Verse. 897 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلَا تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ فَيَسُبُّوا اللہَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ۝۰ۭ كَذٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ اُمَّۃٍ عَمَلَہُمْ۝۰۠ ثُمَّ اِلٰى رَبِّہِمْ مَّرْجِعُہُمْ فَيُنَبِّئُہُمْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۰۸
Wala tasubboo allatheena yadAAoona min dooni Allahi fayasubboo Allaha AAadwan bighayri AAilmin kathalika zayyanna likulli ommatin AAamalahum thumma ila rabbihim marjiAAuhum fayunabbiohum bima kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تسبوا الذين يدعونـ» ـهم «من دون الله» أي الأصنام «فيسبوا الله عدْوا» اعتداء وظلما «بغير علم» أي جهلا منهم بالله «كذلك» كما زيَّنا لهؤلاء ما هم عليه «زيَّنا لكل أمة عملهم» من الخير والشر فأتوه «ثم إلى ربهم مرجعهم» في الآخرة «فينبِّئهم بما كانوا يعلمون» فيجازيهم به.

108

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام: إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا العمل، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: قال ابن عباس: لما نزل {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك فنزلت هذه الآية، أقول: لي ههنا إشكالان: الأول: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال: إن سبب نزول هذه الآية كذا وكذا. الثاني: أن الكفار كانوا مقرين بالإله تعالى وكانوا يقولون: إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى، وإذا كان كذلك، فكيف يعقل إقدامهم على شتم الله تعالى وسبه. والقول الثاني: في سبب نزول هذه الآية. قال السدي: لما قربت وفاة أبي طالب قالت قريش: ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث مع جماعة إليه وقالوا له: أنت كبيرنا وخاطبوه بما أرادوا. فدعا محمداً عليه الصلاة والسلام وقال: هؤلاء قومك وبنو عمك يطلبون منك أن تتركهم على دينهم، وأن يتركوك على دينك فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : قولوا لا إله إلا الله»تفسير : فأبوا فقال أبو طالب: قل غير هذه الكلمة فإن قومك يكرهونها. فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أنا بالذي أقول غيرها حتى تأتوني بالشمس فتضعوها في يدي»تفسير : فقالوا له اترك شتم آلهتنا وإلا شتمناك، ومن يأمرك بذلك فذلك قوله تعالى: {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ }. واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فاستحال إقدامهم على شتم الإله بل ههنا احتمالات: أحدها: أنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة. وثانيها: أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى كما في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 57] وثالثها: أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن شيطاناً يحمله على ادعاء النبوة والرسالة، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن شتم الأصنام من أصول الطاعات، فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنها. والجواب: أن هذا الشتم، وإن كان طاعة. إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم، وجب الاحتراز منه، والأمر ههنا كذلك، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله، وعلى فتح باب السفاهة، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم، فلكونه مستلزماً لهذه المنكرات، وقع النهي عنه. المسألة الثالثة: قرأ الحسن: {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً } بضم العين وتشديد الواو، ويقال: عدا فلان عدواً وعدواً وعدواناً وعداً. أي ظلم ظلماً جاوز القدر. قال الزجاج: وعدواً منصوب على المصدر، لأن المعنى فيعدوا عدواً. قال: ويجوز أن يكون بإرادة اللام، والمعنى: فينسبوا الله للظلم. المسألة الرابعة: قال الجبائي: دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يفعل بالكفار ما يزدادون به بعداً عن الحق ونفوراً. إذ لو جاز أن يفعله لجاز أن يأمر به، وكان لا ينهى عما ذكرنا، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء. كقوله لموسى وهرون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ }تفسير : [طه: 44] وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة. المسألة الخامسة: قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. وأما قوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، وللعاصي المعصية، وللمطيع الطاعة. قا الكعبي: حمل الآية على هذا المعنى محال، لأنه تعالى هو الذي يقول: {أية : ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 25] ويقول: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [البقرة: 257] ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوهاً: الأول: قال الجبائي: المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضاً ذكر عين هذا الجواب فقال: المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون. الثاني: قال آخرون: المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم. والثالث: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، والرابع: زيناه في زعمهم وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا. هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي. وبينا أن تلك الداعية لا بد وأن تكون بخلق الله تعالى، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد، ومصلحة راجحة، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقداً لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد، والمصلحة الراجحة. ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول ولا حركة ولا سكون، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيماناً وعلماً وصدقاً وحقاً فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل. الثاني: ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك الجهل السابق، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال، ولما كان ذلك باطلاً وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيماناً وحقاً وعلماً وصدقاً، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه، وإذا كان الأمر كذلك، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره. أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم. وأيضاً فقوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } بعد قوله: {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى. فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم، فهذا كلام منقطع عما قبله، وأيضاً فقوله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم، وأما سائر التأويلات، فقد ذكرها صاحب «الكشاف»: وسقوطها لا يخفى، والله أعلم. أما قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فالمقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم. مطلع على ضمائرهم. ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} نهي. {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ} جواب النهي. فنهى سبحانه المؤمنين أن يَسُبُّوا أوثانهم؛ لأنه علم إذا سبّوها نفر الكفار وٱزدادوا كُفراً. قال ابن عباس: قالت كفار قريش لأبي طالب إمّا أن تنهى محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما أن نَسُبّ إلٰهه ونهجوه؛ فنزلت الآية. الثانية: قال العلماء: حكمها باقٍ في هذه الأمة على كل حال؛ فمتى كان الكافر في مَنَعة وخِيف أن يَسُبَّ الإسلام أو النّبيّ عليه السلام أو الله عز وجل، فلا يحلّ لمسلم أن يَسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرّض إلى ما يؤدّي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية. وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل بـ«الذين» على معتقد الكفرة فيها. الثالثة: في هذه الآية أيضاً ضَرْبٌ من الموادعة، ودليلٌ على وجوب الحكم بسدّ الذرائع؛ حسب ما تقدّم في «البقرة» وفيها دليل على أن المحقّ قد يكفّ عن حق له إذا أدّى إلى ضرر يكون في الدِّين. ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تبتّوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة. قال ابن العربيّ: إن كان الحق واجباً فيأخذه بكل حال وإن كان جائزاً ففيه يكون هذا القول. الرابعة: قوله تعالى: {عَدْواً} أي جهلاً وٱعتداء. وروي عن أهل مكة أنهم قرءوا «عُدُوًّا» بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقَتادة، وهي راجعة إلى القراءة الأولى، وهما جميعاً بمعنى الظلم. وقرأ أهل مكة أيضاً «عَدُوًّا» بفتح العين وضم الدال بمعنى عدوّ. وهو واحد يؤدّي عن جمع؛ كما قال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 77]. وقال تعالى: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ}تفسير : [المنافقون: 4] وهو منصوب على المصدر أو على المفعول من أجله. الخامسة: قوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} أي كما زيّنا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينا لكل أمة عملهم. قال ابن عباس: زيّنا لأهل الطاعةِ الطاعةَ، ولأهل الكفرِ الكفرَ؛ وهو كقوله: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النحل: 93]. وفي هذا ردٌّ على القدرية.

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح. {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً} تجاوزاً عن الحق إلى الباطل. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} على جهالة بالله سبحانه وتعالى وبما يجب أن يذكر به. وقرأ يعقوب {عَدُوّا} يقال عدا فلان عدواًّ وعدواً وعداءَ وعدواناً. روي: أنه عليه الصلاة والسلام كان يطعن في آلهتهم فقالوا لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك، فنزلت. وقيل كان المسلمون يسبونها فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله سبحانه وتعالى، وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقاً وتخذيلاً، ويجوز تخصيص العمل بالشر وكل أمة بالكفرة لأن الكلام فيهم، والمشبه به تزيين سب الله لهم. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بالمحاسبة والمجازاة عليه.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى ناهياً لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سبِّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبِّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو؛ كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدواً بغير علم، فأنزل الله: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: أنه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه، فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلاً منهم يقال له المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك، يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تريدون؟» تفسير : قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة، إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج؟» تفسير : قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، قالوا: فما هي؟ قال: «حديث : قولوا: لا إله إلا الله»تفسير : فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي قل غيرها؛ فإن قومك قد فزعوا منها، قال: «حديث : يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس، فيضعوها في يدي، ولوأتوا بالشمس، فوضعوها في يدي، ما قلت غيرها» تفسير : إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا، أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك، فذلك قوله: {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ما جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ملعون من سب والديه» تفسير : قالوا: يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: «حديث : يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم وقوله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم، والمحاماة لها والانتصار، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة، والحكمة التامة، فيما يشاؤه ويختاره، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ} أي: معادهم ومصيرهم {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: يجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرٌّ.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } هم {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي الأصنام {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً } اعتداء وظلما {بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي جهلاً منهم بالله {كَذٰلِكَ } كما زيَّنَّا لهؤلاء ما هم عليه {زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } من الخير والشر فأتوه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ } في الآخرة {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فيجازيهم به.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلا تَسُبُّواْ} الأصنام فيسبوا من أمركم بسبها، أو يحملهم الغيظ على سبّ معبودكم كما سببتم معبودهم. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا} كما زينا لكم الطاعة كذلك زينا لمن تقدمكم من المؤمنين الطاعة، أو كما أوضحنا لكم الحجج كذلك أوضحناها لمن تقدّم، أو شبهنا لأهل كل دين عملهم بالشبهات ابتلاء حين عموا عن الرشد.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...} الآية: مخاطبةٌ للمؤمنين والنبيِّ صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ: إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلَىٰ ما يؤدِّي إلى سبِّ الإسلام أو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو اللَّه عزَّ وجلَّ، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك علَىٰ معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، و {عَدْواً}: مصدرٌ من الاعتداء، و {بِغَيْرِ عِلْمٍ}: بيانٌ لمعنى الاعتداءِ. وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}: إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ...} الآية: تتضمَّن وعداً جميلاً للمحسنين، ووعيداً ثقيلاً للمسيئين. وقوله سبحانه: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}: اللام في قوله: {لَئِنْ} لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله: {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}، وآية: يريد: علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ} تفسير : [الشعراء:4]، أقسموا حينئذٍ؛ أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَباً، وأقسموا علَىٰ ذلك، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له: إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَباً، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً؛ كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتَّىٰ يتوبَ تائبهم، فقال ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ: بل حتَّى يتوبَ تائبهم، ونزلَتِ الآية. قال ابنُ العربيِّ: قوله: {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}، يعني: غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وٱنتهتْ إليها قدرتهم. انتهى من «الأحكام». ثم قال تعالَىٰ: قل لهم، يا محمَّد؛ على جهة الردِّ والتخطئةِ: إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}، قال مجاهدٌ: وابن زيد: المخاطَبُ بهذا الكفَّار، وقال الفَرَّاء وغيره: المخاطَبُ بهذا المؤمنون، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}: معناه: وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير وغيره: «إنَّهَا» ـــ بكسر الألف ـــ، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ «تُؤْمِنُونَ» ـــ بالتاء ـــ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة؛ ٱستقامَتْ له المخاطبةُ، أولاً وآخراً، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ. وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولاً وآخراً، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره: «أَنَّهَا» ـــ بفتح الألف ـــ، فقيل: إنَّ «لا» زائدةٌ في قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ}؛ كما زيدَتْ في قوله تعالى: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء:95]، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنَىٰ، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذراً للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ «لا»، ومنهم مَنْ جعل {أَنَّهَا} بمعنى لَعَلَّها، وحكام سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، «لا»، وحكى الكسائيُّ: أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ»، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون «لا» زائدةً، وبسط شواهده في ذلك. وقوله سبحانه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، فالمعنى؛ علَىٰ ما قالت فرقة: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم ٱستأنَفَ علَىٰ هذا: ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة: إنما المراد بالتقْلِيبِ التَّحْويلُ عن الحَقِّ والهدَىٰ والتَّرْكُ في الضلالةِ والكُفْر، ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين أقسموا أنَّهم يؤمنُون إنْ جاءت آية ـــ نحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم؛ أنْ لو جاءت فلا يؤمنون بها؛ كما لم يؤمنوا أولَ مرَّة بما دُعُوا إلَيْه من عبادة اللَّه تعالَىٰ، فأخبر اللَّه عزَّ وجلَّ على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقالتْ فرقة: قوله: {كَمَا}؛ في هذه الآية: إنما هي بمعنى المجازاة، أي: لما لم يؤمنوا أولَ مرَّة، نجازيهم، بأنْ نقلِّب أفئدتهم عن الهدَىٰ، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال: ونحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، جَزَاءً لِمَا لم يؤمنوا أول مرة بما دُعُوا إلَيْه من الشرع، والضميرُ في {بِهِ} يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أو على القرآن، أو على النبيِّ صلى الله عليه وسلم {وَنَذَرُهُمْ}: معناه: نتركُهم، والطغيانُ: التخبُّط في الشرِّ، والإفراطُ فيما يتناوله المرء، و {يَعْمَهُونَ}: معناه: يتردَّدون في حيرتهم.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّ متعلَّق هذا بما قَبْلَه: أنَّه لا يَبْعُد ان بَعْض المُسْلمين كان إذا سمع قَوْل المُشْرِكين للرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - إنَّما جَمَعْت هذا القُرْآن من مُدارَسَة النَّاس، غَضِب، وشَتَم آلِهَتَهُم المُعَارِضة، فنهى الله - تعالى - عن ذَلِك؛ لأنَّك متى شتمت آلِهَتَهُم، غَضِبُوا، فَرُبَّما ذكر اللَّه - تبارك وتعالى - بِمَا لا يَنْبَغِي، فلذلك وَجَبَ الاحْتِرَاز عن ذَلِك المَقَال، وهَذَا تَنْبِيهٌ على أنَّ الخَصْم إذا شَافَه خَصْمَه بِجَهْل وسفاهَةٍ، لم يَجُزِ لِخَصْمه أن يُشافِهَهُ بمثل ذلك، فإن ذلك يُوجِبُ فتْح باب المُشَاتَمَةِ والسَّفاهَة، وذّلِك لا يَلِيق بالعُقلاء. فصل في المراد بالآية قال ابْن عبَّاس - رضي الله عنهما - لمَّا نزل قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98] قال المُشْرِكُون: يا مُحَمَّد، لَتَنْتَهِيَنَّ عن سَب آلهتنا، أو لَنَهْجُرَنّ ربَّك؛ فنزلت هذه الآية، وهَهُنا إشكالان. أحدهما: أن النَّاس اتَّفَقُوا على أن هذه السُّورة نزلت دَفْعَةً واحِدَةً، فكيْف يُمْكن أن يُقال: سبَبُ نُزُول هَذِهِ الآية الكَرِيمة كَذَا. والثاني: أن الكُفَّار كانوا مُقِرِّين باللَّهِ - تعالى -؛ لقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان:25] وكانوا يَقُولُون: إنّما نَعْبُد الأصْنَام؛ لِتَصير شُفَعَاؤُنَا عِنْد الله، فكيف يُعْقَل إقْدَامهم على شَتمِ اللَّه وسبِّه. وقال السُّدِّيُّ: حديث : لما قربت وفاةُ أبي طالبِ، قالت قُرَيْشُ: ندخل عليه، ونَطْلُب منه أنْ يَنْهَى ابْن أخيه عَنَّا، فإنا نَسْتَحِي أن نَقْتُلَه بعد مَوْته، فَتَقُول العرب: كان يَمْنَعُه عَمُّه، فلما ماتَ، قتلوه؛ فانْطَلَقَ أبو سُفْيَان، وأبُو جَهْلٍ، والنَّضْرُ بن الحَارِثِ، وأمَيَّةُ وأبَي ابنا خَلَف، وعُقْبَةُ بن أبِي معيط، وعَمْرُو بن العَاصِ، والأسْوَد بن أبِي البُخْتُري إليه، وقالُوا: يا أبا طالبٍ، أنت كَبِيرُنا وسيِّدُنا، وإن محمَّداً آذَانَا وآلهتنا، فنحب أن تَدْعُوَه وتنهاه عن ذكْر آلِهَتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه، فقال: يا مُحَمُّد، هؤلاء قَوْمُك، وبَنُو عَمِّك يطلُبُوك أن تَتْرُكَهم على دينهم، وأنْ يَتْركُوكَ على دينك، وقد أنْصَفَك قومك، فاقْبَل مِنْهم، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أرأيْتُم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها مَلَكْتُم بها العرب، ودَانَت لكم بها العَجَم قال أبُو جَهْلِ: نَعَم وأبيك، لَنُعْطِيَنّكَهَا، وعشرة أمْثَالِهَا، فما هي؟ قال: "قولوا: لا إله إلاَّ الله" فأبَوْا ونَفَرُوا، فقال أبُو طالب: قُلْ غَيْرَها يا ابْن أخِي، فقال: يا عمَّ، ما أنا بالَّذِي أقُول غَيْرَها، ولَوْ أتَوْني بالشَّمْسِ فَوضَعُوها في يَدِي. فقالوا: لتكُفَّنَّ عن سب آلِهَتِنا، أو لنَشْتُمَنَّك أو لنشتُمَنَّ من يأمرك بِذلكِ، تفسير : فأنْزَل الله - تعالى - الآية الكريمة. وفيه الإشكالان، ويمكن الجواب مِن وُجُوه: الأول: أنه رُبَّما كان بَعْضُهُم قائِلاً بالدَّهر ونفي الصَّانع، فيأتي بهذا النَّوْع من الشَّفاعة. الثاني: أن الصَّحابة - ر ضي الله عنهم - متى شَتَمُوا الأصْنَام، فهم كَانُوا يَشْتُمون الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - فاللَّه - تعالى - أجْرَى شَتْم الرَّسُول مَجْرى اللَّه - تعالى -؛ كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ} تفسير : [الفتح:10] وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب:57]. الثالث: أنه رُبَّما كان في جُهَالِهم، مَنْ كان يَعْتَقِد أنَّ شَيْطَانَاً يَحْمِلُه على ادِّعاء النُّبُوة والرٍّسالة، ثُمَّ إنَّه لجَهْلِه، كان يُسَمِّي ذلك الشَّيْطان بأنه إله محمَّد، فكان يَشْتم إله محمَّد بناءً على هذا التَّأويل. وقال قتادة: كان المُسْلِمُون يسُبُّون أصْنَام الكُفَّار، فَنهَاهم اللَّه - تعالى - عن ذَلِك؛ لِئَلاَّ يَسُبُّوا اللَّه، فإنهم جَهَلة. فإن قيل: شَتْم الأصنام من أصُول الطَّاعات، فكَيْفَ يَحْسُن أن يَنْهَى عَنْه. فالجوابُ: أن هذا الشَّتم وإن كان طَاعَةً، إلاَّ أنَّه إذا وَقَع على وَجْه يستَلْزِم وجُودَ منكر عَظِيم، وجب الاحْتِرَاز مِنْه، والأمر هَهُنا كذلك؛ لأنَّ هذا الشتْم كان يَسْتَلِزم إقْدَامهم على شَتْم اللَّه، وشَتْم رَسُوله، وعلى فَتْح باب السَّفاهة، وعلى تَنْفِيرهم عن قُبُول الدِّين، وإدْخَال الغَيْظ والغَضَب في قلوبهم، فَلِهذه المُنْكرات وقع النَّهْي عنه. قوله: {مِنْ دُونِ اللَّه} يجُوز أن يتعلَّق بـ "يَدْعُونَ" وأن يتعلَّق بمحذُوفِ على أنَّه حالٌ: إمَّا من الموصُول، وإمَّا من عَائِدِه المَحْذُوف، أي: يَدْعُونهم حَالَ كونهم مستَقِرِّين من دُونِ اللَّه. قوله: "فَيَسُبُّوا" الظَّاهر أنه مَنْصُوب على جواب النَّهي بإضمار أنْ بعد الفَاءِ، أي: "لا تَسُبُّوا آلهتَهُم، فقد يترتَّبُ عليه مَا يَكْرَهُون مِنْ سَبِّ اللَّه"، ويجُوز أن يكُون مَجْزُوماً نسقاً على فِعْل النَّهْي قَبْلَه؛ كَقَوْلِهم: "لاتَمْدُدْها، فتشُقَّها" وجَازَ وُقُوع "الَّذِين" - وإن كان مُخْتَصًّا بالعُقلاء - على الأصْنَام الَّتِي لا تَعِقْلُ، معاملة لها مُعامَلة العُقلاء؛ كما أوْقَع عليْها "مِنْ" في قوله: {أية : كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} تفسير : [النحل:17]. قال شهاب الدِّين: وفيه نَظَر؛ لأنَّ "الَّذِي" و "الَّتِي" وسائِر المَوْصُولات ما عَدَا "مَنْ" فإنَّها تدخل على العُقَلاء وغيرهم، تقول: أنت الرَّجُل الَّذِي قَام، ورَأيْت الفَرَس الَّذِي اشْتَرَيته، قال: ويَجُوز أن يَكُون ذَلِك للتَّغُلِيب، لأن المَعْبُود مِن دُون اللَّه عُقلاء؛ كـ "المَسِيح" و "عُزَيْر" و "المَلاَئِكَة" وغيرهم، [فغلَّب] العَاقِل، وهذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ المُسْلِمين لا يسبّون هؤلاء ويَجُوز أنْ يُرَاد بالَّذين يَدْعُون: المُشْرِكين، أي: لا تَسُبُّوا الكَفَرة الَّذِين يَدْعون غَيْر اللَّه من دُون الله، وهو وَجْهٌ وَاضِح. قوله: "عَدْواً" الجُمْهُور على فَتْح العَيْن، وسُكون الدَّال، وتَخْفِيف الواوِ ونصبه من ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنه مَنْصُوب على المَصْدَر؛ لأنَّه نوع من العَامِل فِيهِ، لأنَّ السَّبَّ من جِنْس العَدْو. والثاني: أنَّه مَفْعُول من أجْلِه، أي: لأجْل العَدْو، وظاهر كلام الزَّجَّاج: أنه خَلَط القَوْلَين، فجَعَلهُمَا قَوْلاً واحداً، فإنه قال: "وعَدْواً" مَنْصُوب على المَصْدر؛ لأن المعنى فَتَعْدُوا عَدْواً. قال: "ويكُون بإرَادَة اللاَّم" والمعنى": فيسُبُّوا الله للظُّلْم. والثالث: أنَّه مَنْصُوب على أنَّه وَاقِع مَوْقِع الحالِ المُؤكدة؛ لأنَّ السَّبَّ لا يَكُون إلا عَدْواً. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ويعقوب، وقتادة، وسلام، وعبد الله بن زَيْد: "عُدُواً" بضم العَيْن والدَّال، وتشديد الواو، وهو مصدر أيضاً لـ "عَدَا" وانتِصَابهُ على ما تقدَّم من الأوجه الثلاثة. وقرأ ابن كثير في روايةٍ - وهي قراءة أهْل مَكَّة المشرفة فيما نَقَلَهُ النَّحَّاس: "عَدُوّاً" بفتح العَيْن، وضمِّ الدَّال، وتَشْديد الواو، بمَعْنى: أعداء، ونَصْبُه على الحالِ المُؤكدة، و "عَدُو‍ٌّ" يجُوز أن يَقَع خبراً عن الجَمْع، قال - تعالى -: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ} تفسير : [المنافقون:4]، وقال - تعالى -: {أية : إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} تفسير : [النساء:101]، ويُقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، وعُدُوّاً، وعُدْواناً وعَداءً، و"بغير عِلْم" حَال، أي: "يَسْبُّونه غير عَالِمين" أي: "مُصَاحِبِين للجَهْل"؛ لأنَّه لو قدِّر حقَّ قَدْره، لما أقْدَموا عليه. فصل في دحض شبهة للمعتزلة قال الجُب‍َّائي: دلَّت هذه الآية الكَرِيمة، على أنَّه لا يجُوز أن يُفْعَل في الكُفَّار ما يَزْدَادون به بُعْداً عن الحقِّ، إذ لو جَازَ أن يَفْعَلَه، لجاز أن يَأمر بِه وكان لا ينْهَى عمَّا ذَكَرْنا، ولا يَأمر بالرِّفْق بهم عند الدُّعَاء؛ كقوله لِمُوسَى، ولِهَارُون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه:44] وذَلِك يُبْطِل مذهب الجَبْرِية. قالوا: وهذه الآية الكريمة تَدُلُّ على أنَّ الأمْر بالمَعْرُوف، قد يقبح إذا أدَّى إلى ارْتِكَاب مُنْكَر، والنَّهْي عن المُنْكَر يَقْبُح إذا أدَّى إلى زيادة مُنْكَر، وغلبة الظَّنِّ قائمة مَقَام العِلْم في هذا البَاب، وفيه تَأدِيب لمن يَدْعُوا إلى الدِّين؛ لئلا يَتَشاغل بما لا فَائِدة لهُ في إلهيَّتِهَا، فلا حَاجَة مع ذَلِك إلى شَتْمِها. قوله: "كَذَلِكَ": نعت لِمَصْدر مَحْذُوف، أي: زَيَّنَّا لِهؤلاء أعمالهم تزييناً، مثل تَزْييننَا لكلِّ أمَّةٍ عَمَلَهم. وقيل: تقديره: مثل تَزْيين عِبَادة الأصْنَام للمُشْرِكين "زيَّنَّا لكل أمَّةٍ عَمَلهم" وهو قَريب من الأوَّل، والمَعْنَى زينَّا لكل أمَّةٍ عَمَلهم من الخَيْر والشَّر، والطّاعة والمَعْصِية، ثم إلى ربِّهم مَرٍْجِعهم، فيُنَبَّئهم ويجازيهم بما كَانُوا يَعْمَلُون. فصل في الاستدلال بالآية احتجَّ أهْل السُّنَّة بهذه الآية الكريمة، على أنَّ اللَّه - تعالى - زيَّن للكَافِر الكُفْر، وللمُؤمِن الإيمان، وللعَاصِي المَعْصِيَة، وللمُطِيع الطَّاعة. قال الكَعْبِي: حَمْل الآية على هَذَا المَعْنَى مُحَال؛ لأنه - تبارك وتعالى - هو الَّذي يَقُول {أية : ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} تفسير : [محمد:25] ويقول {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [البقرة:257] ثمَّ إنهم ذكَرُوا في الجوابِ وُجُوهاً: الأول: قال الجُبَّائي: زينَّا لكلِّ أمَّةٍ تقدَّمت ما أمَرْنَاهم به مِنْ قَول الحقِّ. وقال الكَعْبِيَ: إنَّه - تعالى - زيَّن لَهُم ما يَنْبَغِي أن يَعْمَلُوا، وهم لا يَنْتَهُون. الثاني: قال الآخَرُون: زينَّا لكُلِّ أمَّة من أمم الكفار سوء عَمَلهم، أي: جَعَلْنَاهم وشَأنهم، وأمْهَلْنَاهم حتى حَسُن عِندهم سُوءُ عَمَلِهِم. الثالث: أمْهَلنا الشَّيطان حتى زيَّن لَهُم. الرابع: زيَّناه في زَعْمِهِم، وهذه وجوهٌ ضَعِيفَة؛ لأن الدليل العَقْلي [القَاطِع] دل على صِحَّةِ ما أشْعَر به ظَاهِر النَّصِّ؛ لأنَّا بينَّا أن صدُور الفِعْل عن العَبْد، يتوقُّفُ على حُصُول الدَّاعي، وأن تِلْك الدَّاعية لا بدَّ وأن تكُون بِتَخْلِيق اللَّه - تعالى -، ولا مَعْنى لِتِلْك الدَّاعية إلا عَمَله واعتِقَاده، أو ظَنّه باشْتِمَال ذَلِك الفِعْلِ على نَفْع زَائِد، ومَصْلَحة راجِحَة، وإذَا كانت تلك الدَّاعية حَصَلتْ بفِعْل اللَّه - تعالى -، امتنع أن يَصْدُر عن العَبْد فِعْلٌ، ولا قولٌ، ولا حَرَكَةٌ، إلاَّ إذا زَيَّن اللَّه -تعالى - ذلك الفِعْل في قَلْبِه، وضميره، واعتِقَادِه، وأيضاً: أن الإنْسَان لا يخْتَار الكُفْرَ والجَهْل, مع العِلْم بكونه كُفْراً وجَهْلاً, والعِلْم بذلك ضَرُوريٌّ, بل إنما يَخْتَاره لاعْتِقَاد كَوْنه إيماناً، وعلماً، وصِدقاً، وحقّاً، فلولا سَابقة الجَهْل الأوَّل، لما اخْتار هذا الجَهْل الثاني: ثُمَّ إنه لما اخْتار ذلك الجَهْل السَّابق، فإن كان اخْتِيَار ذلك لسابق آخر، لَزِم أن يَسْتَمِرَّ ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات، وذلك مُحال؛ فوجَبَ انتهاء تلك الجَهَالات إلى جَهْل أوَّل يَخْلُقه الله - تعالى - فيه ابْتِدَاء، وهو بِسَببِ ذلك الجَهْل ظنَّ في الكُفْر كَوْنه إيماناً، وحقاً وعلماً؛ فثبت إنه يَسْتَحِيل من الكافر اخْتِيَار الكُفْر والجَهْل، إلاَّ إذا زيَّن الل‍َّه - تعالى - ذلك الجَهْل في قَلْبِه؛ فثبت بِهَذَيْن البُرْهَانَيْن القَاطِعَينْ، أن الَّذي يدلُّ عليه ظَاهِر هذه الآية؛ هو الحقُّ الذي لا محيد عنه، فبطلت تأويلاتهم بأسْرها؛ لأنَّ المصير إلى التَّأويل إنَّما يكون عند تَعَذُّر حمل الكلام على ظَاهِره، وأمَّا لما قال الدَّليل على أنَّه يمكن العُدُول عن الظَّاهِر، فسقطت هذه التَّكْلِيفات، وأيضاً: فوقه: "كذلِك زَيَّنَّا لِكُلِّ أمَّةٍ عَمَلَهُم" بعد قوله: "فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ". مشعر بِأنَّ إقْدَامهم على ذَلِك المُنْكَر إنَّما كان بِتَزْيين اللَّه تعالى، فأمَّا أنْ يُحْمَل ذلك على أنَّه - تبارك وتعالى - زيَّن الأعْمَال الصَّالحة في قُلُوب الأمَم، فكان هذا كلام مُنْقطع عما قَبْلَه، وأيضاً: فقوله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}: يتناول الأمم الكَافِرة والمُؤمِنَة، فتَخْصيصُ هذا الكلام بالأمَّة المُؤمِنَة، ترك لِظَاهر العُمُوم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله...} الآية. قال: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبِّ أو شتم آلهتنا أو لَنَهْجُوَنَّ ربَّك. فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم {فيسبوا الله عدواً بغير علم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال "حديث : لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهي عنا ابن أخيه، فانا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه. فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاصي، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلاً منهم يقال له المطلب، فقالوا: استأذن لنا علي بن أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك؟ فأذن لهم عليه فدخلوا، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك . قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم أن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم الخراج؟ قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟! قال: قولوا: لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا. قال أبو طالب: قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها. قال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم}" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله، فأنزل الله {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} . وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم في قوله {كذلك زينا لكل أمة عملهم} قال: زين الله لكل أمة عملهم الذي يعملون به حتى يموتوا عليه .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الآية: 108]. قال أبو بشر المروزى: قوالب جفوها أنوار وظلمات، فالنور والظلمة يعيران والأعمال أصنام ولا يؤذن يوم القيامة إلا بحشوها. قال الواسطى رحمة الله عليه: زينت الأعمال عند أربابها، فأسقطوا بها عن درجة المتحققين إلا من عصم بنور المشاهدة، فشاهد المنة فى التوفيق بل شاهد المنان. وقال أيضًا: مهلنا ويسرنا له ما هو فيه حتى يستوفى ما قدرنا له وعليه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}. يعني خَاطِبْهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفي الشبهة، ولا تُكلِّمْهم على موجب نوازع النَّفْس والعادة، فَيَحْمِلَهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله. ويقال لا تطابِقْهُم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في غيِّهم، فسيكون فِعْلُكَ سبباً وَعِلَّةً لزيادةِ كفرهم وفِسْقهم. قوله جلّ ذكره: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. لبَّسْنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيحَ جميلاً، ولم يَرَوْا لسوءِ حالتهم تبديلاً، فركنوا إلى الهوى، ولم يميزوا بين العوافي والبَلا.

البقلي

تفسير : {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} ان الله سبحانه ابتلى العموم بالدنيا واعمالها فى نفع الجاه والمال وابتلى الخصوص برؤية المعاملات الاخروية ورؤية اعواضها فمن كان غير اهله ابقاهم فيها وحجبهم بها عن لذة قربه ووصلاه ومن كان اهلا له من العارفين والمتحققين رفعها عن عينه حتى لا يرى لها وزنا ولا يزنهخا مقدار عند رؤية امتنانه بما سبق لهم من اصطفائيته وخاصيته بالولاية والمعرفة زين للبطالين شرور اعمالهم النفسانية حتى يروها مستحسنة قال تعالى {أية : يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : وزين المجاهدين اعمالهم فى العبادة حتى يزيد رغبتهم فيها قال الواسطى زينت الاعمال عند اربابها فاسقطوا عن درجة المتحققين الا من عصم بنور المشاهدة فشاهد المنة فى التوفيق بل شاهد المنان.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تسبوا} اى لا تشتموا ايها المؤمنون {الذين} اى الاصنام {يدعون} اى يدعونها آلهة ويعبدونها {من دون الله} اى متجاوزين عبادة الله تعالى والمراد بالداعين كفار مكة. وقال المولى ابو السعود رحمه الله اى لا تشتموهم من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا تبا لكم ولما تعبدونه مثلا {فيسبوا الله عدوا} اى تجاوزا عن الحق الى الباطل بان يقولوا لكم مثل قولكم لهم وهو منصوب على المصدر لكونه نوعا من عامله لان السبب من جنس العدو او على ا نه مفعول له اى لاجل العدو {بغير علم} حال اى يسبونه غير عالمين بالله تعالى وبما يجب ان يذكر به اى مصاحبين للجهل لانهم لوقدروا الله حق قدره لما اقدموا عليه. فان قلت انهم كانوا مقرين بالله وعظمته وان الاصنام انما تعبد ليكونوا شفعاء عند الله فكيف يسبونه. قلت انهم لا يفعلون ذلك صريحا لكن ربما يفضى فعلهم الى ذلك وايضا ان الغيظ والغضب انما يحمل الانسان على التكلم بما ينافى العقل ألا يرى ان المسلم قد يتكلم لشدة غضبه بما يؤدى الى الكفر والعياذ بالله. وفى الآية دليل على ان الطاعة اذا ادت الى معصية راجحة وجب تركها فان ما يؤدى الى الشرشر ألا يرى ان سب الاصنام وطعنها من اصول الطاعات وقد نهى الله تعالى عنه لكونه مؤديا الى معصية عظيمة وهى شتم الله وشتم رسوله وفتح باب السفاهة. قال الحدادى وفى هذا دليل على ان الانسان اذا اراد ان يأمر غيره بالمعروف ويعلم ان المأمور يقع بذلك فى اشد مما هو فيه من شتم او ضرب او قتل كان الاولى ان لا يأمره ويتركه على ما هو فيه: قال السعدى قدس سره شعر : مجال سخن تانيابى مكوى جو ميد ان نبينى نكهدار كوى تفسير : {كذلك} اى مثل ذلك التزيين القوى وهو تزيين المشركين سب الله تعالى وعبادة الاوثان {زينا لكل امة عملهم} من الخير والشر والطاعة والمعصية باحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقا او تخذيلا {ثم الى ربهم} مالك امرهم {مرجعهم} اى رجوعهم بالبعث بعد الموت {فينبئهم} [بس خبر دهد ايشانرا] من غير تأخير {بما كانوا يعملون} فى الدنيا على الاستمرار من السيآت المزينة لهم وهو وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت وفيه نكتة وهى ان كل ما يظهر فى هذه النشأة من الاعيان والاعراض فانما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التى بها يظهر فى النشأة الآخرة فان المعاصى سموم قاتلة قد برزت فى الدنيا بصورة يستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة وكذا الطاعات فانها مع كونها احسن الاحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة ولذلك قال عليه السلام "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" فاعمال الكفرة قد برزت لهم فى هذه النشأة بصورة مزينة يستحسنها الطغاة وستظهر فى النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة فعند ذلك يعرفون ان اعمالهم ماذا فعبر عن اظهارها بصورها الحقيقية بالاخبار بها لما ان كلاً منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هى كذا فى تفسير الارشاد ويظهر صور الاعمال القبيحة لاهل السلوك فى البرزخ الدنيوى فيجتهدون فى تبديلها ـ حكى ـ عن الشيخ ابى بكر الضرير رحمه الله قال كان فى جوارى شاب حسن الوجه يصوم النهار ولا يفطر ويقوم الليل ولا ينام فجاءنى يوما وقال يا استاذ انى نمت عن وردى الليلة فرأيت كأن محرابى قد انشق وكأنى بجوار قد خرجن من المحراب لم ار احسن اوجها منهن واذا فيهن واحدة شوهاء لم ار اقبح منها منظرا فقلت لمن انتن ولمن هذه فقلن نحن لياليك التى مضين وهذه ليلة نومك فلو مت فى ليلتك هذه لكانت هذه حظك ثم انشأت الشوهاء تقول شعر : اسأل لمولاك وارددنى الى حالى فانت قبحتنى من بين اشكالى وقد اردت بخير اذ وعظت بنا ابشر فانت من المولى على حال تفسير : قالت جارية من الحسان شعر : نحن الليالى اللواتى كنت تسهرها تتلو القرآن بترجيع ورنات تفسير : وقد قال بعض الكبار انشكاف عيب النفس خير من انكشاف الملكوت اذ المقصود اصلاح الطبيعة والنفس والاكل والشرب والمنام من الصفات البهيمية التى هى مقتضى الطبيعة. وفى التأويلات النجمية {زينا لكل امة عملهم} من المقبولين اعمال اهل القبول ومن المردودين اعمال اهل الرد {ثم الى ربهم مرجعهم} اى باقدام تلك الاعمال كلا الفريقين يذهبون الى ربهم {فينبئهم بما كانوا يعملون} اما اهل القبول فيسلكون على اقدام الاعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والاحسان انهم كانوا يحسنون واما اهل الرد فيقطعون على اقدام المخالفات فى بوادى القهر والهلكات فينبئهم بالعدل والخسران انهم كانوا يسيئون انتهى فى المثنوى شعر : جمله دانند هين اكر تو نكروى هرجه مى كاريش روزى بدروى تفسير : وعن بعض الصالحين قال كانت فى جانبى عجوز قد اضنتها العبادة فسألتها ان ترفق بنفسها فقالت يا شيخ اما علمت ان رفقى بنفسى غيبنى عن باب المولى ومن غاب عنه مشتغلا بالدنيا عرض نفسه للمحن والبلوى وما قدر عملى اذا اجتهدت فكيف اذا قصرت ثم قالت واسوأتاه من حسرة السباق وفجعة الفراق. فاما حسرة السباق فاذا قام القائمون من قبورهم وركب الابرار نجائب الانوار وساروا الى قصر من العز والجلال ورفعت لهم منازل المحبين وقدمت بين ايديهم نجائب المقربين وبقى المسبوق فى جملة المحزونين فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفا ويذوب ندامة وتلهفا. واما فجعة الفراق فعند تمييز الناس والافتراق وذلك ان الله سبحانه اذا جمع الخلق فى صعيد واحد امر ملكا فنادى ايها المجرمون امتازوا ان المتقين قد فازوا وهو قوله تعالى {أية : وامتازوا اليوم أيها المجرمون} تفسير : [يس: 59]. فيتميز الرجل من زوجته والولد من والدته والحبيب من حبيبه هذا يحمل مبجلا الى رياض النعيم وهذا يساق مسلسلا مغلغلا الى عذاب الجحيم وقد طال منهم التلفت والوداع ودموعهم تجرى كالانهار بفجعة الفراق وانشدوا بالبين والفراق شعر : لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ورأيت كيف نكرر التوديعا لعلمت ان من الدموع لأبحرا تجرى وعاينت الدماء دموعا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تَسُبُّوا} أصنامهم {الذين} يدعونها آلهة، ويخضعون لها {من دون الله} أي: ولا تذكروا آلهتهم بسوء، {فيَسُبوا الله عَدْوًا} أي: ظُلْمًا وتجاوزًا عن الحق إلى الباطل، {بغير علم} أي: على جهالة بالله تعالى، وبما يجب أن يذكر به من التعظيم، رُوِي أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهين عن آلهتنا أو لنَهجُونَّ إلهك، فنزلت. وقيل: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنُهوا؛ لئلا يكون سبهم سببًا لسب الله تعالى، واستدل المالكية بهذا على سد الذرائع. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت لمعصية راجحة وجب تركها، فإنَّ ما يُؤدي إلى الشر شر. هـ. وقال ابن العربي: وقاية العرض بترك سنة واجب في الدنيا. هـ. قال تعالى: {كذلك زينَّا لكل أمة عملهم} من الخير والشر، نحملهم على ما سبق لهم توفيقًا أو تخذيلاً، أو يكون مخصوصًا بالشر، أي: زيَّنا لكل أمة من الكفرة عملهم السوء؛ كَسَب الله تعالى وغيره من الكفر، {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئُهم بما كانوا يعملون} من الخير فيُجازيهم عليه، أو من الشر فيعاقبهم عليه. الإشارة: العارف الكامل لا يُنقِص شيئًا من مصنوعات الله، ولا يصغر شيئًا من مقدورات الله، بل يتأدب مع كل شيء؛ لرؤية صنعة الله في كل شيء، وكذلك المريد اللبيب، يتأدب مع كل من ظهر بالخصوصية في زمنه، كان صادقًا أو كاذبًا؛ لئلا يؤدي إلى تنقيص شيخه، حين يذكر غيره بنقص أو غض. وفي الحديث: " حديث : لَعَن الله مَن يَسُبُّ والدَيهِ" تفسير : فقالُوا: وكيف يسبُّ والدَيه يا رسول الله؟ قال "حديث : يَسُبُّ أبا الرجُلِ فيسُبُّ الرجلُ أباهُ وأُمه "تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ثم ردَّ عليم في اقتراح الآيات، فقال: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الحسن ويعقوب {عدوا} بضم العين والدال وتشديد الواو. والباقون بفتح العين وبسكون الدال. وأصل ذلك من العدوان. و {عدوا} مخففا و {عدوا} لغتان، يقال عدا علي عدوا وعدوانا وعداءا اذا ظلم مثل ضرب ضربا. وعدا فلان على فلان أي ظلمه. والاعتداء افتعال من عدا. نهى الله تعالى المؤمنين أن يسبوا الذين يدعون من دون الله. والسب الذكر بالقبيح ومثله الشتم والذم وهو الطعن فيه بمعنى قبيح، كما يطعن فيه بالسنان، وأصله السبب، فهو تسبب الى ذكره بالعيب. والمعنى في الآية لا تخرجوا في مجادلتهم ودعائهم الى الايمان ومحاجتهم الى ان تسبوا ما يعبدونه من دون الله، فان ذلك ليس من الحجاج في شيء، وهو أيضا يدعوهم الى أن يعارضوكم ويسبوا الله بجهلهم وحميتهم، فأنتم اليوم غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون، وهم أيضا لا يتقونكم، لان الدار دارهم ولم يؤذن لكم في القتال. وكان سبب نزول الآية - في قول الحسن - أن المسلمين كانوا يسبون آلهة المشركين من الاوثان، فاذا سبوها يسب المشركون الله تعالى، فأنزل الله تعالى الآية. وقال أبو جهل: والله يا محمد لتتركوا سب آلهتنا أو لنسبن الهك الذي بعثك، فنزلت الآية. وفي ذلك دلالة على ان المحَّق يلزمه الكف عن سب السفهاء الذين يسرعون الى سبه مقابلة له، لانه بمنزلة البعث على المعصية والمفسدة فيها. وانما قال {يدعون من دون الله} بمعنى يعبدون، لان معناه يدعونه إِلهاً فلما قال {من دون الله} وهو من صفة الكفار دلَّ على هذا المعنى فحذف اختصارا. وانما قال {من دون الله} مع انهم كانوا يشركون في العبادة بين الله وبين الاصنام لامرين: أحدهما - ان ما وجهوه من العبادة الى الاوثان انما هو عبادة لها لا لله، وليس كالتوجه الى القبلة عبادة لله. والثاني - أن ذلك غير معتد به، لانهم أوقعوا العبادة على خلاف الوجه المأمور به فما أطاعوا الله بحال.. وقوله {كذلك زينا لكل أمة عملهم} قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال الحسن والجبائي والطبري والرماني: انا كما أمرناكم بحسن الدعاء الى الله تعالى وتزيين الحق في قلوب المدعوين كذلك زينا للامم المتقدمين أعمالهم التي أمرناهم بها ودعوناهم اليها بأن رغبناهم في الثواب، وحذرناهم من العقاب ويسمى ما يجب على الانسان أن يعمله بأنه عمله كما يقول القائل لولده أو غلامه: اعمل عملك يريد به ما ينبغي له أن يفعله، لان ما وجد وتقضى لا يصح الامر بأن يفعله. الثاني - زينا الحجة الداعية اليها والشبهة التي من كمال العقل ان يكون المكلف عليها، لانه متى لم يفعل معنى الشبهة لم يكن عاقلا. الثالث - التزيين المراد به ميل الطبع الى الشيء فهو الى الحسن ليفعل والى القبيح ليجتنب. والرابع - ذكره البلخي أيضا، وهو أن المعنى ان الله زين لكل امة عملهم من تعظيم من خلقهم ورزقهم وانعم عليهم، والمحامات عنه وعداوة من عاداه طاعة له، فلما كان المشركون يظنون شركاءهم هم الذين يفعلون ذلك أو أنهم يقربونهم الى الله زلفى، حاموا عنهم وتعصبوا لهم وعارضوا من شتمهم بشتم من يعز عليهم، فهم لم يعدوا فيما صنعوا ما زينه الله لهم في الحملة، لكن غلطوا فقصدوا بذلك من لم يجب ان يقصدوه فكفروا وضلوا. وقوله {عدوا} نصب على المصدر، وقرىء {عدوا} والمعنى جماعة يعني أعداء وعلى هذا يكون نصبا على الحال.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} عائد الموصول محذوف وفاعل يدعون راجع الى المشركين، والمقصود منه لا تسبّوا الّذين يدعوهم المنحرفون عن علىّ (ع) ممّن نصبوه اماماً لهم حال كونهم بعضاً من غير الله، وهذا النّهى جار للمؤمنين الى انقراض العالم، او العائد فاعل يدعون ومفعوله محذوف، او من التّبعيضيّة قائمة مقام المفعول {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ} اى يسبّوا عليّاً (ع) فانّه مظهر الله وسبّه سبّ الله وسبّ الله لا يتصوّر الاّ فى مظاهره {عَدْواً} ظلماً لعلىٍّ (ع) او تجاوزاً عن الحقّ فى سبّ علىّ (ع) {بِغَيْرِ عِلْمٍ} منهم انّه مظهر الله ونقل عن الصّادق (ع) انّه سئل عن هذه الآية فقال: ارأيت احداً يسبّ الله؟ - فقيل: لا وكيف؟ - قال: من سبّ ولىّ الله فقد سبّ الله، وقد ورد عنهم بهذا المضمون اخبار كثيرة، وما ذكرنا كان خلاصة المقصود ولا يخفى التّعميم لكلّ مشرك ومدعوّ غير الله ولكلّ نبىّ (ع) ووصىّ (ع) ولكلّ مؤمن {كَذَلِكَ} مثل ارتضاء كلّ منكم ما تدعونه وعدم ارتضاء ما يدعوه غيره {زَيَّنَّا} من لدن آدم (ع) {لِكُلِّ أُمَّةٍ} فرقة من الفرق المختلفة المحقّة والمبطلة {عَمَلَهُمْ} وقد سبق عند قوله تعالى، قل كلٌّ من عند الله، انّ الفاعل فى الوجود مطلقاً هو الحقّ تعالى وليس من الموجودات سوى الاستعداد والقبول وانّ فعله تعالى امّا بلا واسطةٍ او بوسائط وانّ مظاهر قهره تعالى من جملة وسائطه وانّ الشّيطان من مظاهر قهره فصحّ نسبة التّزيين اليه تعالى فى الاعمال السّيّئة والى الشّيطان لانّه المباشر القريب والى القوابل نحو نسبة الشّيء الى القابل {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ} قد سبق انّ الرّبّ المضاف هو الولاية المطلقة وانّ مظهره الاتمّ علىّ (ع) وانّ رجوع الكلّ الى الولاية الّتى هى فعله تعالى وظهوره لا الى الغيب المطلق فانّه لا راجع هناك ولا رجوع {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من خير وشرٍّ.

اطفيش

تفسير : {ولا تسبُّوا الَّذينَ يدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} النهى للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وواو يدعون من مشركين، ومعناه يعبدون أو طلبون منهم حوائجهم، والذين الأصنام، وإنما قال فيهم الذين مع أنهم ليسوا بعقلاء، لأنها عندهم بمنزلة العقلاء. {فَيسبُّوا اللهَ عدواً بغيرِ علمٍ} النصب فى جواب النهى بعد فاء السببية، نهاهم أن يسبوا الأصنام لأن سبها سبب لسب المشركين الله عدواً أى تجاوزاً إلى وصفه تعالى بالباطل بغير علم، بما يجب وصف الله به، فإن سبَّها طاعة، لكن لما أدى إلى معصية وجب تركه، ونهى عنه، فذلك نهى عن سب الله، وكذا كل طاعة أدت إلى معصية، فتخرج أن يكون طاعة، فيجب النهى عنها من حيث إنها تؤدى إلى معصية، فالنهى عن المنكر إذا كان يؤدى إلى معصية وجب تركه، وكان معصية، وكذا لو استحق الواحد اللعنة، وكان لو لعنته للعن ابنه أباك، فأنت تقصد بلعنه طاعة لم يجز لك، وقد كان يكفيك لعنه سراً، أو فى غير ذلك الوقت، أو كفى ما سبق من اللعن. وأما ما لا يكون سبباً لمعصية من الطاعات، فلا يترك لأجلها، ولما ترك محمد بن سيرين صلاة الجنازة لما يحضرها من النساء، فرجع قال له الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك فى ديننا، فأما أن يكون تخييلا لابن سيرين أن ذلك مثل الطاعة تسببت لمعصية فتركها، فنبهه الحسن أن هذا ليس كذلك، لأن صلاة الجنازة ليس سببا لعصيانهن، لأنهن يحضرن الجنازة، ولو لم تحضر الرجال، وإما أن يكون اختار الحوطة والنجاة عن الغنيمة. وقد اختلف اختيار المؤمنين فى طاعة يخاف عليها من معصية، فبعض يختار السلامة ويطيع بغيرها، وبعض يختار اغتنامها مع التحرز عن مواقعة المعصية، وأظن أن هذا مرمى ابن سيرين، والذى عندى اختيار الطاعة والتحرز عن المعصية والنهى كحضور جنازة فيها نائحة تنهى ولا تنتهى إلا المنظور إليه، فلعل الترك له أحوط لئلا يقتدى به مقتد غير عالم بمخرجه، وذلك فى غير الفرض الذى لا يحتمل التأخير والبدل، وأما هذا الفرض فلا يترك، ولو يؤدى لمعصية كقتال المشركين المؤدى إلى قتالهم للمؤمنين وسبهم، بخلاف سب الأصنام فإنه ليس واجباً، وإنما الواجب النهى عن عبادتها، فكانوا يسبونها فيسبّ المشركون الله تعالى غضبا، لا مع أنهم يقرون به تعالى، كما ترى موحدا يغضب فيلغط بالشرك، فنهاهم الله عن سبها. وعن ابن عباس: لما نزل: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنزلت الآية فى الأنعام لذلك، أى نزلت فى جملة الأنعام لذلك بمرة، ولا بترك القرآن لأجل سبهم، ولكن إذا كانت قراءته بحضرتهم سبباً لسب الله لم يقرأ بحضرتهم إلا الإبلاغ والإنذار والنهى، وقيل: إذا لم ترد بقراءته سبها قرأته بحضرتهم ولا بأس، ولو صرح بالسب، وقيل: لا تقيسوا على ما ورد من السب فى القرآن، فتسبوا من عندكم، وأما ما فى القرآن فيقرأ ولو سباً ككونها حصب جهنم، ولا تضر ولا تنفع. قال السدى: لما حضرت الوفاة أبا طالب قالت قريش: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فلنأمره أن ينهى ابن أخيه عن سب آلهتنا، فإنا نستحى أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان عمه يمنعه، ولما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبى ابنا خلف، وعتبة بن أبى معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن أبى البحترى إلى أبى طالب فقالوا: حديث : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا وندعه وإلهه، فدعاه فجاء صلى الله عليه وسلم وقال له أبو طالب: إن هؤلاء قومك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يريدون؟" قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، فقال له أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم إن أعطيتكم هذا فهل أنتم معطى كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم، وأدت لكم الخراج؟" فقال أبو جهل: نعم وأبيك ولنعطيكها وعشرة أمثالها فما هى؟ فقال: "قولوا لا إله إلا الله" فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخى، فقال: "يا عمى ما أنا بالذى يقول غيرها ولو أتونى بالشمس فوضعوها فى يدى ما قلت غيرها" فقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا ولنشتمنك ونشتم من يأمرك فنزلت الآية . تفسير : وهذه الرواية ليست نصاً فى أنهم يسبون الله لسب المؤمنين آلهتهم، بل قالوا: نسب من يأمرك، فلعلهم أرادوا جبريل، فسمى الله سبه سباً لله تعالى، لأنه كفر بكلامه، وقد فسر بعضهم قوله: {بغير علم} بأنهم يسبون الله ولا يعلمون أنهم يسبونه، ويظنون أنهم يسبون غيره وأنه ليس سباً إلا أن قولهم دع آلهتنا وندع إلهك يدل أنهم يسبون الله وبه قال قتادة وهو ظاهر القرآن وهو الصحيح، وهو قول ابن عباس، ونسخ قبل النهى عن سبها بآية السيف. {كذلك زيَّنا لكلِّ أمةٍ عَملهُم} كما زينا للمشركين سب الله، وزينا لكل أمة كافرة عملهم القبيح من شرك ومعاصٍ، وهذا أنسب بما قبله فى كون التزيين تزيين المعصية للكافرين، ويجوز أن يراد بالتزيين تزيين الطاعة لأهلها، أو المعصية لأهلها، وبكل أمة أمم الكفر وأمم الإيمان، ومعنى تزيين الله المعصية خلق الميل إليها، فيميل إليها الإنسان باختياره، كما خلق الشيطان فاتبعه من اتبعه، وكما خلق الإسكار فى الخمر فشربها من شربها، ولا يعد ذلك إجباراً من الله تعالى ولا ظلماً، وكما خلق سائر ما يعصى به فعصى به. وإن شئت فقل: تزيين الله المعصية ترك التوفيق، وإن شئت فقل: تزيينها الخذلان، وإن شئت فقل: خلق ما يحملهم عليها، فذلك كله سواء صحيح عند الأشاعرة فى إطلاق التزيين على الله بذلك المعنى، قال فى السؤالات: لا يقال زين الله الكفر للكافرين، قال: ومعنى قوله: {أية : زينا لهم أعمالهم} تفسير : جعلنا لهم من يزين أعمالهم، وهذا كما قالت المعتزلة: تزيين القبيح قبيح، فأجابوا بأن المعنى خليناهم وشأنهم ولم نجبرهم إجباراً على تركه فحسن عنده سواء علمهم، فسمى ترك إجبارهم عن المعصية تزييناً لها، لأنه لولاه لم يعصوا، ولو قالوا معناه خليناهم وشأنهم ولم نوفقهم لوافقونا، وأجابوا أيضا بأن المعنى أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، فسمى إمهال الشيطان تزييناً إذ كان تزيينهم به، وأجابوا أيضا بأن المعنى زينا لكل أمة عملهم فى زعمهم إذ كانوا يقولون: إن الله أمرنا بهذه المعصية كما قال فيهم:{أية : والله أمرنا بها} تفسير : وهذا لو كان وارداً على سبيل الحكاية فى الكلام لكنه بعيد. {ثمَّ إلى ربِّهم مَرْجعُهم} بالبعث {فيُنبِّئهم} يخبرهم إخبار محاسبة وجزاء {بما كانُوا يعْملُون} من الشر، على أن المراد بالأمم أمم الكفر، ومن الشر والخير على إرادة العموم.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّوا} أَيها المؤمنون {الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} الأَصنام الذين يعبدونهم، وواو يدعون للمشركين ورابط الموصول مفعول به محذوف، أَى يدعونهم، وهذه الهاء عائدة إِلى الذين الواقع على الأَصنام، وذكرهم بلفظ العاقل وهو الذين لأن المشركين يعظمون الأَصنام أَو تغليباً للعقلاء منهم كالملائكة وعيسى وعزير، وكأنها عندهم عقلاء كان النبى والمؤمنون يسبونها بما فيها من القبائح، فقال المشركون: لتنتهين عن سب آلهتنا أَو لنهجون إِلهكم فنزلت الآية لئلا يسبوا الله {فَيَسُبُّوا اللهَ} لشدة غضبهم مع اعترافهم بالله سبحانه وتعالى، كما تحمل الموجد شدة الغضب على التكلم بموجب كفره، أَو يسبوا الله بما فيه بعض خفاء مثل أَن يسبوا من يأمر سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بما يقوله لهم، والنصب فى جواب النهى، أَو هو مجزوم عطفا على المجزوم، أَى فلا يسبوا، من نهى الغائب على ظاهره، أَو على معنى النهى عن السب لسبهم الله، فيكون تأْكيداً لقوله ولا تسبوا كقولك لا تكن هنا ولا أَراك هنا، نهيته عن الكون هنا، وعن لازم الكون هنا، وفى هذا تكلف، أَى لا تسبوا الله ولو سب محمد وأَصحابه آلهتكم. وقدر بعض فيسبوا رسول الله، أَو المعنى أَن سبه صلى الله عليه وسلم سب لله عز وجل كقوله تعالى "أية : إِن الذين يبايعونك" تفسير : [الفتح: 10] الآية {عَدْواً} أَى سباً فهو مفعول مطلق، وكذا إِن ضمن معنى يسب مجاوزه الحد، أَو المعنى يسبون الله لأَجل العدو، أَو حال كونهم ذوى عدو، أَو معادين، وعلى أَنه حال تكون مؤكدة كما فى قوله تعالى {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بلا علم بما يجب ذكره فى حق الله تعالى، أَو سفها منهم مع علمهم بحرمة سبه تعالى، فإِن السفه جهل ولو مع العلم. احتضر أَبو طالب فقال أَبو سفيان وأَبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأُبى ابنا خلف وعقبة بن أَبى معيط وعمرو بن العاص والأَسود بن أَبى البخترى: أَنت سيدنا انْه محمداً عن سب آلهتنا كما لا نسب إِلهه فإِنا نخاف قتله بعدك، فيقال: قتلوه بعد موت عمه، فأَرسل إِليه فجاءَه صلى الله عيه وسلم، فأَخبره بما قالوا، وقال له: إِن هؤلاء بنو عمك قد أَنصفوك، فقال: أَرأَيتم إِن تركت سبها فهل تعطوننى كلمة تملكون بها العرب وتؤدى لكم العجم الخراج، فأَبوا فقال أَبو طالب: يا ابن أَخى قل غير هذا. فقال: لا، ولو وضعوا الشمس فى يدى. فقالوا: إِلا تنته سببنا إِلهك معك. فنزلت. وليست منسوخة بآية القتال كما قال الزجاج وابن الأَنبارى، بل نهوا عن سبها حيث ينسب لسب الله سبحانه، فحين لا يسبونه لسبها سبت كما يسبها المسلمون فيما بينهم وبحضرة من لا يسبه قبل القتال أَو بعده، وسبها طاعة، لكن إِن أَدى إِلى معصية راجحة لا يمكن دفعها نهوا عنه. وذلك قاعدة كلية لهذه الآية، ولا يشكل عليها أَنا إِذا قتلناهم قتلونا ولا نترك القتل كما لا يترك صلى الله عليه وسلم التبليغ، لأَن القتال أَو التبليغ فرض فلا يتركان لما يؤديان إِليه، وسبها لم يجب فيترك كما تترك الإِجابة إِلى الطعام المسنونة لمعصية عنده، ولذلك ترك ابن سيرين حضور جنازة فيها نساء، وقد وجد من يؤدى فرضها، وخالفه الحسن ولو لم يوجد لحضرها، ومذهب الحسن أَنه لا تترك طاعة ولو نفلا لمقارنة بدعة، بل ينهى عنها، وإِلا صبر عليها، وكذا مباح مطلوب ولو لم يضطر إِليه عند بعض الإِمام المقتدى به فإِنه يتحرز ما وجد، ومن قطع يد قاطع قصاصاً فأَدى إِلى الموت لم يضمن خلافاً لأَبى حنيفة فإِنه يضمنه لأَن له العفو وله أَخذ دية اليد، فلم يجب القصاص بخلاف الإِمام إِذا قطع يد السارق لا يضمنه إِن مات، لأَن القطع فرض عليه، ووصف الآلهة بأَنها لا تضر ولا تنفع استدلالا يكفى فى القدح فلا حاجة إِلى شتمها ولله ما لا يكون لغيره، ولذلك سبها بأَنها حصب جهنم والواجب تبليغ هذا السب مرة لكل من جهله {كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} فعملوه، أَى كما زينا لكفار قريش وغيرهم عبادة غير الله وسائر معاصيهم زينا لكل أُمة من الكفار قبلهم عملهم القبيح من شرك وما دونه، وليست الإِشارة إِلى سبهم الله لأَنه ليس فى الآية أَنهم سبوه بل فيها لا تسبوه آلهتهم لئلا يسبوه، وإِنما فسرت الآية بالكفار وعملهم لا بما يعمهم ويعم المؤمنين، كما فسر بعض بالعموم؛ لأَن ما قيل هذا فى الكفار، وكذا ما بعده، وهو قوله وأَقسموا، ولأَن الوارد فى القرآن تزيين الضلال لا تزيين الهدى فهو أَولى من تفسيرها بالخير والشر والإِيمان والكفر ولو كان أَنسب باطلاق العموم، وتزيين الله الخير توفيقه، وهو معنى يعطيه الله المؤمن يحول بينه وبين الإِصرار، وتزيينه الشر الخذلان، تقول ذلك ونسلم الأَمر إِلى الله لا يسأَل عما يفعل، ولا نقول بالإِجبار، ويمتنع أَن يصدر من العبد فعل أَو قول أَو اعتقاد أَو خطور ببال أَو سكون إِلا بالله خالقاً له، وفسر بعضهم بأَنه خلاهم وشأْنهم فحسن عندهم الشر، أَما التخلية بمعنى الخذلان فلا تخرج عن المذهب، وأَما التخلية بمعنى وقوع الشئ بلا خلق من الله فلا تجوز وإِنما هى اعتزالية، ولذا أَولوا الآية على أُصول مذهبهم بأَنه أَمهل الشيطان حتى زين لهم، أَو بَأنه زينا فى زعمهم أَن الله زين لنا الشرك وأَمرنا به، وقالوا: تزيين القبيح والله متعال عنه، وأَنت خبير بأَن المراد بالتزيين غير ما توهوا وقد وقعوا فيما فروا عنه، إِذ قالوا: أَمهل الشيطان إِلخ فانه عين ما فروا عنه {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ} رجوعهم للجزاء فى الآخرة، والعطف على الفعلية قبله أَو على محذوف، أَى فعملوه ثم إِلى ربهم مرجعهم {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يجازيهم.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا تشتموهم ولا تذكروهم / بالقبيح، والمراد من الموصول إما المشركون على معنى لا تسبوهم من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا تباً لكم ولما تعبدونه مثلاً أو آلهتهم فالآية صريحة في النهي عن سبها. والعائد حينئذ مقدر أي الذين تدعونهم. والتعبير عنها بالذين مبني على زعمهم أنها من أهل العلم أو على تغليب العقلاء منها كالملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام. وقيل: إن سب الآلهة سب لهم كما يقال ضرب الدابة صفع لراكبها. {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً } تجاوزاً عن الحق إلى الباطل، ونصبه على أنه حال مؤكدة. وجوز أبو البقاء أن يكون على أنه مفعول له، وأن يكون على المصدرية من غير لفظ الفعل، و {يسبوا} منصوب على جواب النهي، وقيل: مجزوم على العطف كقولهم: لا تمددها فتشققها. ومعنى سبهم لله عز وجل إفضاء كلامهم إليه كشتمهم له صلى الله عليه وسلم ولمن يأمره، وقد فسر {بِغَيْرِ عِلْمٍ} بذلك أي فيسبوا الله تعالى بغير علم أنهم يسبونه وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله تعالى وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده سبحانه فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له عز اسمه صريحاً ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك ألا ترى أن المسلم قد تحمله شدة غيظه على التكلم بالكفر. ومما شاهدناه أن بعض جهلة العوام أكثرَ الرافضة سب الشيخين رضي الله تعالى عنهما عنده فغاظه ذلك جداً فسب علياً كرم الله تعالى وجهه فسئل عن ذلك فقال: ما أردت إلا إغاظتهم ولم أر شيئاً يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم. وقال الراغب: إن سبهم لله تعالى ليس [على] أنهم يسبونه جل شأنه صريحاً ولكن يخوضون في ذكره تعالى [فيذكرونه بما لا يليق به] ويتمادون في ذلك بالمجادلة ويزدادون في ذكره سبحانه بما ينزه تقدس اسمه عنه، ـ وقد يجعل الإصرار على الكفر والعناد سباً وهو سب فعلي، ـ قال الشاعر: شعر : وما كان ذنب بني مالك بأن سب منهم غلام فسب بأبيض ذي شطب قاطع يقد العظام ويبري القصب تفسير : ونبه به على ما قال الآخر: شعر : ونشتم بالأفعال لا بالتكلم تفسير : وقيل: المراد بسب الله تعالى سب الرسول صلى الله عليه وسلم ونظير ذلك من وجه قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] الآية. وقرأ يعقوب {عَدُوّاً} يقال: عدا فلان يعدو عدواً وعدواً [وعداء] وعدواناً. أخرج ابن أبـي حاتم عن السدي قال: حديث : لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبـي ابنا خلف وعقبة بن أبـي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البحتري إلى أبـي طالب فقالوا أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعنه وإلٰهه فدعاه فجاء النبـي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا تريدون؟ قالوا نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلٰهك فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟ قال أبو جهل نعم لنعطينكها وأبيك وعشر أمثالها فما هي؟ قال قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها فقال صلى الله عليه وسلم: (يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها) فقالوا لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله تعالى هذه الآية. تفسير : / وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: قالوا يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم، وفي رواية عنه أنهم قالوا ذلك عند نزول قوله تعالى: { أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] نزلت {وَلاَ تَسُبُّواْ } الخ، واستشكل ذلك بأن وصف آلهتهم بأنها حصب جهنم وبأنها لا تضر ولا تنفع سب لها فكيف نهى عنه بما هنا؟ وأجيب بأنهم إذا قصدوا بالتلاوة سبهم وغيظهم يستقيم النهي عنها ولا بدع في ذلك كما ينهى عن التلاوة في المواضع المكروهة. وقال في «الكشف» المعنى على هذه الرواية لا يقع السب منكم بناء على ما ورد في الآية فيصير سباً لسبهم. وقيل: ما في الآية لا يعد سباً لأنه ذكر المساوي لمجرد التحقير والإهانة وما فيها إنما ورد للاستدلال على عدم صلوحها للألوهية والمعبودية وفيه تأمل، وقريب منه ما قيل: إن النهي في الحقيقة إنما هو عن العدول عن الدعوة إلى السب كأنه قيل: لا تخرجوا من دعوة الكفار ومحاجتهم إلى أن تسبوا ما يعبدونه من دون الله تعالى فإن ذلك ليس من الحجاج في شيء ويجر إلى سب الله عز وجل. واستدل بالآية على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر وهذا بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها وكثيراً ما يشتبهان- ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء وخالفه الحسن قائلاً: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا- للفرق بينهما.ونقل الشهاب عن المقدسي في«الرمز» أن الصحيح عند فقهائنا أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع وإلا صبر، وهذا إذا لم يقتد به وإلا لا يقعد لأن فيه شين الدين. وما روي عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه ابتلي به كان قبل صيرورته إماماً يقتدي به. ونقل عن أبـي منصور أنه قال: كيف نهانا الله تعالى عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه وقد أمرنا بقتالهم وإذا قاتلناهم قتلونا وقتل المؤمن بغير حق منكر، وكذا أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كانوا يكذبونه، وأنه أجاب بأن سب الآلهة مباح غير مفروض وقتالهم فرض، وكذا التبليغ وما كان مباحاً ينهى عما يتولد منه ويحدث وما كان فرضاً لا ينهى عما يتولد منه؛ وعلى هذا يقع الفرق لأبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه فيمن قطع يد قاطع قصاصاً فمات منه فإنه يضمن الدية لأن استيفاء حقه مباح فأخذ بالمتولد منه، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن لأنه فرض عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه اهـ. ومن هنا لا تحمل الطاعة فيما تقدم على إطلاقها. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك التزيين القوي {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم {عَمَلَهُمْ } من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقاً أو تخذيلاً. وجوز أن يراد بكل أمة أمم الكفرة إذ الكلام فيهم وبعملهم شرهم وفسادهم، والمشبه به تزيين سب الله تعالى شأنه لهم. واستدل بالآية على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر كما زين للمؤمن الإيمان. وأنكر ذلك المعتزلة وزين لهم الشيطان أعمالهم فتأولوا الآية بما لا يخفى ضعفه {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّهِمْ } مالك أمرهم {مَرْجِعُهُمْ } أي رجوعهم ومصيرهم بالبعث بعد الموت {فَيُنَبِّئُهُمْ} من غير تأخير {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا على الاستمرار من خير أو شر، وذلك بالثواب على الأول والعقاب على الثاني، فالجملة للوعد والوعيد. / وفسر بعضهم ما بالسيئات المزينة لهم وقال «إن هذا وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما فعلت».

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : وأعرض عن المشركين}تفسير : [الأنعام: 106] يزيد معنى الإعراض المأمور به بياناً، ويحقّق ما قلناه أن ليس المقصود من الإعراض ترك الدّعوة بل المقصود الإغضاء عن سبابهم وبذيء أقوالهم مع الدّوام على متابعة الدّعوة بالقرآن، فإنّ النّهي عن سبّ أصنامهم يؤذن بالاسترسال على دعوتهم وإبطال معتقداتهم مع تجنّب المسلمين سبّ ما يدعونهم من دون الله. والسبّ: كلام يدلّ على تحقير أحد أو نسبته إلى نقيصة أو معرّة، بالباطل أو بالحقّ، وهو مرادف الشّتم. وليس من السبّ النسبةُ إلى خطإ في الرّأي أو العمللِ، ولا النّسبة إلى ضلال في الدّين إن كان صدر من مخالف في الدّين. والمخاطب بهذا النّهي المسلمون لا الرّسول صلى الله عليه وسلم لأنّ الرّسول لم يكن فحّاشاً ولا سبّاباً لأنّ خُلقه العظيم حائل بينه وبين ذلك، ولأنّه يدعوهم بما ينزل عليه من القرآن فإذا شاء الله تركه من وحيه الّذي ينزله، وإنّما كان المسلمون لغيرتهم على الإسلام ربّما تجاوزوا الحدّ ففرطت منهم فرطات سبّوا فيها أصنام المشركين. روى الطّبري عن قتادة قال «كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردّون ذلك عليهم فنهاهم الله أن يستَسبّوا لربّهم». وهذا أصحّ ما روي في سبب نزول هذه الآية وأوفَقُه بنظم الآية. وأمّا ما روى الطّبري عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزل قوله تعالى: {أية : إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم}تفسير : [الأنبياء: 98] قال المشركون: لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا وشتمها لنهجُوَنّ إلهك، فنزلت هذه الآية في ذلك، فهو ضعيف لأنّ عليّ بن أبي طلحة ضعيف وله منكرات ولم يلق ابن عبّاس. ومن البعيد أن يكون ذلك المراد من النّهي في هذه الآية، لأنّ ذلك واقع في القرآن فلا يناسب أن ينهى عنه بلفظ {ولا تسُبّوا} وكان أن يقال: ولا تجهروا بسبّ الّذين يَدْعون من دون الله مثلاً. كما قال في الآية الأخرى {أية : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}تفسير : [الإسراء: 110]. وكذا ما رواه عن السديّ أنّه لمّا قربت وفاة أبي طالب قالت قريش: ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابنَ أخيه عنّا فإنّا نستحيي أن نقتله بعد موته، فانطلق نفر من سادتهم إلى أبي طالب وقالوا: أنت سيّدنا، وخاطبوه بما راموا، فدعا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له: هؤلاء قومك وبنو عمّك يريدون أن تدَعهم وآلهتَهم ويدَعوك وإلَهَك، وقالوا: لتكُفّن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنّك ولنشتمنّ من يأمُرك. ولم يقل السدّي أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية ولكنّه جعله تفسيراً للآية، ويرد عليه ما أوردناه على ما روي عن عليّ بن أبي طلحة. قال الفخر: ههنا إشكالان هما: أنّ النّاس اتَّفقوا على أنّ سورة الأنعام نزلت دفعة واحدة فكيف يصحّ أن يقال: إنّ سبب نزول هذه الآية كذا، وأنّ الكفّار كانوا مقرّين بالله تعالى وكانوا يقولون: عبدنا الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله فكيف يعقل إقدامُ الكفّار على شتم الله تعالى اهــ. وأقول: يدفع الإشكال الأوّل أنّ سبب النّزول ليس يلزم أن يكون مقارناً للنّزول فإنّ السّبب قد يتقدّم زمانه ثمّ يشار إليه في الآية النّازلة فتكون الآية جواباً عن أقوالهم. وقد أجاب الفخر بمثل هذا عند قوله تعالى: {أية : ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة}تفسير : [الأنعام: 111] الآية. ويدفع الإشكال الثّاني أنّ المشركين قالوا لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا لنهجونّ إلهك، ومعناه أنّهم ينكرون أنّ الله هو إلهه ولذلك أنكروا الرّحمٰن {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرّحمٰن قالوا وما الرّحمٰن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا}تفسير : [الفرقان: 60]. فهم ينكرون أنّ الله أمره بذمّ آلهتهم لأنّهم يزعمون أنّ آلهتهم مقرّبون عند الله، وإنّما يزعمون أنّ شيطاناً يأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بسبّ الأصنام، ألا ترى إلى قول امرأة منهم لمّا فتَر الوحي في ابتداء البعثة: ما أرى شيطانه إلاّ ودّعه، وكان ذلك سبب نزول سورة الضّحى. وجواب الفخر عنه «بأنّ بعضهم كان لا يثبت وجود الله وهم الدهريون»، أو أنّ المراد أنّهم يشتمون الرّسول عليه الصّلاة والسّلام فأجرى الله شتم الرّسول مجرى شتم الله كما في قوله تعالى: {أية : إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله}تفسير : [الفتح: 10] اهـــ. فإنّ في هذا التّأويل بُعداً لا داعي إليه. والوجه في تفسير الآية أنّه ليس المراد بالسبّ المنهي عنه فيها ما جاء في القرآن من إثبات نقائص آلهتهم ممّا يدلّ على انتفاء إلهيتها، كقوله تعالى: {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضلّ}تفسير : في سورة الأعراف (179). وأمّا ما عداه من نحو قوله تعالى: {أية : ألهم أرجل يمشون بها} تفسير : [الأعراف: 195] فليس من الشّتم ولا من السبّ لأنّ ذلك من طريق الاحتجاج وليس تصدّياً للشّتم، فالمراد في الآية ما يصدر من بعض المسلمين من كلمات الذمّ والتّعبير لآلهة المشركين، كما روي في «السيرة» أنّ عُروة بن مسعود الثّقفي جاء رسولاً من أهل مكّة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ الحديبيّة فكان من جملة ما قاله: «حديث : وأيم الله لكأنّي بهؤلاء (يعني المسلمين) قد انكشفوا عنك»تفسير : ، وكان أبو بكر الصدّيق حاضراً، فقال له أبو بكر «امصُصْ بَظْر اللاّت» إلى آخر الخبر. ووجه النّهي عن سبّ أصنامهم هو أنّ السبّ لا تترتَّب عليه مصلحة دينيّة لأنّ المقصود من الدّعوة هو الاستدلال على إبطال الشّرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الّذي يتميّز به الحقّ عن الباطل، وينهض به المحقُّ ولا يستطيعه المبطل، فأمّا السبّ فإنّه مقدور للمحقّ وللمبطل فيظهر بمظهر التّساوي بينهما. وربّما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحقّ، فيلوح للنّاس أنّه تغلّب على المحقّ. على أنّ سبّ آلهتهم لمّا كان يُحمي غيظهم ويزيد تصلّبهم قد عادَ مُنافياً لمراد الله من الدّعوة، فقد قال لرسوله ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ «وجادلهم بالّتي هي أحسن»، وقال لموسى وهارون ـــ عليهما السّلام ـــ «فقولا له قولاً ليّناً»، فصار السبّ عائقاً من المقصود من البعثة، فتمحّض هذا السبّ للمفسدة ولم يكن مشوباً بمصلحة. وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة لأنّ تغيير المنكر مصلحة بالذّات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعَرض. وذلك مَجال تتردّد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوّة وضعفاً، وتحقّقاً واحتمالاً. وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلّها. وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ. قال القرطبي: قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمّة على كلّ حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أنّه إنْ سبّ المسلمون أصنامه أو أمور شريعَته أن يَسُبّ هو الإسلام أو النّبيء ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ أو اللّهَ عزّ وجلّ لم يحلّ للمسلم أن يسبّ صُلبانهم ولا كنائسهم لأنّه بمنزلة البعث على المعصيّة اهـــ، أي على زيادة الكفر. وليس من السبّ إبطال ما يخالف الإسلام من عقائدهم في مقام المجادلة ولكنّ السبّ أن نباشرهم في غير مقام المناظرة بذلك، ونظير هذا ما قاله علماؤنا فيما يصدر من أهل الذّمة من سبّ الله تعالى أو سبّ النّبيء صلى الله عليه وسلم بأنّهم إن صدر منهم ما هو من أصول كفرهم فلا يعدّ سَبّاً وإن تجاوزوا ذلك عدّ سبّاً، ويعبّر عنها الفقهاء بقولهم: «مَا به كَفر وغير ما به كفر». وقد احتجّ علماؤنا بهذه الآية على إثبات أصل من أصول الفقه عند المالكيّة، وهو الملقّب بمسألة سَدّ الذّرائع. قال ابن العربي: «منع الله في كتابه أحداً أن يفعل فعلاً جائزاً يؤدّي إلى محظور ولأجل هذا تعلّق علماؤنا بهذه الآية في سدّ الذّرائع وهو كلّ عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصّل به إلى محظور». وقال في تفسير سورة الأعراف (163) عند قوله تعالى: {أية : واسْألهم عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر إذْ يعدون في السّبت}تفسير : قال علماؤنا: هذه الآية أصل من أصول إثبات الذّرائع الّتي انفرد بها مالك رضي الله عنه وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته وخفيت على الشّافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما مع تبحّرهما في الشّريعة، وهو كلّ عمل ظاهر الجواز يتوصّل به إلى محظور اه. وفَسَّر المازري في باب بيوع الآجال من شرحه للتّلقين سَدّ الذّريعة بأنّه منع ما يجوز لئلاّ يتَطرّق به إلى ما لا يجوز اهـــ. والمراد: سدّ ذرائع الفساد، كما أفصح عنه القرافي في «تنقيح الفصول» وفي «الفرق الثّامن والخمسين» فقال: الذّريعة: الوسيلة إلى الشّيء. ومعنى سدّ الذّرائع حسم مادّة وسائل الفساد. وأجمعت الأمّة على أنّ الذّرائع ثلاثة أقسام: أحدها: معتبر إجماعاً كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاءِ السمّ في أطعمتهم وسبّ الأصنام عند من يُعلم من حاله أنّه يسبّ الله تعالى حينئذٍ. وثانيها: مُلغًى إجماعاً كزراعة العنب فإنّها لا تمنع لخشيَة الخمر، وكالشركة في سكنى الدّور خشية الزّنا. وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، فاعتبر مالك ـــ رضي الله عنه ـــ الذّريعة فيها وخالفه غيره اهـــ. وعَنَى بالمخالف الشّافعي وأبا حنيفة ـــ رضي الله عنهما ـــ. وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصّة بوسائل حصول المفسدة. ولا يختلف الفقهاء في اعتبار معنى سدّ الذّرائع في القسم الّذي حكى القرافي الإجماع على اعتبار سدّ الذّريعة فيه. وليس لهذه القاعدة عنوان في أصول الحنفيّة والشّافعيّة، ولا تعرّضوا لها بإثبات ولا نفي، ولم يذكرها الغزالي في «المستصفى» في عداد الأصول الموهومة في خاتمة القطب الثّاني في أدلّة الأحكام. و{عَدْواً} ـــ بفتح العين وسكون الدّال وتخفيف الواو ـــ في قراءة الجمهور، وهو مصدر بمعنى العدوان والظلم، وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لــ«يسبّوا» لأنّ العدو هنا صفة للسبّ، فصحّ أن يحلّ محلّه في المفعوليّة المطلقة بياناً لنوعه. وقرأ يعقوب {عُدُوّاً} ـــ بضمّ العين والدّال وتشديد الواو ـــ وهو مصدر كالعَدْو. ووصفُ سبِّهم بأنّه عَدْو تعريض بأنّ سبّ المسلمين أصنامَ المشركين ليس من الاعتداء، وجعل ذلك السبّ عدواً سواء كان مراداً به الله أم كان مراداً به من يأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به لأنّ الّذي أمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به هو في نفس الأمر اللّهُ تعالى فصادفوا الاعتداء على جلاله. وقوله: {بغير علم} حال من ضمير {يسبّوا}، أي عن جهالة، فهم لجهلهم بالله لا يزعهم وازع عن سبّه، ويسبّونه غير عالمين بأنّهم يسبّون الله لأنّهم يسبّون مَن أمر محمّداً صلى الله عليه وسلم بما جاء به فيصادف سبّهم سبّ الله تعالى لأنّه الّذي أمره بما جاء به. ويجوز أن يكون {بغير علم} صفة لــ {عَدْواً} كاشفة، لأنّ ذلك العدو لا يكون إلاّ عن غير علم بعظم الجرم الّذي اقترفوه، أو عن علم بذلك لكن حالة إقدامهم عليه تشبه حالة عدم العلم بوخامة عاقبته. وقوله: {كذلك زيّنّا لكلّ أمّة عمَلهم} معناه كتزييننا لهؤلاء سُوءِ عملهم زَيَّنَّا لكلّ أمّة عملهم، فالمشار إليه هو ما حكاه الله عنهم بقوله: {أية : وجعلوا لله شركاء الجنّ} تفسير : [الأنعام: 100] إلى قوله {فيسبّوا الله عدواً بغير علم} [الأنعام: 108]. فإنّ اجتراءهم على هذه الجرائم وعماهم عن النّظر في سوء عواقبها نشأ عن تزيينها في نفوسهم وحسبانهم أنّها طرائق نفع لهم ونجاة وفوز في الدّنيا بعناية أصنامهم. فعلى هذه السنّة وبمماثل هذا التّزيين زيّن الله أعمال الأمم الخالية مع الرّسل الّذين بُعثوا فيهم فكانوا يُشاكسونهم ويعصون نصحهم ويجترئون على ربّهم الّذي بعثهم إليهم، فلمّا شبّه بالمشار إليه تزيينا عَلِم السّامع أنّ ما وقعت إليه الإشارة هو من قبيل التّزيين. وقد جرى اسم الإشارة هنا على غير الطّريقة الّتي في قوله: {أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطا}تفسير : [البقرة: 143] ونظائره، لأنّ ما بعده يتعلّق بأحوال غير المتحدّث عنهم بل بأحوال أعمّ من أحوالهم. وفي هذا الكلام تعريض بالتوعّد بأن سيحلّ بمشركي العرب من العذاب مثلُ ما حلّ بأولئك في الدّنيا. وحقيقة تزيين الله لهم ذلك أنّه خلَقهم بعقول يَحْسُن لديها مثلُ ذلك الفعل، على نحو ما تقدّم في قوله تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} [الأنعام: 108]. وذلك هو القانون في نظائره. والتّزيين تفعيل من الزّيْن، وهو الحُسن؛ أو من الزّينة، وهي ما يتحسّن به الشّيء. فالتّزيين جعل الشّيء ذا زينة أو إظهاره زيْناً أو نسبته إلى الزّين. وهو هنا بمعنى إظهاره في صورة الزّين وإن لم يكن كذلك، فالتّفعيل فيه للنّسبة مثل التّفسيق. وفي قوله: {أية : ولكنّ الله حبَّب إليكم الإيمان وَزَيَّنه في قلوبكم}تفسير : [الحجرات: 7] بمعنى جعله زيناً، فالتّفعيل للجعل لأنّه حَسَن في ذاته. ولما في قوله: {كذلك زيّنّا لكلّ أمّة عملهم} من التّعريض بالوعيد بعذاب الأمم عقّب الكلام بــ {ثُمّ} المفيدة التّرتيب الرتبي في قوله: {ثمّ إلى ربّهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون}، لأنّ ما تضمّنته الجملة المعطوفة بــ {ثُمّ} أعظم ممّا تضمّنته المعطوفُ عليها، لأنّ الوعيد الّذي عُطفت جملته بــ {ثمّ} أشدّ وأنكى فإنّ عذاب الدّنيا زائل غير مؤيّد. والمعنى أعظم من ذلك أنّهم إلى الله مرجعهم فيحاسبهم. والعدول عن اسم الجلالة إلى لفظ {ربّهم} لقصد تهويل الوعيد وتعليل استحقاقه بأنّهم يرجعون إلى مالكهم الذي خلقهم فكفروا نعمه وأشركوا به فكانوا كالعبيد الآبقين يطوِّفون ما يطوفوّن ثمّ يقعون في يد مالكهم. والإنباء: الإعلام، وهو توقيفهم على سوء أعمالهم. وقد استعمل هنا في لازم معناه، وهو التّوبيخ والعقاب، لأنّ العقاب هو العاقبة المقصودة من إعلام المجرم بجرمه. والفاء للتّفريع عن المَرْجِع مؤذنة بسرعة العقاب إثر الرّجوع إليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولا تسبوا: ولا تشتموا آلهة المشركين حتى لا يسبوا الله تعالى. عدواً: ظلماً. زينا لكل أمة عملهم: حسناه لهم خيراً كان أو شراً حتى فعلوه. جهد أيمانهم: أي غاية اجتهادهم في حلفهم بالله. آية: معجزة كإحياء الموتى ونحوها. وما يشعركم: وما يدريكم. ونذرهم: نتركهم. يعمهون: حيارى يترددون. معنى الآيات: عندما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح يصدع بالدعوة جهراً بعدما كانت سراً أخذ بعض أصحابه يسبون أوثان المشركين، فغضب لذلك المشركون وأخذوا يسبون الله تعالى إله المؤمنين وربهم فنهاهم تعالى عن ذلك أي عن سب آلهة المشركين بقوله: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا تسبوا آلهتهم {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً} أي ظلماً واعتداء بغير علم، إذ لو علموا جلال الله وكماله لما سبوه، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} بيان منه تعالى لسنته في خلقه وهي أن المرء إذا أحب شيئاً ورغب فيه وواصل ذلك الحب وتلك الرغبة يصبح زيناً له ولو كان في الواقع شيناً. ويراه حسناً وإن كان في حقيقة الأمر قبيحاً، ومن هنا كان دفاع المشركين عن آلهتهم الباطلة من هذا الباب فلذا لم يرضوا أن تسب لهم وهددوا الرسول والمؤمنين بأنهم لو سبوا آلهتهم لسبوا لهم إلههم وهو الله تعالى، وقوله تعالى {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يخبر تعالى أن مرجع الناس المزين لهم أعمالهم خيرها وشرها ورجوعهم بعد نهاية حياتهم إلى الله ربهم فيخبرهم بأعمالهم ويطلعهم عليها ويجزيهم بها الخير بالخير والشر بالشر. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [108] وأما الآيتان الثانية [109] والثالثة [110] فقد أخبر تعالى أن المشركين أقسموا بالله أبلغ أيمانهم وأقصاها أنهم إذا جاءتهم آية كتحويل جبل الصفا إلى ذهب آمنوا عن آخرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته واتبعوه على دينه الذي جاء به، قال هذا رؤساء المشركين، والله يعلم أنهم إذا جاءتهم الآية لا يؤمنون، فأمر رسوله أن يرد عليهم قائلا: {إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} هو الذي يأتي بها إن شاء أما أنا فلا أملك ذلك. إلا أن المؤمنين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رغبوا في مجيء الآية حتى يؤمن المشركون وينتهي الصراع الدائر بين الفريقين فقال تعالى لهم: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أيها المؤمنون {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي وما يدريكم أن الآية لو جاءت لا يؤمن بها المشركون؟ وبين علة عدم إيمانهم فقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} فلا تعي ولا تفهم {وَأَبْصَٰرَهُمْ} فلا ترى ولا تبصر. فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة لما دعوا إلى الإِيمان به {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ونتركهم في شركهم وظلمهم حيارى يترددون لا يعرفون الحق من الباطل ولا الهداية من الضلال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة قول أو فعل ما يتسبب عنه سب الله ورسوله. 2- بيان سنة الله في تزيين الأعمال لأصحابها خيراً كانت أو شراً. 3- بيان أن الهداية بيد الله تعالى وأن المعجزات قد لا يؤمن عليها من شاهدها.

القطان

تفسير : عدْواً: ظلما. بعد أن أمر الله تعالى رسوله الكريم بتبليغ وحيه قولاً وعملاً، وبالإعراض عن المشركين، وبيّن له أن سنة الله في البشر ان لا يتفقوا على دين واحد، لاختلاف استعدادهم وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر- وجّه الحديث هنا الى المؤمنين طالباً منهم أن يقابلوا المشركين والمخالفين بأدب، فلا يسبّوا آلهتهم مخافة ان يحملوا المشركين على سبّ الله سبحانه. فقال: لا تسبوا أيها المؤمنون، أصنام المشركين التي يعبدونها من دون الله، فيحملهم الغضب لها على أن يسبّوا الله تعدّياً وسفَهاً، كذلك زينّا لكل أمة عملَهم، كفراً وايماناً، حسب استعدادهم، ثم يرجع الجميع إلينا يوم القيامة ونجازيهم على أعمالهم بما يستحقون. قراءات: قرأيعقوب "عُدُوّاً" بضم العين والدال وتشديد الواو، والباقون "عدوا" بفتح العين وسكون الدال. والمعنى واحد.

د. أسعد حومد

تفسير : (108) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ عَنْ سَبِّ الآلِهَةِ التِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكُونَ، لِكَيْلا يَقُومَ هؤلاءِ بِسَبِّ اللهِ، الذِي يَعْبُدُهُ المُؤْمِنُونَ، عَدْواً وَتَجَاوُزاً مِنْهُمْ لِلْحَدِّ فِي السِّبَابِ وَالمُشَاتَمَةِ، لِيَغِيظُوا المُؤْمِنِينَ، وَهُمْ جَاهِلُونَ بِاللهِ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ تَعَالَى مِنَ التَّقْدِيسِ وَالإِجْلاَلِ وَالاحْتِرَامِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِي عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ. فَنَهَى اللهُ المُؤْمِنينَ عَنْ أَنْ يَسُبّوا أَوْثَانَ المُشْرِكِينَ لِكَيْلا يَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيرِ عِلْمٍ). وَكَمَا زُيِّنَ لِهَؤُلاَءِ الكُفَّارِ حُبُّ أَصْنَامِهِمْ، وَالمُحَامَاةُ عَنْهَا، وَالانْتِصَارُ لَهَا، كَذَلِكَ، زُيِّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الضَّالَّةِ الخَالِيَةِ عَمَلُهُمُ الذِي كَانُوا فِيهِ، وللهِ الحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالحُجَّةُ البَالِغَةُ فِيمَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيهِ تَعَالَى فَيُنَبِئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فِي حَيَاتِهِم الدُّنْيا، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيهِ الجَزَاءَ الأَوْفَى إِنْ خَيْراً فَخَيراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً. عَدْواً - اعْتِدَاءً وَظُلْماً وَتَجَاوُزاً.

الثعلبي

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98]. قال المشركون: يا محمد لتنتهينّ عن سبّ الهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم اللّه تعالى أن يسبوا أوثانهم. قال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم اللّه عن ذلك كيلا يسبوا اللّه فإنهم قوم جهلة. وقال السدي: حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة، قالت قريش: إنطلقوا فلندخل على هذا الرجل ولنأمرنّه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فيقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحرث، وأمية وأبي بن أخلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البحتري، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمداً قد آذانا وآذى الهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر الهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك". قال: قد أنصف قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم". قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشراً أمثالها فما هي؟ قال: قولوا: لا إله إلاّ اللّه، فأبوا واشمأزّوا. وقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: "يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها". فقالوا: لتكفّنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمن من يأمرك. فأنزل اللّه تعالى {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأوثان {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً} . تفسير : وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب: عدواً بضم العين والدال وتشديد الواو أي أعداء الله. "حديث : {بِغَيْرِ عِلْمٍ} فلما نزلت هذه الآية، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابهلا تسبوا ربهم" فأمسك المسلمون عن سبّ آلهتهم . تفسير : {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} يعني كما زيّنا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، الحرمان والخذلان كذلك زيّنا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ} يخبرهم ويجازيهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. قال محمد بن كعب القرضي والكلبي: حديث : قالت قريش: يا محمد تخبرنا بأن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "أي شيء تحبون أن آتيكم به؟". قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلاً. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "لئن فعلت بعض ما تقولون تصدقوني" قالوا: نعم واللّه لئن فعلت نتبعك أجمعين. وسأل المسلمون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يدعو اللّه أن يجعل الصفا ذهباً، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال له: إن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم فإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "بل يتوب تائبهم" فأنزل اللّه تعالى {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} تفسير : يعني أوكد ما قدروا عليه من الايمان وحدها. قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل باللّه سبحانه فهو جهد بيمينه. {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} كما جاء من قبلهم من أمم {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ} يا محمد {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} وهو القادر على إتيانها دوني ودون كل من خلقه. ثم قال {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} وما يدريكم فحذف المفعول وما أدريكم، واختلفوا في المخاطبين، بقوله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} حسب اختلافهم في قراءة قوله {أَنَّهَآ}. فقال بعضهم: إن الخطاب للمشركين الذين أقسموا وتمّ الكلام عند قوله وما يشعركم، ثم إستأنف، فقال: إنها يعني الآيات {إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقرؤا: {أَنَّهَآ} بالكسر على الإبتداء، وهو في قراءة مجاهد وقتادة وابن محيصن وابن كثير وشبل وأبي عمر والجحدري. وقال آخرون: الخطاب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرأوا: أنها بالفتح وجعلوا "لا" صلة يعني وما يدريكم يا معشر المؤمنين أنها إذا جاءت المشركين لا يؤمنون كقوله {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] يعني: أن تسجد، وقوله {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 95] يعني إنهم يرجعون. وقيل: معنى إنها: لعلها وكذلك هي قراءة أُبيّ، تقول العرب: إذهب إلى السوق إنك تشتري شيئاً بمعنى لعلك تمر. وقال عدي بن زيد: شعر : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد تفسير : يعنى: لعلّ منيّتي. وقال دريد بن الصمة: شعر : ذرينى أطوف في البلاد لأنّني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا تفسير : يعني: لعلّني. وقال أبو النجم: شعر : قلت لسينان أدن من لقائه إنا نغدي القوم من سرائه تفسير : أي ثعلباً تغدي. وقرأ ابن عامر والسدي وحمزة: {لاَ يُؤْمِنُونَ} بالتاء على [حساب] الكفار وما يشعركم، واعتبر بقراءة أُبيّ: لعلكم إذا جاءكم لا يؤمنون. وقرأ الباقون: بالياء على الخبر وتصديقها قراءة الأعمش إنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. قال ابن عباس وابن زيد: يعني نحول بينه وبين الإيمان. ولو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا بالتي قبلها مثل انشقاق القمر وغيره عقوبة لهم على ذلك. وقيل: كما لم يؤمنوا به في الدنيا قبل مماتهم. نظيره قوله تعالى {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] {وَنَذَرُهُمْ} قرأ أبو رجاء: ويذرهم بالياء. وقرأ النخعي: ويقلب ويذرهم كلاهما بالياء {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} فرأوهم عياناً {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا {وَحَشَرْنَا} وجمعنا {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة وهي قراءة أكثر القراء، قرأ أبو جعفر: التي في الأنعام قبلاً بالكسر والتي في الكهف قبلاً عياناً بالضم. أبو عمرو بالنصب وكذلك اختار أبو عبيد وأبو حاتم لأنها في قراءة أُبيّ قبيلاً بجمعها القبل. والتي في الكهف قبلاً يعني عياناً. وقرأ أهل الكوفة: بضم القاف والباء، ولها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جمع قبيل وهو الكفيل أي ضمناً وكفلاً. والقبالة الكفالة، يقال: قبيل وقبل مثل رغيف ورغف، وقضيب وقضب. والثاني: جمع قبيل هو القبيلة يعني فوجاً فوجاً وصنفاً صنفاً. والثالث: أن يكون بمعنى المقابلة والمواجهة من قول القائل: أتيتك قبلاً لا دبراً إذا أتاه من قبل وجهه {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} ذلك لهم. وقيل: الإستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم اللّه الإيمان {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} إن ذلك كذلك {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم يعني كما أتيناك بهؤلاء القوم وكذلك جعلنا {لِكُلِّ نِبِيٍّ} قبلك {عَدُوّاً} أعداء وفسّرهم فقال {شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ}. عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس وشياطين الجن التي مع الجن وليس للإنس شياطين. وذلك أن إبليس قسم جنده فريقين، بعث منهم فريقاً إلى الإنس وفريقاً إلى الجن، شياطين الإنس والجن فهم ملتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا فاضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك يوحي بعضهم إلى بعض. وقال آخرون: إنّ من الإنس شياطين ومن الجن شياطين، والشيطان: العاتي المتمرّد من كل شيء. قالوا: إن الشيطان إذا أغوى المؤمن وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان من الإنس فأغراه المؤمن. قال أبو طلحة ما روى عوف بن مالك عن أبي ذر قال: حديث : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر هل تعوذت باللّه من شر شياطين الإنس والجن" قال: يا رسول اللّه فهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم هو شر من شياطين الجن . تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحد إلاّ وقد وكّل قرينه من الجن" قيل: ولا أنت يا رسول اللّه؟ قال: "ولا أنا إلاّ أن اللّه قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير ". تفسير : وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد من شيطان الجن وذلك إني إذا تعوذت باللّه ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يحبني فيجرني إلى المعاصي عياناً {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي يلقي {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} وهو القول المموّه والمزّين بالباطل، وكل شيء حسّنته وزينته فقد زخرفته ثم {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىۤ} أي ولكي تميل. وقال ابن عباس: ترجع يقال: صغى يصغى صغاً وصغى يصغى ويصغو صغواً وصغواً إذا مال. قال الفطامي: شعر : أصغت إليه هجائن بنحدودها آذانهن تلى الحداة السوق ترى عينها صغواء في جنب ماقها تراقب كفي والقطيع المحرما تفسير : {إِلَيْهِ} يعني إلى الزخرف والغرور، ويقال: صغو فلان معك، وصغاه معك أي ميله وهواه. وقرأ النجعي: ولتصغي بضم التاء وكسر الغين أي تميل، والإصغاء الإمالة. ومنه الحديث حديث : إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصغي الإناء للهرة . تفسير : {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} الأفئدة جمع الفؤاد مثل غراب وأغربة {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي وليكتسبوا ما هم مكتسبون. وقال ابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون. يقال: إقترف فلان مالاً أي اكتسبه، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله، قال اللّه تعالى {أية : وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} تفسير : [الشورى: 23]. قال لبيد: شعر : وإني لآتي ما أتيت وإنني لما اقترفت نفسي عليَّ لراهب تفسير : وقيل: هو من التهمة يقال: قرفه بسوء إذا اتهمه به. قال رؤبة: شعر : أعيا اقتراف الكذب المقروف تقوى التقيّ وعفّة العفيف

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وتتضمن هذه الآية الكريمة منهجاً ضرورياً من مناهج الدعوة إلى الله، هذه الدعوة التي حملها الرسل السابقون، وختمهم الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلها سبحانه ختماً لاتصال السماء بالأرض؛ لذلك كان لابد من أن يستوعب الإسلام كل أقضية تتعلق بالدعوة إلى الله يحملها أميناً عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة المحمدية. التي شرفها الله سبحانه وتعالى بأن جعل فيها من يحملون أمانة دعوة الله إلى الخلق امتداداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكل مسلم يعلم حكماً من أحكام الله مطلوب منه أن يبلغه لغيره؛ فرب مُبلَّغ أوعى من سامع. حتى وإن كان الله لم يوفقه للعمل بما جاء فيما بلغ. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فإذا فاته أن يعمل فالواجب ألا يفوت من يعلم قضية من قضايا دينه ثواب البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، ولكن عليه أن يعمل ليكون قدوة سلوكية يتأسى به غيره حتى لا يقع تحت طائلة قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}. وإن كان بعض الشعراء يلحون على هذه المسألة. فيقولون: شعر : وخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي واجن الثمار وخلّ العود للنار تفسير : إذن فالبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ضروري، وهو امتداد لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه بلغ صلى الله عليه وسلم عن الحق مراده من الخلق. وبقي أن يشهد الناس الذين اتبعوا هذا الرسول أنهم بلغوا إلى الناس ما جاءهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. إذن فكما أن الرسول سيشهد بأنه بلغنا، فمن صميم المنهج أن يشهد أتباعه أنهم بلغوا الناس، فإن حدث تقصير في البلاغ إلى الناس، فستكون المسئولية على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤد أمانة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الناس أجمعين. ومنهج الدعوة منهج صعب؛ لأن الدعوة إلى الله تتطلب أن يأخذ الداعي يد الذين ينحرفون عن منهج السماء اتباعا لشهوات الأرض، وشهوات الأرض جاذبة دائما للخلق؛ لأنها تحقق العاجل من متع النفس. واتباع منهج الدين - كما يقولون - يحقق نفعا آجله، فهو يحقق - أيضا - المتعة العاجلة؛ لأن الناس إن تمسكوا بمنهج الله في "افعل ولا تفعل" يعيشون حياة طيبة لا حقد فيها، ولا استغلال، ولا ضغن ولا حسد ولا سيطرة، ولا جبروت، فيصبح الناس جميعا في أمان. إذن فلا تقولوا إن الدين ثمرته في الآخرة بل قولوا ليست مهمة الدين هي الآخرة فحسب بل مهمة الدين هي الدنيا أيضا، والآخرة إنما هي ثواب على النجاح في هذه المهمة؛ لأن الله إنما يجازي في الآخرة من أحسن العمل في الدنيا. ومن اتبع منهج الله كما قال الله {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} ومن أعرض عن منهج الله فإن له معيشة ضنكا. ويحدث ذلك قبل الآخرة، ثم يأتي يوم القيامة ليتلقى العقاب من الله: {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه: 124]. فإذا كان الدين يأخذ بالناس من شهواتهم الهابطة إلى منهج الله العالي، فتكون مهمة الداعي شاقة على النفس، ولذلك قالوا: إن الناصح بالخير يجب أن يكون لبقا؛ لأنه يريد أن يخلع الناس مما أحبوا وألفوا من الشر؛ لذلك يجب على الداعي ألا يجمع عليهم إخراجهم مما ألفوا بأسلوب يكرهونه بل لا بد أن يثير جنانهم ورغبتهم في اتباع المنهج، ولذلك جاءت هذه الآية: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108]. لقد قال الحكماء: النصح ثقيل فلا نرسله جبلاً ولا تجعله جدلاً، والحقائق مُرّة، فاستعيروا لها خفة البيان. والخفة في النصح تؤلف قلب المنصوح، وحسبك منه أن تخلعه عما ألف وأحبّ. إلى ما لم يتعود، فلا يكون خلعه مما ألف بأسلوب عنيف. ولذلك يعلمنا الحق هذه القضية حين ندعو الخصوم إلى الإيمان به، وهؤلاء الخصوم يتخذون من دون الله أنداداً؛ أي جعلوا لله ومعه شركاء. إنهم إذن إرادوا المتعة العاجلة بالابتعاد عن المنهج، ثم احتفظوا بالله مع الشركاء؛ لأنه قد تأتي لهم ظروف عصيبة، لا تقدر أسباب الأرض على دفعها، ومن مصلحتهم أن يكون لهم إله قادر على أن ينجيهم مما هم فيه. فهم لا يكذبون أنفسهم. والحق سبحانه هو القائل في مثل هؤلاء إن أصروا على الشرك: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98]. حصب جهنم إذن هم المشركون ومعهم الأصنام التي كانوا يعبدونها وستكون وقوداً للنار التي يعذبون بها. وبعض من الناس السطحيين يظن أن هذا عذاب للأحجار، لا، بل هي غيرة ونقمة وغضب من الأحجار على خروج المشركين عن منهج الله في توحيد الله. فتقول الأحجار: لقد كنتم مفتونين بي ولذلك سأكون أنا أداة إحراقكم. إننا نجد المفتونين في الآلهة من البشر أو الآلهة من الأشجار أو الآلهة من الكواكب أو الآلهة يصيبهم الله بالعذاب، والأحجار التي عبدوها تقول كما قال بعضهم فيها شعراً: شعر : عبدونا ونحن أعبد ل له من القائمين في الأسحار واتخذوا صمتنا علينا دليلا وغدونا لهم وقود النار للمغالي جزاؤه والمغالي فيه تنجيه رحمة الغفار تفسير : ولذلك يأتي الأمر بألا نسبّ ما يعبده الذين أشركوا بالله؛ لأن الأصنام لا ذنب لها، والواقع كان يقتضي أن تتلطفوا بالأحجار فهي لا ذنب لها في المفتونين بها. والحق سبحانه وتعالى يعلمنا ويوضح لنا ألا نظلم المتَّخَذ إلها؛ لأنه مغدور، والسب هو ذكر القبيح، والشتم، والذم، والهجاء، إنك إن سببت وقبحت ما عبدوه من دون الله فإن العابد لها بغباوته سيسب إلهك فتكون أنت قد سببت إلها باطلا، وهم سبّوا الإله الحق، وبذلك لم نكسب شيئا؛ فانتبهوا. ويحذرنا القرآن من الوقوع في ذلك في قول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]. وهم سيفعلون ذلك عَدْواً وعدوانا وطغيانا بغير علم بقيمة الحق وقدسيته سبحانه وتعالى؛ لذلك يجب أن نصون الألسنة عن سب آلهتهم حتى لا نجرئ الألسنة التي لا تؤمن بالله على سب الله. إن الحق سبحانه يريد أن يعلمنا اللطف في منهج الدعوة؛ لأنك تريد أن تحنن قلوبهم لتستميلهم إلى الإيمان ولن يكون ذلك إلا بالأسلوب الطيب. صحيح أن المؤمنين معذورون في حماسهم حين يدخلون في مناقشة مع المشركين ولكن ليتذكر المؤمن القيمة النهائية وهي الخير للدعوة. وليسأل الله أن يرزقه الصبر على المشركين، ويعلمنا الحق كيف نسير في منهج الدعوة، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا نوحاً عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وظل يدعو ويتحنن في الدعوة، إلى أن قالوا له في آخر المطاف: أنت تفتري هذا الكلام من عندك، فعلمه الله سبحانه وتعالى أن يقول: {أية : قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} تفسير : [هود: 35]. ويقول الحق سبحانه معلماً رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 24]. أي من الذي يعطيكم قوام الحياة؟ وأنت حين تسألهم سؤالاً يناقض ما هم عليه. فيتلجلجون، فيسعف الله رسوله فيوضح سبحانه ويأمره أن يقول لهم: {أية : قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. و"إنا" أي رسول الله ومن معه. "أو إياكم" المقصود بها الكافرون بالله، ولم يقل لهم أنا وحدي على هدى وأنتم على ضلال، بل قال: منهجنا ومنهجكم لا يتفقان، ولا بد أن يكون هناك منهج على هدى ومنهج على ضلال، ولن أقول مَن هو الذي على هدى، ومَنْ هو الذي على ضلال؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم واثق من أنهم لو أداروا المسألة على عقولهم وعلى بصائرهم: فلن يجدوا جواباً إلا أن رسول الله على الهدى وأنهم على الضلال. فتركهم هم ليقولوها. ولنتأمل أيضاً قول الحق سبحانه: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [سبأ: 25]. لم يقل الحق إنهم هم الذين يجرمون، بل جعل الجرم - إن صح - على المؤمنين، وجعل العمل - وإن فسد - مع الكافرين. وعلى الأقل كانت المساواة تقتضي ولا نسأل عما تجرمون ولكنه لم يقل ذلك. وهذا هو الأدب العالي واللطف؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد ألا يترك الرسول لغرائزهم مكاناً للإباء عليه، وألا يجدوا وسيلة لينفروا من الدعوة. ولهذا يعلمنا هذا الأسلوب فيقول: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]. وبذلك نحقق لطف الجدل. ويقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} تفسير : [الأعراف: 194]. وإن كنتم تريدون كشف حقيقة تلك الأصنام فهي أيضاً مخلوقة لله وهي تعبده، واسألوهم ولن يجيبوا، وهم لا أرجل لهم يمشون عليها، ولا لهم أيد يبطشون بها، ولا لهم أعين يبصرون بها، ولا لهم آذان يسمعون بها. وفوق ذلك: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} تفسير : [الحج: 73]. وهل هناك ما هو أقل من الذباب في عرفكم؟ نعم، يقول الحق: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} تفسير : [الحج: 73]. فإن جاءت ذبابة وحطت على ما تأكل، أتستطيع أن تسترجع منها شيئاً؟ لن تستطيع، وإن كنت جباراً وفتوة فامسك الذبابة وخذ منها الطعام الذي أخذته، لن تستطيع، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. وهذا هو الجدل الذي يجعل المجادل يخجل من نفسه، لكن إذا ثرت في وجهه وتعصبت فأنت تجعل له عذراً في الحفيظة عليك والغضب منك والهجوم عليك، وفي الانصراف عن منهج الله، ونسأل الله أن يعطينا طول البال وسعة الحلم والأناة على الجدل اللطيف. {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108]. وحين يعلمنا الحق الجدل اللطيف للدعوة فهذا تزيين للدعوة، والدعوة في ذاتها جميلة؛ لذلك لابد أن يكون عرضها جميلاً. والمثال من حياتنا: أنت تذهب إلى التاجر وعنده بضاعة قد تكون متميزة جداً لكنه لا يرتبها ولايحسن عرضها؛ لذلك قد تنفر منه وتذهب إلى تاجر آخر قد تكون بضاعته أقل جودة لكنه يحسن عرضها، وهذا هو التزيين أي تصعيد الحسن، ولذلك سُمِّي الحلي وما تتجمل به المرأة زينة والمرأة قد تمتلك أنوثة جميلة، وهي مع جمالها تقوم بتزيين نفسها بالحلي، وبالجواهر والملبس الراقي، وكان العربي حين يمتدح امرأة بقمة جمالية يقول: هذه غانية، أي استغنت بجمالها عن أن تتزين؛ لأن ما سوف تداريه بالعقد أجمل من العقد. والتزيين إذن جمال العرض للاستمالة والانجذاب، ونحن حين نزين أمراً فإننا نعطيه وقاراً وحسناً ونزيده جمالاً: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} والأمة: هي الجماعة التي لها انتماء يجمع أفرادها، مثل أمة العرب.. أي أن المنتمين إليها هم العرب والأمة الإنجليزية أي أن المنتمين إليها إنجليز، أما أمة الإسلام فيدخل فيها العرب، والعجم، والأسود والأبيض، والأصفر، وهي أوسع رقعة، فإن كانت الأمم السابقة زينت لتناسب عصراً محدوداً وزمناً محدوداً، ومكاناً محدوداً فنحن نزينكم تزييناً يناسب كل أذواق الدنيا؛ لأنكم ستواجهون كل هذه الأمم، فلابد أن يكون في دعوتكم استمالة لهذا ولهذا ولهذا. وفي بدء الدعوة - وكانت حينئذ ضعيفة نجد - رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت إلى الأمة، فيكون بلال الحبشي هو من يؤذن، ونجده يقول عن - سليمان وهو فارسي -: سلمان منا آل البيت ويأتي سيدنا عمر يقول عن صهيب - وهو رومي -: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، أي أن عدم عصيانه لله طبيعة فيه حتى وإن لم يكن يخاف عقاب الله. فإذا كنا قد زينا لكل أمة من الأمم الماضية عملهم فتزيين أمتكم يجب أن يكون مناسباً لمهمتها زماناً ومكاناً وأجناساً، وألواناً، ولغات، ولابد أن نزينكم أيضاً بحسن أسلوب العرض لمنهج الدعوة. ويجب أن يتناسب مع جمالها، وأنتم أولى بالتزيين؛ لأنكم مستوعبون لكل حضارات الدنيا، وانتماءات الدنيا، فيجب أن يكون تزيينكم مناسباً لمهمتكم. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ} [الأنعام: 108]. أي أننا وضحنا لهم منهج نقل الدعوة إلى الغير، وما ينال المحسن والمطيع من ثواب في الآخرة، والمؤمنون حينما ينعمون بنعيم الآخرة فهذا نعيم بغير حدود؛ لأنه على قدر طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى، وهم حين يتنعمون بكل هذه النعم يستشرقون إلى لقاء المنعم به، ويتجلى الله عليهم. وكما زينا للأمم السابقة أعمالهم قد زيناكم لأنكم أمة الإجابة، وهذا التزيين الخاص يربي الدعاة إلى منهج الله، ولو فطن غيركم إلى ما في منهجكم من زينة لبحثوا في هذا المنهج ولقام كل منهم باستقراء الوجود الذي بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولوجد أن لكل كائن مهمة، ولانضم إلى المنهج التعبدي. {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. و"ليعبدون" تعني أن يطيعوا في "افعل كذا" "ولا تفعل كذا" وإذا قال الحق: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} فمعنى ذلك أنه سبحانه قد بين العمل بفوائده. وأنت حين تتأمل ظواهر الوجود حولك تجد أن من تميز عليك بموهبة إنما أراده الحق على هذا التميز لينفعك أنت، ويتجلى هذا الأمر في كل المهن: فالنجار الحاذق والمتقن تعود صنعته عليك، ومصمم الملابس الذي يتقن عمله سيعود خير صنعته عليك، ومن مصلحة كل إنسان أن يكون غيره متفوقاً؛ وأن يكون هو أيضاً متفوقاً في عمله، وأن يحمد ربنا لأن خيره سيعود على غيره أيضاً، وبذلك نحيا في مجتمع راق يتكون من أمم وطوائف مثالية، إذن فالمتفوق في شيء يجب ألا يحقد على غيره من أبناء المجتمع؛ لأن خير تفوقه سيعود على كل فرد فيه ومن المصلحة أن يصبر الكل إلى التفوق. فإذا قال الله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} أي جعل الله لكل منا عملاً في الحياة، ولا بد أن ينتفع به في الدنيا، وينتفع به في الآخرة أيضاً ويأخذ كل منا ثواب الله عليه، فالذي يأخذ التزيين يقبل على العمل، والذي لا يأخذ التزيين فعليه الذنب، وكل واحد إنما يزين عمله على مقدار الطموح الذي يطلبه لنفسه، ونحن نرى أمثلة لذلك في الحياة، ونلتفت لنجد إنساناً له دخل محدود، لكنه يفتح على نفسه أبواباً من الترف أكثر من اللازم، ولا يدخر شيئاً ويحقق لنفسه المتعة العاجلة، ونجد إنساناً آخر يعيش على قدر الضروريات ويدخر لنجده من بعد ذلك قد طور من أسلوب حياته بالسكن اللائق ومتع الحياة. إن الأول زين له عمله الترف العاجل، والثاني زين له عمله الترف المقنن، فإياك أن تنظر إلى شهوة العاجلة، ولكن انظر إلى الجدوى التي تأتي منها: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108]. وما دام المرجع لمن أوجد العمل منهجاً في "افعل" و"لا تفعل" والمرجع لمن وضع التزيين في العمل لتأخذ المنهج الكريم منه، وعلى مقدار ما أخذت من منهجه تأخذ من كرامته. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً} معناهُ اعْتِداءٌ.

الأندلسي

تفسير : {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية، قال ابن عباس: سببها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: اما أن تنهى محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها، وإما أن نسب إلهه ونهجوه. فنزلت. وحكم هذه الآية باق في هذه الأمة فإِذا كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإِسلام أو الرسول أو الله تعالى فلا يحل لمسلم ذم دين الكافر ولا صنمه ولا صليبه ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك. ولما أمر تعالى باتباع ما أوحي إليه وبموادعة المشركين عدل عن خطابه إلى خطاب المؤمنين، فنهوا عن سب أصنام المشركين ولم يواجه هو عليه السلام بالخطاب وإن كان هو الذي سب الأصنام جاء على لسانه وأصحابه تابعون له في ذلك، لما في مواجهته وحده بالنهي من خلاف ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن صلى الله عليه وسلم فحاشاً ولا ضحّاباً ولا سباباً، فلذلك جاء الخطاب للمؤمنين فقيل: ولا تسبوا. ولم يكن التركيب ولا تسب كما جاء. وفي: أعرض عن المشركين وإذا كانت الطاعة تؤدي إلى مفسدة خرجت عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها كما ينهي عن المعصية. والذين يدعون هم الأصنام، أي يدعوهم المشركون وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل بالذين يعبر عن العاقل على معاملة ما لا يعقل معاملة من يعقل، إذ كانوا نزلوهم منزلة من يعقل في عبادتهم واعتقادهم فيهم أنهم شفعاء لهم عند الله تعالى. وقيل: يحتمل أن يراد بالذين يدعون الكفار. وظاهر قوله: فيسبوا الله، إنهم يقدمون على سبّه إذا سبّت آلهتهم، وإن كانوا معترفين بالله تعالى لكن يحملهم على ذلك انتصارهم لآلهتهم وشدة غيظهم لأجلها، فيَخرجون عن الاعتدال إلى ما ينافي العقل كما يقع من بعض المسلمين إذا اشتد غضبه وانحرف فإِنه قد يلفظ بما يؤدي إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك. {فَيَسُبُّواْ} جواب للنهي في قوله ولا تسبوا. وانتصب بإِضمار أن بعد الفاء كقوله تعالى: {أية : لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ}تفسير : [طه: 61]. و{عَدْواً} مصدر عدا، وكذا عدو وعدوان بمعنى اعتدى أي ظلم، وانتصب على المصدر أو في موضع الحال المؤكدة أو على المصدر من غير لفظ الفعل لأن معنى فيسبوا يعتدوا على الله تعالى. ومعنى بغير علم أي على جهالة بما يجب لله تعالى أن يذكر به وهو بيان لمعنى الاعتداء. {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين زينا لكل أمة عملهم. وظاهر لكل أمة العموم في الأمم وفي العمل فيدخل فيه المؤمنون والكافرون، وتزيينه هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير أو الشر والاتباع لطرقه وتزيين الشيطان بما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} مقترحة نحو قولهم: تجعل الصفا ذهباً. فقام رسول الله ليدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: إن شئت أصبح ذهباً، فإِن لم يؤمنوا أهلكوا عن آخرهم معاجلة كما فعل بالأمم الماضية إذ لم يؤمنوا بالآيات المقترحة، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال: بل حتى يتوب تائبهم. وإنما اقترحوا آية معينة لأنهم شكوا في القرآن، ولهذا قالوا: دارست، أي العلماء. وباحثت أهل التوراة والإِنجيل وكابر أكثرهم وعاندوا، المعنى أنهم حلفوا غاية حلفهم، وسمي الحلف قسماً لأنه يكون عند انقسام الناس إلى التصديق والتكذيب، وكان إقسامهم بالله غاية في الحلف، وكانوا يقسمون بآبائهم وآلهتهم فإِذا كان الأمر عظيماً أقسموا بالله، والجهد بفتح الجيم: المشقة، وبضمها: الطاقة. ومنهم من يجعلها بمعنى واحد. وانتصب جهد على المصدر المنصوب باقسموا أي اقسموا جهد إقساماتهم والايمان بمعنى الاقسامات، ولئن جاءتهم اخبار عنهم لا حكاية لقولهم إذ لو حكى لكان لئن جاءتنا آية. ويعامل الاخبار عن القسم معاملة حكاية القسم بلفظ ما نطق به المقسم وآية لا يراد بها مطلق آية، إذ قد جاءتهم آيات كثيرة ولكنهم أرادوا آية مقترحة كما ذكرناه. {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} هذا أمر بالرد عليهم وأن مجيء الآيات ليس لي، إنما ذلك لله تعالى وهو القادر عليها ينزلها على وجه المصلحة كيف يشاء بحكمته، وليست عندي فتقترح عليّ {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} جواب القسم. {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قرىء: بفتح الهمزة. وما: استفهامية، ويعود عليها ضمير الفاعل في يشعركم، وأما الخطاب فقيل: هو للكفار. وقيل: المخاطب بها المؤمنون. وقرىء: لا تؤمنون بتاء الخطاب. وقرىء: بياء الغيبة أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون البتة على تقدير مجيء الآية وتم الكلام عند قوله: وما يشعركم. ومتعلق يشعركم محذوف أي وما يشعركم ما يكون فإِن كان الخطاب للكفار كان التقدير وما يشعركم ما يكون منكم ثم أخبر على جهة الإِلتفات بما علمه من حالهم لو جاءتهم الآيات وإن كان الخطاب للمؤمنين كان التقدير وما يشعركم أيها المؤمنون ما يكون منهم. ثم أخبر المؤمنين بعلمه فيهم أنهم لا يؤمنون. وقرىء: بكسر الهمزة، والمناسب أن يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة، كأنه قيل: وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم. ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها. {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ} الآية، الظاهر أنها جملة استئنافية أخبر تعالى أنه يفعل بهم ذلك وهي إشارة إلى الحيرة والتردد وصرف بالشىء عن وجهه، والمعنى أنه تعالى يحولهم عن الهدى ويتركهم في الضلال والكفر. وكما: للتعليل، أي يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به أول وقت جاءهم هدى الله كما قال تعالى {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [التوبة: 125] ويؤكد هذا المعنى آخر الآية: ونذرهم، أي وما نتركهم في تغمطهم في الشر والإِفراط فيه يتحيرون، وهذا كله إخبار من الله تعالى بفعله بهم في الدنيا. {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الكاف للتعليل لا للتشبيه وما مصدرية والمعنى أنه تعالى يقلب ما ذكر لكونهم لم يؤمنوا بالقرآن أول وقت جاءهم إذ كان ينبغي المبادرة إلى الإِيمان. {وَنَذَرُهُمْ} أي نتركهم في طغيانهم يتحيرون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزا، بل مشروعا في الأصل، وهو سب آلهة المشركين، التي اتخذت أوثانا وآلهة مع الله، التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها. ولكن لما كان هذا السب طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين، الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب، وآفة، وسب، وقدح -نهى الله عن سب آلهة المشركين، لأنهم يحمون لدينهم، ويتعصبون له. لأن كل أمة، زين الله لهم عملهم، فرأوه حسنا، وذبوا عنه، ودافعوا بكل طريق، حتى إنهم، ليسبون الله رب العالمين، الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار، إذا سب المسلمون آلهتهم. ولكن الخلق كلهم، مرجعهم ومآلهم، إلى الله يوم القيامة، يعرضون عليه،وتعرض أعمالهم، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر. وفي هذه الآية الكريمة، دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم، ولو كانت جائزة تكون محرمة، إذا كانت تفضي إلى الشر.

همام الصنعاني

تفسير : 840- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن قَتادةَ، قال: كان المسلمون يَسُبُّون أصْنام الكفَّارِ، فَيَسُبّ الكُفَّار اللهَ عَدْواً بغيرِ عِلْمٍ فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}: [الآية: 108].