٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
110
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا أيضاً من الآيات الدالة على قولنا: إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره، والتقلب والقلب واحد، وهو تحويل الشيء عن وجهه، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار: هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها ألبتة. أجاب الجبائي عنه بأن قال: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يأمنوا به أول مرة في دار الدنيا. وأجاب الكعبي عنه: بأن المراد من قوله: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم. وأجاب القاضي: بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ظهرت، فلا تجدهم يؤمنون بها آخراً كما لم يؤمنوا بها أولاً. واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف، وليس لأحد أن يعيبنا، فيقول: إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع، فإنا نقول: إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء، فهم يكررونها في كل آية، فنحن أيضاً نكرر الجواب عنها في كل آية، فنقول: قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة للضدين وللطرفين على السوية. فإذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة امتنع حصول الرجحان، فإذا انضمت الداعية المرجحة إما إلى جانب الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان، وتلك الداعية ليست إلا من الله تعالى قطعاً للتسلسل. وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية التي لا يشك فيها العاقل. وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» تفسير : فالقلب كالموقوف بين داعية الفعل وبين داعية الترك، فإن حصل في القلب داعي الفعل ترجح جانب الفعل، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك، وهاتان الداعيتان لما كانتا لا تحصلان إلا بإيجاد الله وتخليقه وتكوينه، عبر عنهما بأصبعي الرحمن، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي الإنسان يكون كامل القدرة عليه. فإن شاء أمسكه وإن شاء أسقطه، فههنا أيضاً كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله تعالى، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «حديث : يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» تفسير : والمراد من قوله ـ مقلب القلوب ـ أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس. إذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } محمول على هذا المعنى الظاهر الجلي الذي يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم، فلا حاجة ألبتة إلى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة. وإنما قدم الله تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب. فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه، فهو وإن كان يبصره في الظاهر. إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سبباً للوقوف على الفوائد المطلوبة. وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً } فلما كان المعدن هو القلب، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب. فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر، وفي الآية الأخرى وقع الابتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم أتبعه بذكر السمع، فهذا هو الكلام القوي العقلي البرهاني الذي ينطبق عليه لفظ القرآن، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها؟ ولنرجع إلى ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول: أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع لأن الله تعالى قال: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } ثم عطف عليه فقال {وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } ولا شك أن قوله: {وَنَذَرُهُمْ } إنما يحصل في الدنيا، فلو قلنا: المراد من قوله: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } إنما يحصل في الآخرة، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر وأخر المقدم من غير فائدة، وأما الوجه الذي ذكره الكعبي فضعيف أيضاً لأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر، فهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان والخدلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله تعالى: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ }. وأما الوجه الثاني الذي ذكره القاضي فبعيد أيضاً لأن المراد من قوله: {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة إلى صفة. وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل، فثبت أن الوجوه التي ذكروها فاسدة باطلة بالكلية. أما قوله تعالى: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فقال الواحدي فيه وجهان: الوجه الأول: دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا به في المرة الأولى، وأما الكناية في {بِهِ } فيجوز أن تكون عائدة إلى القرآن أو إلى محمد عليه الصلاة والسلام، أو إلى ما طلبوا من الآيات. الوجه الثاني: قال بعضهم: الكاف في قوله: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } بمعنى الجزاء، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة فيها إلى الإضمار. وأما قوله تعالى: {وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } فالجبائي قال: {وَنَذَرُهُمْ } أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره، لكنا نمهلهم فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم، وهو يوجب تأكيد الحجة عليهم، وقال أصحابنا: معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه. ولقائل أن يقول للجبائي: إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا الخير والرحمة، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه؟ ولم لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر؟ أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقاً للثواب فيفوته الاستحقاق فقط، ولكن يسلم من العقاب، أما إذا تركه في ذلك العمه مع علمه بأنه يموت عليه، فإنه لا يحصل استحقاق الثواب. ويحصل له العقاب العظيم الدائم، فالمفسدة الحاصلة عند خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب، أما المفسدة الحاصلة عند إبقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت استحقاق الثواب مع استحقاق العقاب الشديد، والرحيم المحسن الناظر لعباده لا بد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر صلاحاً وأقل فساداً، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والإحسان.
القرطبي
تفسير : هذه آية مُشْكِلة، ولا سِيّما وفيها {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحرِّ الجمر؛ كما لم يؤمنوا في الدنيا. «وَنَذَرُهُمْ» في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم؛ فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ }تفسير : [الغاشية: 2] فهذا في الآخرة. «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ» في الدنيا. وقيل: ونقلب في الدنيا؛ أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حُلنا بينهم وبين الإيمان أوّل مرة؛ لمّا دعوتَهم وأظهرتَ المعجزة. وفي التنزيل: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}تفسير : [الأنفال: 24]. والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم؛ فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبَهم وأبصارهم. {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ودخلت الكاف على محذوف، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أوّل مرة؛ أي أوّل مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلِّب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا؛ كما لم تؤمن كفار الأممِ السالفة لما رأوا ما ٱقترحوا من الآيات. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أوّل مرة ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم. {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يتحيرون. وقد مضى في «البقرة».
البيضاوي
تفسير : {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ} عطف على لا يؤمنون أي: وما يشعركم أنا حينئذ يقلب أفئدتهم عن الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم فلا يبصرونه فلا يؤمنون بها. {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ} أي بما أنزل من الآيات. {أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وندعهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين. وقرىء. «وَيَقَلِّبُ» و «يذرهم» على الغيبة، و «تقلب» على البناء للمفعول والإِسناد إلى الأفئدة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ } نحوِّل قلوبهم عن الحق فلا يفهمونه {وَأَبْصَٰرَهُمْ } عنه فلا يبصرونه ولا يؤمنون {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } أي بما أنزل من الآيات {أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ } نتركهم {فِي طُغْيَٰنِهِمْ } ضلالهم {يَعْمَهُونَ } يتردّدون متحيّرين.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَنُقَلِّبُ أَفئِدَتَهُمْ} في النار في الآخرة، أو الدنيا بالحيرة {أَوَّلَ مَرَّةٍ} جاءتهم الآيات، أو أول أحوالهم في الدنيا كلها.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} قال ابن عباس: يعني ونحول بينهم وبين الإيمان فلو جئناهم بالآيات التي سألوها لما آمنوا بها. والتقليب هو تحويل الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر لأن الله تعالى إذا صرف القلوب والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر {كما لم يؤمنوا به أول مرة} يعني كما لم يؤمنوا بما قبل ذلك من الآيات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات الباهرات، وقيل: أول مرة يعني الآيات التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء. وقال ابن عباس: المرة الأولى دار الدنيا يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة قبل مماتهم وفي الآية دليل على أن الله تعالى: (يهدي من يشاء ويضل من يشاء) وأن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه فيقيم ما شاء منها ويزيغ ما أراد منها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" تفسير : فمعنى قوله بقلب أفئدتهم نزيغها عن الإيمان ونقلب أبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة الصواب وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فعلى هذا تكون الكناية في به عائدة على الإيمان بالقرآن وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها. وقوله تعالى: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} يعني ونترك هؤلاء المشركين الذين سبق علم الله أنهم لا يؤمنون في تمردهم على الله واعتدائهم عيله يترددون لا يهتدون إلى الحق. قوله عز وجل: {ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة} قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين، وذلك أنهم أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، فقالوا: يا محمد ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل وأرنا الملائكة يشهدن لك أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً فنزلت هذه الآية جواباً لهم. والمعنى: ولو أنا نزلنا إليهم الملائكة حتى يشهدوا لك بالرسالة {وكلمهم الموتى} يعني كما سألوا {وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً} يعني وجمعنا عليهم كل شيء قبلاً قبيلاً، قيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول ما آمنوا وهو قوله: {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} يعني إلا أن يشاء الله الإيمان منهم وفيه دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى حتى الإيمان والكفر، وموضع المعجزة أن الأشياء المحشورة منها ناطق ومنها صامت فإذا أنطق الله الكل حتى يشهدوا له بصحة ما يقول كان ذلك في غاية الإعجاز. وقيل قبلاً من المقابلة والمواجهة، والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء مواجهة ومعاينة {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} أخبر الله أن الإيمان بمشيئة الله لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا لم يؤمنوا، وقال ابن عباس: ما كانوا ليؤمنوا هم أهل الشقاء إلا أن يشاء الله هم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان. وصحح الطبري قول ابن عباس قال: لأن الله عم بقوله ما كانوا ليؤمنوا: القوم الذين تقدم ذكرهم في قوله:{أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها}تفسير : [الأَنعام: 109] ثم استثنى منهم أهل السعادة وهم الذين شاء لهم الإيمان. قوله تعالى: {ولكن أكثرهم يجهلون} يعني يجهلون أن ذلك كذلك ويحسبون أن الإيمان إليهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس الأمر كذلك بل الإيمان والكفر بمشيئة الله تعالى فمن شاء له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر وفي هذا دليل لمذهب أهل السنة أن الأشياء كلها بمشيئة الله تعالى ورد على القدرية والمعتزلة في قوله: إن الله أراد الإيمان من جميع الكفار.
ابو السعود
تفسير : {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ} عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم ما يشعركم مقيدٌ بما قيد به أي وما يُشعرُكم أنا نقلّب أفئدتَهم عن إدراك الحقِّ فلا يفقهونه وأبصارَهم عن اجتلائه فلا يُبصرونه لكن لا مَعَ توجهها إليه واستعدادِها لقبوله بل لكمال نُبوِّها عنه وإعراضِها بالكلية ولذلك أخِّر ذكرُه عن ذكر عدمِ إيمانِهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحسماً لتوهُّم أن عدم إيمانِهم ناشىءٌ من تقليبه تعالى مشاعرَهم بطريق الإجبار{كَمَا لَوْ يُؤْمِنُواْ بِهِ} أي بما جاء من الآيات{أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي عند ورودِ الآياتِ السابقةِ، والكافُ في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ منصوبٌ بلا يؤمنون وما مصدريةٌ أي لا يؤمنون بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أولَ مرةٍ، وتوسيطُ تقليبِ الأفئدةِ والأبصارِ بـينهما لأنه من متمّمات عدمِ إيمانهم {وَنَذَرُهُمْ} عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم الاستفهامِ الإنكاريِّ مقيّدٌ بما قيد به مبـيِّنٌ لما هو المرادُ بتقليب الأفئدةِ والأبصار، ومعْرِبٌ عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يُقلِّب الله سبحانه مشاعِرَهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادِهم له بطريق الإجبارِ بل بأن يُخلِّيَهم وشأنَهم بعد ما عُلم فسادُ استعدادِهم وفرطُ نفورِهم عن الحق، وعدمُ تأثيرِ اللطفِ فيهم أصلاً، ويطبَعُ على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادُهم كما أشرنا إليه، وقوله تعالى: {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} متعلِّقٌ بنذرهم، وقوله تعالى: {يَعْمَهُونَ} حالٌ من الضمير المنصوبِ في نذرهم أي ندعُهم في طغيانهم متحيِّرين لا نهديهم هدايةَ المؤمنين، أو مفعولٌ ثانٍ لنذرُهم أي نصيِّرهم عامِهين وقرىء يُقلِّب ويَذَرُ بالياء على إسنادهما إلى ضمير الجلالةِ وقرىء تُقلَّبُ بالتاء والبناءِ للمفعول على إسناده إلى أفئدتهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الآية: 110]. سمعت النصرآباذى يقول: النفوس فى التنقيل والقلوب فى التقليب لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : يا مقلب القلوب ". تفسير : قال أبو حمزة: أقبلَ اللهُ على قُلوبٍ فأقبلت عليه، وأعرض عن قلوب فأعرضت عنه.
القشيري
تفسير : العَجَبُ ممن تبْقَى على قلبه شبهةٌ في مسألة القَدَر، والحقُّ - سبحانه - يقول: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ}، لا بل من حقائق التقليب بقاء إشكال هذا الأمر - مع وضوحه - على قلوب مَنْ هو مِنْ جملة العقلاء، فسبحان مَنْ يُخْفِي هذا الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} اضاف الحق سبحانه تقليب القلوب والابصار الى نفسه فكل موضع قلب القلوب الى رؤية صفاته وذات بنعت المحبة والشوق والمعرفة بنعتها الابصار بمطالعتها انوار القدرة والعزة فى الأيات فوافقت الابصار القلوب بتصحيح المعالات وتقديس الاسرار وصفاء الحالات وكل موضع صرف القلوب عن الاقبال اليه انصرفت الابصار عن مطالعة المشاهدة فى الشواهد لذك استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم وأله وسلم بقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبى قال النصر ابادى النفوس فى التنقيل والقلوب فى التقليب لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم يا مقلب القلوب وقال ابو حمزة اقبل الله على قلوب فاقتلبت عليه واعرض عن قلوب فاعرضت عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونقلب افئدتهم} عطف على لا يؤمنون اى وما يشعركم انا حينئذ نحول قلوبهم عن الحق فلا يفهمون {وابصارهم} عن اجتلائه فلا يبصرونه فلا يؤمنون بها {كما لم يؤمنوا به} اى بما جاء من الآيات {اول مرة} من انشقاق القمر ونحوه {ونذرهم} اى ندعهم عطف على لا يؤمنون داخل فى حكم الاستفهام الانكارى {فى طغيانهم} ضلالهم متعلق بنذرهم {يعمهون} اى متحيرين لانهديهم هداية المؤمنين فهو حال من الضمير المنصوب فى نذرهم ووجه هذا التقليب والترك فساد استعدادهم واعراضهم عن الحق بالكلية فان الله تعالى لا يفعل بهم ذلك مع توجههم الى الحق واستعدادهم لقبوله فانه اجبار محض فان كان مقهورا مطبوعا على قلبه فليعلم ان ذلك لعدم تأثير اللطف فيه اصلا فلله الحجة البالغة ومن الله الهداية والتوفيق. تم الجزء السابع فى اوائل شهر ربيع الآخر من سنة الف ومائة.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أنه يقلب الله أفئدة هؤلاء الكفار، وأبصارهم عقوبة لهم وفي كيفية تقليبها قيل قولان: قال ابو علي الجبائي: انه يقلبها في جهنم على لهب النار وحر الجمر، وجمع بين صفتهم في الدنيا وصفتهم في الآخرة، كما قال {أية : هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية}تفسير : لان قوله {وجوه يومئذ خاشعة} يعني في الآخرة، و {عاملة ناصبة} في الدنيا. الثاني - انه يقلبها بالحسرة التي تغم وتزعج النفس. وقوله {كما لم يؤمنوا به أول مرة} قيل فيه قولان: أحدهما - أول مرة أنزلت الآيات، فهم لا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الآيات كما لم يؤمنوا أول مرة بما أنزل من الآيات، وهو قول ابن عباس وابن زيد ومجاهد. الثاني - روي أيضا عن ابن عباس يعني أول مرة في الدنيا وكذلك لو اعيدوا ثانية، كما قال تعالى {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : والكاف في قوله {كما لم يؤمنوا به أول مرة} قيل فيه قولان: أحدهما - انها دخلت على محذوف كأنه قيل: فلا يؤمنون به ثاني مرة كما لو يؤمنوا به أول مرة. والثاني - انها دخلت على معنى الجزاء كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}. تفسير : والهاء في قوله {به} يحتمل ان تكون عائدة على القرآن وما أنزل من الآيات. ويحتمل أن تكون عائدة على النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال بعضهم: انها عائدة على التقليب، لانه الحائل بينهم وبين الايمان. وهذا خطأ لانه لو حيل بينهم وبين الايمان لما كانوا مأمورين به، ولان تقليب الابصار لا يمنع من الايمان كما لا يمنع الاعمى عماه من الايمان. وقوله {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} لا يدل على أنه تركهم فيه ليطغوا لانه انما أراد انه خلى بينهم وبين اختيارهم وان لم يرد منهم الطغيان، كما ان الأئمة والصالحين اذا خلوا بين اليهود والنصارى في دخولهم كنائسهم لا يدل على انهم خلوهم ليكفروا. وقال الحسين بن علي المغربي قوله {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} معناه إِنا نحيط علما بذات الصدور، وخائنة الاعين - وهو حشو بين الجملتين - وهو ان يختبر قلوبهم فيجد باطنها بخلاف الظاهر.
الجنابذي
تفسير : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} عطف على لا يؤمنون عطف السّبب على المسبّب او عطف المسبّب على السّبب، والفؤاد يطلق على القلب اللّحمانىّ وعلى النّفس الانسانيّة وعلى اللّطيفة السيّاره الانسانيّة وعلى القلب الّذى هو مرتبة من مراتب الانسان وعلى الجهة الرّوحانيّة من الانسان اذا علمت ذلك، فاعلم، انّ روحانيّة الانسان اى قلبه كبدنه خلق مستوى القامة رأسه من فوق وتقليبه عبارة عن تعلّقه بمشتهيات الحيوان واستقامته عبارة عن تعلّقه بما اقتضته انسانيّة الانسان، واستقامة الابصار عبارة عن ادراك ما يوافق الآخرة من كلّ ما يدركه البصر او البصيرة، وتقليبها سبب لادراك مقتضيات الحيوان والاحتجاب عن الاعتبار بالمدركات {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ} اى بما انزل من الآيات او بالقرآن او بالنّبىّ (ص) {أَوَّلَ مَرَّةٍ} اى قبل اقتراحهم، او اوّل مرّة نزول الآية او فى عالم الّذرّ او اوّل الدّعوة {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} متعلّق بنذرهم او بقوله {يَعْمَهُونَ} اى يتردّدون فى الضّلال ويتحيّرون، قرئ نقلّب ونذرهم بالتّكلّم وبالغيبة وقرئ تقلّب مبنيّاً للمفعول بتاء التّأنيث.
الأعقم
تفسير : {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} على لهب جهنم عقوبة لهم {كما لم يؤمنوا به أول مرة} في الدنيا، وقيل: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والأدلة التي نوردها عليهم، يعني أنهم لا يشعرون على ما هم عليه {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} أي نخلّيهم وما اختاروا من الطغيان ولا نحول بينهم وبينه، ويعمهون يعني يترددون، قوله تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى} بإحيائنا إياهم فيشهدون لك بالنبوة كما سألوه (صلى الله عليه وآله وسلم) والآية نزلت في الذين سألوه الآيات، وروي أنهم سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتي بهذه الآيات ليؤمنوا فنزلت الآية، وبين أنهم لا يؤمنون، وإن جاءتهم الآيات {وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً} يعني جمعنا عليهم كل آية، وقيل: كلما سألوا قبلاً مقابلة ليروها معاينة {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} قيل: إلا إن يشاء الله أن يخبرهم على الإِيمان، وقال أبو علي: إلا أن يلجئهم الله بالعلم إن راموا خلافه منعوا منه {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً} يعني كما خلينا بينهم وبين أعدائهم، كذلك نخلي بينك وبين أعدائك، وقيل: الجعل الحكم أي حكمنا بأنهم أعداء للأنبياء عن أبي علي، وقيل: الجعل بترك المنع والتخلية {شياطين الإنس والجن}، قيل: مردة الكفار من الإِنس وشياطين الجنّ كفار الجن {يوحي بعضهم إلى بعض} أي يوسوس بعضهم إلى بعض أي يلقي الشياطين إلى الانس والجن، قال في الثعلبي: عن عكرمة والضحاك: شياطين الانس التي مع الإِنس وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإِنس شياطين ولا للجن شياطين، ولكن ابليس قسم جنده فريقين فبعث منهم فريقاً إلى الجن، وبعث فريقاً إلى الانس، فشياطين الجن والإِنس أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأوليائه فيقول شياطين الجن لشياطين الإِنس أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الإِنس لشيطان الجن كذلك يوحي بعضهم إلى بعض، وقال آخرون: من الإِنس شيطان ومن الجن شيطان والشيطان العاتي المتمرد في كل شيء {زخرف القول} والزخرف المزين زخرفه إذ زينه والزخرف كمال حسن الشيء {غروراً} الغرور هو الاطماع الكاذبة، وقيل: زخرف القول هو عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين {ولو شاء ربك ما فعلوه} هو قادر على أن يحول بينهم وبينه ولو شاء لفعل حبراً وقسراً ولكن خلا بينهم وبين أفعالهم، قوله تعالى: {ولتصغى اليه} أي لتميل إليه قلوب هؤلاء {الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه} قال ابن عباس: يرجع، يقال: صغى يصغي صغياً {وليقترفوا ما هم مقترفون} أي ليكتسبوا ما هم مكتسبون في عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، يقال: اقترف فلان مالاً أي اكتسبه، قال تعالى: {أية : ومن يقترف حسنةً} تفسير : [الشورى: 23] وقال الشاعر: شعر : وإني لآتي ما أتيت وإنني لما اقترفت نفسي إلي لراهبُ تفسير : {أفغير الله أبتغي حكماً} فيه إضمار، أي قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب}، يعني القرآن {مفصلاً} بين الحلال والحرام والكفر والإِيمان، وقيل: يفصل بين الصادق والكاذب {والذين آتيناهم الكتاب} هم أهل التوراة والانجيل {يعلمون أنه} نبي وأن القرآن {منزَّل} وقيل: هم كبراء الصحابة، وأصحاب بدر والكتاب القرآن.
اطفيش
تفسير : {ونُقلِّب أفئدتهم وأبْصَارهم} عطف على قوله لا يؤمنون، أى لم تشعروا أنهم لا يؤمنون إذا جاءت، ولا أنا نقلب قلوبهم عن الإيمان بالله وبالقرآن أو بمحمد، أو بما سبق من الآيات كانشقاق القمر، أو بالله، ونقلب أبصارهم فلا يؤمنون بها رؤية اعتبار فلا يؤمنون بالقرآن أو بمحمد أو بما سبق الآيات بعد مجئ. {كَما لم يُؤمنُوا بهِ} أى بالقرآن أو بمحمد أو بالله أو بما سبق من الآيات {أوَّل مرَّةٍ} قبل مجئ الآيات التى اقترحوها، وقيل أول مرة بمعنى حين أخبروا بمعجزات موسى وعيسى ونحوهما، لأنهم ولو طلبوا مثلها منه صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يؤمنوا بها جزماً، وقيل: نقلب كلام فى أمر الرد من الآخرة إلى الدنيا، فيكون أول مرة الدنيا، فليس معطوفاً على خبر إن، والمعنى أنا نصرف أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان به لو رددناهم بعد الموت، ودخول النار إلى الدنيا،، كما لم يؤمنوا به قبل الموت، ونسب هذا لابن عباس، وقرئ ويقلب بالتحتية، ونصب أفئدتهم وأبصارهم، والفاعل ضمير الله جل وعلا، وقرأ الأعمش بها، والبناء للمفعول ورفعهما، والكاف تتعلق على القول بالتعلق وهو الصحيح بنقلب أو بمحذوف مفعول مطلق، أو هى اسم مفعول مطلق، أى تقليباً ثابتاً كعدم إيمانهم، أو تقليباً مثل عدم إيمانهم، ويجوز أن يكون على المجازاة، أى جازيناهم بتقلب أفئدتهم وأبصارهم على عدم إيمانهم به أول مرة. {ونَذَرهُم فى طُغْيانِهِم} فى مبالغتهم فى الشر، والعطف على خبر إن، أى ما يشعركم بعدم إيمانهم إذا جاءت، وبتقليب أفئدتهم وأبصارهم، ويتركهم فى طغيانهم {يعْمهُونَ} يترددون لا يخرجون عنه.
اطفيش
تفسير : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} نحولها عن الحق بالخذلان {وَأَبْصَارَهُمْ} عن الحق فلا يبصرون إِبصار اعتبار فلا يؤمنون، والعطف على لا يؤمنون، فالإِشعار منسحب عليه ولا يحتاج إِلى رابط يعود إِلى اسم إن إِذا جعلنا إِذا جاءَت لا يؤمنون خبراً لا خصوص لا يؤمنون، كقولك علمت أَنك إِذا جئت جاءَ زيد وقعد عمرو اكتفاء بالضمير فى جملة الشرط، أَو يربط بالهاء فى قوله {كَمَا لَمْ يُؤْمَنُوا بِهِ} على أَنها عائد إِلى القرآن الشامل للآيات مطلقاً أَو للمقترحة، أَو إِلى الآيات بمعنى الدليل، ويجوز عودها إِلى الله لأَنهم لا يؤمنون بوحدانيته فهم غير مؤمنين به، وعودها إِليه صلى الله عليه وسلم وإِلى ما أنزل، وقوله كما لم يؤمنوا عائد إِلى قوله لا يؤمنون أَو لا يؤمنون مقدراً، أَى لا يؤمنون إِيماناً مثل انتفاء إِيمانهم به، أَو الكاف تعليل أَى لانتفاء إِيمانهم به ويضعف عود الهاء إِلى التقليب والباء على حالها، أَو للتقليب والباء سببية، وكما إِلخ نعت لمفعول مطلق محذوف أَى تقليبا ثابتا كانتفاء إِيمانهم به أَول مرة، أَو الكاف اسم نعت. والكفر والإِيمان بقضاء الله عز وجل، وهلكت المعتزلة فى مخالفة ذلك، وتأَولوا قبحهم الله بأَن المعنى نقلب أَفئدتهم وأَبصارهم فى النار، وأَن معنى أَول مرة فى الدنيا {أَوَّلَ مَرَّةٍ} كانشقاق القمر وغيره مما سبق نزوله {وَنََّذرُهُمْ} عطف على لا يؤمنون منسحب عليه الإِشعار مفصح بأَن تقليب الأَفئدة والأَبصار ليس إِجباراً بل أَن يخليهم وشأْنهم {فِى طُغْيَانِهِمْ} كفرهم {يَعْمَهُونَ} يتحيرون لا نوفقهم فما إِنزال الآية المقترحة بعد البيان القاطع لعذرهم وقد قضينا أَن لا يؤمنوا.
الالوسي
تفسير : {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } عطف على { أية : لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 109] داخل معه في حكم { أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 109] مقيد بما قيد به أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا (يدركونه) وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه. وهذا على ما قال الإمام تقرير لما في الآية الأولى من أنهم لا يؤمنون. وذكر شيخ الإسلام أن هذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق واستعدادها له بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحسماً لتوهم أن عدم إيمانهم ناشيء من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار. وتحقيقه على ما ذكره شيخ مشايخنا الكوراني أنه سبحانه حيث علم في الأزل سوء استعدادهم المخبوء في ماهياتهم أفاض عليهم ما يقتضيه وفعل بهم ما سألوه بلسان الاستعداد بعد أن رغبهم ورهبهم وأقام الحجة وأوضح المحجة ولله تعالى الحجة البالغة وما ظلمهم الله سبحانه ولكن كانوا هم الظالمين. {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } أي بما جاء من الآيات بالله تعالى. وقيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر لذلك ذكر. وقيل: بالتقليب وهو كما ترى. {أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي عند ورود الآيات السابقة. والكاف في موضع النعت لمصدر [محذوف] منصوب بِـ { أية : لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 109]. وما مصدرية أي لا يؤمنون بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أول مرة. وتوسيط تقليب الأفئدة والأبصار لأنه من متممات عدم إيمانهم. وقال أبو البقاء: أن الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليباً ككفرهم أي عقوبة مساوية لمعصيتهم أول مرة ولا يخفى ما فيه. والآية ظاهرة في أن الإيمان والكفر بقضاء الله تعالى وقدره. وأجاب الكعبـي عنها بأن المراد من {وَنُقَلّبُ} الخ أنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم. والقاضي بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي ظهرت فلا نجدهم يؤمنون بها آخراً كما لم يؤمنوا بها أولاً. والجبائي بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا. والكل كسراب بقيعة / يحسبه الظمآن ماء، وهكذا غالب كلام المعتزلة. {وَنَذَرُهُمْ } أي ندعهم {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ } أي تجاوزهم الحد في العصيان {يَعْمَهُونَ } أي يترددون متحيرين وهذا عطف على { أية : لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 109] مقيد بما قيد به أيضاً مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة والأبصار معرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره. والجار متعلق بما عنده. وجملة {يَعْمَهُونَ } في موضع الحال من الضمير المنصوب في {نَذَرُهُمْ}. وقرىء (يقلب ويذر) على الغيبة والضمير لله عز وجل. وقرأ الأعمش {وتقلب} على البناء للمفعول وإسناده إلى أفئدتهم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { أية : وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [الأنعام: 87] قال الجنيد قدس سره: أي أخلصانهم وآويناهم لحضرتنا ودللناهم للاكتفاء بنا عما سوانا {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهم أهل السابقة الذين سألوه سبحانه الهداية بلسان الاستعداد الأزلي {وَلَوْ أَشْرَكُواْ } بالميل إلى السوى وهو شرك الكاملين كما أشار إليه سيدي عمر بن الفارض قدس سره بقوله: شعر : ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت بردتي { أية : لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 88] لعظم ما أتوا به { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء } وهو المحجوبون { أية : فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأنعام: 89] وهم العارفون بالله عز وجل الذين هم خزائن حقائق الإيمان. وفي الخبر « حديث : لا يزال طائفة من أمتي قائمين بأمر الله تعالى لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه وهم على ذلك » تفسير : {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ} وهو آداب الشريعة والطريقة والحقيقة { أية : ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتصف بجميع ما تفرق فيهم من ذلك الهدى وكان ذلك على ما قيل في منازل الوسائط، ولما كحل عيون أسراره بكحل الربوبية جعله مستقلاً بذاته مستقيماً بحاله وأخرجه من حد الإرادة إلى حد المعرفة والاستقامة ولذا أمره عليه الصلاة والسلام بإسقاط الوسائط كما يشير إليه قوله سبحانه: { أية : قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى } تفسير : [الأعراف: 203] مع قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي »تفسير : . وقال بعض العارفين: ليس في هذا توسيط الوسائط لأنه أمر بالاقتداء بهداهم لا بهم. ونظيره { أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [النحل: 123] حيث لم يقل سبحانه أن أتبع إبراهيم {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عرفوه حق معرفته { أية : إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ } تفسير : [الأنعام: 91] أي لم يظهر من علمه وكلامه سبحانه على أحد شيئاً وذلك لزعمهم البعد من عباده جل شأنه وعدم إمكان ظهور بعض صفاته على مظهر بشري ولو عرفوا لما أنكروا ولا اعتقدوا أنه لا مظهر لكمال علمه وحكمته إلا الإنسان الكامل بل لو ارتفع الحول عن العين لما رأوا الواحد إثنين {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } لما فيه من أسرار القرب والوصال والتشويق إلى الحسن والجمال بل منه تجلى الحق لخلقه لو يعلمون. {مُّصَدّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة والإنجيل لجمعه الظاهر والباطن على أتم وجه {وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } وهي القلب { أية : وَمَنْ حَوْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 92] من القوى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } كمن ادعى الكمال والوصول إلى التوحيد والخلاص عن كثرة صفات النفس وزعم أنه بالله عز وجل وأنه من أهل الإرشاد وهو ليس كذلك {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٍ} كمن سمى مفتريات وهمه وخياله ومخترعات عقله وفكره وحيا وفيضاً من الروح القدسي فتنبأ لذلك {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ ٱللَّهُ} كمن تفرعن وادعى الألوهية {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} وهم هؤلاء الأصناف الثلاثة {فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ} الطبيعي {وَٱلْمَلَـئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } بقبض أرواحهم / كالمتقاضي الملظ يقولون {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } تغليظاً وتعنيفاً عليهم { أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } تفسير : [الأنعام: 93] والصغار لوجود صفات نفوسكم وهيآتها المظلمة وتكاثف حجاب أنانيتكم وتفرعنكم {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } أي منفردين مجردين عن كل شيء بالاستغراق في عين جميع الذات { أية : كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنعام: 94] عند أخذ الميثاق. {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ} أي حبة القلب بنور الروح عن العلوم والمعارف {وَٱلنَّوَىٰ } أي نوى النفس بنور القلب عن الأخلاق والمكارم أو فالق حبة المحبة الأزلية في قلوب المحبين والصديقين ونوى شجر أنوار الأزل في فؤاد العارفين فتثمر بالأعمال الزكية والمقامات الشريفة والحالات الرفيعة {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ} أي العالم به من الجاهل { أية : وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ } تفسير : [الأنعام: 95] أي الجاهل به من العالم أو يخرج حي القلب عن ميت النفس تارة باستيلاء نور الروح عليها ومخرج ميت النفس عن حي القلب أخرى بإقباله عليها واستيلاء الهوى وصفات النفس عليه {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } أي مظهر أنوار صفاته على صفحات آفاق مخلوقاته أو شاق ظلمة الإصباح بنور الإصباح وذلك لأن بحر العدم كان مملوءاً من الظلمة فشقه بأن أجرى فيه جدولاً من نوره حتى بلغ السيل الزبى وقال الإمام «فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد وفالق ظلمة الجهالة بصباح [العقل و] الإدراك وفالق ظلمة العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك وفالق ظلمة الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات»، وقال بعض العارفين المعنى فالق ظلمة صفات النفس عن القلب بإصباح نور شمس الروح وإشراقه عليها {وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ } أي ليل الحيرة في الذات البحت {سَكَناً } تسكن إليه أرواح العاشقين كما قال قائلهم: شعر : زدني بفرط الحب فيك تحيراً وارحم حشا بلظى هواك تسعرا تفسير : أو جاعل ظلمة النفس سكن القلب يسكن إليها أحياناً للارتفاق والاسترواح أو سكنا تسكن فيه القوى البدنية وتستقر عن الاضطراب كما قيل {وَٱلشَّمْسَ} أي شمس تجلي الصفات {وَٱلْقَمَرَ} أي قمر تجلي الأفعال { أية : حُسْبَاناً } تفسير : [الأنعام: 96] أي علمي حساب الأحوال حيث يعتبر بهما أو شمس الروح وقمر القلب محسوبين في عداد الموجودات الباقية الشريفة معتداً بهما. أو علمي حساب الأوقات والأحوال {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ } أي المرشدين أو نجوم الحواس {لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ } وهو علم الآداب { أية : وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [الأنعام: 97] وهو علم الحقائق أو المعنى لتهتدوا بها في ظلمات بر الأجساد إلى مصالح المعاش وبحر العلوم باكتسابها بها {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَكُم } أي أظهركم {مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } وهي النفس الكلية {فَمُسْتَقَرٌّ } في أرض البدن حال الظهور { أية : وَمُسْتَوْدَعٌ } تفسير : [الأنعام: 98] في عين جمع الذات {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً} أي من سماء الروح ماء العلم {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ} أي كل صنف من الأخلاق والفضائل {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } أي النبات {خُضْرًا} زينة النفس وبهجة لها {نُّخْرِجُ مِنْهُ } أي الخضر {حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أي أعمالاً مترتبة شريفة ونيات صادقة يتقوى القلب بها {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ } أي نخل العقل {مِن طَلْعِهَا } أي من ظهور تعلقها {قِنْوٰنٌ } معارف وحقائق {دَانِيَةٌ } قريبة التناول لظهورها بنور الروح كأنها بديهية {وَجَنَّـٰتٍ مّنْ أَعْنَـٰبٍ } وهي أعناب الأحوال والأذواق ومنها تعتصر سلافة المحبة شعر : وفي سكرة منها ولو عمر ساعة ترى الدهر عبداً طائعاً ولك الحكم تفسير : {وَٱلزَّيْتُونَ} أي زيتون التفكر {وَٱلرُّمَّانَ } أي رمان الهمم الشريفة والعزائم النفيسة {مُشْتَبِهاً } كما في أفراد نوع واحد {وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ} كنوعين وفردين منهما مثلاً {ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرَةٍ إِذَا أَثْمَرَ } أي راعوه بالمراقبة عند السلوك وبدء الحال { أية : وَيَنْعِهِ } تفسير : [الأنعام: 99] وهو كماله عند الوصول بالحضور {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ ٱلْجِنَّ } أي جن الوهم والخيال حيث أطاعوهم / وانقادوا لهم {وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ } افتروا {لَهُ بَنِينَ } من العقول {وَبَنَاتٍ} من النفوس يعتقدون أنها لتجردها مؤثرة مثله {بِغَيْرِ عِلْمٍ } منهم أنها أسماؤه وصفاته لا تؤثر إلا به جل شأنه { أية : سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ } تفسير : [الأنعام: 100] من تقيده بما قيدوه به جل شأنه {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} قال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الحادي والعشرين وأربعمائة: يعني من كل عين من أعين الوجوه وأعين القلوب فإن القلوب ما ترى إلا بالبصر وأعين الوجوه لا ترى إلا بالبصر فالبصر حيث كان به يقع الإدراك فيسمى البصر في العقل عين البصيرة ويسمى في الظاهر بصر العين والعين في الظاهر محل للبصر والبصيرة في الباطن محل للعين الذي هو بصر في عين الوجه فاختلف الاسم عليه وما اختلف هو في نفسه فكما لا تدركه العيون بأبصارها لا تدركه البصائر بأعينها، وورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن الله تعالى احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم » تفسير : فاشتركنا في الطلب مع الملأ الأعلى واختلفنا في الكيفية فمنا من يطلبه بفكره والملأ الأعلى له العقل وما له الفكر، ومنا من يطلبه به وليس في الملأ الأعلى من يطلبه به لأن الكامل منا هو على الصورة الإلٰهية التي خلقه الله تعالى عليها فلهذا يصح ممن هذه صفته أنه يطلب الله تعالى به ومن طلبه به وصل إليه فإنه لم يصل إليه غيره وأن الكامل منا له نافلة تزيد على فرائضه إذا تقرب العبد بها إلى ربه أحبه فإذا أحبه كان سمعه وبصره فإذا كان الحق بصر مثل هذا العبد رآه وأدركه ببصره لأن بصره الحق فما أدركه إلا به لا بنفسه وما ثم ملك يتقرب إلى الله تعالى بنافلة بل هم في الفرائض وفرائضهم قد استغرقت أنفاسهم فلا نفل عندهم فليس لهم مقام ينتج أن يكون الحق بصرهم حتى يدركوه به فهم عبيد اضطرار ونحن عبيد اضطرار من فرائضنا وعبيد اختيار من نوافلنا إلى آخر ما قال، وهو صريح في أن بعض الأبصار تدركه لكن من حيثية رفع الغيرية. وقال في الباب الرابع عشر وأربعمائة بعد أن أنشد: شعر : من رأى الحق كفاحاً علنا إنما أبصره خلف حجاب وهو لا يعرفه وهو به إن هذا لهو الأمر العجاب كل راء لا يرى غير الذي هو فيه من نعيم وعذاب صورة الرائي تجلت عنده وهو عين الراء بل عين الحجاب تفسير : فإذا رآه سبحانه الرائي كفاحاً فما يراه إلا حتى يكون الحق جل جلاله بصره فيكون هو الرائي نفسه ببصره في صورة عبده فأعطته الصورة المكافحة إذا كانت الحاملة للبصر ولجيمع القوى الخ. وقال في الباب الحادي وأربعمائة بعد أن أنشد: شعر : قد استوى الميت والحي في كونهم ما عندهم شي مني فلا نور ولا ظلمة فيهم ولا ظل ولا في رؤيتهم لي معدومة فنشرهم في كونهم صلى وفهمهم إن كان معناهم عنه إذا حققته غي تفسير : إن كل مرئي لا يرى الرائي إذا رآه منه إلا قدر منزلته ورتبته فما رآه وما رأى إلا نفسه ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين إذ لو كان هو المرئي ما اختلفوا لكن لما كان هو سبحانه مجلي رؤيتهم أنفسهم لذلك وصفوه بأنه جل شأنه يتجلى ولكن شغل الرائي برؤية نفسه في مجلى الحق حجبه عن رؤية الحق فلو لم تبد للرائي صورته أو صورة كون من الأكوان ربما كان يراه فما حجبنا عنه إلا رؤية نفوسنا فيه فلو زلنا عنا ما رأيناه لأنه ما كان يبقى بزوالنا من يراه وإن نحن لم نزل فما نرى إلا نفوسنا فيه وصورنا وقدرنا ومنزلتنا فعلى كل حال ما رأيناه وقد نتوسع فنقول: قد رأيناه ونصدق كما أنه / لو قلنا رأينا الإنسان صدقنا في أن نقول رأينا من مضى من الناس ومن بقي ومن في زماننا من كونهم إنساناً لا من حيث شخصية كل إنسان ولما كان العالم أجمعه وآحاده على صورة حق ورأينا الحق فقد رأيناه وصدقنا وإذا نظرنا في عين التمييز في عين عين لم نصدق إلى آخر ما قال. وفي ذلك تحقيق نفيس لهذا المطلب، ومنه يعلم ما في قول بعضهم {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ} لغاية ظهوره سبحانه {وَهُوَ ٱللَّطِيفُ} إذ لا ألطف كما قال الشيخ الأكبر قدس سره من هوية تكون عين بصر العبد { أية : ٱلْخَبِيرُ } تفسير : [الأنعام: 103] أي العليم خبرة أنه بصر العبد { أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } تفسير : [البروج: 20] و { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } تفسير : [الشورى: 11] وعن الجنيد قدس سره اللطيف من نور قلبك بالهدى وربى جسمك بالغذاء وجعل لك الولاية بالبلوى. ويحرسك وأنت في لظى ويدخلك جنة المأوى. وقال غيره: اللطيف إن دعوته لبَّاك وإن قصدته آواك، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافاك وإن أغضبته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك. وإن أقبلت إليه هداك وإن عصيته راعاك. وهو كلام ما ألطفه {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} وهي صور تجليات صفاته. وقال بعض العارفين: إنها كلماته التي تجلى منها لذوي الحقائق وبرزت من تحت سرادقاتها أنوار نعوته الأزلية {فَمَنْ أَبْصَرَ } واهتدى {فَلِنَفْسِهِ } ذلك الإبصار أي أن ثمرته تعود إليه {وَمَنْ عَمِىَ } واحتجب عن الهدى {فَعَلَيْهَا } عماه واحتجابه { أية : وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } تفسير : [الأنعام: 104] بل الله تعالى حفيظ عليكم لأنكم وسائر شؤونكم به موجودون { أية : وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الأنعام: 105] قال ابن عطاء أي حقيقة البيان وهو الوقوف معه حيث ما وقف والجري معه حيث ما جرى لا يتقدم بغلبته ولا يتخلف عنه لعجزه، وقال آخر: المعنى لقوم يعرفون قدري ويفهمون خطابي لا من لا يعرف مكان خطابي ومرادي من كلامي {ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} قيل: هو إشارة إلى وحي خاص به صلى الله عليه وسلم لا يتحمله غيره أو إشارة إلى الوحي بالتوحيد ولذا وصف سبحانه نفسه بقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } ثم قال جل شأنه: { أية : وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 106] المحجوبين بالكثرة عن الوحدة { أية : وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ } تفسير : [الأنعام: 107] بل شاء سبحانه إشراكهم لأنه المعلوم له جل شأنه أزلاً دون إيمانهم ولا يشاء إلا ما يعلمه دون ما لا يعلمه من النفي الصرف {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } بل أرشدوهم إلى الحق بالتي هي أحسن {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } بأن يسبوكم وأنتم أعظم مظاهره { أية : كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 108] إذ هو الذي طلبوه منا بألسنة استعدادهم الأزلي ومن شأننا أن لا نرد طالباً {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} أي أنهم طلبوا خوارق العادات وأعرضوا عن الحجج البينات لاحتجابهم بالحس والمحسوس { أية : قُلْ إِنَّمَا ٱلآَيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 109] فيأتي بها حسبما تقتضيه الحكمة {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 109] لسبق الشقاء عليهم {وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ } لاقتضاء استعدادهم ذلك {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } حين أعرضوا عن الحجج البينات أو في الأزل {وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ } الذي هو لهم بمقتضى استعدادهم { أية : يَعْمَهُونَ } تفسير : [الأنعام: 110] يترددون متحيرين لا يدرون وجه الرشاد { أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } تفسير : [غافر: 33].
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : أنّها إذا جاءت لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 109] فتكون بياناً لقوله {أية : لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 109]، أي بأن نعطِّل أبصارَهم عن تلك الآية وعقولهم عن الاهتداء بها فلا يبصُرون ما تحتوي عليه الآية من الدّلائل ولا تفقه قلوبهم وجه الدّلالة فيتعطَّل تصديقهم بها، وذلك بأن يحرمهم الله من إصلاح إدراكهم، وذلك أنّهم قد خُلقت عقولهم نابية عن العلم الصّحيح بما هيّأ لها ذلك من انسلالها من أصول المشركين، ومن نشأتها بين أهل الضّلال وتلقّي ضلالتهم، كما بيّنتُه آنفاً. فعبّر عن ذلك الحال المخالف للفطرة السّليمة بأنّه تقليب لعقولهم وأبصارهم، ولأنّها كانت مقلوبة عن المعروف عند أهل العقول السّليمة، وليس داعي الشّرك فيها تقليباً عن حالة كانت صالحة لأنّها لم تكن كذلك حيناً، ولكنّه تقليب لأنّها جاءت على خلاف ما الشّأن أن تجيء عليه. وضمير {به} عائد إلى القرآن المفهوم من قوله: {أية : لئن جاءتهم آية}تفسير : [الأنعام: 109] فإنّهم عَنوا آية غير القرآن. والكاف في قوله: {كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة} لتشبيه حالة انتفاء إيمانهم بعد أن تجيئهم آية ممّا اقترحوا. والمعنى ونقلِّب أيديهم وأبصارهم فلا يؤمنون بالآية الّتي تجيئهم مثلَما لم يؤمنوا بالقرآن من قبلُ، فتقليب أفئدتهم وأبصارهم على هذا المعنى يحصل في الدّنيا، وهو الخذلان. ويجوز أن تكون جملة {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم} مستأنفة والواو للاستئناف، أو أن تكون معطوفة على جملة {أية : لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 109]. والمعنى: ونحن نقلّب أفئدتهم وأبصارهم، أي في نار جهنّم، كناية عن تقليب أجسادهم كلّها. وخصّ من أجسادهم أفئدتُهم وأبصارهُم لأنّها سبب إعراضهم عن العبرة بالآيات، كقوله تعالى: {أية : سحروا أعْيُن النّاس}تفسير : [الأعراف: 116]، أي سحروا النّاسَ بما تُخيِّلُه لهم أعينهم. والكاف في قوله: {كما لم يؤمنوا به} على هذا الوجه للتّعليل كَقوله: {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198]. وأقول: هذا الوجه يناكده قوله {أوّل مرّة} إذ ليس ثمّة مرّتان على هذا الوجه الثّاني، فيتعيّن تأويل {أوّل مرّة} بأنّها الحياة الأولى في الدّنيا. والتّقليب مصدر قلّب الدالّ على شدّة قلب الشّيء عن حاله الأصليّة. والقلب يكون بمعنى جعل المقابل للنظر من الشيء غير مقابل، كقوله تعالى: {أية : فأصبح يُقلِّب كفَّيْه على ما أنفق فيها}تفسير : [الكهف: 42]، وقولهم: قَلَب ظَهْر المِجَن، وقريب منه قوله: {أية : قد نرى تقلّب وجهك في السّماء}تفسير : [البقرة: 144]؛ ويكون بمعنى تغيير حالة الشيء إلى ضدّها لأنّه يشبه قلب ذات الشّيء. والكاف في قوله: {كما لم يؤمنوا به} الظّاهر أنّها للتّشبيه في محلّ حال من ضمير {أية : لا يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 109]، و«ما» مصدريّة. والمعنى: لا يؤمنون مثل انتفاء إيمانهم أوّل مرّة. والضّمير المجرور بالباء عائد إلى القرآن لأنّه معلوم من السّياق كما في قوله: {أية : وكذّب به قومك}تفسير : [الأنعام: 66]، أي أنّ المكابرة سجيّتهم فكما لم يؤمنوا في الماضي بآية القرآن وفيه أعظم دليل على صدق الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ لا يؤمنون في المستقبل بآيةٍ أخرى إذا جاءتهم. وعلى هذا الوجه يكون قوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم} معترضاً بالعطف بين الحال وصاحبها. ويجوز أن يجعل التّشبيه للتقليب فيكون حالاً من الضّمير في {نقلّب}، أي نقلّب أفئدتهم وأبصارهم عن فطرة الأفئدة والأبصار كما قلّبناها فلم يؤمنوا به أوّل مرّة إذ جمحوا عن الإيمان أوّلَ ما دعاهم الرّسول ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ، ويصير هذا التّشبيه في قوّة البيان للتّقليب المجعول حالاً من انتفاء إيمانهم بأنّ سبب صدورهم عن الإيمان لا يزال قائماً لأنّ الله حرمهم إصلاح قلوبهم. وجوّز بعض المفسّرين أن تكون الكاف للتّعليل على القول بأنّه من معانيها، وخُرّج عليه قوله تعالى: {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198]. فالمعنى: نقلّب أفئدتهم لأنّهم عصوا وكابروا فلم يؤمنوا بالقرآن أوّلَ ما تحدّاهم، فنجعلُ أفئدتهم وأبصارهم مستمرّة الانقلاب عن شأن العقول والأبصار، فهو جزاء لهم على عدم الاهتمام بالنّظر في أمر الله تعالى وبعثة رسوله، واستخفافهم بالمبادرة إلى التّكذيب قبل التّأمّل الصّادق. وتقديم الأفئدة على الأبصار لأنّ الأفئدة بمعنى العقول، وهي محلّ الدّواعي والصّوارف، فإذا لاح للقلب بارق الاستدلال وجّه الحواس إلى الأشياء وتأمّل منها. والظّاهر أنّ وجه الجمع بين الأفئدة والأبصار وعدم الاستغناء بالأفئدة عن الأبصار لأنّ الأفئدة تختصّ بإدراك الآيات العقليّة المحضة، مثل آية الأمِّية وآيةِ الإعجاز. ولمّا لم تكفهم الآيات العقليّة ولم ينتفعوا بأفئدتهم لأنّها مقلَّبة عن الفطرة وسألوا آيات مرئيّة مبصَرة، كأنْ يرقى في السّماء وينزلَ عليهم كتاباً في قرطاس، أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأنّهم لو جاءتهم آية مبصرة لَمَا آمنوا لأنّ أبصارهم مقلّبة أيضاً مثل تقليب عقولهم. وذُكِّر {أوّل} مع أنّه مضاف إلى {مرّة} إضافة الصفة إلى الموصوف لأنّ أصل «أوّل» اسمُ تفضيل. واسم التّفضيل إذا أضيف إلى النّكرة تعيّن فيه الإفراد والتّذكير، كما تقول: خَديجَةُ أوّل النّساء إيماناً ولا تقول أولى النّساء. والمراد بالمرّة مرّة من مَرّتَيْ مجيء الآيات، فالمرّة الأولى هي مَجيء القرآن، والمرّة الثّانية هي مجيء الآية المقترحة، وهي مرّة مفروضة. {ونَذَرُهم} عطف على {نُقلّب}. فحُقِّق أنّ معنى {نقلّب أفئدتهم} نتركها على انقلابها الّذي خلقت عليه، فكانت مملوءة طغياناً ومكابرة للحقّ، وكانت تصرف أبصارهم عن النّظر والاستدلال، ولذلك أضاف الطّغيان إلى ضميرهم للدّلالة على تأصّله فيهم ونشأتهم عليه وأنّهم حرموا لين الأفئدة الّذي تنشأ عنه الخشيةُ والذّكرى. والطّغيان والعَمَه تقدّماً عند قوله تعالى: {أية : ويمُدّهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : في سورة [البقرة: 15]. والظّرفيّة من قوله: في طغيانهم} مجازية للدّلالة على إحاطة الطّغيان بهم، أي بقلوبهم. وجملة: {ونذرهم} معطوفة على {نقلّب}. وجملة {يعمهون} حال من الضّمير المنصوب في قوله: {ونذرهم}. وفيه تنبيه على أنّ العمَه ناشيء عن الطّغيان.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفْئِدَتَهُمْ} {وَأَبْصَارَهُمْ} {طُغْيَانِهِمْ} (110) - وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّا نَخْتِمُ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ عَنْ إِدْرَاكِ الحَقِّ فَلا يُدْرِكُونَهُ، وَنَحُولُ بَيْنَ أَبْصَارِهِمْ وَبَيْنَ اجْتِلائِهِ فَلاَ يُبْصِرُونَهُ، وَيَكُونُ حَالُهُمْ حِينَئِذٍ كَحَالِهِم الأَوَّلِ فِي عَدَمِ الإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ الآيَاتِ. وَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ مَا جَاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الدَّلاَئِلِ العَقْلِيَّةِ، وَالبَرَاهِين العَمَلِيَّةِ، لاَ يُقْنِعُهُ مَا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ مِنْ الأَدِلَّةِ الحِسِّيَّةِ. وَإِنا نَدَعُهُمْ يَتَجَاوَزُونَ الحَدّ فِي الكُفْرِ وَالعِصْيَانِ، وَيَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى مُتَخَبِّطِينَ فِيمَا سَمِعُوا منَ الآيَاتِ وَهُمْ يُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ: أهذا هُوَ الحَقُّ المُبينُ، أَمْ إِنَّهُ سِحْرٌ خَادِعٌ؟ نَذَرُهُمْ - نَتْرُكُهُمْ. طُغْيَانِهِمْ - تَجَاوُزِهِم الحَدَّ بِالكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ. يَعْمَهُونَ - يَعْمُونَ عَنِ الرُّشْدِ، أَوْ يَتَحَيَّرُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وحين تقول: أنا أقلب السلعة فهذا يعني أنك تفحصها. والحق يبلغنا هنا: أنا قلبت قلوبهم على كل لون ولن آخذ بظاهر الفؤاد، بل بلطفي وعظيم خبرتي أعلم الباطن منهم فاطمئنوا إلى أن حكمي هو الحكم الحق الناتج من تقليب لطيف خبير. وقد يكون هنا معنى آخر، أي أن يكون التقليب لونا من التغيير؛ فمن الجائز أنهم حينما أقسموا بالله جهد أيمانهم كانوا في هذا الوقت قد اقتربوا من الإيمان ولكن قلوبهم لا تثبت على عقيدة. بل تتقلب دائما. ومادامت قلوبهم لا تثبت فأنَّى لنا بتصديقهم لحظة أن أقسموا بالله جهد أيمانهم على إعلان الإيمان إن جاءت آية؟ وهل فيهم من يملك نفسه بعد مجيء الآية أيظل أمره أم يتغير؟. لأن ربنا مقلب القلوب وما كنت تستحسنه أولا قد لا تستحسنه ثانيا. حين {ونُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} أي أن الحكم قد جاء عن خبرة وإحاطة علم {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. إن الإيمان يحتاج إلى استقبال آيات كونية بالبصر، وبعد أن تستقبل الآيات الدالة على عظمة الإِله تؤمن به ويستقر الإيمان في فؤادك. وسبحانه يوضح لنا أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم، هل يبصرون باعتبار واقتناع؟ أو هي رؤية سطحية لا فهم لهم فيها ولا قدرة منهم على الاستنباط؟ وهل أفئدتهم قد استقرت على الإيمان أو أن أبصارهم قاصرة وقلوبهم قاصرة؟ {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] إذن فهم لا يؤمنون ويسيرون إلى ضلالهم. فإن جاءت آية فلن يؤمنوا، وفي هذا عذر للمؤمنين في أنهم يرجون ويأملون أن تنزل آية تجعل من أقسموا جهد الإيمان أن يؤمنوا. لماذا؟ لأن الحق قال: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، أي أنهم لم يتغيروا ولذلك يصدر ضدهم الحكم {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} والطغيان هو تجاوز الحد، وهم قد تجاوزوا الحد هنا في استقبال الآيات، فقد جاءتهم آيات القرآن وعجزوا عن أن يأتوا بمثلها، وعجزوا عن أن يأتوا بعشر سور، وعجزوا عن أن يأتوا بسورة، وكان يجب ألا يطغوا، وألا يتجاوزوا الحد في طلب الاقتناع بصدق الرسول. {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} و"العمه" هو التردد والحيرة، وهم في طغيانهم يترددون، لأن فيهم فطرة تستيقظ، وكفرا يلح؛ يقولون لأنفسهم: أنؤمن أو لا نؤمن؟ والفطرة التي تستيقظ فيهم تلمع كومضات البرق، وكان يجب ألا يترددوا: أو {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} في النار؛ لأن البصر لم يؤد مهمته في الاعتبار، والقلب لم يؤد في الفقه عن الله، فيجازيهم الله من جنس ما عملوا بأن يقلب أبصارهم وقلوبهم في النار. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ...}
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف يؤمنون بها؛ إذ {نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} عن الميل إلى الحق مطلقاً {وَأَبْصَٰرَهُمْ} عن إحساس شواهده وعلاماته {كَمَا} قلبناهم حيث {لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ} أي: بما جاء به من الحق {أَوَّلَ مَرَّةٍ} إذ لا تفاوت بين حقية الآيات سواء كانت مقترحة أم لا {وَنَذَرُهُمْ} نمهلهم وندعهم {فِي طُغْيَانِهِمْ} أي: ظلالهم المجاوز عن الحد {يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] يتحيرون ويترددون إلى أن نأخذهم وننتقم منهم. {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} كما اقترحوا {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} من قبورهم وأوصاهم بالإيمان {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} كفلاً يرشدونهم إلى الإيمان {مَّا كَانُواْ} ليؤمنوا؛ إذ ختم الله على قلوبهم بالكفر في سابق عمله {لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} إيمانهم أيضاً في قضائه السابق {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} أي: أكثر النار {يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111] عن قضاء الله ومشيئته فيتمنون إيمانهم. {وَكَذَٰلِكَ} أي: ومثل ما جعلنا لك يا أكمل الرسل عدواً {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} من الأنبياء {عَدُوّاً} يعاديهم {شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} بالمظاهرة والمعاونة؛ إذ {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} أي: أباطيله وأراجيفه {غُرُوراً} ليقدموا ضعفاء الأنام على مخاصمة الأنبياء ومعاداتهم، ويظهروا عليه بتغرير بعضهم {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} إيمانهم {مَا فَعَلُوهُ} أي: هذا الغرور والقول المزخرف المموه، وبالجملة: {فَذَرْهُمْ} وكفرهم {وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] ويزخرفون بسبب غرورهم وزخرفتهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ} [الأنعام: 110]؛ يعني: كيف يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم عن الآخرة إلى الدنيا وأبصارهم من شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى، ونجعلهم {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]؛ أي: كأنهم لا يؤمنون يوم الميثاق بالوحدانية، إذ قال تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، {وَنَذَرُهُمْ} [الأنعام: 110] على حكم سَابق الأزل، {فِي طُغْيَانِهِمْ} [الأنعام: 110]، الخذلان، {يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] إلى الأبد، {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} [الأنعام: 111] ليفقهوا، {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} [الأنعام: 111] أي: يحيي قلوبهم الميِّتة وتكلمهم. {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} [الأنعام: 111]؛ يعني: معاينة الآيات المودعة في المكونات وإن تظاهرت وتوالت شموس الشواهد وإن سألت {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ} [الأنعام: 111] إذ قصمتهم العزة وكبتتهم [شقاوة] القَسْمَة، {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الأنعام: 111]، فإن المشيئة تغير السجية، والعناية الأزلية كفاية الأبدية، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111]، إن الهدى ليس بالمنى وإنها بمشيئة المولى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):