٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
109
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته، وهي قولهم إن هذا القرآن إنما جئتنا به لأنك تدارس العلماء، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوارة والإنجيل. ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق. ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره، فليس من جنس المعجزات ألبتة، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان: إما مثبتاً للشيء، وإما نافياً. ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب احتاج المخبر إلى طريق به يتوسل إلى ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب، وذلك هو الحلف ولما كانت الحاجة إلى ذكر الحلف، إنما تحصل عند انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدق به ومكذب به. سموا الحلف بالقسم، وبنوا تلك الصيغة على ـ أفعل ـ فقالوا: أقسم فلان يقسم إقساماً: وأرادوا أنه أكد القسم الذي اختاره وأحال الصدق إلى القسم الذي اختاره بواسطة الحلف واليمين. المسألة الثانية: ذكروا في سبب النزول وجوهاً: الأول: قالوا لما نزل قوله تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ ٱلسَّمَاء ءايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ }تفسير : [الشعراء: 4] أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلت هذه الآية. الثاني: قال محمد بن كعب القرظي: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء، وأن عيسى أحيا الميت، وأن صالحاً أخرج الناقة من الجبل، فأتنا أيضاً أنت بآية لنصدقك فقال عليه الصلاة والسلام: «ما الذي تحبون» فقالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهباً، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون، فقام عليه الصلاة والسلام يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن شئت كان ذلك، ولئن كان فلم يصدقوا عنده، ليعذبنهم، وإن تركوا تاب على بعضهم. فقال صلى الله عليه وسلم: «بل يتوب على بعضهم» فأنزل الله تعالى هذه الآية. المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله: {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } وجوهاً: قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه. وقال الزجاج: بالغوا في الأيمان وقوله: {لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } اختلفوا في المراد بهذه الآية. فقيل: ما روينا من جعل الصفا ذهباً، وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين الذين كذبوا أنبياءهم فالمشركون طلبوا مثلها. وقوله: {قُلْ إِنَّمَا ٱلأَيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } ذكروا في تفسير لفظة {عِندَ } وجوهاً، فيحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله سبحانه وتعالى؛ ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أن العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا ليس إلا عند الله؟ ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ } تفسير : [الأنعام: 59] ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة؛ إلا أنه تعالى متى شاء إحداثها أحدثها، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله يظهرها متى شاء، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ {عِندَ } بهذا المعنى هنا كما في قوله: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } تفسير : [الحجر: 21]. ثم قال تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } قال أبو علي «ما» استفهام وفاعل يشعركم ضمير «ما» والمعنى: وما يدريكم إيمانهم؟ فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير. والتقدير: وما يدريكم إيمانهم، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون. وقوله: {أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو {أَنَّهَا } بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة. والتقدير: أن الكلام تم عند قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال: {أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } قال سيبويه: سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال الخليل: إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا } بالفتح لصار ذلك عذراً لهم، هذا كلام الخليل. وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر، فإذا قلت: وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى: أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضاً فكذا ههنا قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } معناه أنها إذا جاءت آمنوا. وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً للكفار في طلب الآيات، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء {أَنَّهَا } بالفتح وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الخليل: {أن} بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي: {أن} بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر:شعر : أريني جواداً مات هولاً لأنني أرى ما تريني أو بخيلاً مخلداً تفسير : وقال آخر:شعر : هل أنتم عاجلون بنا لأنا نرى العرصات أو أثر الخيام تفسير : وقال عدي بن حاتم:شعر : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد تفسير : وقال الواحدي: وفسر علي ـ لعل منيتي ـ روى صاحب «الكشاف» أيضاً في هذا المعنى قول امرىء القيس:شعر : عوجاً على الطلل المحيل لأننا نبكي الديار كما بكى ابن خذام تفسير : قال صاحب «الكشاف» ويقوي هذا الوجه قراءة أبي {لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون }. الوجه الثاني: في هذه القراءة أن تجعل {لا } صلة ومثله {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } تفسير : [الأعراف: 12] معناه أن تسجد وكذلك قوله: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 95] أي يرجعون فكذا ههنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى: أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغواً يكون لغواً على جميع التقديرات ومن قرأ {أَنَّهَا } بالكسر فكلمة {لا } في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغواً. قال أبو علي الفارسي: لم لا يجوز أن يكون لغواً على أحد التقديرين ويكون مفيداً على التقدير الثاني؟ واختلف القراء أيضاً في قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ } فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } إنما يراد به قوم مخصوصون، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } وليس كل الناس بهذا الوصف، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في {تُؤْمِنُونَ } هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، وذهب مجاهد وابن زيد إلى أن الخطاب في قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } للكفار الذين أقسموا. قال مجاهد: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، وهذا يقوي قراءة من قرأ {تُؤْمِنُونَ } بالتاء. على ما ذكرناأولاً: الخطاب في قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } للكفار الذين أقسموا. وعلى ما ذكرنا ثانياً: الخطاب في قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } للمؤمنين، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون؟ المسألة الرابعة: حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب. قال الجبائي والقاضي: هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال. الحكم الأول أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة، إذ لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة، لأنه إذا كان تعالى لا يجيبهم إلى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون عنده منتظماً مستقيماً، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الألطاف والحكمة. الحكم الثاني أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لإظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على الإيمان، وعلى قول المجبرة ذلك باطل، لأن عندهم الإيمان إنما يحصل بخلق الله تعالى، فإذا خلقه حصل، وإذا لم يخلقه لم يحصل، فلم يكن لفعل الإلطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات. وأقول هذا الذي قاله القاضي غير لازم. أما الأول: فلأن القوم قالوا: لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على مقدمتين: إحداهما: أنك لو جئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك. والثانية: أنه متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها، والله تعالى كذبهم في المقام الأول، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون، ولم يتعرض البتة للمقام الثاني، ولكنه في الحقيقة باق. فإن لقائل أن يقول: هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات، فلم لم يجب على الله تعالى إظهارها؟ اللهم إلا إذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف واجب على الله تعالى، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية، إلا أن القاضي جعل هذه الآية دليلاً على وجوب اللطف، فثبت أن كلامه ضعيف. وأما البحث الثاني: وهو قوله: إذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن لهذه الألطاف أثر فيه، فنقول: الذي نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا التقدير. فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ} أي حلفوا. وجَهْدُ اليمين أشدّها، وهو بالله. فقوله: «جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ» أي غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وٱنتهت إليها قدرتهم. وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإلٰه الأعظم، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنًّا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى؛ كما أخبر عنهم بقوله تعالى: «مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى». وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، وكانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يُسمّونه جَهْد اليَمين إذا كانت اليمين بالله. «جَهْدَ» منصوب على المصدر والعامل فيه «أقسموا» على مذهب سيبويه؛ لأنه في معناه. والجَهْد (بفتح الجيم): المشقّة؛ يقال: فعلت ذلك بجَهْد. والجُهْد (بضمها): الطاقة يقال: هذا جُهْدي، أي طاقتي. ومنهم من يجعلهما واحداً، ويحتج بقوله: {أية : وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}تفسير : [التوبة: 79]. وقرىء «جَهْدهم» بالفتح؛ عن ٱبن قتيبة. وسبب الآية فيما ذكر المفسرون: القُرَظِيّ والكَلْبِي وغيرهما، حديث : أن قريشاً قالت: يا محمد، تُخبِرنا بأن موسى ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عَيْناً، وأن عيسى كان يُحيـي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة؛ فآئتنا ببعض هذه الآيات حتى نصدّقك. فقال: «أيّ شيء تحبّون»؟ قالوا: ٱجعل لنا الصَّفَا ذهباً؛ فَواللَّهِ إن فعلته لنتبعنّك أجمعون. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو؛ فجاءه جبريل عليه السلام فقال: «إن شئت أصبح الصفا ذهباً، ولئن أرسل الله آية ولم يصدّقوا عندها ليعذبنّهم فٱتركهم حتى يتوب تائبهم» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل يتوب تائبهم» فنزلت هذه الآيةتفسير : . وبيّن الربّ بأن من سبق العلم الأزَليّ بأنه لا يؤمن فإنه لا يؤمن وإن أقسم ليؤمنَنّ. الثانية: قوله تعالى: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} قيل: معناه بأغلظ الأيمان عندهم. وتعرِض هنا مسألةٌ من الأحكام عُظْمَى، وهي قول الرجل: الأيمان تلزمه إن كان كذا وكذا. قال ٱبن العربيّ: وقد كانت هذه اليمين في صدر الإسلام معروفةً بغير هذه الصورة، كانوا يقولون: عليّ أشدّ ما أخذه أحدٌ على أحد؛ فقال مالك: تَطْلُق نساؤه. ثم تكاثرت الصُّوَر حتى آلت بين الناس إلى صورةٍ هذه أمُّها. وكان شيخنا الفِهْرِيّ الطَّرَسُوسِيّ يقول: يلزمه إطعام ثلاثين مسكيناً إذا حنِث فيها؛ لأن قوله «الأيمان» جمع يمين، وهو لو قال عليّ يمين وحنِث ألزمناه كفارةً. ولو قال: عليّ يمينان للزمته كفارتان إذا حنِث. والأيمانُ جمع يمين فيلزمه فيها ثلاث كفارات. قلت: وذكر أحمد بن محمد بن مغيث في وثائقه: اختلف شيوخ القَيْرَوان فيها؛ فقال أبو محمد بن أبي زيد: يلزمه في زوجته ثلاث تطليقات، والمشي إلى مكة، وتفريقُ ثلث ماله، وكفارةُ يمين، وعِتق رقبة. قال ابن مغيث: وبه قال ٱبن أرفع رأسه وٱبن بدر من فقَهاء طُلَيْطُلة. وقال الشيخ أبو عمران الفاسي وأبو الحسن القابِسيّ وأبو بكر بن عبد الرحمن القَرَوِيّ: تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له نيّة. ومن حجتهم في ذلك رواية ٱبن الحسن في سماعه من ٱبن وهب في قوله: «وأشدّ ما أخذه أحد على أحد أن عليه في ذلك كفارة يمين». قال ابن مغيث: فجعل مَن سَمّيناه على القائل: «الأيمان تلزمه» طلقةً واحدة؛ لأنه لا يكون أسوأ حالاً من قوله: أشدّ ما أخذه أحد على أحد أن عليه كفارة يمين، قال: وبه نقول. قال: واحتجّ الأوّلون بقول ٱبن القاسم فيمن قال: عليّ عهد الله وغليظُ ميثاقه وكفالته وأشدّ ما أخذه أحدٌ على أحد على أمر ألاّ يفعله ثم فعله؛ فقال: إن لم يُرد الطلاق ولا العتاق وعزلهما عن ذلك فلتكن ثلاث كفارات. فإن لم تكن له نية حين حلف فليكفّر كفارتين في قوله: عليّ عهد الله وغليظ ميثاقه. ويعتق رقبة وتَطْلُق نساؤه، ويمشي إلى مكة ويتصدّق بثلث ماله في قوله: وأشدّ ما أخذه أحد على أحد. قال ٱبن العربيّ: أمّا طريق الأدلّة فإن الألف واللام في الأيمان لا تخلو أن يراد بها الجنس أو العهد؛ فإن دخلت للعهد فالمعهود قولك «بالله» فيكون ما قاله الفِهْرِيّ. فإن دخلت للجنس فالطلاق جنس فيدخل فيها ولا يُستوفَى عدده، فإن الذي يكفي أن يدخل في كل جنس معنى واحد؛ فإنه لو دخل في الجنس المعنى كلُّه للزمه أن يتصدّق بجميع ماله؛ إذ قد تكون الصدقة بالمال يَميناً. والله أعلم. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد: الله القادر على الإتيان بها، وإنما يأتي بها إذا شاء. {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أي وما يُدريكم أيمانكم؛ فحذف المفعول. ثم ٱستأنف فقال: {إِنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بكسر إن، وهي قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كَثير. ويشهد لهذا قراءة ٱبنِ مسعود «وما يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون». وقال مجاهد وابن زيد: المخاطَب بهذا المشركون، وتمّ الكلام. حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقد أعلمنا في الآية بعد هذه أنهم لا يؤمنون. وهذا التأويل يشبه قراءة من قرأ «تؤمنون» بالتاء. وقال الفرّاء وغيره؛ الخطاب للمؤمنين؛ لأن المؤمنين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون؛ فقال الله تعالى: «وَمَا يُشْعِرُكُمْ» أي يعلمكم ويدريكم أيها المؤمنون. «أنها» بالفتح، وهي قراءة أهل المدينة والأعمش وحمزة، أي لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون. قال الخليل: «أنها» بمعنى لعلّها؛ حكاه عنه سيبويه. وفي التنزيل: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } تفسير : [عبس:3] أي أنه يزكَّى. وحُكي عن العرب: ٱيت السوق أنّك تشتري لنا شيئاً، أي لعلّك. وقال أبو النَّجْم:شعر : قلت لشَيْبَان ٱدْنُ من لقائِهْ أن تُغَدِّي القومَ من شِوَائِهْ تفسير : وقال عدِيّ بن زيد:شعر : أعاذِلَ ما يُدرِيك أنّ منيّتِي إلى ساعةٍ في اليوم أو في ضُحَى الغَدِ تفسير : أي لعلّ. وقال دُرَيد بن الصِّمَّة:شعر : أرِيني جواداً مات هَزْلاً لأَنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّداً تفسير : أي لعلّني. وهو في كلام العرب كثير «أنّ» بمعنى لَعل. وحكى الكِسائِيّ أنه كذلك في مصحف أُبَيّ بن كعب «وما أدراكم لعلها». وقال الكسائي والفَرّاء: أن «لا» زائدة، والمعنى: وما يشعركم أنها ـ أي الآيات ـ إذا جاءت المشركين يؤمنون، فزيدت «لا»؛ كما زيدت «لا» في قوله تعالى: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 95]. لأن المعنى: وحرام على قرية مُهْلَكة رجُوعُهم. وفي قوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}تفسير : [الأعراف: 12]. والمعنى: ما منعك أن تسجد. وضعّف الزّجاج والنّحاس وغيرهما زيادة «لا» وقالوا: هو غلط وخطأ؛ لأنها إنما تزاد فيما لا يُشْكِل. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا لعلم السامع؛ ذكره النحاس وغيره.
البيضاوي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} مصدر في موقع الحال، والداعي لهم إلى هذا القسم والتأكيد فيه التحكم على الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب الآيات واستحقارما رأوا منها. {لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ} من مقترحاتهم. {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء وليس شيء منها بقدرتي وإرادتي. {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } وما يدريكم استفهام إنكار. {أَنَّهَا} أي أن الآية المقترحة. {إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا تدرون أنهم لا يؤمنون، أنكر السبب مبالغة في نفي المسبب، وفيه تنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وقيل لا مزيدة وقيل أن بمعنى لعل إذ قرىء لعلها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب إنها بالكسر كأنه قال: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بما علم منهم والخطاب للمؤمنين فإنهم يتمنون مجيء الآية طمعاً في إيمانهم، فنزلت. وقيل للمشركين إذ قرأ ابن عامر وحمزة «لا تؤمنون» بالتاء وقرىء «وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم» فيكون إنكاراً لهم على حلفهم أي: وما يشعرهم أن قلوبهم حينئذٍ لم تكن مطبوعة كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات فيؤمنون بها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى إخباراً عن المشركين، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: حلفوا أيماناً مؤكدة {لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ} أي: معجزة وخارقة {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} أي: ليصدقنها {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات؛ تعنتاً وكفراً وعناداً، لا على سبيل الهدى والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم، قال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً، فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كان لهم ناقة، فآتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أي: شيء تحبون أن آتيكم به»تفسير : ، قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، فقال لهم: «حديث : فإن فعلت تصدقوني؟» تفسير : قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: لك ما شئت، إن شئت، أصبح الصفا ذهباً، ولئن أرسل آية، فلم يصدقوا عند ذلك، ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل يتوب تائبهم» تفسير : فأنزل الله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} إلى قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} وهذا مرسل، وله شواهد من وجوه أخر. وقال الله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59] الآية، وقوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قيل: المخاطب بـ (ما يشعركم؟) المشركون، وإليه ذهب مجاهد، وكأنه يقول لهم: وما يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها؟ وعلى هذا فالقراءة: {إِنَّها إذا جاءت لا يؤمنون} بكسر إنها، استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عن مجيء الآيات التي طلبوها، وقرأ بعضهم: {أَنها إذا جاءت لا تؤمنون} بالتاء المثناة من فوق، وقيل: المخاطب بقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} المؤمنون، يقول: وما يدريكم أيها المؤمنون؟ وعلى هذا فيجوز في قوله: {أَنَّهَآ} الكسر كالأول، والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون (لا) في قوله: {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} صلة؛ كقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}تفسير : [الأعراف: 12] وقوله: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 95] أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وحرام أنهم يرجعون، وتقديره في هذه الآية: وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك، حرصاً على إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون؟ قال بعضهم: "أنها" بمعنى: لعلها. قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب، قال: وقد ذكر عن العرب سماعاً: اذهب إلى السوق، إنك تشتري لنا شيئاً، بمعنى: لعلك تشتري، قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا:شعر : أَعَاذِلُ ما يُدْريك أَنَّ مَنِيَّتي إلى ساعةٍ في اليومِ أو في ضُحى الغَدِ تفسير : وقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه شواهد من أشعار العرب، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدّت عن كل أمر، وقال مجاهد في قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ}: ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة، وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال: {أية : وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} تفسير : [فاطر: 14] جل وعلا وقال: {أية : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 56] إلى قوله: {أية : لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الزمر: 58] فأخبر الله سبحانه: أنهم لو ردوا، لم يكونوا على الهدى، وقال: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 28] وقال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقال: ولو ردوا إلى الدنيا، لحيل بينهم وبين الهدى؛ كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا، وقوله: {وَنَذَرُهُمْ} أي: نتركهم {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم {يَعْمَهُونَ} قال الأعمش: يلعبون، وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يترددون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ } أي كفار مكة {بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ } أي غاية اجتهادهم فيها {لَئِن جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ } مما اقترحوا {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ } لهم {إِنَّمَا ٱلاْيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } يُنْزلها كما يشاء، وإنما أنا نذير {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } يدريكم بإيمانهم إذا جاءت؟ أي أنتم لا تدرون ذلك {إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لما سبق في علمي. وفي قراءة بالتاء خطاباً للكفار. وفي أخرى بفتح «إن» بمعنى (لعل)، أو معمولة لما قبلها.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } أي الكفار مطلقاً، أو كفار قريش، وجهد الأيمان أشدّها، أي أقسموا بالله أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإلٰه الأعظم، فلهذا أقسموا به، وانتصاب {جهد} على المصدرية، وهو بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة، ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد، والمعنى: أنهم اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي اقترحوها {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } وليس غرضهم الإيمان، بل معظم قصدهم التهكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتلاعب بآيات الله، فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله: {إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ } هذه الآية التي يقترحونها، وغيرها، وليس عندي من ذلك شيء، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها. قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ }. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، بكسر الهمزة من "أنها"، وهي قراءة مجاهد، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود "وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ" قال مجاهد وابن زيد: المخاطب بهذا المشركون أي وما يدريكم، ثم حكم عليهم بقوله: {أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وقال الفراء وغيره: الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وقرأ أهل المدينة والأعمش، وحمزة والكسائي، وعاصم، وابن عامر {أنها إذا جاءت} بفتح الهمزة. قال الخليل: {أنها} بمعنى لعلها، وفي التنزيل: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } تفسير : [عبس: 3] أي أنه يزكي. وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، ومنه قول عدي بن زيد:شعر : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد تفسير : أي لعل منيتي، ومنه قول دريد بن الصمة:شعر : أريني جواداً مات هزلاً لأنني أرى ما ترين أو بخيلاً مخلداً تفسير : أي لعلني، وقول أبي النجم:شعر : قلت لشيبان ادن من لقائه أني نُغَدِّ اليوم من شوائه تفسير : أي لعلي، وقول جرير:شعر : هل أنتم عائجون بنا لأن نرى العرصات أو أثر الخيام تفسير : أي لعلنا: ا هـ. وقد وردت في كلام العرب كثيراً بمعنى لعل. وحكى الكسائي أنها كذلك في مصحف أُبيّ بن كعب. وقال الكسائي أيضاً والفراء: إن «لا» زائدة، والمعنى: وما يشعركم أنها أي الآيات، إذا جاءت يؤمنون، فزيدت كما زيدت في قوله تعالى: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 95] وفي قوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة "لا" وقالوا: هو غلط وخطأ. وذكر النحاس وغيره، أن في الكلام حذفاً والتقدير: أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع. قوله: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } معطوف على {لا يؤمنون} قيل والمعنى: تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار، وحرّ الجمر {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ } في الدنيا {وَنَذَرُهُمْ } في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. وقيل المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أوّل مرة عند ظهور المعجزة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، ونذرهم في طغيانهم يعمهون، أي يتحيرون، والكاف في {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ } نعت مصدر محذوف، و"ما" مصدرية، و {يَعْمَهُونَ } في محل نصب على الحال. قوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ } أي لا يؤمنون ولو نزلنا إليهم الملائكة كما اقترحوه بقولهم: {أية : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام: 8] {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ } الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم، فقالوا لهم: إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله، فآمنوا به، لم يؤمنوا {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء } مما سألوه من الآيات {قُبُلاً } أي كفلاً وضمناً بما جئناهم به من الآيات البينات. هذا على قراءة من قرأ {قبلاً} بضم القاف وهم الجمهور. وقرأ نافع، وابن عامر، "قبلاً" بكسرها أي مقابلة. وقال محمد بن يزيد المبرد: {قبلاً} بمعنى ناحية، كما تقول لي قبل فلان مال، فقبلاً نصب على الظرف، وعلى المعنى الأوّل ورد قوله تعالى: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 92] أي يضمنون، كذا قال الفراء. وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل قبيل: أي جماعة جماعة. وحكى أبو زيد، لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً كله واحد، بمعنى المواجهة، فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان. والحشر: الجمع {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } إيمانهم، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والاستثناء مفرغ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } جهلاً يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب. قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ } هذا الكلام لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم، أي مثل هذا الجعل {جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } والمعنى: كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار، فجعلنا لكل واحد منهم عدواً من كفار زمنهم، و {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } بدل من {عدواً}. وقيل هو المفعول الثاني لجعلنا. وقرأ الأعمش "الجن والإنس" بتقديم الجن، والمراد بالشياطين المردة من الفريقين، والإضافة بيانية، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل الإنس والجن: الشياطين، وجملة {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } في محل نصب على الحال، أي حال كونه يوسوس بعضهم لبعض. وقيل إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدوّ، وسمي وحياً لأنه إنما يكون خفية بينهم، وجعل تمويههم زخرف القول لتزيينهم إياه، والمزخرف: المزين، وزخارف الماء طرائفه، و {غُرُوراً } منتصب على المصدر، لأن معنى يوحي بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غروراً، ويجوز أن يكون في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً له، والغرور: الباطل. قوله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقاً من الأمور التي جرت من الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله، أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدّم ذكره ما فعلوه وأوقعوه وقيل: ما فعلوا الايحاء المدلول عليه بالفعل {فَذَرْهُمْ } أي اتركهم، وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } تفسير : [المدثر: 11] {وَمَا يَفْتَرُونَ } إن كانت "ما" مصدرية فالتقدير: اتركهم وافتراءهم، وإن كانت موصولة فالتقدير: اتركهم والذي يفترونه. قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } اللام في لتصغي لام كي، فتكون علة كقوله: {يُوحِى } والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض لغرورهم ولتصغى. وقيل: هو متعلق بمحذوف يقدر متأخراً، أي لتصغى {جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } وقيل: إن اللام للأمر وهو غلط، فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل، والإصغاء: الميل، يقال صغوت أصغو صغواً، وصغيت أصغى؛ ويقال صغيت بالكسر؛ ويقال أصغيت الإناء: إذا أملته ليجتمع ما فيه، وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض، ويقال صغت النجوم: إذا مالت للغروب، وأصغت الناقة: إذا أمالت رأسها، ومنه قول ذي الرمة:شعر : تصغي إذا شدّها بالكور جانحة حتى إذا ما استوى في غرزها وثبت تفسير : والضمير في {إليه} لزخرف القول، أو لما ذكر سابقاً من زخرف القول وغيره، أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} من الكفار، {وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم بعد الإصغاء إليه {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } من الآثام، والاقتراف: الاكتساب؛ يقال خرج ليقترف لأهله، أي ليكتسب لهم، وقارف فلان هذا الأمر: إذا واقعه، وقرفه: إذا رماه بالريبة، واقترف: كذب، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء. وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: نزلت {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } في قريش {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} يا أيها المسلمون {أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قريشاً فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها البحر، وأن عيسى كان يحيـي الموتى، وأن ثمود لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟"تفسير : قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، قال: "حديث : فإن فعلت تصدقوني؟"تفسير : قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال: "حديث : بل يتوب تائبهم"تفسير : ، فأنزل الله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } إلى قوله: {يَجْهَلُونَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء وردّت عن كل أمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عنه {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } قال: معاينة {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } أي: أهل الشقاء {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } أي فعاينوا ذلك معاينة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال: أفواجاً قبيلاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } قال: إن للجنّ شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجنّ، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، وأضلله بكذا، فهو: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } وقال ابن عباس: الجنّ هم الجانّ وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس والجنّ يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإنس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 121]. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال: من الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، زخرف القول قال: يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا ذر تعوّذ بالله من شرّ شياطين الجن والإنس"تفسير : ، قال: يا نبيّ الله وهل للإنس شياطين؟ قال: "حديث : نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن أبي ذرّ مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {ولتصغى} لتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه {ولتصغي} تزيغ {وَلِيَقْتَرِفُواْ} يكتسبوا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} هؤلاء قوم من مشركي أهل مكة حلفوا بالله لرسوله صلى الله عليه وسلم لئن جاءتهم آية اقترحوها ليؤمنن بها، قال ابن جريج: هم المستهزئون. واختلف في الآية التي اقترحوها على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تجعل لنا الصفا ذهباً. والثاني: ما ذكره الله في آخر: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسِقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفَاً} إلى قوله: {كِتَاباً نَقْرؤُهُ} فأمر الله نبيه حين أقسموا له أن يقول لهم {قُلْ إِنَّمَا الأَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ}. والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى في الشعراء: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُم لَهَا خَاضِعِينَ} قال المشركون: أنزلها علينا حتى نؤمن بها إن كنت من الصادقين، فقال المؤمنون: يا رسول الله أنزلها عليهم ليؤمنوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله الكلبي: وليس يجب على الله إجابتهم إلى اقتراحهم لا سيما إذا علم أنهم لا يؤمنون بها، واختلف في وجوبها عليه إذا علم إيمانهم بها على قولين وقد أخبر أنهم لا يؤمنون بقوله: {وَمَا يُشْعُرِكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ}. ثم قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم وَأَبْصَارَهُم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهذا من الله عقوبة لهم، وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عقوبة من الله في الآخرة يقلبها في النار. والثاني: في الدنيا بالحيرة حتى يزعج النفس ويغمها. والثالث: معناه أننا نحيط بذات الصدور وخائنة الأعين منهم. وفي قوله: {أَوَّلَ مَرَّةٍ} تأويلان: أحدهما: أول مرة جاءتهم الآيات. والثاني: أن الأول أحوالهم في الدنيا كلها، ثم أكد الله تعالى حال عنتهم.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {وأقسموا} عائد على المشركين المتقدم ذكرهم و {جهد} نصب على المصدر العامل فيه {أقسموا} على مذهب سيبويه لأنه في معناه، وعلى مذهب أبي العباس المبرد فعل من لفظة، واللام في قوله {لئن} لام موطئة للقسم مؤذنة به، وأما اللام المتلقية للقسم فهي قوله {ليؤمن} و {آية} يريد علامة، وحكي أن الكفار لما نزلت {أية : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} تفسير : [الشعراء:4] أقسموا حينئذ أنها إن نزلت آمنوا فنزلت هذه الآية. وحكي أنهم اقترحوا أن يعود الصفا ذهباً وأقسموا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في ذلك فجاءه جبريل فقال له إن شئت أصبح ذهباً فإن لم يؤمنوا هلكوا عن آخرهم معاجلة كما فعل بالأمم إذا لم تؤمن بالآيات المقترحة، وإن شئت أخروا حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل حتى يتوب تائبهم ونزلت هذه الآية، وقرأ ابن مصرف "ليؤَمنَنْ" بفتح الميم والنون وبالنون الخفيفة، ثم قال تعالى قل لهم يا محمد على جهة الرد والتخطية إنما الآيات بيد الله وعنده, ليست عندي فتقترح عليّ, ثم قال {وما يشعركم} فاختلف المتأولون فمن المخاطب بقوله {وما يشعركم} ومن المستفهم بـ " ما " التي يعود عليها الضمير الفاعل في "يشعركم "، فقال مجاهد وابن زيد: المخاطب بذلك الكفار، وقال الفراء وغيره, المخاطب بها المؤمنون، {وما يشعركم} معناه وما يعلمكم وما يدريكم، وقرأ قوم "يشعرْكم" بسكون الراء، وهي على التخفيف، ويحسنها أن الخروج من كسرة إلى ضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية داود الأيادي "إنها" بكسر الألف على القطع واستئناف الإخبار، فمن قرأ "تؤمنون" بالتاء وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبة أولاً وآخراً للكفار، ومن قرأ "يؤمنون" بالياء وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي فيحتمل أن يخاطب أولاً وآخراً المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله {وما يشعركم} الكفار ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، ومفعول {يشعركم} الثاني محذوف ويختلف تقديره بحسب كل تأويل, وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي وابن عامر "أنها" بفتح الألف، فمنهم من جعلها "أن" التي تدخل على الجمل وتأتي بعد الأفعال كعلمت وظننت وأعمل فيها {يشعركم}، والتزم بعضهم "أن لا" زائدة في قوله {لا يؤمنون} وأنّ معنى الكلام وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو تؤمنون فزيدت لا كما زيدت في قوله {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} تفسير : [الأنبياء: 95] لأن المعنى وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، وكما جاءت في قول الشاعر: [الطويل] شعر : أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتىً لا يَمْنَعُ الجُود قاتِلُهْ تفسير : قال الزجاج أراد "أبى جوده البخل"، كما جاءَت زائدة في قول الشاعر: شعر : أفمنك لا برق كان وميضه غاب تسنمه ضرام مثقب تفسير : ودعا إلى التزام هذا حفظ المعنى لأنها لو لم تكن زائدة لعاد الكلام عذراً للكفار وفسد المراد بالآية، وضعّف الزجّاج وغيره زيادة لا وقال هذا غلط ومنهم من جعل "أنها" بمعنى لعلها وحكاها سيبويه عن الخليل وهو تأويل لا يحتاج معه إلى تقدير زيادة لا، وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب: وما أدراكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، ومن هذا المعنى قول الشاعر [أبو النجم]: [الراجز] شعر : قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ أنَّى تَغذّى القومُ من شوائِهِ تفسير : فهذه كلها بمعنى لعل وضعّف أبو علي هذا بأن التوقع الذي لا يناسب الآية بعد التي حكمت بأنهم لا يؤمنون، وترجح عنده في الآية أن تكون "أن" على بابها وأن يكون المعنى قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت "لا يؤمنون"، فهو لا يأتي بها لإصرارهم على كفرهم، وتكون الآية نظير قوله تعالى: {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} تفسير : [الإسراء:59] أي بالآيات المقترحة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويترتب على هذا التأويل أن تكون "ما" نافية، ذكر ذلك أبو علي فتأمل وترجح عنده أيضاً أن تكون لا زائدة، وبسط شواهده في ذلك، وحكى بعض المفسرين أن في آخر الآية حذفاً يستغنى به عن زيادة لا، وعن تأويلها بمعنى لعل وتقديره عندهم أنها إذا جاءت "لا يؤمنون" أو يؤمنون. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف لا يعضده لفظ الآية ولا يقتضيه وتحتمل الآية أن يكون المعنى يتضمن الإخبار أنهم لا يؤمنون، وقيل لهم وما يشعركم بهذه الحقيقة أي لا سبيل إلى شعوركم بها وهي حق في نفسها وهم لا يؤمنون أن لو جاءت، و {ما} استفهام على هذا التأويل، وفي مصحف ابن مسعود "وما يشعركم إذا جاءتهم يؤمنون" بسقوط أنها، وقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا} المعنى على ما قالت فرقة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار وفي لهيبها في الآخرة لما لم يؤمنوا في الدنيا ثم استأنف على هذا ونذرهم في الدنيا {في طغيانهم يعمهون}. وقالت فرقة إنما المراد بالتقليب التحويل عن الحق والهدى، والترك في الضلالة والكفر، ومعنى الآية أن هؤلاء الذين أقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لو يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من عبادة الله، فأخبر الله تعالى على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقرأ أبو رجاء "يذرهم" بالياء ورويت عن عاصم، وقرأ إبراهيم النخعي "ويقلب ويذرهم" بالياء فيهما كناية عن الله تبارك وتعالى وقرأ أيضاً فيما روى عنه مغيرة "وتَقلَب" بفتح التاء واللام بمعنى وتنقلب أفئدتهم وأبصارهم بالرفع فيهما، "ويذرْهم" بالياء وجزم الراء، وقالت فرقة قوله {كما} في هذه الآية إنما هي بمعنى المجازاة أي لما لم يؤمنوا أول مرة نجازيهم بأن نقلب أفئدتهم عن الهدى ونطبع على قلوبهم, فكأنه قال ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم جزاء لما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من الشرع، والضمير في "به" يحتمل أن يعود على الله عز وجل أو على القرآن أو على النبي عليه السلام، و {نذرهم} معناه نتركهم، وقرأ الأعمش والهمداني "ويذرهم" بالياء وجزم الراء على وجه التخفيف، والطغيان: التخبط في الشر والإفراط فيما يتناوله المرء، والعمى التردد والحيرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَئِن جَآءَتْهُمْ} لما نزل {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً} تفسير : [الشعراء: 4] قالوا: للرسول صلى الله عليه وسلم أنزلها حتى نؤمن بها إن كنت من الصادقين، فقال المؤمنون: أنزلها عليهم يا رسول الله ليؤمنوا، فنزلت هذه، أو أقسم المستهزئون إن جاءتهم آية اقترحوها ليؤمنن بها وهي أن يحول الصفا ذهباً، أو قولهم {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ}تفسير : إلى قوله: {أية : نَّقْرَؤُهُ}تفسير : [الإسراء: 90 - 93] ولا يجب على الله إجابتهم إلى اقتراحهم إذا علم أنهم لا يؤمنون، وإن علم ففي الوجوب قولان.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} قال محمد بن كعب القرظي والكلبي:حديث : قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كانت له عصاً يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى فأتنا بآية حتى نصدقك ونؤمن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي شيء تحبون"؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً وابعث لنا بعض موتانا نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فعلت بعض ما تقولون أتصدقوني"؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعك أجمعون. وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يدعو الله عز وجل أن يجعل الصفا ذهباً فجاءه جبريل فقال ما شئت أن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم يصدقوك لنعذبهم وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل يتوب تائبهم" فأنزل الله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} تفسير : يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه {لئن جاءتهم آية} يعني كما جاءت من قبلهم من الأمم {ليؤمنن بها} يعني ليصدقن بها {قل} يعني قل يا محمد {إنما الآيات عند الله} يعني أن الله تعالى قادر على إنزالها {وما يشعركم} يعني: وما يدريكم. ثم اختلف في المخاطبين بقوله وما يشعركم فقيل هو خطاب للمشركين الذين أقسموا بالله وقيل هو خطاب للمؤمنين واختلفوا في قوله {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} فقرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصي إنها بكسر الألف على الابتداء وقالوا تم الكلام عند قوله وما يشعروكم على معنى وما يدريكم ما يكون منهم ثم ابتداء فقال: {إنها إذا جاءت لا يؤمنون} فمن جعل الخطاب للمشركين قال معناه وما يشعركم أيها المشركون أنها يعني الآيات إنها إذا جاءت آمنتم. ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه وما يشعركم أيها المؤمنون إذا جاءت آمنوا لأن المؤمنين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم الله بقوله: {وما يشعركم} ثم ابتدأ فقال تعالى إنها: {إذا جاءت لا يؤمنون} وهذا في قوم مخصوصين حكم الله عز وجل عليهم بأنهم لا يؤمنون وذلك لسابق علمه فيهم وقرأ الباقون أنها بفتح الألف وجعلوا الخطاب في ذلك للمؤمنين لأن المؤمنين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات حتى يؤمن المشركون بها إذا رؤوها لأن المشركين كانوا حلفوا أنهم إذا جاءتهم آية آمنوا وصدقوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات لذلك فقال الله تعالى: وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فعلى هذا اختلفوا في لفظة لا من قوله لا يؤمنون فقيل هي صلة والمعنى وما يشعركم إنها إذا جاءت يؤمنون وقيل هي على بابها وفيه حذف والمعنى وما يشعركم أنها إذا جاءتهم يؤمنون أو لا يؤمنون وقيل إن بمعنى لعل في قوله إنها إذا جاءت وكذلك هو في قراءة أبيّ بن كعب لعلها إذا جاءت وهذا سائغ في كلام العرب تقول العرب: أئت السوق أنك تشتري لنا شيئاً، بمعنى لعلك ومنه قول عدي بن زيد: شعر : أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد تفسير : يعني لعل منيتي.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الآية الكريمة. لما طَعَنُوا في النُّبُوة بِمُدَارسة العُلمَاء، حتى عَرَف التَّوْراة والإنجيل، ثم جعل السُّور والآياتِ بِهَذا الطَّريق، وأجاب اللَّه - تعالى - عن هذه الشُّبْهَة، ذكر في هذه الآية شُبْهَة لَهُم أخْرَى، وهي أنَّ هذا القرآن العَظيم لَيْس من جِنْس المُعْجِزاتِ البَيِّنَة، ولو أنَّك يا محمَّد جِئْتَنا بِمُعْجِزَة وبيِّنَة بَاهِرة، لآمَنَّا بك وحلفوا على ذلك، وبالغُوا على ذلك تَأكيد الحَلْف. قال الواحدي: إنَّما سُمِّي اليمين بالقَسَم؛ لأن اليَمين مَوْضُوعة لِتَأكيد الخَبَر الَّذِي يُخْبرُ به الإنْسَان: إمَّا مُثْبِتاً للشَّيء، وإمَّا نافياً، ولما كان الخبر يَدْخله الصِّدْق والكذِب، احَتَاج المُخبر إلى طريق به يُتَوسَّل إلى تَرْجِيح جَانِب الصِّدْق على جَانِب الكَذب، وذلك هو الحَلْف، ولما كانت الحَاجَةُ إلى ذَكْر الحَلف، إنَّما تَحْصُل عن انْقِسام النَّاس عند سَمَاع ذلك الخبر إلى مُصدِّق به ومُكذِّب به, سَمُّوا الحَلْف بالقَسَم، وبنُوا تِلْك الصِّيغَة على "أفْعَل" وقالُوا: أقسم فلانٌ يقسم إقساماً، وأرَادُوا: أنه أكَّد القَسَم الذي اخَتَاره، وأحَال الصِّدْق إلى القَسَم الذي اختارَه بواسِطَة الحَلْفِ واليَمِين. قوله: "جَهْد أيْمَانِهِم" تقدم الكلام عَلَيه في "المائدة". وقرأ طَلْحَة بن مُصَرِّف: "ليُؤمَنَنْ" مَبْنياً للمفعول مؤكّداً بالنون الخفيفة، ومَعْنَى "جهد أيمانهم": قال الكَلْبِيُّ ومُقَاتِل: إذا حلف الرَّجُل باللَّه جَهْد يَمِينه، وقال الزَّجَّاج: بالَغُوا في الأيْمَان. فصل في سبب النزول قال مُحَمَّد بن كَعْب القُرظي: حديث : قالت قُرَيش: يا مُحَمَّد إنَّك تُخْبِرنا أنَّ مُوسَى - عليه الصَّلاة والسلام - كانت معه عَصاً يَضْرِب بها الحجر، فَيَنْفَجِر منه الماءُ اثْنَتي عَشْرَة عَيْناً، وتُخْبِرُنا: أنَّ عيسَى كان يُحْيِي الموْتَى، وأن صَالِحاً أخَرْج النَّاقَة من الجَبَل؛ فأتِنَا أنْتَ أيْضاً بآيةٍ، لِنُصَدِّقَك. فقال - عليه الصلاة والسلام -: ما الذي تُحِبُّون؟ قالوا: تَجْعل لنا الصَّفَا ذَهَباً، أو ابْعث لنا بَعْض مَوتَانا حتى نَسْأله عنك؛ أحقُّ ما تَقُول، أمْ بَاطِلٌ، أو أرنا الملائكة يَشْهَدُون ذَلِك، فقال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: فإن فَعَلْت بَعْضَ ما تَقُولُون، أتصدِّقُونَنِي؟ قالوا: نَعَمْ واللَّه، لأن فعلْت، لنتَّبِعَنَّكَ، فقام - عليه الصلاة والسلام - يدعو فَجَاءَهُ جِبْريل - عليه الصلاة والسلام - وقال: إن شئْت، كان ذَلِك ولَئِنْ كان، فلم يصَدَّقوا عنده، لنُعَذَّبَنهُمْ، وإن شئت تركتهُم حتى يَتُوب تَائِبُهم، فقال - عليه الصلاة والسلام - بل حتَّى يَتُوب تَائِبُهم، فأنْزَل الله - تعالى - الآية الكريمة . تفسير : وقيل: لما نزل قوله - تعالى -: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء:4]، أقْسَم المُشرِكُون باللَّه، لئن جَاءَتْهُم آية، ليُؤمِنُنَّ بها، فنزلت الآية الكريمة. واخْتَلَفُوا في المُرَاد بالآية. فقيل: ما تقدَّم من جعل الصَّفَا ذهباً. وقيل: هي الأشْيَاء المذْكُورة في قوله - تبارك وتعالى -: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء:90]. وقيل: إن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُخْبِرُهم: بأنَّ عذاب الاسْتِئْصال كان يَنْزِل بالأمَمِ المَاضِية الذين كذَّبُوا أنْبِيَاءَهُم، فالمُشْرِكون طَلَبُوا مِثْلَها. قوله: "إنَّما الآيَاتُ عِنْد اللَّه" ذكروا في لَفْظِةِ "عِنْد" وجوهاً: فقيل: معناه: أنه - تبارك وتعالى - هو المُخْتَصُّ بالقُدْرَة على أمْثَال هذه الآيات دون غَيْره؛ أن المُعجِزَات الدَّالَّة على النُبُّوَّات، شرطها أن لا يَقْدِر على تَحْصيلها أحَد إلى الله - تعالى -. وقيل: المُراد بالعِنديَّة: أن العِلْم بأن إيجاد هذه المُعْجِزَات، هل يَقتضي إقْدَام هؤلاء الكُفَّار على الإيمان أم لا؟ ليْس إلا عِنْد اللَّه، كقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام:59]. وقيل: المراد: أنَّها وإن كانت مَعْدومة في الحالِ، إلا أنَّه - تعالى - متى شَاءَ، أوْجَدَها، فَهِي جَارِيَةٌ مُجْرى الأشْيَاء الموضُوعة عِنْد اللَّه، يُظْهِرهَا متى شاء، وليْس لكُم أنْ تَتَحَكَّموا في طَلَبِها، ولَفْظ "عند" على هذا؛ كما قي قوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} تفسير : [الحجر:21]. قوله: "وَمَا يُشْعِرُكُم" "ما": استِفْهَامِيَّة مُبْتَدأ، والجملة بَعْدَها خَبْرُهَا، وفاعل "يُشْعِر" يعود عَلَيْها، وهي تتعدى لاثْنَيْن. الأوَّل: ضمير الخطاب. والثاني: مَحْذُوف، أي: وأيُّ شَيءْ يدرِيكُم إيمانُهم [إذا جَاءَتْهُم الآيَات التي اقْترَحُوها. قال أبو علي: "مَا" استِفْهَام، وفَاعِل "يُشْعِرُكُم" ضمير "مَا" والمعنى: وما يُدْرِيكم إيمانهم؟ فحذف المَفْعُول، وحذف المفعُول كَثِير]. والمعنى أي: بِتَقْدير أنْ تَجِيئَهم هَذِه الآيَات، فهم لا يُؤمِنُون. وقرأ العامَّة: انها بِفَتْح الهَمْزة، وابن كثيرٍ وأبُو عَمْرو، وأبُو بَكْر بخلاف عنه بِكَسْرِها. فأمَّا قراءة الكَسْر: فَوَاضِحَة اسْتجودها النَّاس: الخَلِيل وغيْره، لأن معناها: اسْتِئْنَاف إخْبَار بعدم إيمان من طُبع على قَلْبِه، ولو جَاءَتْهُم كلُّ آيَة. قال سيبويه: سَألْتُ الخَلِيل عن هذه القراءة يعني: قِرَاءة الفَتْح فَقُلْت: ما مَنَع أن يكُون كقولك: ما يُدْرِيك أنّه لا يَفْعل؟ فقال: لا يَحْسُن ذلك في هذا المَوْضِع، إنَّما قال: "ومَا يُشْعِرُكم" ثم ابْتِدأ؛ فأوْجَب، فقال: "إنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون" ولو فتح, فقال: {وما يُشْعِرُكُم أنَّها إذا جَاءَتْ لا يُؤمِنُون}، لكان عُذْراً لهم، وقد شرح النَّاس قَوْل الخَلِيل، وأوْضَحُوه، فقال الواحدي وغيره: لأنَّك لو فَتَحْت "أنّ" وجَعَلْتَها الَّتِي في نَحْو: بَلَغَنِي أنَّ زيداً مُنْطَلِق، لكان عُذْراً لمنَ أخبر عَنْهُم أنَّهم لا يُؤمِنُون؛ لأنَّه إذا قال القَائِل: "إنَّ زَيْداً لا يُؤمِن" فقلت: وما يُدْرِيك أنَّه لا يُؤمِن؟ كان المَعْنَى: أنه يُؤمِن، وإذا كان كذلك، كان عُذْراً لمن نفي عنه الإيمان، وليس مُرادُ الآية الكريمة، إقامة عُذْرهم، ووجود إيمانهم. وقال الزَّمَخْشَري: "وقُرِئ "إنَّها" بالكَسْر؛ على أنَّ الكلام قد تمَّ قبْله بِمَعْنَى: "مَا يُشْعِرُكُم ما يَكُون مِنْهُم" ثمَّ أخبَرَهم بِعِلْمه فِيهِم، فقال: إنَّها إذَا جَاءَت، لا يُؤمِنُون". وأما قِرَاءة الفَتْح: فقد وَجَّهَها النَّاسُ على سِتَّة أوْجُه: أظهرها: أنَّها بمعنى: لَعَلَّ، حكى الخَلِيل "أتيت السُّوق أنَّك تَشْتَرِي لَنَا مِنْهُ شَيْئاً" أي: "لَعَلَّك" فهذا من كلام العرب - كما حَكَاه الخَلِيل - شَاهد على كَوْن "أنَّ" بِمَعْنَى لَعَلَّ وأنْشَد أبو جَعْفَر النَّحَّاس: [الطويل] شعر : 2280- أرينِي جَوَاداً مَاتَ هُزْلاً لأنَّنِي أرَى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلاً مُخَلَّدَا تفسير : وقال امرؤ القيس - أنشده الزَّمَخْشَريُّ - [الكامل] شعر : 2281- عُوجَا على الطَّلَلِ المُحِيلِ لأنَّنَا نبْكِي الدِّيارَ كَمَا بَكَى ابْنُ حِذَامِ تفسير : وقال جري: [الوافر] شعر : 2282- هَل انْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لَعَنَّا نَرَى العَرَصَاتِ أوْ أثَرَ الخِيَامِ تفسير : وقال عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ: [الطويل] شعر : 2283- أعَاذِل مَا يُدْريكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى سَاعَةٍ في اليَوْمِ أوْ فِي ضُحَى الغَدِ تفسير : وقال آخر: [الزجر] شعر : 2284- قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهْ أنَّا نُغَذِّي النَّاسَ مِنْ شِوَائِهْ تفسير : فـ "أنَّ" في هذه المواضِع كلِّها بِمَعْنَى: "لعلَّ" قالوا: ويدلُّ على ذَلِك أنَّها في مُصْحَف أبَيِّ وقراءته: "وما أدْرَاكُم لعلَّها إذا جَاءَتْ لا يُؤمِنُون" ونُقِل عنه: "وما يُشْعِرُكم لعلِّها إذَا جَاءَت لا يُؤمِنُون" ذكر أبُو عُبَيْد وغيره، ورَجَّحُوا ذلك أيْضاً بأنَّ "لَعَلَّ" قد كَثُر ورودُها في مِثْل هذا التَّركِيب؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى:17]، {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} تفسير : [عبس:3]، وممَّن جعل "أنَّ" بِمَعْنَى: "لعل" أيْضاً، يَحْيَى بن زِيَاد الفرّاء. ورجَّح الزَّجَّاج فقال: "زعم سِيبوَيْه عن الخَلِيل، أن مَعْنَأها: "لَعَلَّهَا" قال: "وهَذَا الوَجْه أقْوى في العَرَبِيَّة وأجود" ونَسَب القراءة لأهْل المدينة, وكذا أبُو جَعْفَر. قال شهاب الدِّين: وقراءة الكُوفيِّين، والشَّامِيِّين أيضاً، إلاَّ أن أبَا عَلِيَّ الفارسيَّ ضعَّف هذا القَوْل الَّذِي استجوده النَّاسُ، وقوَّوْهُ تَخْريجاً لهذه القِراءة، فقال: "التَّوَقُّع الَّذِي تدلّ عليه "لَعَلَّ" لا يُنَاسب قراءة الكَسْر، لأنها تدلُّ على حُكْمِه - تعالى - عليهم بأنَّهم لا يُؤمِنُون" ولكنَّه لمَّا مَنَعَ كونها بِمَعْنَى: "لعل" لم يَجْعَلْها مَعْمُولة لـ "يُشْعِرُكُم" بل جَعَلها على حَذْف لام العِلَّة، أي: لأنَّها، والتَّقْدِير عنده: "قل إنَّما الآياتِ عِنْد اللَّهِ، لأنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون". فهو لا يَأتِي بَهَا؛ لإصْرارهم على كُفْرِهم، فيَكُون نَظِير: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء:59]، أي بالآيات المُقْتَرحة، وعلى هذا فيَكُون قوله: "وما يُشْعِرُكُم" اعتِرَاضاً بين العِلَّة والمَعْلُول. الثاني: ان تكون "لاَ" مَزِيدة، وهذا رَأي الفرَّاء وشيخه، قال: ومثله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف:12] أي: "أنْ تَسْجُد" فيكون التَّقْدير: وما يُشْعِرُكُم أنَّها إذا جَاءَت يُؤمِنون، والمعنى على هذا: أنَّها لو جَاءَت لم يُؤمِنُوا، وإنما حمله على زِيَادَتِها ما تقدَّم من أنَّها لو تُقدَّر زَائِدة، لكان ظَاهِرُ الكلام عُذْراً لكُفَّار، وأنَّهم يُؤمِنون كا عرفت تَحْقيقه أولاً، إلا أن الزَّجَّاج نسب ذلك إلى الغَلَط، فقال: "والَّذِي ذكر أنَّ "لا" لَغْو، غالط؛ لأن ما يَكُون لَغْواً، لا يكون غَيْر لَغْوٍ، ومن قَرَأ بالكَسْر، فالإجْمَاع: على أنَّ "لا" غير لَغْو" فليس يَجُوز أن يكُون مَعْنَى لفظة: مرةً النَّفْي، ومرَّة الإيجاب في سِيَاق واحد. وانتصر الفارسيّ لقول الفرَّاء، ونفي عنه الغَلَط، فإنَّه قال: "يجوزُ أن تكون "لا" في تأويل زَائِدةً، وفي تَأويل غَيْر زَائِدة؛ كقول الشَّاعِر في ذلك: [الطويل] شعر : 2285- أبَى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ نَعَمْ بِهِ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ نَائِلُهْ تفسير : يُنشد بالوَجْهَيْنِ، أي: بِنَصْب "البُخْل" وجرِّه، فَمَنْ نَصَبَه، كانت زائدة، أي: "أبَى جُودُه البُخْلَ" ومَنْ خَفَضَ، كانت غَيْر زَائِدة، وأضَافَ "لاَ" إلى البُخْلِ". قال شهاب الدِّين: وعلى تَقْدير النَّصْب، لا يَلْزَم زِيَادتها؛ لجوازِ أن تكُون "لا" مَفْعُولاً بِهَا، و "البُخْل" بدل مِنْهَا، أي: "أبَى جُودُه لَفْظَ "لا" ولفظ "لا" هو بُخْل". وقَدْ تقدَّم لك طَرف من هذا محقَّقاً عند قوله - تعالى -: {أية : وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة:7] [في أوائل هذا الموضوع] وسَيَمُرُّ بك مَوَاضِع مِنها؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء:95]. قالوا: تَحْتَمل الزِّيَادة، وعدمها وكذا {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف:12] {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد:29]. الثالث: أن الفَتح على تَقْدِير لام العِلَّة، والتَّقْدير: "إنما الآيات التي يَقْتَرِحُونها عِنْد اللَّه؛ لأنَّها إذا جَاءتَ لا يُؤمِنُون"، و "ما يُشْعِرُكُم" اعتِرَاض كما تقدَّم تَحْقيق ذلك عن أبي عَلِيِّ، فأغنى عن إعَادَتِهِ، وصار المَعْنَى: "إنَّما الآيَات عند اللَّه، أي: المُقْترحة لا يأتي بِهَا؛ لانْتِفَاء إيمانهم، وإصْرارِهْم على كُفْرِهم". الرابع: أن في الكلام حَذْف مَعْطُوف على ما تقدَّم. قال أبُو جَعْفَر في مَعَانيه: وقيل في الكلام حَذْف، والمعنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءت لا يُؤمِنُون أو يُؤمِنُون، فحذفَ هذا لِعْلِم السَّامِعِ، وقدَّرَه غَيره: "ما يُشْعِرُكُم بانْتِفَاء الإيمان، أو وقُوعه". الخامس: أن "لا " غير مزيدة، وليس في الكلام حَذْف، بل المَعْنَى: "وما يُدريكم انتِفَاء إيمانهم" ويكون هَذَا جواباً لمن حُكِم عليْهم بالكُفر ويُئِس من إيمانِهِم. وقال الزَّمَخْشَرِي: "وما يُشْعِرُكم: وما يُدْرِيكُم أنها، أي: أن الآيات التي يَقترِحُونها" "إذا جاءت لا يُؤمِنُون بِهَا" يَعْنِي: "أنَا أعلم أنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون بِهَا، وأنتم لا تَدْرُون بِذَلك". وذلك أنّ المُؤمنين كانُوا حَرِيصين على إيمانهم، وطامعين فيه إذا جَاءَت تلك الآيَة، ويتمنَّوْن مَجيئها، فقال - عز وجلَّ -: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} على مَعْنَى: أنكم لا تَدْرُوْنَ ما سَبَقَ عِلْمي بهم، أنهم لا يُؤمِنُون؛ ألا ترى إلى قوله: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110] انتهى. قال شهاب الدِّين: بَسْطُ قوله إنَّهم كَانُوا يَطْمعُون في إيمانهم، ما جَاءَ في التَّفْسِير: أن المُشْركين قَالُوا لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أنْزِلَ عَلَيْنَا الآية الَّتي قال اللَّه فيها: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء:4] ونحن واللَّه نُؤمِن، فأنزل الله تعالى: "وما يُشْعِرُكُم" إلى آخرها وهذا الوَجْه: هو اخْتِيَار أبي حيَّان، فإنَّه قال: "ولا يَحْتَاج الكلام إلى زِيَادة "لاَ" ولا إلى هذا الإضْمَار، يعني حَذْفَ المَعْطُوف، ولا إلى "أنَّ" بِمَعْنَى: لعَّل، وهذا كلُّه خُروجٌ عن الظَّاهِر لغير ضَرُورة، بل حَمْلُه على الظَّاهِر أوْلى، وهو وَاضِحٌ سائغٌ، أي: وما يُشْعِرُكم ويُدْرِيكم بِمَعْرِفة انْتِفَاء إيمانهم، لا سَبِيل لَكُم إلى الشُّعُور بِهَا". السادس: أن "مَا" حَرْف نَفْي، يَعْني: أنه نَفى شُعُورهم بِذلكِ، وعلى هذا فَيُطْلَبُ لـ "يُشْعركُمْ" فاعل. فقيل: هو ضَمِير الله - تعالى - أضْمر للدَّلالة عَلَيْه، وفيه تكلُّف بعيد، أي: "وما يُشْعِركُم اللَّه أنَّها إذا جاءَت الآيات المُقْتَرحَة لا يُؤمِنُون". وقد تقدَّم في البقرة كيْفِيَّة قِرَاءة أبي عَمْرو لـ "يُشْعركم" و" {أية : يَنصُرْكُمُ} تفسير : [آل عمران:160]، ونحوهما عند قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} تفسير : [البقرة:67]، وحَاصِلُها ثلاثة أوْجُه: الضَّمُّ الخَالِص، والاختلاس، والسُّكُون المحض. وقرأ الجُمْهُور: "لا يُؤمنُون" بياء الغَيْبَة، وابن عامر، وحمزة بتاء الخِطَاب. وقرأ أيضاً في الجاثية [آية:6] {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ تُؤْمِنُونَ}: بالخِطَاب، واقفهُمَا عليها الكَسَائِي، وأبُو بكر عن عَاصِم، و الباقون: باليَاء للغَيْبَة، فتحصَّل من ذلك أنَّ ابْن عامرٍ، وحَمْزة يقرآن بالخِطَاب في المَوْضِعَيْن، وأن نَافِعاً, وابن كثير، وأبا عَمْرو، وحَفْصاً عن عَاصِم، بالغيبة في الموْضِعَيْن، وأنّ الكَسِائيّ، وأبا بكر عن عن عَاصِم: بالغَيْبَة هُنَا، بالخِطَاب في الجَاثِية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحْدى السُّورَتَيْن والآخر في أخرى. فأما قِرَاءة الخِطَاب هُناَ: فيكون الظَّاهر من الخِطاب في قوله: "ومَا يُشْعِرُكُم" أنه للكُفَّار، ويتَّضح مَعْنَى هذه القِرَاءة على زيادة "لا" أي: ومَا يُشْعِرُكم أنكم تُؤمِنُون، إذا جَاءَت الآيَات الَّتِي طَلَبْتُمُوها كما أقْسَمْتُم عَلَيْه، ويتَّضحُ أيضاً على كون "أنَّ" بمعنى: لَعَلَّ، مع كون "لا" نَافِية، وعلى كَوْنِها عِلَّة بِتَقْدير: حذف اللاَّم، أي: "إنما الآيات عِنْد الله فلا يَأتِيكم بِهَا؛ لأنَّها إذا جَاءَت لا يُؤمِنُون بها" ويتَّضِحُ أيضاً على كَوْن المَعْطُوف مَحْذُوفاً، أي: "وما يُدْرِيكم بعدم إيمَانِكم، إذا جاءَت الآيات أو وُقُوعه؛ لأن مَآل أمركم مُغَيِّبٌ عَنْكم، فكَيْفَ تُقْسِمُون على الإيمان عِنْد مَجِيء الآيات؟" وإنَّما يُشْكَل؛ إذا جَعَلْنا "أنَّ" معمولة لـ "يُشْعِرُكم" وجَعَلْنَا "لا": نافية غير زَائِدَة؛ إذ يكون المَعْنَى: "وما يُدْرِيكم أيُّهَا المُشْرِكون بانْتِفَاء إيمانكم، إذا جَاءَتْكم"، ويَزُول هذا الإشْكَال بأنَّ المَعْنَى: أيُّ شَيْء يُدْرِيكم بِعَدم إيمانِكُم، إذا جَاءَتْكم الآيَات الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها؟ يعني: لا يمرُّ هذا بِخَواطِرِكم، بل أنْتُم جازِمُونَ بالإيمان عند مَجِيئها، لا يَصُدُّكم عَنْه صادٌّ، وأنا أعْلَمُ أنكم لا تُؤمِنُون وَقْت مَجِيئها؛ لأنكم مَطْبُوع على قُلُوبكُم. وأمَّا على قِراءة الغَيْبَة، فتكون الهَمْزَة معها مكْسُورة؛ وهي قراءة ابْن كَثِير، وأبِي عَمْرو، وأبِي بَكْر عن عَاصِم، ومَفْتوحة؛ وهي قرءاة نافِع، والكسَائي، وحَفْص عن عَاصِم. فعلى قِرَاءة ابْن كَثِير ومَنْ مَعَه يكون الخِطَاب في: "وما يُشْعِرُكُم" جائزاً فيه وجهان: أحدهما: أنَّه خِطَاب للمُؤمِنين، أي: "وما يُشْعِركُم أيُّها المُؤمِنُون إيمانَهُم" ثم اسْتَأنَف إخْباراً عنهم بأنَّهم لا يُؤمِنُون، فلا تَطْمَعُوا في إيمانهم. الثاني: أنه للكُفَّار، أي: "وما يُشْعِرُكم أيُّها المُشْرِكون مَا يَكون مِنْكم" ثم اسْتَأنف إخْبَاراً عَنْهم بِعَدَم الإيمَان؛ لعلمه السَّابق فيهم وعلى هَذَا فِفِي الكلام التِفَاتٌ من خِطَاب إلى غَيْبَة. وعلى قرءاة نَافِع يكون الخِطَاب للكُفَّار، وتكون "أنَّ" بِمَعْنَى: "لعلَّ" كذا قاله أبو شَامَة، وغيره. وقال أبُو حيَّان في هَذهِ القراءة: "الظَّاهر أن الخِطَاب للمُؤمنين، والمَعْنَى: "وما يُدْرِيكم أيُّهَا المُؤمِنُون، أنَّ الآية الَّتِي تَقْتَرِحُونها إذا جاءت لا يُؤمِنَون" يعني: أنا أعْلَم أنَّها إذَا جَاءَت لا يُؤمِنُون بِهَا" ثم سَاق كلام الزَّمَخْشَري بِعَيْنِه الَّذي قدَّمت ذكره عَنْه في الوَجْه الخَامِس قال: "ويبْعدُ جداً أن يكون الخِطَاب في "وَمَا يُشْعِرُكُم" للكُفَّار". قال شهاب الدِّين: إنَّما اسْتَبْعَدَه؛ لأنَّه لم ير في "أنَّ" هَذِه أنَّها بِمَعْنَى: "لَعَل" كما حَكيْته عَنه. وقد جَعَل أبُو حيَّان في مَجْمُوع "أنَّها إذا جاءت لا يؤمِنُون" بالنِّسْبَة إلى كَسْر الهمزة وفَتْحِها، والخِطَاب والغَيْبة أرْبع قِرَاءَات، قال: وقرأ ابْن كثير، وأبو عَمْرو، والعُلَيْمِي، والأعْشَى عن أبي بكر. وقال ابن عَطِيَّة: ابن كَثير، وأبو عمرو، وعَاصِم في رواية داود الأودي: إنَّها بكَسْر الهَمْزة، وقرأ بَاقِي السَّبْعة: بفتحها، وقرأ ابْن عَامِر وحَمْزة: "لا تُؤمِنُون" بتاء الخِطَاب، والبَاقُون بياء الغَيْبَة؛ فترتب أرْبَع قِرَاءات: الأولَى:كَسْرُ الهَمْزَة واليَاءِ، وهي قِرَاءة ابْن كَثِير، وأبي عَمْرو، وأبِي بَكْر بخلاف عَنْه في كَسْر الهَمْزَة ثم قال: القِرَاءة الثَّانية: كَسْر الهَمْزَة والتَّاء وهي رِوَاية العُلَيمِي والأعْشَى عن أبي بَكْرٍ عن عَاصِم، والمُنَاسب: أن يكون الخِطَاب للكُفَّار في هذه القِرَاءة، وكأنَّه قيل: "وما يُدْرِيكُم أيُّهَا الكُفَّار وما يَكُون مِنْكُم"؟ ثم أخْبَرَهُم على جِهَة الجَزَم، أنَّهم لا يُؤمِنُون على تقدير مَجِيئها، ويَبْعُد جداً أن يكون الخِطَاب في: "وما يُشْعِرُكُم" للمُؤمنين، وفي "تُؤمِنُون" للكُفَّار، ثم ذكر القِرَاءة الثُّالِثة، والرَّابعة، ووجَّههُما بنحو ما نقلته عنه النَّاس، وفي إثباته القراءة الثَّانية نظر لا يَخْفَى؛ وذلك أنَّه لما حَكَى قِرَاءة الخِطَاب في "تُؤمِنُون" لم يَحْكِها إلا عن حَمْزَة، وابن عَامِر فقط، ولم يَدْخل مَعَهُمَا أبُو بكر لا من طريق العُلَيْمِي، والأعْشى ولا من طَريق غَيْرهما، والفَرْض: أن حَمْزة وابنَ عَامِر يَفْتَحان هَمْزة "أنَّها" وأبُو بكر يَكْسِرُها ويَفْتَحُها ولَكِنَّه لا يَقْرأ: "يُؤمِنُون" إلاَّ بِيَاء الغَيْبَة، فمن أيْن تجيء لَنا قِرَاءةٌ بكَسْر الهَمْزة، والخطاب؟ وإنما أتَيْتُ بكلامه برُمَّتِه؛ ليُعْرَف المأخذ عليه ثم إني جوَّزْتُ أنْ تكون هذه رِوايةً رَوَاها، فكشفتُ كِتَابَه في القِرَاءاتِ، وكان قد أفْردَ فيه فَصْلاً انْفَرد به العُلَيْمِي في رِوَايته، فلم يَذْكُر أنه قرأ: "تُؤمنُون" بالخِطاب ألبَتَّةَ، ثم كَشَفْتُ كتبا في القِرَاءات عَدِيدة، فلم أرهم ذَكَرُوا ذلك، فَعَرفْت أنَّه لما رأى لِلْهَمْزة حالَتَيْنِ، ولحرف المُضارعة في "يؤمنُون" حالتَيْن, ضرب اثْنَيْن في اثْنَيْن فجاء من ذَلِك أربع قِراءات, ولكن إحْدَاها مُهْمَلة، وقوله: "لا يؤمنون" متعلَّقه مَحْذُوف؛ للعِلْم به، أي: "لا يُؤمِنُون بها". قوله: "ونُقَلِّبُ" في هذه الجُمْلَة وجهان: أحدهما: - ولم يقل الزَّمَخْشَري غيره - أنَّها وما عُطِف علَيْها من قوله: "ويذَرُهُم" عطف على "يُؤمِنُون" داخل في حُكْم "ومَا يُشْعِرُكُم"، بمعنى: "وما يُشْعِرُكُم أنَّهم لا يُؤمِنُون" "وما يشعركم أنَّا نُقِلِّب أفْئِدَتَهُم وأبصارهم"، "وما يُشْعِرُكم أنَّا نَذَرُهم" وهذا يُسَاعده ما جَاء في التَّفْسير عن ابْنِ عَبَّاسٍ، ومُجَاهد، وابن زَيْد. والثاني: أنَّهَا اسِتئْنَاف إخبار, وجعله أبُو حيَّان الظَّاهر، والظَّاهر ما تقدَّم. و "الأفْئِدة": جمع فُؤاد، وهو القَلْبُ، ويطلق على العَقْل. وقال الرَّاغب: الفُؤاد كالقَلْبِ، لكن يُقالَ له: فؤاد إذا اعتبر به مَعْنَى: "التُّفَؤد" أي: "التوقُّد" يقال: "فأدْتُ اللَّحم": "شَوَيْتُه" ومنه "لحم فَئِيد" أي: "مَشْويُّ" وظاهر هذا: أنَّ الفُؤاد غير القَلْبِ، ويقال له: "فؤاد" بالواو الصَّريحة، وهي بَدَل من الهَمْزَة؛ لأنَّه تَخْفِيف قِيَاسيّ، وبه يَقْرأ وَرْش فيه وفي نَظَائِره وصلاً وَوَقْفاً، وحَمْزة وقفاً ويُجْمع على: أفْئِدَة، وهو جَمْع مُنْقَاس، نحو: "غُراب"، و"أغْرِبة" ويجُوز "أفْيِدَة" بِيَاء بعد الهَمْزة، وقرأ بِهَا هِشَام في سُورة إبْراهيم، وسَيَأتي إن - شاء الله تعالى -. فصل في المراد من الآية قال ابن عبَّاس: يَعْني: ويحُول بينهم وبين الإيمان, فلو جئناهم بالآيات التي سَألوا ما آمَنُوا بِهَا كما لَمْ يُؤمنُوا به أوَّل مَرَّة, [أي: كما لو يُؤمِنُوا بما قَبْلَها من الآيات من انْشِقَاق القمر وغيره. وقيل: كما لَو يُؤمِنُوا به أوَّل مرة]؛ يعني: مُعْجِزات مُوسَى وغيره من الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام -؛ كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} تفسير : [القصص:48]. وقال عَليُّ بن أبي طَلْحَة عن ابن عبَّاس: المرَّة الأولى: دار الدنيا لو رُدُّوا من الآخِرة إلى الدُّنيا نُقَلِّب أفْئِدتَهُم وأبْصَارهم عن الإيمان كَمَا لَمْ يُؤمِنوا في الدُّنْيَا قبل مَمَاتهم؛ كقوله: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [الأنعام:28]. فصل في بيان معنى التقليب التَّقْلِيب، والقَلْب وَاحِد: وهو تَحْويل الشَّيء عن وَجْهِه، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكُفْر والإيمان بِقَضَاء اللَّه، وقدره، ومَعْنَى تَقْلِيب الأفْئِدَة والأبْصَار: هو أنه إذا جَاءَتْهُم الآيات القَاهِرة الَّتِي أقْتَرحُوها وعرفوا كَيْفيَّة دلالتها على صِدْق الرَّسُول صلى الله عليه وسلم [إلاَّ أنه تعالى] إذا قَلب قُلُوبَهُم وأبْصَارهم على ذلك الوجه، بَقوْا على الكُفْر ولم يَنْتَفِعُوا بِتِلْك الآيات. قال الجُبَّائي: مَعْناه: ونُقَلِّب أفْئِدَتَهم وأبْصَارهم في جَهَنَّم، على لَهِيب النَّار وجَمْرِها؛ لنُعَذِّبَهُم كما لم يُؤمِنوا به أوّل مرّة في دَارِ الدُّنْيَا. وقال الكَعْبِي: المُرَاد بـ {ونُقَلِّبُ أفْئِدَتهم وأبْصَارَهُم}: نفعل بهم كا نَفْعل بالمُؤمنين من الفَوَائِد والألْطَاف، من حَيْث أخرجوا أنْفَسَهم عن هَذَا الحدِّ؛ بسبب كُفْرهم. وقال القَاضِي: المراد: ونُقَلِّب أفْئِدَتَهُم وأبْصَارهم في الآيات الَّتي ظَهَرت، فلا تَجدَهُم يُؤمِنون بها آخراً كما لم يُؤمِنُوا بِهَا أوّلاً وهذه وُجُوه ضَعِيفة. أما قََوْل الجُبَّائيّ؛ فمدفوع؛ لأنه - تعالى - قال: {ونُقَلِّب أفْئِدَتَهُم وأبْصَارهم} ثم عَطَفْ عليه، وقال: {ونَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُون} فقوله: {ونَذرُهُم} ليس مما يَحْصُل في الآخِرة، فكان سُوءاً للنَّظْم في كلام اللَّه - تعالى - حيث قدَّم المُؤخَّر، وأخَّر المُقدم من غير فَائِدة. وأما قَوْل الكَعْبِي؛ فَضَعِيف؛ لأنه إنما استحق الحِرْمان والخذْلان على زَعْمه؛ بسبب أنَّهم قَلَّبُوا أفئدة أنفسهم فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} أي: نقلب القَلْب من حالةٍ إلى حالة, ومن صِفَة إلى صِفَة وعلى ما يَقُوله القَاضِي فَلَيْس الأمْرَ كَذَلِك, بل القَلْب باقٍ على حالةٍ واحِدَة إلاَّ أنَّه - تعالى - أدخل التَّقْلِيب والتَّبدِيل في الدَّلائل. فصل إنما قدَّم اللَّه - تعالى - ذكر تَقْليب الأفْئِدَة على تَقْليب الأبْصَار؛ لأن مَوْضع الدَّوَاعِي والصَّوَارِف هُوَ القَلْب [فإذا حَصَلَت الدَّاعية في القَلْب, انْصَرَفَ البَصَر إليه شَاءَ أمْ أبَى، وإذا حَصَلَت الصَّوارف في القَلْب] انصرف البَصَر عَنْه هو، وإن كَانَ يُبْصِرُه بحسب الظاهر إلاَّ أنه لا يَصِير ذلك الإبْصَار سَبَباً للُوقُوف على الفَوَائِد المَطْلُوبة وهو مَعْنَى قوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الأنعام:25]، فملا كان المَعْدن هو القَلْب، وأما السَّمع والبَصَر؛ فهما آلتان لِلْقَلْب كانا لا مَحَالة تَابِعَيْن لأحوال القَلْب، فلهذا السَّبَب وقع الابتداء بذِكر تَقَلُّب القُلُوب ههنا، ثم أتْبَعَهُ بذكر السَّمْع. قوله: {كَمَا لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ} الكافُ في محلِّ نَصبٍ، نَعْتاً لِمَصْدر مَحْذُوف و "ما" مَصْدريَّة, والتقدير كما قال أبو البقاء: تَقْلِيباً كَكُفرِهِم عُقُوبةً مُسَاوية لِمَعْصِيتِهِم, وقدَّره الحُوفِيُّ: فلا يُؤمِنون به إيماناً ثانياً, كما لَمْ يُؤمِنُوا به أوّلأ مرة [وقيل: الكاف هُنَا للتَعْلِيل، أي: "نقلب أفْئِدَتَهم وأبْصَارهم؛ لعدم إيمانِهِم أوّل مرة". وقيل: في الكلام حَذْفٌ تقديره: "فلا يؤمنون به ثاني مَرَّة كَمَا لَم يُؤمِنوا به أوّل مرَّة] وقال بَعْضُ المفسِّرين: الكافُ هُنَا مَعْنَاها: المُجَازَاة، أي: "لمَّا لم يُؤمِنُوا به أوّل مرَّة، نُجازيهم بأن نُقَلِّب أفْئِدتَهُم عن الهُدَى، ونَطْبَع على قُلُوبهم"، فكأنَّه قيل: ونحن نَقَلِّب أفْئدتَهُم؛ جَزَاءً لما لم يُؤمِنُوا به أوّل مرَّة، قاله ابن عطية قال أبو حيان وهُو مَعْنَى التَّعْلِيل الذي كرناه، إلا أن تسْمِيتَه ذلك بالمُجازاة غَريبَة لا تُعْهدُ في كلام النَّحْويِّين. قال شهاب الدِّين: قد سُبِقَ ابن عطيَّة إلى هذه العبارة. قال الواحدي: وقال بَعْضُهم: معنى الكَافِ في "كَمَا لَمْ يُؤمِنوا": معنى الجَزَاء، ومَعْنَى الآية: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُم وأبْصَارهم، عُقُوبة لَهُم على تَركْ الإيمان في المرَّة الأولَى، والهَاء في "به" تعود على الله - تعالى -، أو على رسُوله، أو على القُرآن، أو على القَلْب المَدْلُول عليه بالفِعْل، وهو أبْعَدُهَا، و "أوّل مَرَّة": نَصب على ظَرْف الزَّمان، وقد تقدم تَحْقِيقُه. وقرأ إبْرَاهيم النَّخْعي: "ويُقَلِّب - ويَذَرُهم -" بالياء، والفَاعِل ضمير البَاري - تعالى -. وقرأ الأعْمَش: "تُقَلَّبُ أفْئِدتهم وأبْصَارهم"على البِنَاء للمَفْعُول، ورُفِع ما بعده على قِيَامه مقام الفاعل، كذا رَوَاهَا الزَّمَخْشَري عنه، والمشْهُور بهذه القِرَاءة، إنَّما هو النَّخْعِيّ أيضا، ورُوِي عَنْه: "ويَذَرْهُم" بياء الغيبة كما تقدَّم وسُكُون الرَّاء، وخرَّج أبُو البَقَاء هذا التَّسْكِين على وجْهَين: أحدهما: التَّسْكين لِتَوَالِي الحَرَكَات. والثاني: أنه مَجْزُوم عَطْفاً على "يُؤمِنُوا "والمَعْنَى: جَزَاءً على كُفْرهم، وأنَّه لم يَذَرْهُم في طُغْيَانهم، بل بيَّن لهم، وهذا الثُّانِي ليس بَظَاهر، و "يَعْمَهُون" في محلِّ حال، أو مَفْعُول ثانٍ، لأن التَّرْك بِمَعْنَى: التَّصْيِير. فصل في معنى الآية قال عَطَاء: المَعْنَى: أخْذُلُهُم، وأدْعُهم في ضَلالِتِهم يتمادون. قال الجُبَّائي: المَعْنَى: ونذرهم، أي: لا نَحُول بَيْنَهم وبين اخْتِيَارِهم من ذَلِك لكن نمنعم من ذلك بِمُعَاجَلة الهلاك وغيره، لكنَّا نُمْهِلهم إنْ أقاَموا على طُغْيَانهم، فذلك مِن قِبَلهم وهُو يُوجِب تأكيد الحُجَّة عَلَيْهم. وقال أهل السُّنَّة: نقلِّب أفْئِدتَهُم من الحقِّ إلى البَاطِل، ونتركهم في ذلك الطُّغْيَان، وفي ذَلِكَ الضَّلال والعَمَه. ويُقال للجُبَّائي: إنَّك تقول: إن إله العالم ما أرَاد بعباده إلاَّ الخَيْر والرَّحمة، فلم تُرك هذا المِسْكِين حتى عَمِه في طُغْيَانه؟ ولم لا يخلصه عَنْه على سَبِيل الإلْجَاء والقَهْر؟ أقْصَى مَا فِي البابِ؛ أنه إن فَعل به ذلِك لَمْ يكن مُسْتَحِقاً إلى الثَّواب، فيفُوتُه الاسْتِحْقَاق فقط، وقد يَسْلَم من العِقَاب، أمَّا إذا تَرَكَهُ في ذلك العَمَه مع عِلْمه بأنه يَمُوت عَلَيْه، فإنه لا يَحْصُل له اسْتِحْقاق الثَّواب، ويحصل له العِقَاب العَظيم الدَّائم، فالمفْسَدة الحَاصلة عن خَلْق الإيمان فيه على سَبيل الإلْجَاء، مَفْسَدة وَاحِدَة؛ وهِيَ فوات اسْتِحْقَاق الثَّواب مع حُصُول العِقَاب الشَّديد، والرَّحِيم المُحْسِن النَّاظر إلى عباده، لا بُدَّ وأن يُرَجَّح الجَانِب الَّذِي هو أكْثَر إصْلاحاً، وأقَل فَسَاداً، فَعَلِمْنَا أنَّ إبْقَاء ذكل الكَافِر في ذلك العَمَه والطُّغْيَان، يَقْدح في أنَّه لا يريد به إلاَّ الخير والإحسان.
البقاعي
تفسير : ولما نصب سبحانه هذه الدلالات في هذه الآيات البينات حتى ختمها بما علم منهم من الإسراع إلى سب من أحسن إليهم بأن أوجدهم وأوجد لهم كل ما في الكون، وما من نعمة عليهم إلا وهي منه، عجب منهم في الوعد بالإيمان على وجه التأكيد بما يأتيهم من مقترحاتهم إعلاماً بأن ذلك مما زين لهم من عملهم، وهي أمنية كاذبة ويمين حانثة فقال عاطفاً على {أية : وجعلوا لله شركاء الجن} تفسير : [الأنعام: 100] {وأقسموا} أي المشركون {بالله} أي الذي لا أعظم منه {جهد أيمانهم} أي باذلين فيها جهدهم حتى كأنها هي جاهدة، ووطأ للقسم فقال: {لئن جاءتهم آية} أي من مقترحاتهم، وتلقى القسم بقوله: {ليؤمنن بها}. ولما كانوا بهذا ظالمين من أجل أنهم طلبوا من الرسول ما ليس إليه بعد إتيانه من المعجزات بما أزال معاذيرهم، وأوجب عليهم الاتباع، نبه على ذلك بقوله مستأنفاً: {قل} أي رداً لتعنتهم {إنما الآيات} أي هذا الجنس {عند الله} أي الحائز لجميع صفات الكمال، وليس إليّ ولا إلى غيري شيء من هذا الجنس ليفيد الاقتراح شيئاً غير إغضابه. ولما كان العبد لعجزه لا قدرة له على شيء أصلاً، فلا يصح له أن يحكم على آت أصلاً لا من أفعاله ولا من أفعال غيره، قال منكراً عليهم ملتفتاً إلى خطابهم إشارة إلى أنهم حقيقون بالمواجهة بالتبكيت: {وما} أي وأي شيء {يشعركم} أي أدنى شعور بما أقسمتم عليه من الإيمان عند مجيئها حتى يتوهموه أدنى توهم فضلاً عن الظن فكيف بالجزم ولا سيما على هذا الوجه! ثم علل الاستفهام بقوله مبيناً أنه لا فائدة في الإتيان بالآية المقترحة: {أنها} بالفتح في قراءة نافع وابن عامر وشعبة في رواية عنه وحفص وحمزة والكسائي، فكان كأنه قيل: أنكرت عليكم لأنها {إذا جاءت لا يؤمنون *} بالخطاب في قراءة ابن عامر وحمزة، والالتفات إلى الغيبة في قراءة غيرهم للإعلام بأنهم بعيدون من الإيمان فهم أهل للإعراض عنهم لما استحقوا من الغضب، والتعليل عند من كسر "أنها" واضح. ولما كان التقدير: فإنا نطبع على قلوبهم، ونزين لهم سوء أعمالهم، عطف عليه قوله: {ونقلب} أي بما لنا من العظمة {أفئدتهم} أي قلوبهم حتى لا يهتدوا بها {وأبصارهم} حتى لا ينفعهم الإبصار بها، فلا يعتبرون فلا يؤمنون {كما لم يؤمنوا به} أي بمثل ذلك {أول مرة} أي عند إتيان الآيات التي قبل تلك {ونذرهم} أي نتركهم {في طغيانهم} أي تجاوزهم للحدود {يعمهون *} أي يديمون التحير على أن الحال لما فيه من الدلالة لا يقتضي حيرة بوجه. ولما أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم على وجه مفصل لإجمال ما قبله فقال: {ولو أننا} أي على عظمتنا البالغة بما أشار إليه جمع النونات {نزلنا} أي على وجه يليق بعظمتنا {إليهم الملائكة} أي كلهم فرأوهم عياناً {وكلمهم الموتى} أي كذلك {وحشرنا عليهم} أي بما لنا من العظمة {كل شيء قبلاً} جمع قبيل جمع قبيلة في قراءة من ضم القاف والباء كرغيف ورغف، أي جاءهم ذلك المحشور كله قبيلة قبيلة تترى ومواجهة {ما كانوا ليؤمنوا} أي على حال من الأحوال {إلا أن يشاء الله} أي إلا حال مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، فإذن لا عبرة إلا بمشيئته، فالآية دامغة لأهل القدر، ولا مدخل لآية ولا غيرها في ذلك، فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك، ويقرب عندي - وإن بعُد المدى - أن يكون {وأقسموا} معطوفاً على قوله تعالى {وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه} وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي الإنسان جملة من كلام خصمه، ثم يشرع في توهينها، ويخرج إلى أمور - يجرّها المقام - كثيرة الأنواع طويلة الذيول جداً، ثم يحكي جملة أخرى فيقول معجباً منه: وقال كذا وكذا، ثم يشرع فيما يتعلق بذلك من النقد والرد، ومما يؤيد ذلك توحيد ختمهما، فختم الأولى {أية : ولكن أكثرهم لا يعلمون}تفسير : [الأنعام: 37] وختم هذه {ولكن أكثرهم يجهلون *} أي أهل جهل مطبوعون فيه، يقسمون على الإيمان عند مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن المانع لهم من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا لآمنوا بما جاءهم من الآيات، فإنه كفاية في المبادرة إلى الإيمان، والآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الداعي بخرق العادة والعجز عن الإتيان بمثلها.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: أنزلت في قريش {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم} يا معشر المسلمين {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} إلا إن يشاء الله فيجبرهم على الإِسلام . وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال " حديث : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصاً يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يُحيي الموتى، وأن ثمود كان لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً. قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم. والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهباً. فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم؟ فقال: بل يتوب تائبهم. فأنزل الله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} إلى قوله {يجهلون} " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية} في المستهزئين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، فنزل فيهم {وأقسموا بالله} حتى {ولكن أكثرهم يجهلون} . وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: القسم يمين، ثم قرأ {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: القسم يمين . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية فاستحلفهم ليؤمنن بها {قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم} قال: ما يدريكم، ثم أوجب عليهم أنهم لا يؤمنون {ونقلب أفئدتهم} قال: نحول بينهم وبين الأيمان لو جاءتهم كل آية كما حلنا بينهم وبينه أول مرة {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} قال: يترددون . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن مجاهد في قوله {وما يشعركم} قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، ثم استقبل يخبر فقال: أنها إذا جاءت لا يؤمنون . وأخرج أبو الشيخ عن النضر بن شميل قال: سأل رجل الخليل بن أحمد عن قوله {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} فقال: إنها لعلها ألا ترى أنك تقول: اذهب إنك تأتينا بكذا وكذا، يقول: لعلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {ونقلب أفئدتهم...} الآية. قال: جاءهم محمد بالبينات فلم يؤمنوا به، فقلبنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كل آية مثل ذلك لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله. وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أم الدرداء. أن أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا: من يعمل لمثل ساعتي هذه، من يعمل لمثل مضجعي هذا، ثم يقول {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} ثم يغمى عليه، ثم يفيق فيقولها حتى قبض . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً} قال: معاينة {ما كانوا ليؤمنوا} أي أهل الشقاء {إلا أن يشاء الله} أي أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإِيمان . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً} أي فعاينوا ذلك معاينة . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد {وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً} قال: أفواجاً قبيلاً .
ابو السعود
تفسير : فلْيُتدبر قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} «حديث : روي أن قريشاً اقترحوا بعضَ آيات، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فإن فعلتُ بعضَ ما تقولون أتصدّقونني؟" فقالوا: نعم، وأقسموا لئن فعلتَه ليؤمِنُنّ جميعاً فسأل المسلمون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعاً في إيمانهم فهمّ عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت» تفسير : وقوله تعالى: {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} مصدرٌ في موقع الحال أي أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم {لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ} من مقترحاتهم أو من جنس الآياتِ وهو الأنسبُ بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرِهم في العتو والفساد، حيث كانوا لا يعُدّون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرةِ من جنس الآيات {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} وما كان مَرْمى غرضِهم في ذلك إلا التحكمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزةِ وعدم الاعتدادِ بما شاهدوا منه من البـينات الحقيقةِ بأن تُقطعَ بها الأرضُ وتُسيَّر بها الجبالُ {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ} أي كلُّها، فيدخُل فيها ما اقترحوه دخولاً أولياً {عَندَ ٱللَّهِ} أي أمرُها في حُكمه وقضائِه خاصةً يتصرف فيها حسبَ مشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكَم البالغةِ لا تتعلق بها ولا بشأن من شؤونها قُدرةُ أحدٍ ولا مشيئتُه لا استقلالاً ولا اشتراكاً بوجه من الوجوه حتى يُمكِنَني أن أتصدّى لاستنزالها بالاستدعاء. وهذا كما ترى سدٌّ لباب الاقتراحِ على أبلغ وجهٍ وأحسنِه ببـيان علوِّ شأن الآياتِ وصعوبةِ منالِها وتعاليها من أن تكون عُرضةً للسؤال والاقتراحِ، وأما ما قيل من أن المعنى إنما الآياتُ عند الله تعالى لا عندي فكيف أُجيبكم إليها أو آتيكم بها وهو القادِرُ عليها لا أنا حتى آتِيَكم بها فلا مناسبةَ له بالمقام كيف لا وليس مقترَحُهم مجيئها بغير قدرةِ الله تعالى وإرادتِه حتى يجابوا بذلك وقوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت الأمرِ مَسوقٌ من جهته تعالى لبـيان الحكمةِ الداعيةِ إلى ما أشعر به الجوابُ السابقُ من عدم مجيءِ الآياتِ خوطب به المسلمون إما خاصةً بطريق التلوينِ لمّا كانوا راغبـين في نزولها طمعاً في إسلامهم، وإما معه عليه الصلاة والسلام بطريق التعميم لما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الهم بالدعاء. وقد بُـيّن فيه أن أيْمانَهم فاجرةٌ وإيمانُهم مما لا يدخل تحت الوجودِ وإن أجيب إلى ما سألوه. و(ما) استفهاميةٌ إنكاريةٌ لكن لا على أن مرجِعَ الإنكارِ هو وقوعُ المشعَرِ به بل هو نفسُ الإشعارِ مع تحقق المشعَرِ به في نفسه. أي وأيُّ شيءٍ يُعلِمُكم أن الآيةَ التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقَوْن على ما كانوا عليه من الكفر والعِناد أي لا تعلمون ذلك فتتمنّون مجيئها طمعاً في إيمانهم فكأنه بسطُ عذرٍ من جهة المسلمين في تمنيهم نزولَ الآياتِ، وقيل: (لا) مزيدةٌ فيتوجه الإنكارُ إلى الإشعار به جميعاً، أي أيُّ شيءٍ يعلمكم إيمانَهم عند مجيءِ الآياتِ حتى تتمنَّوا مجيئها طمعاً في إيمانهم؟ فيكونُ تخطئةً لرأي المسلمين، وقيل: (أنّ) بمعنى لعل، يقال: ادخُل السوقَ أنك تشتري اللحمَ وعنك وعلّك ولعلك كلُّها بمعنى، ويؤيده أنه قرىء لعلها إذا جاءت لا يؤمنون على أن الكلامَ قد تمّ قبله، والمفعولُ الثاني ليُشعرَكم محذوفٌ كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّىٰ} تفسير : [عبس، الآية 3] والجملة استئنافٌ لتعليل الإنكار وتقريرِه، أي أيُّ شيءٍ يعلمكم حالَهم وما سيكون عند مجيءِ الآياتِ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها فما لكم تتمنَّوْن مجيئها؟ فإن تمنِّيَهم إنما يليق بما إذا كان إيمانُهم بها محقَّقَ الوجودِ عند مجيئِها لا مرجوَّ العدم. وقرىء إنها بالكسر على أنه استئنافٌ حسبما سبق مع زيادة تحقيقٍ لعدم إيمانِهم وقرىء لا تؤمنون بالفوقانية، فالخطابُ في وما يشعركم للمشركين وقرىء وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون، فمرجِعُ الإنكارِ إقدامُ المشركين على الإقسام المذكورِ مع جهلهم بحال قلوبِهم عند مجيءِ الآياتِ وبكونها حينئذٍ كما هي الآن.
القشيري
تفسير : وعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان، ولم يعلموا أنهم تحت قهر الحكم، وما يُغْنِي وضوحُ الأدلة لمن لا تساعده سوابقُ الرحمة، ولواحق الحفظ بموجبات القسمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واقسموا بالله} ـ روى ـ حديث : ان قريشا قالوا يا محمد انك تخبرنا ان موسى عليه السلام كانت معه عصا فيضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشر عينا وتخبرنا ان عيسى عليه السلام كان يحيى الموتى وان صالحا عليه السلام اخرج الناقة من الجبل فائتنا انت ايضا بآية بينة فان فعلت ذلك لنصدقنك ونؤمنن لك وحلفوا على ذلك وبالغوا فى تأكيد الحلف فقال عليه السلام "اى شئ تحبون" قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا او ابعث لنا بعض موتانا حتى نسأله عنك أحق ما تقول ام باطل او أرنا الملائكة يشهدون لك فقال عليه السلام "فان فعلت بعض ما تقولون تصدقوننى". قالوا نعم والله لئن فعلت لنتبعنك اجمعين وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فهم عليه السلام بالدعاء فجاء جبريل عليه السلام فقال ان شئت كان ذلك ولئن كان فلم يصدقوا عنده ليعذبنهم بعذاب الاستئصال ولئن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فانزل الله تعالى هذه الآية تفسير : اى حلف كفار قريش بالله تعالى {جهد أيمانهم} مصدر فى موقع الحال اى جاهدين فى ايمانهم وجهد الايمان اغلظها واشدها {لئن جاءتهم آية} من مقترحاتهم {ليؤمنن بها قل} لهم {إنما الآيات} كلها {عند الله} اى هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء وليس شئ منها بقدرتى وارادتى وانما انا نذير ثم بين تعالى الحكمة فى عدم مجئ الآيات فقال مخاطبا للمسلمين {وما يشعركم انها اذا جاءت لا يؤمنون} اى أى شئ يعلمكم ان الآية التى يقترحونها اذا جاءت لا يؤمنون بل يبقون على ما كانوا عليه من الكفر والعناد اى لا تعلمون ذلك فتتمنون مجيئها طمعا فى ايمانهم فانكر السبب اى الاشعار مبالغة فى نفى المسبب اى الشعور وفيه بيان ان ايمانهم فاجرة وانه لا يغنى وضوح الادلة لمن لم يساعده سوابق الرحمة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {جهد}: مصدر لعامل محذوف، أي: واجتهدُّوا جهد أيمانهم، وهو حال، أي: وأقسموا جاهدين أيمانهم، ومن قرأ: {أنها}؛ بالفتح، فهو مفعول بيُشعركم، أي: وما يُدريكم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، وقيل: {لا}: مزيدة، أي: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا رأوها، وقيل: أن، هنا، بمعنى لعل. ومَن قرأ بالكسر فهو استئناف، وتم الكلام في قوله: {وما يشعركم} أي: وما يشعركم ما يكون منهم، فعلى القراءة بالكسر، يُوقف على: {ما يشعركم}، وأما على القراءة بالفتح، فإن كانت أنَّ ـ مصدرية لم يوقف عليه؛ لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى: لعل، فأجاز بعض الناس الوقف، ومنعه بعضهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأقسموا} أي: المشركون، {بالله} واجتهدوا في أيمانهم، {لئن جاءتهم آية} ظاهرة يشهدونها، {ليُؤمنن بها} وبمن جاء بها، {قل} لهم: {إنما الآيات عند الله} وفي قدرته وإرادته، يُظهرها حيث شاء، وليس في قدرتي منها شيء، {وما يُشعركم} أي: وما يُدريكم أيها المؤمنون، {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} بها، لما سبق لهم من الشقاء، وقد كان المؤمنون يتمنَّون إنزالها طمعًا في إيمانهم، وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما لم ينزلها؛ لعلمه بأنها {إذا جاءت لا يؤمنون} بها. وقيل: الخطاب للمشركين، ويتأتى هذا على كسر "إن"، أو على قراءة ابن عامر وحمزة: {لا تؤمنون}؛ بتاء الخطاب، وقرىء: {وما يُشعرهم} بالغيبة، فيكون إنكارًا لهم على حلفهم. ثم ذكر سبب عدم إيمانهم فقال: {ونُقلب أفئدتهم وأبصارهم} عند نزول الآية، أي: نصرف قلوبهم ونحولها عن الحق، فلا يفقهون بها، ونقلب أبصارهم عن النظر والتفكر، فلا يُبصرون بها الحق، فيصرفون عن الإيمان بما أنزل إليك {كما لم يؤمنوا به} أي: بما أنزل من الآيات، {أول مرة ونذرهم في طغيانهم} أي: في كفرهم وجحدهم {يعمهون} أي: يتحيرون، فلا نهديهم هداية المؤمنين. الإشارة: سألني بعض العوام، فقال لي: ليس لكم ولا لأصحابكم كرامات تظهر فيمن آذاكم، فقد كان أصحاب سيدي فلان وفلان يُظهرون الكرامات، وينفذون في من آذاهم؟ فقلت له: نحن على قدم نبينا صلى الله عليه وسلم، أرسله الله رحمة للعالمين، فقد أُوذي وضُرِب، فلما خيَّره ملكُ الجبال في أن يُطبق عليهم الأخشَبين ـ أي الجَبلَين ـ قال: "حديث : لا، لعل الله تعالى يُخرج منهم مَن يعبُد الله "تفسير : . وقال حين أكثروا إيذاءه: "حديث : اللهُمَّ اغفِر لِقَومي فإنَّهُم لا يَعلَمُون " تفسير : . فالأولياء المحققون: رحمة للعباد، يتحملون أذاهم، ويتوجهون لمن آذاهم في الدعاء له بالهداية والتوفيق، فهم قوم لا يشقَى جليسهم، جالَسَهم بالإنكار أو بالإقرار، وقد ظهرت الكرامات على بعض الأولياء ولم ينقطع عنهم الإنكار، فإنَّ الإيمان أو التصديق بالنبي أو الولي إنما هو محض هداية من الكبير العلي، كما بيَّن ذلك بقوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب وابو بكر الا يحيى ونصير وخلف {وما يشعركم أنها} بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر وحمزة {لا تؤمنون} بالتاء. الباقون بالياء. و (ما) في قوله {وما يشعركم} استفهام وفاعل {يشعركم} ضمير (ما) ولا يجوز ان يكون نفيا، لان الفعل فيه يبقى بلا فاعل، ولا يجوز ان يكون نصبا ويكون الفاعل ضمير اسم الله، لان التقدير يصير، وما يشعركم الله انتفاء ايمانهم، وهذا ليس بصحيح، لان الله قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله {أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة..}تفسير : فالمعنى وما يدريكم ايمانهم اذا جاءت الايات، فحذف المفعول، وتقديره وما يدريكم ايمانهم اذا جاءت أي هم لا يؤمنون مع مجىء الآية. ومن كسر الالف فلانه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فتحت بـ {يشعركم} كان عدوا لهم، ويجوز فتحها على وجهين: الاول قال الخليل: بمعنى لعلها اذا جاءت لا يؤمنون، كما يقول القائل: ائت السوق انك تشتري لنا شيئا معناه لعلك، قال عدي بن زيد: شعر : أعاذل ما يدريك ان منيتي الى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد تفسير : وقال دريد بن الصمة: شعر : ذريتي أطوف في البلاد لانني أرى ما ترين أو بخيلا مخلد تفسير : وقال آخر: شعر : هل أنتم عائجون بنا لأنا نرى العرصات أو أثر الخيام تفسير : وقال الفراء: انهم يقولون: لعلك، ولعنك، ورعنك، وعلك، ورأنك، ولانك بمعنى واحد. وقال ابو النجم: شعر : قلت لشيبان ادن من لقائه انا نغدى اليوم من شوائه تفسير : الثاني - قال الفراء (لا) - ها هنا - صلة كقوله {أية : ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك}تفسير : والتقدير وما يشعركم انها اذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا لو جاءت لم يؤمنوا ومثل زيادة (لا) قول الشاعر: شعر : أبا جوده لا النجل واستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود فاعله تفسير : بنصب النجل وجره، فمن نصب جعلها زيادة، وتقديره أبا جوده النجل ومن جره أضاف (لا) الى (النجل) ومثله قوله تعالى {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون}تفسير : وهو يحتمل أمرين: احدهما - ان تكون (لا) زائدة و (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتدإِ الذي هو (حرام) وتقديره وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، كما قال {أية : فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون}. تفسير : والثاني - أن تكون (لا) غير زائدة بل تكون متصلة بأهلكنا، والتقدير بأنهم لا يرجعون أي أهلكناهم بالاستئصال، لانهم لا يرجعون الى أهليهم للاستئصال الواقع بهم. وخبر الابتداء محذوف وتقديره حرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم ونحو ذلك. من قرأ (يؤمنون) بالياء فلان قوله {وأقسموا} انما يراد به قوم مخصوصون بدلالة {أية : ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة..}،تفسير : وليس كل الناس بهذا الوصف، فالمعنى وما يشعركم ايها المؤمنون لعلهم اذا جات الآيات التي اقترحوها لم يؤمنوا. ومن قرأ بالتاء فانه انصرف من الغيبة الى الخطاب، ويكون المراد بالمخاطبين في {يؤمنون} هم القوم المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، ومثله قوله {الحمد لله} ثم قال {إياك نعبد} ونحو ذلك مما ينصرف فيه الى خطاب بعد الغيبة. وقوله {جهد أيمانهم} أي اجتهدوا في اليمين وبالغوا فيه. والآية التي سألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) اظهارها قيل فيها قولان: أحدهما - انهم سألوا تحول الصفا ذهبا. الثاني - ما ذكره في موضع آخر من قوله {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} تفسير : الى قوله {أية : كتابا نقرؤه}تفسير : والمعنى ان هؤلاء الكفار أقسموا متحكمين على النبي (صلى الله عليه وسلم) وبالغوا في أيمانهم أنهم اذا جاءتهم الآية التي اقترحوها ليؤمنن بها أي عندها، فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهم: إِنما الآيات عند الله. فان قيل: كيف قال {الآيات عند الله} وذلك معلوم؟! قيل: معناه من أجل أن الآيات عند الله، ليس لكم أن تتحكموا في طلبها، لانه لا يجوز أن يتخلف عنكم ولا عن غيركم ما فيه المصلحة في الدين لانه تعالى لا يخل بذلك. قوله {وما يشعركم} فيه تنبيه على موضع الحجة عليهم من أنه ليس لهم ان يدعوا ما لا سبيل لهم الى علمه. وقال مجاهد وابن زيد: الخطاب متوجه الى المشركين وقال الفراء وغيره: هو متوجه الى المؤمنين، لانهم قالوا ظنا منهم أنهم لو اجيبوا الى الآيات لآمنوا.
الجنابذي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} ممّا اقترحوا {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} اى ليذعننّ بالآية الجائية وانّها من الله او ليؤمننّ بمحمّد (ص) بسبب تلك الآية وهذا حكاية قولهم الكاسد النّاشى من تمحّلات النّفس فانّها كالمرأة الخبيثة تكون دائمة فى الاعذار الفاسدة والفرار من قبول حكم الازواج واتّهام غيرها بمأثمها {قُلْ} يا محمّد (ص) لهم او للمؤمنين الطّامعين فى ايمانهم الطّالبين منك الاتيان بمقترحاتهم {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} وليست عندى وباختيارى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} ما استفهاميّة للاستفهام الانكارىّ والخطاب للمؤمنين الطّالبين للاتيان بمقترحاتهم حرصاً على ايمانهم، او للكافرين المقسمين بطريق الالتفات من الغيبة الى الخطاب، او ما نافية وفاعل يشعركم ضمير راجع الى الله وهو عطف على انّما الآيات، او حال معمول لعند الله ومن جملة مقول القول، او عطف على اقسموا، او حال معمول لاقسموا ومن قول الله {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ} قرئ بفتح همزة انّ معمولة مع ما بعدها ليشعركم بلا واسطة حرفٍ، او بتقدير الباء او هى بمعنى لعلّ وقرئ بكسر الهمزة فتكون مستأنفة {لاَ يُؤْمِنُونَ} قرئ بالغيبة وبالخطاب ولفظة لا زائدة او اصليّة.
فرات الكوفي
تفسير : {وَأَقْسَموا بالله جَهْدَ أيْمانِهِمْ لئنْ جاءَتْهُمْ آية ليؤمِنُنَّ بِها109} [سيأتي في الحديث الأول من سورة الشعراء ما يرتبط بالآية].
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} لقولهم: (أية : فَلْيَأتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ) تفسير : [الأنبياء:5] وأشباه ذلك. قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقوله: (أية : مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) تفسير : [الأنبياء:6] على الاستفهام أي: إنهم لا يؤمنون. لأن القوم إذا سألوا نبيَّهم الآيةَ فجاءتهم فلم يؤمنوا أُهلِكُوا. قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} أي: نطبع عليها بكفرهم {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي لو جاءتهم الآية لم يؤمنوا بها، فإذا جاءهم العذاب فآمنوا حين رأوا العذاب لم يقبل منهم؛ {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من قبل أن يجيئهم العذاب. قوله: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي في ضلالتهم يلعبون. وقال الحسن: يعمهون: يتمادون.
اطفيش
تفسير : {وأقْسمُوا باللهِ جَهْد أيمانِهِم} أوكدها، وهو أن يحلفوا بالله كما قال الكلبى ومقاتل، تقدم إعرابه فى المائدة والضمير لكفار قريش. {لئنْ جاءتْهُم آيةٌ} تدرك بالحواس وتشابه آيات الأمم السابقة كالمائدة والناقة، وحضور ملائكة يشهدون، وإحياء ميت كذلك، فالتنكير للتعظيم، استحقروا ما جاءهم به من الآيات، أو للوحدة زعموا إنما جاءهم به ليس آيات. {ليُؤْمننَّ بها} يصدقن بها، حديث : قال مشركو قريش: إنك يا محمد تخبرنا بمعجزات موسى وعيسى وغيرهما، فلو جئت بمثل ما جاءوا لصدقناك، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما شئتم" فقالوا: صير لنا الصفا ذهباً، وأحيى بعض موتانا الأولين، وأحضر بعض الملائكة، فيخبرنا من أحييت ومن حضر الملائكة أنك على حق، قال: "إن فعلت أفتصدقون؟" قالوا: نعم، والله لنتبعنك أجمعون، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أن يفعل ذلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو أن يجعل الصفا ذهباً، فجاءه جبريل فقال: ما شئت إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوك عذبهم الله عن آخرهم كما فعل بالأمم المقترحة، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل يتوب تائبهم" فنزل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمن بها} . تفسير : {قُلْ إنما الآيات عِنْد الله} لا عندى، فهو الذى يجئ بها إذا شاء، فهو القادر عليها، ولا قدرة لى عليها، فكيف تطلبون أن أجئ بها على اقتراحكم، كأنها مفوضة إلىَّ، وإنما ينزلها الله على مقتضى الحكمة، والآية قابلة لهذا التفسير الذى عمت فائدته، وهو أولى، وجعل ذلك فى الكشاف وجهين: الأول: أن الله قادر عليها، لكن لا ينزلها إلى على موجب الحكمة يعنى فكيف أجيئكم بها؟ ولا حكمة فى المجئ بها، فلا تتيسر، إذ لو كانت الحكمة فيها لجاءت ولو بلا سؤال منكم، ولا دعاء منى. الثانى: إنما الآية عند الله لا عندى، فكيف أجئ بما ليس عندى. {وما يُشْعركم أنها إذا جَاءت لا يُؤْمنُونَ} الاستفهام إنكار وتوبيخ، أى لستم تدرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ولو دريتم أنهم لا يؤمنون بها لم تتمنوا أن تجئ؟ لأنكم تتمنون أن يجئ ليؤمنوا، وقد علمتم أن الأمم المقترحة تهلك إذا كذبت، هذا ما ظهر، والخطاب للمؤمنين، وهو قول الفراء والجمهور، وما ذكرته من تفسير ما الاستفهامية بالنفى لا يلزم منه بقاء الفعل بلا فاعل، كما قد يتوهم فإنك تقول لمن يدعى: إن للرجل أقام من قام، تريد أنه إن قام رجل فأخبرنى به من هو، ولا قائم يخبرنى به. والحاصل أنه كما لا يبقى الفعل بلا فاعل إذا جعلت للاستفهام لا يبقى بلا فاعل إذا جعلت للنفى، وداعيك لذلك أنك تراها كحرف النفى فقط، فلا يبقى مرجع لضمير يشعر إليها، ويلزمك أن تقول: إنها إذا كانت للاستفهام أيضا كانت كالهمزة فقط، فلا يبقى مرجع، وليس كذلك، بل معانى الحروف التى تتضمنها الأسماء معان زائدة على معانى الذوات المدلول عليها بتلك الأسماء، فمدلول ما مثلا مطلق الشئ، وزيد عليه معنى الهمزة الاستفهامية، ولم أر أحداً توهم ذلك التوهم، بل رأيت بعضاً قال: ما ليست استفهامية، بل حرف نفى، فحينئذ يتكلف للفعل فاعل فقيل: هو ضمير عائد إلى الله تعالى، والأصل ترك التكليف ولا سيما ما يعد منه، بل لا يصح هذا، لأن الله قد أعلمه بأن المشركين لا يؤمنون، وهذا إنما يصح فى مخصوصين من الكفار. ومن التكلف أيضا جعل ما صلة للتأكيد، والضمير لله، وفيما ذكرت إبقاء الكلام على مشهوره المتبادر من كون ما استفهامية ولو للإنكار، وإبقاء أنها على ظاهرها من كونها إن واسمها، وإبقاء لا على النفى إلا أنه يتوهم من لفظ الآية على ذلك الإبقاء أن المؤمنين راغبون فى عدم إيمان الكفار، إذ لو رغبوا فى إيمانهم لقيل: انها إذا جاءت يؤمنون بإسقاط لا، وقد أنزلت ذلك الوهم بقولى، ولو دريتم لم تتمنوا أن تجئ، لأن فيها استئصالهم ولما ترأآى هذا التوهم لبعض من تقدم أزاله بجعله لا زائدة، ورجح أبو على الفارسى أنها زائدة، وبعض قال: بمعنى لعل على أنها لترجى المخلوق لا حرف مصدر، ويدل له قراءة أبى، وما أدراك لعلها قال الكسائى: هى كذلك أيضا فى مصحف أبى، وقد رويت هذا رواية فى شرح الأجرومية للشريف الفارسى عند قراءته على شيخى، وفى ذلك الكتاب وغيره كالكشاف قبله التمثيل بقول امرئ القيس. شعر : *لأننا نبكى كما بكى ابن حذام* تفسير : فلعله بفتح اللام، فليست جارة بل حرف من، لأن بفح اللام الهمزة بمعنى لعل، كما أن بفتح الهمزة بلا لام قبلها بمعنى علّ التى هى لغة فى لعل، وتقول العرب: ائت السوق أنك تشترى لحماً أى علك تشترى بفتح الهمزة، وذلك قول الخليل بن أحمد، ومنه قول على بن زيد: شعر : أعادل ما يدرك أن منيتى إلى ما ساعتى فى اليوم أو فى ضحى الغد تفسير : لعل منيتى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو فى رواية عنه، عن عاصم أنها بكسر الهمزة على الاستئناف، وبه قرأ يعقوب، وقيل: استئناف بيان مبنى على ما قوله: "ما يشعركم" كأنه قيل: لم ذلك؟ فقال: إنها الخ أى لم أنكرت إشعارنا، أو لم جاءت صيغة الاستفهام الموضوعة للشك، والله لا يشك، ومفعولى يشعر محذوفان، أى وما يشعركم أيؤمنون، فهذه الجملة المحذوفة قامت مقام مفعولى يشعر، كما أن قوله: إنها إلخ فى تأويل مصدر قام مقام مفعولين فى قراءة الفتح، أو فى محل نصب علقت بالترجى إذا جعلت إن بمعنى لعل. وقرأ ابن عامر، وحمزة: لا تؤمنون بالخطاب، فيكون الخطاب بالكاف والتاء للمشركين، أتظنون أنكم تؤمنون ولن تؤمنوا فتهلكوا عاجلا، وقال مجاهد، وابن زيد: الخطاب بالكاف فى يشعركم للمشركين، وكانا يقرآن بكسر الهمزة فى إنها، وبالتحتية فى لا يؤمنون، والجملة من إن وما بعدها مستأنفة إخباراً للمؤمنين بأن هؤلاء لا يؤمنون، وقرئ: وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون، أى لم يدر الكفار أنهم باقون على عدم الإيمان إذا جاءت.
اطفيش
تفسير : {وَأَقْسَمُوا} أَى كفار مكة {بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} مفعول مطلق، أَى غاية إِقساماتهم، أَو حال أَى جاهدى أَيمانهم، أَى بالغين الغاية فيها، أَو ذوى جهد فى أَيمانهم، أَو بجهد أَيمانهم، وذلك إِقسام بآبائهم أَو التوكيد بالنون، وقال الكليبى ومقاتل: إِذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه، وسمى الحلف قسماً لأَنه يكون عند انقسام الناس إِلى مصدق ومكذب، {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} جملة آيات طلبوها كلها ثم اكتفوا ببعضها، أَو عدت كلها آية إِذا كانت دليلا، ولفظ آية تلويح بأَن ما عدا ما طلبوه غير آية احتقاراً وليس الإِيمان مرادهم، ولو حلفوه جهد أَيمانهم فقالوا: أَخبرتنا بأَن لموسى عصا يضرب بها الحجر فينفجر ماء، وأَن عيسى يحيى الموتى فابعث لنا قصياً نسأَله عنك، واستشهد الملائكة واجعل الصفا ذهباً، فقال: أَتؤمنون إِن جئت بها فقالوا: نعم، كما قال {لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} فقال المسلمون: يا رسول الله ايتهم بها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو أَن يجعل الصفا ذهباً وهذا يدل أَنهم اكتفوا بواحدة بعد طلب متعددات، ويحتمل أَنه يدعو بعد بأخر، فقال جبريل عن الله: إِن شئت أَصبح ذهباً، ولكن إِن لم يصدقوا لى عذبناهم، وإِن شئت تركناهم فيتوب تائبهم، فقال: اتركهم ليتوب تائبهم، واختار بعض أَن مرادهم بالآية آية من جنس الآيات، وذلك لأَنهم معاندون مضطربون فى الفساد والعناد ولا يعدون ما نزل آية {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ} لا عندى، أَراد بالعندية أَنه المالك لها القادر عليها، وأَنه المختص بها، ومن شرط المعجزة أَن لا يقدر عليها غير الله فلا أَتعرض لها من قبل نفسى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا} أَى الآيات الشاملة للمقترحة أَو الآية المقترحة {إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ماذا يصيركم عارفين بأنهم لا يؤمنون بها إِذا جاءَت، والاستفهام نفى، أَى أَنتم لا تدرون أَنهم لا يؤمنون إِذا جاءَت فرغبتم فى مجيئها أَيها المؤمنون، وأَنا عالم بأَنهم لا يؤمنون فلم أَنزلها، أَو ضمن أَشعر معنى أَعلم فتعدى لاثنين، وحاصله أَنهم لا يؤمنون إِذا جاءَت ولا تعلمون أَنهم لا يؤمنون، ويجوز أَن تكون لا صلة، أَى وما يشعركم أَنهم يؤمنون إِذا جاءَت حتى رغبتم فى مجيئها على أَن لا زائد بها وهو ظاهر، وكقوله تعالى "أية : ما منعك أَلا تسجد" تفسير : [الأَعراف: 12] "أية : وحرام على قرية أَهلكناها أَنهم لا يرجعون"تفسير : [الأنبياء: 95] فى أَحد أَوجه، ويجوز أَن لا يقدر لفظ بها، وأَن يقدر لفظ برسالتك لجواز قولك: زيد لا يقوم عمرو وقت قيامه، فرابط خبر إِن ضمير جاءَت، ويجوز أَن تكون أَن بمعنى لعل، قال الخليل رحمه الله حاكياً عن العرب: ايت السوق أَنك تشترى لنا شيئاً، بالفتح، أَى لعلك، ويقويه كثرة مجئ لعل بعد يدرى "أية : وما يدريك لعل الساعة قريب"تفسير : [الشورى: 17]،"أية : وما يدريك لعله يزكى" تفسير : [عبس: 3] وأَنها فى مصحف أَبى وقراءَته "وما يدريكم لعلها إِذا جاءَت لا يؤمنون" وعلى هذا تم الكلام عند قوله سبحانه وتعالى وعز وجل: وما يشعركم.. فيقدر ليشعر مفعول، أَى ما يشعركم أَنهم يؤمنون إِذا جاءَت، ويجوز أَن تكون ما بمعنى لا حرفاً أَو اسماً أَى لا يشعركم أَنهم لا يؤمنون فكنتم ترجون إِيمانهم، فالجملة مفعول به ليشعر، ولا يجوز جعل ما نافية حتى لا يبقى يشعركم بلا فاعل، ويضعف أَنه ضمير الله جل وعلا، لأَن المقام إِخبار بنفى إِيمانهم ولو جعلنا ما صلة لسهل ذلك، والخطاب للمؤمنين، أَو لهم وللنبى صلى الله عليه وسلم، لأَنه صلى الله عليه وسلم اهتم بالدعاء بمجئ الآية.
الالوسي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ} أي المشركون {بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} أي جاهدين فيها. فجهد مصدر في موضع الحال. وجوز أن يكون منصوباً بنزع الخافض أي أقسموا بجهد أيمانهم أي أوكدها. وهو بفتح الجيم وضمها في الأصل بمعنى الطاقة والمشقة، وقيل: بالفتح المشقة وبالضم الوسع، وقيل: ما يجهد الإنسان، والمعنى هنا على ما قال الراغب «أنهم حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم». {لَئِن جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ } من مقترحاتهم أو من جنس الآيات. ورجحه بعض المحققين بأنه الأنسب بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرهم في العتو والفساد حيث كانوا لا يعدون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرة من جنس الآيات فاقترحوا غيرها {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } وما كان مرمى غرضهم إلا التحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزة وعدم الاعتداد بما شاهدوا منه عليه الصلاة والسلام من البينات. والباء صلة الإيمان، والمراد من الإيمان بها التصديق بالنبـي صلى الله عليه وسلم. وجعلها للسببية على معنى ليؤمنن بك بسببها خلاف الظاهر. {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ} أي كلها فيدخل ما اقترحوه فيها دخولاً أولياً {عَندَ ٱللَّهِ } أي أمرها في حكمه وقضائه خاصة يتصرف فيها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة لا تتعلق بها قدرة أحد ولا مشيئته استقلالاً ولا اشتراكاً بوجه من الوجوه حتى يمكنني أن أتصدى لإنزالها بالاستدعاء؛ وهذا كما ترى سد لباب الاقتراح. وقيل: إن المعنى إنما الآيات عند الله لا عندي فكيف أجيبكم إليها أو ءاتيكم بها أو المعنى هو القادر عليها لا أنا حتى ءاتيكم بها. واعترض ذلك شيخ الإسلام بعد أن اختار ما قدمناه بأنه لا مناسبة له بالمقام كيف لا وليس مقترحهم مجيئها بغير قدرة الله تعالى فتدبر. روي حديث : أن قريشاً اقترحوا بعض آيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني فقالوا: نعم وأقسموا لئن فعلته لنؤمنن جميعاً فسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعاً في إيمانهم فَهَمَّ عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت. تفسير : وأخرج ابن جرير عن محمد القرظي قال: حديث : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى عليه السلام كان معه عصاً يضرب بها الحجر وأن عيسى عليه السلام كان يحي الموتى وأن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تحول لنا الصفا ذهباً قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين فقام رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال إن شئت أصبح الصفا ذهباً فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم فقال صلى الله عليه وسلم اتركهم حتى يتوب تائبهم فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى {يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111]تفسير : . {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كلام مستأنف غير داخل تحت الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان الحكمة فيما أشعر به الجواب السابق من عدم مجيء الآيات خوطب به المؤمنون ـ كما قال الفراء وغيرهم ـ إما خاصة بطريق التلوين لما كانوا راغبين في نزولها طمعاً في إسلامهم، وإما معه عليه الصلاة والسلام / بطريق التعميم لما روي مما يدل على رغبته عليه الصلاة والسلام في ذلك أيضاً كالهم بالدعاء، وفيه بيان لأن أيمانهم فاجرة وإيمانهم في زوايا العدم وأن أجيبوا إلى ما سألوه. وجوز بعضهم دخوله تحت الأمر ولا وجه له إلا أن يقدر قل للكافرين: إنما الآيات عند الله وللمؤمنين وما يشعركم الخ وهو تكلف لا داعي إليه. وعن مجاهد أن الخطاب للمشركين وهو داخل تحت الأمر وفيه التفات و {أَنَّهَا} الخ عنده إخبار ابتدائي كما يدل عليه ما رواه عنه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ. و(ما) استفهامية إنكارية ـ على ما قاله غير واحد ـ لا نافية لما يلزم عليه من بقاء الفعل بلا فاعل، وجعله ضمير الله تعالى تكلف أو غير مستقيم إلا على بعد. واستشكل بأن المشركين لما اقترحوا ءاية وكان المؤمنون يتمنون نزولها طمعاً في إسلامهم كان في ظنهم إيمانهم على تقدير النزول، فإذا أريد الإنكار عليهم فالمناسب إنكار الإيمان لا عدمه كأنهم قالوا: ربنا أنزل للمشركين ءاية فإنه لو نزلت يؤمنون، وحينئذ يقال في الإنكار: ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون. ويتضح هذا بمثال، وذلك أنه إذا قال لك القائل: أكرم فلاناً فإنه يكافئك وكنت تعلم منه عدم المكافاة فإنك إذا أنكرت على المشير بإكرامه قلت: وما يدريك أني إذا أكرمته يكافئني فأنكرت عليه إثبات المكافاة وأنت تعلم نفيها فإن قال لك: لا تكرمه فإنه لا يكافئك وأنت تعلم منه المكافاة وأردت الإنكار على المشير بحرمانه قلت: وما يدريك أنه لا يكافئني فأنكرت عليه عدم المكافاة وأنت تعلم ثبوتها. والآية كما لا يخفى من قبيل المثال الأول فكان الظاهر حيث ظنوا ايمانهم ورغبوا فيه وعلم الله تعالى عدم وقوعه منهم ولو نزل عليهم الملائكة وكلمهم الموتى أن يقال: وما يشعركم أنهم إذا جاءت يؤمنون. وأجاب عنه بعضهم بأن هذا الاستفهام في معنى النفي وهو إخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم، والمعنى أن الآيات عند الله تعالى ينزلها بحسب المصلحة، وقد علم سبحانه أنهم لا يؤمنون ولا تنجع فيهم الآيات وأنتم لا تدرون ما في الواقع وفي علم الله تعالى وهو أنهم لا يؤمنون فلذلك تتوقعون إيمانهم، والحاصل أن الاستفهام للإنكار وله معنيان لم ولا فإن كان بمعنى لم يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون بدون لا على معنى لم قلتم أنها إذا جاءت يؤمنون وتوقعتم ذلك؟ وإن كان بمعنى لا يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بإثبات لا على معنى لا تعلمون أنهم لا يؤمنون فلذا توقعتم إيمانهم ورغبتم في نزول آية لهم؛ وهذا الثاني هو المراد ويرجع إلى إقامة عذر المؤمنين في طلبهم ذلك ورغبتهم فيه. وأجاب آخرون بأن {لا } زائدة كما في قوله تعالى: { أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } تفسير : [الأعراف: 12] و { أية : حَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 95] فإنه أريد تسجد ويرجعون بدون لا. وعن الخليل أن (أن) بمعنى لعل كما في قولهم: ائت السوق أنك تشتري لحماً؛ وقول امرىء القيس: شعر : عرجوا على الطلل المحيل لأننا نبكي الديار كما بكى ابن خذام تفسير : وقول الآخر: شعر : هل أنتم عائجون بنا لأنا نرى العرصات أو أثر الخيام تفسير : ويؤيده أن يشعركم ويدريكم بمعنى. وكثيراً ما تأتي لعل بعد فعل الدراية نحو { أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } تفسير : [عبس: 3] وأن في مصحف أبـي رضي الله تعالى عنه {وَمَا أَدْرَاكَ لَعَلَّها} والكلام على هذا قد تم قبل {أَنَّهَا} والمفعول الثاني ليشعركم محذوف والجملة استئناف لتعليل الإنكار وتقديره أي شيء يعلمكم حالهم وما سيكون عند مجيء ذلك لعلها إذا جاءت لا يؤمنون فما لكم تتمنون مجيئها فإن تمنيه إنما يليق بما إذا كان إيمانهم بها متحقق الوقوع عند مجيئها لا مرجو العدم. ومن الناس من زعم أن {أَنَّهَا} الخ جواب قسم محذوف بناء على أن أن في جواب / القسم يجوز فتحها ولا يخفي بعده. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {إِنَّهَا} بالكسر على الاستئناف حسبما سيق مع زيادة تحقيق لعدم إيمانهم. قال في «الكشف»: وهو على جواب سؤال مقدر على ما ذكره الشيخ ابن الحاجب كأنه قيل لم وبخوا؟ فقيل لأنها إذا جاءت لا يؤمنون. ولك أن تبنيه على قوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أي بما يكون منهم فإنه إبراز في معرض المحتمل كأنه قد سئل عنه سؤال شاك ثم علل بأنها إذا جاءت جزماً بالطرف المحالف وبياناً لكون الاستفهام غير جار على الحقيقة. وفيه إنكار لتصديق المؤمنين على وجه يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه. وهذا نوع من السحر البياني لطيف المسلك انتهى. وقرأ ابن عامر وحمزة {لاَ تُؤْمِنُونَ } بالفوقانية والخطاب حينئذ في الآية للمشركين بلا خلاف. وقرىء {وما يشعركم أنها إذا جآءتهم لا يؤمنون} فمرجع الإنكار إقدام المشركين على الحلف المذكور مع جهلهم بحال قلوبهم عند مجيء ذلك وبكونها حينئذ كما هي الآن. وقرىء {وَمَا يُشْعِرُكُمْ } بسكون خالص واختلاس. وضمير {بِهَا } على سائر القراءات راجع للآية لا للآيات لأن عدم إيمانهم عند مجيء ما اقترحوه أبلغ في الذم كما أن استعمال إذا مع الماضي دون أن مع المستقبل لزيادة التشنيع عليهم. وزعم بعضهم أن عدوه للآيات أولى لقربه مع ما فيه من زيادة المبالغة في بعدهم عن الإيمان وبلوغهم في العناد غاية الإمكان.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة: {وأقسموا} على جملة: {أية : اتَّبِعْ ما أوحِي إليك من ربّك}تفسير : [الأنعام: 106] الآية. والضّمير عائد إلى القوم في قوله: {أية : وكذّب به قومك وهو الحقّ}تفسير : [الأنعام: 66] مثل الضّمائر الّتي جاءت بعد تلك الآية ومعنى: {لئن جاءتهم آية} آية غيرُ القرآن. وهذا إشارة إلى شيء من تعلّلاتهم للتمادي على الكفر بعد ظهور الحجج الدّامغة لهم، كانوا قد تعلّلوا به في بعض تورّكهم على الإسلام. فروى الطّبري وغيره عن مجاهد، ومحمدّ بن كعب القُرظِي، والكلبي، يزيد بعضهم على بعض: أنّ قريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية مثل آية موسى ـــ عليه السّلام ـــ إذ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه العيون، أو مثل آية صالح، أو مثل آية عيسى ـــ عليهم السّلام ـــ، وأنّهم قالوا لمّا سمعوا قوله تعالى: {أية : إنْ نشأ ننزّل عليهم من السّماء آية فظلَّت أعناقهم لها خاضعين}تفسير : [الشعراء: 4] أقسموا أنّهم إن جاءتهم آية كما سألوا أو كما تُوُعدوا ليوقِنُنّ أجمعون، وأنّ رسول الله ـــ عليه الصلاة والسّلام ـــ سأل الله أن يأتيهم بآية كما سألوا، حرصاً على أن يؤمنوا. فهذه الآية نازلة في ذلك المعنى لأنّ هذه السّورة جمعت كثيراً من أحوالهم ومحاجّاتهم. والكلام على قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} هو نحو الكلام على قوله في سورة [العقود: 53] {أية : أهؤلاء الّذين أقسموا بالله جهد أيمانهم}تفسير : . والأيمان تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}تفسير : في سورة [البقرة: 225]. وجملة: {لئن جاءتهم آية} إلخ مبيّنة لجملة: {وأقسموا بالله}. واللاّم في {لئن جاءتهم آية} موطّئة للقسم، لأنّها تدلّ على أنّ الشّرط قد جعل شَرطاً في القسم فتدلّ على قَسَم محذوف غالباً، وقد جاءت هنا مع فعل القسم لأنّها صارت ملازمة للشّرط الواقع جواباً للقسم فلم تنفكّ عنه مع وجود فعل القسم. واللاّم في {ليومننّ بها} لام القسم، أي لام جوابه. والمراد بالآية ما اقترحوه على الرّسول صلى الله عليه وسلم يَعنُون بها خارق عادة تدلّ على أنّ الله أجاب مقترحهم ليصدّق رسوله ـــ عليه الصلاة والسّلام ـــ، فلذلك نُكّرت {آية}، يعني: آيَّةَ آيةٍ كانت من جنس ما تنحصر فيه الآيات في زعمهم. ومجيء الآية مستعار لظهورها لأنّ الشّيء الظّاهر يشبه حضور الغائب فلذلك يستعار له المجيء. وتقدّم بيان معنى الآية واشتقاقها عند قوله تعالى: {أية : والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون}تفسير : في سورة [البقرة: 39]. ومعنى كون الآيات عند الله أنّ الآيات من آثار قدرة الله وإرادته، فأسباب إيجاد الآيات من صفاته، فهو قادر عليها، فلأجل ذلك شُبّهت بالأمور المدّخرة عنده، وأنّه إذا شاء إبرازَها أبرزها للنّاس، فكلمة عند} هنا مجاز. استعمل اسم المكان الشّديد القُرب في معنى الاستبداد والاستئثار مجازاً مرسلاً، لأنّ الاستئثار من لوازم حالة المكان الشّديد القرب عرفاً، كقوله تعالى: {أية : وعنده مفاتح الغيب}تفسير : [الأنعام: 59]. والحصر بــ {إنّما} ردّ على المشركين ظنّهم بأنّ الآيات في مقدور النّبيء صلى الله عليه وسلم إن كان نبيئاً فجعلوا عدم إجابة النّبيء صلى الله عليه وسلم اقتراحَهم آية أمارة على انتفاء نبوءته، فأمره الله أن يجيب بأنّ الآيات عند الله لا عند الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ، والله أعلم بما يُظهره من الآيات. وقوله: {وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون} قرأ الأكثر (أنّها) ـــ بفتح همزة «أنّ» ـــ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وخلَف، وأبو بكر عن عاصم في إحدى روايتين عن أبي بكر ـــ بكسر همزة (إنّ) ـــ. وقرأ الجمهور {لا يؤمنون} ـــ بياء الغيبة ـــ. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وخلف ـــ بتاء الخطاب ـــ، وعليه فالخطاب للمشركين. وهذه الجملة عقبة حَيرة للمفسّرين في الإبانة عن معناها ونظمها ولْنَأت على ما لاح لنا في موقعها ونظمها وتفسير معناها، ثمّ نعقّبه بأقوال المفسّرين. فالّذي يلوح لي أنّ الجملة يجوز أن تكون الواو فيها واوَ العطف وأن تكون واو الحال. فأمّا وجه كونها واو العطف فأن تكون معطوفة على جملة: {إنّما الآيات عند الله} كلام مستقلّ، وهي كلام مستقلّ وجّهه الله إلى المؤمنين، وليست من القول المأمور به النّبيء ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ بقوله تعالى: {قل إنّما الآيات عند الله}. والمخاطب بـــ {يشعركم} الأظهر أنّه الرّسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ والمؤمنون، وذلك على قراءة الجمهور قوله: {لا يؤمنون} ـــ بياء الغيبة ـــ. والمخاطب بـــ {يشعركم} المشركون على قراءة ابن عامر، وحمزة، وخلف {لا تؤمنون} ـــ بتاء الخطاب ـــ، وتكون جملة {وما يشعركم} من جملة ما أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله في قوله تعالى: {قل إنّما الآيات عند الله}. {وأما} استفهامية مستعملة في التّشكيك والإيقاظ، لئلاّ يغرّهم قَسم المشركين ولا تروجَ عليهم ترّهاتهم، فإن كان الخطاب للمسلمين فليس في الاستفهام شيء من الإنكار ولا التّوبيخ ولا التّغليظ إذ ليس في سياق الكلام ولا في حال المسلمين فيما يؤثر من الأخبار ما يقتضي إرادة توبيخهم ولا تغليطهم، إذ لم يثبت أنّ المسلمين طمعوا في حصول إيمان المشركين أو أنّ يجَابُوا إلى إظهار آية حسب مقترحهم، وكيف والمسلمون يقرأون قوله تعالى: {أية : إنّ الّذين حقّت عليهم كلمت ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية}تفسير : وهي في سورة [يونس: 96، 97] وهي نازلة قبل سورة الأنعام، وقد عرف المسلمون كذب المشركين في الدّين وتلوّنهم في اختلاق المعاذير. والمقصود من الكلام تحقيق ذلك عند المسلمين، وسيق الخبر بصيغة الاستفهام لأنّ الاستفهام من شأنه أن يهيّءَ نفس السامع لطلب جواب ذلك الاستفهام فيتأهّب لوعي ما يرد بعده. والإشعار: الإعلام بمعلوم من شأنه أن يخفَى ويَدِقّ. يقال: شعَرَ فلان بكذا، أي علمه وتفطّن له، فالفعل يقتضي متعلِّقاً به بعد مفعوله ويتعيّن أن قوله: أنّها إذا جاءت لا يؤمنون} هو المتعلِّق به، فهو على تقدير باء الجرّ. والتّقدير: بأنّها إذا جاءت لا يؤمنون، فحذف الجارّ مع (أنّ) المفتوحة حذف مطّرد. وهمزة (أنّ) مفتوحة في قراءة الجمهور. والمعنى أمُشْعِر يُشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون، أي بعدم إيمانهم. فهذا بيان المعنى والتّركيب، وإنّما العقدَة في وجود حرف النّفي من قوله: {لا يؤمنون} لأنّ {ما يشعركم} بمعنى قولهم: ما يدريكم، ومعتاد الكلام في نظير هذا التّركيب أن يجعل متعلّق فعل الدّراية فيه هو الشّيء الّذي شأنُه أن يَظُنّ المخاطبُ وقوعَه، والشَّيء الَّذي يُظَنّ وقوعُه في مثل هذا المقام هو أنّهم يُؤمنون لأنّه الَّذي يقتضيه قسمهم {لئن جاءتهم آية ليؤمننّ} فلمّا جعل متعلِّق فعل الشّعور نفيَ إيمانهم كان متعلِّقاً غريباً بحسب العرف في استعمال نظير هذا التّركيب. والّذي يقتضيه النّظر في خصائص الكلام البليغ وفروقِه أن لا يقاس قوله: {وما يُشعركم} على ما شاع من قول العرب {ما يُدريك}، لأنّ تركيب ما يدريك شاع في الكلام حتّى جرى مجرى المثل باستعمالٍ خاصّ لا يكادون يخالفونه كما هي سُنّة الأمثال أن لا تغيّر عمّا استعملت فيه، وهو أن يكون اسم (ما) فيه استفهاماً إنكارياً، وأن يكون متعلّق يُدريك هو الأمر الّذي ينكره المتكلّم على المخاطب. فلو قسنا استعمال {ما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون} على استعمال (ما يدريكم) لكان وجود حرف النّفي منافياً للمقصود، وذلك مثار تردّد علماء التّفسير والعربيّة في محمل {لا} في هذه الآية. فأمّا حين نتطلّب وجه العدول في الآية عن استعمال تركيب (ما يدريكم) وإلى إيثار تركيب {ما يشعركم} فإنّنا نعلم أنّ ذلك العدول لمراعاة خصوصيّة في المعدول إليه بأنّه تركيب ليس متَّبعاً فيه طريق مخصوص في الاستعمال، فلذلك فهو جار على ما يسمح به الوضع والنظمُ في استعمال الأدواتتِ والأفعاللِ ومفاعيلها ومتعلّقاتها. فلنحمل اسم الاستفهام هنا على معنى التّنبيه والتشكيك في الظنّ، ونحمل فعل {يشعركم} على أصل مقتضى أمثاله من أفعال العِلم، وإذا كان كذلك كان نفي إيمان المشركين بإتيان آية وإثباتُه سواء في الفرض الّذي اقتضاه الاستفهام، فكان المتكلّم بالخيار بين أن يقول: إنّها إذا جاءت لا يؤمنون، وأن يقول: إنّها إذا جاءت يؤمنون. وإنّما أوثر جانب النفي للإيماء إلى أنّه الطرف الرّاجح الّذي ينبغي اعتماده في هذا الظنّ. هذا وجه الفرق بين التّركيبين. وللفروق في علم المعاني اعتبارات لا تنحصر ولا يَنبغي لصاحب علم المعاني غضّ النّظر عنها، وكثيراً ما بيّن عبد القاهر أصنافاً منها فليُلحَق هذا الفرق بأمثاله. وإنْ أبَيْتَ إلاّ قياسَ {ما يشعركم} على (مَا يُدريكم) سواء، كما سلكه المفسّرون فاجعل الغالب في استعمال (ما يُدريك) هو مقتضى الظّاهر في استعمال {ما يُشعركم} واجعَل تعليق المنفي بالفعل جرياً على خلاف مقتضى الظّاهر لنكتة ذلك الإيماء ويسهل الخطب. وأمّا وجه كون الواو في قوله: {وما يشعركم} واو الحال فتكون «ما» نكرة موصوفة بجملة {يشعركم}. ومعناها شَيء موصوف بأنّه يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا الشّيء هو ما سبق نُزوله من القرآن، مثل قوله تعالى: {أية : إنّ الَّذين حقّت عليهم كلمت ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية}تفسير : [يونس: 96، 97]، وكذلك ما جرّبوه من تلوّن المشركين في التفصّي من ترك دين آبائهم، فتكون الجملة حالاً، أي والحال أنّ القرآن والاستقراء أشعركم بكذبهم فلا تطمعوا في إيمانهم لو جاءتهم آية ولا في صدق أيْمانهم، قال تعالى: {أية : إنّهم لا أيْمان لهم}تفسير : [التوبة: 12]. وإنّي لأعجب كيف غاب عن المفسّرين هذا الوجه من جعل «ما» نكرة موصوفة في حين أنّهم تطرّقوا إلى ما هو أغرب من ذلك. فإذا جعل الخطاب في قوله: {وما يشعركم} خطاباً للمشركين، كان الاستفهام للإنكار والتّوبيخ ومتعلِّق فعل {يشعركم} محذوفاً دلّ عليه قوله: {لئن جاءتهم آية}. والتّقدير: وما يشعركم أنّنا نأتيكم بآية كما تريدون. ولا نحتاج إلى تكلّفات تكلّفها المفسّرون، ففي «الكشاف»: أنّ المؤمنين طمعوا في إيمان المشركين إذا جاءتهم آية وتمنّوا مجيئها فقال الله تعالى: وما يدريكم أنّهم لا يؤمنون، أي أنّكم لا تدرون أنّي أعلم أنّهم لا يؤمنون. وهو بناء على جعل {ما يشعركم} مساوياً في الاستعمال لِقولهم {ما يدريك}. ورَوى سيبويه عن الخليل: أنّ قوله تعالى: {أنّها} معناه لَعلّها، أي لعلّ آية إذا جاءت لا يؤمنون بها. وقال: تأتى (أنّ) بمعنى لعلّ، يريد أنّ في لعلّ لغة تقول: لأنّ، بإبدال العين همزة وإبدال اللام الأخيرة نوناً، وأنّهم قد يحذفون اللام الأولى تخفيفاً كما يحذفونها في قولهم: علّك أن تفعل، فتصير (أنّ) أي (لعلّ). وتبعه الزمخشري وبعض أهل اللّغة، وأنشدوا أبياتاً. وعن الفرّاء، والكسائي، وأبي عليّ الفارسي: أنّ {لا} زائدة، كما ادّعوا زيادتها في قوله تعالى: {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون}تفسير : [الأنبياء: 95]. وذكر ابن عطيّة: أنّ أبا عليّ الفارسي جعل {أنّها} تعليلاً لقوله {عند الله} أي لا تأتيهم بها لأنّها إذا جاءت لا يؤمنون، أي على أن يكون {عند} كناية عن منعهم من الإجابة لما طلبوه. وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب، وخلف، وأبي بكر، في إحدى روايتين عنه {إنّها} ـــ بكسر الهمزة ـــ يكون استئنافاً. وحذف متعلّق {يشعركم} لظهوره من قوله {لَيُؤمِنُنّ بها}. والتّقدير: وما يشعركم بإيمانهم إنّهم لا يؤمنون إذا جاءت آية. وعلى قراءة ابن عامر، وحمزة، وخلف ـــ بتاء المخاطب ـــ. فتوجيه قراءة خلف الّذي قرأ {إنّها} ـــ بكسر الهمزة ـــ، أن تكون جملة {أنّها إذا جاءت} الخ خطاباً موجّهاً إلى المشركين. وأمّا على قراءة ابن عامر وحمزة اللّذيْن قرآ {أنّها} ـــ بفَتح الهمزة ـــ فأن يجعل ضمير الخطاب في قوله: {وما يشعركم} موجّهاً إلى المشركين على طريقة الالتفات على اعتبار الوقف على {يشعركم}.
القطان
تفسير : الطغيان: مجاوزة الحدود. يعمهون: يترددون في الضلال، والعمَهُ للبصيرة كالعمى للبصر. وأقسموا بالله بأقصى أيمانهم أنْ لو ظهرت لهم معجزة مادّية يرونها بأعينهم لآمنوا، فقل لهم ايها النبي: إن الله يُظهر الآيات متى شاء لا حسب رغباتكم.. بل ما يدريك أنهم لن يؤمنوا حتى لو ظهرت! هكذا فعل أسلافهم. ونقلّب قلوبهم وعيونهم فلا يعقلونها، ولا يبصرونها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمن آباؤهم بالحق اول مرة، وندعهم في ظلمهم وظغيانهم يترددون. هنا انتهى الجزء السابع، والحمد لله الذي هدانا لهذا، اللهم ثبت افئدتنا وابصارنا على الحق واحفظنا واهدنا الصراط المستقيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانِهِمْ} { لَئِن} {آيَةٌ} {ٱلآيَاتُ} (109) - وَأَقْسَمَ المُشْرِكُونَ أَيْمَاناً مُؤَكَّدَةً، لَئِنْ أَتَتْهُمْ مُعْجِزَةٌ مِنَ اللهِ لِيُصَدِّقُنَّهَا، وَلَيُؤْمِنُنَّ بِهَا، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاَءِ الذِينَ يَسْأَلُونَ الآيَاتِ، تَعَنُّتاً وَكُفْراً، لاَ عَلَى سَبيلِ الاسْتِهْدَاءِ وَالاسْتِرْشَادِ: إِنَّ الآيَاتِ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ، إِنْ شَاءَ جَاءَكُمْ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَكُمْ. وَمَا يُدْرِيكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا، وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى جُحُودِهِمْ بِهَا؟ (وَرُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ رَداً عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَدْ كَلَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً قُرَيْشاً، فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ: تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصَا يَضْرِبُ بِهَا الحَجَرَ، وَأَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي المَوْتَى، وَأَنَّ صَالِحاً كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ... فَأْتِنَا بِبَعْضِ تِلْكَ الآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَكَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ: أَيُّ شَيءٍ تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ؟ قَالُوا: تُحَوِّلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَباً. فَقَالَ لَهُمْ إِنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتْبَعَنَّكَ أَجْمَعِينَ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ يَدْعُو. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبِحَ الصَّفَا ذَهَباً، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتَوبَ تَائِبُهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتْرُكُهُمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ - مُجْتَهِدِينَ فِي الحَلْفِ بِأَغْلَظِ الأَيْمَانِ وَأَوْكَدِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ}، هنا قَسَمٌ: ومُقْسَمٌ به، ومُقْسِمٌ، ومقْسَمٌ عليه.. فالمقْسَمُ به هو الله: والمقسِم هم الجماعة المخالفون لرسول الله، ولماذا يقسمون؟ لقد أقسموا حينَ أخذهم الجدل بمنطق الحق فغلبهم.. هم أقسموا بالله وقد دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلىعبادته، و {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} تعرف منها الجهد وهو المشقة أي أنهم بالغوا في القسم مبالغة تجهدهم ليبينوا لمن يقسمون لهم أنهم حريصون على أن يبروا بالقسم، فأفرغوا جهدهم ومشقتهم في القسَم، وهذا معناه أنهم أعلنوا أنهم يقسمون قسماً محبوباً لهم، والمحبوب لهم أكثر أن ينفذوا هذا القسم، وهذا يدل في ظاهره على إخلاصهم في القسم. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ} [الأنعام: 109]. ألم يأت الرسول صلى الله عليه وسلم بآية واضحة؟ لقد جاءهم بأعظم آية وهي القرآن، وعدم عرفانهم بذلك هو أول مصيبة منهم، ألم يقل لكم: إني رسول بعد أن أعلن الآية وهي نزول القرآن وأنتم تعرفون أنه صادق في التبليغ عن الله.. وكان ذلك هو قمة المماحكة منهم، وساروا على ذلك حين اقترحوا هم الآيات على الله، ألم يقولوا: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 90-92]. وأراد الحق بذلك أن يبين لنا أنّ القسم الذي أقسموه هو قسم مدخول فقد قالوا: "كما زعمت علينا" والزعم - كما نعلم - مطية الكذب وهذا أول خلل في القسم. ويقول الحق: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [سبأ: 9]. هم إذن غير مؤمنين بالآية الأصلية وهي القرآن، فيتحدوْنه في أنه ينزل بالوحي، فيحذرنا الحق أن نصدق زعمهم، فهو القائل: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأنعام: 7]. وحتى إن نزلت الآية فلن يصدقوا؛ فالحق هو القائل: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} تفسير : [الحجر: 14-15] ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحركم.. فلماذا لم يسحرهم ليؤمنوا بالله؟ وهكذا نرى أن الحق قد ذكرنا لنا في كتابه أن كل ما يقولونه في هذه المسألة هو مروق وهروب من الاستجابة للدعوة؛ لأنه لا توجد آية أعظم من الآية التي نزلت عليهم وهي القرآن، وكل الآيات التي اقترحوها لا تسمو على هذه الآية؛ لأنهم أمة نحو وصرف وبلاغة وبيان وأدب، فجاء لهم بالمعجزة التي تفرقوا فيها. وهم لم يتفوقوا في الأشياء التي ذكروها واقترحوها. إننا نأتي لهم بمعجزة من جنس ما تفوقوا فيه؛ لأن المعجزات دائماً تأتي على هذا الأساس؛ فكل قوم تفوقوا في مجال يأتي الله لهم بشيء يتفوق عليهم في مجال تفوقهم ليثبت صدق الرسول في البلاغ عنه. ولقد قلنا: إن المعجزات تأتي خرقاً لنواميس الكون الثابتة لأن نواميس الكون لها قوانين عرفها البشر، وأصبحت متواترة أمامهم؛ فإذا ما جاء أمر يخرق الناموس السائد المعترف به بينهم يلتفتون متسائلين كيف خرق الناموس وذلك ليعرف كل واحد منهم أن الذي خلق الناموس هو الذي خرق الناموس؛ لكي يثبت صدق هذا البلاغ عنه. وقد جاءتكم المعجزة من جنس ما نبغتم به، والذي يدل على ذلك أنهم لا يتكلمون في المعجزة بل في المنهج وفي شخص من جاء بالمنهج، تجدهم يقولون: {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} تفسير : [الأنعام: 8]. فيوضح القرآن أن المَلك بطبيعة تكوينه لا يُرى منكم؛ هو يراكم وأنتم لا ترونه، وإذا أرسلنا ملكاً فكيف تعرفونه؟ إذن سيتطلب إرسال ملك أن نخلع عليه وضع البشر، وإن ينزله الحق في صورة بشر، وإن نزل في صورة بشر فستقولون: إنه ليس بشراً ولسنا ملزمين بما جاء به: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. وكان سيدنا جبريل - على سبيل المثال - ينزل إلى رسول الله أحياناً في صورة رجل قادم من السفر ويقعد ويتكلم مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأت جبريل عليه السلام - إذن - بطبيعة تكوينه بل جاء بطبيعة البشر. وهناك خلق آخر مثل الجن، ونحن لا نقدر أن نرى الجن، ولا نستطيع بقوانيننا وقوانين الجن أن نراه، لكن إذا أراد الجن أن يرينا نفسه فهو يتشكل بشكل مادي يرى؛ يتشكل بشكل حيوان، يتشكل بشكل قطة، يتشكل بشكل جمل، يتشكل بشكل رجل، وهكذا، ولو كانت هذه المسألة غير مقيدة بتقنين يحفظ توازن الأمر بين الجنسين - الإنس والجن - لتعب الناس؛ لأنه ساعة يظهر جن للإنسان ويقف أمامه ثم يختفي يسود الرعب بين البشر على الرغم من أن الجن تخاف من الإنسان اكثر مما نخاف نحن منهم؛ لأن الجن يعرف أن قانونه يسمح له أن يتشكل بشكل إنس أو أي شكل مادي، وحينئذ يحكمه قانون الإنس وإن التقى بشخص معه مسدس - مثلا - فقد يضربه بالرصاص ويقتله، ولذلك يخاف الجن أن يظهر للإنسان مدة طويلة، وإنما يظهر كموضة البرق ويختفي؛ لأنه يخاف كما قلنا - من الإنسان. إذن فالتوازن موجود بين الجن والإنس. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : إن عفريتا من الجن جعل يفتك على البارحة ليقطع عليّ الصلاة وإن الله أمكنني منه فَذّعَتّهُ، فلقد هممتُ أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أوكلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان: "رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" فردَّه الله خاسئاً، وفي رواية: "والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ". تفسير : وهكذا نعلم أن القوم إذا اقترحوا آية، ثم جاء الله بالآية، فإن كذبوا بها أخذهم أخذ عزيز مقتدر ولا يؤجل ذلك للآخرة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]. إذن فحتى الكفار به نالهم شيء من رحمته. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109]. هنا يبلغ الحق رسوله أن يقول لهم: أنا لا آتي بالآيات من عندي ولا آتي بقانون قدرتي؛ لأن قانون قدرتي مساو لكم. ولست متفوقا عنكم غير أنه يوحي إليّ وأبلغكم ما أرسلت به إليكم. إنّ الله هو الذي يناولني آيات القرآن، ولا يوجد خلق يقترح على الله الآية؛ لأن ما سبق في الرسالات السابقة يؤكد أن الحق إذا ما استجاب لآية طلبها الخلق ولم يؤمنوا فسبحانه يهلكهم ويستأصلهم أو يغرقهم أو يرسل عليهم ريحا صرصرا أو يخسف بهم الأرض، والحق هو القائل: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59]. إذن فبعض أهل الرسالات السابقة اقترحوا الآيات وحققها الله لهم ثم كذبوا بها. إذن فالتكذيب هو الأصل عندهم. والمفروض أن تأتي الآية كما يريدها الله لا أن يقترحها أحد عليه. ولذلك يأمر الحق رسوله أن يبلغهم: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} ثم يأتي خطاب جديد لأناس يختلفون عن المشركين هم المؤمنون، فيقول الحق لهم: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فكأنهم حينما قال أهل الشرك ذلك أراد المؤمنون أن يخففوا عنتهم مع رسول الله فقالوا له: يارسول الله، اسأل الله أن ينزل لهم آية حتى نرتاح من لجاجتهم، فيتجه الله بالرد على من قرظ هذا السؤال موضحا: أنتم مؤمنون وظنكم حسن، وفكرتكم طيبة في أنكم تريدون أن تكسروا حدة العنت، لكن ما يشعركم: أي ما يعلمكم أن الآية التي اقترحوها إن جئت بها لا يؤمنون. فكأن المؤمنين أيدوا قول هؤلاء المشركين في طلب الآية منعا للجاج. والنص القرآني جاء بقوله الحق: "لا يؤمنون" وجاء العلماء عند هذه المسألة واختلفوا، وجزى الله الجميع خيرا؛ لأنها أفهام تتصارع لتخدم الإيمان. ونسأل: ما الذي يجعل الأسلوب يجيء بها الشكل؟ ونقول: إنها مقصودات الإِله حتى نعيش في القرآن. لا أن نمر عليه المرور السريع. والأسلوب في قوله: "وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون" هو دليل على أنه ليس لكم علم. وقلنا: إن الشعور يحتاج إلى إدراك ومواجيد ونزوع، فعلى أي أساس بنيتم شعوركم هذا؟ أنتم أخذتم ظاهر كلامهم، ولكن الحق يعلم ويحيط بما يخفون ويبطنون. وكأنه سبحانه يوضح أن طلب الآية إنما هو تمحيك. وأنتم تعلمون أن الله إن جاء لهم بالآية فلن يؤمنوا. وبعض من المفسرين قال: إن (لا) زائدة ومنهم من كان أكثر تأدبا فقال: (لا) صلة لأنهم خافوا أن يقولوا: (لا) زائدة وقد يأخذ البعض بمثل هذا القول فيحذفها، لذلك أحسنوا الأدب؛ لأن الذي يتكلم هو الإِله وليس في كلامه حرف زائد بحيث لو حذفته يصح الكلام، لا. إنك إذا حذفت شيئا فالكلام يفسد ولا يؤدي المراد منه؛ لأن لله مرادات في كلامه، وهذه المرادات لابد أن يحققها أسلوبه. والمثال في حياتنا أن يقول لك واحد: "ما عندي مال" أو ما عندي من مال؟ إن "من مال" هنا ابتدائية أي من عندي من بداية ما يقال: إنه مال، أما من يقول: "ما عندي مال" أي ليس عنده ما يعتد به من المال الذي له خطر وقيمة، بل عنده قروش مما لا يثال له: مال. إن في جيبه القليل من القروش. و "لا" في هذه الآية جاءت لأن الحق يريد أن يقول للمؤمنين: ما يعلمكم يا مؤمنون أنني إذا جئت لهم بالآية يؤمنون، فكأنه سبحانه ينكر على المؤمنين تأييد مطلب الكافرين. وقد تلطف الحق مع المؤمنين وكرم حسن ظنهم في التأييد لأنهم لا يؤيدون الطلب حبا في الكافار، بل حبا في النبي والمنهج، وكأن الحق يقول لهم: أنا أعذركم لأنكم تأخذون بظاهر جهد اليمين {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} ومبالغتهم فيه. ولا أنكر عليكم تصديقكم لظاهر قولهم؛ لأن هذا هو مدى علمكم، ومكا أدراكم أنني إذا جئت بالآية أنهم أيضا لن يعلنوا الإِيمان. ولو كنتم تعبمون ما أعلم لعرفتم أنهم لن يؤمنوا. إذن حين جاء الأسلوب بـ {لاَ يُؤْمِنُونَ} فـ "لا" حقيقية وليست زائدة. ومن أجل أن يطمئن الحق المؤمنين أظهر لهم أن علمه الواسع يعلم حقيقة أمرهم يقول: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} معناهُ ما يُدْرِيكُمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وأقسم المشركون المكذبون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم. { بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: قسما اجتهدوا فيه وأكدوه. { لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ } تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا } وهذا الكلام الذي صدر منهم، لم يكن قصدهم فيه الرشاد، وإنما قصدهم دفع الاعتراض عليهم، ورد ما جاء به الرسول قطعا، فإن الله أيد رسوله صلى الله عليه وسلم، بالآيات البينات،والأدلة الواضحات، التي -عند الالتفات لها- لا تبقي أدنى شبهة ولا إشكال في صحة ما جاء به، فطلبهم -بعد ذلك- للآيات من باب التعنت، الذي لا يلزم إجابته، بل قد يكون المنع من إجابتهم أصلح لهم، فإن الله جرت سنته في عباده، أن المقترحين للآيات على رسلهم، إذا جاءتهم، فلم يؤمنوا بها -أنه يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال: { قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } أي: هو الذي يرسلها إذا شاء، ويمنعها إذا شاء، ليس لي من الأمر شيء، فطلبكم مني الآيات ظلم،وطلب لما لا أملك، وإنما توجهون إلى توضيح ما جئتكم به، وتصديقه، وقد حصل، ومع ذلك، فليس معلوما، أنهم إذا جاءتهم الآيات يؤمنون ويصدقون، بل الغالب ممن هذه حاله، أنه لا يؤمن، ولهذا قال: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ } . { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي: ونعاقبهم، إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم. وهذا من عدل الله، وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق، كان مناسبا لأحوالهم. وكذلك تعليقهم الإيمان بإرادتهم، ومشيئتهم وحدهم، وعدم الاعتماد على الله من أكبر الغلط، فإنهم لو جاءتهم الآيات العظيمة، من تنزيل الملائكة إليهم،يشهدون للرسول بالرسالة، وتكليم الموتى وبعثهم بعد موتهم، وحشر كل شيء إليهم حتى يكلمهم { قُبُلا } ومشاهدة، ومباشرة، بصدق ما جاء به الرسول ما حصل منهم الإيمان، إذا لم يشأ الله إيمانهم، ولكن أكثرهم يجهلون. فلذلك رتبوا إيمانهم، على مجرد إتيان الآيات، وإنما العقل والعلم، أن يكون العبد مقصوده اتباع الحق، ويطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك، ويستعين ربه في اتباعه، ولا يتكل على نفسه وحوله وقوته، ولا يطلب من الآيات الاقتراحية ما لا فائدة فيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):