Verse. 893 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قَدْ جَاۗءَكُمْ بَصَاۗىِٕرُ مِنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۚ فَمَنْ اَبْصَرَ فَلِنَفْسِہٖ۝۰ۚ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْہَا۝۰ۭ وَمَاۗ اَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيْظٍ۝۱۰۴
Qad jaakum basairu min rabbikum faman absara falinafsihi waman AAamiya faAAalayha wama ana AAalaykum bihafeethin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قل يا محمد لهم: «قد جاءكم بصائر» حجج «من ربكم فمن أبصر» ها فآمن «فلنفسه» أبصر لأن ثواب إبصاره له «ومن عَمي» عنها فضل «فعليها» وبال إضلاله «وما أنا عليكم بحفيظ» رقيب لأعمالكم إنما أنا نذير.

104

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة، والدلائل القاهرة في هذه المطالب العالية الشريفة الإلهية. عاد إلى تقرير أمر الدعوى والتبليغ والرسالة فقال: {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } والبصائر جمع البصيرة، وكما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين التي في الرأس، فالبصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب. قال تعالى: {أية : بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } تفسير : [القيامة: 14] أي له من نفسه معرفة تامة، وأراد بقوله: {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } الآيات المتقدمة، وهي في أنفسها ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلالتها توجب البصائر لمن عرفها، ووقف على حقائقها، فلما كانت هذه الآيات أسباباً لحصول البصائر. سميت هذه الآيات أنفسها بالبصائر، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا يتعلق به. أما القسم الأول: وهو الذي يتعلق بالرسول، فهو الدعوة إلى الدين الحق، وتبليغ الدلالة والبينات فيها، وهو أنه عليه السلام ما قصر في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات عنها، وهو المراد من قوله: {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ }. وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يتعلق بالرسول، فإقدامهم على الإيمان وترك الكفر، فإن هذا لا يتعلق بالرسول، بل يتعلق باختيارهم، ونفعه وضره عائد إليهم، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر، وإياها نفع، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } احفظ أعمالكم وأجازيكم عليها. إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم. المسألة الثانية: في أحكام هذه الآية، وهي أربعة ذكرها القاضي: فالأول: الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختياراً استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها، لأن ذلك يبطل هذا الغرض. والثاني: أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى. والثالث: أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه. والرابع: أنه متمكن من الأمرين، فلذلك قال: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } قال: وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة. واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه يهدم كل ما يذكرونه. المسألة الثالثة: المراد من الإبصار ههنا العلم، ومن العمي الجهل، ونظيره قوله تعال: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46]. المسألة الرابعة: قال المفسرون قوله: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل. قالوا: وهذا إنما كان قبل الأمر بالقتال، فلما أمر بالقتال صار حفيظاً عليهم، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية، وهو بعيد فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ، فوجب السعي في تقليله بقدر الإمكان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي آيات وبراهين يُبْصَر بها ويُستدَلّ؛ جمع بصيرة وهي الدّلالة. قال الشاعر:شعر : جاءوا بصائرهُم على أكتافهم وبصيرتي يَعْدُو بها عَتَدٌ وَآي تفسير : يعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. ووصف الدلالة بالمجيء لتفخيم شأنها؛ إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس؛ كما يقال: جاءت العافية وقد ٱنصرف المرض، وأقبل السعود وأدبر النحوس. {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} الإبصار: هو الإدراك بحاسة البصر؛ أي فمن ٱستدل وتعرّف فنفسه نفع. {وَمَنْ عَمِيَ} لم يستدل، فصار بمنزلة الأعمى؛ فعلى نفسه يعود ضرر عماه. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي لم أومر بحفظكم على أن تهلكوا أنفسكم. وقيل: أي لا أحفظكم من عذاب الله. وقيل: «بِحَفِيظٍ» برقيب؛ أحصِي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربّي، وهو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. قال الزجاج: نزل هذا قبل فرض القتال، ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان.

ابن كثير

تفسير : البصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم{فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} كقوله: {أية : فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} تفسير : [الإسراء: 15] ولهذا قال: {وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا} لما ذكر البصائر، قال: {وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا} أي: إنما يعود وباله عليه، كقوله: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقوله: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ} أي: وكما فصلنا الآيات في هذه السورة؛ من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك؛ من أهل الكتاب، وقارأتهم، وتعلمت منهم، هكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم، وقال الطبراني: حدثنا عبد الله ابن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال: سمعت ابن عباس يقول: دارست: تلوت، خاصمت، جادلت، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن كذبهم وعنادهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا} تفسير : [الفرقان:4-5] الآية، وقال تعالى إخباراً عن زعيمهم وكاذبهم: {أية : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} تفسير : [المدثر: 18 - 25]، وقوله: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء؛ كقوله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} تفسير : [البقرة: 26] الآية، وكقوله: {أية : لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الحج: 53] {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الحج: 54] وقال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31] وقال: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} تفسير : [الإسراء: 82] وقال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه يضل به من يشاء، ويهدي من يشاء. ولهذا قال ههنا: (وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَـٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) وقرأ بعضهم {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} قال التميمي عن ابن عباس: درست، أي: قرأت وتعلمت، وكذا قال مجاهد، والسدي، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال عبد الرزاق: عن معمر، قال الحسن {وليقولوا دَرَسَتْ} يقول: تقادمت وانمحت، وقال عبد الرزاق أيضاً: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبياناً يقرؤون ها هنا: دَرَسَتْ، وإنما هي دَرَسْتَ، وقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: هي في قراءة ابن مسعود دَرَسَتْ، يعني: بغير ألف، بنصب السين ووقف على التاء، قال ابن جرير: ومعناه: انمحت وتقادمت، أي: إن هذا الذي تتلوه علينا، قد مر بنا قديماً، وتطاولت مدته، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أنه قرأها: (دُرِسَتْ)، أي: قُرِئَتْ وتُعُلِّمَتْ، وقال معمر عن قتادة: دُرِسَتْ: قُرِئَتْ، وفي حرف ابن مسعود: دَرَسَ، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف أبي بن كعب، وابن مسعود: وليقولوا درس، قال: يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ، وهذا غريب، فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن ليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني: بجزم السين ونصب التاء، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

المحلي و السيوطي

تفسير : قل يا محمد {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ } حجج {مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ } ها فآمن {فَلِنَفْسِهِ } أبصر، لأنّ ثواب إبصاره له {وَمَنْ عَمِىَ } عنها فَضَلَّ {فَعَلَيْهَا } وبال إضلاله {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } رقيب لأعمالكم، إنما أنا نذير.

الشوكاني

. تفسير : البصائر جمع بصيرة، وهي في الأصل: نور القلب، والمراد بها هنا الحجة البينة والبرهان الواضح. وهذا الكلام وارد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال في آخره {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } ووصف البصائر بالمجيء تفخيماً لشأنها، وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه، كما يقال جاءت العافية، وانصرف المرض، وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ } أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن لها فنفع ذلك لنفسه؛ لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار {وَمَنْ عَمِىَ } عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها، فضرر ذلك على نفسه؛ لأنه يتعرض لغضب الله في الدنيا ويكون مصيره النار {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } برقيب أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم. قال الزجاج: نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان. {وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه. قوله: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } العطف على محذوف، أي نصرّف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست. أو علة لفعل محذوف يقدّر متأخراً، أي وليقولوا درست صرفناها، وعلى هذا تكون اللام للعاقبة أو للصيرورة. والمعنى: ومثل ذلك التصريف نصرّف الآيات وليقولوا درست، فإنه لا احتفال بقولهم ولا اعتداد بهم، فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الاكتراث بقولهم. وقد أشار إلى مثل هذا الزجاج. وقال النحاس: وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى {نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } نأتي بها آية بعد آية {وَلّيَقُولواْ دَرَسْتَ } علينا، فيذكرون الأوّل بالآخر، فهذا حقيقته، والذي قاله أبو إسحاق: يعني الزجاج مجاز. وفي {دَرَسْتَ } قراءات، قرأ أبو عمرو، وابن كثير «دارست» بألف بين الدال والراء كفاعلت، وهي قراءة عليّ، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وأهل مكة. وقرأ ابن عامر «درست» بفتح السين وإسكان التاء من غير ألف كخرجت، وهي قراءة الحسن. وقرأ الباقون «درست» كضربت، فعلى القراءة الأولى المعنى: دارست أهل الكتاب ودارسوك، أي ذاكرتهم وذاكروك، ويدلّ على هذا ما وقع في الكتاب العزيز من إخبار الله عنهم بقوله: {أية : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون} تفسير : [الفرقان: 4] أي أعان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن، ومثله قولهم: {أية : أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الفرقان: 5]، وقولهم: {أية : إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } تفسير : [النحل: 103]. والمعنى على القراءة الثانية: قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت، وهو كقولهم: {أية : أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ } تفسير : [الأنعام: 25، وفي ثمانية مواضع أُخر من كتاب الله العزيز]. والمعنى على القراءة الثالثة: مثل المعنى على القراءة الأولى. قال الأخفش: هي بمعنى دارست إلا أنه أبلغ. وحكى عن المبرد أنه قرأ "وَلِيَقُولُواْ" بإسكان اللام، فيكون فيه معنى التهديد، أي وليقولوا ما شاءوا فإن الحق بين، وفي اللفظ أصله درس يدرس دراسة، فهو من الدرس، وهو القراءة. وقيل من درسته: أي ذللته بكثرة القراءة، وأصله درس الطعام، أي داسه. والدياس: الدراس بلغة أهل الشام. وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درساً، أي أخلقته، ودرست المرأة درساً، أي حاضت. ويقال: إن فرج المرأة يكنى أبا دراس وهو من الحيض، والدرس أيضاً: الطريق الخفي. وحكى الأصمعي: بعير لم يدرس: أي لم يركب. وروى عن ابن عباس وأصحابه، وأبي، وابن مسعود، والأعمش، أنهم قرءوا «درس» أي: درس محمد الآيات، وقرىء «درِسَتْ» وبه قرأ زيد بن ثابت، أي الآيات على البناء للمفعول، «ودارست» أي دارست اليهود محمداً. واللام في {لنبينه} لام كي، أي نصرف الآيات لكي نبينه لقوم يعلمون، والضمير راجع إلى الآيات؛ لأنها في معنى القرآن، أو إلى القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل. قوله: {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } أمره الله باتباع ما أوحى إليه وأن لا يشغل خاطره بهم، بل يشتغل باتباع ما أمره الله، وجملة: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، لقصد تأكيد إيجاب الاتباع {وَأَعْرِض } معطوف على {اتَّبِعُ } أمره الله بالإعراض عن المشركين بعدما أمره باتباع ما أوحي إليه، وهذا قبل نزول آية السيف: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ } أي لو شاء الله عدم إشراكهم ما أشركوا، وفيه أن الشرك بمشيئة الله سبحانه، والكلام في تقرير هذا على الوجه الذي يتعارف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده، {وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } أي رقيباً {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم، ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة. قوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار. والمعنى: لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله، فيتسبب عن ذلك سبهم لله عدواناً وتجاوزاً عن الحق، وجهلاً منهم. وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجباً عليه، وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس، إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف. وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات؛ عناداً للحق وبغضاً لاتباع المحقين، وجراءة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة، قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع، وهم شرّ من الزنادقة، لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتمّ باطلهم وكفرهم نادراً على ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سدّ الذرائع، وقطع التطرّق إلى الشبه. وقرأ أهل مكة «عُدُوّا» بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن، وأبي رجاء وقتادة. وقرأ من عداهم بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو، ومعنى القراءتين واحد: أي ظلماً وعدواناً، وهو منتصب على الحال، أو على المصدر، أو على أنه مفعول له {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم من الخير والشرّ {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء }تفسير : [النحل: 93، فاطر: 8] {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها، ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم، وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ } أي بينة {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ } أي فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه {وَمَنْ عَمِىَ } أي من ضلّ {فَعَلَيْهَا }. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ «دارست» وقال: قرأت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه {دَرَسْتَ } قال: قرأت وتعلمت. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه أيضاً قال "دارست" خاصمت، جادلت، تلوت. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } قال: كفّ عنهم، وهذا منسوخ، نسخه القتال: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ } يقول الله تبارك وتعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } أي بحفيظ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } قال: قالوا يا محمد لتنتهينّ عن سبك آلهتنا أو لنهجونَّ ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ }. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ملعون من سبّ والديه"تفسير : ، قالوا يا رسول الله وكيف يسبّ الرجل والديه؟ قال: "حديث : يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتلو بعضها بعضاً فلا ينقطع التنزيل. والثاني: أن الآية تنصرف في معان متغايرة مبالغة في الإِعجاز ومباينة لكلام البشر. والثالث: أنه اختلاف ما تضمنها من الوعد والوعيد والأمر والنهي، ليكون أبلغ في الزجر، وأدعى إلى الإِجابة، وأجمع للمصلحة. ثم قال تعالى: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} وفي الكلام حذف، وتقديره: ولئلا يقولوا درست، فحذف ذلك إيجازاً كقوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 167] أي لئلا تضلوا. وفي {دَرَسْتَ} خمس قراءات يختلف تأويلها بحسب اختلافها: إحداهن: {َدَرَسْتَ} بمعنى قرأت وتعلمت، تقول ذلك قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، والضحاك، وهي قراءة حمزة، والكسائي. والثانية: {دَارَسْتَ} بمعنى ذاكرت وقارأت، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، ومروي عن ابن عباس، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. وفيها على هذه القراءة تأويل ثانٍ، أنها بمعنى خاصمت وجادلت. والثالثة: {دَرَسَتْ} بتسكين التاء بمعنى انمحت وتقادمت، قاله ابن الزبير، والحسن، وهي قراءة ابن عامر. والرابعة: {دُرِسَتْ} بضم الدال لما لم يسم فاعله تليت وقرئت، قاله قتادة. والخامسة: {دَرَسَ} بمعنى قرأ النبي صلى الله عليه وسلم وتلا، وهذا حرف أبي بن كعب، وابن مسعود. {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْْلَمُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: لقوم يعقلون. والثاني: يعلمون وجوه البيان وإن لم يعلموا المبين.

النسفي

تفسير : {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } البصيرة نور القلب الذي به يستبصر القلب كما أن البصر نور العين الذي به تبصر أي جاءكم من الوحي والتنبيه ما هو للقلوب كالبصائر {فَمَنْ أَبْصَرَ } الحق وآمن {فَلِنَفْسِهِ } أبصر وإياها نفع {وَمَنْ عَمِيَ} عنه وضل {فَعَلَيْهَا } فعلى نفسه عمى وإياها ضر بالعمى {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم. الكاف في {وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } في موضع نصب صفة المصدر المحذوف أي نصرف الآيات تصريفاً مثل ما تلونا عليك {وَلِيَقُولُواْ } جوابه محذوف أي وليقولوا {دَرَسْتَ } نصرفها ومعنى {دَرَسْتَ } قرأت كتب أهل الكتاب. {دارست} مكي وأبو عمرو أي دارست أهل الكتاب. { دَرَسْتَ } شامي أي قدمت هذه الآية ومضت كما {أية : قالوا أساطير الأولين}تفسير : {وَلِنُبَيِّنَهُ } أي القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوماً أو الآيات لأنها في معنى القرآن. قيل: اللام الثانية حقيقة، والأولى لام العاقبة والصيرورة أي لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا درست وهو كقوله {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }تفسير : [القصص: 8] وهم لم يلتقطوه للعداوة وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة، فكذلك الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا درست ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين فشبه به. وقيل: ليقولوا كما قيل لنبينه وعندنا ليس كذلك لما عرف {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } الحق من الباطل {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } ولا تتبع أهواءهم {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي لا محل له من الإعراب أو حال {مِن رَبِّكَ } مؤكدة {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } في الحال إلى أن يرد الأمر بالقتال {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ } أي إيمانهم فالمفعول محذوف {مَا أَشْرَكُواْ } بيّن أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه ولكن علم منهم اختيار الشرك فشاء شركهم فأشركوا بمشيئته {وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } مراعياً لأعمالهم مأخوذاً بإجرامهم {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بمسلط. وكان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا عنه لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله بقوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ } منصوب على جواب النهي {عَدْوَاً } ظلماً وعدواناً {بِغَيْرِ عِلْمٍ } على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به {كَذٰلِكَ } مثل ذلك التزيين {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ } من أمم الكفار {عَمَلَهُمْ } وهو كقوله {أية : أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء }تفسير : [فاطر: 8] وهو حجة لنا في الأصلح {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ } مصيرهم {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فيخبرهم بما عملوا ويجزيهم عليه {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } جهد مصدر وقع موقع الحال أي جاهدين في الإتيان بأوكد الأيمان {لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } من مقترحاتهم {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } وهو قادر عليها لا عندي فكيف آتيكم بها {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } وما يدريكم {إنَّهَا } أن الآية المقترحة {إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بها يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تعلمون ذلك، وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله تعالى: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على معنى إنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون {أَنَّهَا } بالكسر: مكي وبصري وأبو بكر على أن الكلام تم قبله أي وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة. ومنهم من جعل «لا» مزيدة في قراءة الفتح كقوله {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 95]. {لاَ تُؤْمِنُونَ } شامي وحمزة. {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ } عن قبول الحق {وَأَبْصَـٰرِهِمْ } عن رؤية الحق عند نزول الآية التي اقترحوها فلا يؤمنون بها. قيل: هو عطف على {لاَ يُؤْمِنُونَ } داخل في حكم {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } أي وما يشعركم أنهم لا يؤمنون وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } كما كانوا عند نزول آياتنا أولا لا يؤمنون بها {وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قيل: وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم يعمهون يتحيرون. {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰـئِكَةَ } كما قالوا: لولا أنزل علينا الملائكة {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ } كما قالوا فأتوا بآبائنا {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ } جمعنا {كُلَّ شَيْء قُبُلاً } كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا جمع قبيل وهو الكفيل {قُبُلاً } مدني وشامي أي عياناً وكلاهما نصب على الحال {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } إيمانهم فيؤمنوا وهذا جواب لقول المؤمنين لعلهم يؤمنون بنزول الآية {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } أي هؤلاء لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية المقترحة. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِيّ عَدُوّاً } وكما جعلنا لك أعداء من المشركين جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء أعداء لما فيه من الابتلاء الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر وانتصب {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } على البدل من {عَدُوّا } أو على أنه من المفعول الأول و {عَدُوّا } مفعول ثانٍ {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وعن مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً. وقال عليه السلام «حديث : قرناء السوء شر من شياطين الجن»تفسير : {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } ما زينوه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي {غُرُوراً } خدعاً وأخذاً على غرة وهو مفعول له {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } أي الإيحاء يعني ولو شاء الله لمنع الشياطين من الوسوسة ولكنه امتحن بما يعلم أنه أجزل في الثواب {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } عليك وعلى الله فإن الله يخزيهم وينصرك ويجزيهم {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } ولتميل إلى زخرف القول قلوب الكفار وهي معطوفة على {غُرُوراً } أي ليغروا ولتصغي إليه {وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَاهُم مُّقْتَرِفُونَ } من الآثام {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً } أي قل يا محمد أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل {وَهُوَ ٱلَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } المعجز {مُفَصَّلاً } حال من الكتاب أي مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء. ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له بقوله {وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } أي عبد الله بن سلام وأصحابه {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ } شامي وحفص {مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } الشاكين فيه أيها السامع، أو فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق ولا يَرِبْكَ جحود أكثرهم وكفرهم به.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بيَّن بالبيِّنَاتِ الباهرة، والدلائل القاهرة المطالب الإلهية عاد إلى تَقْرِير الدَّعْوَةِ والتبليغ والرسالة، وإنما ذكر الفِعْلَ لشيئين: أحدهما: الفصل بالمفعول. والثاني: كون التأنيث مَجَازِياً. والبَصَائِرُ: جمع "بَصِيرَة" وهي الدلالة التي توجب إبصار النفوس للشيء ومنه قيل للدَّمِ الدال على القتيل "مبصرة" والبصيرة مُخْتَصَّةٌ بالقلب [كالبَصَرِ للعين، هذا قول بعضهم. وقال الراغب: "ويقال لقوة القلب المُدْرِكة: "بَصِيرَةٌ وبَصَرٌ"] قال تبارك وتعالى: {أية : بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} تفسير : [القيامة:14] وقال تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم:17] وتقدَّم تحقيق هذا في أوائل سوة "البقرة". وأراد بالبَصَائِرِ الآيات المتقدمة، وهي في نَفْسِهَا لَيْسَتْ بَصَائِرَ إلا أنها لقوتها وجلائهَا تُوجِبُ البصائِرَ لمن عرفها، ووقَفَ على حَقَائِقهَا، فلما كانت سَبَباً لحصول البَصَائِرِ سميت بالبَصَائِرِ. قوله: "مِنْ ربِّكُمْ" يجوز أن يتعلَّق بالفعل قبله، وأن يتعلَّق بمحذوف على أنه صِفَةٌ لما قبله، أي: بصائر كائنة من ربكم و "من" في الوجهين لابتداء الغاية مَجَازاً. قوله: "فَمَنْ أبْصَرَ" يجوز أن تكون شَرطيَّةً، وأن تكون مَوصُولةً فالفاء جواب الشَّرطِ على الأوَّلِ، ومزِيدَةٌ في الخبر لشبه الموْصُولِ باسم الشرط على الثُّانِي، ولا بُدَّ قبل لام الجرِّ من مَحْذُوفٍ يَصِحُّ به الكلام، والتقدير: فالإبْصَارُ لِنَفْسِهِ، ومَنْ عَمِيَ فالعَمَى عليها، فإلإبصار والعَمَى مُبْتَدآنِ، والجارُّ بعدهما هو الخَبَرُ، والفاء دَاخِلَةٌ على هذه الجملة الواقعة جواباً أو خبراً، وإنما حُذِف مُبْتَدؤها للعلم به، وقدَّر الزجاج قريباً من هذا, فقال: "فلنفسه نَفْعُ ذلك ومن عَمِيَ فعليها ضَرَرُ ذلك". وقال الزمخشري: "فَمْنْ أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر وإياها نفع، ومن عمي فعليها، أي: فعلى نفسه عَمِي، وإياها ضر". قال أبو حيَّان: وما قدَّرناه من المصدر أوْلَى، وهو: فالإبصار والعمى لوجهين: أحدهما: أن المَحْذُوفَ يكون مفرداً لا جملة، والجار يكون عُمْدَةً لا فَضْلَةً، وفي تقديره هو المحذوف جملة، والجار والمجرور فَضْلَة. والثاني: وهو أقوى، وذلك أنه لو كان التقدير فِعْلاً لم تدخل الفاء سواء كانت شَرطيَّةً أم موصولة مشبهة بالشرط؛ لأن الفعل الماضي إذا لم يكن دُعَاءً ولا جَامِداً، ووقع جوابُ الشَّرطِ أو خبر مبتدأ مُشَبَّهٌ بالشرط لم تدخل الفاءُ في جواب الشرط، ولا في خبر المبتدأ لو قلت: "من جاءني فأكرمته" لم يَجُزْ بخلاف تقديرنا، فإنه لا بُدَّ فيه من الفاء، ولا يجوز حذفها إلا في الشعر. قال شهاب الدين: "وهذا التقدير الذي قدَّرهُ الزمخشري سبقه إليه الكَلْبِيُّ, فإنه قال: فَمَنْ أبصر صَدَّق وآمن بمحمد عليه الصلاة والسلام فلنفسه عمل ومَنْ عمي فلم يُصَدِّقْ فعلى نفسه جَنَى العذاب" وقوله: إن الفاء لا تَدْخُلُ فيما ذُكِرَ قد يُنازعُ فيه، وإذا كانوا فيما يَصْلُحُ أن يكون جواباً صريحاً، ويظهر فيه أثَرُ الجَازِمِ كالمُضارعِ يجوز فيه دُخُولُ الفاء نحو: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95] فالماضي بدخولها أوْلَى وأحْرَى. فصل في بيان عود المنافع للبشر قال القاضي: إنه - تعالى - بيَّن لنا أن المنافِعَ تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تبارك وتعالى, وأيضاً إن المَرْءَ بِعُدُولِهِ عن النَّظَرِ يَضُرُّ بنفسه، ولم يؤت إلاَّ من قبله لا من قبل ربِّهِ، وأيضاً إنه متمكِّنٌ من الأمرين، فلذلك قال: {فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَنْ عَمِيَ فَعَليْها} قال: وهذا يبطل قول المجبرة [في أنه - تعالى - يكلف بلا قدرة] وجوابه المعارضة بسؤال الداعي. قوله: {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: برقيب أحْصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رَسُولُهُ أبلغكم رِسالاتِ ربي، وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شَيءٌ من أعمالكم. فصل في معنى الآية قال المفسرون: هذا كان قبل الأمْرِ بالقتالِ، فلما أمِرَ بالقتال صار حَفِيظاً عليهم، ومنهم من يقول: آيَةُ القِتَالِ نَاسِخَةٌ لهذه الآية الكريمة، وهو بعيد؛ لأن الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قد جاءكم بصائر} أي بينة {فمن أبصر فلنفسه} أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه {ومن عمي} أي من ضل {فعليها} الله أعلم. قوله تعالى: {وليقولوا درست} . أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس. أنه كان يقرأ هذا الحرف " دارست" بالألف مجزومة السين منتصبة التاء، قال: قارأت . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس درست قال: قرأت وتعلمت . وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس "دارست" قال: خاصمت جادلت تلوت . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله "وليقولوا دارست" قال: فاقهت، وقرأت على يهود وقرأوا عليك . وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: إن صبياناً ههنا يقرأون {دارست} وإنما هي {درست} يعني بفتح السين وجزم التاء، ويقرأون {وحرم على قرية} [الأنبياء: 95] وإنما هي {وحرام} ويقرأون {في عين حمئة} وإنما هي {حامية} قال عمرو: وكان ابن عباس يخالفه فيهن كلهن . وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: اقرأني رسول الله صلى الله وعليه وسلم {وليقولوا درست} يعني بجزم السين ونصب التاء . وأخرج أبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس دارست يقول: قارأت اليهود وفاقهتهم. وفي حرف أُبي " وليقولوا درس " أي تعلم . وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال: في حرف أبي بن كعب وابن مسعود {وليقولوا درس} يعني النبي صلى الله عليه وسلم قرأ . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قرأ {درست} قال: علمت . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي إسحق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود {درست} بغير ألف بنصب السين ووقف التاء . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن. أنه كان يقرأ {وليقولوا درست} أي انمحت وذهبت . وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن. أنه كان يقرأ {درست} مشددة . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس. أنه كان يقرأ " أدارست" ويتمثل : شعر : دارس كطعم الصاب والعلقم تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {وليقولوا درست} قالوا: قرأت وتعلمت، تقول ذلك له قريش . قوله تعالى: {وأعرض عن المشركين} . أخرج أبو الشيخ عن السدي {وأعرض عن المشركين} قال: كف عنهم، وهذا منسوخ نسخه القتال {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} [الآية: 104]. قال الخواص: أنزل الله البصائر فطوبى لمن رزق بصيرة منها وأدنى البصائر أن يبصر الإنسان رشده.

القشيري

تفسير : أوضحَ البيانَ وأَلاَحَ الدليلَ، وأزاحَ العِلَل وأنارَ السبيلَ، ولكن قيل: شعر : وما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلَمُ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ} من الله سبحانه على عباده يمحى بصائر أياته التى برز نعوت الازلية منها وكلماته التامسات التى يتجلى الذوى الحقائق منها كما قال امير المؤمنين على بن ابى طالب كرم الله وجهه ان الله تعالى يتجلى لعباده فى القران وبتلك البصائر كحل الله ابصار العارفين كحل انوار صافته وسنا سبحات ذاته فمن كان له استعداد النظر اليها بنعت البصر وجد طريق الرشد لنفسه ومن ليس له استعداد النظطر والبصيرة صار محتجبا من رؤية صفايح القدس فى الأيت وصحائف الانس فى الكلمات قال الخواص انزل الله البصائر لمن رزق بصيرة منها وادنى البصائر ان يبصر الاسنان رشده.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد جاءكم} اى قل يا محمد للناس وخصوصا لاهل مكة قد جاءكم {بصائر} كائنة {من ربكم} اى دلائل التوحيد وحقية النبوة ودلائل البعث والحساب والجزاء وغير ذلك. والبصائر جمع بصيرة وهى نور تبصر به النفس كما ان البصر نور تبصر به العين فاستعير لفظ البصيرة من القوة المودعة فى القلب لادراك المعقولات للحجة البينة لكون كل واحدة منهما سبب الادراك {فمن ابصر} اى الحق بتلك البصائر وآمن به {فلنفسه} ابصر لان نفعه لها {ومن عمى} اى لم يبصر الحق بعد ما ظهر له بتلك ظهورا بينا وضل عنه وانما عبر بالعمى عنه تقبيحا له وتنفيرا عنه {فعليها} وباله. والاشارة ان الله تعالى اعطى لكل عبد بصيرة لقلبه يبصر بها الحقائق المودعة فى الغيوب والكمالات المعدة لأرباب القلوب كما اعطى بصرا لقالبه يبصر به الاعيان فى الشهادة ما اعد لهم فيها من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح فمن نظر ببصر البصيرة الى المراتب العلوية الاخروية الباقية وابصر كمالات القرب وما اعد الله مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيشتغل بتحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله ويعرض عن الدنيا الدنية ويترك زينتها وشهواتها الفانية فذلك تحصيل سعادة وكرامة لنفسه فان الله غنى عن العالمين ومن عمى عن النظر بالبصيرة وغير هذه الكمالات لما ابصر ببصر القالب الى الدنيا وزينتها واستلذ بشهواتها واستحلى مراتعها الحيوانية فعميت بصيرته فانها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه كذا فى التأويلات النجمية {وما انا عليكم بحفيظ} وانما انا منذر ومبلغ والله هو الحفيظ عليكم يحفظ اعمالكم ويجازيكم عليها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: البصائر: جمع بصيرة، وهي عَينُ القلب، كما أن البصر عين البدن، فالبصيرة ترى المعاني القديمة، والبصر يرى الحسيات الحادثة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قد جاءكم} أيها الناس {بصائرُ من ربكم} أي: براهين توحيده، ودلائل معرفته، حاصلةَ من ربكم، تنفتح بها البصائر، وتبصر بها أنوار قدسه، {فمن أبصرَ} الحق، وآمن به، واستعمل الفكر فيه حتى عرفه، {فلنفسه} أبصر، ولها نفع، {ومن عَميَ} عنها، ولم يرفع رأسًا، وضل عن الحق، {فعليها} وباله وضرره، ولا يتضرر بها غيره، {وما أنا عليكم بحفيظ} أرقب أعمالكم وأُجازيكم، وإنما أنا منذر، والله هو الحفيظ عليكم، يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها. الإشارة: البصيرة كالبصر، أدنى شيء يقع فيها يَضُرُّ بناظرها، وهي على أقسام: منها ما تكون عمياء، والعياذ بالله، وهي التي فسد ناظرها بفساد الاعتقاد، كبصيرة الكفار ومن قاربهم، ومنها ما تكون مريضة فقط، لا تقاوم شعاع شمس التوحيد الخاص، وهي بصيرة أهل الغفلة، ومنها ما يخف مرضها فيكون لها شعاع، تدرك قرب نور الحق منها؛ وهي بصيرة المتوجهين من العباد والزهاد ونهاية الصالحين. ومنها ما تكون قريبة البُرء والصحة، قد انفتحت، لكنها حيرى؛ لما فاجأها من النور، وهي بصيرة المريدين السائرين من أهل الفناء، ومنها ما تكون صحيحة قوية، قد تمكنت من شهود الأنوار، ورسخت في بحر الأسرار، وهي بصيرة العارفين المتمكنين في مقام البقاء، وقد أشار في الحِكَم إلى الثلاثة فقال: "شُعاعُ البصيرة يُشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق لا عدمك ولا وجودك، كان اللهُ ولا شيءَ معهُ، وهو الآنَ علَى ما عليه كان". وذِكْرُ هذه الآيات، سبب لضلال أهل الشقاء وهداية أهل العناية، كما بيَّن ذلك بقوله: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ}.

الطوسي

تفسير : البصائر جمع بصيرة وهي الدلالة التي توجب العلم الذي يبصر به نفس الشيء على ما هو به والمراد ها هنا قد جاءكم القرآن الذي فيه الحجج والبراهين، قال الشاعر: شعر : جاؤا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتد وأي تفسير : ونعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. وأما الابصار فهو الادراك ولذلك يوصف تعالى بأنه مبصر كما يوصف بأنه مدرك ويسمى بأنه بصير، لانه يجب أن يدرك المبصرات اذا وجدت وانما وصفت الدلالة بأنها جائية وان كان لا يجوز أن يقال جاءت الحركة، ولا جاء السكون ولا الاعتماد، وغير ذلك من الاعراض لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس كما يقال جاءت العافية وانصرف المرض وأقبل السعد وأدبر النحس. وقوله {فمن أبصر فلنفسه} يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها حتى اوجبت له العلم وتبين بها، فمنفعة ذلك تعود عليه ولنفسه بما نظر. ومن عمي فلم ينظر فيها وصدف عنها حتى جهل فعلى نفسه لان عقاب تفريطه لازم له وحال به، فسمي العلم والتبيين إِبصارا مجازاً، وسمي الجهل عمى توسعا. وفي ذلك دلالة على ان الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم. ثم خاطب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) وأمره بأن يقول لهم {وما أنا عليكم بحفيظ} يعني برقيب على أعمال العباد حتى يجازيهم بها، - في قول الحسن - بل هو شهيد عليهم، لانه يرجع الى الحال الظاهرة التي تقع عليها المشاهدة. قال الزجاج: هذا قبل أن يؤمر بالقتال. ثم أمر أن يمنعهم بالسيف عن عبادة الاوثان. وهذه الآية فيها أمر من الله لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار: قد جاءكم حجج من الله وهو ما ذكره في قوله {أية : فالق الحب والنوى}تفسير : الى ها هنا. وما يبصرون به الهدى من الضلال، فمن نظر وعلم فلنفسه نفع، ومن جهل وعمي فلنفسه ضَّر. ولست أمنعكم منه ولا أحول بينكم وما تحتاجون، وهو قول قتادة وابن زيد.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ جَآءَكُمْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اذا لم يدركه الابصار فهل يمكن ادراكه؟ - فقال: قد جاءكم {بَصَآئِرُ} جمع البصيرة كالابصار جمع البصر والبصيرة للقلب كالبصر للبدن تطلق على قوّة بها يدرك المعقولات وعلى ادراكها وعلى الحجج الّتى بها يكون ذلك الادراك وهذه هى المرادة بالبصائر ههنا، وهى اعمّ من الانبياء والاولياء ومعجزاتهم وكراماتهم وسيرهم واخلاقهم وكتبهم وشرائعهم، ومن البلايا والواردات والعبر والآيات الّتى تكون لخصوص الافراد او لعموم العباد، هذا فى الآفاق، وامّا فى الانفس فهى عبارة عن العقول والزّواجر والنّفوس والخواطر والالهامات والمنامات خصوصاً الصّادقات منها، فانّها ادلّ دليل فى العالم الصّغير على وجود الآخرة وبقائها ووجود كلّ جزء من اجزاء عالم الطّبع فيها ماضياتها وآتياتها، وهذا هو الدّليل الوافى لكلّ ذى بصيرة على بقاء الانفس بعد فناء الابدان فكلّ هذه بصائر {مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ} بها من اسماء الله وصفاته ومن امور الآخرة {فَلِنَفْسِهِ} ابصر {وَمَنْ عَمِيَ} عنها {فَعَلَيْهَا} عمى {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} هذه حكاية قول النّبىّ (ص) بتقدير القول او هى من الله لكنّها اشارة الى انّ حفظه تعالى وتدبيره للعباد موكول الى سبق الاستحقاق والاستعداد حتّى لا يحتجّ عليه العباد {وَكَذٰلِكَ} التّصريف الّذى صرّفنا الآيات والحججّ فى الالفاظ السّهلة التّناول بحسب المعنى {نُصَرِّفُ} متتاليات {ٱلآيَاتِ} الآفاقيّة والانفسيّة فى العالم وفى النّفوس وفى الالفاظ ليعمى فرقة وليبصر فرقة اخرى {وَلِيَقُولُواْ} اى الفرقة العامّيّة واللاّم للعاقبة {دَرَسْتَ} قرئ درست ودارست معلوماً بتاء الخطاب بمعنى قرأت وذاكرت وتعلّمت، وقرئ درست بتاء التّأنيث بفتح الرّاء وضمّها ودارست بتاء التّأنيث ودرست ببناء المجهول وتاء التّأنيث ودرسن بنون جمع المؤنّث ودارسات بجمع اسم الفاعل والكلّ من الدّروس بمعنى الاندراس، ويجوز ان يكون درست مجهولاً بمعنى قرئت، وقرئ درس معلوماً بالغيبة بمعنى تعلّم محمّد هذه الآيات ودرس بكلّ من معنييه لازم ومتعدّ {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} لا اهواء المشركين {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بيان للموحى او اعتراض للتّعليل {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} ولا تبال بهم ولا تتّبع اهواءهم ولا تحزن عليهم لشركهم والمقصود العمدة المشركون بالولاية.

الأعقم

تفسير : {قد جاءكم بصائر من ربكم} يعني الحجج البينة {فمن أبصر فلنفسه} أي من عرف الحق وآمن به واتبع البصائر فلنفسه {ومن عمي فعليها} أي من لم ينظر فيها ولا يعرف الحق فعلى نفسه {وما أنا عليكم بحفيظ} أي رقيب على أعمالكم، قوله تعالى: {وكذلك نصرف الآيات} على وجوه مختلفة وترددها {وليقولوا درست}، وقرئ دارست العلماء علينا ذلك، وقيل: لئلا يقولوا أن هذا من الأكاذيب التي درست وامتحيت وذهبت {ولنبينه} يعني القرآن {لقوم يعلمون} يعني العلماء {اتبع ما أوحي إليك} الآية، نزلت في المشركين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ارجع الى دين آبائك، قيل: أراد بالإِعراض الهجران دون ترك الإِنذار والموعظة، وقيل: أراد الإِعراض عن محاربتهم ثم نسخ {ولو شاء الله ما أشركوا} أي لو شاء لأخبرهم على ذلك {وما جعلناك عليهم حفيظاً} رقيباً، قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} الآية نزلت في المشركين، قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك، فنزلت ونهاهم الله عن ذلك، وقيل: كان المسلمون يسبّون أصنامهم فنهوا عن ذلك لئلا يسبوا الله تعالى لأنهم قوم جهلة {كذلك زينا لكل أمة عملهم} أي خليناهم وشأنهم ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، وأمهلنا الشياطين حتى زين لهم {وأقسموا بالله} اي حلفوا بالله، قيل: من حلف بالله فقد جهد يمينه {لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها}،الآية نزلت في المشركين طلبوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحوّل لهم الصفا ذهباً، وان ينزل الملائكة يشهدون، أو تأتينا بالله والملائكة قبيلاً، أو تكون لك آية كعصى موسى، أو تبعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل، كما أحيى عيسى ناقة صالح، فنزل جبريل (عليه السلام) فقال: إن شئت أن يصبح الصفا ذهباً ولكن إن لم يصدقوك عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "بل يتوب تائبهم" وقيل: نزلت فيمن سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، وقيل: علم الله أنهم لا يؤمنون، قوله تعالى: {لئن جاءتهم آية} كما جاءت قبلهم من الأمم، قوله تعالى: {قل إنما الآيات عند الله}، وهو القادر عليها {وما يشعركم} أي ما يدريكم قيل: الخطاب للمشركين.

اطفيش

تفسير : {قَدْ جَاءكُم بصَائر مِنْ ربِّكُم} آيات دلائل على وحدانية الله تعالى وقدرته وتنزهه، عن أن يرى، وعن صفات النقص كلها، وعظمت دلالتها حتى صارت كأنها عيون، أو نور العين، أو نور القلب، وذلك استعارة، أو لما كانت سببا ببصيرة القلب سميت بصائر، فمن عرفها كان له فى القلب بصيرة يعرف بها الهدى من الضلال، ومن ربكم متعلق بجاء، ومن للابتداء أو نعت لبصائر. {فَمَن أبْصَر} الحق وآمن به {فلنَفْسه} فإبصاره لنفسه أو فلنفسه أبصر {ومَنْ عَمَى} عنه لإعراضه وعدم تدبره {فَعَليها} أى فعماؤه على نفسه، يكون وباله على نفسه لا يعاقب عليه غيره، أو يقدر فوباله عليها، وإن قدرت فعليها عمى بلفظ الفعل الماضى، ورد عليه أن عمى لا يتعدى بعلى فيتكلف له أنه جئ للضرر، وإنما صح أن قدر فلنفسه أبصر، وإن يقدر فعلى نفسه، عمى، من أن عمى وأبصر فعلان متصرفان مجردان صالحان لأن يكونا شرطا، فلا يقرنان بالفاء فى جواب الشرط، لأنهما لم يذكرا ولو ذكر القرآن الجواب بالفاء أيضا، لأن الفاء لم تلهما، بل تلت معموله وهذا على أن معمول الشرط لا يلى الشرط. وإذا أوهم شئ أنه تلاه قدر له عامل قبله يكون شرطا فكذا هنا لا يصح شرطا لتقدم معموله عليه، ومن قال يليه قال: لا تثبت الفاء لو ذكر الفعل، وإن لم يذكر فمن أين يكون الربط، ويعلم أن الجار والمجرور من جملة الجواب لو لم تكن الفاء، ولولا الفاء لتوهم أنهما من جملة الشرط، هذا تحقيق المقام إن شاء الله فاحفظه، لعلك لا تجده فى غير هذا الكتاب، ومنع أبو حيان الفاء فى مثل ذلك، وأجازها غيره، والتحقيق ما ذكرت، والمانع لا يقدر فى الآية الفعل، ويقوى من جهة أن المقدر حينئذ مفرد لا جملة، وأن الجار والمجرور حينئذ عمدة. {وما أنا عَليْكم بحَفيظٍ} يحفظ أعمالكم للجزاء عليها، بل أنا منذر، والحفيظ الله تعالى أو لا أدخلكم فى الإيمان قهراً أو لا أدفع عنكم ما أراد الله بكم من عذاب، فهذا كلام أمر الله تعالى رسوله أن يقوله عن نفسه، أى قل: وما أنا عليكم بحفيظ فى زف القول، لكن الظهور قصده يتوهم المتوهم أنه معلوم المعنى بلا تقدير، وليس كذلك ومنشئ القصيدة على لسان غيره لا يقدر القول، ولكن يجرى على نية التقدير، ولو اشتدت غفلته عنه، وليست الآية من باب إنشاء القصيدة، لأنها من أول على لسان الغير، والآية من باب ذكر المتكلم كلاما يسند إليه ثم شروعه فيما لا يسند له. وأما قوله: {قد جاءكم بصائر من ربكم} إلى {فعليها} فكلام من الله، ويجوز تقدير القول له ولما بعده إلى قوله: {بحفيظ} ولا حصر فى قوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} وإلا كان المعنى أنا لست وحدى حفيظاً، أو لم أقتصر على الحفظ، وليس ذلك مراداً إلا إن أورد على فرض توهم من توهم ذلك، ولا يمنع عدم الحصر فى ذلك أن تقدر الحافظ الله، أو الله هو الحافظ بصيغة الحصر، ومعنى الآية باق ولو مع نزول آية القتال، فلا نسخ فيها.

اطفيش

تفسير : {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} أَى حجج وهى آيات القرآن، تدرك به النفس الحق وتميزه من الباطل كما يدرك الشئ بالبصر الذى هو نور فى العين، فالبصر فى الوجه والبصيرة فى القلب، وقد يطلق البصر أَيضاً علىنور القلب، وحمل عليه بعضهم قوله عز وجل "أية : ما زاغ البصر وما طغى" تفسير : [النجم: 17] {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} أَى من أَبصر بها الحق فعمل به وهو أَن يؤمن ويعمل العمل الصالح ويتقى فإبصاره لنفسه، أَو فلنفسه إِبصاره، أَو فأَبصر لنفسه أَو فلنفسه أَبصر، وتقدير المبتدأ أَولى، لأَن قوله لنفسه وعليها حينئذ عمدتان، ويقرن معمول الجواب بالفاء إِذا حذف الجواب أَو أخر، ولو صلح لأَن يكون شرطاً، لأَنه إِذا ذكر الجواب تبين الربط به، وإِن لم يذكر أَو فصل خلفته الفاء، نحو إِذا جئت أَكرمت زيداً وإِلا فعمراً، أَى وإِلا أَكرمت عمراً، أَو نحو إِذا جئت أَكرمت زيداً وإِلا فعمراً أَكرمت، وهذا مما غفلوا عنه فأَوجبوا إِسقاط الفاء من الجواب الصالح للشرط ولو حذف وبقى معموله، أَو تقدم عنه معموله، ثم رأَيت قولا كما قلت وقولا بالجواز، بعد قول بجواز الإِسقاط، {وَمَنْ عَمِىَ} أَى ضل عن الإِيمان بها وما يتبعه {فَعَلَيْهَا} فعليها عماها، أَو فعماها عليها، أَو فعمى عليها أَو فعليها عمى على حد ما مر، وذلك كله اعتبار لجانب التقدير من اللفظ المذكور فهو أَولى لموافقة اللفظ، وفهم النفع والضر من اللام وعلى من قول الزجاج فلنفسه نفع ذلك وعليها ضرره، ومثله فلها ثوابه وعليها وباله {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ} على أَعمالكم {بِحَفِيظٍ} رقيب. إِنما أَنا نذير مبلغ والمثيب والمعاقب هو الله عز وجل، وتقديم عليكم للاهتمام والفواصل، والحصر مستفاد من تقديم المسند إِليه، أَى أَنا وحدى لست حفيظاً عليكم، بل الله هو الحافظ على طريقة قولك أَنا قمت ولو لم ترد الحصر لقلت قمت بدون أَنا، هكذا قال بعض كما يوجد في كتب المعانى والبيان. والحاصل أنَه نفى الوحدة فى الحفظ عن نفسه وحصرها لله تعالى، والقول مقدر، أَى قل يا محمد قد جاءَكم بصائر من ربكم فمن أَبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أَنا عليكم بحفيظ، وهنا تم القول.

الالوسي

تفسير : {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} استئناف وارد على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فقل مقدرة كما قاله بعض المحققين. والبصائر جمع بصيرة وهي للقلب كالبصر للعين، والمراد بها الآيات الواردة هٰهنا أو جميع الآيات ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً. و {مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بجاء أو بمحذوف وقع صفة لبصائر. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمال اللطف بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلغكم إلى كمالكم اللائق بكم من الوحي الناطق بالحق والصواب ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائر كائنة من ربكم {فَمَنْ أَبْصَرَ } أي الحق بتلك البصائر وآمن به {فَلِنَفْسِهِ } أي فلنفسه أبصر كما نقل عن الكلبي وتبعه الزمخشري أو فإبصاره لنفسه كما اختاره أبو حيان لما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى، والمراد على القولين أن نفع ذلك يعود إليه. {وَمَنْ عَمِىَ } أي ومن لم يبصر الحق بعد ما ظهر له بتلك البصائر ظهوراً بيناً وضل عنه، وإنما عبر عنه بالعمى تنفيراً عنه {فَعَلَيْهَا } عمى أو فعماه عليها أي وبال ذلك عليها، وهما قولان لمن تقدم. وذكر أبو حيان «أن تقدير المصدر أولى لوجهين: أحدهما: أن المحذوف يكون مفرداً لا جملة ويكون الجار والمجرور عمدة لا فضلة. والثاني: أنه لو كان المقدر فعلاً لم تدخل الفاء سواء كانت «من» شرطية أو موصولة لامتناعها في الماضي». وتعقب بأن تقدير الفعل يترجح لتقدم فعل ملفوظ به وكان أقوى في الدلالة، وأيضاً أن في تقديره المعمول المؤذن بالاختصاص، وأيضاً ما ذكر في الوجه الثاني غير لازم / لأنه لم يقدر الفعل مولياً لفاء الجواب بل قدر معمول الفعل الماضي مقدماً ولا بد فيه من الفاء فلو قلت: من أكرم زيداً فلنفسه أكرمه لم يكن بد من الفاء. نعم لم يعهد تعدية عمي بعلى وهو لازم التقدير السابق في الجملة الثانية وكأنه لذلك عدل عنه بعضهم بعد أن وافق في الأول إلى قوله: فعليها وباله {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وإنما أنا منذر والله تعالى هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها.

ابن عاشور

تفسير : هذا انتقال من محاجّة المشركين، وإثبات الوحدانيّة لله بالربوبيّة من قوله: {أية : إنّ الله فالق الحبّ والنَّوى} تفسير : [الأنعام: 95] إلى قوله {أية : وهو اللّطيف الخبير}تفسير : [الأنعام: 103]. فاستؤنف الكلام بتوجيه خطاببٍ للنّبيء ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ مقولٍ لفعلِ أمر بالقول في أوّل الجملة، حُذف على الشّائع من حذف القول للقرينة في قوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} [الأنعام: 104]. ومناسبة وقوع هذا الاستئناف عقب الكلام المسوق إليهم من الله تعالى أنّه كالتّوقيف والشّرح والفذلكة للكلام السّابق فيقدر: قُل يا محمّد قد جاءكم بصائر. وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة: العقل الّذي تظهر به المعاني والحقائق، كما أنّ البصر إدراك العين الّذي تتجلّى به الأجسام، وأطلقت البصائر على ما هو سبب فيها. وإسناد المجيء إلى البصائر استعارة للحصول في عقولهم، شُبّه بمجيء شيء كان غائباً، تنويهاً بشأن ما حصل عندهم بأنّه كالشّيء الغائب المتوقَّع مجيئه كقوله تعالى: {أية : جاء الحقّ وزهق الباطل}تفسير : [الإسراء: 81]. وخلو فعل «جاء» عن علامة التّأنيث مع أنّ فاعله جمعُ مؤنّث لأنّ الفعل المسند إلى جمع تكسير مطلقاً أو جمع مؤنّث يجوز اقترانه بتاء التّأنيث وخلوُّه عنها. و(من) ابتدائيّة تتعلّق بـ«جاء» أو صفة لــ {بصائر}، وقد جعل خطاب الله بها بمنزلة ابتداء السّير من جَانبه تعالى، وهو منزّه عن المكان والزّمان، فالابتداء مجاز لغوي، أو هو مجاز بالحذف بتقدير: مِن إرادةِ ربّكم. والمقصود التّنويه بهذه التّعاليم والذّكريات الّتي بها البصائر، والحثّ على العمل بها، لأنّها مسداة إليهم ممّن لا يقع في هديه خلل ولا خطأ، مع ما في ذكر الربّ وإضافته من تربية المهابة وتقوية داعي العمل بهذه البصائر. ولذلك فرّع عليه قوله: {فمن أبصر فلنفسه}، أي فلا عذر لكم في الاستمرار على الضّلال بعد هذه البصائر، ولا فائدة لغيركم فيها «فمن أبصر فلنفسه أبصر»، أي من عَلِم الحقّ فقد عَلِم علماً ينفع نفسه، {ومن عمي} أي ضلّ عن الحقّ فقد ضلّ ضَلالاً وزره على نفسه. فاستعير الإبصار في قوله: {أبصر} للعلم بالحقّ والعمللِ به لأنّ المهتدي بهذا الهدي الواردِ من الله بمنزلة الّذي نُوّر له الطّريق بالبدر أو غيره، فأبصره وسار فيه، وبهذا الاعتبار يجوز أن يكون {أبصر} تمثيلاً موجزاً ضمّن فيه تشبيه هيئة المرشَد إلى الحقّ إذا عمِل بها أرشِد به، بهيئة المبصر إذا انتفع ببصره. واستعير العمى في قوله: {عَمِيَ} للمكابرة والاستمرار على الضّلال بعد حصول ما شأنه أن يُقلعه لأنّ المكابر بعد ذلك كالأعمى لا ينتفع بإنارة طريق ولا بهَدْي هاد خِرّيتتٍ. ويجوز اعتبار التمّثيليّة فيه أيضاً كاعتبارها في ضدّه السابق. واستعمل اللاّم في الأوّل استعارة للنّفع لدلالتها على المِلك وإنّما يُملك الشّيءُ النّافعُ المدّخر للنّوائب، واستعيرت (على) في الثّاني للضرّ والتّبعة لأنّ الشّيء الضّارّ ثقيل على صاحبه يكلّفه تَعباً وهو كالحِمل الموضوع على ظهره، وهذا معروف في الكلام البليغ، قال تعالى: {أية : من عمل صالحاً فلنفسه}تفسير : [فصلت: 46]، وقال {أية : من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها}تفسير : [الإسراء: 15]، وقال {وليَحْمِلُنّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم}، ولأجل ذلك سمّي الإثم وزراً كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}تفسير : [الأنعام: 31]، وقد جاء اللاّم في موضع (على) في بعض الآيات، كقوله تعالى: {أية : إنْ أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسَأتم فلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7]. وفي الآية محسّن جناس الاشتقاق بين «البصائر» و«أبصَر»، وملاحظة مناسبة في الإبصار والبصائر. وفيها محسّن المطابقة بين قوله: {أبصر} و{عمي}، وبين (اللاّم) و(عَلى). ويتعلّق قوله: {لنفسه} بمحذوف دلّ عليه فعل الشّرط. وتقديره: فمن أبصر فلنفسه أبصر. واقترن الجواب بالفاء نظراً لصدره إذ كان اسماً مجروراً وهو غير صالح لأن يلي أداةَ الشّرط. وإنّما نسج نظم الآية على هذا النّسْج للإيذان بأنّ {لنفسه} مقدّم في التّقدير على متعلّقه المحذوف. والتّقدير: فلنفسه أبصر، ولولا قصد الإيذان بهذا التّقديم لقال: فمن أبصر أبصر لنفسه، كما قال: {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}تفسير : [الإسراء: 7] والمقام يقتضي تقديم المعمول هنا ليفيد القصر، أي فلنفسه أبصر لا لفائدة غيره، لأنّهم كانوا يحسبون أنّهم يغيظون النّبيء صلى الله عليه وسلم بإعراضهم عن دعوته إيّاهم إلى الهدى، وقرينة ذلك أن هذا الكلام مقول من النبي صلى الله عليه وسلم وقد أومأ إلى هذا صاحب «الكشاف»، بخلاف آية {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}تفسير : [الإسراء: 7]، فإنّها حكت كلاماً خُوطب به بنو إسرائيل من جانب الله تعالى وهم لا يتوهّمون أنّ إحسانهم ينفع الله أو إساءتهم تضرّ الله. والكلام على قوله: {ومن عمي فعليها} نظير الكلام على قوله: {فمن أبصر فلنفسه}. وعُدّي فعل {عَمِيَ} بحرف (على) لأنّ العمى لمّا كان مجازاً كان ضُرّاً يقع على صاحبه. وجملة: {وما أنا عليكم بحفيظ} تكميل لما تضمّنه قوله: {فمن أبصر فلنفسه ومن عمِي فعليها}، أي فلا ينالني من ذلك شيء فلا يرجع لي نفعكم ولا يعود عليّ ضرّكم ولا أنا وكيل على نفعكم وتجنّب ضرّكم فلا تحسبُوا أنّكم حتّى تمكرون بي بالإعراض عن الهدى والاستمرار في الضّلال. والحفيظ: الحارس ومن يُجعل إليه نظر غيره وحفظُه، وهو بمنزلة الوكيل إلاّ أنّ الوكيل يكون مجعولاً له الحفظ من جانب الشيء المحفوظ، والحفيظ أعمّ لأنّه يكون من جانبه ومن جانب مَواليه. وهذا قريب من معنى قوله {أية : وكذّب به قومك وهو الحقّ قل لستُ عليكم بوكيل}تفسير : [الأنعام: 66]. والإتيان بالجملة الاسميّة هنا دقيق، لأنّ الحفيظ وصف لا يُفيد غيرُه مُفادَه، فلا يقوم مقامَه فعل حَفِظ، فالحفيظ صفة مشبّهة يقدّر لها فِعْل منقول إلى فَعُل ـــ بضمّ العين ـــ لم يُنطق به مثل الرّحيم. ولا يفيد تقديم المسند إليه في الجملة الاسميّة اختصاصاً خلافاً لما يوهمه ظاهر تفسير الزمخشري وإن كان العلامة التّفتزاني مال إليه، وسكت عنه السيّد الجرجاني وهو وقوف مع الظّاهر. وتقديم {عليكم} على {بحفيظ} للاهتمام ولرعاية الفاصلة.

الواحدي

تفسير : {قد جائكم بصائر من ربكم} يعني: بيِّنات القرآن {فمن أبصر} اهتدى {فلنفسه} عمل {ومن عمي فعليها} فعلى نفسه جنى العذاب {وما أنا عليكم بحفيظ} برقيب على أعمالكم حتى أجازيكم بها. {وكذلك} وكما بيَّنا في هذه السُّورة {نصرِّف} نبيِّن {الآيات} في القرآن ندعوهم بها ونخوِّفهم {وليقولوا درست} عطف على المضمر في المعنى والتقدير: [نصرِّف الآيات] لتلزمهم الحجَّة وليقولوا درست، أَيْ: تعلَّمت مِن يسار، وجبر، واليهود. ومعنى درس: قرأ على غيره، ومعنى هذه اللام في قوله: {وليقولوا} معنى لام العاقبة، أَيْ: نصرِّف الآيات ليكون عاقبة أمرهم تكذيباً للشَّقاوة التي لحقتهم {ولنبينه لقوم يعلمون} يعني: أولياءه الذين هداهم، والذين سعدوا بتبيين الحقِّ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بصائر من ربكم: البصائر جمع بصيرة: والمراد بها هنا الآيات المعرفة بالحق المثبتة له بطريق الحجج العقلية فهي في قوة العين المبصرة لصاحبها. حفيظ: وكيل مسئول. نصرف الآيات: نجريها في مجاري مختلفة تبياناً للحق وتوضيحاً للهدى المطلوب. وليقولوا درست: أي تعلمت وقرأت لا وحياً أوحي إليك. وأعرض عن المشركين: أي لا تلتفت إليهم وامضِ في طريق دعوتك. ولو شاء الله ما أشركوا: أي لو شاء أن يحول بينهم وبين الشرك حتى لا يشركوا لَفَعَلَ وما أشركوا. معنى الآيات: ما زال السياق في طلب هداية المشركين وبيان الطريق لهم ففي هذه الآية يقول {قَدْ جَآءَكُمْ} أي أيها الناس {بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} وهي آيات القرآن الموضحة لطريق النجاة {فَمَنْ أَبْصَرَ} بها وهي كالعين المبصرة {فَلِنَفْسِهِ} إبصاره إذ هو الذي ينجو ويسعد {وَمَنْ عَمِيَ} فلم يبصر فعلى نفسه عماه إذ هي التي تهلك وتشقى وقل لهم يا رسولنا {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي بوكيل مسئول عن هدايتكم، وفي الآية الثانية [105] يقول تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي بنحو ما صرفناها من قبل في هذا القرآن نصرفها كذلك لهداية مريدي الهداية والراغبين فيها أما غيرهم فسيقولون درست وتعلمت من غيرك حتى يحرموا الإِيمان بك وبرسالتك والعياذ بالله تعالى، وفي الآية الثالثة [106] يأمر الله تعالى رسوله باتباع ما يوحى إليه من الحق والهدى، والإِعراض عن المشركين المعاندين الذين يقولون درست حتى لا يأخذوا بما أُتيتهم به ودعوتهم إليه من آيات القرآن الكريم إذ قال تعالى له: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} وفي الآية الرابعة [107] يسلي الرب تعالى رسوله ويخفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته ومحاربته فيها فيقول له: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} أي لو يشاء الله عدم إشراكهم لما قدروا على أن يشركوا إذاً فلا تحزن عليهم، هذا أولاً، وثانياً {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} تراقبهم وتحصي عليهم أعمالهم وتجازيهم بها، وما أرسلناك عليهم وكيلا تتولى هدايتهم بما فوق طاقتك {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [الشورى: 48] وقد بلغت إذاً فلا أسى ولا أسف!! هداية الآيات من هداية الآيات: 1- آيات القرآن بصائر من يأخذ بها يبصر طريق الرشاد وينجو ويسعد. 2- ينتفع بتصريف الآيات وما تحمله من هدايات العالمون لا الجاهلون وذلك لقوله تعالى في الآية الثانية [105] {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. 3- بيان الحكمة في تصريف الآيات وهي هداية من شاء الله هدايته. 4- وجوب اتباع الوحي المتمثل في الكتاب والسنة النبوية. 5- بيان بطلان مذهب القدرية "نفاة القدر".

القطان

تفسير : البصائر: جمع بصيرة، لها عدة معان: العبرة، والمعرفة الثابتة باليقين، والشاهد للأمر والحجّة، والقوة التي تدرَك بها الحقائق العلمية، وعقيدة القلب. أما البصَر فهو الذي تدرَك به الأشياء الحسية. والمراد بالبصائر هنا الآيات الواردة في هذه السورة أو القرآن كله. بعد ان أقام الله الأدلة والبراهين الواضحة على توحيده وكمال قدرته وعلمه، قرّر هنا أمر الدعوة والرسالة، وحدود تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم لأوامر ربه، قل ايها النبي للناس: مِن خالقكم جاءتكم هذه الآيات البينات كدلائل تتبصرّون فيها من الحجج الكونية والبراهين العقلية، كيما تثبت لكم عقائد الحق اليقينة التي عليها مدار سعادتكم في دنياكم وآخرتكم وأنتم أحرار بعد ذلك فمن أبصر فلنفسه قدّم الخير وبلغ السعادة، ومن عمي عن الحق، وأعرض عن سبيله، فعلى نفسه جنى إنني لست عليكم بمحافظ ولا رقيب.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَصَآئِرُ} (104) - وَقُلْ لَهُمْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ: قَدْ جَاءَتْكُمْ مِنْ خَالِقِكُمْ بَصَائِرُ فِي هَذا القُرْآنِ، مِنَ الحُججِ الكَوْنِيَّةِ، وَالبَرَاهِينِ العَظِيمَةِ، تُثْبِتُ لَكُمْ عَقَائِدَ الحَقِّ اليَقِينِيَّةِ، فَمَنْ أَبْصَرَ الحَقَّ وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى، فَيَكُونُ قَدْ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ الخَيْرَ وَالسَّعَادَةَ، وَمَنْ عَمِيَ عَنِ الحَقِّ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَصَرَّ عَلى الضَّلاَلَةِ، فَيَكُونُ قَدْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِرَقِيبٍ أُحْصِي عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَأَفْعَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ أُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِليكُمْ، وَاللهُ هُوَ الحَفِيظُ عَلَيْكُمْ. بَصَائِرُ - آيَاتٌ وَبَرَاهِينُ تَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَتُبَصِّرُ بِهِ. حَفِيظٌ - رَقِيبٌ يُحْصِي الأَعْمَالَ لِيُحَاسِبَ عَلَيْهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة للمعنويات والإشراقات التي تأتي في القلوب كالبصر بالنسبة للعين، و "الكون" يعطيكم أدلة الإبصار، والقرآن يعطيكم أدلة البصائر، فكما أن الله هدى الإنسان فحذره ونهاه عن المعاصي ومنحه النور الذي يجْلي له الأشياء فيسير على هدى فلا يرتطم ولا يصطدم، كذلك جعل المعنويات نوراً، والنور الأول في البصر يأخذه الكافر والمؤمن، وكلنا شركاء فيه مثله مثل الرزق، لكن النور الثاني في البصائر يأخذه المؤمن فقط، ولذلك يقول ربنا: {أية : لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [الحديد: 9]. وهو نور الهداية في بصائر المعنويات، فيوضح: أنا خلقتكم خلقاً ووضعت لكم قوانين لصيانتكم. فقانون الصيانة في ماديات الدنيا للمؤمن والكافر، وقانون الصيانة في معنويات الحياة خاصة للمؤمن. وهو القائل: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40]. ونعلم أن البصائر من المعنويات والمجيء للأمر الحسّي؛ كقولنا: "جاء زيد" أو "جاء عمرو" ولك أن تتصور البصائر وهي تأتي، قال الحق: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} تفسير : [المائدة: 15]. إنه سبحانه قد أعطانا نورا صحيحا واضحا وهو يأتي إلينا بمشيئته. {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي أنها بلغت من تكوينها أنها أصبحت كانها أشياء محسّة تجيء، ولا يصح أن تقولوا إنها لم تصلكم لأنها تجيء من الرب الذي خلقنا بقدرته وأمدنا في كل شيء بقيّوميته، ومن لوازم الربوبية أن يعطي ما يهدي، وقد حكم الله أن البصائر جاءتنا، وحكم بأن رسوله قد بلّغ؛ فسبحانه أعطى لرسوله، والرسول ناولنا، فالحق قد شرع ورسوله قد بلغ وبقي أن تؤدوا ولا عذر لكم من المشرع الأعلى الذي خلق وهو الرب. ولا من المبلغ المعصوم وهو الرسول. ويقول الحق تبارك وتعالى: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104]. ولله المثل الأعلى ، نجد الولد يدخل البيت فيجد أمه ويقول لها: ماذا أعددت لنا من طعام؟ فتقول: لا شيء. فيقول الابن: لقد بعث أبي اللحم والأرز والخضار، فكأنه يقول لها: أين عملك يا أمي؟ وربنا سبحانه يوضح: أنا خلقتكم، وعملت لكم قانون صيانة، وأرسلت لكم رسولاً ولا تعرفون عنه أنه صادق في بلاغه، وأدى هذه الرسالة، لذلك فالباقي من المسألة عندكم أنتم، وكل واحد عليه أن يؤدي ما عليه من عمل، إن أبصر فلنفسه، وإن عمى فعليها. فإياكم أن تفهموا أني كلفتكم بما يعود عليَّ في ذاتي، ولا ما يزيد من سلطاني شيئا؛ لأن خيرها لكم أنتم، ولا آمن على التشريع ممن لا يفيد من التشريع؛ لأن من يستفيد منه قدر يشرّع لمصلحته، أما الحق فهو مأمون على التشريع لأنه غير منتفع به. يقول سبحانه: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام: 104]. ولأن الرسول عليه البلاغ فقط والحق قد حفظه وعصمه من الكفر وهو يبلغكم المنهج، وقد خلق الله كل إنسان مختارا وهو بهذا الاختيار يُدخل نفسه في الحكم أو يخرج نفسه من الحكم، وسبحانه لم يبعث الرسول جباراً بل بعثه رحيماً؛ لذلك يقول الله في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: "وما أنا عليكم بحفيظ" والحفيظ من أسماء الله، وهو الحفيظ لأنه شرَّع ليحفظ الخلق ويريد أن يجعلهم على مثال حسن واعٍ. والرسول هو المبلغ والحق يقول: {أية : وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} تفسير : [ق: 45]. إذن فكل واحد حر يدخل نفسه في الحكم أو يخرج نفسه من الحكم. وقد حارب الرسول ليحمي الاختيار بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد بعضاً من سكانها قد ظلوا على كفرهم ولم يرغمهم أحد على الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} معناهُ حُجَجٌ.

الأندلسي

تفسير : و{قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} هذا وارد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله: وما أنا عليكم بحفيظ، والبصيرة: نور القلب الذي يستبصر به، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر أي جاءكم من الوحي والتنبيه بما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز ها هو للقلوب كالبصائر. {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} أي فالأبصار لنفسه أي نفعه وثمرته. {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} أي فالعمى عليها أي فَجَدْوى العمى عائد على نفسه والإِبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال. والمعنى أن ثمرة الهدى والضلال إنما هي للمهتدي والضال لأنه تعالى غني عن خلقه وهذه من الكنايات الحسنة لما ذكر البصائر أعقبها بالإِبصار والعمى، وهذه مطابقة لطيفة. {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي ومثل ما بينا تلك الآيات التي هي بصائر وصرفناها نصرف الآيات ونرددها على وجوه كثيرة. {وَلِيَقُولُواْ} يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن. {دَرَسْتَ} وقرىء: دارست، أى دارست يا محمد غيرك في هذه الأشياء، أي قارأته وناظرته إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود. وقرىء: درست مبنياً للفاعل مضمراً فيه، أي درست الآيات، أي ترددت على أسماعهم حتى بليت وقدمت في نفوسهم وأمحيت. وقرىء: درست أي يا محمد في الكتب القديمة ما تجيئنا به. واللام في: وليقولوا، ولنبينه، هي لام كي. وقيل: لام الصيرورة. والمعنى وليقول من كفر ولنبيّن لمن علم وآمن. وتتعلق اللامان بمحذوف تقديره ليكون كذا ويكون كذا صرفنا الآيات ولا يتعين ما ذكره المعربون والمفسرون من أن اللام في: وليقولوا، لام كي أو لام الصيرورة، بل الظاهر أنها لام الأمر. والفعل مجزوم بها لا منصوب بإِضمار أنْ ويؤيده قراءة من سكن اللام والمعنى عليه متمكن كأنه قيل: ومثل ذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما يقولون من كونها درستها وتعلمتها أو درست هي أي بليت وقدمت، فإِنه لا يحفل بهم ولا يلتفت إلى قولهم، وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بهم وبما يقولون في الآيات أي نصرفها وليدعوا فيها ما شاؤوا فلا اكتراث بدعواهم. {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي كأنه قال: وكذلك نصرف القرآن نصرف الآيات. وأعاد الضمير مفرداً قالوا: على معنى الآيات لأنها القرآن. {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أمره تعالى بأن يتبع ما أوحى إليه وبأن يعرض عمن أشرك والأمر بالإِعراض عنهم كان قبل نسخه بالقتال والسوق إلى الدين طوعاً أو كرهاً. والجملة بين الأمرين اعتراض أكد به وجوب اتباع الوحي أو في موضع الحال المؤكدة. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} أي أن إشراكهم ليس في الحقيقة بمشيئتهم وإنما هو بمشيئة الله تعالى. وظاهر الآية يرد على المعتزلة ويتألونها على مشيئة القسر والإِلجاء. {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي رقيباً تحفظهم من الإِشراك. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي بمسلط عليهم والجملتان متقاربتان في المعنى إلا أن الأولى فيها نفي جعل الحفظ منه تعالى عليهم، والثانية فيها نفي الوكالة عليهم. والمعنى إنا لم نسلطك عليهم ولا أنت في ذاتك بمسلط فناسب أن تعرض عنهم إذ لست مأموراً منا بأن تكون حفيظاً عليهم ولا أنت وكيل عليهم من تلقائك.