إنسان العين الّذي في وسط الحَدقة وبه إدراك المبصرات. والمعنى: لا تحيط به أبصار المبصرين لأنّ المدرِك في الحقيقة هو المبصِر لا الجارحة، وإنّما الجارحة وسيلة للإدراك لأنّها توصّل الصّورة إلى الحسّ المشترك في الدّماغ. والمقصود من هذا بيان مخالفة خصوصيّة الإلهِ الحقّ عن خصوصيات آلهتهم في هذا العالم، فإنّ الله لا يُرى وأصنامهم تُرى، وتلك الخصوصيّة مناسبة لعظمته تعالى، فإنّ عدم إحاطة الأبصار بالشّيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار، فعموم النّكرة في سياق النّفي يدلّ على انتفاء أن يُدركه شيء من أبصار المبصِرين في الدّنيا كما هو السّياق. ولا دلالة في هذه الآية على انتفاء أن يكون الله يُرى في الآخرة، كما تمسّك به نفاة الرّؤية، وهم المعتزلة لأنّ للأمور الآخرة أحوالاً لا تجري على متعارفنا، وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة. ومن حاول ذلك فقد تكلّف ما لا يتمّ كما صنع الفخر في «تفسيره». والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلّمين؛ فأثبته جمهور أهل السنّة لكثرة ظواهر الأدلّة من الكتاب والسنّة مع اتّفاقهم على أنّها رؤية تخالف الرّؤية المتعارفة. وعن مالك ـــ رحمه الله ـــ «لو لم يَر المؤمنون ربّهم يوم القيامة لم يُعَيَّر الكفّار بالحجاب في قوله تعالى: {أية : كلاّ إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون}تفسير : [المطففين: 15]. وعنه أيضاً «لم يُر الله في الدّنيا لأنّه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصاراً باقية رأوا الباقيَ بالباقي». وأمّا المعتزلة فقد أحالوا رؤية الله في الآخرة لاستلزامها الانحياز في الجهة. وقد اتّفقنا جميعاً على التّنزيه عن المقابلة والجهة، كما اتّفقنا على جواز الانكشاف العلمي التّامّ للمؤمنين في الآخرة لحقيقة الحقّ تعالى، وعلى امتناع ارتسام صورة المرْئي في العين أو اتّصال الشّعاع الخارج من العين بالمرئي تعالى لأنّ أحوال الأبصار في الآخرة غير الأحوال المتعارفة في الدّنيا. وقد تكلّم أصحابنا بأدلّة الجواز وبأدلّة الوقوع، وهذا ممّا يجب الإيمان به مجملاً على التّحقيق. وأدلّة المعتزلة وأجوبتنا عليها مذكورة في كتب الكلام وليست من غرض التّفسير ومرجعها جميعاً إلى إعمال الظاهر أو تأويله. ثمّ اختلف أيمّتنا هل حصلت رؤية الله تعالى للنّبيء صلى الله عليه وسلم فنفى ذلك جمع من الصّحابة منهم عائشة وابن مسعود وأبو هريرة ـــ رضي الله عنهم ـــ وتمسّكوا بعموم هذه الآية كما ورد في حديث البخاري عن عكرمة عن عائشة. وأثبتها الجمهور، ونقل عن أبَيّ بن كعب وابن عبّاس ـــ رضي الله عنهما ـــ، وعليه يكون العموم مخصوصاً. وقد تعرّض لها عياض في «الشّفاء». وقد سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب بجواب اختلف الرّواةُ في لفظه، فحجب الله بذلك الاختلاف حقيقةَ الأمر إتماماً لمراده ولطفاً بعباده. وقوله: {وهو يدرك الأبصار} معطوف على جملة: {لا تدركه الأبصار} فإسناد الإدراك إلى ضمير اسمه تعالى إمّا لأنّ فعل {يُدرك} استعير لمعنى يَنال، أي لا تخرج عن تصرّفه كما يقال: لَحِقَه فأدركه، فالمعنى يَقدر على الأبصار، أي على المبصِرين، وإمّا لاستعارة فعل {يدرك} لمعنى يعلم لمشاكلة قوله: {لا تدركه الأبصار} أي لا تعلمه الأبصار. وذلك كناية عن العلم بالخفيّات لأنّ الأبصار هي العَدَسات الدّقيقة الّتي هي واسطة إحساس الرّؤية أو هي نفس الإحساس وهو أخفى. وجَمعهُ باعتبار المدرِكين. وفي قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} محسِّن الطِّباق. وجملة: {وهو اللّطيف الخبير} معطوفة على جملة: {لا تدركه الأبصار} فهي صفة أخرى. أو هي تذييل للاحتراس دفعا لتوهّم أنّ من لا تدْركه الأبصار لا يعلم أحوال من لا يدركونه. واللّطيف: وصف مشتقّ من اللّطف أو من اللّطافة. يقال: لطف ـــ بفتح الطّاء ـــ بمعنى رَفق، وأكرَم، واحتفَى. ويتعدّى بالباء وباللاّم باعتبار ملاحظة معنى رَفق أو معنى أحْسن. ولذلك سمّيت الطُّرفة والتُّحفَة الّتي يكرَم بها المرء لَطفَا (بِالتّحريكِ)، وجمعها ألطاف. فالوصف من هذا لاَطِف ولَطِيف؛ فيكون اللّطيف اسمَ فاعل بمعنى المبالغة يدلّ على حذف فعل من فاعله، ومنه قوله تعالى عن يوسف {أية : إنّ ربّي لطيف لما يشاء}تفسير : [يوسف: 100]. ويقال لَطُفَ ـــ بضمّ الطّاء ـــ أي دَقّ وخَفّ ضدّ ثَقُل وكَثُف. واللّطيف: صفة مشبّهة أو اسم فاعل. فإن اعتبرت وصفاً جارياً على لطُف ـــ بضمّ الطّاء ـــ فهي صفة مشبّهة تدلّ على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته، فيكون اختيارها للتّعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصّراحة والرّشاقة في الكلمة لأنّها أقرب مادّة في اللّغة العربيّة تقرّب معنى وصفه تعالى بحسب ما وُضعت له اللّغة من متعارف النّاس، فيَقْرب أن تكون من المتشابه، وعليه فتكون أعمّ من مدلول جملة {لا تدركه الأبصار}، فتتنزّل من الجملة الّتي قبلها منزلة التّذييل أو منزلة الاستدلال على الجزئيّة بالكلّية فيزيد الوصفَ قبله تمكّناً. وعلى هذا المعنى حملها الزمخشري في «الكشاف» لأنّه أنسب بهذا المقام وهو من معاني الكلمة المشهورة في كلام العرب، واستحسنه الفخر وجوّزه الرّاغب والبيضاوي، وهو الّذي ينبغي التّفسير به في كلّ موضع اقترن فيه وصف اللّطيف بوصف الخبير كالّذي هنا والّذي في سورة المُلك. وإن اعتبر اللّطيف اسم فاعل من لطَف ـــ بفتح الطّاء ـــ فهو من أمثلة المبالغة يدلّ على وصفه تعالى بالرّفق والإحسان إلى مخلوقاته وإتقان صنعه في ذلك وكثرة فعله ذلك، فيدلّ على صفة من صفات الأفعال. وعلى هذا المعنى حمله سائر المفسّرين والمبيّنين لمعنى اسمه اللّطيف في عداد الأسماء الحسنى. وهذا المعنى هو المناسب في كلّ موضع جاء فيه وصفه تعالى به مفرداً معدّى باللاّم أو بالباء نحو {أية : إنّ ربّي لطيف لما يشاء}تفسير : [يوسف: 100]، وقوله: {أية : الله لطيف بعباده}تفسير : [الشورى: 19]. وبه فسّر الزمخشري قوله تعالى: {الله لطيف بعباده} فللّه درّه، فإذا حمل على هذا المحمل هنا كان وصفاً مستقلاً عمّا قبله لزيادة تقرير استحقاقه تعالى للإفراد بالعبادة دون غيره. و«خَبير» صفة مشبّهة من خبُر ـــ بضمّ الباء ـــ في الماضي، خُبراً ـــ بضمّ الخاء وسكون الباء ـــ بمعنى عَلِم وعرَف، فالخبير الموصوف بالعلم بالأمور الّتي شأنها أن يُخبر عنها عِلماً موافقاً للواقع. ووقوع الخبير بعد اللّطيف على المحمل الأوّل وقوعُ صفة أخرى هي أعمّ من مضموننِ {وهو يدرك الأبصار}، فيكمل التّذييل بذلك ويكون التّذييل مشتملاً على محسِّن النشر بعد اللّف؛ وعلى المحمل الثّاني موقعه موقع الاحتراس لمعنى اللّطيف، أي هو الرّفيق المحسن الخبير بمواقع الرّفق والإحسان وبمستحقّيه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} الآية. أشار في مواضع أخر: إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية كقوله {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]، وقوله {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26] والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15] يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه وهو كذلك.

الواحدي

تفسير : {لا تدركه الأبصار} في الدُّنيا؛ لأنَّه وعد في القيامة الرُّؤية بقوله: {أية : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة...} تفسير : الآية. والمُطلق يحمل على المقيد. وقيل: لا يحيط بكنهه وحقيقته الأبصار وهي تراه، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به {وهو يدرك الأبصار} يراها ويحيط بها علماً، لا كالمخلوقين الذين لا يدركون حقيقة البصر، وما الشَّيء الذي صار به الإِنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما {وهو اللطيف} الرَّفيق بأوليائه {الخبير} بهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَبْصَارُ} {ٱلأَبْصَارَ} (103) - لاَ تَرَى الأَبْصَارُ اللهَ رُؤْيَةَ إِحَاطَةٍ تَعْرِفُ كُنْهَهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ تَعَالَى يَرَى العُيُونَ المُبْصِرَةَ رُؤْيَةَ إِدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ حَقِيقَتِهَا، وَلاَ شَيءٌ مِنْ عِلْمِهَا، وَهُوَ اللَّطِيفُ بِذَاتِهِ، يُعْجِزُ الأَبْصَارَ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الخَبِيرُ بِدَقَائِقِ الأَشْيَاءِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ إِدْرَاكِهِ شَيءٌ. لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ - لاَ تُحِيطُ بِهِ تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولماذا لا تدركه الأبصار؟ لأن البصر آلة إدراك لها قانونها بأن ينعكس الشعاع من المرئي إلى الرائي ويحدده، فلو أن الأبصار تدركه لحددته، وأصبح من يراه قادراً عليه، ولصار مقدوراً لكم؛ لأنه دخل في إدارككم. فلو أنك أدركت الله لكان الله مقدوراً لبصرك، والقادر لا ينقلب مقدوراً ابداً، إذن فمن عظمته انه لا يُدْرَك: أنت قد ترى الشمس، ولكن أتدعي أنك أدركتها؟! لا، لأن الإدراك معناه الإحاطة، وحين يقال "أدركه" أي لم يفلت منه، ولذلك عندما سار قوم فرعون وراء موسى وقومه قال أصحاب موسى: {ٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}. أي لا فائدة؛ لأن البحر أمامنا، إن تقدمنا نغرق، وإن تأخرنا أهلكونا وقتلونا. إذن "مُدرك" يعني محاطا به. فإذا أحاطت الأبصار بالله انقلب البصر قادرا، وصار الله مقدورا عليه. والقادر بذاته - كما قلنا - لا ينقلب مقدورا لخلقه أبدا. {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]. وكل ما عدا الله محتاج إلى الله لبقاء كينونته، وكينونته سبحانه ليست عند أحد؛ لذلك {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} لأنه إن قدر على الأبصار كلها فهو قادر بذاته، والباقي مقدور له؛ لأنه مخلوق له، ومادام مخلوقا له يكون مقدورا عليه ولم يطرأ على المخلوقين شيء جديد يجعلهم قادرين بذواتهم {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ}. وقد وقف العلماء وقفة كبيرة واختلفوا: هل الإنسان يرى ربه أو لا يراه سواء في الدنيا أم في الآخرة؟ بعضهم قال: لا أحد يرى الله بنص الآية: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} ونقول: لكن هناك آيات في القرآن تقول: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]. و"ناظرة" تضمن الرؤية وتفيدها، وأيضاً فالله يعاقب من كفر به بأن يحتجب عنه؛ لأنه القائل: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15]. فالكافرون محجوبون عن رؤية الله عقاباً لهم. ولو اشتركنا معهم وحجبنا كما حجبوا فما ميزتنا كمؤمنين؟، إذن فالعلماء لم ينتبهوا إلى أن هناك فرقا بين الأداء القرآني وما يقولون؟ وحين يحتج عالم منهم بأن رؤية الله غير ممكنة لأن ربنا سبحانه قال لموسى: {أية : لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} تفسير : [الأعراف: 143]. فلماذا لم يلتفت هذا العالم إلى قول الحق: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} تفسير : [الأعراف: 143]. إذن فالله تجلى لبعض خلقه، أما أن يراه الخلق في الدنيا فلا؛ لأن تكويننا غير مؤهل لأن يرى الحق، بدليل أن الأصلب والأقوى منا وهو الجبل حينما تجلى ربه عليه اندك. فلما اندك الجبل خر موسى صعقا، فإذا كان موسى قد خر صعقا لرؤية المتَجلَّى عليه وهو الجبل فكيف لو رآه؟! إن فهو غير معد له. لقد اختلف العلماء عند هذه الآية، وتجلَّى خلافهم إلى أبعد حد؛ فمنهم مجيز للرؤية، ومنهم منكر لها، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع؛ لأنهم تكلموا عن الرؤية، والكلام هنا عن نفي الإدراك، والإدراك إحاطة؛ والرؤية تكون إجمالاً، إنما الإحاطة ليست ممكنة، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك متحدان في المفهوم نقول: لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة؟ لو أن الخلاف في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاماً جميلاً، ولكن الخلاف جعلتموه في الآخرة. إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم الله على المؤمنين، وهي زيادة في الحسنى عليهم، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من العقوبة لهم ونقول - أيضاً -: لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا؟ لأننا في هذه الدنيا معدُّون إعداد أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعداداً لغير أسباب. أنت هنا إذا أحببت أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب، وحين تريد أن تأكل الشيء الفلاني، تقول لأهل البيت: اصنعوا لي كذا أو تشتري ما تريده، إنما هناك في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك، وهذا قانون جديد لا ارتباط له بقانون الدنيا، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضاً قانون يمكن به أن نرى الله وفي إطار ليس كمثله شيء؟ إن في الآخرة قضايا يتفق الجميع على انها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا الآن في الأكل والشرب، والتخلص من الفضلات، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ولكن لن توجد فضلات؛ لأنك أنت الان تطهى وتهضم، وفي الهضم أنت تأخذ بعض الطعام ويبقى منه فضلات لابد أن تخرج، لكن الطهي والهضم في الآخرة بـ "كن" وليس له فضلات، إنه طعام بقدرة القادر، في الجنة كل ما تريده ستناله دون أن ينفد، وفي الدنيا أي شيء يؤخذ منه ينقص، أما في الآخرة فلا شيء ينقص لأن له مدداً من القيومية. ويعقب الحق سبحانه وتعالى بعد القضيتين: {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} ولطيف تناسب {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} و{ٱلْخَبِيرُ} يناسب {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} ولطيف لها معنى خاص، فالشيء اللطيف يستعمل في دقيق التكوين - ولله المثل الأعلى - إن الميكروب لم نعرفه إلا مؤخراً لأنه بلغ من اللطف والدقة بحيث لا تدركه العين، لكن عندما اخترعنا الميكروسكوب رأيناه، وإن دق الميكروب عن ذلك فلن نراه، وقد اكتشفنا "الفيروس" ونحاول معرفة المزيد عن خصائصه، إذن كلما دق الشيء يلطف ولا يمكن أن نراه، فالشيء إذا لطف شرف وعلا ونقول - ولله المثل الأعلى -: فلان لطيف المعشر، والحق سبحانه لطيف في ذاته ويلطف بعباده. إنك ساعة ما تسمع "لاطف" فهذا اسم فاعل، مثلها مثل "آكل"، وحين نقول: "لطيف فهي مبالغة في اللطف؛ لأنه لاطف بكل إنسان وكل كائن وهذا يحتاج إلى مبالغة، ولذلك نقول: رحيم، وهي صيغة مبالغة؛ لأنه يسبغ رحمته على عباده، وأول مظهر من مظاهر اللطف، هو تدبير أمورهم الدقيقة تدبيراً يحقق مصالحهم في وجودهم. إننا حين ندير كوب ماء لكل إنسان ندبر الكثير فما بالنا بتدبير اللطيف بعباده؟ لقد خلق لنا الأرض ثلاثة أرباعها ماء، والربع يابس، لأنه جل وعلا يريد أن يوسع رقعة الماء لأن المياه كلما اتسعت رقعتها، كان البخر فيها أسهل وأكثر، لكن لو كانت المياه عميقة ومساحتها قليلة فالبخر يكون على مستوى السطح فقط، وهنا لا يأتي السحاب بما يكفي الخلق من الماء. لقد سمع الله سبحانه رقعة الماء كي يتبخر الماء ثم ينعقد كسحب في السماء، ويصادف منطقة باردة لينزل لنا المياه العذبة لنشرب منها، وتشرب أنعامنا، ونسقي الزرع، وكل ذلك من لطف التدبير. ومن مظاهر اللطف في الحق نجد أموراً لا توصف، ولذلك كل واحد من العلماء انفعل لزاوية من زوايا لطف الله على خلقه.. فواحد قال: هو "سبوغ النعم" وقال الثاني: "دقة التدبير" وقال الثالث: إن من مظاهر لطف الحق أنه يستقل كثير من النعم على خلقه، فالنعم التي منحها خلقه قليلة لأن خزائنه - سبحانه - ملأى وعطاياه لا تنفد ولا يعتريها نقص، ولذلك قال سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7]. أي أن نعمه الكثيرة على عباده قليلة، وفي المقابل: يستكثر قليل الطاعة من خلقه أي يعتبرها - تفضلاً منه - كثيرة؛ لأنه هو الذي يجزي الحسنة بعشر أمثالها. إذن فمظاهر اللطف لا حصر لها، وعلى قدر دقة اللطف تكون دقة مأتاه وإحصائه، فهو اللطيف الذي إذا ناديته لبّاك، وإذا قصدته آواك، وإذا أحببته أدناك، وإذا أطعته كافاك وإذا أعطيته وأقرضته من فضله وماله الذي منحك عافاك، وإذا أعرضت عنه دعاك فهو القائل: "حديث : يابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت منّي شبراً دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت منّي ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول" تفسير : وكلها مظاهر لطف. وهو المنادى: "توبوا إلى الله" والرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل: "حديث : لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط على بعيره قد أضله بأرض فلاة" تفسير : وإذا قربت من الله هداك. ويأتي عالم آخر ممن انفعلوا بصفات اللطف، فيقول: الذي يجازيك إن وفيت، ويعفو عنك إن قصرت، وعالم آخر يضيف إلى معاني اللطف فيقول: من افتخر به وأعزه، ومن افتقر إليه أغناه، وعالم ينفعل انفعالاً آخر بمظاهر اللطف فيقول: من عطاؤه خير، ومنعه ذخيرة.. أي أنه لو منع عبده شيئاً فإنه يدخره له في الآخرة، كل هذه مظاهر للطف، وهذا مناسب لقوله الحق: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} إن لطفه سبحانه يتغلغل فيما لا نستطيع أن ندركه، وحين تحلل أنت أي أمر قد لا تصل إلى فهم النعمة، وإن وصلت فأنت لا تقدر أن تؤدي الحمد على تلك النعمة. وقوله الحق: {وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} مناسب لكلمة "خبير"، ونحن في حياتنا نسمع كلمة "خبير" فعندما نقابل أي مشكلة من المشكلات نجد من يقول: نريد أن نسمع رأي الخبير فيها، وفي القضاء نجد القاضي يستدعي خبيراً ليكتب تقريراً في أمر يحتاج إلى من هو متخصص فيه وعليم به، إذن فالخبير في مجال ما هو الذي يعرف تفاصيل الأمر، فما بالنا بالخبير الأعلى الذي لا يستعصي عليه شيء في ملكه، وهو الذي يدرك الأبصار، فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} يناسبها "خبير"، وهذا ما يسمونه في اللغة "لف ونشر" وهو ان يأتي بأمرين أو ثلاثة ثم يأتي بما يقابلها، مثال ذلك قوله الحق: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} تفسير : [القصص: 73]. فمن مظاهر رحمته لنا سبحانه أن جعل لنا الليل والنهار، ثم قال: {أية : لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73]. لنسكن في الليل، ونبتغي فضله في النهار، وهذا اسمه - كما قلنا - "لف ونشر". ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ...}