Verse. 896 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَوْ شَاۗءَ اللہُ مَاۗ اَشْرَكُوْا۝۰ۭ وَمَا جَعَلْنٰكَ عَلَيْہِمْ حَفِيْظًا۝۰ۚ وَمَاۗ اَنْتَ عَلَيْہِمْ بِوَكِيْلٍ۝۱۰۷
Walaw shaa Allahu ma ashrakoo wama jaAAalnaka AAalayhim hafeethan wama anta AAalayhim biwakeelin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا» رقيبا فتجازيهم بأعمالهم «وما أنت عليهم بوكيل» فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال.

107

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ} نصّ على أن الشرك بمشيئته، وهو إبطال لمذهب القدرية كما تقدّم. {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي لا يمكنك حفظهم من عذاب الله. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} أي قَيِّم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم، حتى تلطف لهم في تناول ما يجب لهم؛ فلست بحفيظ في ذلك ولا وكيل في هذا، إنما أنت مُبَلِّغ. وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.

البيضاوي

تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} توحيدهم وعدم إشراكهم. {مَا أَشْرَكُواْ} وهو دليل على أنه سبحانه وتعالى لا يريد إيمان الكافرين وأن مراده واجب الوقوع. {وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} رقيباً. {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} تقوم بأمورهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } رقيباً فتجازيهم بأعمالهم {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } فتجبرهم على الإِيمان، وهذا قبل الأمر بالقتال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {ولو شاء الله ما أشركوا} يقول الله تبارك وتعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما أنت عليهم بوكيل} أي بحفيظ .

القشيري

تفسير : العَجَبُ ممن أقرَّ بقصور حاله عن استحقاق المدح ببقائه عن مراده، وكيف يصف معبوده بجواز ألا يرتفع في ملكه مراده؟!

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شاء الله} توحيدهم وعدم اشراكهم {ما اشركوا} وهو دليل على انه تعالى لا يريد ايمان الكافر لكن لا بمعنى انه تعالى يمنعه عنه مع توجهه اليه بل بمعنى انه تعالى لا يريده منه لعدم صرف اختياره الجزئى نحو الايمان واصراره على الكفر {وما جعلناك عليهم} متعلق بما بعده وكذا عليهم الآتى {حفيظا} رقيبا مهيمنا من قبلنا تحفظ عليهم اعمالهم {وما انت عليهم بوكيل} من جهتهم تقوم بامورهم وتدبر مصالحهم. قال الحدادى وانما جمع بين حفيظ ووكيل لاختلاف معناهما. فان الحافظ للشئ هو الذى يصونه عما يضره. والوكيل بالشئ هو الذى يجلب الخير اليه فقد ظهر ان عدم قبول الحق من الشقاوة الاصلية ولذا لم يشأ الله سعادتهم وهدايتهم. وعلامة الشقاوة جمود العين وقساوة القلب وحب الدنيا وطول الامل. وعلامة السعادة حب الصالحين والدنو منهم وتلاوة القرآن وسهر الليل ومجالسة العلماء ورقة القلب وعن ابراهيم المهلب السائح رحمه الله قال بينا انا اطوف اذا بجارية متعلقة باستار الكعبة وهى تقول بحبك لى ألا رددت علىّ قلبى فقلت يا جارية من اين تعلمين انه يحبك قالت بالعناية القديمة جيش فى طلبى الجيوش وانفق الاموال حتى اخرجنى من بلاد الشرك وادخلنى فى بلاد التوحيد وعرفنى نفسى بعد جهلى اياها فهل هذا يا ابراهيم الا لعناية او محبة: قال الحافظ شعر : جون حسن عاقبت نه برندى وزاهد يست آن به كه كار خود بعنايت رها كنند تفسير : والواجب على العبد ان يسارع الى الاعمال الصالحة فانها من علامات السعادة والتأخير وطول الامل من علامات الشقاوة ـ حكى ـ ان بعض العباد كان يسأل الله تعالى ان يريه ابليس فقيل له اسأل الله العافية فابى الا ذلك فاظهره الله تعالى له فلما رآه العباد قصده بالضرب فقال له ابليس لولا انك تعيش مائة سنة لاهلكتك ولعاقبتك فاغتر بقوله فقال فى نفسه ان عمرى بعيد فافعل ما اريد ثم اتوب فوقع فى الفسق وترك العبادة وهلك وهذه الحكاية تحذرك طول الامل فانه آفة عظيمة: قال الصائب شعر : درسراين غافلان طول امل داتى كه جبست آشيان كردست مارى در كبوتر خانه تفسير : واعلم انه ما على الرسول عليه السلام الا التبليغ ودلالة كل قوم الى ما خلق له. فيدعو العوام الى التوحيد. والخواص الى الوحداية. وخواص الخواص الى الوحدة وكذا حال الولى الوارث لكن الوصول الى هذه المقامات انما يكون بهداية الله ومشيئته فليس فى وسع المرشد ان يوصل كل من اراد الى ما اراده فيبقى من يبقى فى الاثنينية ويصل من يصل الى عالم الوحدة والسبب الموصل هو التوحيد فكما ان الكافر لا يكون مؤمنا الا بكلمة التوحيد فكذا المؤمن لا يكون مخلصا الا بتكرارها لان الشرك مطلقا جليا كان او خفيا لا يزول الا بالتوحيد مطلقا فالمؤمن الناقص كما انه لا يلتفت الى المشرك بالشرك الجلى وحاله كذلك المؤمن الكامل لا ينظر الى جانب المشرك بالشرك الخفى ولذا قال تعالى {أية : لا إله الا هو واعرض عن المشركين} تفسير : [الأنعام: 106]. لكن الاعراض من حيث الحقيقة لا ينافى الاقبال من حيث الظاهر لاجل الدعوة حتى يلزم الحجة ويحصل الافحام {أية : والله يدعو الى دار السلام} تفسير : [يونس: 25]. فالسلام على من اتبع الهدى والملام على من اتبع الهوى قال الحافظ: شعر : جه شكر هاست درين شهركه قانع شده اند شاهبازان طريقت بمقام مكسى

الطوسي

تفسير : ان قيل: كيف قال تعالى {ولو شاء الله ما أشركوا} والمشيئة لا تتعلق الا بفعل يصح حدوثه، ولا تتعلق بأن لا يكون الشيء؟! قلنا: التقدير لو شاء الله ان يكونوا على غير الشرك قسرا ما أشركوا فمتعلق المشيئة محذوف، فمراد هذه المشيئة حالهم التي تنافى الشرك قسرا بالاقتطاع عن الشرك عجزا او منعا أو الجاء. وانما لا يشاء الله هذه الحال لانها تنافي التكليف. وانما لم يمنع العاصي من المعصية لانه انما اتى بها من قبل نفسه، والله تعالى فعل به جميع ما فعل بالمطيع من ازاحة العلة، فاذا لم يطع وعصى كانت الحجة عليه. وربَّما كان في بقائه لطف للمؤمن فيجب تبقيته وليس لاحد ان يقول الآية دالة على انه تعالى لم يرد هدايتهم لانه لو أراد ذلك لاهتدوا، وذلك أنه لو لم يرد أن يهتدوا لم يكونوا عصاة بمخالفة الاهتداء، لان المعاصي هو الذي خالف ما أريد منه ولما صح أمرهم أيضا بالاهتداء. والفرق بين الحفيظ والوكيل هو أن الحفيظ يحفظهم من أن يزلوا بمنعه لهم، والوكيل القيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم حتى يلطف لهم في تناول ما يجب عليهم، فليس بحفيظ في ذاك ولا وكيل في هذا، فذلك قال تعالى: انه لم يجعل نبيه حفيظا ولا جعله وكيلا عليهم، بل الله تعالى هو الرقيب الحافظ عليهم والمتكفل بأرزاقهم. وانما النبي (صلى الله عليه وسلم) مبلغ منذر ومخوف. وقيل: ان ذلك كان بمكة قبل أن يؤمر بالقتال.

الجنابذي

تفسير : حتّى تحزن عليهم وانّما انت منذر.

اطفيش

تفسير : {ولَوْ شاءَ اللهُ} عدم إشراكهم بالله تعالى {ما أشْركُوا} به تعالى شيئا، فالآية دليل على أن شركهم بإرادة الله ومشيئته، وكذا معصية العاصى مطلقا، بإرادته ومشيئته، وفيه رد على المعتزلة فى قولهم: لم يرد معصية العاصى، وزعموا أن المعنى لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم عليهم أن يكون مغلوبا على أمره إذ عصى ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع، تعالى الله عن ذلك، والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته مع اختبار العاصى لا جبراً للذم عليها والعقاب والنهى عنها. {وما جَعَلناكَ عليْهم حَفيظاً} تحفظ عملهم للجزاء، أو تقهرهم على الإيمان فيؤمنوا ولو كرهوا، أو تدفع عنهم عذاب الله، إنما جعلك مبلغاً فبلغ ولا تهتم بهم. {وما أنتَ عَليْهم بوَكيلٍ} قائم برزقهم، وقيل: معناه لا تجبرهم على الإيمان بالقتال، وعليه فقد نسخ بآية القتال.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا} لو شاءَ الله عدم إِشراكهم لم يشركوا، وفيه دليل على أَن الله أَراد كفر الكافر وأَنه لا يريد إِيمانه، وهذا مذهبنا ومذهب الأَشعرية، وفيه رد على المعتزلة، وزعم الزمخشرى أَن المعنى لو شاءَ مشيئة إِكراه أَلا يشركوا لم يشركوا، وأَن مشيئة الاختيار حاصلة أَلبتة، وهذا خلاف الظاهر فلا يقبل لأَن شرط المشيئة بعد لو يؤخذ من جوابها وليس فى الجواب ذكر الإِكراه، فلا يقدر فى الشرط، وفى الآية أَن مراده تعالى واجب الوقوع فإِنها أَفادت بمنطوقها انتفاءَ عدم إِشراكهم لانتفاء مشيئة توحيدهم دلت على أَنه لو شاءَ توحيدهم لوقع، فأَفاد أَن مشيئة لشئ توجب وقوعه ولا دليل فى الآية على الإِجبار لأَن المعنى لو شاءَ لوفقهم {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} رقيباً تجازيهم بعملهم {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} ما وكلك الله عز وجل عليهم لتقوم بأُمورهم، فلست تجبرهم على الإِيمان وقيل حفيظاً عما يضرهم ووكيلا تجلب لهم منافعهم، وتقديم الظرف فى الموضعين لما مر فى الذى قبلها.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} عدم إشراكهم {مَا أَشْرَكُواْ } وهذا دليل لأهل السنة على أنه تعالى لا يريد إيمان الكافر لكن لا بمعنى أنه تعالى يمنعه عنه مع توجهه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لسوء اختياره الناشيء من سوء استعداده. والجملة اعتراض مؤكد للإعراض. وكذا قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي رقيباً مهيمناً من قبلنا تحفظ عليهم أعمالهم. وكذا قوله سبحانه: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } من جهتهم تقوم بأمرهم وتدبر مصالحهم وقيل: المراد ما جعلناك عليهم حفيظاً تصونهم عما يضرهم وما أنت عليهم بوكيل تجلب لهم ما ينفعهم. و {عَلَيْهِمْ} في الموضعين متعلق بما بعده قدم عليه للاهتمام به أو لرعاية الفواصل.

الواحدي

تفسير : {ولو شاء الله ما أشركوا} أَيْ: ولو شاء الله لجعلهم مؤمنين {وما جعلناك عليهم حفيظاً} لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب، إنَّما بُعثت مُبَلِّغاً فلا تهتمَّ لشركهم؛ فإنَّ ذلك لمشيئة الله. {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} يعني: أصنامهم ومعبوديهم، وذلك أنَّ المسلمين كانوا يسبُّون أصنام الكفَّار، فنهاهم الله عزَّ وجلَّ عن ذلك لئلا يسبُّوا {الله عدواً بغير علم} أَيْ: ظُلماً بالجهل {كذلك} أَيْ: كما زيَّنا لهؤلاء عبادة الآوثان وطاعة الشَّيطان بالحرمان والخذلان {زينا لكلِّ أمة عملهم} من الخير والشَّرِّ. {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} اجتهدوا في المبالغة في اليمين {لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} وذلك أنَّه لمَّا نزل: {أية : إن نشأ ننزل عليهم...} تفسير : الآية. أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمننَّ بها، وسأل المسلمون ذلك، وعلم الله سبحانه أنَّهم لا يؤمنون، فأنزل الله هذه الآية. {قل إنما الآيات عند الله} هو القادر على الإتيان بها {وما يشعركم} وما يدريكم إيمانهم، أَيْ: هم لا يؤمنون مع مجيء الآيات إيَّاهم، ثمَّ ابتدأ فقال: {إنها إذا جاءت لا يؤمنون} ومَنْ قرأ "أنَّها" بفتح الألف كانت بمعنى "لعلَّها"، ويجوز أن تجعل "لا" زائدة مع فتح "أنَّ". {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية بتقليب قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن تكونَ عليه فلا يؤمنون {كما لم يؤمنوا به} بالقرآن، أو بمحمَّدٍ [عليه السَّلام] {أوَّل مرَّة} أتتهم الآيات، مثل انشقاق القمر وغيره {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 107- ولو أراد الله أن يعبدوه وحده لقهرهم على ذلك بقوته وقدرته، ولكنه تركهم لاختيارهم، وما جعلناك رقيباً على أعمالهم، وما أنت بمكلف أن تقوم عنهم بتدبير شئونهم وإصلاح أمرهم. 108- لا تسبوا - أيها المؤمنون - أصنام المشركين التى يعبدونها من دون الله، فيحملهم الغضب لها على إغاظتكم بسب الله تعدياً وسفهاً. مثل ما زينا لهؤلاء حب أصنامهم يكون لكل أمة عملها حسب استعدادها، ثم يكون مصير الجميع إلى الله - وحده - يوم القيامة، فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها. 109- وأقسم المشركون بأقصى أيمانهم لئن جاءتهم آية مادية من الآيات التى اقترحوها ليكونن ذلك سبباً فى إيمانهم، قل - يا أيها النبى -: إن هذه الآيات من عند الله، فهو - وحده - القادر عليها، وليس لى يد فيها، إنكم - أيها المؤمنون - لا تدرون ما سبق به علمى من أنهم إذا جاءتهم هذه الآيات لايؤمنون. 110- وإنكم لا تدرون أيضاً أننا نقلب قلوبهم عند مجئ الآيات بالخواطر والتأويلات، ونقلب أبصارهم بتوهم التخيلات، فيكونون بعد الآيات كحالهم قبلها، وندعهم فى ظلمهم وعنادهم يتخبطون. 111- إن أولئك الذين أقسموا إذا جاءتهم آية ليؤمنن بها كاذبون، والله أعلم بإيمانهم، ولو أننا نزّلنا الملائكة يرونهم رأى العين، وكلَّمهم الموتى بعد إحيائهم وإخراجهم من قبورهم، وجمعنا لهم كل شئ مقابلا لهم مواجهاً يبين لهم الحق، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله تعالى أن يؤمنوا، والأكثرون لا يدركون الحق ولا يذعنون له، لما أصاب قلوبهم من عمياء الجاهلية.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَعَلْنَاكَ} (107) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَلاَّ يُشْرِكُوا لَمَا أَشْرَكُوا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ البَشَرَ مُؤْمِنينَ، مُطِيعِينَ بِالفِطْرَةِ كَالمَلائِكَةِ، لَكِنْ لِحِكْمَةٍ مِنْهُ خَلَقَهُمْ مُخْتَارِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفِي كَسْبِهِمْ لِعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ جَعَلَ فِيهِمُ الخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَمَا جَعَلَكَ اللهُ عَلَيْهِم حَفِيظاً تَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ لِتُحَاسِبَهُمْ عَلَيْهَا، وَلاَ وَكِيلاً تَتَوَّلَى أُمُورَهُمْ وَتَتَصَرَّفُ بِهَا. وَإِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، عَلَيكَ البَلاَغُ، وَعَلَى اللهِ الحِسَابُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يعطينا قضية لابد أن نستصحبها في تاريخنا الإيماني، والقضية هي: أن أيَّ كافر لم يكفر قهرا عن الله، وإنما كفر لأن الله أرخى له الزمام بالاختيار أي خلقه مختارا، ولذلك فالكافر إنما يفعل كل فعل بما آتاه الله من الاختيار لاغصبا عن ربنا أو قهرا، بدليل أن الكون الذي نحيا فيه مقهور بالأمر، لا يمكن أن يختار إلا مراد الله منه، وكل ما في الكون يسير إلى مراد الله. إذن فمن كفر لم يكفر قهرا عن الله؛ لأن طبيعة الاختيار ممنوحة من الله. وحين اختص الله الإنسان بالاختيار وضع المنهج الذي يرتب عليه الثواب والعقاب. ولذلك نزل التكليف بـ "افعل" و"لا تفعل". وسبحانه إن أراد قهرا فقد قهر كل الأجناس في الكون؛ قهرها بطول العمر، وأنها تؤدي مهمتها كما أراد الله منها، إنّه قهر الشمس، وقهر القمر، وقهر النجوم، وقهر الماء، وكل حاجة في الكون مقهورة له حتى الملائكة خلقهم: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} تفسير : [التحريم: 6]. إذن صفة القهر أخذت متعلقها كاملا. ولكن أيريد الله من خلقه أن يكونوا مقهورين على ما يريد؟ لا، بل يريد سبحانه أن يكونوا فاعلين لما يحبه، وإن كانوا مختارين أن يفعلوا ما لا يحبه، كأن خلق القهر في الأجناس كان لإثبات طلاقة القدرة، وأنه لا يمكن لمخلوق أن يشذ عن مراد الله منه. وبقي الاختيار في الإنسان ليدل على أن أناسا من خلقه سبحانه يذهبون إليه جل وعلا وهم قادرون ألا يذهبوا إليه، وهذه تثبت صفة المحبة. وحين يختار المختار الطاعة، وهو قادر ألا يطيع، ويختار الإيمان وهو قادر أن يكفر فقد جاء إلى الله محبة لا قهرا، ولذلك يقول ربنا لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4]. أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزنا على عدم إيمان قومك بما جئت به من عند ربك، أتريد يامحمد أن أقهرهم؟ أتريد أعناقاً أو قلوباً؟ إنك يا محمد تعلم أن منهجك النازل إليك من ربك يريد قلوبا، والقلوب تأتي بالاختيار. فلو شئنا إيمانهم لأنزلنا معجزة تأخذ بقلوبهم فيؤمنون قهرا عليهم. ولذلك إذا خُدِشَ الاختيار بفقد أي عنصر من عناصره يزول التكليف. بدليل أنه لا تكليف على فاقد العقل؛ لأن آلة الاختيار عندنا هي العقل. وكذلك لا تكليف لمن لم ينضج بل يتركه الحق إلى أن ينضج. ويصير قادرا على إنجاب مثله وأن يصل إلى التكوين الكيماوي السليم. ويمنع عنه الإكراه بأي قوة أعلى منه تقهره على أن يفعل شيئا على غير مراده، وهنا يأتي التكليف. إذن فالتكليف يحتاج إلى أمور ثلاثة: وجود عقل، لذلك فلا تكليف لمجنون، وعقل رشيد ناضج، فقبل البلوغ لا تكليف ولا إكراه حتى يسلم الاختيار، لماذا؟ تأتي الإجابة من الحق سبحانه: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]. ويقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ...}