٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
111
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الإجمال بقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فبين أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموهم بل لو زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحرث بن حنظلة، ثم إنهم أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة، وقالوا له أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنزلت هذه الآية، وقد ذكرنا مراراً أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول بأن هذه الآية نزلت في الواقعة الفلانية مشكلاً صعباً، فأما على الوجه الذي قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، فذكر الله تعالى هذا الكلام بياناً لكذبهم، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات وإظهار المعجزات بعد المعجزات، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميز الصادق عن الكاذب، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة، وبعد الثالثة رابعة، ويلزم أن لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل، وذلك يوجب سد باب النبوات. المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر {قُبُلاً } ههنا وفي الكهف بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي الكهف بالكسر، قال الواحدي: قال أبو زيد يقال لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً وقبلاً وقبيلاً كله واحد. وهو المواجهة. قال الواحدي: فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتاً في المعنى، فقال أما من قرأ {قُبُلاً } بكسر القاف وفتح الباء، فقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: معناه عيانا، يقال لقيته قبلاً أي معاينة، وروي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أكان آدم نبياً؟ قال: «حديث : نعم كان نبياً كلمه الله تعالى قبلاً»تفسير : وأما من قرأ {قُبُلاً } فله ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون جمع قبيل الذي يراد به الكفيل، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أي كلفت به. ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، فإذا أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات. وثانيها: أن يكون {قُبُلاً } جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلاً قبيلاً، وموضع الإعجاز فيه هو حشرها بعد موتها، ثم إنها على اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد. وثالثها: أن يكون {قُبُلاً } بمعنى قبلا أي مواجهة ومعاينة كما فسره أبو زيد. أما قوله تعالى: {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم. قال أصحابنا: فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على أنه تعالى ما شاء منهم الإيمان، وهذا نص في المسألة. قالت المعتزلة: دل الدليل على أنه تعالى أراد الإيمان من جميع الكفار، والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في هذه المسألة. أولها: أنه تعالى لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم. وثانيها: لو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعاً لله بفعل الكفر، لأنه لا معنى للطاعة إلا بفعل المراد، وثالثها: لو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ورابعها: لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر. قالوا: فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الإيمان منهم وظاهره هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم، والتناقض بين الدلائل ممتنع فوجب التوفيق، وطريقه أن نقول إنه تعالى شاء من الكل الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار وأنه تعالى ما شاء منهم الإيمان الحاصل على سبيل الإلجاء والقهر وبهذا الطريق زال الإشكال. واعلم أن هذا الكلام أيضاً ضعيف من وجوه: الأول: أن الإيمان الذي سموه بالإيمان الاختياري إن عنوا به أن قدرته صالحة للإيمان والكفر على السوية، ثم إنه يصدر عنها الإيمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لإرادة مميزة، فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، وأيضاً فبتقدير أن يكون ذلك معقولاً في الجملة إلا أن حصول ذلك الإيمان لا يكون منه، بل يكون حادثاً لا لسبب ولا مؤثر أصلاً لأن الحاصل هناك ليس إلا القدرة وهي بالنسبة إلى الضدين على السوية، ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الآخر بالوقوع والرجحان، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون صادراً منه بل يكون صادراً لا عن سبب البتة، وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر أصلاً، ولا يقوله عاقل، وإما أن يكون هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين إلا أنها لا تصير مصدراً للإيمان إلا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول داعية الإيمان كان هذا قولاً بأن مصدر الإيمان هو مجموع القدرة مع الداعي، وذلك المجموع موجب للإيمان، فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه. فثبت أن هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم، وقد عرفت أن هذا الكلام في غاية القوة. والوجه الثاني: سلمنا أن الإيمان الاختياري مميز عن الإيمان الحاصل بتكوين الله تعالى إلا أنا نقول قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا، معناه: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً بدليل أن عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد أن يؤمنوا إيماناً على سبيل الإلجاء والقهر. فثبت أن قوله: {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } المراد: ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار، ثم استثنى عنه فقال: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه. والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري. فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد بقولنا إلا أن يشاء الله، الإيمان الاضطراري بل يجب أن يكون المراد منه الإيمان الاختياري، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية. المسألة الثانية: قال الجبائي قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } يدل على حدوث مشيئة الله تعالى، لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن يقال ذلك، كما لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى، وتقريره، أنا إذا قلنا: لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديماً، ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط، فيلزم كون الجزاء قديماً. والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثاً، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة. هذا تقرير هذا الكلام. والجواب: أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذ الكلام، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } قال أصحابنا: المراد، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره. وقال المعتزلة: المراد، أنهم جهلوا أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} فرأوْهم عياناً. {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} بإحيائنا إيّاهم. {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ} سألوه من الآيات. {قُبُلاً} مُقابلة؛ عن ٱبن عباس وقَتادة وٱبن زيد. وهي قراءة نافع وٱبنِ عامر. وقيل: معاينة، لَمَا آمنوا. وقال محمد بن يزيد: يكون «قِبلاً» بمعنى ناحية؛ كما تقول لي قِبَل فلان مالٌ؛ فَقِبِلاً نصب على الظرف. وقرأ الباقون «قُبُلاً» بضم القاف والباء، ومعناه ضمَناء؛ فيكون جمع قبِيل بمعنى كفيل، نحو رغِيف ورُغُف؛ كما قال: {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92]؛ أي يضمنون ذلك؛ عن الفرّاء. وقال الأخفش: هو بمعنى قَبِيل قَبيل؛ أي جماعة جماعة، وقاله مجاهد، وهو نصب على الحال على القولين. وقال محمد بن يزيد «قُبُلاً» أي مقابلة؛ ومنه{أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ}تفسير : [يوسف: 26]. ومنه قُبُل الرجل ودُبُره لِما كان من بين يديه ومن ورائه. ومنه قُبُل الحيض. حكى أبو زيد: لقِيت فلاناً قُبُلاً ومقابلة وقَبَلاً وقِبُلاً، كله بمعنى المواجهة؛ فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان؛ قاله مَكِّيّ. وقرأ الحسن «قُبْلاً» حذف الضمة من الباء لثقلها. وعلى قول الفَرّاء يكون فيه نطق ما لا ينطق، وفي كفالة ما لا يعقل آية عظيمة لهم. وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس الذي ليس بمعهود. والحشر الجمع. {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} «أن» في موضع استثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن إن شاء ذلك لهم. وقيل: الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان. وفي هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أي يجهلون الحق. وقيل: يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } كما اقترحوا فقالوا: لولا أنزل علينا الملائكة فأتوا بآياتنا {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً }تفسير : [الإسراء: 92] وقبلا جمع قبيل بمعنى كفيل أي: كفلاء بما بشروا به وأنذروا به، أو جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات، أو مصدر بمعنى مقابلة كقبلا وهو قراءة نافع وابن عامر، وهو على الوجوه حال من كل وإنما جاز ذلك لعمومه. {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} لما سبق عليهم القضاء بالكفر. {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} استثناء من أعم الأحوال أي: لا يؤمنون في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم، وقيل منقطع وهو حجة واضحة على المعتزلة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعاً في إيمانهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم، لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل؛ كما سألوا فقالوا: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92] و{أية : قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 124] {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً} تفسير : [الفرقان: 21] {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً} قرأ بعضهم، قِبَلاً، بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، وقرأ آخرون بضمهما، قيل: معناه من المقابلة والمعاينة أيضاً؛ كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال مجاهد: قبلاً، أي: أفواجاً، قبيلاً قبيلاً، أي: تعرض عليهم كل أمة بعد أمة، فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي: إن الهداية إليه، لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلون} لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس:96-97].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ } كما اقترحوا {وَحَشَرْنَا } جمعنا {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً } بضمتين: جمع قبيل، أي فوجاً فوجاً، وبكسر القاف وفتح الباء: أي معاينة فشهدوا بصدقك {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } لما سبق في علم الله {إِلا } لكن {أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ } إيمانهم فيؤمنوا {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } ذلك.
الماوردي
تفسير : فقال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} فيه قراءاتان: إحداهما: {قِبَلا} بكسر القاف وفتح الباء، قرأ بها نافع، وابن عامر، ومعنى ذلك معاينة ومجاهرة، قاله ابن عباس وقتادة. والقراءة الثانية: بضم القاف والباء وهي قراءة الباقين، وفي تأويلها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن القُبُل جمع قبيل وهو الكفيل، فيكون معنى {قُبُلاً} أي كُفَلاء. والثاني: أن معنى ذلك قبيلة قبيلة وصفاً صفاً، قاله مجاهد. والثالث: معناه مقابلة، قاله ابن زيد، وابن إسحاق. ثم قال: {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} يعني بهذه الآيات مع ما اقترحوها من قبل. ثم قال: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} فيه قولان: أحدهما: أن يعينهم عليه. والثاني: إلا أن يشاء أن يجبرهم عليه، قاله الحسن البصري. ثم قال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يجهلون فيما يقترحونه من الآيات. والثاني: يجهلون أنهم لو أجيبوا إلى ما اقترحوا لم يؤمنوا طوعاً.
ابن عطية
تفسير : أخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه من إنزال الملائكة وإحياء سلفهم حسبما كان من اقتراح بعضهم أن يحشر قصي وغيره، فيخبر بصدق محمد أو يجمع عليهم كل شيء يعقل أن يحشر عليهم، ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف الذي يخلقه ويخترعه في نفس من شاء لا رب غيره، وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان، وقال ابن جريج: نزلت هذه الآية في المستهزئين. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: لا يثبت إلا بسند، وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما "قِبَلاً" بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس، وغيره نصبه على الحال، وقال المبرد: المعنى ناحية كما تقول له قبل فلان دين. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فنصبه على هذا هو على الظرف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم "قُبُلاً" بضم القاف والباء، وكذلك قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا وقرأ {أية : العذاب قبلاً} تفسير : [الكهف:55] مكسورة القاف واختلف في معناه فقال عبد الله بن زيد ومجاهد وابن زيد: "قبل" جمع قبيل أي صنفاً صنفاً ونوعاً نوعاً كما يجمع قضيب على قضب وغيره، وقال الفراء والزجّاج هو جميع قبيل وهو الكفيل "وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء" بصدق محمد وذكره الفارسي وضعفه، وقال بعضهم قبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر، ومنه قوله تعالى: {أية : قدّ من قبل} تفسير : [يوسف:26] ومنه قراءة ابن عمر {أية : لقبل عدتهن} تفسير : [الطلاق:1] أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة " قُبْلاً " بضم القاف وسكون الباء، وذلك على جهة التخفيف. وقرأ طلحة بن مصرف " قَبْلاً " بفتح القاف وإسكان الباء، وقرأ أبيّ والأعمش "قبيلاً" بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء، والنصب في هذه كله على الحال، وقوله عز وجل: {ولكن أكثرهم يجهلون} الضمير عائد إلى الكفار المتقدم ذكرهم، والمعنى يجهلون أن الآية تقتضي إيمانهم ولا بد، فيقتضي اللفظ أن الأقل لا يجهل فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت "لم يؤمن إلا أن يشاء الله" له ذلك، وقوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي} الآية، تتضمن تسلية النبي عليه السلام وعرض القدوة عليه، أي إن هذا الذي امتحنت به يا محمد من الأعداء قد امتحن به غيرك من الأنبياء ليبتلي الله أولي العزم منهم، و {عدواً} مفرد في معنى الجمع، ونصبه على المفعول الأول لـ {جعلنا} المفعول الثاني في قوله {لكل نبي}، و {شياطين} بدل من قوله {عدواً} ، ويصح أن يكون المفعول الأول {شياطين} والثاني {عدواً} ، وقوله {شياطين الإنس والجن} يريد به المتمردين من النوعين الذين هم من شيم السوء كالشياطين، وهذا قول جماعة من المفسرين ويؤيده حديث أبي ذر أنه صلى يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعوذ يا أبا ذر من شياطين الجن والإنس، قال وإن من الإنس لشياطين؟ قال: نعمتفسير : . قال السدي وعكرمة: المراد بالشياطين الموكلون بالإنس والشياطين الموكلون بمؤمني الجن، وزعماً أن للجن شياطين موكلين بغوايتهم وأنهم يوحون إلى شياطين الإنس بالشر والوسوسة يتعلمها بعضهم من بعض، قالا: ولا شياطين من الإنس. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر، و {يوحي} معناه يلقيه في اختفاء فهو كالمناجاة والسرار، و {زخرف القول} معناه محسنه ومزينه بالأباطيل، قاله عكرمة ومجاهد، و"الزخرفة" أكثر ذلك إنما يستعمل في الشر والباطل، و {غروراً} نصب على المصدر ومعناه أنهم يغرون به المضللين ويوهمون لهم أنهم على شيء والأمر بخلاف، والضمير في قوله {فعلوه} عائد على اعتقادهم العداوة، ويحتمل على الوحي الذي تضمنته {يوحي}. وقوله {فذرهم وما يفترون} لفظ يتضمن الأمر بالموادعة منسوخ بآيات القتال، قال قتادة كل ذر في كتاب الله فهو منسوخ بالقتال و {يفترون} معناه يختلفون ويشتقون، وهو من الفرقة تشبيهاً بفري الأديم.
ابن عبد السلام
تفسير : {قِبَلاً} جهرة ومعاينة، {قُبُلاً}: جمع قبيل وهو الكفيل أي كفلاء، أو قبيلة قبيلة وصنفاً صنفاً، أو مقابلة. {إِلآ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} أن يعينهم، أو يجبرهم. {يَجْهَلُونَ} في اقتراحهم الآيات، أو يجهلون أن المقترح لو جاء لم يؤمنوا به.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {قبلاً} بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون: بضمتين. {منزل} بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل. {كلمة ربك} عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب. الباقون {كلمات} {من يضل} من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، فصل على البناء للفاعل و {حرم} على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعاً بالفتح الباقون: على البناء للمفعول فيهما {ليضلون} بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: بالفتح. الوقوف: {يجهلون} ه {غروراً} ط {يفترون} ه {مفصلاً} ط {الممترين} ه {وعدلاً} ه {لكلماته} ج لابتداء الضمير المنفصل مع احتمال الواو الحال أي لا تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، {العليم} ه {عن سبيل الله} ط {يخرصون} ه {عن سبيله} ج {بالمهتدين} ه {مؤمنين} ه {إليه} ط {بغير علم} ط {بالمعتدين} ه {وباطنه} ط {يقترفون} ه {لفسق} ط {ليجادلوكم} ج {لمشركون} ه. التفسير: هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله {أية : أنها إذا جاءت لا يؤمنون} تفسير : [الأنعام: 109] وكان المستهزؤن بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه، فنفى الله تعالى عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه المقترحات. قال أبو زيد: يقال لقيت فلاناً قبلاً وقبلاً ومقابلة كلها بمعنى واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلاً بكسر القاف معناه معاينة. روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبياً؟ قال: نعم، كان نبياً كلمه الله تعالى قبلاً، وأما قبلاً بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي قبيلاً قبيلاً. أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا حشرها الله تعالى على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها وأطبقوا على قبول هذه الكفارة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله تعالى: {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم يؤمنوا دل على أنه تعالى ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعاً لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل المراد، ولو جاز من الله تعالى أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن يأمرنا بأن نريد الكفر. فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان الاختياري وما شاء الإيمان القهري. والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك الداعية إلا بتخليق الله تعالى فكأنه لا اختيار. قال الجبائي: قوله: {إلا أن يشاء الله} يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها حصول المشروط. وأجيب بأنها قديمة إلا أن تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة. ثم ختم الآية بقوله: {ولكن أكثرهم يجهلون} قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره. وقالت المعتزلة: إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات. ثم قال: {وكذلك} قيل: إنه منسوق على قوله: {أية : وكذلك زينا} تفسير : [الأنعام: 108] أي وكما زينا لكل أمة عملهم {جعلنا} وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر. قالت الأشاعرة: لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفاً لآية تدل على أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله. قال الجبائي: المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله. وقال الكعبي: إنه أمر الأنبياء. لأن العداوة تكون من الجانبين. أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمداً إلى العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سبباً للحسد والعداوة أو للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له. وزيف بأن الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي من الله تعالى، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله تعالى، وانتصاب {الشياطين} كما مر في قوله: {أية : وجعلوا لله شركاء الجن} تفسير : [الأنعام: 100] قال الزجاج وابن الأنباري: {عدوّا} في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوّاً واحداً: إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحدة من الأنبياء أكثر من عدو واحد. عن ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان. وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه. حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله قال لأبي ذر: هل تعوّذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم، هم شر من شياطين الجنتفسير : . وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن. وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين. وعن مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً. ومعنى الإيحاء الإيمان أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصوّر وسوسة الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير. و {زخرف القول} ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور خيرية أو نفعاً لم يرغب فيه. ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادراً من الملك وإلا كان مزخرفاً أي يكون باطنه فاسداً وظاهره مزيناً، قال الواحدي: {غروراً} نصب على المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور. {ولو شاء ربك ما فعلوه} استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء. {فذرهم وما يفترون} منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه. قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم. الصغو في اللغة الميل. يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت. وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض. ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى. قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغواً أي مال، وكذلك صغى بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغياً، واللام في {ولتصغي} لا بد لها من متعلق فقالت الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوّاً للنبي لتميل {إليه} أو إلى قوله المزخرف {أفئدة} الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي {وليرضوه} وليختاروه على أنفسهم {وليقترفوا} وليكتسبوا من الآثام {ما هم مقترفون} وقال الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: {أية : واستفزز من استطعت منهم بصوتك}تفسير : [الإسراء: 14]. وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر تحريف. وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدواً. وعن أبي مسلم أنها معطوفة على موضع {غرور} والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة. وأورد عليه أن ميل القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه. وههنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به. وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء. حجة الأشاعرة أنه جعل الموصوف بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن. ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: {أفغير الله أبتغي حكماً} الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: الأول: أن الله تعالى قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته وأشار إلى هذا الوجه بقوله: {أفغير الله أبتغي حكماً} يعني قل يا محمد إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز. الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله حقاً، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله وأشار إليه بقوله: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ثم قال: {فلا تكونن من الممترين} والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد. وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة. وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: {أية : ولا تكونن من المشركين}تفسير : [الأنعام: 14] والمراد فلا تكونن من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم. قال الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة. وقال بعض أهل التأويل: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق. ثم لما بين أن القرآن معجز قال: {وتمت كلمة ربك} أي القرآن. وقوله: {صدقاً وعدلاً} مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى القيامة علماً وعملاً، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ذلك شيء. واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف؛ فالخبر كل ما أخبر الله تعالى عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني كونه تعالى قادراً سميعاً بصيراً ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه كقوله تعالى: {أية : لم يلد ولم يولد} تفسير : [الإخلاص: 3] {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم} تفسير : [البقرة: 255] ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله تعالى وكيفية تدبيره لملكوته في السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء الله تعالى والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر والقيامة وصفات أهل الجنة والنار. والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن المغيبات. وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبيده سواء كان ملكاً أو بشراً أو شيطاناً، وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى. فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقاً إن كان من باب الخبر وعدلاً إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن. وقيل: إن كل ما أخبر الله تعالى عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن يكون واقعاً، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم. ثم قال: {لا مبدل لكلماته} والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن دالاً على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة ألبته لجلاء الدلالة ووضوحها. أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن التحريف والتغيير كما قال: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9] أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: {أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : [النساء: 82] أو المعنى أن أحكام الله تعالى لا تتغير ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقياً وبالضد. ثم لما أجاب عن شبه الكفار بيّن أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى كلمات الجهال فقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} والمضل لا بد أن يكون ضالاً ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى الباطل بأنه حق. ثم قال: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} يقدرون على أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا. وأصل الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً. وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى إمارة فلم يتم أنه كذلك. ثم قال: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} والمراد أنك بعدما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله تعالى عالم بأن المهتدي من هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله تعالى عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي بالباء كما في القلم {أية : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}تفسير : [القلم: 7] وهذا هو الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام: 124] وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيهاً على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل "أفعل من" يستعمل مع الماضي نحو "أعلم من دب ودرج" و "أحسن من قام وقعد" و "أفضل من حج واعتمر". فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة تعالى عن ذلك. وجوّز بعضهم أن يكون "من" للاستفهام كقوله: {أية : لنعلم أي الحزبين أحصى}تفسير : [الكهف: 12] ثم قال: {فكلوا} والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم. فقال الله سبحانه للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله. فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم الله تعالى ولا ينازعون فيه، وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه؟ فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله تعالى عليهم في الأمرين بقوله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وبقوله: {أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}تفسير : [الأنعام: 145] أو نقول: المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم الميتة فقط والله أعلم. أما قوله: {وقد فصل لكم} فأكثر المفسرين قالوا: المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : [المائدة: 3] إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدماً على هذا المجمل بل الأولى أن يقال: المراد قوله تعالى بعد هذه الآية: {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً}تفسير : [الأنعام: 145] إلى آخرها. فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر. وقوله: {إلا ما اضطررتم} أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدّة المجاعة {وإن كثيراً ليضلون} المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالاً، وقد يكون الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة. وقوله: {بأهوائهم بغير علم} يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه الله تعالى أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوّة محمد صلى الله عليه وآله. وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد التقليد حرام {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} فيجازيهم عليها وفيه من التهديد ما فيه. ثم ذكر آية جامعة فقال: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} فقيل: ظاهره الزنا في الحوانيت وباطنه الصديقة في السر. قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا حلالاً ما كان سراً. والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه. ثم قيل: المراد ما أعلنتم وما أسررتم. وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً أي ما أخذته بوجه من الوجوه. وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه. وقيل: المراد النهي عن الإقدام على الإثم. ثم قال: {وباطنه} ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله لا خوف الناس. وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في القلب قد يؤاخذ به وإن لم يقترن به عمل {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: التوبة تمحو الحوبة. وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب ألبتة إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب. وأهل السنة على أنه إذا لم يتب احتمل العفو {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكاً بعموم الآية. وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: كل ذبح لم يذكر اسم الله تعالى عليه فهو حرام، ترك الذكر عمداً أو نسياناً وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين. أبو حنيفة: إن ترك عمداً حرام وإن ترك نسياناً حل. الشافعي: متروك التسمية عمداً وسهواً حلال إذا كان الذابح مسلماً لقوله تعالى: {وإنه لفسق} والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل "رجل عدل" أو على تقدير حذف المضاف أي وإن أكله لفسق. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية ولقوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة؛ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟ قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله الآية، فالمراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ليخاصموا محمداً وأصحابه في أكل الميتة. وقال عكرمة: وإن الشياطين - يعني مردة المجوس - ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش. وذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية. ثم قال: {وإن أطعتموهم} يعني في استحلال الميتة {إنكم لمشركون} قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله تعالى أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكماً سوى الله تعالى. ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً}تفسير : [الأنعام: 145] إلى قوله: {أية : أو فسقاً أهل لغير الله} تفسير : [الأنعام:145] مفسر بما أهل به لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضاً مفسر به نزلنا عن هذا المقام وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله ههنا لما روي أنه صلى الله عليه وآله قال: "حديث : ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل" تفسير : فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب. أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: {أية : خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29] {أية : وكلوا واشربوا} تفسير : [الطور: 19] ولأنه مستطاب وقد قال: {أية : أحل لكم الطيبات}تفسير : [المائدة: 4]، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ظاهر النص. قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات لأنه تعالى سمى مخالفته شركاً. وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك ههنا اعتقاد أن لله شريكاً في الحكم. التأويل: {وكلمهم الموتى} أي: قلوبهم الميتة {وحشرنا} أي أريناهم جميع الآيات المودعة في المكونات {إلا أن يشاء الله} فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية كفاية الأبدية {ولكن أكثرهم يجهلون} أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس} هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء. {والذين آتيناهم الكتاب} هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال {فلا تكونن} نهى التكوين في الأزل {وتمت كلمة ربك} كلامه وقضاؤه في الأزل {صدقاً} فيما قال {وعدلاً} فيما حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} تفسير : [التين:4] وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده {أية : ثم رددناه أسفل سافلين} تفسير : [التين: 5] ولأهل الكمال ترقٍ في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضاً إظهاراً للقدرة الكاملة غير المتناهية {وهو السميع} لحاجة كل ذي حاجة {العليم} بما يستأهله كل موجود {وإن تطع أكثر من في الأرض} وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق {وإن هم إلا يخرصون} في دعوى طلب الحق. فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى. {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع ويذيبوه بذكر الله كما قال صلى الله عليه وآله "حديث : أذيبوا طعامكم بذكر الله" تفسير : فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان والحرمان من الجنان. {وقد فصل لكم} يا أهل الله {ما حرم عليكم} وهو الدنيا وما فيها والآخرة ونعيمها {إلا ما اضطررتم إليه} من ضروريات البشر في الدارين بأمر المولى لا بالطبع والهوى {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الذين جاوزوا المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى {وذروا ظاهر الإثم} يعني الأعمال الطبيعية {وباطنه} يعني الأخلاق، الذميمة الردية {سيجزون بما كانوا يقترفون} لأن الأخلاق الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها ريناً إلى أن يصير حجاباً بين العبد وبين الله تعالى: ولا تأكلوا طعاماً إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، {وإنه} يعني ظلام الطعام يؤدي إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النّفسانية. {وإن الشياطين ليوحون} فإن للشيطان مجالاً في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ...} الآية: أخبر سبحانه أنه لو أتَىٰ بجميع ما ٱقترحُوه مِنْ إنزال ملائكةٍ وإحياءِ سلفهم حَسْبما ٱقترحه بعضُهم؛ أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ وغيره، فيخبر بصدْقِ محمَّد ـــ عليه السلام ـــ، أو يحشر عليهم كلُّ شيء قُبُلاً ـــ ما آمنوا إلا بالمشيئةِ واللُّطْفِ الذي يخلقه ويَخْتَرِعُه سبحانه في نفْسِ مَنْ يشاء، لا ربَّ غيره. وقرأ نافع وغيره: «قبلاً»، ومعناه مواجهةً ومعاينةً؛ قاله ابن عباس وغيره، ونصبه علَى الحالِ، وقال المبرِّد: معناه: ناحيةً؛ كما تقول: لِي قِبَلَ فلانٍ دَيْنٌ. قال * ع *: فنصبه؛ علَىٰ هذا: هو على الظرفِ، وقرأ حمزة وغيره: «قُبُلاً» ـــ بضمِّ القافِ والباءِ ـــ، وٱختلف في معناه، فقال بعضهم: هو بمعنى «قِبَل» بكسر القافِ، أي: مواجهةً؛ كما تقول: قُبُل ودُبُر. وقال الزَّجَّاج والفَرَّاء: هو جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكفيل، أي وحشرنا عليهم كلَّ شيء كُفَلاَءَ بصدْقِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد وغيره: هو جمع قَبِيلٍ، أي: صنفاً صنفاً، ونوعاً نوعاً، والنصب في هذا كلِّه على الحال، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}، أي: يجهلون في ٱعتقادِهِمْ أن الآية تقتَضِي إيمانهم، ولا بُدَّ، فيقتضي اللفظ أنَّ الأقلَّ لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أنَّ الآية لو جاءت لم يُؤْمِنْ إلا مَنْ شاء اللَّه منه ذلك، قُلْتُ: وقال مكِّيٌّ: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}، أي: في مخالَفَتِكَ، وهم يعلمون أنَّك نبيٌّ صادقٌ فيما جئْتَهم به، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُدَاعِبُ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ الفَتْحِ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ، وَيَطْعُنُ بِهَا أَبَا سُفْيَانَ، فَإذَا أَحْرَقَتْهُ، قَالَ: نَحِّ عَنِّي مِخْصَرَتَكَ، فَوَاللَّهِ، لَوْ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا ٱخْتَلَفَ عَلَيْكَ فِيهِ ٱثْنَانِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَسْلَمْتَ لَهُ، قِتَالُكَ إيَّايَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: تَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أُقَاتِلُكَ تَكْذِيباً مِنِّي لَكَ، وَاللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي صَدْقِكَ قَطُّ، وَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُكَ إلاَّ حَسَداً مِنِّي لَكَ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَعَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي، فَكَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَشْتَهِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَبَسَّمُ»تفسير : . انتهى من «الهداية». وقوله سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ...} الآيةَ: تتضمَّن تسلية النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعَرْضَ القُدْوة عليه، أي: هذا الذي ٱمتحنْتَ به، يا محمَّد، مِن الأعداء قد ٱمتحنَ به غَيْرُك من الأنبياء؛ ليبتليَ اللَّه أُولِي العَزْم منهم، و {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ}: يريدُ: المتمردِّين من النوعَيْن، و {يُوحِي}: معناه: يلقيه في ٱختفاءٍ، فهو كالمناجاةِ والسِّرَارِ، و {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ}: محسَّنه ومُزَيَّنه بالأباطيل؛ قاله عكرمة ومجاهد، والزخرفة؛ أكثر ما تستعملُ في الشرِّ والباطل، و {غُرُوراً}: مصدرٌ، ومعناه يغرُّون به المضلَّلين، والضمير في {فعَلُوهُ} عائدٌ على ٱعتقادِهِمُ العداوةَ، ويحتملُ على «الوحْيِ» الذي تضمَّنه {يُوحِي}. وقوله سبحانه: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}: لفظٌ يتضمَّن الأمر بالموادعة، وهو منسوخٌ؛ قال قتادة: كُلُّ «ذَرْ» في كتاب اللَّه ـــ منسوخٌ بالقتالِ.
ابن عادل
تفسير : اعلم: أنه - تبارك وتعالى - بيَّن في هذه الآية الكَرِيمة تَفْصِيل ما ذَكَره مُجْمَلاً في قوله: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام:109] بيَّن أنَّه - تعالى - لو أعْطَاهُم ما طَلَبُوه من إنْزَال المَلائِكة حتَّى رأوهم عَيَاناً، وإحياء المَوْتَى حَتَّى كلَّمُوهُم، وشَهِدُوا لك بالنُّبُوَّة كَمَا سَألُوا، بل زَاد في ذَلِك ما لا يَبْلُغُه اقْتِرَاحُهم بأن يحشر عَلَيْهم كُلَّ شَيءْ قُبُلاً، ما كانوا لِيُؤمِنُوا إلاَّ أنْ يَشَاء اللَّه. قال ابن عبَّاسٍ: المُسْتَهْزِئون بالقُرآن العَظِيم كانوا خَمْسَة: الوَليد بن المُغْيرَة المَخْزُومي، والعَاص بن وَائِل السَّهْمِي، والأسْوَد بن عَبْد يَغُوث الزُّهرِي، والأسْوَد بن المُطَّلِب، والحَارث بن حَنْظَلة، ثُمَّ إنَّهم أتَوا لرِسَول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورَهْط من أهْل مكَّة المُشَرَّفة، وقالُوا: أرنَا المَلائكة يَشْهَدُوا بأنَّك رسُول اللَّه، أو ابعث لَنَا بَعَضَ مَوْتَانَا حتَّى نَسْألهم أحَقٌّ ما تقُولُه أمْ باطل، أو ائْتِنَا باللَّه والملائكة قِبِيلاً، أي: كَفيلاً بما تدَّعِيه، فَنَزَلت هَذِه الآية الكَرِيمة. وهذا يُشْكَل باتِّفَاقهم على أنَّ هذه السُّورة نزلت دَفْعَة وَاحِدة، بل الَّذِي يَنْبَغِي أن يَكُون المَقْصُود منه: جواب ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهُم أقسموا باللَّه جَهْد أيْمَانهم، لَوْ جاءتهم آيَةٌ ليُؤمِنُنّ بها، فذكر اللَّه - تبارك وتعالى - هذا الكلام بياناً لِكَونِهم كَاذِبِين، وأنَّه لا فَائِدة في إنْزالِ الآيَات، وإظْهار المُعْجِزَات بعد المُعْجِزَات، بل المُعْجِزة الوَاحِدة لا بُد منها لِيتَمَيَّز الصَّادق عن الكَاذِب، فأمَّا الزيادة عليها، فتحكم مَحْض لا حَاجَة إليْه، وإلاَّ فَلَهُم أن يَطْلُبوا بعد ظُهُور المُعْجِزة الثَّانية ثالثة، وبعد الثَّالثة رَابِعة، ويَلْزم منه ألاَّ تَسْتَقِرَّ الحجة، وأن لا يَنْتَهِي الأمْر إلى مقطع ومفصل، وذلك يُوجِب سَدَّ باب النُّبُوات. قوله: "قُبُلاً" قرأ نَافِع، وابْن عَامِر: "قِبَلاً" هنا وفي الكَهْف بكسر القَافِ، وفَتْح البَاء، والكوفِيُّون هنا وفي الكَهْف، وقرأ الحسن البَصْرِي، وأبُو حَيْوة، وأبُو رَجَاء بالضَّمِّ والسُّكُون. وقرأ أبَيّ والأعْمَش "قَبِيلاً" بياء مُثَنَّاة من تَحْت بعد بَاءٍ موحَّدة مَكْسُورة، وقرأ طَلْحَة بن مُصَرِّف: "قَبْلاً" بفتح القَافِ وسُكون البَاء. فأما قِرَاءة نَافِع، وابن عَامِر ففيها وجهان: أحدهما: أنَّها مُقَابَلَة، أي: مُعَايَنَةً ومُشَاهَدَةً، وانتِصَابُه على هذا الحَالِ قاله أبو عُبَيْدة، والفرَّاء، والزَّجَّاج ونقله الوَاحِدِي أيضاً عن جَمِيع أهْل اللُّغة، يُقَال: "لَقِيته قِبَلاً" أي عِيَاناً. وقال ابن الأنْبَاري: حديث : قال أبُو ذَرّ: قُلْت للنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أنبيّاً كان آدم؟ فقال: نعم، كان نبيّاً كلَّمه الله قبلاً تفسير : وبذلك فسًّرها ابن عبَّاس، وقتادة، وابن زَيْد، ولم يَحْكِ الزَّمَخْشَرِي غَيْره، فهو مَصْدر في مَوْضَع الحَال كما تقدَّم. والثاني: أنَّها بمعنى نَاحِية وجِهَة قاله المُبَرِّد، وجماعة من أهل اللُّغَة كأبي زَيْد، وانتصابه حينئذٍ على الظَّرْف، كقولهم: "لي قِبَلُ فلان دَيْنُ" و "ما قِبَلك حَقُّ" ويقال: "لقِيْتُ فلاناً قِبَلا، ومُقابلة، وقُبُلاً، وقُبَلاً وقَبْلِياً، وقَبِيلاً" كله بِمَعْنَى واحد، ذكر ذلك أبُو زيد، وأتْبَعه بِكَلام طويل مُفيد فرحمه الله - تعالى - وجزاه اللَّه خيراً. وأمَّا قِرَاءة البَاقِين هُنَا ففيها أوْجُه: أحدهما: أن يكون "قُبُلاً" جمع قَبِيل، بمعنى: كَفِيل؛ "كرغيف" و "رُغُف"، و "قضيب" و "قُضُب" و "نَصِيب" و "نُصُب". وانْتَصَابه حالاً. قال الفرَّاء والزَّجَّاج: جَمْع قِبِيل بمعْنَى: كفيل أي: كَفِيلاً بِصِدْق محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -، ويقال: قَبَلْتُ الرِّجل أقْبَلُه قَبالة بفَتْح البَاء في الماضي والقاف في المَصْدَر، أي: تكفَّلْت به، والقَبِيل، والكَفِيل، والزَّعِيم، والأذِين والضّمِين، والحَمِيل، وبمعنى وَاحِد. وإنما سُمِّيت الكَفَالة قَبَالة؛ لأنَّها أوْكَد تَقَبُّل، وباعْتِبَار معنى الكَفَالة سُمِّي العَهْد المَكْتوب: قَبالة. وقال الفرَّاء في سُورة الأنعام: "قُبُلاً" جَمْع "قَبِيل" وهو "الكَفِيل" قال: وإنَّما اخْتَرت هنا أن يكُون القُبُل في المعنى الكفالة؛ لقولهم: {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء:92] يَضْمَنُون ذلك. الثاني: أن يَكُون جَمْع قِبِيل، بِمَعْنى: جماعةً جماعةً، أو صنْفاً صنفاً. والمعنى: "وحَشَرْنا عَلَيْهم كلَّ فوْجاً فوْجاً، ونوْعاً نوْعاً من سَائِر المَخْلُوقات". الثالث: أن يكون "قُبُلاً" بِمَعْنى: قِبَلاً كالقِرَاءة الأولَى في أحد وجْهَيْهَا وهو المُواجَهة أي: مُواجَهَةً ومُعَايَنةً، ومنه "آتِيكَ قُبُلاً لا دُبُراً" اي: آتِيك من قِبَل وَجْهِك، وقال تعالى: {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} تفسير : [يوسف:26] وقُرئ: "لقبل عدتهن" [الطلاق:41]، أي: لاسْتِقْبَالها، وقال الفرَّاء: "وقد يكون قُبُلاً: من قِبَل وُجُوهِهِم". وأمَّا الذي في سُورة الكَهْف: فإنه يَصِحُّ فيه مَعْنى المُواجهة، والمُعَاينة، والجماعة صنْفاً صنْفاً، لأن المُراد بالعَذَاب: الجِنْس، وسَيَأتي له مَزِيد بَيَان. و"قُبُلاً" نَصْب على الحَالِ - كما مَرَّ - من "كلَّ"، وإن كان نكرة؛ لِعُمُومه، وإضافته, وتقدَّم أنَّه في أحد أوْجُهِهِ يُنْصَبُ على الظَّرف عند المُبَرِّد. وأمّا قراءة الحسن فمخفَّفَة من المَضْمُوم، وقرأه أبَيُّ بالأصْل وهو المُفْرَدِ. وأما قراءة طَلْحَة فهو ظَرْف مَقْطُوع عن الإضَافة، مَعْنَاه: أو يَأتِيَ باللَّه والملائِكَة قَبْلَه، ولكن كَانَ يَنْبَغِي أن يُبْنَى؛ لأن الإضافة مُرادَة. قوله: "مَا كَانُوا" جواب "لَوْ" وقد تقدَّم أنَّه إذا كَانَ مَنْفيّاً، امتَنَعت اللاَّم. وقال الحُوفِي: "التَّقْدِير لما كَانُوا حُذِفَت اللاَّم وهي مُرَادة" وهذا لَيْس بجيَّد؛ لأن الجواب المَنْفِي بـ "مَا" يَقِلُّ دُخُولها، بل لا يَجُوز عند بَعْضِهم، والمَنْفِي بـ "لم" مُمْتَنِع ألْبَتَّة. وهذه اللاَّم لام الجُحُود جارَّة للمصْدَر المؤوّل من "أنْ" والمنْصُوب بِهَا، وقد تقدَّم تَحْقِيقه - بعون الله تعالى -. قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} يجُوز أن يكُون مُتَّصِلاً، أي: ما كانُوا لِيُؤمِنُوا في سَائرِ الأحْوال إلاَّ في حَالِ مَشِيئة اللَّه، أو في سَائرِ الأزْمَان إلا في زَمَان مَشِيئَتِه. وقيل: إنه اسْتِثْنَاء من عِلَّة عامَّة، أي: "ما كانوا لِيُؤمِنُوا لِشَيء من الأشْيَاء إلاَّ لمشيئة الله تعالى". والثاني: أن يكُون مُنْقَطعاً، نقل ذلك الحُوفِيُّ وأبُو البَقَاء، واسْتَبْعَده أبو حيَّان. فصل في معنى الآية ودحض شبهة المعتزلة معنى الآية الكَريمة: أنه - تعالى - لو أظْهَر جميع تِلْك الأشْيَاء العَجِيبَة لِهَؤلاء الكُفَّار؛ فإنَّهم لا يُؤمِنُون إلا أن يَشَاء اللَّه إيمانهم. قال أهْل السُّنَّة: فلمَّا لَمْ يُؤمنوا دّلَّ على أنَّه - تعالى - ما شَاء مِنْهُم الإيمان، وهذا نَصُّ في المسْألة. قالت المُعْتَزِلة: دل الدَّليل على أنَّه - تبارك وتعالى - أراد الإيمان من جَميع الكُفَّار، وذكر الجُبَّائِيُّ الوُجُوه المَذْكُورة المَشْهُورة. أولها: أنَّه - تبارك وتعالى - لو لم يُرِد منهم الإيمان، لما أمَرَهُم، ولم يَجِبْ عليهم. وثانيها: لو أراد الكُفْر من الكَافِر، لكان الكَافِر مُطِيعاً لله تعالى بِفِعْل الكُفْر، لجاز أن يأمُرَ بِهِ. وثالثها: لو جاز من الله أن يريد منهم الكُفْرَ، لجاز أن يأمر به. رابعها: لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر. قالوا: فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلاَّ الإيمان منهم وظاهر هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم والتناقض بين الدلائل مُمْتَنِع، فوجب الجَمع، وطَريقُه أن نقُول: إنه - تبارك وتعالى - شَاء من الكُلِّ الإيمان الذي يَفْعَلُونه على سَبيل الاخْتيار، وأنَّه - تعالى - ما شاء منهم الإيمان على سبيل الإلجَاء والقَهْر، وبهذا الطَّريق زال الإشْكَال، وهذا كلامٌ ضعيفٌ من وُجُوه: الأول: أن الإيمان الَّذِي سمَّوْه بالإيمان الاخْتِيَاري إن عَنُوْا به أنَّ قُدْرَته صَالِحَة إلى الإيمان والكُفْر على السَّويَّة، ثمَّ إنه يَصْدر عَنْها الإيمان دُون الكُفْر لا لداعية مُرَجَّحَة، ولإرادة مُمَيِّزة، فَهَذَا قَوْل برجْحَان أحَد طَرَفي المُمْكن على الآخر، لا لِمُرَجِّح وهو مُحَال، وأيضاً: فبتقدير أنْ يَكُون ذلك مَعْقُولاً في الجُمْلَة، إلاَّ أنَّ حُصُول ذَلِك الإيمان لا يَكُون منه، بل يَكُون حَادِثاً لا لِسَبَب ولا مُؤثِّر أصْلاً؛ لأن الحَاصِل هَنَا لي إلاَّ القُدْرَة، وهي بالنِّسْبَة إلى الضِّدَّيْن على السَّويَّة، ولم يَصْدر من هَذَا القدر تَخْصِيص لأحد الطَّرَفَيْن على الآخر بالوُقُوع والرُّجْحَانِ، ثم إنّ أحد الطَّرفين قد حصل بنفْسِه، فهذا لا يَكُون صَادراً منه، بل يكون صادراً لا عن سَبَب ألْبَتَّةَ، وذلك يُبْطِل القَوْل بالفِعْل، والفَاعِل، والتَّأثِير والمؤثِّر أصْلاً، وذلك لا يَقْوله عَاقِل، وأمَّا إنْ كان هذا الذي سَمَّوه بالإيمان الاخْتِيَاري، هو أنَّ قُدْرَته وإن كانت صَالِحة للضِّدَّين، إلاَّ أنَّه لا تَصِير مَصْدراً للإيمان، إلاَّ إذا انْضَمَّ إلى تِلْك القُدْرَة حُصُول داعِيَة الإيمان، فهذا قَوْلٌ بأن مَصْدر الإيمان هو مَجْمُوع القُدْرَة مع الدَّاعي، وذلك المَجْمُوع مُوجبٌ للإيمان, فهذا عَيْن ما يُسَمُّونه بالجَبْر, وأنْتُم تُنْكِرُونه, فثبت أنَّ هذا الَّدِي سَمَّوه بالإيمان الاخْتِيَاريِّ لم يَحْصُل منه مَعْنى مَعْقُول مفهوم، وهذا كلام في غاية القُوَّة. الوجه الثاني: سلَّمنا أن الإيمان الاخْتِيَاري متميِّزٌ عن الإيمان الحَاصِل بتَكْوِين اللَّه - تعالى -، إلاَّ أنا نَقُول قوله - تعالى -: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَة} وكذا {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤا} مَعْنَاه: ما كانوا لِيُؤمِنُوا إيماناً اخْتِيَاريّاً، بدلِيل أنَّ عند ظُهُور هذه الأشْيَاء لا يَبْعُد أن يُؤمِنُوا إيماناً على سَبِيل الإلْجَاء والقَهْر، فَثَبت أن قوله: {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤا} على سَبِيل الاخْتِيَار، ثُمَّ استَثْنَى عَنْه، وقال: {إلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّه} والمُسْتَثْنَى يَجِبُ أن يَكُون من جِنْس المُسْتَثْنى مِنْه، والإيمان الحَاصِل بالإلْجَاء والقَهْر ليس من جِنْس الإيمان الاخْتِيَاريّ، فَثبت أنَّه لا يجُوز أنْ يَكُون المُرَاد منه الإيمان الاخْتِيَاري؛ وحينئذٍ يتوجَّه دَلِيل أهل السُّنَّة، وتَسْقُط أقوال المُعْتَزلَة. فصل ف دحض شبهة المعتزلة قال الجُبَّائي: قوله - تبارك وتعالى -: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} يدلُّ على حُدُوث المَشِيئَة؛ لأنَّها لو كَانَت قَدِيمَة لَمْ يَجُز أنْ يُقَال ذَلِك، كما لا يُقَال: لا يَذْهب زَيْد إلى البَصْرة، إلاَّ أن يُوَحِّد الله، وتَقْرِيره: أنَّا قُلْنَا لا يَكُون كذا إلاَّ أنْ يَشَاء اللَّه، فهذا يَقْتَضِي تَعْلِيق حُدُوث هذا الجَزَاء على حُصُول المَشيئة, فلو كَانَت المَشِيئَة قَدِيمة, لكان الشَّرْط قَدِيماً, ويَلْزَم من حُصُول الشَّرْط, حُصُول المَشْرُوط، فَيَلْزَم كَوْن الجَزَاءِ قَدِيماً، والحس على أنَّه مَحْدَث، فوجب كَوْن الشَّرْط حَادِثاً، وإذا كان الشَّرْط هو المَشِيئَة لَزِم القَوْل بكون المَشِيئَة حَادِثَة. والجواب أنَّ المَشِيئة وإن كانت قَدِيمة، إلاَّ أنَّ تعلُّقَهَا بإحْدَاث ذَلِك المُحْدث في الحالِ، إضاَفة حَادِثَة وهذا القَدْر يَكْفي لِصِحَّة هذا الكلام. ثمَّ قال - تعالى -: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أي: يَجْهَلُون بأنّ الكُلَّ من قَضَاء اللَّه وبِقَضَائه وقدره. وقالت المعتزلة: المُرَاد: أنَّهم جَهِلوا أنهم يبقون كُفَّاراً عِنْد ظُهُور الآيات الَّتِي طلبوها، والمعجزات التي اقْتَرَحُوها وكان أكْثَرهُم يَظُنُّون ذلك.
ابو السعود
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰـئِكَةَ} تصريحٌ بما أشعَرَ به قولُه عز وجل: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام، الآية 109] من الحكمة الداعيةِ إلى ترك الإجابةِ إلى ما اقترحوه من الآيات إثرَ بـيانِ أنها في حُكمه وقضائه المبنيِّ على الحِكَم البالغةِ لا مدخلَ لأحد في أمرها بوجه من الوجوه، وبـيانٌ لكذبهم في أيْمانهم الفاجرةِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أي ولو أننا لم نقتصِرْ على إيتاء ما اقترحوه هٰهنا من آية واحدةٍ من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكةَ كما سألوه بقولهم: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ}تفسير : [الفرقان، الآية 21] وقولِهم: {أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰـئِكَةِ } تفسير : [الحجر، الآية 7] {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} وشهدوا بحقية الإيمانِ بعد أن أحيـيناهم حسبما اقترحوه بقولهم: فأتوا بآبائنا {وَحَشَرْنَا} أي جمعنا {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً} بضمتين وقرىء بسكون الباء أي كُفَلاءَ الأمرِ وصدقِ النبـي صلى الله عليه وسلم، على أنه جمعُ قَبـيل بمعنى الكفيل كرغيف ورُغُف وقضيب وقُضُب وهو الأنسب بقوله تعالى: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً } تفسير : [الإسراء، الآية 92] أي لو لم نقتصِرْ على ما اقترحوه بل زدنا على ذلك بأن أحضرنا لديهم كلَّ شيءٍ يتأتّى منه الكفالةُ والشهادةُ بما ذُكر لا فرادى بل بطريق المعيةِ. أو جماعاتٍ على أنه جمعُ قَبـيلٍ وهو جمعُ قبـيلة، وهو الأوفق لعموم كلِّ شيءٍ وشمولِه للأنواع والأصنافِ أي حشرنا كلَّ شيء نوعاً نوعاً وصنفاً صنفاً وفوجاً فوجاً، وانتصابُه على الحالية وجمعيتُه باعتبار الكل المجموعيِّ اللازمِ للكل الإفراديِّ أو مقابلةً وعِياناً على أنه مصدرٌ كقِبَلا، وقد قرىء كذلك، وانتصابُه على الوجهين على أنه مصدرٌ في موقع الحالِ، وقد نقل عن المبرِّد وجماعةٍ من أهل اللغة أن الأخيرَ بمعنى الجهة كما في قولك: لي قِبَلَ فلانٍ حقٌّ، وأن انتصابَه على الظرفية {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي ما صح وما استقام لهم الإيمانُ لتماديهم في العصيان وغلوِّهم في التمرد والطُّغيانِ، وأما ما سبق القضاءُ عليهم بالكفر فمن الأحكامِ المترتبةِ على ذلك حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل: {أية : وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [الأنعام، الآية 110] وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ، والالتفاتُ إلى الاسم الجليل لتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعة، أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماعِ ما ذكر من الأمورِ الموجبةِ للإيمان في حال من الأحوال الداعيةِ إليه المتمِّمة لموجباته المذكورةِ إلا في حال مشيئتِه تعالى لإيمانهم أو من أعمّ العللِ أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودةِ وغيرِها إلا لمشيئته تعالى له، وأياً ما كان فليس المرادُ بالاستثناء بـيانَ أن إيمانَهم على خطر الوقوعِ بناءً على كون مشيئتِه تعالى أيضاً كذلك بل بـيانَ استحالةِ وقوعِه بناءً على استحالة وقوعِها كأنه قيل: ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وهيهاتَ ذلك وحالُهم حالُهم بدليل ما سبق من قوله تعالى: {أية : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ } تفسير : [الأنعام، الآية 110] الآية، كيف لا وقولُه عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} استدراكٌ من مضمون الشرطيةِ بعد ورودِ الاستثناءِ لا قبله، ولا ريبَ في أن الذي يجهلونه ـ سواءٌ أريد بهم المسلمون وهو الظاهرُ، أو المُقسِمون ليس عدمَ إيمانِهم بلا مشيئة الله تعالى كما هو اللازمُ من حمل النظمِ الكريمِ على المعنى الأولِ ـ فإنه ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدّعيه الآخَرون بل إنما هو عدمُ إيمانهم لعدم مشيئتِه إيمانَهم ومرجعُه إلى جهلهم بعدم مشيئتِه إياه فالمعنى أن حالَهم كما شُرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيءِ الآياتِ لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم فيتمنَّوْن مجيئَها طمعاً فيما لا يكون. فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ }تفسير : [الأنعام، الآية 109] الخ، على القراءة المشهورة، أو ولكن أكثرَ المشركين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمائهم حينئذ فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكونُ، فالجملةُ على القراءة السابقةِ بـيانٌ مبتدأٌ لمنشأ خطأ المقسِمين ومناطِ إقسامهم وتقريرٌ له على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة {وَمَا يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون}.
القشيري
تفسير : لأن الآيات وإنْ توالت، وشموس البرهان وإنْ تعالَتْ فَمَنْ قَصَمَتْه العِزَّةُ وكَبَسْته القِسمة لم يَزِدْه ذلك إلا حيرة وضلالاً، ولم يستنجز إلا للشقوة حالاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة} تفصيل ما ذكر على الاجمال بقوله {أية : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} تفسير : [الأنعام: 109]. اى ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة كما سألوه بقولهم لو انزل علينا الملائكة فنراهم عيانا {وكلمهم الموتى} وشهدوا بحقية الايمان بعد ان احييناهم حسبما اقترحوه بقولهم فائت بآية. قال صاحب التيسير واحيينا لهم كل الموتى فكلموهم بان شهدوا لك وان كانوا سألوا منك احياء اثنين من موتاهم قصى بن كلاب وجدعان بن عمرو وكانا كبيرين منهم وصدوقين حيث قالوا لئن احييتهما فشهدا لك بالنبوة لشهدنا نحن ايضا {وحشرنا} اى جمعنا {عليهم كل شئ قبلا} جمع قبيل بمعنى كفيل وانتصابه على الحالية من المفعول اى كفلاء بصحة الامر وصدق النبى عليه السلام او جمع قبيل الذى هو جمع قبيلة بمعنى جماعات اى وحشرنا كل شئ نوعا نوعا وفوجا فوجا من سائر المخلوقات. وفى التيسير اى وبعثنا كل حيوان من الفيل الى البعوض اى اقمنا القيامة {ما كانوا ليؤمنوا} فى حال من الاحوال الداعية الى الايمان {الا ان يشاء الله} اى الا فى حال مشيئة الله لايمانهم وهيهات ذلك وحالهم حالهم من التمادى فى العصيان والغلو فى التمرد والطغيان {ولكن اكثرهم يجهلون} اى ولكن اكثر المؤمنين يجهلون عدم ايمانهم عند مجيئ الآيات لجهلهم عدم مشيئة الله تعالى لايمانهم فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون فالجملة مقررة لمضمون قوله تعالى {أية : وما يشعركم} تفسير : [الأنعام: 109]. الآية واعلم ان الآية وان عظمت لا تضطر الى الايمان ان لم يشأ الله تعالى فانه لا آية اعظم من قيام الساعة والله تعالى يقول {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28]. وجملة الامر ان المشيئة تغير السجية وعدمها من فساد الاستعداد فلذا بقى اهل الضلال فى يد القهر والجلال: قال السعدى شعر : زوحشى نه يايدكه مردم شود بسعى اندر اوتربيت كم شود توان باك كردن ززنك آيينه ولكن نيايد زسنك آيينه تفسير : وقال الحافظ شعر : كرجان بدهد سنك سيه لعل نكردد باطينت اصلى جه كند بدكهر افناد تفسير : واما قول المولوى قدس سره فى المثنوى شعر : كرتو سنك خاره ومرمر شوى جون بصاحب دل رسى كوهر شوى تفسير : فاشارة الى المستبعد بحكم الاصل فان التربية تنفع فيه فجميع المعجزات من الانبياء والكرمات من الاولياء علمية كانت او كونية تربية لمن فى زمانهم فمن حسن استعداده مال واهتدى ومن فسد اعرض وضل وترى كثيرا من المغرورين المشغولين باحكام طبائعهم الخبيثة ونفوسهم المتمردة يقولون كالطلبة لو انا صادفنا المرشد الكامل ورأينا منه العلامة واضحة لكنا اول من يسلك بطريقتهم ويتمسك باذيال حقيقتهم فقل لهم ان الشمس شمس وان لم يرها الضرير والعسل عسل وان لم يجه طعمه الممرور والطالب المتسعد لا يقع فى الامنية ولا يضيع نقد عمره بخسارة بل يجتهد كل حين بما امكن له من الطاعات ويكون فى طريق الطلب فان ما لا يدرك كله لا يترك قله: قال فى المثنوى شعر : كركران وكرشتابنده بود عاقبت جوينده يابنده بود تفسير : ثم هذا الاستعداد وانشراح الصدر فى طريق الحق نور من الله تعالى يقذفه فى قلب أى عبد شاء وليس بحداثة السن ولا بالشيخوخة وكم رأيت وسمعت من غلبه الحال فى عنفوان عمره وعنوان امره. وعن بعض الصالحين قال حججت سنة من السنين وكانت سنة كثيرة الحر والسموم فلما كان ذات يوم وقد توسطنا ارض الحجاز انقطعت عن الحاج وغفلت قليلا فلم اشعر ليلا الا وانا وحدى فى البرية فلاح لى شخص امامى فاسرعت اليه ولحقته واذا به غلام امرد لانبات بعارضيه كأنه القمر المنير والشمس الضاحية وعليه اثر الدلال والترف فقلت له السلام عليك يا غلام فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا ابراهيم فعجبت منه كل العجب ورابنى امره فلم اتمالك ان قلت له يا غلام سبحان الله من اين تعرفنى ولم ترنى قبلها فقال لى يا ابراهيم ما جهلت مذعرفت ولا قطعت مذ وصلت فقلت ما الذى اوقعك فى هذه البرية فى مثل هذه السنة الكثيرة الحر والقيظ فاجابنى يا ابراهيم ما آنس بسواه ولارافقت غيره وانا منقطع اليه بالكلية مقر له بالعبودية فقلت له من اين المأكول والمشروب فقال لى تكفل به المحبوب فقلت والله انى خائف عليك لاجل ما ذكرت لك فاجابنى ودموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ الرطب شعر : فلو اجوع فذكر الله يشبعنى ولا اكون بحمد الله عطشانا وان ضعفت فوجد منه يحملنى من الحجاز الى اقصى خراسانا تفسير : فقلت له بالله عليك يا غلام ألا ما اعلمتنى حقيقة عمرك فقال اثنتا عشرة سنة ثم رجوته فدعا لى باللحوق الى اصحابى فلما وقفنا بعرفة ودخلنا الحرم اذا انا بالغلام وهو متعلق باستار الكعبة وهو يبكى ويناجى ثم وقع ساجدا ومات الى رحمة الله تعالى ثم رأيته فى المنام فقلت ما الذى فعل بك الهك فقال اوقفنى بين يديه وقال لى ما بغيتك فقلت الهى وسيدى انت بغيتى فقال لى انت عبدى حقا ولك عندى ان لا احجب عنك ما تريد فقلت اريد ان تشفعنى فى القرن الذى انا فيه قال شفعتك فيه ثم انه صافحنى فاستيقظت بعد المصافحة فلم ار احدا الا ويقول لى يا ابراهيم لقد ازعجت الناس من طيب رائحة يدك. قال بعض المحدثين ولم تزل رائحة الطيب تخرج من يد ابراهيم حتى قضى نحبه رحمه الله رحمة واسعة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قبلاً}: بكسر القاف؛ معاينة، وبضمتين: جمع قبيل، أي: ضمناء، وهو حال. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الرد على المشركين، حين أقسموا: لئن رأوا آية ليؤمنن بها، فقال تعالى: {ولو أننا نزّلنا إليهم الملائكة} تشهد لك بالنبوة كما اقترحوا، {وكلمهم الموتى} كما طلبوا بقولهم: {أية : فَأتُواْ بِأَبَآئِنَآ } تفسير : [الدخان:36]، وقالوا: إنَّ قُّصيًّا كان شيخ صِدق، فابعثه لنا يكلمنا ويشهد لك بما تدعي. {و} لو {حشرنا عليهم} أي: جمعنا عليهم، {كل شيء} من الحيوانات والجمادات، معاينة، أو ضمناء، تشهد لك بالرسالة والنبوة، {ما كانوا ليؤمنوا} بك في حال من الأحوال، {إلا أن يشاء الله} إيمانهم فيمن لم يسبق له الشقاء، {ولكن أكثرهم يجهلون} أنهم لو أُوتوا بكل آية لم يؤمنوا، فكيف يقسمون بالله جَهدَ أيمانهم على ما لا يعلمون؟، فالجهل بهذا المعنى حاصل لأكثرهم، ومطلق الجهل حاصل لجميعهم، أو: ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون، فيتمنون نزول الآية طمعًا في إيمانهم. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية تسكين لقلوب الأولياء الداعين إلى الله، حين يرون الخلق قد حادوا عن باب الله، وتعلقت هممهم بالدنيا الدنية، وتشتتت قلوبهم، وضاعت عليهم أعمارهم، فيتأسفون عليها، فإذا تفكروا في هذه الآية وأمثالها سكنوا وردوا أمر عباد الله إلى مشيئته وإرادته، فلو شاء الله لهدى الناس جميعًا، ولا يزالون مختلفين: {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}. وبالله التوفيق. ومما تعلقت به المشيئة، وجرت به الحكمة، أنه لا بد أن يبقى للنبي من يُحَرِّكه إلى ربه، كما أبان ذلك بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر ونافع وابو جعفر {قبلا} بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بضمها، قال أبو زيد: يقال لقيت فلانا قُبُلا وقبَلا وقَبُلا وقبيلا ومقابلة كله بمعنى المواجهة فعلى هذا المعنى واحد في اختلاف القراءات. وقال ابو عبيدة "قِبَلا" أي معاينة، فعلى هذا من كسر القاف وفتح الباء أراد معناه عيانا، ومن قرأ بالضم فيهما قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: معناه مقابلة. الثاني - قال مجاهد وعبد الله بن زيد: معناه قبيلا قبيلا أي جماعة جماعة فيكون جمع قبيل، وقبيل جمع قبيلة نحو سفين وسفينة ويجمع أيضا سفنا. الثالث - قال الفراء انه جمع قبيل بمعنى كفيل نحو رغيف ورغف لقوله {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} أي يضمنون ذلك. قال ابو على الفارسي: وهذا الوجه ضعيف لانهم اذا لم يؤمنوا مع انزال الملائكة عليهم وكلام الموتى لهم مع ظهوره وبهوره ومشاهدته والضرورة اليه، فألا يؤمنوا بالمقالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر أجدر، اللهم الا ان يقال موضع الآية الباهرة انه جمع القبيل الذى هو الكفيل هو حشر كل شيء، وفي الاشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فاذا نطق بالكفالة من لا ينطق كان ذلك موضع بهر الاية وكان ذلك قويا. فاما اذا حملت قوله {قبلا} على جمع القبيل الذي هو الصنف، فان موضع الايات هو حشر جميع الاشياء جنسا جنسا، وليس في العادة ان يحشر جميع الاشياء الى موضع واحد، فاذا اجتمعت كذلك كان ذلك باهراً واذا حملت {قبلا} بمعنى مواجهة فانه يكون حالا من المفعول به، والمعنى حشرناه معاينة ومواجهة، فيكون في معنى قراءة نافع {قِبَلا} أي معاينة. فأما قوله {العذاب قبلا} فمعناه مواجهة أو جمع قبيل. والمعنى يأتيهم العذاب صنفا صنفا. وقيل فيمن نزلت هذه الاية قولان: احدهما - قال ابن عباس: نزلت في الكفار أهل الشقاء الذين علم الله انهم لا يؤمنون على حال. الثاني - قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين الذين سألوا الآيات. أخبر الله تعالى بهذه الآية عن هؤلاء الكفار الذين سألوا الآيات وعلم من حالهم أنهم لا يؤمنون ولو فعل بهم ما فعل حتى لو أنزل عليهم الملائكة وكلمهم الموتى بأن يحييهم الله حتى يكلموهم، وحشر عليهم كل شيء قبلا، على المعنى الذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه والمعجزة الباهرة فيه لم يؤمنوا لشدة عنادهم وعتوهم في كفرهم. ثم قال {إلا أن يشاء الله} ومعناه احد أمرين: أحدهما - قال الحسن: إِلا أن يشاء الله أن يجبرهم على الايمان بأن يمنعهم من اضداد الايمان كلها فيقع منهم الايمان. الثاني - قال ابو علي الجبائي: الا ان يشاء الله ان يلجئهم بأن يخلق فيهم العلم الضروري بانهم ان راموا خلافه منعوا منه كما ان الانسان ملجأ الى ترك قتل بعض الملوك بمثل هذا العلم. وانما قلنا: ذلك، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على وجه الاختيار، لانه أمرهم به وكلفهم اياه، وذلك لا يتم إِلا بأن يشاء منهم الايمان، ولو أراد الله من الكفار الكفر للزم أن يكونوا مطيعين اذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ما أريد من المكلف. وللزم أيضا أن يصح أن يأمرهم. ولجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر كما أراد هو تعالى وفي الآية دلالة على ان ارادة الله محدثة، لان الاستثناء يدل على ذلك لانها لو كانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، كما لا يجوز ان يقول القائل: لا يدخل زيد الدار الا أن يقدر الله أو الا ان يعلم الله لحصول هذه الصفات فيما لم يزل. وقوله {ولكن أكثرهم يجهلون} انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم لان المعنى يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ما آمنوا طوعا. وفي الآية دلالة على انه لو علم الله انه لو فعل بهم من الآيات ما اقترحوها لامنوا أنه كان يفعل ذلك بهم وأنه يجب في حكمته ذلك، لانه لو لم يجب ذلك لما كان لهذا الاحتجاج معنى. وتعليله بأنه انما لم يظهر هذه الآيات لعلمه بأنه لو فعلها لم يؤمنوا، وذلك يبين ايضا فساد قول من يقول: يجوز ان يكون في معلوم الله ما اذا فعله بالكافر آمن، لانه لو كان ذلك معلوما لفعله ولآمنوا والامر بخلافه.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} ردّ لاقتراحاتهم وردع للرّسول (ص) وللمؤمنين عن ارادة الاتيان بشيءٍ منها فانّهم كما نقل قالوا يا محمّد (ص) كان للانبياء الماضين آيات، فقال: اىّ شيءٍ تحبّون منها ان آتيكم به؟ - فقالوا: اجعل لنا الصّفا ذهباً، وابعث لنا بعض موتانا نسألهم عنك، وأرنا الملائكة يشهدون لك، او ائتنا بالله والملائكة قبيلاً، وسأل المسلمون الرّسول (ص) ان يأتى لهم، فأراد الرّسول (ص) ان يجيبهم فنزل جبرئيل (ع) وقال: ان سألت اجبت ولكن ان لم يؤمنوا عذّبتهم وان شئت تركتهم حتّى يتوب تائبهم، فقال رسول الله (ص) "حديث : بل يتوب تائبهم"تفسير : ، فأنزل الله تعالى ولو انّنا نزّلنا عليهم الملائكة {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} فى رسالتك {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} جمع القبيل بمعنى الكفيل او جمع قبيل هو جمع القبيلة بمعنى الجماعة من النّاس او هو مصدر بمعنى المعاينة والمقابلة والمعنى انّا لو جمعنا عليهم كلّ آية معاينة ومقابلة لهم، او لو جمعنا كلّ شيءٍ من الله والملائكة وغيرهم كفلاء بما بشّروا وانذروا او جماعات وحمل الجمع على كلّ شيءٍ باعتبار عمومه {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} ردّ لسببيّة الاسباب الظّاهرة للايمان واثبات بسببيّة المشيّة له وردع للمشركين والمؤمنين من نظرهم الى الواسطة وغفلتهم عن سببيّة المشيّة واقتراحهم وتمنّيهم للآية، بانّ الوسائط ليست اسباباً، بل هى مظاهر لمشيّته والسّبب لكلّ مسبّب هو المشيّة، فلو شاء الله لاتى كلّ نفس هديها من غير واسطةٍ ولو لم يشأ لم تهتد وان كان لها كلّ واسطة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} اكثر المؤمنين او المشركين او الجميع {يَجْهَلُونَ} انّ المشيّة هى السّبب للايمان لا الآية المقترحة والمتمنّاة، ولذا يقترحون ويتمنّون او الفعل منسىّ المفعول والمعنى اكثرهم جهلاء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} قال الحسن وغيره: هذا حين قالوا ابعث لنا موتانا نسألهم أحق ما تقول أم باطل، لقولهم: (أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) تفسير : [الفرقان:21] ولقولهم: (أية : أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً) تفسير : [الإِسراء:92]؛ يقول: لو فعلنا هذا بهم حتى يروه عياناً {مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أي لا يعلمون: كقوله: (أية : وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) تفسير : [الأنعام:37] يقول: أي جماعتهم. يعني من ثبت منهم على الكفر. قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِْنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} قال مجاهد: تزيين الباطل بالألسنة. وقال الحسن: جعل الله أعداء الأنبياء شياطين الإِنس والجن، وهم المشركون: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً} وهو ما توحي الشياطين إلى بني آدم وتوسوس إليهم مما يغرونهم به. {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي لو شاء الله ما أوحى الشياطين إلى الأنس. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ثم أوحى بقتالهم بعد. قال بعضهم: كل شيء في القرآن: ذر، وذرهم فهو منسوخ نسخه القتال. قال الكلبي: بلغنا أن إبليس بعث جنوده فريقين، فبعث فريقاً إلى الإِنس وفريقاً إلى الجن، فإذا التقوا أعلم هؤلاء هؤلاء، وأعلم هؤلاء هؤلاء ما يقولون؛ فذلك قوله: {زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً}، وكل ذلك عداوة من إبليس وجنوده لأنبياء الله وأتباعهم. ذكروا "حديث : أن أبا ذر قام إلى الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، تعوَّذ بالله من شياطين الإِنس والجن؛ فقال: يا رسول الله أوللإِنس شياطين كشياطين الجن؟ فقال: نعم ". تفسير : ذكر بعضهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: توشك الشياطين أن تجالس الناس في مجالسهم وتفتنهم في الدين. ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه قال: إن شياطين أوثقها سليمان بن داود فألقاها من وراء البحر توشك أن تظهر حتى تقرىء الناس القرآن. ذكروا أن أبا موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن إبليس اتخذ عريشاً على البحر، فإذا أصبح ندب جنوده فقال: أيّكم فتن اليوم مسلماً ألبسه التاج. قال: فيجيء أحدهم فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى سبَّ آخر، فيقول: سوف يصطلحان. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى عقّ والديه. فيقول: سوف يبرّهما. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى زنى. فيقول: أنت. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى سرق. فيقول: أنت. ثم يجيء آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى شرب الخمر. فيقول: أنت ".تفسير : قال بعضهم: فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة. قال بعضهم: بلغنا أن جهنم موضع البحر .
اطفيش
تفسير : {ولَو أنَّنا نزَّلنا إليْهم الملائكة} تشهد بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله كما طلبوا {وكلَّمهم الموتَى} بأن أحيينا لهم من تقادم موته كقصى، ونطق لهم بلسان فصيح، أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله كما طلبوا {وحَشَرنا} جَمعْنا {عَليْهم كلِّ شئٍ} خلقه الله من الدواب والوحش، والطير والحوت، والجبال والشجر والحجارة، وغير ذلك من كل ما خلقه الله ونطق لهم بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك زيادة على ما طلبوا {قُبُلاً} ينطق برسالته مواجهة يرونه بأعينهم ويسمعونه بآذانهم. {ما كانُوا ليُؤمنُوا} بالله وحده، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسوله لقضاء الله بكفرهم {إلاَّ أنْ يَشاء اللهُ} إلا مشيئة الله، أى لكن مشيئة الله هى المعتبرة، فالاستثناء منقطع، أو إلا بأن يشاء الله، أى إلا بمشيئته، فالاستثناء متصل، ومعنى قولهم: إن الآية نزلت فى المستهزئين وغيرهم ممن قال لا نؤمن، إلا أن جاء ببعض أسلافنا والملائكة وشهدوا له بالرسالة أن معناها عائد لذلك، لأنها نزلت مفردة فى زمان لذلك الشأن، لأن الأنعام نزلت بمرة، فالقصة الواحدة تنزل فى شأنها آيات واحدة فى حال وقوعها، أو السؤال عنها، والآخر بعد ذلك، والنازل فى هذه القصة آية الأسرى وغيرها تكرير لها لحكمة، وعلى الاستثناء المنقطع لا يكون الاستثناء لأحد يؤمن والآية فى المشركين الأشقياء، والمعتبر فى شقاوتهم مشيئة الله، وعلى الاتصال يكون الاستثناء لقوم سعداء، شاء الله إيمانهم. وزعمت المعتزلة أن الاستثناء منقطع على طريق يناسب اعتقادهم، هو أن المراد عندهم، إلا أن يشاء الله إيمان الأشقياء إجباراً لا اختباراً كذا قيل عنهم إن الإيمان القهرى لما لم يكن من الاختيارى كان منقطعا، وهذا خطأ فى الإعراب كما أخطأت المعتزلة فى المعنى أيضا، فإن الإيمان ولو أريد منه الاختيارى فى قوله: {ما كانوا ليؤمنوا} لكن لفظ عام فالاستثناء المتصل سائغ ولو على مذهبهم، والحق أن المشيئة مشيئة إيمانهم اختياراً، أى لو شاء الله تعالى لآمنوا اختياراً، ولما لم يؤمنوا علمنا أنه ما شاء إيمانهم، وأما إيمانهن قهراً فلا مدخل له، ولا حضور فى الكلام ثبوتاً ولا نفياً، ومعنى قُبُلاً مقابلة ومواجهة، مفعول مطلق، أى حشر مقابلة ومواجهة، أو حال من كل أى مقابلا، أو ذا مقابلة، وذلك قراءة نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ غيرهما قبلا بضمهما، ومعناه مقابلة عند ابن عباس، وذلك قراءته، فإعرابه كإعراب قراءة نافع كلها، وزاد عليها بأن يكون جمع قبيل بمعنى الكفيل وهو قول الزجاج والفراء قبله، أى كافلين بصدق محمد فى وعده ووعيده ورسالته وإخباره، أو جمع قبيل بمعنى فريق، أى يحشرهم جماعة جماعة، أو صنفا صنفا يشهدون لهُ وهو أيضا فى الوجهين حال. {ولكنَّ أكْثرهُم يجْهَلون} أكثر المشركين يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا يلزم عند مجئ الآيات، ولذلك أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إن جاءت، وقليل منهم يعلمون أنه بمشيئة الله، وقيل: المراد بالأكثر الكل كما قد يراد بالقلة النفى، وقيل: المراد أكثرهم يجهلون عليك عمداً، وهم يعلمون أنك رسول الله، كما حديث : روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلاعب أبا سفيان بعد الفتح بمخصرة فى يده، ويطعن بها أبا سفيان، فإن أحرقته قال: نح عنى مخصرتك، فوالله لو أسلمت إليك هذا الأمر ما اختلف عليك فيه اثنان، فقال لهُ النبى صلى الله عليه وسلم: "أسألك بالذى أسلمت له قتالك إياى عن أى شئ كان؟" فقال أبو سفيان: أتظن أنى كنت أقاتلك تكذيبا لك منى، والله ما شككت فى صدقك قط، وما كنت أقاتلك إلا حسداً منى لك، فالحمد لله الذى نزع ذلك من قلبى، فكان النبى صلى الله عليه وسلم يشتهى ذلك منه ويتبسم . تفسير : وقيل: ولكن أكثر المؤمنين يجهلون أنهم لا يؤمنون فى قضاء الله فيتمنون نزول الآيات طمعاً فى إيمانهم، والقليل منهم علموا أنهم لا يؤمنون فى قضاء الله، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أخبره.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملاَئِكَةَ} كما اقترحوا يشهدون أَنك رسول الله كما قالوا{لولا أَنزل علينا الملائكة} وكما قالوا {أَو تأْتى بالله والملائكة} {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} حقيقتهم الصادقة بمن اقترحوه كقصى وجدعان وآبائهم كما قالوا "فأتوا بآبائنا" أَو كلمهم الموتى زيادة على من اقترحوه، سأَلوا إِحياءَ قصى وجدعان بن عمرو، وكانا كبيرين صدوقين، وفيشهدان بنبوءَتك {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَئٍ} من الأَحياء والأَموات، من البعوضة وما دونها والفيل وما فوقه زيادة على ما اقترحوه مما ذكر ومن جعل الصفا ذهبا وإِفساح الجبال {قُبُلاً} معاينة، وهو مصدر، أى ذوى معاينة أو مقابلين أو نفس المقابلة مبالغة، أَو ظرفاً أَى جهة، وأَفصحوا كلهم بنبوءَتك وبرسالتك {مَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا} لقضاء الله بكفرهم، فالآيات ولو عظمت لا تردهم عن الكفر، وقضاء الله لا يرده شئ، ولا آية أَعظم من قيام الساعة ودخول النار، وقد قال الله عز وجل {ولو ردوا لعادوا} فإِنزال الآيات بوفق ما طلبوه تحكم محض وموجب للتسلسل، ولأَنه لا تنتهى الحجة إِلى مفصل، وذلك سد لباب النبوءَة، ولا منافاة بين كون الأَفعال مخلوقة لله عز وجل وكونها مكسوبة للخلق بقدرتهم واختيارهم. وقدرتهم مؤثرة بإِذن الله تعالى لا استقلالا كما تقول المعتزلة، ولا غير مؤثرة كما قال الأَشعرى أَبو الحسن القائل أَنها مقارنة للفعل الذى هو يمحض قدرة الله عز وجل ولا هى منفية كما قالت المجبرة، وذلك مذهبنا ومذهب الأَشاعرة، ولم يتبعوا إِمامهم فى قوله المذكور عنه، ولعله لا يصح عنه لظهور بطلانه جداً {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ} إِيمانهم فى تأْويل مصدر على تقدير اللام أَى ما كانوا ليؤمنوا لشئ من الأَشياء إِلا لمشيئة الله أَى يقدر فى حال من الأَحوال، إِلا حال مشيئة الله، والاستثناء متصل مفرغ، والمراد فى الآية مجازات الظاهر بقطع النظر عن حقيقة الأَمر الذى هو القضاء، فإِن ما قضاه الله لا يجوز أَن يقع خلافه، ولا يوصف بجواز أَن يشاء وقوعه ويكون إِلا جوازاً يقطع به النظر عما قضى، فبهذا الجواز صح الاستثناء، ويجوز أَن يكون منقطعاً، أَى لكن مشيئة الله هى القاضية، أَو إِلا مشيئة إِيمان من يؤمن غير هؤلاء الأَشقياء، والآية دليل على أَن الله أَراد كفر الكافر وشاءَه، ولا يقع فى ملكه ما لم يشأ، ولم يخرج عن ملكه شئ، ودعوى المعتزلة أَن المعنى إِلا أَن يشاءَ الله إِيمانهم مشيئة قهر لا دليل لها، وزعم الجبائى منهم أَن مشيئة الله حادثة، ولزمه نسبة الجهل إِلى الله تعالى، واحتج بأَنه لو كانت قديمة لزم قدم ما دل الحس على حدوثه. الجواب أن مشيئة قديمة أَزلية وتنجيزها لا، وأَن متعلقها مشيئة حادثة فعل له لا وصف {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أَنهم لا يؤمنون ولو جاءَت، وأَما أَقلهم فقد يعتقد لكنه لا يؤمن ولو جاءَت لاستحكام العناد فيه والإِصرار، والضمير للكفرة، ويجوز أَن يكون للمؤمنين، بمعنى أَكثر المؤمنين يجهلون أَن هؤلاء الكفار لا يؤمنون ولو جاءَتهم فرغبوا فى مجيئها، وقليلهم يعلم أَنهم يؤمنون ولو جاءَت فلم يرغبوا فى مجيئها.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} تصريح بما أشعر به قوله عز وجل: { أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 109] الخ من الحكمة الداعية إلى ترك الإجابة إلى ما اقترحوا وبيان لكذبهم في أيمانهم على أبلغ وجه وآكده أي ولو أنا لم نقتصر على ما اقترحوه هٰهنا بل نزلنا إليهم الملائكة كما سألوه بقولهم: { أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاۤئِكَةَ } تفسير : [الفرقان: 21] وقولهم: { أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلاۤئِكَةَ } تفسير : [الحجر: 7]. {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ } بأن أحييناهم وشهدوا بحقية الإيمان حسبما اقترحوه بقولهم: { أية : فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا } تفسير : [الدخان: 36] {وَحَشَرْنَا} أي جمعنا وسوقنا {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً} أي مقابلة ومعاينة حتى يواجهوهم كما روي عن ابن عباس وقتادة، وهو على هذا مصدر كما قاله غير واحد وإلى ذلك ذهب ابن زيد، وعنه: يقال لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً وقبلاً وقبيلاً كله بمعنى واحد وهو المواجهة. ونقل الراغب أنه «جمع قابل بمعنى مقابل لحواسهم»، وقيل: هو جمع قبيل بمعنى كفيل كرغيف ورغف وقضيب وقضب فهو من قولك: قبلت الرجل وتقبلت به إذا تكفلت به، ومنه القبالة لكتاب العهد والصك وروي ذلك عن الفراء. وعن مجاهد تفسيره بالجماعة على أنه جمع قبيلة كما قال الراغب. ونقل تفسيره بالكفيل وبالجماعة وكذا بالمعاينة والمقابلة في قوله تعالى: { أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةَ قَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 92] أي لو أحضرنا لديهم كل شيء تتأتى منه الكفالة والشهادة بحقية الايمان لا فرادى بل بطريق المعية أو لو حشرنا عليهم كل شيء جماعات في موقف واحد. {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي ما صح ولا استقام لهم الإيمان، وانتصاب {قُبُلاً} على هذه الأقوال على أنه حال من {كُلَّ} وساغ ذلك على القول بجمعيته لأن كلاً يجوز مراعاة معناه ومراعاة لفظه كما نص عليه النحاة واستشهدوا له بقول عنترة: شعر : جادت عليه كل عين ثرة فتركن كل حديقة كالدرهم تفسير : إذ قال تركن دون تركت فلا حاجة إلى ما قيل: إن ذلك باعتبار لازمه وهو الكل المجموعي وقرأ نافع وابن عامر {قبلا} بكسر القاف وفتح الباء وهو مصدر بمعنى مقابلة ومشاهدة، ونصبه على الحال كما قال الفراء والزجاج وكثير وعن المبرد أنه بمعنى جهة وناحية فانتصابه على الظرفية كقولهم: لي قبل فلان كذا. وقرىء {قُبْلاً} بضم فسكون. و {مَا كَانُواْ} الخ جواب لو وهو إذا كان منفياً لا تدخله اللام خلافاً لمن وهم فقدرها. وعلل هذا الحكم بسوء استعدادهم الثابت أزلاً في علم الله تعالى المتعلق بالأشياء حسبما هي عليه في نفس الأمر وعلله البعض بسبق القضاء عليهم بالكفر. واعترض عليه بعض الأفاضل بأن فيه تعليل الحوادث بالتقدير الأزلي ولايخفى فساده، وعلله ببطلان استعدادهم وتبدل فطرتهم القابلة بسوء اختيارهم، وتبعه في ذلك شيخ الإسلام وعلله بتماديهم في العصيان وغلوهم وتمردهم في الطغيان معترضاً على ما ذكر بأنه من الأحكام المترتبة على التمادي المذكور حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [الأنعام: 110] وتعقب ذلك الشهاب / قائلاً: إنه ليس بشيء لأن ما ذكر على مذهب الأشعري القائل بأنه لا تأثير لاختيار العبد وإن قارن الفعل عنده، ولا يلزم الجبر كما يتوهم على ما حققه أهل الأصول. ولا خفاء في كون القضاء الأزلي سبباً لوقوع الحوادث ولا فساد فيه، وأما سوء اختيار العبد فسبب للقضاء الأزلي، وتحقيقه كما قيل أن سوء الاختيار وإن كان كافياً في عدم وقوع الإيمان لكنه لا قطع فيه لجواز أن يحسن الإختيار بصرفه إلى الإيمان بدل صرفه إلى الكفر فكان سوء اختياره فيما لا يزال سبباً للقضاء بكفره في الأزل فبعد القضاء يكون الواقع منه الكفر حتماً كما قال سبحانه { أية : وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } تفسير : [السجدة: 13] انتهى. وأنا أقول وإن أنكر على أرباب الفضول: إن المعلل بسوء الاستعداد هو السالك مسلك السداد، وتحقيق ذلك أنه قد حقق كثير من الراسخين وأهل الكشف الكاملين أن ماهيات الممكنات المعلومة لله تعالى أزلاً معدومات متميزة في نفسها تمييزاً ذاتياً غير مجعول لما حقق من توقف العلم بها على ذلك التميز وإنما المجعول صورها الوجودية الحادثة وأن لها استعدادات ذاتية غير مجعولة تختلف اقتضاءاتها، فمنها ما يقتضي اختيار الإيمان والطاعة ومنها ما يقتضي اختيار الكفر والمعصية والعلم الإلٰهي متعلق بها كاشف لها على ما هي عليه في أنفسها من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو واختلاف مقتضيات تلك الاستعدادات فإذا تعلق العلم الإلٰهي بها على ما هي عليه مما يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين الممكنين أعني الإيمان والطاعة أو الكفر والمعصية تعلقت الإرادة الإلٰهية بهذا الذي اختاره العبد حال عدمه بمقتضى استعداده تفضلاً ورحمة لا وجوباً لغناه الذاتي عن العالمين المصحح لصرف اختيار العبد إلى الطرف الآخر الممكن بالذات إن شاء فيصير مراد العباد بعد تعلق الإرادة الإلٰهية مراد الله تعالى، ومن هذا يظهر أن اختيارهم الأزلي بمقتضى استعدادهم متبوع للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحكمة تفضلاً وإن اختيارهم فيما لا يزال تابع للإرادة الأزلية المتعلقة باختيارهم لما اختاروه فهم مجبورون فيما لا يزال في عين اختيارهم أي مساقون إلى أن يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر. ومنه يتضح معنى قول أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه: إن الله تعالى لم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ولم يملك تفويضاً ولم يكونوا مجبورين في اختيارهم الأزلي لأنه سابق الرتبة على العلم السابق على تعلق الإرادة والجبر تابع للإرادة التابع للعلم التابع للمعلوم الذي هو هنا اختيارهم الأزلي فيمتنع أن يكون تابعاً لما هو متأخر عنه بمراتب فمن وجد خيراً فليحمد الله تعالى لأنه سبحانه متفضل بإيجاد ما اختاروه لا يجب عليه مراعاة الحكمة ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه لأن إرادته جل شأنه لم تتعلق بما صدر منهم من الأفعال إلا لكونهم اختاروها أزلاً بمقتضى استعدادهم فاختارها تعالى مراعاة للحكمة تفضلاً، والعباد كاسبون بالله تعالى إذ لا كسب إلا بقوة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والله تعالى خالق أعمالهم بهم لأنه سبحانه أخبر بأنه خالق أعمالهم مع نسبة العمل إليهم المتبادر منها صدورها منهم باختيارهم وذلك يقتضي أن المخلوق لله تعالى بالعبد عين مكسوب العبد بالله تعالى، ولا منافاة بين كون الأعمال مخلوقة لله تعالى وبين كونها مكسوبة لهم بقدرتهم واختيارهم، وما شاع عن الأشعري من أنه لا تأثير لقدرة العبد أصلاً وإنما هي مقارنة للفعل وهو بمحض قدرة الله تعالى فمما لا يكاد يقبل عند المحققين المحقين، وقدرة العبد عندهم مؤثرة بإذن الله تعالى لا استقلالاً كما يزعمه المعتزلة ولا غير مؤثرة كما نسب إلى الأشعري ولا هي منفية بالكلية كما يقوله الجبرية، وهذا بحث مفروغ منه وقد أشرنا إليه في أوائل التفسير، وليس / غرضنا هنا سوى تحقيق أن عدم إيمان الكفار إنما هو لسوء استعدادهم الأزلي الغير المجعول المتبوع للعلم المتبوع للإرادة ليعلم منه ما في كلام الشهاب وغيره وقد حصل ذلك بتوفيقه تعالى عند من تأمل وأنصف. {إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } استثناء من أعم الأحوال فإن لوحظ أن جميع أحوالهم شاملة لحال تعلق المشيئة بهم فهو متصل وإن لم يلاحظ لأن حال المشيئة ليس من أحوالهم كان منقطعاً أي لكن إن شاء الله تعالى آمنوا واستبعده أبو حيان، وقيل: هو استثناء من أعم الأزمان وهو خلاف الظاهر، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماع ما ذكر من الأمور الموجبة للإيمان في حال من الأحوال إلا في حال مشيئته تعالى إيمانهم، والمراد بيان استحالة وقوع إيمانهم بناء على استحالة وقوع المشيئة كما يدل عليه السباق واللحاق. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } استدراك من مضمون الشرطية بعد ورود الاستثناء، وضمير الجمع للمسلمين أو للمقسمين، والمعنى أن حالهم كما شرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمانهم فيتمنون مجيئها طمعاً فيما لا يكون أو ولكن المشركين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى لإيمانهم حينئذ فيقسمون بالله تعالى جهد أيمانهم على ما لا يكاد يوجد أصلاً. فالجملة على الأول: ـ كما قال بعض المحققين ـ مقررة لمضمون قوله تعالى { أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 109] الخ على القراءة المشهورة، وعلى الثاني: بيان لمنشأ خطأ المقسمين ومناط أقسامهم على تلك القراءة أيضاً وتقرير له على قراءة { أية : لاَ تُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 109] بالفوقانية، وكذا على قراءة {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. واستدل أهل السنة بالآية على أن الله تعالى يشاء من الكافر كفره وقرر ذلك بأنه سبحانه لما ذكر أنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله تعالى إيمانهم دل على أنه جل شأنه ما شاء إيمانهم بل كفرهم. وأجاب عنه المعتزلة بأن المراد لا أن يشاء مشيئة قسر وإكراه، وعدم إيمانهم يستلزم عدم المشيئة القسرية وهي لا تستلزم عدم المشيئة مطلقاً. واستدل بها الجبائي على حدوث مشيئته تعالى وإلا يلزم قدم ما دل الحس على حدوثه. وأهل السنة تفصوا عن ذلك بدعوى أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة فتأمل جميع ذلك.
سيد قطب
تفسير : الآية الأولى تكملة لفقرة سابقة في السياق - في نهاية الجزء السابع - ومتعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخوارق التي يريدون أن يأتي لهم بها فيصدقوه وما كان من حلفهم بالله حلفا مكررا مؤكدا أن لو جاءتهم هذه الآيات التي يطلبون إنهم ليؤمنون! مما جعل بعض المسلمين أنفسهم يشتهون أن لو يجيبهم الله إلى ما يطلبون! ويقترحون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل ربه هذه الآيات التي يقترحها المقترحون! والفقرة كلها جاءت هكذا: {وأقسموا بالله جهد أَيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها. قل: إنما الآيات عند الله. وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون.. ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون}.. ولقد سبق الحديث عن هذه الآيات في نهاية الجزء السابع. فالآن نتحدث عن الحقائق العامة التي تتناولها هذه النصوص؛ والتي لم نتعرض لها هناك في تفسيرها: والحقيقة الأولى: هي أن الإيمان أو الكفر. والهدى أو الضلال... لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق. فالحق هو برهان ذاته. وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله ويطمئن إليه ويرضخ له.. ولكنها المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق، وهذه المعوقات يقول الله - سبحانه - للمؤمنين بشأنها: {وما يشعركم أنها إذا جاءت (أي الآيات والخوارق) لا يؤمنون؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون}.. فما وقع لهم في أول مرة ومنعهم من الهدى، يمكن أن يتكرر وقوعه كذلك - بعد نزول الآية - فيمنعهم من الهدى كرة أخرى.. إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته؛ وفي الحق كذلك بذاته؛ وليست متعلقة بعوامل خارجية.. فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته.. والحقيقة الثانية: هي أن مشيئة الله هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال. فقد اقتضت هذه المشيئة أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء؛ وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان. فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله. ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته، فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات.. وإرادة الله وقدره محيطان بالبشر في كل حالة، ومرد الأمر كله إليه في النهاية. وهذه الحقيقة يشير إليها السياق في قوله تعالى: {أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون }. تفسير : وفي قوله: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً، ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون}.. كما يشير إليها في آية سابقة على هذه الفقرة في سياق السورة قوله تعالى: {أية : اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين. ولو شاء الله ما أشركوا. وما جعلناك عليهم حفيظاً، وما أنت عليهم بوكيل }.. تفسير : كما تتكرر الإشارة إليها في الآية التالية لهذه الفقرة. {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - ولو شاء ربك ما فعلوه - فذرهم وما يفترون... }.. فالأمر كله مرهون بمشيئة الله، هو الذي شاء ألا يهديهم لأنهم لم يأخذوا بأسلوب الهدى؛ وهو الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء؛ وهو الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى؛ وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال.. بلا تعارض - في التصور الإسلامي - بين طلاقة المشيئة الإلهية وهذا المجال الذي ترك للبشر لابتلائهم فيه بهذا القدر من الاختيار. والحقيقة الثالثة: هي أن الطائعين والعصاة في قبضة الله سواء، وتحت قهره وسلطانه سواء. فهم لا يملكون جميعاً أن يحدثوا شيئاً إلا بقدر الله وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد.. ولكن المؤمنين يطابقون - في القدر المتروك لهم للاختيار - بين الخضوع القهري المفروض عليهم لسلطان الله في ذوات أنفسهم وفي حركة خلاياهم وفي طبائع تكوينهم العضوي النفسي؛ وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار. وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها، لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموسا واحدا وسلطانا واحدا وحكومة واحدة! فأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا منه في تكوينهم الجسمي وحاجاتهم الفطرية، بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله الممثل في منهجه وشرعه. أشقياء بهذا الفصام في شخصيتهم! وهم بعد هذا كله في قبضة الله لا يعجزونه في شيء، ولا يحدثون شيئاً إلا بقدره! وهذه الحقيقة الثالثة ذات أهمية خاصة في القضايا التي يعرضها الشطر الباقي في السورة. فهي تتكرر في مواضع متعددة في صور متنوعة، ذلك أن هذا الشطر كله - كما بينا من قبل - يواجه قضية الألوهية وسلطانها في حياة البشر وشريعتهم التي يعيشون بها.. ومن ثم يتكئ السياق على تقرير أن السلطان كله لله. حتى في كيان العصاة الناشزين عن منهج الله وشرعه، وأنهم لا يؤذون أولياء الله إلا بما شاء الله. فهم أعجز من أن يكون لهم في ذواتهم سلطان، فكيف يكون لهم على المؤمنين سلطان! إنما هي مشيئة الله يكون بها ما يشاء في الطائعين والعصاة سواء. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون}. (يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، القائلين لك: {أية : لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك} تفسير : فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك، ودلالة على نبوتك، وأخبروهم أنك محق فيما تقول، وأن ما جئتهم به حق من عند الله؛ وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهم لك قبلا. ما آمنوا ولا صدقوك ولا اتبعوك - إلا أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم - {ولكن أكثرهم يجهلون}.. يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك. يحسبون أن الإيمان إليهم، والكفر بأيديهم، متى شاءوا آمنوا، ومتى شاءوا كفروا. وليس ذلك كذلك، ذلك بيدي. لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته). وهذا الأصل الذي يقرره ابن جرير هنا هو الصحيح. ولكنه يحتاج إلى زيادة الإيضاح - التي أسلفناها - باستلهام مجموعة النصوص القرآنية عن الهدى والضلالة ومشيئة الله وجهد الإنسان.. إن الإيمان حدثٌ والضلال حدث. وما يقع في هذا الوجود حدث إلا بقدر من الله ينشئه: {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر} تفسير : فأما السنة التي يجري على أساسها ذلك القدر بوقوع إيمان فلان وضلال فلان، فهي التي تبينها مجموعة النصوص. وهي أن الإنسان مبتلى بقدر من الاختيار في الاتجاه. فإذا اتجه إلى الهدى وجاهد فيه هداه الله ووقع هداه وتحقق بقدر من الله. وإذا اتجه إلى الضلال وكره الهدى أضله الله. ووقع ضلاله وتحقق بقدر من الله.. وهو على الحالين في قبضة الله وسلطانه. وحياته تجري بقدر الله وفق مشيئته الطليقة، وسنته التي وضعتها مشيئته الطليقة. بعد ذلك تجيء آيتان في سياق السورة؛ هما من ناحية تكملة للمعاني والحقائق التي تستهدفها الفقرة السابقة التي انتهينا من الحديث عنها. ومن ناحية هما تمهيد للقضايا العقيدية المتعلقة بالسلطان والشريعة والحاكمية. وهي القضايا التي تستغرق ما تبقى من السورة.. الآيتان: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - ولو شاء ربك ما فعلوه - فذرهم وما يفترون. ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوه، وليقترفوا ما هم مقترفون}. .. كذلك.. كالذي قدرناه من أن أولئك المشركين الذين يعلقون إيمانهم بمجيء الخوارق، ويعرضون عن دلائل الهدى وموحياته في الكون والنفس، لا يقع منهم الإيمان ولو جاءتهم كل آية.. كذلك الذي قدرناه في شأن هؤلاء، قدرنا أن يكون لكل نبي عدوهم شياطين الإنس والجن. وقدرنا أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليخدعوهم به ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهدى. وقدرنا أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق؛ ومن الضلال والفساد في الأرض.. كل ذلك إنما جرى بقدر الله؛ وفق مشيئته. ولو شاء ربك ما فعلوه. ولمضت مشيئته بغير هذا كله؛ ولجرى قدره بغير هذا الذي كان. فليس شيء من هذا كله بالمصادفة. وليس شيء من هذا كله بسلطان من البشر كذلك أو قدرة! فإذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم، وبين شياطين الإنس والجن وباطلهم وزخرفهم وغرورهم.. إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذن إلى تدبر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض، بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه.. {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا، شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً}.. بإرادتنا وتقديرنا، جعلنا لكل نبي عدوا.. هذا العدو هو شياطين الإنس والجن.. والشيطنة وهي التمرد والغواية والتمحض للشر صفة تلحق الإنس كما تلحق الجن. وكما أن الذي يتمرد من الجن ويتمحض للشر والغواية يسمى شيطاناً؛ فكذلك الذي يتمرد من الإنس ويتمحض للشر والغواية.. وقد يوصف بهذه الصفة الحيوان أيضا إذا شرس وتمرد واستشرى أذاه! وقد ورد: "الكلب الأسود شيطان". هؤلاء الشياطين - من الإنس والجن - الذين قدر الله أن يكونوا عدوا لكل نبي، يخدع بعضهم بعضا بالقول المزخرف، الذي يوحيه بعضهم إلى بعض - ومن معاني الوحي التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر - ويغر بعضهم بعضا، ويحرض بعضهم بعضاً على التمرد والغواية والشر والمعصية.. وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به، معروفة يملك أن يراها الناس في كل زمان. فأما شياطين الجن - والجن كله - فهم غيب من غيب الله، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به مَن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.. ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء.. نقول من ناحية المبدأ نحن نؤمن بقول الله عنها، ونصدق بخبره في الحدود التي قررها. فأما أولئك الذين يتترسون "بالعلم" لينكروا ما يقرره الله في هذا الشأن، فلا ندري علام يرتكنون؟ إن علمهم البشري لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء، في هذا الكوكب الأرضي! كما أن علمهم هذا لا "يعلم" ماذا في الأجرام الأخرى! وكل ما يمكن أن "يفترضه" أن نوع الحياة الموجود في الأرض يمكن أولا يمكن أن يوجد في بعض الكواكب والنجوم.. وهذا لا يمكن أن ينفي - حتى لو تأكدت الفروض - أن أنواعاً أخرى من الحياة وأجناساً أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون لا يعلم هذا "العلم" عنها شيئاً! فمن التحكم والتبجح أن ينفي أحد باسم "العلم" وجود هذه العوالم الحية الأخرى. وأما من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن؛ والذي يتشيطن بعضه ويتمحض للشر والغواية - كإبليس وذريته - كما يتشيطن بعض الإنس.. من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن، نحن لا نعلم عنه إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله - سبحانه - وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار. وأنه مزود بالقدرة على الحياة في الأرض وفي باطن الأرض وفي خارج الأرض أيضاً. وأنه يملك الحركة في هذه المجالات بأسرع مما يملك البشر. وأن منه الصالحين المؤمنين، ومنه الشياطين المتمردين. وأنه يرى بني آدم وبنو آدم لا يرونه - في هيئته الأصلية - وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان! وأن الشياطين منه مسلطون على بني الإنسان يغوونهم ويضلونهم، وهم قادرون على الوسوسة لهم والإيحاء بطريقة لا نعلمها. وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين. وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى، وإذا غفل برز فوسوس له! وأن المؤمن أقوى بالذكر من كيد الشيطان الضعيف. وأن عالم الجن يحشر مع عالم الإنس؛ ويحاسب؛ ويجازى بالجنة وبالنار كالجنس الإنساني. وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقاً ضعيفاً لا حول له ولا قوة! وفي هذه الآية نعرف أن الله سبحانه قد جعل لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن.. ولقد كان الله - سبحانه - قادراً - لو شاء - ألا يفعلوا شيئاً من هذا.. ألا يتمردوا؛ وألا يتمحضوا للشر؛ وألا يعادوا الأنبياء؛ وألا يؤذوا المؤمنين؛ وألا يضلوا الناس عن سبيل الله.. كان الله سبحانه قادرا أن يقهرهم قهراً على الهدى؛ أو أن يهديهم لو توجهوا للهدى؛ أو أن يعجزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به.. ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار. وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله - بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره - وقدر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه؛ كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إياه. فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدره الله: {أية : ولو شاء الله ما فعلوه }. تفسير : فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟ * يخلص لنا ابتداء: أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي؛ ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء.. هم "شياطين"!. شياطين من الإنس ومن الجن.. وأنهم يؤدون جميعاً - شياطين الإنس والجن - وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضاً ويضله كذلك مع قيامهم جميعاً بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء الله.. * ويخلص لنا ثانياً: أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم. إنما هم في قبضة الله. وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده. من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء. فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كف الله عنهم الابتلاء. وكف عنهم هؤلاء الأعداء. وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر الله. وآب أعداء الله بالضعف والخذلان؛ وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم: {أية : ولو شاء الله ما فعلوه }.. تفسير : * ويخلص لنا ثالثا: أن حكمة الله الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا - فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة - وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان - فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة لله، على السراء وعلى الضراء سواء. وفي المنشط والمكره سواء؟ وإلا فقد كان الله قادراً على ألا يكون شيء من هذا الذي كان! * ويخلص لنا رابعا: هوان الشياطين من الإنس والجن، وهوان كيدهم وأذاهم. فما يستطيلون بقوة ذاتية لهم؛ وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم.. والمؤمن الذي يعلم أن ربه هو الذي يقدر، وهو الذي يأذن، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين؛ مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانهم المدَّعى. ومن هنا هذا التوجيه العلوي لرسول الله الكريم: {فذرهم وما يفترون}.. دعهم وافتراءهم. فأنا من ورائهم قادر على أخذهم، مدخر لهم جزاءهم.. * وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين، وابتلاء المؤمنين.. لقد قدر الله أن يكون هذا العداء، وأن يكون هذا الإيحاء، وأن يكون هذا الغرور بالقول والخداع.. لحكمة أخرى: {ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوه، وليقترفوا ما هم مقترفون} أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة.. فهؤلاء يحصرون همهم كله في الدنيا. وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون بالمرصاد لكل نبي. وينالون بالأذى أتباع كل نبي، ويزين بعضهم لبعض القول والفعل. فيخضعون للشياطين، معجبين بزخرفهم الباطل، معجبين بسلطانهم الخادع. ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشر والمعصية والفساد. في ظل ذلك الإيحاء، وبسبب هذا الإصغاء.. وهذا أمر أراده الله كذلك جرى به قدره. لما وراءه من التمحيص والتجربة. ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته ليعمل لما هو ميسر له؛ ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس. ثم لتصلح الحياة بالدفع؛ ويتميز الحق بالمفاصلة؛ ويتمحض الخير بالصبر؛ ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة.. وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله.. أمر أعدائه وأمر أوليائه على السواء.. إنها مشيئة الله، والله يفعل ما يشاء. والمشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة بين شياطين الإنس والجن من ناحية، وكل نبي وأتباعه من ناحية أخرى؛ ومشيئة الله المهيمنة وقدره النافذ من ناحية ثالثة.. هذا المشهد بكل جوانبه جدير بأن نقف أمامه وقفة قصيرة: إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون.. شياطين الإنس والجن.. تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقررة.. هي عداء الحق الممثل في رسالات الأنبياء وحربه.. خطة مقررة فيها وسائلها.. {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً}.. يمد بعضهم بعضاً بوسائل الخداع والغواية؛ وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضا! وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق وأهله.. إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم؛ ويعين بعضهم بعضاً على الضلال أيضاً! إنهم لا يهدون بعضهم البعض إلى الحق أبداً. ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلاً! ولكن هذا الكيد كله ليس طلقياً.. إنه محاط به بمشيئة الله وقدره.. لا يقدر الشياطين على شيء منه إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره. ومن هنا يبدو هذا الكيد - على ضخامته وتجمع قوى الشر العالمية كلها عليه - مقيداً مغلولاً! إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط. ولا يصيب من يشاء بلا معقب ولا مراجع - كما يحب الطغاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر، ليعلقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم.. كلا! إن إرادتهم مقيدة بمشيئة الله. وقدرتهم محدودة بقَدر الله. وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله - في حدود الابتلاء - ومرد الأمر كله إلى الله. ومشهد التجمع على خطة مقررة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها.. ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطة الشياطين وتدبيرهم جدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين، وأن يعلق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ، وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود، وأن يطلق وجدانهم من التعلق بما يريده أو لا يريده الشياطين! وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق، بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم. أما عداوة الشياطين، وكيد الشياطين، فليدعوهما للمشيئة المحيطة والقدر النافذ. {ولو شاء ربك ما فعلوه. فذرهم وما يفترون}..
ابن عاشور
تفسير : جملة {وَلَوْ أَنَّنَا} معطوفة على جملة { أية : وما يُشعركم } تفسير : [الأنعام: 109] باعتبار كون جملة { أية : وما يُشعركم} تفسير : [الأنعام: 109] عطفاً على جملة {أية : قل إنّما الآيات عند الله } تفسير : [الأنعام: 109]، فتكون ثلاثتها ردّا على مضمون جملة { أية : وأقسموا بالله جَهْد أيمانهم لئن جاءتهم آية } تفسير : [الأنعام: 109] إلخ، وبيانا لجملة { أية : وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون } تفسير : [الأنعام: 109]. روى عن ابن عبّاس: أنّ المستهزئين، الوليدَ بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسودَ بن عَبْدِ يغوثَ، والأسودَ بنَ المطّلب، والحارثَ بن حنظلة، من أهل مكّة. « حديث : أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رَهْط من أهل مكّة فقالوا: "أرِنا الملائكةَ يشهدون لك أوْ ابعث لنا بعض موتانا فنسألهم: أحقّ ما تقول" » تفسير : ، وقيل: إن المشركين قالوا: «لا نؤمن لك حتَّى يُحشر قُصَيٌ فيُخبِرَنا بصِدْقك أو ائتِنا بالله والملائكة قبيلاً ــــ أي كفيلاً ــــ» فنزل قوله تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} للردّ عليهم. وحكى الله عنهم {أية : وقالوا لن نؤمن لك} تفسير : في سورة الإسراء (90) إلى قوله {أية : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} تفسير : في سورة الإسراء: (92). وذَكر ثلاثة أشياء من خوارق العادات مسايرة لمقترحاتهم، لأنَّهم اقترحوا ذلك. وقوله: {وحَشَرنا عليهم كلّ شيء} يشير إلى مجموع ما سألوه وغيرِه. والحَشر: الجمع، ومنه: { أية : وحُشر لسليمان جنوده } تفسير : [النمل: 17]. وضمّن معنى البعث والإرسَالِ فعُدّي بعلَى كما قال تعالى: { أية : بعثنا عليكم عباداً لنا } تفسير : [الإسراء: 5]. و{كل شيء} يعمّ الموجودات كلّها. لكن المقام يخصّصه بكلّ شيء ممّا سألوه، أو من جنس خوارق العادات والآيات، فهذا من العام المراد به الخصوص مثل قوله تعالى، في ريح عاد { أية : تدمر كل شيء بأمر ربها } تفسير : [الأحقاف: 25] والقرينة هي ما ذكر قبله من قوله: {ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى}. وقوله: {قِبَلاً} قرأه نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ــــ بكسر القاف وفتح الباء ــــ، وهو بمعنى المقابلة والمواجهة، أي حشرنا كلّ شيء من ذلك عياناً. وقرأه الباقون ــــ بضمّ القاف والباء ــــ وهو لغة في قِبَل بمعنى المواجهة والمعاينة؛ وتأوّلها بعض المفسّرين بتأويلات أخرى بعيدة عن الاستعمال، وغير مناسبة للمعنى. و{ما كانوا ليؤمنوا} هو أشدّ من (لا يؤمنون) تقوية لنفي إيمانهم، مع ذلك كلّه، لأنَّهم معاندون مكابرون غير طالبين للحقّ، لأنَّهم لو طَلَبوا الحقّ بإنصاف لكفتْهم معجزة القرآن، إنْ لَمْ يكفهم وضوح الحقّ فيما يدْعُو إليه الرّسول عليه الصلاة والسلام. فالمعنى: الإخبار عن انتفاء إيمانهم في أجدر الأحوال بأن يؤمن لها من يؤمن، فكيف إذا لم يكن ذلك. والمقصود انتفاء إيمانهم أبداً. {ولو} هذه هي المسماة {لَوْ} الصهيبية، وسنشرح القول فيها عند قوله تعالى: {أية : ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} تفسير : في سورة الأنفال (23). وقوله: {إلا أن يشاء الله} استثناء من عموم الأحوال التي تضمّنها عموم نفي إيمانهم، فالتّقدير: إلاّ بمشيئة الله، أي حال أن يشاء الله تغيير قلوبهم فيؤمنوا طوعاً، أو أن يكرههم على الإيمان بأن يسلّط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم كما أراد الله ذلك بفتح مكّة وما بعده. ففي قوله: {إلا أن يشاء الله} تعريض بوعد المسلمين بذلك، وحذفت الباء مع «أنْ». ووقع إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار: لأنّ اسم الجلالة يوميء إلى مقام الإطلاق وهو مقامُ { أية : لا يُسأل عمّا يفعل } تفسير : [الأنبياء: 23]، ويومىء إلى أنّ ذلك جرى على حسب الحكمة لأنّ اسم الجلالة يتضمّن جميع صفات الكمال. والاستدراك بقوله: {ولكن أكثرهم يجهلون} راجع إلى قوله: {إلا أن يشاء الله} المقتضي أنّهم يؤمنون إذا شاء الله إيمانهم: ذلك أنَّهم ما سألوا الآيات إلاّ لتوجيه بقائهم على دينهم، فإنَّهم كانوا مصمّمين على نبذ دعوة الإيمان، وإنَّما يتعلَّلون بالعلل بطلب الآيات استهزاء، فكان إيمانهم ــــ في نظرهم ــــ من قبيل المحال، فبيّن الله لهم أنَّه إذا شاء إيمانَهم آمنوا، فالجهل على هذا المعنى: هو ضدّ العلم. وفي هذا زيادة تنبيه إلى ما أشار إليه قوله: {إلا أن يشاء الله} من أنّ ذلك سيكون، وقد حصل إيمان كثير منهم بعد هذه الآية. وإسناد الجهل إلى أكثرهم يدلّ على أنّ منهم عقلاء يحسبون ذلك. ويجوز أن يكون الاستدراك راجعاً إلى ما تضمّنه الشّرط وجوابُه: من انتفاء إيمانهم مع إظهار الآيات لهم، أي لا يؤمنون، ويزيدهم ذلك جهلاً على جهلهم، فيكون المراد بالجهل ضدّ الحلم، لأنَّهم مستهزئون، وإسناد الجهل إلى أكثرهم لإخراج قليل منهم وهم أهل الرأي والحلم فإنَّهم يرجى إيمانهم، لو ظهرت لهم الآيات، وبهذا التّفسير يظهر موقع الاستدراك. فضمير {يجهلون} عائد إلى المشركين لا محالة كبقية الضّمائر التي قبله.
الواحدي
تفسير : {ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة} فرأوهم عياناً {وكلمهم الموتى} فشهدوا لك بالصِّدق والنُّبوَّة {وحشرنا عليهم} وجمعنا عليهم {كلَّ شيء} في الدُّنيا {قُبلاً} و {قِبَلاً} أَيْ: مُعاينةً ومُواجهةً {ما كانوا ليؤمنوا} لما سبق لهم من الشَّقاء {إلاَّ أنْ يشاء الله} أن يهديهم {ولكنَّ أكثرهم يجهلون} أنَّهم لو أُوتوا بكلِّ آيةٍ ما آمنوا. {وكذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوّاً} كما ابتليناك بهؤلاء القوم كذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ قبلك أعداءً؛ ليعظم ثوابه، والعدوُّ ها هنا يُراد به الجمع، ثمَّ بيَّن مَنْ هم فقال: {شياطين الإِنس} يعني: مردة الإِنس، والشَّيطان: كلُّ متمرِّدٍ عاتٍ من الجنَّ والإِنس {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} يعني: إنَّ شياطين الجنِّ الذين هم من جند إبليس يوحون إلى كفار الإِنس ومردتهم، فيغرونهم بالمؤمنين، وزخرف القول: باطله الذي زُيِّن ووُشِّي بالكذب، والمعنى أنَّهم يُزيِّنون لهم الأعمال القبيحة غروراً {ولو شاء ربك ما فعلوه} لَمَنع الشَّياطين من الوسوسة للإِنس. {ولتصغى إليه} ولتميل إلى ذلك الزُّخرف والغرور {أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} قلوب الذين لا يصدِّقون بالبعث {وليرضوه} ليحبُّوه {وليقترفوا} ليعملوا ما هم عاملون. {أفغير الله} أَيْ: قل لأهل مكَّة: أفغير الله {أبتغي حكماً} قاضياً بيني وبينكم {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} القرآن {مفصلاً} مُبَيِّناً فيه أمره ونهيه {والذين آتيناهم الكتاب} من اليهود والنَّصارى {يعلمون} أنَّ القرآن {منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} من الشَّاكين أنَّهم يعلمون ذلك. {وتمت كلمات ربك} أقضيته وعِداته لأوليائه في أعدائه {صدقاً} فيما وعد {وعدلاً} فيما حكم. والمعنى: صادقةً عادلةً {لا مبدِّل لكلماته} لا مُغيِّر لحكمه، ولا خلف لوعده {وهو السميع} لتضرُّع أوليائه، ولقول أعدائه {العليم} بما في قلوب الفريقين. {وإن تطع أكثر من في الأرض} يعني: المشركين {يضلوك عن سبيل الله} دين الله الذي رضيه لك، وذلك أنَّهم جادلوه، في أكل الميتة، وقالوا: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربُّكم؟ {إن يتبعون إلاَّ الظن} في تحليل الميتة {وإن هم إلاَّ يخرصون} يكذبون في تحليل ما حرَّمه الله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الملائكة: أجسام نورانية يعمرون السماوات عباد مكرمون لا يعصون الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة. الموتى: جمع ميت: من فارقته الحياة أي خرجت منه روحه. حشرنا: جمعنا. قبلا: معاينة. يجهلون: عظمة الله وقدرته وتدبيره وحكمته. شياطين: جمع شيطان: وهو من خبث وتمرد من الجن والإِنس. يوحي بعضهم: يعلم بطريق سريع خفي بعضهم بعضاً. زخرف القول: الكذب المحسن والمزين. غروراً: للتغرير بالإِنسان. يفترون: يكذبون. ولتصغى إليه: تميل إليه. وليقترفوا: وليرتكبوا الذنوب والمعاصي. معنى الآيات: ما زال السياق في أولئك العادلين بربهم المطالبين بالآيات الكونية ليؤمنوا إذا شاهدوها فأخبر تعالى في هذه الآيات أنه لو نزل إليهم الملائكة من السماء، وأحيى لهم الموتى فكلموهم وقالوا لهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحشر عليهم كل شيء أمامهم يعاينونه معاينة أو تأتيهم المخلوقات قبيلاً بعد قبيل وهم يشاهدونهم ويقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ما كانوا ليؤمنوا بك ويصدقوك ويؤمنوا بما جئت به إلا أن يشاء الله ذلك منهم. ولكن أكثر أولئك العادلين بربهم الأصنام والأوثان يجهلون أن الهداية بيد الله تعالى وليست بأيديهم كما يزعمون وأنهم لو رأوا الآيات آمنوا. هذا ما دلت عليه الآية [111] أما الآية الثانية [112] فإن الله تعالى يقول وكما كان لك يا رسولنا من هؤلاء العادلين أعداء يجادلونك ويحاربونك جعلنا لكل نبي أرسلناه أعداء يجادلونه ويحاربونه (شياطين الإِنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول) أي القول المزين بالباطل المحسن بالكذب {غُرُوراً} أي للتغرير والتضليل، {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} أيها الرسول عدم فعل ذلك الإِيحاء والوسواس {مَا فَعَلُوهُ} إذاً {فَذَرْهُمْ} أي اتركهم {وَمَا يَفْتَرُونَ} من الكفر والكذب والباطل. هذا ما دلت عيه الآية الثانية أما الآية الثالثة [113] وهي قوله تعالى: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} هذه الآية بجملها الأربع معطوفة على قوله {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} إذ إيحاء شياطين الجن والإِنس كان للغرور أي ليغتر به المشركون، {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ} أي تميل {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وهم المشركون العادلون بربهم {وَلِيَرْضَوْهُ} ويقتنعوا به لأنه مموه لهم مزين، ونتيجة لذلك التغرير والميل إليه وهو باطل والرضا به والاقناع بفائدته فهم يقترفون من أنواع الكفر وضروب الشرك والمعاصي والإِجرام ما يقترفون!. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أبداً، وبهذا تقررت ربوبيته وألوهيته للأولين والآخرين. 2- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وكل داع إلى الله تعالى بإعلامه أنه ما من نبي ولا داع إلا وله أعداء من الجن والإِنس يحاربونه حتى ينصره الله عليهم. 3- التحذير من التمويه والتغرير فإن أمضى سلاح للشياطين هو التزيين والتغرير. 4- القلوب الفارغة من الإِيمان بالله ووعده وعيده في الدار الآخرة أكثر القلوب ميلاً إلى الباطل والشر والفساد.
القطان
تفسير : قُبُلاً: مواجهة ومعاينة، وبعضهم قال: قبلا جمع قبيل، يعني قبيلا قبيلا. الشيطان: المتمرد العاتي من الجن والانس. يوحي: يعلم بطريق خفي. الزخرف: الزينة، وكل ما يَصْرِف السامع عن الحقائق الى الأوهام. الغرور: الخداع بالباطل. تصغى: تميل الفعل الماضي صَغِي يصغى. اقترف الذنب: ارتكبه، واقترف المال اكتسبه. العدو: ضد الصديق، يطلق على الجمع والمفرد. بعد ان بين سبحانه في الآيات السابقة ان مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله لو جاءتهم آية ليؤمنن بها، وان المؤمنين ودُّوا لو أجيبَ اقتراحهم، وبيّن المخادعة في ذلك الاقترح - فصّل هنا ما أجملَه في قوله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فقال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...} الآية. وهذه الآيةُ متعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على الرسول من الخوارق فيكون المعنى: ان اولئك الذين أقسموا ان يمؤمنوا اذا جاءتهم أيةٌ قومٌ كاذبون. فحتى لو نَزّلنا إليهم الملائكة يرونهم رأي العين، وكلّمهم الموتى بعد إحيائهم واخراجهم من قبورهم، وجمعنا لهم كل شيء مواجهةً وعياناً - لظلّوا على كُفْرهم، ما لم يشأ الله تعالى أن يؤمنوا. إن اكثر هؤلاء المشركين يا محمد يجهلون الحق، قد امتلأت قلوبهم بالحقد والعناد. قراءت قرأ نافع وابن عامر "قِبَلاً" بكسر القاف وفتح الباء، والباقون "قبلا" بالضم. قال ابن عباس: كان المستهزئون بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاصي ابن وائل السهمي، والأسودَ بن يغوث الزُّهري، والأَسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة: أتوا رسول الله في رهط من أهل مكة وقالوا: أرِنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله، او ابعثْ بعض موتانا حتى نسألهم: أحقُّ ما تقول أم باطل؟ او ائتنا بالله والملائكة قبيلا. فالآية ترد عليهم باطَلهم وتعنتهم. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ....}. ومثلما أن هؤلاء عادَوك يا محمد وعاندوك رغم أنك تريد هدايتهم فقد واجه كل نبي جاء قبلك أعداء مثلهم. وكانوا من الإنس والجن، يوسوس بعضهم لبعض بكلام مزخرف لا حقيقة فيه، فيشحنونهم بالغرور والباطل. وكانوا يفعلون ذلك بطرق خفيّة لا يفطن الى باطلها إلا قليل. ولو شاء الله ما فعلوه، لكن ذلك كله بتقدير الله ومشيئته، لتمحيص قلوب المؤمنين. فاترك يا محمد الضالين وما يفترون من كذب، وامضِ لشأنك، فالنصرُ لك آخر الأمر. {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ }. ان قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لَتستمع الى ذلك الخداع والقول المموَّه بالباطل فهؤلاء يحصُرون همَّهم كلّه في الدنيا، ويعتقدون أن الحياة هي الدنيا فقط، وينالون أبتاع النبي بالأذى. {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}. يعني: تميل افئدة المشركين الى الباطل وترضاه وتخضع للشياطين، ومعجبين بزخرفهم الباطل، فليرتكبوا من هذه الدسائس ما هم مرتكبون فانهم لن يضروك بشيء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةَ} (111) - إِنَّ هَؤُلاَءِ الذِينَ أَقْسَمُوا أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهَا، كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ: فَلَوُ أَجَابَكَ اللهُ عَلَى سُؤَالِكَ - يَا مُحَمَّدُ - فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ تُخْبِرُهُمْ بِصِدْقِ الرِّسَالَةِ المُنْزَّلَةِ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، أَوْ أَحْيَا اللهُ المَوْتَى فَكَلَّمُوهُمْ وَأَخْبَرُوهُمْ بِصِدْقِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، أَوْ جَمَعَ اللهُ كُلَّ شَيءٍ مِنَ الآيَاتِ وَالدَّلاَئِلِ الأُخْرَى وَأَرْسَلَها إلَيْهِمْ مُعَايَنَةً وَمُوَاجَهَةً مَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِمْ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِيمَانَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَجَعْلِهِمْ يُؤْمِنُونَ. فَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ هَذَا الأَمْرَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَ المُسْتَهْزِئُونَ مِنْ قُرَيشٍ، وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ، فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: أَرِنَا المَلاَئِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، أَوِ ابْعَثْ لَنَا بَعْضَ مَوْتَانَا نَسْأَلْهُمْ: أَحَقٌ مَا تَقُولُ أَوْ بَاطِلٌ. أَوِ ائْتِنَا وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). حَشَرْنَا - جَمْعَنا. قُبُلاً - مُقَابَلَةً وَمُوَاجَهَةً أَوْ جَمَاعَةً جَمَاعَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا يوسع الحق المسألة. فلم يقل: إنهم سوف يؤمنون، بل قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} مثلما اقترحوا، أو حتى لو كلمهم الموتى، كما قالوا من قبل: {أية : فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [سورة الدخان: 36] ويأتي القول: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ} و"الحشر" يدل على سوق بضغط مثلما نضع بعضا من الكتب في صندوق من الورق ونضطر إلى أن نحشر كتابا لا مكان له، إذن: الحشر هو سوق فيه ضغط، وهنا يوضح الحق: لو أنني أحضرت لهم الآيات يزاحم بعضها بعضا وقدرتي صالحة أن آتي بالآيات التي طلبوها جميعا لوجدت قلوبهم مع هذا الحشر والحشد تضن بالإيمان. {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} و"قبلا" هي جمع "قبيل"، مثل سرير وسرر. {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً}. وهذا يعني أن الحق إن جاء لهم بكل ما طلبوا من آيات، وكأن كل آية تمثل قبيلة والآية الأخرى تمثل قبيلة ثانية، وهكذا. فلن يؤمنوا، أو "قبلا" تعني معاينة أي أنهم يرونها بأعينهم، لأن في كل شيء دبرا وقبلا؛ والقبل هو الذي أمام عينيك، والدبر هو من خلفك. فإن حشرنا عليهم كل شيء مقابلا. ومعاينا لهم فلن يؤمنوا. وإن اخذتها على المعنى الأول أي أنه سبحانه إن حشد الآيات حشدا وصار المعطي أكثر من المطلوب فلن يؤمنوا. وإن أردت أن تجعلها مواجهة، أي أنهم لو رأوا بعيونهم مواجهة من أمامهم فلن يؤمنوا. {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الأنعام: 111] وجاء الحق هنا بمشيئته لأن له طلاقة القدرة التي إن رغب أن يرغمهم على الإيمان فلن يستطيعوا رد ذلك، ولكن الإرغام على الإيمان لا يعطي الاختيار في التكليف ولذلك قال سبحانه: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4] والله لا يريد أعناقا تخضع، وإنما يريد قلوبا تخشع. لذلك يذيل الحق الآية بقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}. والجهل يختلف عن عدم العلم، بل الجهل هو علم المخالف، أي أن هناك قضية والجاهل يعلم ما يخالفها، أما إن كان لا يعلم القضية فهذه أمية ويكفي أن نقولها حتى يفهمها فورا. لكن مع الجاهل هناك مسألتان: الأولى أن نزيل من ادراكه هذا الجهل الكاذب، والأخرى أن نضع في إدراكه القضية الصحيحة، وما دام أكثرهم يجهلون. فهذا يعني أنهم قد اتبعوا الضلال. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى دلائل التوحيد والنبوّة والبعث، واقتراح المشركين بعض الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر هنا أن رؤية المعجزات لن تفيد من عميت بصيرته، وأنه لو أتاهم بالآيات التي اقترحوها من إِنزال الملائكة، وإِحياء الموتى حتى يكلموهم، وحشر السباع والدواب والطيور وشهادتهم بصدق الرسول ما آمنوا بمحمد والقرآن لتأصلهم في الضلال. اللغَة: {قُبُلاً} مقابلة ومواجهة ومنه قولهم أتيتُك قُبُلاً لا دُبُراً أي من قِبَل وجهك {وَحَشَرْنَا} الحشر: الجمع مع سوقٍ وكل جمعٍ حشرٌ ومنه {أية : فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} تفسير : [النازعات: 23]. {زُخْرُفَ} قال الزجاج: الزخرف الزينة وقال أبو عبيدة: كلُّ ما حسنته وزينته وهو باطل فهو زخرف {وَلِتَصْغَىۤ} صغى إِلى الشيء مال إِليه ومثله أصغى وفي الحديث "حديث : فأصغى إليها الإِناء"تفسير : وأصله الميل {يَقْتَرِفُونَ} اقترف: اكتسب وأكثر ما يكون في الشر يقال: قرف الذنبَ واقترفه أي اكتسبه {يَخْرُصُونَ} يكذبون قال الأزهري: أصله الظن فيما لا يستيقن {صَغَارٌ} ذلة وهوان {يَشْرَحْ} يوسّع والشرح: البسط والتوسعة {حَرَجاً} الحَرج: شدة الضيق قال ابن قتيبة: الحَرج الذي ضاق فلم يجد منفذاً. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث - وحمزة لم يؤمن من بعد - فأُخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوسٌ فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس فقال أبو جهل: أما ترى ما جاء به سفَّه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا قال حمزة: ومن أسفهُ منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فأنزل الله {أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ..} الآية. التفسِير: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} هذا بيانٌ لكذب المشركين في أيمانهم الفاجرة حين أقسموا {أية : لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} تفسير : [الأنعام: 109] والمعنى: ولو أننا لم نقتصر على إِيتاء ما اقترحوه من آيةٍ واحدة من الآيات بل نزلنا إِليهم الملائكة وأحيينا لهم الموتى فكلموهم وأخبروهم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم كما اقترحوا {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} أي وجمعنا لهم كل شيء من الخلائق عياناً ومشاهدة {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها وكل آية لم يؤمنوا إِلا أن يشاء الله، والغرضُ التيئيسُ من إِيمانهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} أي ولكنَّ أكثر هؤلاء المشركين يجهلون ذلك قال الطبري: أي يجهلون أن الأمر بمشيئة الله، يحسبون أن الإِيمان إِليهم والكفر بأيديهم متى شاءوا آمنوا، ومتى شاءوا كفروا، وليس الأمر كذلك، ذلك بيدي لا يؤمن منهم إِلا من هديتُه له فوفقته، ولا يكفر إِلا من خذلتُه فأضللتُه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} أي كما جعلنا هؤلاء المشركين أعداءك يعادونك ويخالفونك كذلك جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء من شياطين الإِنس والجن، فاصبر على الأذى كما صبروا قال ابن الجوزي: أي كما ابتليناك بالأعداء ابتلينا من قبلك من الأنبياء ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي يوسوس بعضهم إِلى بعض بالضلال والشر {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} أي يوسوسون بالكلام المزيّن والأباطيل المموّهة ليغروا الناس ويخدعوهم قال مقاتل: وكَلَ إِبليسُ بالإِنس شياطينَ يُضلونهم فإِذا التقى شيطان الإِنس بشيطان الجن قال أحدهما لصاحبه: إِني أضللتُ صاحبي بكذا وكذا فأضللْ أنتَ صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحيُ بعضهم إِلى بعض {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي لو شاء الله ما عادى هؤلاء أنبياءهم ولكنَّ حكمة الله اقتضتْ هذا الابتلاء قال ابن كثير: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإِرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدوٌ من هؤلاء {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} أي اتركهم وما يدبرونه من المكائد فإِن الله كافيك وناصرُكَ عليهم {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي ولتميل إِلى هذا القول المزخرف قلوبُ الكفرة الذين لا يصدّقون بالآخرة {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي وليرضوا بهذا الباطل وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} أي قل لهم يا محمد أفغير الله أطلب قاضياً بيني وبينكم؟ قال أبو حيان: قال مشركو قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلْ بيننا وبينك حكماً إِن شئتَ من أحبار اليهود أو النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً} أي أنزل إِليكم القرآن بأوضح بيان، مفصَّلاً فيه الحق والباطل موضّحاً الهدى من الضلال {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} أي وعلماء اليهود والنصارى يعلمون حق العلم أن القرآن حقٌ لتصديقه ما عندهم {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي فلا تكوننَّ من الشاكين قال أبو السعود: وهذا من باب التهييج والإِلهاب وقيل: الخطاب للرسول والمراد به الأمة {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} أي تمَّ كلام الله المنزّل صدقاً فيما أخبر، وعدلاً فيما قضى وقدَّر {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} أي لا مغيّر لحكمه ولا رادَّ لقضائه {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي إِن تطع هؤلاء الكفار وهم أكثر أهل الأرض يضلّوك عن سبيل الهدى قال الطبري: وإِنما قال {أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ} لأنهم كانوا حينئذٍ كفاراً ضُلاّلاً والمعنى: لا تطعهم فيما دعوك إِليه فإِنك إِن أطعتهم ضللتَ ضلالهم وكنت مثلهم لأنهم لا يدعونك إِلى الهدى وقد أخطأوه {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي ما يتبعون في أمر الدين إِلا الظنون والأوهام يقلّدون آباءهم ظناً منهم أنهم كانوا على الحق وما هم إِلا قومٌ يكذبون {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي إِن ربك يا محمد أعلم بالفريقين بمن ضلّ عن سبيل الرشاد وبمن اهتدى إِلى طريق الهدى والسداد قال في البحر: وهذه الجملة خبريةٌ تتضمن الوعيد والوعد لأن كونه تعالى عالماً بالضال والمهتدي كناية عن مجازاتهما {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} أي كلوا مما ذبحتم وذكرتم اسم الله عليه إِن كنتم حقاً مؤمنين قال ابن عباس: قال المشركون للمؤمنين إِنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله - يريدون الميتة - أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم فنزلت الآية {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي وما المانع لكم من أكل ما ذبحتموه بأيديكم بعد أن ذكرتم اسم ربكم عليه عند ذبحه؟ {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أي وقد بيَّن لكم ربكم الحلال والحرام ووضّح لكم ما يحرم عليكم من الميتة والدم الخ في آية المحرمات إلا في حالة الاضطرار فقد أحلّ لكم ما حرّم أيضاً فما لكم تستمعون إِلى الشبهات التي يثيرها أعداؤكم الكفار؟ {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي وإِن كثيراً من الكفار المجادلين ليُضلون الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام بغير شرعٍ من الله بل بمجرد الأهواء والشهوات {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} أي المجاوزين الحدَّ في الاعتداء فيحلّلون ويحرمون بدون دليل شرعي من كتاب أو سنّة، وفيه وعيد شديد وتهديد أكيد لمن اعتدى حدود الله {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} أي اتركوا المعاصي ظاهرها وباطنها وسرَّها وعلانيتها قال مجاهد: هي المعصية في السر والعلانية وقال السدي: ظاهره الزنى مع البغايا وباطنه الزنى مع الصدائق والأخدان {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} أي يكسبون الإِثم والمعاصي ويأتون ما حرّم الله سيلقون في الآخرة جزاء ما كانوا يكتسبون {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي لا تأكلوا أيها المؤمنون ممَّا ذُبح لغير الله أو ذكر اسم غير الله عليه كالذي يذبح للأوثان {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي وإِن الأكل منه لمعصيةٌ وخروجٌ عن طاعة الله {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} أي وإِن الشياطين ليوسوسون إِلى المشركين أوليائهم في الضلال لمجادلة المؤمنين بالباطل في قولهم: أتأكلون ممّا قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله؟ يعني الميتة {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} أي وإِن أطعتم هؤلاء المشركين في استحلال الحرام وساعدتموهم على أباطيلهم إِنكم إِذاً مثلهم قال الزمخشري: لأن من اتبع غير الله تعالى في دينه فقد أشرك به، ومن حق ذي البصيرة في دينه ألا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان للتشديد العظيم {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} قال أبو حيان: لما تقدم ذكر المؤمنين والكافرين مثَّل تعالى بأن شبّه المؤمن بالحيّ الذي له نور يتصرف به كيفما سلك، والكافر بالمتخبط في الظلمات المستقر فيها ليظهر الفرق بين الفريقين والمعنى: أو من كان بمنزلة الميت أعمى البصيرة كافراً ضالاً، فأحيا الله قلبه بالإِيمان، وأنقذه من الضلالة بالقرآن {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} أي وجعلنا مع تلك الهداية النور العظيم الوضاء الذي يتأمل به الأشياء فيميز به بين الحق والباطل {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أي كمن هو يتخبط في ظلمات الكفر والضلالة لا يعرف المَنْفذ ولا المخْلص؟ قال البيضاوي: وهو مَثلٌ لمن بقي في الضلالة لا يفارقها بحال {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي وكما بقي هذا في الظلمات يتخبّط فيها كذلك حسناً للكافرين وزينا لهم ما كانوا يعملون من الشرك والمعاصي {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا في كل بلدةٍ مجرميها من الأكابر والعظماء ليفسدوا فيها قال ابن الجوزي: وإِنما جعل الأكابر فُسَّاق كل قرية لأنهم أقربُ إِلى الكفر بما أُعطوا من الرياسة والسعة {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} أي وما يدرون أن وبال هذا المكر يحيق بهم {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} أي وإِذا جاءت هؤلاء المشركين حجةٌ قاطعة وبرهانٌ ساطع على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لن نصدّق برسالته حتى نُعطى من المعجزات مثل ما أُعطي رسُل الله، قال في البحر: وإِنما قالوا ذلك على سبيل التهكم والاستهزاء ولو كانوا موقنين غير معاندين لاتبعوا رسل الله تعالى، وروي أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد منافٍ في الشرف حتى إِذا صرنا كفَرَسيْ رهان قالوا: منّا نبيٌ يُوحى إِليه! والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً إِلا أن يأتينا وحيٌ كما يأتيه فنزلت الآية {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} أي الله أعلم من هو أهلٌ للرسالة فيضعها فيه وقد وضعها فيمن اختاره لها وهو محمد صلى الله عليه وسلم دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بْن المغيرة {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} أي سيصيب هؤلاء المجرمين الذل والهوان، والعذاب الشديد يوم القيامة بسبب استكبارهم ومكرهم المستمر قال في البحر: وقدَّم الصغار على العذاب لأنهم تمردوا عن اتباع الرسول وتكبّروا طلباً للعزّ والكرامة فقوبلوا بالهوان والذل أولاً ثم بالعقاب الشديد ثانياً {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} أي من شاء الله هدايته قذف في قلبه نوراً فينفسح له وينشرح وذاك علامة الهداية للإِسلام قال ابن عباس: معناه يوسّع قلبه للتوحيد والإِيمان، وحين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قال: إِذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟ قال: الإِنابة إِلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} أي ومن يرد شقاوته وإِضلاله {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} أي يجعل صدره ضيّقاً شديد الضيق لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إِليه شئ من الإِيمان قال عطاء: ليس للخير فيه منفذ {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي كأنما يحاول الصعود إِلى السماء ويزاول أمراً غير ممكن قال ابن جرير: وهذا مثلٌ ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإِيمان إِليه، مثلُ امتناعه من الصعود إِلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي مثل جعل صدر الكافر شديد الضيق كذلك يلقي الله العذاب والخذلان على الذين لا يؤمنون بآياته قال مجاهد: الرجسُ كل ما لا خير فيه وقال الزجاج: الرجس اللعنةُ في الدنيا والعذاب في الآخرة {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} أي وهذا الدين الذي أنت عليه يا محمد هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه فاسْتمسك به {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي بينا ووضحنا الآيات والبراهين لقوم يتدبرون بعقولهم {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ} أي لهؤلاء الذين يؤمنون ويعتبرون وينتفعون بالآيات دار السلام أي السلامة من المكاره وهي الجنة في نُزل الله وضيافته {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي هو تعالى حافظهم وناصرهم ومؤيدهم جزاءً لأعمالهم الصالحة قال ابن كثير: وإِنما وصف تعالى الجنة هنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إِلى دار السلام. البَلاَغَة: 1- {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ} التعرض لوصف الربوبية والإِضافة إِلى ضميره عليه السلام {رَبُّكَ} لتشريف مقامه وللمبالغة في اللطف في التسلية. 2- {أية : فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [آل عمران: 60] الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على طريق التهييج والإِلهاب. 3- {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي تمَّ كلامه ووحيه أطلق الجزء وأراد الكل فهو مجاز مرسل. 4- {وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} بين لفظ {ظاهر} و {باطن} طباقٌ. 5- {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} الموتُ والحياة، والنور والظلمة كلها من باب الاستعارة فقد استعار الموت للكفر والحياة للإِيمان وكذلك النور والظلمات للهدى والضلال. 6- {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} الشرح كناية عن قبول النفس للحق والهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين لفظ الشرح والضيق طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. فَائِدَة: الحكم أبلغ من الحاكم وأدلُّ على الرسوخ لأنه لا يطلق إِلا على العادل وعلى من تكرّر منه الحكم بخلاف الحاكم. تنبيه: قال الرازي: دلّت هذه الآية {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قولٌ بمحض الهوى والشهوة، والآية دلّت على أن ذلك حرام.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} معناهُ أَصنَافاً واحدُهَا قُبلٌ.
الأندلسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} الآية أي لو آتيناهم بالآيات التي اقترحوها من إنزال الملائكة في قولهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} تفسير : [الأنعام: 80]، وتكليم الموتى إياهم في قولهم: فأتوا بآبائنا، وفي قولهم: أخي قصيّ بن كلاب وجدعان بن عمرو، وهما أمينا العرب والوسطان فيهم وحشر كل شىء عليهم من السباع والدواب والطيور، وشهادتهم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجواب لو ما كانوا ليؤمنوا. وقدره الحوفي لما كانوا قال: وحذفت اللام وهي مرادة. "انتهى". وليس قوله بجيد لأن المنفي بما إذا وقع جواباً لِلْوَ فالأكثر في لسان العرب أن لا تدخل اللام على ما وقل دخولها على ما، فلا نقول ان اللام حذفت منه بل إنما أدخلوها على ما تشبيهاً للمنفي بما بالموجب، ألا ترى أنه إذا كان النفي بلم لم تدخل اللام على لم فدل على أن أصل المنفي أن لا تدخل عليه اللام. واللام في ليؤمنوا لام الجحود أتت بعد كون ماض منفي، وخبر كان محذوف تقديره ما كانوا أهلاً للإِيمان، لأنّ أنْ مقدرة بعد اللام فيسبك منها مع ما بعدها مصدر والكثير حذف خبر كان في هذا التركيب. وقد جاء مصرحاً به في قول الشاعر: شعر : سموت ولم تكن أهلاً لتسمو تفسير : و{إِلاَّ أَن يَشَآءَ} الله استثناء متصل من محذوف هو علة. وسبب التقدير ما كانوا ليؤمنوا بشىء من الأشياء إلا بمشيئة الله تعالى. والظاهر أن الضمير في أكثرهم عائد على ما عادت عليه الضمائر قيل من الكفار وإنما قال أكثرهم لأن هؤلاء الكفار من شاء الله إيمانه فآمن وصدق. ومعنى: {يَجْهَلُونَ} أي الحق الذي جئت به من عند الله تعالى. {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} الآية، المعنى مثل جعل هؤلاء الكفار المقترحين الآيات وغيرهم أعداء لك جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء. {شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} أي متمردي الصنفين. {يُوحِي} يلقي في خفية. {بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي بعض الصنف الجني إلى بعض الصنف الأنسي. أو يوحي شياطين الجن إلى شياطين الإِنس. {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} أي محسّنه ومزينه بالأباطيل ليغروهم ويخدعوهم ويوهموهم أنهم على شىء، وثمرة هذا الجعل الامتحان، فيظهر الصبر على ما منّوا به ممن يعاديهم فيعظم الثواب والأجر. وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأس بمن تقدمه من الأنبياء وإنك لست منفرداً بعداوة من عاصرك، بل هذه سنة من قبلك من الأنبياء. وانتصب غروراً على أنه مفعول من أجله أي للغرور أو مصدراً في موضع الحال أي غارّين والناصب لهما يوحي. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} الضمير المنصوب جوزوا أن يكون عائداً على العداوة المفهومة من عدوا، والإِيحاء المفهوم من يوحي، أو على الزخرف، أو على القول، أو على الغرور أوجهاً خمسة. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} أي اتركهم وما يفترون من تكذيبك. ويتضمن الوعد والوعيد. وقال قتادة: كل ذر في كتاب الله تعالى فهو منسوخ بالقتال وما بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره يفترونه أو مصدرية تقديره وافتراؤهم. {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي ولتميل إليه. الضمير يعود على ما عاد عليه في فعلوه. {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ} ما هم مكتسبون من الآثام. واللام: لام كي، وهي معطوفة على قوله: غروراً، لما كان معناه للغرور فيه متعلقة بيوحى ونصب غروراً لاجتماع شروط النصب فيه وعدي يوحى إلى هذا باللام لفوت شرط صريح المصدرية واختلاف الفاعل لأن فاعل يوحي هو بعضهم، وفاعل تصغي هو أفئدة وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولاً يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون فعل الاقتراف، فكان كل واحد مسبب عما قبله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):