Verse. 895 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اِتَّبِعْ مَاۗ اُوْحِيَ اِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ۝۰ۚ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۚ وَاَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِيْنَ۝۱۰۶
IttabiAA ma oohiya ilayka min rabbika la ilaha illa huwa waaAArid AAani almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إتَّبع ما أوحي إليك من ربك» أي القرآن «لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين».

106

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ }. اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواماً ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآناً ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى، أتبعه بقوله: {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة، ونبه بقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } على أنه تعالى لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين. وأما قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } فقيل: المراد ترك المقابلة، فلذلك قالوا إنه منسوخ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائماً، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ. وقيل المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ. قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }. اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت إلى سفاهات هؤلاء الكفار، ولا يثقلن عليك كفرهم، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت، ولكني تركتهم مع كفرهم، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم. واعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ } والمعنى: ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا، وحيث لم يحصل الجزاء علمنا أنه لم يحصل الشرط، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير حاصلة. قالت المعتزلة: ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من الكل الإيمان، وما شاء من أحد الكفر والشرك، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل الإيمان، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر وللإلجاء. يعني أنه تعالى ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء، لأن ذلك يبطل التكليف ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب. هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب، وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه: الأول: لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان فخالق تلك القدرة لا شك أنه كان مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان لم يترجح جانب الكفر على جانب الإيمان إلا عند حصول داع يدعوه إلى الإيمان، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر يوجب الكفر، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى، وثبت أن مجموعهما يوجب الكفر. ثبت أنه تعالى قد أراد الكفر من الكافر. الثاني: في تقرير هذا الكلام أن نقول: إنه تعالى كان عالماً بعدم الإيمان من الكافر، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان متضادان ومع وجود أحد الضدين كان حصول الضد الثاني محالاً، والمحال مع العلم بكونه محالاً غير مراد، فامتنع أن يقال إنه تعالى يريد الإيمان من الكافر. الثالث: هب أن الإيمان الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان الحاصل بالجبر والقهر إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك الأنفع لا يحصل البتة، فقد كان يجب في حكمته ورحمته أن يحلق فيه الإيمان على سبيل الإلجاء، لأن هذا الإيمان وإن كان لا يوجب الثواب العظيم، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب العظيم، فترك إيجاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلجاء يوجب وقوعه في أشد العذاب، وذلك لا يليق بالرحمة والإحسان ومثاله أن من كان له ولد عزيز وكان هذا الأب في غاية الشفقة وكان هذا الولد واقفاً على طرف البحر فيقول الوالد له: غص في قعر هذا البحر لتستخرج اللآلي العظيمة الرفيعة العالية منه، وعلم الوالد قطعاً أنه إذا غاص في البحر هلك وغرق، فهذا الأب إن كان ناظراً في حقه مشفقاً عليه وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر ويقول له: اترك طلب تلك اللآلي فإنك لا تحدها وتهلك، ولكن الأولى لك أن تكتفي بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فهذا يدل على عدم الرحمة وعلى السعي في الإهلاك فكذا ههنا والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما بين أنه لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول عليه السلام، وذلك أنه تعالى بين له قدر ما جعل إليه فذكر أنه تعالى ما جعله عليهم حفيظاً ولا وكيلاً على سبيل المنع لهم، وإنما فوض إليه البلاغ بالأمر والنهي في العمل والعلم وفي البيان بذكر الدلائل والتنبيه عليها فإن انقادوا للقبول فنفعه عائد إليهم، وإلا فضرره عائد عليهم وعلى التقديرين فلا يخرج صلى الله عليه وسلم من الرسالة والنبوة والتبليغ.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} يعني القرآن؛ أي لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله. {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} منسوخ.

البيضاوي

تفسير : {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} بالتدين به. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض أكد به إيجاب الاتباع، أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفرداً في الألوهية. {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} ولا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى آرائهم، ومن جعله منسوخاً بآية السيف حمل الإِعراض على ما يعم الكف عنهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبع طريقته: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أي: اقتد به واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق، الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: اعف عنهم، واصفح، واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك، وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعاً، ولو شاء لجمعهم على الهدى. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} أي: بل له المشيئة والحكمة، فيما يشاؤه ويختاره، لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي: حافظاً، تحفظ أقوالهم وأعمالهم {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم، إن عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } تفسير : [الغاشية: 21 - 22] وقال: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد:40].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أي القرآن {لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دَونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَاْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} يعني اعتداء، وقرأ أهل مكة عَدُوّاً بالتشديد بمعنى أنهم اتخذوه عدوّاً. وفيه قولان: أحدهما: لا تسبوا الأصنام فتسب عبدة الأصنام من يسبها، قاله السدي. والثاني: لا تسبوها فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون كما سَبَبْتم ما يعبدون. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كما زينا لكم فعل ما أمرناكم به من الطاعات كذلك زينا لمن تقدم من المؤمنين فعل ما أمرناهم به من الطاعات، قاله الحسن. والثاني: كذلك شبهنا لكل أهل دين عملهم بالشبهات ابتلاء لهم حتى قادهم الهوى إليها وعَمُوا عن الرشد فيها. والثالث: كما أوضحنا لكم الحِجج الدالة على الحق كذلك أوضحنا لمن قبلكم من حِجج الحق مثل ما أوضحنا لكم.

ابن عطية

تفسير : هذان أمران للنبي صلى الله عليه وسلم مضمنهما الاقتصار على اتباع الوحي وموادعة الكفار، وذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ الإعراض عنهم بالقتال والسوق إلى الدين طوعاً أو كرهاً، وقوله تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} في ظاهرها رد على المعتزلة القائلين إنه ليس عند الله لطف يؤمن به الكافر وإن الكافر والإنسان في الجملة يخلق أفعاله، وهي متضمنة أن إشراكهم وغيره وقف على مشيئة الله عز وجل، وقوله تعالى: {وما جعلناك عليهم حفيظاً} كان في أول الإسلام، وكذلك {وما أنت عليهم بوكيل} وقوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} الآية، مخاطبة للمؤمنين والنبي عليه السلام، وقال ابن عباس وسببها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما نسب إلهه ونهجوه فنزلت الآية، وحكمها على كل حال باق في الأمة، فمتى كان الكافر في منعه وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم والله عز وجل فلا يحل للمسلم أن يسب دينهم ولا صلبانهم ولا يتعرض ما يؤدي إلى ذلك أو نحوه، وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل بـ {الذين} وذلك على معتقد الكفرة فيها، وفي هذه الآية ضرب من الموادعة. وقرأ جمهور الناس "عَدْواً" بفتح العين وسكون الدال نصب على المصدر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء وقتادة ويعقوب وسلام وعبد الله بن زيد "عُدُوّاً" بضم العين والدال وتشديد الواو، وهذا أيضاً نصب على المصدر وهو من الاعتداء، وقرأ بعض الكوفيين "عَدُواً" بفتح العين وضم الدال نصب على الحال أي في حال عداوة لله، وهو لفظ مفرد يدل على الجمع، وقوله {بغير علم} بيان لمعنى الاعتداء المتقدم، وقوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة} إشارة إلى ما زين الله لهؤلاء عبدة الأصنام من التمسك بأصنامهم والذب عنها وتزيين الله عمل الأمم هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير والشر والاتباع لطرقه، وتزيين الشيطان هو بما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء، وقوله {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم} يتضمن وعداً جميلاً للمحسنين ووعيداً ثقيلاً للمسيئين.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك وهو القرآن فاعمل به وبلغه إلى البادي ولا تلتفت إلى قول من يقول: دارست أو درست. وفي قوله اتبع ما أوحي إليك من ربك تعزية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن الذي حصل له بسبب قولهم درست ونبه بقوله تعالى: {لا إله إلا هو} أنه سبحانه وتعالى واحد فرد صمد لا شريك له وإذا كان كذلك فإنه تجب طاعته ولا يجوز تركها بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين وقوله تعالى: {وأعرض عن المشركين} قيل: المراد منه في الحال لا الدوام وإذا كان كذلك لم يكن النسخ وقيل: المراد ترك مقالتهم فعلى هذا يكون الأمر بالإعراض منسوخة بآية القتال قوله عز وجل: {ولو شاء الله ما أشركوا} قال الزجاج: معناه لو شاء الله لجعلهم مؤمنين وهذا نص صريح في أن شركهم كان بمشيئة الله تعالى خلافاً للمعتزلة في قولهم لم يرد من أحد الكفر والشرك فالآية رد عليهم {وما جعلناك عليهم حفيظاً} يعني: وما جعلناك يا محمد على هؤلاء المشركين رقيباً ولا حافظاً تحفظ عليهم أعمالهم. وقال ابن عباس في رواية عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظاً تمنعهم منّا ومعناه إنك لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب وإنما بعثت مبلِّغاً فلا تهتم بشركهم فإن ذلك بمشيئة الله تعالى: {وما أنت عليهم بوكيل} يعني وما أنت عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وما أنت عليهم بمسيطر، فعلى التفسير الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف وعلى قول ابن عباس: لا تكون منسوخة. قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} الآية قال ابن عباس: لما نزلت:{أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأَنبياء: 98] قال المشركون يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدواً بغير علم وقال قتادة: كان المؤمنون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله لأنهم قوم جهلة لا علم لهم بالله عز وجل. وقال السدي: حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش انطلقوا بنا لندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان عمه يمنعه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبيّ ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن أبي البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه فدعاه جاء النبي صلى الله عليه وسلم: فقال له أبو طالب: إن هؤلاء قومك وبنو عمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما يريدون"؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. فقال له أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن أعطيتكم هذا فهل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم وأدت لكم الخراج؟ فقال أبو جهل نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ فقال: "قولوا لا إله إلا الله" "فأبوا ونفروا" فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فقال: "يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم" فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك فأنزلت: {ولا تسبوا الذين تدعون من دون الله} تفسير : يعني ولا تسبوا أيها المؤمنون الأصنام التي يعبدها المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم يعني فيسبوا الله ظلماً بغير علم لأنهم جهلة بالله عز وجل. قال الزجاج: نهوا في ذلك الوقت قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت عبدها المشركون. وقال ابن الأنباري: هذه الآية منسوخة أنزلها الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلما قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ونظائرها بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وقيل إنما نهوا عن سب الأصنام وإن كان في سبها طاعة وهو مباح لما يترتب على ذلك من المفاسد التي هي أعظم من ذلك وهو سب الله عز وجل وسب رسوله وذلك من أعظم المفاسد فلذلك نهوا عن سب الأصنام وقيل لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا آلهتكم فيسبوا ربكم فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم فظاهر الآية وإن كان نهياً عن سب الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى لأنه سبب لذلك. وقوله تعالى: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} يعني كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه. وقوله تعالى: {ثم إلى ربهم مرجعهم} يعني المؤمن والكافر والطائع والعاصي {فينبئهم بما كانوا يعملون} يعني في الدنيا ويجازيهم على ذلك.

ابن عادل

تفسير : لما حَكَى عَن المُشْرِكين أنَّهُم يَنْسِبُونه في إظْهَار هذا القُرْآن العظيم إلى الافْتِرَاء، وإلى مُدَارسة من يَسْتَفِيد هذه العلُوم مِنْهُم، ثمَّ ينظِّمُهَا قُرْآناً، ويدَّعي أنَّه عليه من اللَّه، أتبعه بقوله: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك} لئلا يصير ذلك القول سَبَباً لفتوره عن تَبْلِيغ الدَّعْوَة والرِّسالة، والمقصُود: تقوية "قَلْبِه"، وإزالة الحُزْن الذي حَصَل بسَمَاع تلك الشُّبْهَة. قوله: "ما أوحِي" يجُوز أن تكُون "ما": اسميَّة، والعائد هو القائمُ مقام الفاعل، و "إليك": فَضْلَه، وأجَازُوا أن تكون مَصْدَريَّة، والقائِم مقام الفاعل حينئذٍ: الجار والمجرُور، أي: الايحاء الجَائِي مِنْ ربِّك، و "مِنْ" لابْتِدَاء الغاية مَجَازاً، فـ "مِنْ ربِّك": متعلِّقٌ بـ "أوحِيَ". وقيل: بل هُو حالٌ من "ما" نَفْسِها. وقيل: بل هُو حالٌ من الضَّمير المُسْتترِ في "أوحِيَ" وهو بِمَعْنَى ما قَبْلَه. وقوله: "لا إلهَ إلاَّ هُو" جملة مُعْتَرِضة بَيْن هاتَيْن الجُمْلَتيْن الأمْرِيَّتيْن، هذا هو الأحْسن. وجوّز أبُو البقاءِ أن تكُون حالاً من "ربِّك" وهي حالٌ مؤكِّدَةٌ، تقديره: من ربِّك مُنْفَرِداً. قوله: "وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكين" أي: لا تُجَادِلْهم. وقيل: المرادُ: ترك المُقاتَلة؛ فلذلك قالوا: إنَّه مَنْسوخٌ، وهذا ضعيف؛ لأن الأمْر بترك المُقاتلة في الحالِ لا يُفِيدُ الأمر بِتَرْكِها دائماً، وإذا كان الأمْر كذلك لم يَجِبِ التزام النَّسْخ. قوله: "ولوْ شَاء اللَّه" مفعول المشيئة مَحْذُوف، أي: "لو شَاءَ اللَّه إيمانَهُم" وقد تقدَّم أنه لا يُذْكر إلا لِغَرَابتِه، والمعنى: لا تلتفتْ إلى سَفَاهَات هؤلاء الكُفَّار، فإنّي لو أرَدْت إزالَة الكُفْرِ عنهم، لَقَدَرْت، ولكنِّي تركْتُهم مع كُفْرِهم، فلا يَشْتَغِل قلبك بِكلماتِهم. وتمسَّك أهل السُّنَّة بقوله - تعالى -: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} والمعنى: لو شَاءَ ألاَّ يُشْرِكوا، ما أشْرَكوا، وحيث لَمْ يَحْصُلِ الجَزَاء، لم يَحْصُل الشَّرْط. وقالت المُعتزلَة: ثبت بالدَّلِيل أنَّه - تعالى - أراد مِنَ الكُلِّ الإيمان، وما شَاءَ من أحدٍ الكُفْر، وهذه الآيَة الكريمة تَفْتَضِي: أنَّه - تعالى - ما شَاءَ من الكُلِّ الإيمانَ؛ فوجب التَّوفيق بين الدَّليليْن، فيحمل مَشِيئةِ اللَّه لإيمانهم، على مَشِيئة الإيمان الاخْتِيَاريِّ الموجبِ للثُّواب، ويحمل عدم مشيئته لإيمانِهِم، على الإيمان الحاصِل بالقَهْر والجَبْر، يعني: أنه - تبارك وتعالى - ما شاء أن يَحْمِلَهُم على الإيمان على سبيل القَهْر والإلْجَاء؛ لأنَّ ذلك يُبْطِل التَّكْليف، ويخرج الإنْسَان عن اسْتِحقاق الثَّواب. والجواب من وُجُوهٍ: أحدها: أنه - تبارك وتعالى - ما شَاءَ مِنْهُم أن يَحْمِلَهم على الإيمان على سَبِيل القَهْر وهو الذي أقْدَر الكَافِر على الكُفْر فَقُدْرَةٌ الكُفْر إن لم تَصْلُح للإيمان، فخالِقُ تلك القُدْرَة لا شكَّ أنه كان مُريداً للكُفْر، فإن كانت صَالِحة للإيمان، لَمْ يَتَرجَّحْ جانب الكُفْرعلى جَانِب الإيمان، إلاَّ عند حصولِ داعٍ يَدْعُو إلى الإيمان، وإلا‍َّ لَزِم رُجْحان أحد طرَفِي المُمْكِن على الآخَر [لا] لمرجِّح. وهو مُحَالٌ، ومَجْمُوع القُدْرَة مع الدَّاعِي إلى الكُفْر، يُوجِب الكُفْرَ, فإذا كان خالِق القُدْرة والدَّاعِي هو اللَّه - تعالى -، وثبت أنَّ مَجْمُوعَهما يوجِبُ الكُفْر، ثبت أنَّ الله - تعالى - أراد الكُفْر من الكافِرِ. وثانيها: أنَّ الله - تبارك وتعالى - كان عالماً بعدم الإيمان من الكَافِر، ووجُود الإيمَان مع العِلْم بِعدم الإيمان مُتضَادَّانِ، ومع وُجودِ أحَد الضِّدَّيْن كان حُصُول الضدِّ الثاني محالاً، مع العِلْمِ بِكَوْنه محالاً غير مُرَادٍ، فامْتَنَع أن يُقال: إنه - تعالى - يريد الإيمان من الكافر. وثالثها: هَبْ أن اإيمان الاخْتِيَاري أفْضلُ وأنْفع من الإيمان الحَاصِل بالجَبْر والقَهْر، إلاَّ أنَّه - تعالى - لما عَلِم أنَّ ذلك النَّفْع لا يَحْصُل ألْبَتَّةَ، فقد كان يَجِبُ في رَحْمَته وحكمته، أن يخلق فيهم الإيمان على سَبِيل الإلْجَاء؛ لأن هذا الإيمان وإن كان لا يُوجِب الثُّواب العظيم، فأقَل ما فيه أن يُخَلِّصَه من العِقَاب العَظيم، وتَرْك إيجَاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلْجَاء، يُوجِب وقوعَهُ في أشَدِّ العذاب، وذلك لا يَلِيقُ بالرَّحمة والإحْسان، كما إنَّ الوالد إذا كان له ولدٌ عزيزٌ، وكان الأبُ في غَاية الشَّفَقَة، وكان الولدُ واقفاً على طَرف البَحْر, فيَقُول له الوالد: غُصْ في قَعْر هذا البَحْر؛ لتَسْتَخْرِج اللآلِئ العظيمة الرَّفيعة الغَالِية، وعلِم الوالد قَطْعاً أنَّه إذا غَاصَ في البَحْر، هَلَك, فهذا الأبُ وإن كان مُشْفِقاً عليه, وجب عليه أنْ يَمْنَعَهُ من الغَوْص في قَعْر البَحْر, ويقول له: أترك طلب اللآلِئ، فإنَّك لا تَجِدُها وتَهْلَك، والأوْلى لك أن تَكْتَفِي بالرِّزق القَلِيل مع السَّلامة، فأما أنْ يَأمُرَه بالغَوْص في قَعْر البحر مع تيقّن الهلاك، فهذا يدلُّ على عَدَم الرَّحْمة؛ وكذا هَهُنَا. قوله: "وَمَا جَعَلْنَاكَ" "جعل" بمعنى: صيَّر فالكافُ مَفْعُول أوَّل, و "حَفِيظاً" هو الثّاني, و "عَلَيْهِم" متعلِّق به, قُدِّم للاهْتِمَام أو لِلْفواصِل, ومَفْعُول "حَفِيظ" مَحْذُوف، أي: "حفيظاً عليهم أعْمالهم". قال أبُو البقاء: "هذا يُؤيِّد قَوْل سيبويه في إعْمَال فَعِيل" يعني: أنه مِثالُ مُبالَغة، وللنَّاس في إعْمَاله وإعْمَال فعل خلاف أثْبَتَهُ سِيبويْه، ونفاه غَيْرُه. [قال شهاب الدين]: وكيف يُؤيِّده وليْس شيءٌ في اللَّفْظ يَشْهَد لَهُ؟ قوله: "وَمَا أنْتَ" يجُوز أن تَكُون "مَا" الحجازية؛ فيكُون "أنْتَ": اسْمُهَا، و "بوكيل": خبرها في مَحَلِّ نصْب، ويجُوز أن تكُون التَّمِيميَّة؛ فيكون "أنْتَ": مبتدأ و "بوكيل": خَبَره في محلِّ رفع، والباءُ زائدة على كلا التَّقْديرين، و "عليهم": متعلِّق بوكيل قُدِّم لما تقدَّم فيما قَبْلَه، وهذه الجُمْلَة هي في مَعْنى الجملة قَبْلَها؛ لأن معنى ما أنْت وَكِيلٌ عليهم، وهو بِمَعْنَى: ما جَعَلْنَاكَ حفيظاً عليهم، أي: رقيباً. واعلم أنه - تبارك وتعالى - لما بيَّن أن لا قُدْرَةَ لأحد على إزالة الكُفْر عَنْهُم، ختم الكلام بما يَكْمُل معه تَبْصير الرَّسُول؛ لأنَّه لما بيَّن له قَدْر مَا جَعَل إلَيْه، فذكر أنَّه ما جَعَله عليْهم حَفِيظاً ولا وَكِيلاً، وإنَّما فوَّض إليه البَلاغ بالأمْر، والنَّهْي، والبَيَان بذكر الدَّلائل، فإن انْقَادُوا للقَبُول، فنفعه عَائِدٌ إلَيْهم، وإلا فضرَرُه عَائِدٌ إليهم. قال عطاء: وما جَعَلْنَاك عليهم حَفِيظاً: تمنعهم منِّي، أي: لم تُبْعَثْ لِتَحْفَظ المُشْرِكين من العذاب، إنما بُعِثْت مُبَلِّغاً، وما أنت عليهم بِوَكيل على سَبيل المَنْع لَهُم.

ابو السعود

تفسير : . {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} لما حُكي عن المشركين قدحُهم في تصريف الآياتِ عُقِّب ذلك بأمره عليه السلام بالثبات على ما هو عليه وبعدم الاعتدادِ بهم وبأباطيلهم، أي دُمْ على ما أنت عليه من اتباع ما أوحي إليك من الشرائع والأحكامِ التي عُمدتُها التوحيدُ، وفي التعرّض لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطفِ به ما لا يخفى، وقوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراضٌ بـين الأمرين المتعاطفَين مؤكِّدٌ لإيجاب اتباعِ الوحي لا سيما في أمر التوحيدِ، وقد جُوز أن يكون حالاً من ربك أي منفرداً في الألوهية {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} لا تحتفِلْ بهم وبأقاويلهم الباطلةِ التي من جملتها ما حُكي عنهم آنفاً. ومن جعله منسوخاً بآية السيفِ حَمل الإعراضَ على ما يعُمّ الكفَّ عنهم. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} أي عدمَ إشراكِهم حسبما هو القاعدةُ المستمرةُ في حذف مفعولِ المشيئةِ من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء {مَا أَشْرَكُواْ} وهذا دليلٌ على أنه تعالى لا يريد إيمانَ الكافرِ لكنْ لا بمعنى أنه تعالى يمنعُه عنه مِنْ توجّهِه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لعدم صرفِ اختيارِه الجزئيِّ نحوَ الإيمان، وإصرارِه على الكفر، والجملةُ اعتراضٌ مؤكد للإعراض وكذا قولُه تعالى: {وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي رقيباً مهيمناً مِنْ قِبلنا تحفظ عليهم أعمالَهم، وكذا قولُه تعالى: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} من جهتهم تقوم بأمورهم وتدبر مصالِحَهم، وعليهم في الموضعين متعلقٌ بما بعده، قُدِّم عليه للاهتمام أو لرعاية الفواصل. {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا تشتُموهم من حيث عبادتُهم لآلهتهم كأن تقولوا: تباً لكم ولما تعبُدونه مثلاً {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً} تجاوزاً عن الحق إلى الباطل بأن يقولوا لكم مثلَ قولِكم لهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بجهالة بالله تعالى وبما يجب أن يُذكَرَ به، وقرىء عُدُوّاً يقال: عدا يعدو عَدْواً وعُدُوّاً وعِداء وعُدْواناً. روي أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }تفسير : [الأنبياء، الآية 98]: لتنتهِيَنَّ عن سب آلهتِنا أو لنهجُوَنّ إِلٰهَك. وقيل: كان المسلمون يسبّونهم فنُهوا عن ذلك لئلا يستتبِعَ سبُّهم سبَّه سبحانه وتعالى، وفيه أن الطاعةَ إذا أدتْ إلى معصية راجحةٍ وجب تركُها فإن ما يؤدي إلى الشر شرٌّ. {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التزيـينِ القويِّ {زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} من الخير والشر بإحداث ما يُمكّنهم منه ويحمِلُهم عليه توفيقاً أو تخذيلاً، ويجوز أن يُراد بكل أمة أممُ الكفرةِ إذ الكلامُ فيهم وبعملهم شرُّهم وفسادُهم، والمشبَّه به تزيـينُ سبِّ الله تعالى لهم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ} مالك أمرِهم {مَرْجِعُهُمْ} أي رجوعُهم وهو البعثُ بعد الموت {فَيُنَبّئُهُمْ} من غير تأخير {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزيَّنةِ لهم، وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب، كقول الرجل لمن يتوعدُه: سأُخبرُك بما فعلت، وفيه نكتةٌ سِرّية مبنيةٌ على حِكمة أبـيّةٍ، وهو أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مستعارةٍ مخالفةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصيَ سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورةٍ ما تستحسنها نفوسُ العصاة، كما نطقت به هذه الآيةُ الكريمة، وكذا الطاعاتُ فإنها مع كونها أحسنَ الأحاسنِ قد ظهرت عندهم بصورة مكروهةٍ، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : حُفَّت الجنَّةُ بالمكارِهِ وحَفَّتِ النارُ بالشهواتِ» تفسير : فأعمال الكفرةِ قد برزت لهم في النشأة بصورة مزيَّنةٍ يستحسنها الغُواةُ ويستحبّها الطغاةُ، وستظهر في النشأة الآخرةِ بصورتها الحقيقيةِ المنكرةِ الهائلةِ فعند ذلك يعرِفون أن أعمالهم ماذا فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلاًّ منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [الآية: 106]. قال بعضهم: الوحى سر عن غير واسطة والرسالة ولا يزال ظاهر بواسطة لذلك. قال: "اتبع ما أنزل إليك من ربك" لأن الوحى كان خالصًا له مستورًا لقوله { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10]. واتبع ما أوحى إليك من ربك.

اسماعيل حقي

تفسير : {اتبع ما اوحى اليك من ربك} اى دم يا محمد على ما انت عليه من اتباع القرآن الى عمدة احكامه التوحيد وان قدحوا فى تصريف آياته {لا اله الا هو} لا شريك له اصلا {واعرض عن المشركين} ولا تبال باقوالهم ولا تلتفت الى آرائهم فانه لا يجوز الفتور فى تبليغ الدعوة والرسالة بسبب جهل الجاهلين شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكر هيج كس را نيايد بسند كه فردا بشيمان بر آرد خروش كه آوخ جرا حق نكردم بكوش

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {اتبع ما أُوحى إليك من ربك} بالدوام على التمسك به، والاهتداء بهديه، ودم على توحيده، {لا إله إلا هو}؛ فلا تصغ إلى من يعبد معه غيره، {وأعرض عن المشركين}، فلا تحتفل بأقوالهم، ولا تلتفت إلى رأيهم، وهذا محكم، أو: أعرض عن عقابهم وقتالهم، وهو منسوخ بآية السيف، {ولو شاء الله ما أشركوا}: لكن سبقت مشيئته بإشراكهم، ولو أراد إيمانهم لآمنوا، وهو حجة على المعتزلة، {وما جعلناك عليهم حفيظًا}: رقيبًا، {وما أنت عليهم بوكيل} تقوم بأمرهم، وتُلجئهم إلى الإيمان؛ {أية : إَن أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ }تفسير : [فَاطِر:23]. الإشارة: الإعراض عن الخلق والاكتفاء بالملك الحق ركن من أركان الطريق، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع الرسول في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء، والرضا عن الله في القليل والكثير. هـ. ثم نهى عن التعرّض لأصنامهم، فقال: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يتبع ما أوحي اليه من ربه، والاتباع هو أن يتصرف الثاني بتصريف الاول، والنبي (صلى الله عليه وسلم) كان يتصرف في الدين بتصريف الوحي فلذلك كان متبعا، وكذلك كل متدبر بتدبير غيره فهو متبع له والايحاء هو القاء المعنى الى النفس من جهة يخفى، وانما أعاد قول {لا إِله إلا هو} لان المعنى ادعهم الى انه لا اله الا هو، فعلى هذا ليس بتكرار، هذا قول الحسن. وقال الجبائي: لانه بمعنى الزمه وحده. وقال غيره: لان معناه اتبع ما أوحي اليك من أنه لا اله الا هو. وقوله {وأعرض عن المشركين} أمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالاعراض عن المشركين، ولا ينافي ذلك أمره اياه بدعائهم الى الحق وقتالهم على مخالفتهم لامرين: أحدهما - أنه أمره بالاعراض عنهم على وجه الاستجهال لهم فيما اعتقدوه من الاشراك بربهم. الثاني - قال ابن عباس: نسخ ذلك بقوله {أية : فاقتلوا المشركين}تفسير : وأصل الاعراض هو الانصراف بالوجه الى جهة العرض. والعرض خلاف الطول، ومنه (واعرضت اليمامة). أي ظهرت كالظهور بالعرض ومنه العارضة لظهور المساواة بها كالظهور بالعرض، والاعتراض المنع من الشيء بحاجز عنه عرضا ومنه العرض الذي يظهر كالظهور بالعرض ثم لا يلبث. وحَّد أيضا بانه ما يظهر في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر.

اطفيش

تفسير : {اتَّبع ما أُوحىَ إليكَ منْ ربِّك} يا محمد بالتدين به، والعمل به، ولا تحْزن بقولهم درست، وقوى قلبه بقوله: {أوحى إليك من ربك} إذ هو أعظم من قوله: اتبع القرآن، لأن فيه ذكر الوحى، وأنه من ربك، ولفظ القرآن ليس فيه ذلك ولو تضمنه. {لا إلهَ إلاَّ هُو} هو الواجب أن يعبد ولا عبادة لغيره، فلا تضعف فى عبادته وتبليغ ما أوحى إليه بقولهم درست، والجملة معترضة لتأكيد الاتباع كما رأيت، أو حال من ربك، ولا يظهر لى أنها مؤكدة لعاملها ولا لصاحبها، لأن مفهومها ليس مفهوم أوحى، ولا مفهوم ربك، نعم فيها توكيد لقوله: {اتبع ما أوحى إليك من ربك} لأنه بمعنى إيجاب اتباعه، والنهى عن اتباع غيره، واتباعه عبادته وحده، فذلك هو معنى لا معبود بحق إلا هو. {وأعرضْ عِنِ المشْركينَ} لا تكترث بقلوهم درست، ولا تلتفت إلى طعنهم ورأيهم، وهذا مما يبقى ولو مع نزول القتال، فلا ينسخ ولا حاجة إلى أن يقال: معناه اترك قتالهم فضلا عن أن ينسخ بنزوله.

اطفيش

تفسير : {اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} بالثبات عليه، ولا تعتد بأَباطيل المشركين، ومعنى درست قرأت وتعلمت من سلمان كذا قيل، وفيه أن سلمان أَسلم بالمدينة، والجواب أَن أَهل مكة يقولون ذلك فى مكة وغيرها، وكذا غيرهم بعد هجرته صلى الله عليه وسلم وإِسلام سلمان، وما أوحى إِليك من ربك هو القرآن وسائر ما أوحى إِليه {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} معترض بين الجملتين المتعاطفتين تأْكيداً لوجوب الاتباع، ولا سيما أَمر التوحيد أَو حال من رب مؤكدة لأَن من هو رب لا بد أَن يكون منفرداً {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} لا تشغل بالك بهم ولا بأَفعالهم وأَقوالهم كقولهم درست، ولا تجازهم بما قالوا فيك، بل اصبر، وهذا مما يؤمر به ولو بعد نزول القتال، فلا وجه لدعوى نسخ هذا بآية القتال.

الالوسي

تفسير : {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} أي دم على ما أنت عليه من التدين بما أوحي إليك من الشرائع والأحكام التي عمدتها التوحيد. و [في] التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. والجار والمجرور يجوز أن يكون متعلقاً بأوحي وأن يكون حالاً من ضمير المفعول المرفوع فيه وأن يكون حالاً من مرجعه. وقوله سبحانه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } يحتمل أن يكون اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه أكد به إيجاب الاتباع لا سيما في أمر التوحيد. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون حالاً مؤكدة مِن {رَبّكَ } أي منفرداً في الألوهية {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي لا تعتد بأقاويلهم الباطلة التي من جملتها ما حكى عنهم آنفاً ولا تبال بها ولا تلتفت إلى أذاهم وعلى هذا فلا نسخ في الآية. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها منسوخة بآية السيف فيكون الإعراض محمولاً على ما يعم الكف عنهم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف في خطاب النّبيء ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ لأمره بالإعراض عن بهتان المشركين وأن لا يكترث بأقوالهم، فابتداؤه بالأمر باتّباع ما أوحي إليه يتنزّل منزلة المقدّمة للأمر بالإعراض عن المشركين، وليس هو المقصد الأصلي من الغرض المسوق له الكلام، لأنّ اتّباع الرّسول صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه أمر واقع بجميع معانيه؛ فالمقصود من الأمر الدّوام على اتّباعه. والمعنى: أعرض عن المشركين اتّباعاً لما أنزل إليك من ربّك. والمراد بما أوحي إليه القرآن. والاتِّباع في الأصل اقتفاء أثر الماشِي، ثمّ استعمل في العمل بمثل عمل الغير، كما في قوله: {أية : والّذين اتّبعوهم بإحسان}تفسير : [التوبة: 100]. ثمّ استعمل في امتثال الأمر والعمل بما يأمر به المتبوع فهو الائتمار، ويتعدّى فعله إلى ذات المتَّبَع فيقال: اتَّبعت فلاناً بهذه المعاني الثّلاثة وهو على حذف مضاف في جميع ذلك لأنّ الاتّباع لا يتعلّق بالذّات. وإطلاق الاتّباع بمعنى الائتمار شائع في القرآن لأنّه جاء بالأمر والنّهي وأمر النّاس باتّباعه، واستُعمل أيضاً في معنى الملازمة على سبيل المجاز المرسل، لأنّ من يتّبع أحداً يلازمه. ومنه سمّي الرّئيّ من الجنّ في خرافات العرب تابعة، ومنه سمّى من لازم الصّحابي وروى عنه تابعياً. فيجوز أن يكون الاتّباع في الآية مراداً به دوام الامتثال لما أمر به القرآن من الإعراض عن أذى المشركين وعنادهم، فالاتّباع المأمور به اتّباع في شيء مخصوص، وهذا مأمور به غير مرّة، فالأمر بالفعل مستمرّ في الأمر بالدّوام عليه. ويجوز أن يكون أمراً بملازمة الدّعوة إلى الله والإعلان بها ودعاء المشركين إلى التّوحيد والإيمان وأن لا يعتريه في ذلك لَيْن ولا هوادة حتّى لا يكون لبذاءتهم وتكذيبهم إيّاه تأثير على نفسه يوهن دعوتهم والحرصَ على إيمانهم واعتقاد أنّ محاولة إيمانهم لا جدوى لها. فالمراد بما أوحي إليه ما أوحي من القرآن خطاباً للمشركين، أو أمراً بدعوتهم للإسلام وعدم الانقطاع عن ذلك، فيكون الكلام شدّاً لساعد النّبيء صلى الله عليه وسلم في مقامات دعوته إلى الله، وهذا هو المناسب لقوله: {أية : لا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله}تفسير : [الأنعام: 108] كما سنبيّنه. وقد تقدّم شيء من هذا آنفاً عند قوله تعالى: {أية : إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يوحَى إليّ}تفسير : [الأنعام: 50]. وليس المراد من الأمر بالاتّباع الأمرُ باتّباع أوامر القرآن ونواهيه مطلقاً، لأنّه لا مناسبة له بهذا السّياق، وفي الإتيان بلفظ: {ربّك} دون اسم الجلالة تأنيس للرّسول صلى الله عليه وسلم وتلطّف معه. وجملة: {لا إله إلاّ هو} معترضة، والمقصود منها إدماج التّذكير بالوحدانيّة لزيادة تقرّرها وإغاظة المشركين. والمراد بالإعراض عن المشركين الإعراض عن مكابرتهم وأذاهم لا الإعراض عن دعوتهم، فإنّ الله لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقطع الدّعوة لأي صنف من النّاس، وكلّ آية فيها الأمر بالإعراض عن المشركين فإنّما هو إعراض عن أقوالهم وأذاهم، ألا ترى كلّ آية من هذه الآيات قد تلتْها آيات كثيرة تدعو المشركين إلى الإسلام والإقلاع عن الشّرك كقوله تعالى في سورة [النّساء: 63]: {أية : فأعرض عنهم وعِظْهُم}تفسير : وقد تقدّم. وقوله: {ولو شاء الله ما أشركوا} عطف على جملة {وأعرض عن المشركين}. وهذا تلطّف مع الرّسول صلى الله عليه وسلم وإزالة لما يلقاه من الكَدَر من استمرارهم على الشّرك وقلّة إغناء آيات القرآن ونُذُره في قلوبهم، فذكّره الله بأنّ الله قادر على أن يحوّل قلوبهم فتقبَل الإسلام بتكوين آخر ولكنّ الله أراد أن يحصل الإيمانُ ممّن يؤمن بالأسباب المعتادة في الإرشاد والاهتداء ليَميز الله الخبيثَ من الطيّب وتَظهرَ مراتب النّفوس في ميادين التلقّي، فأراد الله أن تختلف النّفوس في الخير والشّر اختلافاً ناشئاً عن اختلاف كيفيّات الخِلقة والخُلُق والنّشأة والقبولِ، وعن مراتب اتّصال العباد بخالقهم ورجائهم منه. فالمشركون بلغوا إلى حَضِيض الشّرك بأسباب ووسائلَ متسلسلة مترتّبة خَلْقية، وخُلُقيّة، واجتماعيّة، تهيأت في أزمنة وأحوال هيّأتْها لهم، فلمّا بَعَث الله إليهم المرشد كان إصغاؤهم إلى إرشاده متفاوتاً على تفاوت صلابة عقولهم في الضّلال وعراقتهم فيه، وعلى تفاوت إعداد نفوسهم للخير وجموحهم عنه، ولم يجعل الله إيمان النّاس حاصلاً بخوارق العادات ولا بتبديل خَلْق العقول، وهذا هو القانون في معنى مثل هذه الآية، فهذا معنى انتفاء مشيئة الله في هذا المقام المراد به تطمين قلب الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ وتذكيره بحقائق الأحوال وليس في مثل هذا عذر لهم ولا لأمثالهم من العصاة، ولذلك ردّ الله عليهم الاعتذار بمثل هذا في قوله في الآية الآتية {أية : سيقول الّذين أشركوا لو شاءَ الله ما أشْرَكْنا ولا آباؤنا ولا حَرّمنَا من شيء كذلك كذّب الّذين من قبلهم حتّى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا}تفسير : [الأنعام: 148] الآية. وفي قوله: {أية : وقالوا لو شاء الرّحمان ما عَبدْناهم ما لهم بذلك من علم إنْ هم إلاّ يخرصون}تفسير : [الزخرف: 20] في سورة الزخرف، لأنّ هذه حقيقة كاشفة عن الواقع لا تصلح عذراً لمن طلب منهم أن لا يكونوا في عِداد الّذين لم يشأ الله أن يرشدهم، قال تعالى: {أية : أولئك الّذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم}تفسير : [المائدة: 41]. ومفعول المشيئة محذوف دلّ عليه جواب (لو) على الطّريقة المعروفة. والتّقدير: ولو شاء الله عدمَ إشراكهم ما أشركوا. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}تفسير : في هذه السّورة (35). وقوله: {وما جعلناك عليهم حفيظاً} تذكير وتسلية ليزيح عنه كرب إعراضهم عن الإسلام لأنّ ما يحصل له من الكدر لإعراض قومه عن الإسلام يجعل في نفسه انكساراً كأنّه انكسار من عُهد إليه بعمل فلم يتسَنَّ له ما يريده من حسن القيام، فذكّره الله تعالى بأنّه قد أدّى الأمانة وبلّغ الرّسالة وأنّه لم يبعثه مُكرهاً لهم ليأتي بهم مسلمين، وإنّما بعثه مبلّغاً لرسالته فمن آمن فلنفسه ومن كفر فعليها. والحفيظ: القيّم الرّقيب، أي لم نجعلك رقيباً على تحصيل إيمانهم فلا يهمّنك إعراضهم عنك وعدم تحصيل ما دعوتَهم إليه إذ لا تَبِعة عليك في ذلك، فالخبر مسوق مساق التّذكير والتسلية، لا مساقَ الإفادة لأنّ الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ يعلم أنّ الله ما جعله حفيظاً على تحصيل إسلامهم إذ لا يجهل الرّسولُ ما كلّف به. وكذلك قوله: {وما أنت عليهم بوكيل} تهوين على نفس الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ بطريقة التّذكير لينتفي عنه الغمّ الحاصل له من عدم إيمانهم. فإن أريد ما أنت بوكيل مِنَّا عليهم كان تتميماً لقوله: {وما جعلناك عليهم حفيظاً}؛ وإنْ أريد ما أنتَ بوكيل منهم على تحصيل نفعهم كان استيعاباً لنفي أسباب التّبعة عنه في عدم إيمانهم، يقول: ما أنت بوكيل عليهم وكّلوك لتحصيل منافعهم كإيفاء الوكيل بما وكّله عليه موكّله، أي فلا تَبِعة عليك منهم ولا تقصير لانتفاء سببي التّقصير إذ ليس مقامك مقام حفيظ ولا وكيل. فالخبر أيضاً مستعمل في التّذكير بلازمه لا في حقيقته من إفادة المخبر به، وعلى كلا المعنيين لا بدّ من تقدير مضاف في قوله: {عليهم}، أي على نفعهم. والجمع بين الحفيظ والوكيل هنا في خبرين يؤيّد ما قلناه آنفاً في قوله تعالى: {أية : وما أنا عليكم بحفيظ}تفسير : [الأنعام: 104]. من الفرق بين الوكيل والحفيظ فاذْكُره.

د. أسعد حومد

تفسير : (106) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَتَّبِعَ مَا يُوحِيهِ إِلَيْهِ رَبُّهُ، لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ، لِيُرَبِّي نَفْسَهُ، وَلِيَكُونَ قُدْوَةً وَإِمَاماً لِلْمُؤْمِنينَ، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. ثُمَّ يَأْمُرُهُ، بَعْدَ ذَلِكَ، بِالإِعْرَاضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، لأَِنَّ الحَقَّ يَعْلُو بِالقَوْلِ وَبِالإِخْلاَصِ وَبِالعَمَلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة يتكلم متكلم لمخاطب بأمر هو فيه وقائم عليه مؤدٍ له فلابد أن نفهم حقيقة المراد، مثلما يقول الحق سبحانه: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء: 136]. وبأي شيء نادى الله خلقه المؤمنين هنا؟ لقد قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ}، فكيف يقول: "آمنوا"؟ لقد ناداهم لأنهم آمنوا إيمانا استوجب خطابهم بالتكليف، والإنسان ابن أغيار. فيوضح أن الإيمان الذي استقبلتم به التكليف من خطابي داوموا أيضا عليه، وجاء الأمر هنا بدوامه، أي كما آمنتم إيمانا جعلكم أهلا للتكليف في مخاطبتكم وقلت لكم يأيها الذين آمنوا: الزموا هذا وداوموا على إيمانكم. وقوله الحق: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ} هو قول لرسول متبه، إذن فهو يحمل الأمر بالمداومة على الاتباع، ولا يحزنك ما يقولون يا محمد؛ لأنك مؤيد من ربك ويتولى الدفاع عنك ويلقنك الحجة. {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} تفسير : [الفرقان: 33]. ويقول الحق بعد ذلك موجها حديثه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}. أي أنه لا يوجد إله إلا هو سبحانه، ولا يمكن أن تغير أنت بالمنهج النازل إليك منه، وعليك أن تعرض عن المشركين، فلا تجالسهم، ولا تخالطهم، ولا تودهم. إنه إعراض الفطنة والإرشاد والبلاغ. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: دارست أَي: فاقهت. قرأْت على يهود وقرؤوا عليك. [الآية: 106]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ}. قال: سأَلت قريش محمداً، صلى الله عليه وسلم، أَن يأْتيهم بآية وحلفوا / 33و / له {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} فقال الله، عز وجل {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} يقول: وما يدريكم أَنهم يؤمنون. ثم أَوجب عليهم أَنهم لا يؤمنون. [الآية: 110].

الجيلاني

تفسير : {ٱتَّبِعْ} أنت {مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن} توحيد {رَّبِّكَ} بأن {لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود {إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 106] واتركهم وشركهم بعدما تحققت وتمكنت في مقر التوحيد. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده عدم إشراكهم {مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} مصرفاً بل مبلغاً منبهاً {وَمَآ أَنتَ} أيضاً {عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 107] تشفع لهم وتقوم بأمرهم. {وَلاَ تَسُبُّواْ} أي: لا تذكروا بالمساوئ والمقابح أيها المؤمنون الموحدون أصنام {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} ويعبدون، أي: المشركون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} إذ هم من جملة المجالي والمظاهر لله مع أنكم إن تسبوهم وآلهتهم {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ} من غاية جهلهم وحميتهم فتكونوا سبباً لسب الله {عَدْواً} تجاوزاً عن الحق إلى الباطل {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بمآله {كَذَلِكَ} أي: مثل تزيننا لكم دينكم وإلهكم وعملكم {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم {عَمَلَهُمْ} وإلههم سواء كان حقاً أو باطلاً؛ إذ {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] أي: يجازيهم على مقتضى ما عملوا من خير وشر وإيمان وكفر. {وَ} من غاية نفاقهم واستهزائهم معك يا أكمل الرسل وتهكمهم بما جئت به من الآيات {أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ} أي: مغلظين فيها مؤكدين لها تهكماً {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} من مقترحاتهم {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} البتة وبك أيضاً {قُلْ} لهم كلاماً خالياً عن وصمة الكذب: {إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ} ونزولها وإنزالها {عِندَ ٱللَّهِ} وبقبضة قدرته وليس في وسعي وطاقتي شيء منها {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} ويظهر لكم أيها المؤمنون الطالبون لإيمان هؤلاء الكفرة، وأنتم تتفرسون من مظاهر حالهم لو تأملتم في شأنهم {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ} جميع مقتراحتهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] بها البتة؛ إذ طبع الله على قلوبهم بالكفر والنفاق.