٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
105
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فالشبهة الأولى: قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء، وتنظمه من عند نفسك، ثم تقرأه علينا، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى، ثم أنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة، فهذا تقرير النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المراد من قوله: {وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلأَيَـٰتِ } يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالاً بعد حال، ثم قال: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } وفيه مباحث: البحث الأول: حكى الواحدي: في قوله درس الكتاب قولين: الأول: قال الأصمعي أصله من قولهم: درس الطعام إذا داسه، يدرسه دراساً والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال: ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه. والثاني: قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه، من قولهم درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس، أي أخلقته، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان، والدراسة الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها، ثم قال الواحدي: وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين. البحث الثاني: قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عليه قوم آخرون } تفسير : [الفرقان: 4] وقرأ ابن عامر {دَرَسْتَ } أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت، ومضت من الدرس الذي هو تعفي الأثر وإمحاء الرسم، قال الأزهري من قرأ {دَرَسْتَ } فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروساً. واعلم أن صاحب «الكشاف» روى ههنا قراآت أخرى: فإحداها: {دَرَسْتَ } بضم الراء مبالغة في {دَرَسْتَ } أي اشتد دروسها. وثانيها: {دَرَسْتَ } على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت. وثالثها: {دارست} وفسروها بدارست اليهود محمداً. ورابعها: {درس} أي درس محمد. وخامسها: {دارسات} على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية. البحث الثالث: «الواو» في قوله: {وَلِيَقُولُواْ } عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه. البحث الرابع: اعلم أنه تعالى قال: {وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلأَيَـٰتِ } ثم ذكر الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران: أحدهما قوله تعالى: {وَلِيَقُولُواْ } والثاني قوله: {دَرَسْتَ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم. وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله: {وَلِيَقُولُواْ دارست} لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر. فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفراً على كفر، وتثبيتاً لبعضهم فيزداد إيماناً على إيمان، ونظيره قوله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا }تفسير : [البقرة: 26] وقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }تفسير : [التوبة: 125] وأما المعتزلة فقد تحيروا. قال الجبائي والقاضي: وليس فيه إلا أحد وجهين: الأول: أن يحمل هذا الإثبات على النفي، والتقدير: وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست. ونظيره قوله تعالى: {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } ومعناه: لئلا تضلوا. والثاني: أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة. والتقدير: أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين إلى اختيارهم، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل. هذا غاية كلام القوم في هذا الباب. ولقائل أن يقول: أما الجواب الأول فضعيف من وجهين: الأول: أن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل. والثاني: أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة، إلا أنه غير لائق ألبتة بهذا الموضع، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات القرآن نجماً نجما، والكفار كانوا يقولون: إن محمداً يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها، ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء، فلم لايأتي بهذا القرآن دفعة واحدة؟ كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة. إذا عرفت هذا فنقول: إن تصريف هذه الآيات حالاً فحالاً هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فإنه يقتضي أن يكون تصريف هذه الآيات حالاً بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة. فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول، مع أنا بينا أن تصريف الآيات، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام. وأما الجواب الثاني: وهو حمل اللام على لام العاقبة، فهو أيضاً بعيد لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز، وحمله على لام الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا: «اللام» في قوله: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } لام العاقبة في قوله: {وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز. فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ومما يؤكد هذا التأويل قوله: {وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بياناً إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالاً للكافرين وذلك ما قلنا. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} الكاف في كذلك في موضع نصب؛ أي نصرف الآيات مثل ما تلونا عليك. أي كما صرفنا الآيات في الوعد والوعيد والوعظ والتّنبيه في هذه السورة نصرف في غيرها. {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} الواو للعطف على مضمر؛ أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست. وقيل: أي «ولِيقولوا درست» صرفناها؛ فهي لام الصيرورة. وقال الزجاج: هذا كما تقول كتب فلان هذا الكتاب لحتفه؛ أي آل أمره إلى ذلك. وكذا لما صرفت الآيات آل أمرهم إلى أن قالوا: درست وتعلمت من جَبْر ويَسَار، وكانا غلامين نصرانيين بمكة، فقال أهل مكة: إنما يتعلم منهما. قال النحاس: وفي المعنى قول آخر حسن، وهو أن يكون معنى «نُصَرِّفُ الآيَاتِ» نأتي بها آية بعد آيةٍ ليقولوا درست علينا؛ فيذكرون الأوّل بالآخر. فهذا حقيقة، والذي قاله أبو إسحاق مجاز. وفي «دَرَسْت» سبع قراءاتٍ. قرأ أبو عمرو وٱبن كَثير «دارست» بالألف بين الدال والراء، كفاعلت. وهي قراءة عليّ وٱبن عباس وسعيدِ بن جبير ومجاهدٍ وعكرمة وأهلِ مكة. قال ٱبن عباس: معنى «دَارَسْت» تاليت. وقرأ ٱبن عامر «دَرَسَتْ» بفتح السين وإسكان التاء من غير ألف؛ كخَرَجَتْ. وهي قراءة الحسن. وقرأ الباقون «دَرَسْتَ» كخرَجْت. فعلى الأولى: دارست أهلَ الكتاب ودارسوك؛ أي ذاكرتهم وذاكروك؛ قاله سعيد ابن جبير. ودلّ على هذا المعنى قوله تعالى إخباراً عنهم: {أية : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}تفسير : [الفرقان: 4] أي أعان اليهودُ النبيّ صلى الله عليه وسلم على القرآن وذاكروه فيه. وهذا كلّه قول المشركين. ومثله قولهم: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }تفسير : [الفرقان: 5]. {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [النحل: 24]. وقيل: المعنى دارستنا؛ فيكون معناه كمعنى درست؛ ذكره النحاس واختاره، والأوّل ذكره مكيّ. وزعم الناس أنه مجاز؛ كما قال:شعر : فلِلْمـوتِ ما تَلد الوالِـدهْ تفسير : ومن قرأ «دَرستْ» فأحسن ما قيل في قراءته أن المعنى: ولئلا يقولوا ٱنقطعت وٱمّحت، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها. وقرأ قتادة «دُرِست» أي قرئت. وروى سفيان بن عُيينة عن عمرو ابن عبيد عن الحسن أنه قرأ «دارستْ». وكان أبو حاتم يذهب إلى أن هذه القراءة لا تجوز؛ قال: لأن الآيات لا تدارِس. وقال غيره: القراءة بهذا تجوز، وليس المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم، ولكن معناه دارستْ أمّتُك؛ أي دارستك أمّتك، وإن كان لم يتقدمّ لها ذكر؛ مثل قوله: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [صۤ: 32]. وحكى الأخفش «وَلِيَقُولُوا دَرُسَتْ» وهو بمعنى «دَرستْ» إلا أنه أبلغ. وحكى أبو العباس أنه قرىء «ولْيقولوا درست» بإسكان اللام على الأمر. وفيه معنى التهديد؛ أي فليقولوا بما شاءوا فإن الحق بيّن؛ كما قال عز وجل {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً}تفسير : [التوبة: 82]. فأمّا من كسر اللام فإنها عنده لام كي. وهذه القراءات كلها يرجع اشتقاقها إلى شيءٍ واحد، إلى التليين والتذليل. و«درَسْتَ» مِن دَرَس يدرُس دِراسة، وهي القراءة على الغير. وقيل: درسته أي ذللته بكثرة القراءة؛ وأصله درسَ الطعامَ أي داسه. والدِّياس الدّراس بلغة أهل الشام. وقيل: أصله من درسْتُ الثوبَ أَدْرُسه درساً أي أخلقته. وقد دَرَس الثوبُ دَرْساً أي أخلق. ويرجع هذا إلى التذلل أيضاً. ويقال: سُمِّيَ إدريس لكثرة دراسته لكتاب الله. ودارست الكتب وتدارستها وٱدّارستها أي درستها. ودَرستُ الكتاب دَرْساً ودِراسة. ودرَستِ المرأة درساً أي حاضت. ويقال: إن فرج المرأة يُكْنَى أبا أَدْراس؛ وهو من الحيض. والدَّرْسُ أيضاً: الطريق الخَفِيّ. وحكى الأصمعيّ: بَعير لم يُدَرَّس أي لم يركب، ودَرست من درس المنزلُ إذا عَفَا. وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأُبَيّ وطلحة والأعمش «ولِيقولوا درس» أي درس محمد الآيات. {وَلِنُبَيِّنَهُ} يعني القول والتصريف، أو القرآن {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما بيَّنا ما ذكر {نُصَرِّفُ } نبيِّن {الأَيَٰتِ } ليعتبروا {وَلِيَقُولُواْ } أي الكفار في عاقبة الأمر {دَرَسْتَ} ذاكرت أهل الكتاب. وفي قراءة «دَرَسْتَ» أي كُتُبَ الماضين وجئت بهذا منها { وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُصَرِّف الأَيَاتِ} بتصريف الآية في معانٍ متغايرة مبالغة في الإعجاز ومباينة لكلام البشر، أو بأن يتلو بعضها بعضاً فلا ينقطع التنزيل، أو اختلاف ما نضمنها من الوعد والوعيد والأمر والنهي. {وَلِيَقُولُواْ} ولئلا يقولوا {دَرَسْتَ} قرأت وتعلمت، قالته قريش، ودارستَ: ذاكرت وقارأت، ودرستْ: انمحت وتقادمت، ودُرستْ تُليت، وقُرئت ودَرَسَ محمد صلى الله عليه وسلم وتلا، فهذه خمس قراءات.
ابن عادل
تفسير : لما شرع في إثبات النُّبُواتِ بدأ بِحِكَايَةِ شُبُهاتِ المنكرين لِنُبُوةِ محمد صلى الله عليه وسلم. الشُّبْهَةُ الأولَى: قولهم: يا محمد إن هذا القرآن الذي جئْتَنَا به كلامٌ تَستفِيدُهُ من مُدَارَسَةِ العلماء، وتُنَظِّمُهُ من عند نفسك، ثم تقرؤه علينا، وتزعم أنه وَحْيٌ نُزِّلَ عليك من عند الله تعالى. و "الكاف" في محلِّ نصب نَعْتٌ لمصدر محذوف، فقدَّرَهُ الزجاج: ونُصَرِّفَ الآياتِ مِثْلَ ما صَرَّفْنَاها فيما تُلِيَ عليكم، وقدَّره غيره: نُصَرِّفُ الآيات في غير هذه السُّورةِ تَصْرِيفاً مثل التصريف في هذه السورة. والمراد بالتَّصْرِيفِ أنه - تبارك وتعالى - يأتي بها مُتَوَاتِرَة حالاً بعد حالٍ. قوله: "ولِيَقُولُوا" الجمهور على كسر اللام كي، والفِعْلُ بعدها منصوب بإضمار "أن" فهو في تَأويل مصدر مَجْرُورٍ بها على ما عرف [غير مرَّةٍ]، وسماها أبو البقاء وابن عطية لام الصَّيْرُورةِ، كقوله تبارك وتعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص:8] وكقوله: [الوافر] شعر : 2279- لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا للخَرَابِ ...................... تفسير : أي: لما صار أمرهم إلى ذلك عَبِّرَ بهذه العبارةِ، والعِلَّةُ غير مُرَادَةٍ في هذه الأمثلة، والمُحَقِّقُونَ يأبَوْنَ جَعْلَهَا للعاقبة والصَّيْرُورةِ، ويُؤوِّلُونَ ما وَرَدَ من ذلك على المَجَازِ. وجوَّز أبو البقاء فيها الوجهين؛ أعني كونها "لام" العاقبة، أو العلّة حقيقة، فإنه قال: "واللام لام العاقبة، أي: إن أمرهم يَصِيرُ إلى هذا". وقيل: إنه قَصَدَ بالتصريف أن يقولوا: درست عقوبة لهم، يعني: فهذه عِلَّةٌ صَرِيحَة، وقد أوضح بعضهم هذا، فقال: المعنى: يُصَرِّفُ هذه الدلائل حالاً بعد حالٍ ليقول بعضهم: دارست فيزدادوا كُفْراً، وتَنْبِيهٌ لبعضهم فَيَزْدادُوا إيماناً، ونحو: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة:26] وأبو علي جعلها في بَعْضِ القراءات لام الصَّيْرُورَةِ، وفي بعضها لام العلّة؛ فقال: واللام في "ليقولوا" في قراءة ابن عامر، ومَنْ وافقه بمعنى: لئلاً يقولوا؛ أي: صُرِّفَت الآيات، وأحْكِمَتْ لئلا يقولوا: هذه أسَاطيرُ الأوَّلينَ قديمة قد بَلِيَتْ وتَكَرَّرَتْ على الأسْماع، واللام على سائر القراءاتِ لام الصَّيْرُورةِ. قال شهاب الدين: قراءة ابن عامر دَرَسَتْ بوزن أكَلَتْ وسَرَقَتْ فعلاً ماضياً مسنداً لضمير الآيات، وسيأتي تحقيق القراءات في هذا الكلمة مُتَواتِرِهَا وشَاذِّهَا. قال أبو حيَّان: "وما أجَازَهُ من إضمار "لا" بعد اللام المضمر بعدها "أنْ" هو مذْهَبٌ لبعض الكوفيين، كما أضمروها بعد "أنْ" المُظْهَرَة في {أية : أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء:176] ولا يجيز البَصْرِيُّونَ إضْمَارَ "لا" إلا في القَسَمِ على ما تَبَيَّنَ فيه". ثم هذه "اللام" لا بد لها من مُتعلِّقٍ، فقدَّرَهُ الزمخشري وغيره مُتَأخِّراً، قال الزمخشري: "وليقولوا" جوابه مَحْذُوف، تقديره: وليقولوا دَرَسَتْ تُصَرِّفُهَا. فإن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين اللاَّمَيْنِ في "ليقولوا" و "لنُبَيِّنَهُ"؟ قال شهاب الدين: الفَرْقُ بينهما أن الأولَى مَجَازٌ، والثانية حَقيقَةٌ، وذلك أن الآيات صُرِفَت للتبيين، ولم تُصْرَفْ ليقولوا: دارست، ولكن لأنه لمَّا حَصَلَ هذا القولُ بتصريف الآيات كما حَصَلَ للتَّبْيينِ شبِّه به فسِيقَ مَسَاقَةُ. وقيل: ليقولوا كما قيل لِنَبيهِ. قال شهاب الدين: فقد نَصَّ هنا على أنَّ لام "ليقولوا" عِلَّةٌّ مَجَازِيَّة. وجوَّز بعضهم أن تكون هذه اللام نَسَقاً على عِلًّة محذوفة. قال ابن الأنباري: "خلت الواو في "وليقولوا" عطفاً على مضمر، التقدير: وكذلك نصرف الآيات لنُلْزِمَهُمُ الحجة وليقولوا". قال شهاب الدين وعلى هذا فاللام مُتعلِّقَةٌ بفعل التَّصْرِيف، من حَيْثُ المعنى، ولذلك قَدَّرَهُ مَنْ قدَّرَهُ مُتَأخِّراً بـ "نُصَرِّف". وقال أبو حيَّان: "ولا يتعيَّنُ ما ذكره المُعْرِبُونَ والمُفَسِّرُونَ من أن اللام لام كي، أو لام الصَّيْرُورةِ، بل الظاهر أنها لامُ الأمْرِ والفعل مَجْزُومٌ بها، ويُؤيِّدُهُ قرءاة من سَكَّنَ اللام، والمعنى عليه يَتَمكَّنُ، كأنه قيل: وكذلك نُصَرِّفُ الآيات، وليقولوا هم ما يقولون من كَوْنِهَا دَرَسْتَهَا وتعلَّمْتَها أو دَرَسَتْ هي، أي: بَلِيَتْ وقدُمَتْ، فإنه لا يُحْتَفَلُ بهم ولا يُلْتَفَتُ إلى قولهم وهو أمْرٌ معناه الوعيدُ والتهديد، وعدمُ الاكتراثِ بقولهم، أي: نُصَرِّفُهَا وليدَّعُوا فيها ما شَاءُوا، فإنه لا إكْتِرَاث بِدَعْوَاهُمْ". وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المعنى على ما قالهُ النَّاسُ وفهموه، وأيضاً فإن بعده "ولنبيِّنَهُ" وهو نَصٌّ في لام كي، وأمَّا تسكين اللام في القراءة الشَّاذَّةِ، فلا يَدُلُّ لاحتمال أن تكون لام كي سُكِّنَتْ إجْرَاء للكلمة مُجْرَى: كَتِف وكَبِد. وقد رَدَّ أبو حيان على الزمخشري؛ حيث قال: "وليقولوا جوابه محذوف" فقال: وتَسمِيَتُهُ ما يتعلَّقُ به قوله: "وليقولوا" جواباً اصْطِلاحٌ غريب لا يقال في "جئت" من قولك: "جئت لتقوم" إنه جواب. قال شهاب الدين: هذه العبارةُ قد تكرَّرَتْ للزمخشري، وسيأتي ذلك في قوله: {أية : وَلِتَصْغَىۤ} تفسير : [الأنعام:113] أيضاً. وقال الشيخ هناك: "وهذا اصْطِلاحٌ غريب". والذي يظهر أنه إنما يُسَمَّى هذا النحو جواباً، لأنه يَقَعُ جواباً لسائل؛ تقول: أين الذي يتعلَّق به هذا لجار؟ فيجاب به، فسُمِّي جواباً بهذا الاعْتِبَار، وأضيف إلى الجارِّ في قوله: "وليقُولُوا" جوابه؛ لأن الإضافة تقع بأدْنَى مُلابَسَةٍ، وإلا فكلامُ إمَامٍ يَتَكَرَّرُ لا يُحْمَلُ على فَسَادٍ. وأما القراءات التي في "درست" فثلاث في المتواتر: فقرأ ابن عامر: "دَرَسَتْ" بِزِنَةِ: ضَرَبَتْ، وابن كثير وأبو عمرو "دَارَسْتَ" بِزِنَةِ: قَابَلْتَ أنت، والباقون "دَرَسْتَ" بِزِنَةِ ضَرَبْتَ أنت. فأمَّا قراءة ابن عامر: فمعناها بَلِيَتْ وقَدُمَتْ، وتكرَّرَتْ على الأسْمَاعِ، يشيرون إلى أنها من أحَادِيثِ الأوَّلينَ، كما قالوا: "أسَاطِيرُ الأوَّلِينَ". وأما قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: فمعناها: دَارَسْتَ يا محمد غَيْرَكَ من أهْلِ الأخبار الماضية، والقرون الخالية حتى حَفِظْتَهَا قَفُلْتَهَا، كما حكى عنهم فقال: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} تفسير : [النحل:103]. وفي التفسير: أنهم كانوا يقولون: هو يُدَارِسُ سَلْمَانَ وعَدَّاساً. وأما قراءة الباقين: فمعناها: حَفِظْتَ وأتْقَنْتَ بالدَّرْسِ أخبارَ الأوَّلين، كما حُكِيَ عنهم {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان:5] أي: تكرر عليها بالدرس يحفظها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وليقولوا أهل "مكة" حين تَقْرَأُ عليهم القرآن: ودَرَستْ تعلمت من يسارٍ وجبر، وكانا عَبْدَيْنِ من سَبي الروم قرأت علينا تَزْعُمُ أنه من عند الله. حكى الواحدي في قوله: درس الكتاب قولين: الأول: قال الأصمعيُّ: أصله من قولهم: درس الطعام إذا دَرَسَهُ يَدْرُسُهُ دراساً، والدَّرْسُ الدِّيَاسُ بِلُغَةِ أهل "الشام"، قال: ودرس الكلام من هذا، أي: يدرسه فيخفُّ على لسانه. والثاني: قال أبو الهيثم: درست الكتاب، أي: ذللته بكثرةِ القراءة خَفَّ حِفْظُهُ من قولهم: درست الثوب أدْرُسُهُ دَرْساً، فهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ، أي: أخْلَقْتُهُ، ومنه قيل للثوب الخلق: دريسٌ لأنه قد لان والدراسةُ الرياضة، ومنه درست السُّورة حتى حفظتها قال الواحدي: وهذا القول قريب مما قال الأصمعيُّ، بل هو نفسه لأن المعنى يعود إلى التَّذْليل والتَّلْيين. وقرئ هذا الحرف في الشَّاذِّ عشر قراءات أخر فاجتمع فيه ثلاثة عشرة قراءة؛ فقرا ابن عباس بخلاف عنه، وزيد بن علي، والحسن البصري، وقتادة "دُرِسَتْ" فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول مسنداً لضمير الإناث، وفسَّرها ابن جنيِّ والزمخشري بمعنيين في أحدهما إشكال. قال أبو الفتح: "يحتمل أن يُرَادَ عَفَتْ أو بَلِيَتْ". وقال أبو القاسم: "بمعنى قُرِئَتْ أو عُفِيَتْ". قال أبو حيَّان: "أما معنى قُرِئَتْ وبَلِيَتْ فظاهِرٌ لأن دَرَسَ بمعنى كرَّرَ القراءة متعدِّ، وأما "دَرَس" بمعنى بلي وانمحى فلا أحْفَظُهُ متعدياً، ولا وَجَدْنا فيمن وقَفْنَا على شعره [من العرب] إلا لازماً". قال شهاب الدين: لا يحتاج هذا إلى استقراء، فإن معناه لا يحتمل أن يكون متعدياً؛ إذْ حَدَثُهُ لا يتعدَّى فاعله، فهو كـ "قام" و "قعد" فكما أنا لا نحتاج في مَعْرِفةِ قصور "قام" و "قعد" إلى استقراءٍ، بل نَعْرِفُهُ بالمعنى، فكذا هذا. وقرئ "دَرَّسْتَ" فعلاً ماضياً مشدّداً مبنياً للفاعل المخاطب، فيحتمل أن يكون للتكثير، أي: دَرَّسْتَ الكُتُبَ الكثيرة كـ "ذبَّحت الغنم"، و "قَطَّعْتُ الأثواب" وأن تكون للتَّعديَةِ، والمفعولان محذوفان، أي: دَرَّسْتَ غيرك الكتاب، وليس بظاهرٍ؛ إذ التفسير على خلافه. وقُرِئ دُرِّسْتَ كالذي قبله إلا أنه مَبْنيُّ للمفعول، أي: دَرَّسَكَ غَيْرُكُ الكتب، فالتضعيف للتعدية لا غير. وقرئ "دُوْرِسْتَ" مسنداً لتاء المُخاطبِ من "دَارَس" كـ "قاتل" إلا أنه بُنِيَ للمفعول، فقلبت ألِفُهُ الزَّائدة واواً، والمعنى: دارسَكَ غَيْرُكَ. وقرئ "دَارَسَتْ" بتاء ساكنة للتأنيث لَحِقَتْ آخر الفعل، وفي فاعله احتمالان: أحدهما: أنه ضمير الجَمَاعَةِ أضْمِرَتْ، وإن لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ لدلالة السياق عليها أي: دراستك الجمَاعَةُ يُشيرون لأبي فكيهة، وسلمان، وقد تقدَّم ذلك في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو رحمهما الله تعالى. والثاني: ضمير الإناث على سبيلِ المُبالغةِ، أي: إن الآيات نفسها دارَسَتْكَ، وإن كان المراد أهْلَهَا. وقرئ "دَرُسَتْ" بفتح الدال، وضم الراء مُسْنَداً إلى ضمير الإناث، وهو مُبالغةٌ في "دَرَسَتْ" بمعنى: بَلِيَتْ وقدُمَتْ وانمحَتْ، أي: اشتدَّ دُرُوسُهَا وبلاهَا. وقرأ أبَيُّ "دَرَسَ" وفاعله ضمير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أو ضمير الكتاب بمعنى قرأهُ النَّبِيُّ، وتلاهُ، وكُرِّرَ عليه، أو بمعنى بلي الكتاب وامَّحى، وهكذا في مصحف عبد الله "دَرَسَ". وقرأ الحسنُ في رواية "دَرَسْنَ" فعلاً ماضياً مسنداً لنون الإناثِ هي ضمير الآيات, وكذا هي في بَعضِ مصاحفِ ابن مسعود. وقرئ "دَرَّسْنَ" كالذي قبله إلا أنه بالتَّشديد بمعنى اشتدَّ دُرُوسُهَا وبلاهَا، كما تقدم. وقرئ "دَارِسَاتٌ" جمع "دَارِسَة"؛ بمعنى: قديمات، أو بمعنى ذات دُرُوس، نحو: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} تفسير : [الحاقة:21] و {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق:6] وارتفاعها على خبر ابتداء مضمرٍ، أي: هُنَّ دارسات، والجملة في محلِّ نصب بالقولِ قبلها. قوله: "ولنبيِّنَه" تقدم أنَّ هذا عطفٌ على ما قَبْلَهُ؛ فحكمه حُكْمُه، وفي الضمير المَنْصُوب أربعةُ احتمالات: أحدها: أنه يَعُود على الآياتِ، وجاز ذلك وإن كانت مُؤنَّثَة؛ لأنَّها بِمَعْنَى: القُرآن. الثاني: أنَّه يَعُود على الكتاب، لدلالة السِّياق عليه، ويُقَوِّي هذا: أنَّه فاعل لـ "دَرَسَ" في قَراءة مَنْ قَرَأه كذلك. الثالث: أنَّه يَعُود على المصدَر المفهوم من نُصَرِّف، أي: نبيِّن التَّصْريف. الرابع: أنه يَعُود على المَصْدَر المفْهُوم من "لِنُبَيِّنه" أي: نُبَيِّن التَّبْين، نحو: "ضَرَبْتُه زَيْداً" أي: "ضربت الضَّرْب زَيْداً"، و "لقوم" معلِّقٌ بالفعل قبله، و "يعْلَمُون": في محل جرٍّ صفة للنَّكرة قبلها. قال ابن عباس - ضي الله عنهما - يُريد أوْلِياءَهُ الذين هداهم إلى سبيل الرَّشاد. وقيل: نصرِّف الآيات ليشقَى بها قَوْم، ويَسْعد بها آخرون؛ فمن قال: "دَرَسْت" فهو شقي، ومن تَبيَّن له الحقُّ، فهو سِعِيدٌ.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير التفاتاً إلى مقام العظمة إعلاماً بأن القضاء كله بيده لئلا يظن نقص في نفوذ الكلمة: فانظروا ما صرفنا لكم في هذه السورة من الآيات وأوضحنا بها من شريف الدلالات، لقد أتينا فيها بعجائب التصاريف وكشفنا عن غرائب التعاريف، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل هذا التصريف العظيم {نصرف} أي ننقل جميع {الآيات} من حال إلى حال في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه البراهين ما يفوت القوى ويعجز القُدَر لتحير ألباب المارقين وتنطلس أفكار المانعين، علماً منهم بأنهم عجزة عن الإتيان بما يدانيها فتلزمهم الحجة {وليقولوا} اعتداء لا عن ظهور عجزهم "دارست" أي غيرك من أهل الكتاب أو غيرهم في هذا حتى انتظم لك هذا الانتظام وتم لك هذا التمام، فيأتوا ببهتان بيّن عواره ظاهرة أسراره، مهتوكة أستاره، فيكونوا كأنهم قالوا: إنك أتيت به عن علم ونحن جاهلون لا نعلم شيئاً، فيعلم كل موفق أنهم ما رضوه لأنفسهم مع ادعاء الصدق والمنافسة في البعد عن أوصاف الكذب إلا لفرط الحيرة وتناهي الدهشة وإعواز القادح، والحاصل أنه أتى به على هذا المنهاج الغريب والأسلوب العجيب ليعمى ناس عن بينة ويبصر آخرون، وهم المرادون بقوله: {ولنبينه} أي القرآن لأنه المراد بالآيات المسموعة {لقوم يعلمون *} أي أن المراد من الإبلاغ في البيان أن يزداد الجهلة به جهلاً، ويهتدي من كان للعلم أهلاً، فلا يقولون: "دارست" بل يقولون: إنه من عند الله، فالآية من الاحتباك: إثبات ادعاء المدارسة أولاً يدل على نفيها ثانياً، وإثبات العلم ثانياً يدل على عدمه أولاً، وهي من معنى {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً}تفسير : [البقرة: 26]. ولما انكشف بهذا في أثناء الأدلة وتضاعيف البراهين أن القرآن كنز لا يلقى مثله كنز، وعز لا يدانيه عز، وأنه في الذروة التي تضاءلت دونها سوابح الأفكار، وكلّت عن التماعها نوافذ الأبصار، وختم بأن المراد بالبيان العلماء، ناسب له أن ينبه على ذلك لئلا يفتر عنه طعنهم بقولهم "دارست" ونحوه، فقال مخصصاً له صلى الله عليه وسلم بالخطاب إعلاماً بأنه العالم على الحقيقة: {اتبع} أي أنت ومن تبعك {وما أوحي إليك} أي فالزم العمل به؛ ثم أكد مدحه بقوله: {من ربك} أي المحسن إليك بهذا البيان؛ ثم علل ذلك بقوله: {لا إله إلا هو} أي فلا يستحق غيره أن يتبع له أمر، ولا يلتفت إليه في نفع ولا ضر {وأعرض عن المشركين *} أي بغير التبليغ، فإنه ما عليك غيره، ومزيد حرصك على إيمانهم لا يزيد من أريدت شقوته إلا تمادياً في إشراكه وارتباكاً في قيود أشراكه. ولما كان الحبيب أسر شيء بما يزيده حبيبه، قال مسلياً له صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به وردهم لقوله، عاطفاً على ما تقديره: فلو شاء الله ما خالفوك ولا تكلموا فيك ببنت شفة: {ولو شاء الله ما أشركوا} أي ما وقع منهم إشراك أصلاً، فقد أراد لك من الوقوع فيك ما أراده لنفسه، فليكن لك في ذلك مسلاة. ولما كان التقدير: فإنه سبحانه حفيظ عليهم، عطف عليه قوله: {وما جعلناك} أي بعظمتنا، وأشار إلى أن العلو ليس بغير الله سبحانه فقال: {عليهم حفيظاً} أي تحفظ أعمالهم لئلا يكون منها ما لا يرضينا فتردهم عنه قسراً {وما أنت} وقدم ما هو أعم من نفي التحقق بالعلو المحيط القاهر الذي هو خاص بالإله فقال: {عليهم بوكيل *} أي فتأخذ الحق منهم قهراً، وتعاملهم بما يستحقونه خيراً أو شراً، إنما أنت مبلغ عنا، ثم الأمر في هدايتهم وإضلالهم إلينا. ولما طال التنفير عما اتخذ من دونه من الأنداد والبنات، لأنها أقل من ذلك وأحقر، كان ذلك ربما كان داعية إلى سبها، فنهى عنه لمفسدة يجرها السب كبيرة جداً، فقال عاطفاً على قوله {وأعرض عن المشركين} غير مواجه له وحده صلى الله عليه وسلم إكراماً له: {ولا تسبوا} ولما كانت الأصنام لا تعقل، وكان المشركون يزعمون بها العقل والعلم، ويسندون إليها الأفعال، أجري الكلام على زعمهم لأنه في الكف عنها فقال: {الذين يدعون} أي دعاء عبادة من الأصنام أو غيرهم بذكر ما فيهم من النقص، ثم بين دفعاً لتوهم إكرامهم أنهم في سفول بقوله: {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له عدلاً، بعلم منكم بما لهم من المعايب، بل أعرضوا عن غير دعائهم إلى الله حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه، فإنا زينا لهم أعمالهم فغرقوا مع غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل، وكذبوا بجميع الآيات الموجبة للإيمان، فربما جرهم سبُّكم لها - لما عندهم من حمية الجاهلية - إلى ما لا يليق {فيسبوا} أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا {الله} أي الذي تدعونه وله الإحاطة بصفات الكمال، وأظهر تصريحاً بالمقصود وإعظاماً لهذا وتهويلاً له وتنفيراً منه. ولما كان الخنو يوجب الإسراع، أشار إليه سبحانه بقوله: {عدواً} أي جرياً إلى السب؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم، قال مبيناً لأنه يراد به مع الإسراع أنه مجاوز للحد: {بغير علم} لأنا زينا لهم عملهم، فالطاعة إذا استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى الحال إلى تركها وقتاً ما، لتحصل القوة على دفع ذلك المنكر، فحكم الآية باق وليس بمنسوخ. ولما كان ذلك شديداً على النفس ضائقاً به الصدر، اقتضى الحال أن يقال: هل هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من الأمم مثله؟ فقيل: {كذلك} أي بل كان لغيرهم، فإنا مثل ذلك التزيين الذي زينا لهؤلاء {زينا لكل أمة} أي طائفة عظيمة مقصودة {عملهم} أي القبيح الذي أقدموا عليه بغير علم بما خلقه في قلوبهم من المحبة له، رداً منا لهم بعد العقل الرصين أسفل سافلين، حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن لتبين قدرتنا؛ فكان في ذلك أعظم تسلية وتأسية وتعزية، والآية من الاحتباك: إثبات {بغير علم} أولا دال على حذفه ثانياً، وإثبات التزيين ثانياً دليل على حذفه أولاً. ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم، وكان الإمهال ربما كان من جهل بعمل العاصي، نفى ذلك بقوله {ثم} أي بعد طول الإمهال {إلى ربهم} أي المحسن إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه، لا إلى غيره {مرجعهم} أي بالحشر الأعظم {فينبئهم} أي يخبرهم إخباراً عظيماً بليغاً {بما} أي بجميع ما {كانوا يعملون *} أي على سبيل التجدد والاستمرار بما في جبلاتهم من الداعية إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على مقتضى العلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الآية: 105]. قال ابن عطاء: لقوم يعلمون حقيقة البيان وهو الوقوف معه حيث ما وقف، والجرى معه حيث ما جرى لا يتقدمه بغلبة ولا يتخلف عنه لعجزه.
القشيري
تفسير : أوقع الفتنةَ في قلوبهم فَخَنِسَتْ عليهم الأحوال: فَمِنْ شُبْهةٍ دَاخَلْتُهم ومن حَيْرةٍ مَلَكَتْهُم. ومن تحقيق أدركه قوم، وتعريفٍ توقف على آخرين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} صرف الله فهم خطابه عن قلوب الاعداء وفسح لطائفها وحقايقها للاولياء كان خطابه الحبيب لا تعرف الا الحبيب بلطف باهله حيث وهبهم فهم كلامه حتى ادركوا الصفة بقوله ولنبيه لقوم يعلمون اى لقوم يعرفون حقيقة البيان وهو الوقوف معه حيث ما وقف الجرى معه حيث ما جرى لا يتقدمه بغلبة ولا يتخلف عنه لعجز قوله تعالى {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} لما ذكر تعالى بيان لعموم اهل العلم لمتابعتهم امره خص حبيبه عليه السلام بما بينهما من اسرار الربوبية ولطائف المحبة وحقائق الانبساط فى المقامات والحالات وافرده بها عن جميع الخلق حيث لا طاقة للخلق مطالعة تلك الاسرار ولا قولة لهم حمل واردات تلك الاحوال غير النبى صلى الله عليه وأله وسلم لانه مؤيد بالقوة الازلية والنصرة الابدية قال اتبع ما اوحى اليك من ربك الا استعد لحمل واردات سطوات الالوهية وجذبات انوار نعوته الابدية قال اتبع ما اوحى اليه من ربك اى استعد لحمل واردات سطوات الالوهية وجذبات انوار نعوته الابدية وانها خاصته لك الا ترى كيف وصف نفسه له فى وسط الاية بالفردانية والتنزيه عن اشكال الخليفة بقوله {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وهو يوصفه تجلى لك بنعته ووصفه حيث كانت خلقت بنعت استعداد تحمل ظهور الازلية واذا كنت كذلك انت لا تليق بالمشركين الى غيره فانت اعزو افضل من ان يكون معك فى هذا المقام احد من المغيرين بحالهم وهذا معنى قوله سبحانه {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} وكان عليه السلام له مقامات فى الوحى كان له الوحى خاص الخاص له لا لغيره وذك موضع سر السر فى دنوا الدنو حيث خصه الله بذلك بقوله فاوحى الى عبده ما اوحى له وحى خاص له ولخواصه واخوانه من الانبياء والاولياء بقوله تعالى والذى اوحيناه اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين وله وحى عام وهو قوله تعالى بلغ ما انزل اليك من ربك قال بعضهم الوحى عن غير واسطة والرسالة والانزل ظاهر بواسطة لذلك قال بلغ ما انزل اليك من ربك لان الوحى كان خاصا له مستورا لقوله فاوحى الى عبده ما اوحى واتبع ما اوحى اليك من ربك والاشارة للاولياء فى ذلك تاديبا لهم حيث يتعارض القاء العدو ووحى الله اى دعوا ما سوى الوحى من الهواجس والوسواس وابتعوا ما يحل فى قلوبكم من الخطاب الذى وصفه قدس القلوب من الخواطر والعوارض الا ترى الى قوله عليه السلامالرابصة دع ما يريبك الى ما لا يريباى واستفت ولو افتاك المفتون.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك نصرف الآيات} اى ومثل هذا التصريف البديع نصرف الآيات الدالة على المعانى الرائقة الكاشفة عن المعانى الفائقة ولا تصرف ادنى منه من الصرف وهو نقل الشئ من حال الى حال {وليقولوا درست} علة لمحذوف واللام للعاقبة والدرس القراءة والتعلم اى وليقولوا فى عاقبة امرهم درست صرفنا اى قرأت وتعلمت من غيرك نحو سيار وجبير كانا عبدين لقريش من سبى الروم كان قريش يقولون له عليه السلام انك تتعلم هذه الاخبار منهما ثم تقرأ علينا على زعم انها من عند الله {ولنبينه} عطف على ليقولوا واللام على الاصل اى التعليل لان التبيين مقصود التصريف والضمير للآيات باعتبار القرآن {لقوم يعلمون} وتخصيص التبيين بهم لما انهم المنتفعون به.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: تصريف الشيء: إجراؤه على أحوال متعاقبة وجهات مختلفة، ومنه: تصريف الرياح لهبوبه من جهات مختلفة، ولما كانت آيات القرآن تنزل على أنواع مختلفة في أوقات متعاقبة، شبهت بتصريف الرياح على أنحاء مختلفة، {وليقولوا}: متعلق بمحذوف، أي: وليقولوا: درست، صرفنا الآيات، واللام للعاقبة، وكذلك: {ولنبينه}: المتعلق واحد. يقول الحقّ جلّ جلاله: ومثل ذلك التصريف الذي صرفنا من الآيات، من قوله: {أية : إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى }تفسير : [الأنعَام:95]، إلى قوله: {أية : قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِِرُ مِن رَّبِكُمْ }تفسير : [الأنعَام:104] ـ {نُصرِّف الآيات} في المستقبل لتكون عاقبة قوم الشقاء بها بتكذيبهم إياها، {وليقولوا} لك: {دارسْتَ} أهل الكتاب، وتعلمت ذلك منهم، وليس بوحي، أو {درسَت} هذه الأخبار وعفت، وأخبرت بها من إملاء غيرك عليك، كقولهم: أساطير الأولين، وليكون عاقبة قوم آخرين الاهتداء، وإليهم الإشارة بقوله: {ولنبينه لقوم يعلمون} أي: وليتضح معناه عند قوم آخرين، فيهتدوا به إلى معرفتي وتوحيدي ومحل رضواني وكرامتي، فالخطاب متحد، والأثبر مختلف على حسب السابقة. الإشارة: ظهور الآيات على يد أهل الخصوصية ـ كالعلوم اللدنية والمواهب الربانية ـ لا يوجب لهم التصديق لجميع الخلق، فلو أمكن ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى به، بل لا بد من الاختلاف، فقوم قالوا: هذه العلوم... دارس فيها وتعلمها، وقوم قالوا: بل هي من عند الله لا كسب فها، قال تعالى: { أية : وَلاَ يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ } تفسير : [هُود:118]. ثم أمر نبيه بالإعراض عن أهل الإنكار، فقال: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {دارست} بألف وفتح التاء. الباقون بلا الف {درست} بفتح التاء، الا ابن عامر فانه قرأ {درست} بسكون التاء وفتح السين بمعنى (انمحت) وذكر الاخفش {درست} وهو أشد مبالغة في الامحاء وقيل {درست} على ما لم يسم فاعله. والمعاني متقاربة غير ان هذين لم يقرأ بهما أحد من المعروفين. وفي قراءة عبد الله {درس} أي ليقولوا درس محمد. قال أبو زيد: درست أدرس دراسة وهي القراءة. وانما يقال ذلك اذا قرأت على غيرك. قال الاصمعي أنشدني ابن ميادة: شعر : يكفيك من بعض إِزديار الآفاق سمراء مما درس ابن مخراق تفسير : يقال درس يدرس مثل داس يدوس. قال: وقال بعضهم: سمراء ناقته، ودرسها رياضها قال ودرس السورة من هذا أي يدرسها لتخف على لسانه، والدريس الثوب الخلق، وأصل الدرس استمرار التلاوة. وقال ابو علي النحوي: من قرأ {دارست} معناه أهل الكتاب وذاكرتهم، قال وقد يحذف الالف في مثل هذا في المصحف. قال ويقوي ذلك قوله {أية : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا}تفسير : وقالوا {أية : إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون} تفسير : ومن قرأ {درست} قال لان أبيَّا وابن مسعود قرءا به فاسندا الفعل فيه الى الغيبة كما اسند الى الخطاب ومعناه درست فتعلمت من أهل الكتاب. وقال المغربي: درست معناه علمت كما قال {أية : ودرسوا ما فيه}تفسير : أي علموه فعلى هذا يكون اللام لام الغرض، كأنه قال فعلنا ذلك ليقولوا علمت. ووجه قراءة ابن عامر انه ذهب الى الدرس الذي هو تعفية الاثر وإِمحاء الرسم. واللام من قوله {وليقولوا درست} على ضربين: من قال {درست} بلا الف، فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا: درست، كما قال {أية : يبين الله لكم أن تضلوا}تفسير : ومعناه لئلا تضلوا وكراهة ان تضلوا، والمعنى اني فصلت الآيات وأحكمتها لئلا يقولوا: انها أخبار قد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها، كما قالوا {أية : أساطير الأولين} تفسير : لان تلك الاخبار لا تخلو من خلل فاذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن. والثاني - ليقولوا (درست) ذلك بحضرتنا أي ليقروا بورود الآية عليهم فتقوم الحجة عليهم. وقال الزجاج: اللام لام العاقبة ومن قرأ {دارست} فاللام على قوله كالتي في قوله {أية : ليكون لهم عدوا وحزنا}تفسير : ولم يلتقطوه لذلك لكن كان عاقبته كذلك كما أنه تعالى لم يفصل الآيات ليقولوا دارست ودرست. لكن لما قالوا ذلك أطلق ذلك عليه اتساعا. وموضع الكاف في وكذلك نصب، لان المعنى نصرف الآيات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر كأنه قال تصريفا مثل هذا التصريف. قال الرماني: التصريف اجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة. وقال الحسن ومجاهد والسدي وابن عباس وسعيد بن جبير {دارست} أي ذاكرت أهل الكتابين وقارأتهم، وقوله {ولنبيِّنه لقوم يعلمون} معناه لنبين الذي هذه الآيات دالة عليه لقوم يعلمون ما نورده عليهم من هذه الآيات، ويعقلون ذلك وهم الذين يلزمهم الاستدلال بذلك على الله وعلى صحة دينه. وقال قوم {ليقولوا درست} معناه التهديد كما يقول القائل: قل لفلان: يوفينا حقنا وليصنع ما شاء، وقل للناس الحق وليقولوا ما شاؤا أي ذلك لا يضرك، ولان ضرره يعود عليهم من العقاب والذم.
اطفيش
تفسير : {وكذلك نُصرِّف الآياتِ} بينها بتكرير ونقل من حال لحال {وليقُولُوا دَرسْت} متعلق بمحذوف، أى وصرفنا الآيات ليقول مشركو قريش درست، أو ونصرفها ليقولوا، أو العطف على محذوف، أى ليذكروا وليقولوا، فيتعلقان بنصرف المذكور، واللام للصيرورة، لكنه عالم بما يصير إليه الأمر وهى شبيهة بلام التعليل، فإن مدخولهما يترتب على ما قبلهما ويضعف تقدير لا النافية كما قال بعضهم: التقدير لئلا يقولوا، وقيل: يجوز أن تكون للتعليل لأن يكون تصريف الآيات لأجل أن يقولوا، وقيل اللام للأمر التهديدى، فالفعل على هذا مجزوم لا منصوب كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} {ومن شاء فليكفر} ويناسبه قراءة بعضهم بإسكان اللام، ولام الجر لا تسكن إلا أنه يحتمل أن تكون لا التعليل أو الصيروة، وكلتاهما جارة سكنت تخفيفا لأنها مع الواو قبلها والباء بعدها بمنزلة الكلمة الثلاثية المكسورة الوسط كعلم وكبد، ويقوى كونها ليست لام إلا لام من لنبينه بعده. والدرس القراءة والتعلم، أى وليقولوا: تعلمت وأتقنت ما قلت من عبد رومى، ثم جئت تقول: إنه أوحى الله إلى، وقال الفراء: وليقولوا درست عن اليهود، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: وليقولوا دارست بألف بعد الدال وهو للمفاعلة، أى دارست العبد الرومى، أو دارست اليهود أى درست معهم، وقرأ ابن عامر ويعقوب درست بتاء التأنيث، وفيه ضمير مستتر على هذه القراءة عائد إلى الآية، أى ليقولوا إنما تذكرة من الآيات قد سبقك وتكرر فى السن ومضى، حتى كان كالشئ القديم البالى المندرس، وأنت تقول: إنه جديد طرى من الله، أنزل عليك كقوله تعالى: {أية : أساطير الأولين} تفسير : وقرئ درست بفتح الدال وضم الراء حملا إلى باب فعل بضم العين من فعل بالفتح للمبالغة أى بليت جداً إذ تكررت تكرراً عظيماً، وأعنى أن هذه القراءة مبالغة فى معنى القراءة التى قبلها، والتاء ساكنة، والضمير للآيات، وذلك أن جعل بالضم للطبيعة وما أشبهها فى اللزوم. وقرئ بالبناء للمفعول، أى قرئت تلك الآيات أو أبليت وأقدمت أى جعلن باليات، وتفسيرها بالإبلاء والإقدام بناء على لغة تعدى درس، يقال: درس الموضع ودرس الريح، وقرئ دارست بالألف أى تليت الآيات جداً، فالمفاعلة للمبالغة أو دارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم قرأت معه، وتعلم منهم، لأنه ولو لم يجز ذكرهم، لكنهم المعروفون بالدرس فى ذلك الزمان، وقرئ درسن بالبناء للمفعول والتخفف أو قرأنا أو أبلينا، وقرئ درسن بالبناء للفاعل، أى بلين وقرئ درسن بالبناء للمفعول والتشديد، أى صيرت باليات أو قرأهن من سبق جداً، أى الآيات وقرأ أبى: درس بالبناء للفاعل بلا تاء، أى درسها محمد عن اليهود والرومى، أو درس الكتاب برفع الكتاب أى بلى وقدم. وقرئ دارسات بالرفع أى هن دارسات أى باليات لتكررهن فيمن قبله، أو دارسات والواو مكسورة وبعد السين ألف، ولإغراء على التاء أى قارئات أى ذوات درس أى قراءة، أو ذوات دروس أى قدم، وقرء درست بالتشديد والبناء للفاعل، والخطاب والتشديد للمبالغة، أى درست يا محمد مع اليهود أو الرومى درساً عظيماً حتى حفظت، أو للتعدية أى صيرت غيرك دارسا الكتب، أى حملت غيرك على درس الكتب لتدرس معه فتحفظ فتقول: أوحى إلىَّ، وقرئ درست بالبناء للمفعول والخطاب والتشديد، أى صيرت دارساً أى متعلما قارئاً وقرئ دورست بالبناء للمفعول من المفاعلة للمبالغة فى كونها مقروءة قبله صلى الله عليه وسلم. {ولنُبيِّنه} أى لنبين القرآن، ودل عليه ذكر الآيات، أى نبين الآيات فأفردها وذكرها للتأويل بالقرآن أو الدليل، أو لنبين التصريف، ومن زعم أن الهاء للتبين فهى عنده مفعول مطلق {لِقومٍ يعْلمونَ} هم الذين آمنوا به قاله ابن عباس، أو لنبينه لقوم يعلمونه، إذا بيناه لهم فيؤمنوا به فيسعدوا.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} نبين أَو نكرر، وهذاك إِذا قلت كلاماً فقلت هكذا قلت، أَو المعنى كما بينا فى ماضى السورة أَو فيما مضى من القرآن نصرف فيما بقى الآيات {ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ} متعلق بمحذوف متأَخرا، أَى وليقولوا درست صرفنا الآيات، أَو ليقولوا درست نصرفها، بمضارع التجدد والاستقبال، أَو ليعتبروا وليقولوا، أَو لينكروا وليقولوا، أَو لتلزمهم الحجة وليقولوا، واللام فى لينكروا أَو فى ليقولوا للعاقبة لأَن التصريف لا يكون لذلك فيما يظهر ويتبادر لكن لا مانع من التعليل، والصحيح جواز التعليل فى كلام الله عز وجل وليس المراد به الانتفاع أَو الاحتجاج أَو نحو ذلك تعالى الله عن ذلك بل الحكمة والمراد أَنه يصرفها ليعاقبهم بقولهم، كقوله تعالى "أية : إنما نملى لهم ليزدادوا إِثماً"تفسير : [آل عمران: 178] وقوله تعالى "أية : يضل به كثيراً ويهدى به كثيراً"تفسير : [البقرة: 26] والواو للمشركين، وعبارة بعض نصرف هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم درست فيزدادوا كفراً، ولنبينه لقوم فيزدادوا إِيماناً كما قال {وَلِنَبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أَى قضى الله أَن يعلموا وليدوموا على علم وليزدادوه، وخصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون، وهذه للعلة كلام فى ليعتبروا أَو لتلزمهم الحجة المقدرين، لأَن التبيين مقصود للتصريف بخلاف لام ليقولوا فإِنها بحسب الظاهر ليست للتعليل بل للعاقبة لأَنه ليس المقصود من تصريف الآيات أَن يقولوا هذه القولة الشنعاءَ، ولام العاقبة هى التى تدخل على شئ ليس مقصودا من أَصل الفعل ولا حاملا عليه، ويترتب على فعله تعالى مصالح وإِن لم تكن علة غائية لها بحيث لولاها لم يقدم الفاعل إِليها، فحقيقة التعليل بيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل وفسرها المتكلمون بالباعث الذى لولاه لم يقدم الفاعل إِلى الفعل، وهى عند أَهل اللغة حقيقة فى ذلك مطلقاً، ويضعف أَن تكون اللام فى ليقولوا لام الأمر للتهديد، أَى ليقولوا ما يقولون فإِنه لا عبرة بهم، ولو تقوى بقراءَة شاذة بسكون اللام لإِمكان أَن يكون السكون تخفيفاً لوزن فعل بكسر العين وهو الواو واللام والياء، ولعطف التعليل عليه، ولاهاء للقرآن للعلم به من المقام، أَو للآيات بتأْويل ما ذكر، أَو لتأويلها بالقرآن أَو بالدليل، أَو للتبيين، وعليه تكون مفعولا مطلقاً.
الالوسي
تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التصريف البديع {نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ} الدالة على المعاني الرائقة الكاشفة عن الحقائق الفائقة لا تصريفاً أدنى منه. وقيل: المراد كما صرفنا الآيات قبل نصرف هذه الآيات، وقد تقدم لك ما هو الحري بالقبول. وأصل التصريف ـ كما قال علي بن عيسى ـ إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف وهو نقل الشيء من حال إلى حال. وقال الراغب: «التصريف كالصرف إلا في التكثير وأكثر ما يقال في صرف الشيء من حال إلى حال وأمر إلى أمر». {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} علة لفعل قد حذف تعويلاً على دلالة السباق عليه أي وليقولوا درست نفعل ما نفعل من التصريف المذكور. وبعضهم قدر الفعل ماضياً والأمر في ذلك سهل، واللام لام العاقبة. وجوز أن تكون للتعليل على الحقيقة لأن نزول الآيات لإضلال الأشقاء وهداية السعداء قال تعالى: { أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26]. والواو اعتراضية، وقيل: هي عاطفة على علة محذوفة. واللام متعلقة بنصرف أي مثل ذلك التصريف نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا الخ. وهو أولى من تقدير لينكروا وليقولوا الخ. وقيل: اللام لام الأمر، وينصره القراءة بسكون اللام كأنه قيل: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما يقولون فإنهم لا احتفال بهم ولا اعتداد بقولهم، وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث. ورده في «الدر المصون» بأن ما بعده يأباه فإن اللام فيه نص في أنها لام كي، وتسكين اللام في القراءة الشاذة لا دليل فيه لاحتمال أن يكون للتخفيف. ومعنى {دَرَسْتَ } قرأت وتعلمت، وأصله ـ على ما قال الأصمعي ـ من قولهم: درس الطعام يدرسه دراساً إذا داسه كأن التالي يدوس الكلام فيخف على لسانه. وقال أبو الهيثم: يقال درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه من قولهم: درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس أي أخلقته، ومنه قيل للثوب الخلق: دريس لأنه قد لان، والدرسة الرياضة ومنه درست السورة حتى حفظتها. وهذا كما قال الواحدي قريب مما قاله الأصمعي أو هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى التذليل والتليين. وقال الراغب: «يقال دَرَسَ الدارُ أي بقي (أثره) وبقاء الأثر يقتضي انمحاءه في نفسه فلذلك فسر الدروس بالانمحاء، وكذا درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ، ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن إدامة القراءة بالدرس» وهو بعيد عما تقدم كما لا يخفى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دارست} بالألف وفتح التاء وهي قراءة ابن عباس ومجاهد أي دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية وذكرته، وأرادوا بذلك نحو ما أرادوه بقولهم: { أية : إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } تفسير : [النحل: 103]. قال الإمام: «ويقوي هذه القراءة قوله تعالى حكاية عنهم: { أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ }» تفسير : [الفرقان: 4] وقرأ ابن عامر ويعقوب وسهل {درست } بفتح السين وسكون التاء، ورويت عن عبد الله بن الزبير وأبـي وابن مسعود والحسن رضي الله تعالى عنهم. والمعنى قدمت هذه الآيات وعفت وهو كقولهم { أية : أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [النحل: 24]. وقرىء {درست} بضم الراء مبالغة في / درست لأن فعل المضموم للطبائع والغرائز أي اشتد دروسها، و {درست} على البناء للمفعول بمعنى قرئت أو عفيت وقد صح مجيء عفا متعدياً كمجيئه لازماً؛ و {دارست} بتاء التأنيث أيضاً، والضمير إما لليهود لاشتهارهم بالدارسة أي دارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم وإما للآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارست أهل الآيات وحملتها محمداً عليه الصلاة والسلام وهم أهل الكتاب، و {دورست} على مجهول فاعل. و {درست } بالبناء للمفعول والإسناد إلى تاء الخطاب مع التشديد، ونسبت إلى ابن زيد. و {ادارست} مشدداً معلوماً ونسبت إلى ابن عباس، وفي رواية أخرى عن أبـي {درس} على إسناده إلى ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم أو الكتاب إن كان بمعنى انمحى ونحوه و {درسن} بنون الإناث مخففاً ومشدداً و {دارسات} بمعنى قديمات أو ذات درس أو دروس كـ { أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7]. وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي دراسات. {وَلِنُبَيّنَهُ } عطف على {لّيَقُولواْ } واللام فيه للتعليل المفسر ببيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل عند الكثير من أهل السنة. ولا ريب في أن التبيين مصلحة مرتبة على التصريف. والخلاف في أن أفعال الله تعالى هل تعلل بالأغراض مشهور وقد أشرنا إليه فيما تقدم. والضمير للآيات باعتبار التأويل بالكتاب أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوماً أو لمصدر {نُصَرّفُ } كما قيل أو نبين أي ولنفعلن التبيين {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فإنهم المنتفعون به وهو الوجه في تخصيصهم بالذكر. وهم ـ على ما روي عن ابن عباس ـ أولياؤه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد ووصفهم بالعلم للإيذان بغاية جهل غيرهم وخلوهم عن العلم بالمرة.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة تذييلاً لما قَبلها. والواو اعتراضية فهو متّصل بجملة: {أية : قد جاءكم بصائر من ربّكم}تفسير : [الأنعام: 104] الّتي هي من خطاب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير «قل» كما تقدّم، والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى التّصريف المأخوذ من قوله: {نُصرّف الآيات}. أي ومثلَ ذلك التّصريف نُصرّف الآيات. وتقدّم نظيره غير مرّة وأوّلها قوله: {أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسَطا}تفسير : في سورة [البقرة: 143]. والقول في تصريف الآيات تقدّم في قوله تعالى: {أية : انظر كيف نصرّف الآيات} تفسير : في هذه السّورة (46). وقوله: {وليقُولوا دَرَسْتَ} معطوف على {وكذلك نصرّف الآيات}. وقد تقدّم بيان معنى هذا العطف في نظيره في قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}تفسير : من هذه السّورة (55). ولكن ما هنا يخالف ما تقدّم مخالفة مَّا فإنّ قول المشركين للرّسول عليه الصلاة والسلام {درستَ} لا يناسب أن يكون علّة لتصريف الآيات، فتعيَّن أن تكون اللاّم مستعارة لمعنى العاقبة والصيرورة كالّتي في قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكونَ لهم عدوّاً وحزناً}تفسير : [القصص: 8]. المعنى. فكان لهم عدوّاً. وكذلك هنا، أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا: دَرَسْتَ. والمعنى: أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه، وهذا كقوله: {أية : ولقد نعلم أنّهم يقولون إنّما يعلّمه بشر}تفسير : [النحل: 103] وهم قد قالوا ذلك من قَبْل ويقولونه ويزيدون بمقدار زيادة تصريف الآيات، فشُبّه ترَتُّب قولهم على التّصريف بترتّب العلّة الغائيَّة، واستعير لهذا المعنى الحرفُ الموضوع للعلّة على وجه الاستعارة التّبعيّة، ولذلك سمَّى بعض النّحويين مثل هذه اللاّم لام الصّيرورة، وليس مرادهم أنّ الصّيرورة معنى من معاني اللاّم ولكنّه إفصاح عن حاصل المعنى. والدّراسة: القراءة بتمهّل للحفظ أو للفهم، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وبما كنتم تدرسون}تفسير : في سورة [آل عمران: 79]. وفعله من باب نصر. يقال: درس الكتاب، أي تعلّم. وقد تقدّم في قوله تعالى:{أية : بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}تفسير : [آل عمران: 79]، وقال {أية : وَدَرَسوا ما فيه}تفسير : [الأعراف: 169]. وسمّي بيت تعلّم اليهود المِدْرَاسَ، وسمّي البيت الّذي يسكنه التّلامذة ويتعلّمون فيه المدرسة. والمعنى يقولون: تعلّمت، طعْناً في أمّية الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ لئلاّ يلزمَهم أنّ ما جاء به من العلم وحي من الله تعالى. وقرأ الجمهور {درست} ـــ بدون ألف وبفتح التّاء ـــ. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو «دَارسْتَ» ـــ على صيغة المفاعلة وبفتح التّاء ـــ أي يقولون: قرأت وقُرىء عليك، أي دارسْتَ أهل الكتاب وذاكرتهم في علمهم. وقرأه ابن عامر ويعقوب «دَرَسَتْ» ـــ بصيغة الماضي وتاء التأنيث ـــ أي الآيات، أي تكرّرتْ. وأمّا اللاّم في قوله: {ولنبيّنه لقوم يعلمون} فهي لام التّعليل الحقيقيّة. وضمير {نبيّنه} عائد إلى القرآن لأنّه ماصْدَق {الآيات}، ولأنّه معلوم من السّياق. والقوم هم الّذين اهتدوا وآمنوا كما تقدّم في قوله: {أية : قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون}تفسير : [الأنعام: 97]، والكلام تعريض كما تقدّم. والمعنى أنّ هذا التّصريف حصل منه هدى للموفّقين ومكابرة للمخاذيل. كقوله تعالى: {أية : يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضلّ به إلاّ الفاسقين}تفسير : [البقرة: 26].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} الآية. يعني ليزعموا إن النَّبي صلى الله عليه وسلم إنما تعلم هذه القرآن بالدرس والتعليم من غيره من أهل الكتاب، كما زعم كفار مكة أنه صلى الله عليه وسلم تعلم هذا القرآن من جبر ويسار، وكانا غلامين نصرانيين بمكة، وقد أوضح الله تعالى بطلان افترائهم هذا في آيات كثيرة كقوله {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]، وقوله {أية : فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} تفسير : [المدثر: 24-26]، ومعنى يؤثر: يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن غيره في زعمهم الباطل، وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الفرقان: 4-6] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وفي قوله {دَرَسْتَ} ثلاث قراءات سبعيات. قرأه ابن كثير، وأبو عمر "دارست" بألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح التاء من المفاعلة بمعنى: دارست أهل الكتاب ودارسوك حتى حصلت هذا العلم. وقرأه بقية السبعة غير ابن عامر "درست" بإسقاط الألف، مع إسكان السين وفتح التاء أيضاً، بمعنى درست هذا على أهل الكتاب حتى تعلمته منهم. وقرأه ابن عامر "دَرَسَتْ" بفتح الدال والراء والسين وإسكان التاء على أنها تاء التأنيث، والفاعل ضمير عائد إلى الآيات المذكورة في قوله {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} [الأنعام: 105]. قال القرطبي: وأحسن ما قيل في قراءة ابن عامر أن المعنى: ولئلا يقولوا انقطعت وانمحت، وليس يأتي محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها. اهـ. وقال القرطبي: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} الواو للعطف على مضمر أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست وقيل: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} صرفناها. قال مقيده: عفا الله عنه ومعناهما آيل إلى شيء واحد ويشهد له القرآن في آيات كثيرة دالة على أنه يبين الحق واضحاً في هذا الكتاب ليهدي به قوماً، ويجعله حجة على آخرين كقوله {أية : لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97] وقوله {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44]، وقوله: {أية : لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [المدثر: 31] كما قال هنا {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فالأشقياء يقولون: تعلمته من البشر بالدراسة وأهل العلم، والسعادة يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه.
القطان
تفسير : نصرّف الآيات: نأتي بها متواترة حالا بعد حال، مفسرين لها في كل مقام بما يناسبه. درس الكتابَ والعلم يدرسه درسا ودراسة ومدارسة: قرأه وتعلمه. يتجه الخطاب هنا الى الرسول الكريم، فيتحدث عن تصريف الآيات على مستوى لا يمكن ان يأتي به النبي الأُمّيّ من عنده. وفي ذلك إشارة الى أن المشركين يعلمون حق العلم ان النبيّ محمداً عاش بينهم ولم يدخل مدرسة، ولم يجلس إلى معلم، ومع هذا فهم يعاندون فيقولون: إن محمداً درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب. كيف هذا وما كان شيء من حياتك يا محمد خافياً عليهم، لا قبل الرسالة ولا بعدها! وكيف هذا وليس مِن أهل الكتاب من يعلم شياً على هذا المستوى! ان كتب أهل الكتاب موجودة قائمة، والمسافة شاسعة بين ما فيها وما في هذا القرآن الكريم. ولا نريد ان نقول في هذه الكتب التي بين ايديهم شيئا، لكن علماءهم وكتابهم انتقدوها وبيّنوا كثيرا من زيفها وتحريفها. وقد صدر حديثا كتاب لعالم وطبيب فرنسي كبير هو الدكتور "موريس بوكاي" جعل اسمَه "القرآن والتوراة والانجيل والعلم" وفيه بيّن هذا العالم الكبير بعد دراسته التحليلية ان القرآن لا يتناقض مع الحقائق العلمية والتاريخية، خلافاً للتوارة والانجيل. وهو يقول: "لقد اعتبر الاسلام دائماً أن هناك اتفاقاً بين معطيات كتابه المقدس والواقع العلمي. ولم تكشف دارسه نص القرآن في العصر الحديث عن الحاجة الى اعادة النظر في هذا. وسوف نرى فيما بعد ان القرآن يثير وقائع ذات صفة علمية. وهي وقائع كثيرة جدا، خلافاً لقلّتها في التوراة. وليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جداً لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدّد الموضوعات ذات السمة العلمية وكثرتها في القرآن... وعلى سبيل المثال، نحن نجهل التاريخ التقريبي لظهور الانسان على الارض... لكنّنا لا نستطيع علمياً قبول صحة نص سفر التكوين الذي يورد أنساباً وتواريخ تحدّد أصل ظهور الانسان (خلق آدم) بحوالي 37 قرنا قبل المسيح... هذا فيما نستطيع ان نطمئن إلى أنه لن يمكن أبداً إثبات أن الإنسان قد ظهر على الارض منذ 5736 سنة كما يقول التاريخ العبري في 1975. وبناء على ذلك فإن معطيات التوراة الخاصة بِقدم الانسان غير صحيحة. وان الدارسة التي نقدمها الآن تختص بما تُنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظاهرات الطبيعية المتنوعة الكثيرة، والتي تحيطها تلك الكتب بقليل او بكثير من التعليقات والشروح. ولا بد من الملاحظة ان الوحي القرآني غني جداً في تعدُّد هذه المواضيع، وذلك على خلاف ندرتها في العهدَين القديم والجديد. لقد قمتُ أولاً بدارسة القرآن الكريم، وكان ذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات - ان القرآن يذكر انواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة ادركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث. وبنفس الموضوعية قمتُ بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل: أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب الى ابعد من الكتاب الأول، أي سِفر التكوين، حيث وجدت مقولاتٍ لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا. وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة انساب المسيح. ذلك أن نص إنجيل متّة يناقض بشكل جلي إنجيلَ لوقا. اذ أن هذا الاخير يقدم لنا صراحة أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدَم الانسان على الارض. غير ان وجود هذه الامور المتناقضة وتلك التي لا يحتلمها التصديق، وتلك الآخرى التي لا تتفق والعلم - لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعِف الايمان بالله. ولا تقع المسؤلية فيها إلا على البشر. ولا يستطيع أحدا أن يقول كيف كانت النصوص الاصلية، وما نصيب الخيال والهوى في عملية تحريرها، او ما نصيب التحريف المقصود من قِبَل كتبةِ هذه النصوص، او ما نصيب التعديلات غير الواعية التي ادخلت على الكتب المقدسة. ان ما يصدمنا حقاً في أيامنا هذه ان نرى المتخصصين في دراسة النصوص يتجاهلون ذلك التناقض والتعارض مع الحقائق العلمية الثابتة، او نراهم يكشفون عن بعض نقاط الضعف ليحاولوا التستّر عليها، مستعينين في ذلك ببهلوانات جدلية. وسنقدم في هذا الكتباب أمثلة لاستخدام وسائل التستّر على التناقض او على امر بعيد التصديق، مما يسمونه "صعوبةً" استحياءً منهم، وأنه كان ناجحا في كثير من الاحيان. وهذا ما يفسر لنا كيف ان كثيراً من المسيحيين ظلوا يجهلون نقاط الضعف الخطيرة في كثير من المقاطع في العهد القديم وفي الأناجيل وسيجد القارئ، في الجزئين الأول والثاني من هذا الكتاب امثلة صحيحة في ذلك. اما الجزء الثالث فسيجد فيه القارئ أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دارسة أحد الكتب المقدسة، وهو تطبيق لم يكن يتوقعه الانسان. كما سيجد القارئ في ذلك بياناً لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد، من اجل فهمٍ أكملَ لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة او غير مفهومة. ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما ان الدين والعلم توأمان متلازمان. فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءاً لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. والواقع أن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى الى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الاسلامية. تلك الحضارة التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا. ان التقدم الذي تمّ اليوم، بفضل المعارف العلمية، في شرح بعض ما لم يكن مفهوما، أو بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن، من آيات القرآن- ليشكّل قمةَ المواجهة بين العلم والكتب المقدسة". هذه مقتطفات مختصرة جداً من مقدمة هذا الكتاب الرائع الذي يقدّم لنا شهادة صادقة صادرة عن دراسة وبحثٍ بأمانة وحياد وشجاعة بدون تحيز ولا تعصب. {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. وبمثل هذا التنويع في عرض الدلائل الكونية، نعرض آياتنا في القرآن منّوعة مفصّلة، لنقيم الحجة بها على الجاحدين، فلا يَجِدوا الا اختلاق الكذب، فيتهموك بأنك تعلّمت من الناس لا من الله. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو "دارست" وابن عامر ويعقوب "درستْ" بصيغة الماضي. هكذا بين سبحانه لرسوله ان الناس في شأن القرآن فريقان: فريق فسدت فطرتهم ولم يبقَ لديهم استعداد لهدية، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات، ومن ثم كان نَصيبهم منه الجحود والانكار. وفريق آخر اهتدى به وعمل بما فيه.. من ثَم أمر رسوله ان يتبع ما أوحي اليه من ربه، وان يُعرض عن المشركين، ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم. {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}. اتّبعْ أيها النبي ما جاءك به الوحي من الله، هو المعبود الواحد الذي لا شريك له فالتزم طاعته، ولا تبالِ بعناد المشركين وإصرارهم على الشرك. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }. ولو شاء الله ان يُلزمهم الهدى لهداهم، ولكنه تركهم لاختيارهم، فلقد خلق تعالى النّاسَ بهذا الاستعداد للهدى والضلال، {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}.، وما جعلناك يا محمد رقيباً تحصي عليهم اعمالهم، ولا أنت بمكلف أن تقوم عنهم بتدبير شئونهم وإصلاح أمرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآيَاتِ} (105) - وَمِثْلَ ذَلِكَ التَّصرِيفِ البَدِيعِ، فِي عَرْضِ الدَّلاَئِلِ الكَوْنِيَّةِ، نَعْرِضُ آيَاتِنَا فِي القُرْآنِ، مُنَوَّعَةً مُفَصَّلَةً، لإِثْبَاتِ أُصُولِ الإِيمَانِ، وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وَالأَخْلاَقِ، فَنُحَوِّلُها مِنْ حَالٍ إِلى حَالٍ. فَالْمُسْتَعِدُّون لِلإِيمَانِ يَهْتَدُونَ بِهُدَى اللهِ وَحُجَجِهِ، وَالجَاحِدُونَ المعَانِدونَ، مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ قَدْ دَرَسْتَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلُ، وَتَعَلَّمْتَ مِنْ غَيْرِكَ هَذا الذِي تَقُولُهُ، وَلَيْسَ هُوَ بِوَحيٍ مُنَزَّلٍ عَلَيكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ كَمَا زَعَمْتَ. وَقَدْ رَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا فِي آيَةٍ أُخْرَى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. تفسير : ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَنُبَيِّنُ هَذَا القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلَى تَصْرِيفِ الآيَاتِ، لِقَوْمٍ لَدَيْهِم الاسْتِعْدَادُ إِذا عَلِمُوا الحَقَّ أَنْ يَتَّبِعُوهُ، وَإِذا أَدْرَكُوا البَاطِلَ أَنْ يَجْتَنِبُوهُ. نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُهَا بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ. دَرَسْتَ - قَرَأْتَ وَتَعَلَّمْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (مِنَ الدِّرَاسَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : "كذلك نصرف". أي أن يأتي لنا بالحال بعد الحال ويكرر ويعيد، وتأتي الحادثة من الحوادث وينزل فيها تشريع، ويرقق قلوبهم، ويأتي بنماذج من الرسل، ومواقف أممهم منهم حتى نصادف في كل حال قلباً مستقبلاً لأنه إن قال مرة واحدة وسكت وكان هناك أناس قلوبهم منصرفة فعندما يكرر الأحداث وينزل فيها التشريع والمواعظ فقد ترق قلوبهم للإيمان وتستوعب القلوب الهداية. {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} ما معنى: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ}؟ إننا نعلم أن السماء تتدخل حين يطم الفساد، لكن إن وجد في الذات الإنسانية نفس لوّامة فهي مَنَاعة للنفس ووقاية لها. فإن فعل الإنسان ذنباً تلومه نفسه فيرجع، وإن اختفت النفس اللوّامة وصارت النفس أمّارة بالسوء، امتنع في المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمعنى ذلك أن الفساد قد طمّ. وهنا تتدخل السماء وتأتي ببيان جديد ومعجزة جديدة. إن الفساد لا يتأبى إلا من وجود طبقات تطحن في طبقات، والذين يُطحنون بالفساد هم من يستقبلون المنهج بشوق، لكن الطاحن المستفيد من الفساد هو الذي يعارض المنهج. ولذلك فإن كل جماعة حاربت الرسل هم من الطاحنين للناس، لكنَّ المطحونين إنما يريدون من ينقذهم. إذن فكل صاحب دعوة سماوية جعل الله له عدواً من المجرمين؛ لأن السماء لم تتدخل إلى حين صار الإجرام لا مقاوم له. وهكذا يجعل الله لكل نبي ورسول عدواً من المجرمين، وهذا العدو يفتن به الناس، ويميل له ضعاف العقائد. والحق يصرف الآيات حالاً بعد حال حتى لا يثبت مع الداعي الحق إلا المؤمنون الصادقون. ولذلك تجد أن الإسلام قد جاء وغربل الأمور؛ فمثلاً تأتي حادثة الإسراء فمن كان إيمانه مهتزّا ينكر الإسراء، وذلك من أجل أن يذهب الزبد ويبقى من يحمل الدعوة بمنهج الحق. أما من كان إيمانه ضعيفاً أو كان يعبد الله على حرف فالإسلام لا يرغبه. {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47]. إذن فالحق سبحانه وتعالى قد صرّف الآيات لينصر المطحونين، وحينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك قالوا درست وادعو أنه كان قاعداً في الجبل، وتعلم من أعجمي. ولذلك نجد الحق يقول: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} تفسير : [النحل: 103]. ويأتي الرد من الحق: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. إن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما كان في الطواف جاء عند الحجر الأسود وقال: "والله إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبلتُك". فعل سيدنا عمر ذلك حتى يعلمنا إذا ماجاء بعض الناس وقال: ما سبب علة تقبيل الحجر الأسود؟ فيكون الجواب حاضراً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وهذا تشريع. ويقول الحق من بعد ذلك: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {دَرَسْتَ} معناهُ قَرَأتَ وتعلَّمَت.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة للجهال {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ}؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات الإلهية، {وَلِنُبَيِّنَهُ}؛ يعني: نصرف الآيات، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الأنعام: 106]، فيما أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 106]، عند تجلي ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هُويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرّاً وجهرّاً، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة بالغة منا، {بِوَكِيلٍ} لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص الخواص إلى: الوحدة، زيكون لكل قوم هو لما خُلق له. ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 108]، إلى قوله: {أية : يَجْهَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا سبباً وعلة لزيادة كفرهم، {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال أهل الردة، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ} [الأنعام: 108]، بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ} [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} [الأنعام: 109]، قد حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة. {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} [الأنعام: 109]؛ يعني: اطلبوها في مقام العبدية، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] يا أهل الحسبان {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] بالخذلان.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 273 : 12 : 14 - سفين عن أبي اسحاق عن التميمي عن بن عباس {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} قال، قرأت وتعلمت. [الآية 105].
همام الصنعاني
تفسير : 841- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلْبي، في قوله تعالى: {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ}: [الآية: 105]، قال: دارَسْتَ أهْلَ الكِتَابِ. 842- حدثنا عبد الرزاق، قال: معمر وقال الحسن: دَرَسَتْ: يقول تَقَادمتَ، وامحت. 843- عبد الرزاٌ، قال معمر: وقال قتادة: دَرَسَتْ: قُرِأَتْ، وتُعُلّمت. 844- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ ابن عيينة، عَنْ عَمْرو بْنِ دينَار، قال: أخبرني عَمْرُو بن كَيْسَانَ، أنَّ ابْنَ عَبَّاس كان يقرأها: (دَارَسْتَ) تَلَوْتَ، خَاصَمْتَ، جَادَلْتَ. 845- قال عمرو: وسمعت ابن الزبير يقول: إنَّ صبياناً هاهنا يقرأون: (دَارَسْتَ)، وإنما هي دَرَسْتَ، ويَقرَأونَ (وَحِرْم عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ) وإنما هيَ {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ}تفسير : : [الأنبياء: 95]، ويقرأون {أية : فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}تفسير : : [الكهف: 86]، وإنما هيَ حَامِيَة. قَالَ عمرو: وَكَانَ ابن عباس يُخَالفه في كُلِّهنَّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):