٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
112
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَكَذٰلِكَ } منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان: الأول: أنه منسوق على قوله: {أية : كَذٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ }تفسير : [الأنعام:108] أي كما فعلنا ذلك {كَذٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } الثاني: معناه: جعلنا لك عدواً كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله: {كَذٰلِكَ } عطفاً على معنى ما تقدم من الكلام، لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء. المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } أنه تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن تلك العداوة معصية وكفر فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى، أجاب الجبائي عنه: بأن المراد بهذا الجعل الحكم والبيان، فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل: إنه كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل: إنه عدله، فكذا ههنا أنه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له، وأجاب أبو بكر الأصم عنه: بأنه تعالى لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه، وصار ذلك الحسد سبباً للعداوة القوية، فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي:شعر : فأنت الذي صيرتهم لي حسداً تفسير : وأجاب الكعبي عنه: بأنه تعالى أمر الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء. لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين، فلهذا الوجه جاز أن يقال إنه تعالى جعلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام. واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جداً لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي، وهي حادثة من قبل الله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك. فقد صح مذهبنا. ثم ههنا بحث آخر: وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان، فإن الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون الإنسان متمكناً من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع؟ قال المتنبي:شعر : يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل تفسير : والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته. المسألة الثالثة: النصب في قوله: {شَيَـٰطِينَ } فيه وجهان: الأول: أنه منصوب على البدل من قوله: {عَدُوّا } والثاني: أن يكون قوله {عَدُوّا } منصوباً على أنه مفعول ثان، والتقدير: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء. المسألة الرابعة: اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين: الأول: أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان؛ كل عات متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا: إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر: «حديث : هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟»تفسير : قال قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: «حديث : نعم هم شر من شياطين الجن»تفسير : . والقول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس. والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين الإنس والجن، ومن الناس من قال: القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين، ومنهم من يقول: القول الثاني أولى، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن. والإضافة تقتضي المغايرة، وعلى هذا التقدير: فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس. المسألة الخامسة: قال الزجاج وابن الأنباري: قوله: {عَدُوّاً } بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري:شعر : إذا أنا لم أنفع صديقي بوده فإن عدوي لن يضرهمو بغضي تفسير : أراد أعدائي، فأدى الواحد عن الجمع، وله نظائر في القرآن. ومنها قوله: {أية : ضَيْفِ إِبْرٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } تفسير : [الذاريات: 24] جعل المكرمين وهو جمع نعتاً للضيف وهو واحد، وثانيها: قوله: {أية : وَٱلنَّخْلَ بَـاسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ } تفسير : [قۤ: 10] وثالثها: قوله: {أية : أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء } تفسير : [النور: 31] ورابعها: قوله: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ }تفسير : [العصر: 2] وخامسها: قوله: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [آل عمران: 93] أكد المفرد بما يؤكد الجمع به، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف، فإن التقدير: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدواً واحداً، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد. أما قوله تعالى: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضاً. واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر. إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضاً. وللناس فيه مذاهب. منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما أرضية، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة، وهم الملائكة الأرضية. ومنها خبيثة قذرة شريرة، آمرة بالقبائح والمعاصي، وهم الشياطين. ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضاً بالطاعات. والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضاً بتلك القبائح والزيادة فيها. وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام، فالنفوس البشرية، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها. ثم إن صفات الطهارة كثيرة. وصفات الخبث والنقصان كثيرة، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه، فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكاً وكان تقوية ذلك الخاطر إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطاناً، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة. إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة: الأول: الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع. والثاني: الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلاً، وظاهره مزيناً ظاهراً، يقال: فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف. واعلم أن تحقيق الكلام فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملاً على خير راجح ونفع زائد، فإنه لا يرغب فيه، ولذلك سمي الفاعل المختار مختاراً لكونه طالباً للخير والنفع، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للمعتقد، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادراً من الملك، وإن لم يكن معتقداً مطابقاً للمعتقد، فحينئذ يكون ظاهره مزيناً، لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح، ويكون باطنه فاسداً باطلاً. لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفاً. فهذا تحقيق هذا الكلام. والثالث: قوله {غُرُوراً } قال الواحدي: {غُرُوراً } منصوب على المصدر، وهذا المصدر محمول على المعنى. لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور، فكأنه قال يغرون غروراً، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقاً للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك، فالغرور إما أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل. فظهر بما ذكرنا أن تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً }. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } وأصحابنا يحتجون به على أن الكفر والإيمان بإرادة الله تعالى. والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء، وقد سبق تقرير هذه المسألة على الاستقصاء، فلا فائدة في الإعادة. ثم قال تعالى: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } قال ابن عباس: معناه يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به قال القاضي: هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر والترغيب الكامل في الإيمان، ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ما أعد الله للقوم على كفرهم من أنواع العذاب وما أعد له من منازل الثواب بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ} يُعَزِّي نبيّه ويسلّيه، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قَبْلَك {عَدُوّاً} أي أعداء. ثم نعتهم فقال: {شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} حكى سيبويه جعل بمعنى وصف. «عَدُوًّا» مفعول أوّل. «لِكُلِّ نَبِيًّ» في موضع المفعول الثاني. «شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ» بدل من عدوّ. ويجوز أن يكون «شياطين» مفعولا أوّل، «عدواً» مفعولا ثانياً؛ كأنه قيل: جعلنا شياطين الإنس والجن عدوّاً. وقرأ الأعمش: «شياطين الجن والإنس» بتقديم الجن. والمعنى واحد. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس. وسُمِّيَ وَحْياً لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفاً لتزيينهم إياه؛ ومنه سمي الذهب زخرفا. وكل شيء حسَن مُمَوّه فهو زُخْرُف. والمزخرَف المزيّن. وزخارف الماء طرائقه. و«غُرُوراً» نصب على المصدر، لأن معنى «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» يغرونهم بذلك غروراً. ويجوز أن يكون في موضع الحال. والغرور الباطل. قال النحاس: ورُوي عن ٱبن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل: «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» قال: مع كل جني شيطان، ومع كل إنسيّ شيطان، فيلقى أحدهما الآخر فيقول: إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله. ويقول الآخر مثل ذلك؛ فهذا وحي بعضهم إلى بعض. وقاله عكرمة والضحاك والسُّدِّي والكَلْبي. قال النحاس: والقول الأوّل يدل عليه {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}تفسير : [الأنعام: 121]؛ فهذا يبيّن معنى ذلك. قلت: ويدُلّ عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام: حديث : «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قَرِينُه من الجن» قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير»تفسير : . روى «فأسلم» برفع الميم ونصبها. فالرفع على معنى فأسلم من شره. والنصب على معنى فأسلم هو. فقال: «ما منكم من أحد» ولم يقل ولا من الشياطين؛ إلا أنه يحتمل أن يكون نبّه على أحد الجنسين بالآخر؛ فيكون من باب «سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ» وفيه بُعْدٌ، والله أعلم. وروى عَوف بن مالك عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «يا أبا ذَرّ هل تعوّذت بالله من شرّ شياطين الإنس والجن»؟ قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: «نعم هم شرٌ من شياطين الجن»تفسير : . وقال مالك بن دِينار: إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوّذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عِياناً. وسَمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ٱمرأة تنشد:شعر : إن النساء رَياحين خلقن لكم وكلُّكم يشتهِي شمّ الرياحين تفسير : فأجابها عمر رضي الله عنه:شعر : إن النساء شياطين خُلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور. {فَذَرْهُمْ} أمْرٌ فيه معنى التهديد. قال سيبويه: ولا يقال وَذَر ولا وَدَع، استغنَوْا عنهما بترك. قلت: هذا إنما خرج على الأكثر. وفي التنزيل: «وَذَرِ الَّذِينَ» و«ذَرْهم» و«مَا وَدَعَكَ». وفي السنة: «لينتهيَنّ أقوام عن وَدْعِهم الجُمُعات». وقوله: «إذا فعلوا ـ يريد المعاصي ـ فقد تُوُدِّع منهم». قال الزجاج: الواو ثقيلة؛ فلما كان «ترك» ليس فيه واو بمعنى ما فيه الواو تُرِك ما فيه الواو. وهذا معنى قوله وليس بنصِّه.
البيضاوي
تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً} أي كما جعلنا لك عدواً جعلنا لكل نبي سبقك عدواً، وهو دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله سبحانه وتعالى وخلقه. {شَيَـٰطِينَ ٱلإٍنْسِ وَٱلْجِنّ} مردة الفريقين، وهو بدل من عدواً، أو أول مفعولي {جَعَلْنَا} و {عَدُوّا} مفعوله الثاني، ولكل متعلق به أو حال منه. {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإِنس، أو بعض الجن إلى بعض، وبعض الإِنس إلى بعض. {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} الأباطيل المموهة منه من زخرفة إذا زينه. {غُرُوراً} مفعول له أو مصدر في موقع الحال. {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ} إيمانهم. {مَّا فَعَلُوهُ} أي ما فعلوا ذلك يعني معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف، ويجوز أن يكون الضمير للايحاء أو الزخرف أو الغرور، وهو أيضاً دليل على المعتزلة. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} وكفرهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضاً أعداء، فلا يحزنك ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ} تفسير : [الأنعام: 34] الآية، وقال تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [فصلت: 43] وقال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 31] الآية، وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به، إلا عودي، وقوله: {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} بدل من {عَدُوًّا} أي: لهم أعداء من {شياطين الإنس والجن}، والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم، قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر، كان يوماً يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعوذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن» تفسير : فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم» تفسير : وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر. وقد روي من وجه آخر، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب، وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس، قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: «حديث : يا أبا ذر هل صليت؟» تفسير : قلت: لا، يا رسول الله، قال: «حديث : قم فاركع ركعتين» تفسير : قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: «حديث : يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن» تفسير : قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: «حديث : نعم، هم شر من شياطين الجن» تفسير : وهذا أيضاً فيه انقطاع، وروي متصلاً. كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست، فقال: «حديث : يا أبا ذر هل صليت؟» تفسير : قلت: لا، قال: «حديث : قم فصلِّ» تفسير : قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: «حديث : يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : وذلك تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به. [طريق أخرى عن أبي ذر] قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله هل للإنس من شياطين؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : [طريق أخرى للحديث] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا ذر تعوذت من شياطين الإنس والجن؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله وهل للإنس شياطين؟ قال: «حديث : نعم {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}» تفسير : فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} قال: ليس من الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن، قال: وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة، في قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} قال: للإنسي شيطان، وللجني شيطان، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وقال أسباط عن السدي عن عكرمة في قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} في تفسير هذه الآية: أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن التي تضل الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضاً، ففهم ابن جرير من هذا: أن المراد بشياطين الإنس، عند عكرمة والسدي، الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي، فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا عن ابن عباس، من رواية الضحاك عنه، قال: إن للجن شياطين يضلونهم، مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال: فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا، فهو قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} وعلى كل حال، فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر، إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء مارده، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكلب الأسود شيطان» تفسير : ومعناه - والله أعلم - شيطان في الكلاب، وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس؛ كفار الإنس، زخرف القول غروراً. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار، فأكرمني وأنزلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس فحدثهم، قال: فخرجت، فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: {أية : بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ}تفسير : [يوسف: 3] وقال تعالى: {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} قال: فهمّوا بي أن يأخذوني، فقلت لهم: ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني، وإنما عرض عكرمة بالمختار، وهو ابن أبي عبيد، قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر، وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق، قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 121] وقوله تعالى: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره، {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه، وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء {فَذَرْهُمْ} أي: فدعهم، {وَمَا يَفْتَرُونَ} أي: يكذبون. أي: دع أذاهم، وتوكل على الله في عداوتهم؛ فإن الله كافيك وناصرك عليهم، وقوله تعالى: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ} أي: ولتميل إليه. قاله ابن عباس {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، وقال السدي: قلوب الكافرين {وَلِيَرْضَوْهُ} أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : ٱفَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:161-163] وقال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِك} تفسير : [الذاريات: 8 - 9] وقوله: {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً } كما جعلنا هؤلاء أعداءك ويبدل منه {شَيَٰطِينَ } مردة {ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى } يوسوس {بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } ممَّوهَهُ من الباطل {غُرُوراً } أي ليغروهم {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } أي الإِيحاء المذكور {فَذَرْهُمْ } دع الكفار {وَمَا يَفْتَرُونَ } من الكفر وغيره مما زين لهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً} أي جعلنا للأنبياء أعداء كما جعلنا لغيرهم من الناس أعداء. وفي {جَعَلْنَا} وجهان: أحدهما: معناه حكمنا بأنهم أعداء. والثاني: معناه تركناهم على العداوة، فلم نمنعهم منها. وفي {شَيَاطِينَ الإْنسِ وَالْجِنِّ} ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني شياطين الإنس الذين مع الإنس، وشياطين الجن الذين مع الجن، قاله عكرمة، والسدي. والثاني: شياطين الإنس كفارهم، وشياطين الجن كفارهم، قاله مجاهد. والثالث: أن شياطين الإنس والجن مردتهم، قاله الحسن، وقتادة. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} في يوحي ثلاثة أوجه: أحدها: يعني يوسوس بعضهم بعضاً. والثاني: يشير بعضهم إلى بعض، فعبر عن الإشارة بالوحي كقوله: {أية : فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} تفسير : [مريم: 11] و{زُخْرُفَ الْقَوْلِ} ما زينوه لهم من الشبه في الكفر وارتكاب المعاصي. والثالث: يأمر بعضهم بعضاً كقوله: {أية : وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} تفسير : [فصلت: 12] أي أمر. ثم قال: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما فعلوه من الكفر. والثاني: ما فعلوا من زخرف القول. وفي تركهم على ذلك قولان: أحدهما: ابتلاء لهم وتمييزاً للمؤمنين منهم. والثاني: لا يلجئهم إلى الإيمان فيزول التكليف. قوله عز وجل: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ} أي تميل إليه قلوبهم، والإصغاء: الميل، قال الشاعر: شعر : ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء تفسير : وتقدير الكلام، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ليغروهم ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وقال قوم: بل هي لام أمر ومعناها الخبر. {وَلِيَرْضَوْهُ} لأن من مَالَ قلبه إلى شيء رضيه وإن لم يكن مرضياً. {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ} فيه وجهان: أحدهما: وليكتسبوا من الشرك والمعاصي ما هم مكتسبون، قاله جويبر. والثاني: وليكذبوا على الله ورسوله ما هم كاذبون، وهو محتمل.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} لمن قبلك من الأنبياء أعداء كما جعلنا لك أعداء، أو جعلنا للأنبياء أعداء كما جعلنا لغيرهم من الناس أعداء، جعلنا: حكمنا بأنهم أعداء، أو مكنّاهم من العداوة فلم نمنعهم منها، {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} مردتهم، أو شياطين الإنس الذين مع الإنس وشياطين الجن الذين مع الجنّ، أو شياطين الجن الذين الدجنّ، أو شياطين الإنس كفارهم، وشياطين الجن كفارهم. {يُوحِى بَعْضُهُمْ} يوسوس، أو يشر، {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ} تفسير : [مريم: 11] أشار {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} ما زينوه من شبه الكفر، وارتكاب المعاصي.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً} قيل هو منسوق على قوله تعالى كذلك زينّا لكل أمة عملهم، أي كما فعلنا ذلك كذلك جعلنا لكل نبي عدواً. وقيل: معناه كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء كذلك جعلنا لك أعداء وفيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له يقول الله تبارك وتعالى: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدواً ليعظم ثوابه على ما يكابده من أذى أعدائه وعدو واحد يراد به الجمع يعني جعلنا لكل نبي أعداء {شياطين الإنس والجن} اختلف العلماء في معنى شياطين الإنس والجن على قولين: أحدهما: أن المراد شياطين من الإنس وشياطين من الجن والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مجاهد وقتادة. قالوا: وشياطين الإنس أشد تمرداً من شياطين الجن لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه بشيطان الإنس ليفتنه، ويدل على صحة هذا القول ما روي حديث : عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل تعوذت بالله من شيطان الجن والإنس قلت يا رسول الله وهل للإنس من شيطان؟ قال نعم هم شر من شياطين الجن"تفسير : ذكره البغوي بغير سند وأسنده الطبري. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي. القول الثاني: إن الجميع من ولد إبليس وأضيف الشياطين إلى الإنس على معنى أنهم يغوونهم، وهذا قول عكرمة والضحاك والكلبي والسدي. ورواية عن ابن عباس قالوا: والمراد بشياطين الإنس التي مع الإنس وبشياطين الجن التي مع الجن وذلك أن إبليس قسم جنده قسمين فبعث فريقاً منهم إلى الجن وفريقاً إلى الإنس فالفريقان شياطين الجن والإنس بمعنى أنهم يغوونهم ويضلّونهم وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأولياءه من المؤمنين والصالحين. ومن ذهب إلى هذا القول قال: يدل على صحته أن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن والإضافة تقتضي المغايرة فعلى هذا يكون في الشياطين نوع مغاير للإنس والجن وهم أولاد إبليس. وقوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض} يعني يلقي ويسرّ بعضهم إلى بعض ويناجي بعضهم بعضاً وهو الوسوسة التي يلقيها إلى من يريد إغوائه، فعلى القول الأول: إن شياطين الإنس والجن يسر بعضهم إلى بعض ما يفتنون به المؤمنين والصالحين، وعلى القول الثاني: إن أولاد إبليس يلقى بعضهم بعضاً في كل حين فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا وكذا فأضلَّ أنت صاحبك بمثله ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقوله: {زخرف القول} يعني باطل القول والزخرف هو الباطل من الكلام الذي قد زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف {غروراً} يعني أن الشياطين يغرون بذلك القول الكذب المزخرف غروراً وذلك أن الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ويغرونهم بها غروراً {ولو شاء ربك ما فعلوه} يعني ما فعلوا الوسوسة التي يلقيها الشياطين في قلوب بني آدم، والمعنى أن الله تعالى لو شاء لمنعَ الشياطين من إلقاء الوسوسة إلى الإنس والجن ولكن الله يمتحن من يشاء من عباده بما يعلم أنه الأجزل له في الثواب إذا صبر على المحنة {فذرهم وما يفترون} يعني فخلِّهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي فإني من ورائهم. قوله تعالى: {ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} قال ابن عباس: ولتميل إليه وأصل الصغو في اللغة الميل، أصغى إلى كذا مال إليه. ويقال صغوت أصغو وصغيت أصغى لغتان. قال ابن الأنباري: اللام في ولتصغى متعلقة بفعل مضمر معناه وفعلنا بهم ذلك لكي تصغي إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وقال غيره اللام متعلقة بيوحي تقديره ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول، ليغروا بذلك ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به وهو قوله: {وليرضوه} يعني يرضون ذلك القول المزخرف الباطل {وليقترفوا ما هم مقترفون} وليكتسبوا من الأعمال الخبيثة ما هم مكتسبون.
ابن عادل
تفسير : الكاف في "كَذِلِك" في محلِّ نَصْب، نعتاً لِمَصْدَر مَحْذُوف، فقدَّره الزَّمَخْشَري: "كما خَلَّيْنا بَيْنَك وبين أعْدَائِك، كذلك فَعَلْنا بِمَنْ قَبْلك". وقال الوَاحِدي: "وكذلك" منسُوقٌ على قوله: "وكَذَلِكَ زَيَّنَّا" أي: فَعَلْنا ذَلِك كذلك "جَعَلْنا لكلِّ نبيٍّ عَدُوًّا"، ثم قال: وقيل: مَعْنَاه جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا كما جَعْلْنا لمن قَبْلَك من الأنْبِيَاء، فَيَكُون قوله: "وكذلك" عَطْفاً على مَعْنَى ما تقدَّم من الكلام، وما تقدَّم يدلُّ مَعْنَاهُ على أنَّه جعل له أعْدَاء [والمراد: تَسْلِيَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم، أي: كما ابتُليت بِهَؤلاء القَوْم، فكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ قَبْلك أعْدَاء]. و"جَعَلَ" يتعدى لاثْنَيْن بمعنى: صَيَّر. وأعْرَب الزَّمَخْشَري، وأبو البقاء والحوفي هنا نحو إعرابهم في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [الأنعام:100] فَيَكُون المَفْعُول الأول "شَيَاطِين الإنْس"، والثاني "عَدُواً"، و "لكلِّ": حال من "عَدُواً" لأنَّه صفته في الأصْل، أو مُتعلِّق بالجَعْل قَبْلَه، ويَجُوز أن يكون المَفْعُول الأول "عُدُوّاً" و "لكلِّ" هو الثَّانِي قُدِّم، و "شياطين": بَدَل من المفعول الأوّل. والإضافة في: "شَيَاطِين الإنْس" يحتمل أن تكون من بابِ إضافَة الصِّفةِ لِمَوْصُوفها، والأصْل: الإنْس والجن الشَّياطين، نحو: جَرْد قَطِيفَة، ورجَّحْتُه؛ بأنَّ المقصود: التَّسلِّي والاتِّسَاءُ بمن سَبَق من الأنْبِيَاء، إذ كان في أمَمِهم مَنْ يُعادِلُهم، كما في أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكُون من الإضافة الَّتِي بَمَعْنَى اللام، وليست من بابِ إضافة صِفَة لِمَوصُوف، والمعنى: الشَّياطين التي للإنْس، والشَّياطين التي لِلْجِنّ، فإن إبْليس قَسَّم جُنْده قسمين: قِسْمُ مُتسَلِّط على الإنْسِ، وآخر على الجِنِّ، كذا جاء في التَّفْسِير. ووقع "عَدُواً" مفعولاً ثَانِياً لـ "شَيَاطِين" على أحَد الإعْرَابَيْنِ بِلَفْظ الإفْراد؛ لأنَّهُ يُكْتَفى به في ذلك، وتقدَّم شَوَاهِده، ومِنْه ما أنْشَده ابن الأنْبَارِي: [الطويل] شعر : 2286- إذَا أنَا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوُدِّهِ فإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرَّهُمُ بُغْضِي تفسير : فأعاد الضَّمير مِنْ "يَضُرَّهُم" على "عَدُوّ" فدل على جَمْعِيَّته؛ وكقوله تعالى: {أية : ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} تفسير : [الذاريات:24] {أية : أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ} تفسير : [النور:31] {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [العصر:2، 3]. وقيل لا حَاجَة إلى هذا التَّكْليف، والتَّقْدِير وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ واحد من الأنْبِيَاء عُدُوّاً واحِداً، إذ لا يَجِبُ أن يَكُون واحدٍ من الأنْبِيَاء أكْثَر من عُدوّ واحد. فصل في دلالة الآية دلَّ ظاهِر قوله - تعالى -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً} على أنَّه - تبارك وتعالى - هو الذي جَعَل أولَئِك الأعْداء أعْدَاءً للنَّبِي صلى الله عليه وسلم، ولا شكَّ أن تلك العدَاوة مَعْصِيَة وكُفْر، فهذا يَقْتَضِي أن خَالِق الخَيْر، والشَّر، والطَّاعة، والمَعْصِيَة، والإيمان والكُفْر هُو اللَّه تعالى. وأجاب الجُبَّائي عَنْه؛ بأن المُرَاد من هذا الجَعْل: الحُكم والبَيَان فإن الرَّجُل إذا حَكَم بِكُفْر إنْسَان، قيل: إنه كَفَّرَه، وإذا أخْبر عن عَدَالتِه، قيل إنه عدّله، فكذا ههنا أنَّه - تعالى - لما بيَّن للرسول - عليه الصلاة والسلام - كونهم أعْدَاء له لا جَرَم قال: إنَّه جعلهُم أعْدَاءً له وأجاب الأصَمُّ: بأنه - تعالى - لما أرْسَل محمّداً صلى الله عليه وسلم إلى العَالمِيَن، وخصَّه بِتِلْكَ المُعْجِزات، حسدُوه، وصار ذلك الحَسَد سَبَباً للعَداوَة القَوِيَّة فَلِهَذا قال إنَّه - تعالى -: جعلهم أعْدَاء له ونَظِيرُه قول المُتَنَبِّي: [الطويل] شعر : 2287- .................... وأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهُمْ [لِيَ] حُسَّدَا تفسير : وأجاب الكَعْبِي عنه: بأنَّه - تبارك وتعالى - أمَر الأنْبِيَاء بعَداوتهم، وأعْلَمهم كونهم أعْداءً له، وذَلِك يَقْتَضِي صَيْرُورتهم أعْداءً للأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -؛ لأنَّ العَدَاوَة لا تَحْصُل إلاَّ من الجَانِبَيْن، فلهذا جَازَ أنْ يُقَال: إنه - تعالى - جعلهم أعْدَاء للأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -. وهذه أجوبه ضَعِيفَة لما تقدَّم أنَّ الأفْعَال مُسنَدة إلى الدَّاوعي، وهي حَادِثة من قبل اللَّه - تعالى -, وإذا كان كذلك، صَحَّ مَذْهَبُنَا، ثم هَهُنا بَحْث آخر، وهُو أنَّ العَدَاوَة، والصداقة يمتنع أن تَحْصُل باخْتِيَار الإنْسَان؛ فإن الرَّجُل قد يَبْلُغ في عَدَاوَة غَيره إلى حَيْث لا يَقْدِر ألْبَتَّة على إزَالة تلك الحَالَةِ عن قَلْبَه، بل قَدْ لا يَقْدِر على إخْفَاء آثَار تلك العَداوة، ولو أتى بكل تَكِلُّفٍ وحيلة، لعجز عنه، ولو كان حُصُول العَدَاوة والصَّداقة في القَلْبِ باختيار الإنْسَان، لوجَبَ أن يَكُونَ الإنْسَان متمكناً مِن قَلْب العَدَاوة بالصَّداقة، وبالعَكْس، فكيف لا، والشُّعَراء عَرَفُوا أنّ ذلك خَارجٌ عن الوُسْع قال المُتَنَبِّي [المتقارب] شعر : 2288- يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانُكُمْ وَتَأبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِل تفسير : والعاشق الَّذِي يشتد عِشْقُه [قد] يَحْتَال بجميع الحِيَل في إزالة عِشْقِه، ولا يقدر عَلَيْه ولو كان حُصُول ذلك الحُبِّ والبَغْضِ باخْتِيَاره، لما عَجَز عن إزَالَتِهِ. فصل في معنى الآية قال عِكْرمة، والضَّحَّاك، والكَلْبِي: المعنى: شَيَاطِين الإنْس الَّتِي مع شَيَاطِين الجِنِّ، وذلك أنَّ إبْلِيس قَسَّم جنده فَرِيقَيْن، فبعث فَريقاً منهم إلى الإنْس، وفريقاً إلى الجِنِّ، وكلا الفَرِيقَيْن أعْداءٌ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ولأوْلِيَائه، وهم يَلْتَقُون في كل حين، فيقول شَيْطان الإنْس لشيطان الجنِّ: أضَلْلت صَاحِبي بكَذا، فأضلل صَاحِبك بِمثله، ويقول شَيْطَان الجن لشيطان الإنس كذلك. فلذلك وصَّى بَعْضُهم إلى بَعْض. وقال قتَادة، وَمُجاهِد، والحَسَن: إن من الإنْس شَيَاطِين، كما أن من الجنِّ شياطين، والشَّيْطَان الثَّاني المتمرد من كُلِّ شَيْء. قالُوا: إن الشَّيْطان إذا أعْيَاه المُؤمِن، وعَجز عن إغوائه، ذهب إلى مُتَمَرِّد من الإنْس: وهو شَيْطَان الإنْس، فأغراه بالمُؤمِن ليفتنه، يدلُّ عليه ما رُوِي حديث : عن أبِي ذرِّ، قال: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هل تَعَوَّذت باللَّه من شَيَاطين الجِنِّ والإنْس، قلت يا رسُول الله، وهل للإنْس من شَيَاطين، قال نَعَمْ، هم شرُّ من شَيَاطين الجِن . تفسير : وقال مَالك بن دِينَار: إن شَيَاطين الإنْس أشَد عليَّ من شَيَاطِين الجِنِّ، وذلك أنِّي إذَا تعَوَّذت باللَّه، ذهب عني شَيَطان الجِنِّ، وشيطان الإنس يجيبني، فَيَجُرُّني إلى المَعَاصي. قوله: "يُوحي" يُحْتَمل أن يكون مُسْتَأنفاً، أخبْرَ عنهم بذلك، وأن يكون حالاً من "شياطين" وأن يكون وَصْفاً لـ "عَدُوّاً" وقد تقدَّم وَاقِع مَوْقع أعْدَاء، فَلذلك عَادَ الضَّمِير عَلَيْه جَمْعاً في قوله "بَعْضُهم" انتهى. فصل في معنى قوله: "يوحي" الوحي: هو عِبَارة عن الإيماءِ، والقَوْل السَّريع، والزُّخْرُف هو الذي يَكُون بَاطِنُه باطلاً، وظاهر مُزَيَّناً، يقال: فلان يزخرف كلامه، إذا زَيَّنه بالبَاطِل والكذب، وكلُّ شيء حَسَن مَمَوّه، فهو مُزَخْرَف والزُّخْرف: الزِّينة، وكلام مُزَخْرَف، [أي]: مُنَمَّق، وأصله الذَّهب، ولما كان الذَّهب مُعْجِبٌ لكل أحَد، قيل لكل مُسْتَحْسن مزين: زُخْرُف. وقال أبو عُبَيْدة: كل ما حَسَّنْتَه، وزيَّنته، وهو بَاطِل: فهو زُخْرُف، وهذا لا يَلْزَم، إذ قد يُطْلَق على مَا هُو زِينَة حَقّ، وبيت مُزَخْرَف، أي: مُزَيَّن بالنَّقْش، ومنه الحَدِيث: أنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم يَدْخُل الكَعْبَة حتى أمر بالزُّخْرف فَنُحِّيَ يعني: أنهم كَانُوا يُزَيِّنُون الكعبة بِنُقُوش وتصاوير مُمَوَّهة بالذَّهب، فأمر بإخْرَاجِها. قوله: "غُرُوراً" قيل: نُصِب على المَفْعُول له، أي: لا يَغُرُّوا غيرهم. وقيل: هو مَصْدر في مَوْضِع الحَالِ، أي: غارِّين، وأن يَكُون مَنْصُوباً على المَصْدَر؛ لأن العَامِل فيه بِمَعْنَاه، كأنه قِيل: "يَغُرُّون غُروراً بالوَحي". قوله: {ولَوْ شَاءَ ربُّكَ ما فَعَلُوه} ما ألْقوه من الوسْوَسة في القُلُوب، وقد تقدَّم الكلام في المَشِيئَة ومَدْلُولِها مع المُعتزلة. قوله: "وما يَفْتَرُون" "ما" موصولة اسميَّة، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على كلا هَذَين القَوْلَيْن محذُوفٌ، أي: "وما يَفْتَرُونَه" أو مصدريَّة، وعلى كُلِّ قوله فمحلُّهَا نَصْب، وفيه وَجهَان: أحدهما: أنها نَسَق على المَفْعُول في: "فَذَرْهُمْ" أي: اتْرُكْهُم، واترك افْتِرَاءهم. والثاني: أنَّها مفعول مَعَه، وهو مَرْجُوحٌ، لأنه متى أمكن العَطْف من غير ضَعْفٍ في التركب، أو في المَعْنَى، كان أوْلَى من المَفْعُول معه. قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يُرِيد بقوله: {فَذَرْهُم وما يَفْتَرون}: ما زيَّن لهم إبْليس وغرَّهُم.
البقاعي
تفسير : ولما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم، كان كأنه قيل تسلية له وتثبيتاً لفؤاده: فقد جعلناهم أعداء لك لأنك عالم، والجاهلون لأهل العلم أعداء {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن {جعلنا لكل نبي} أي ممن كان قبلك، وعبر عن الجمع بالمفرد - والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال: {عدواً} وبين أن المراد به الجنس، وأنهم أهل الشر فقال مبدلاً: {شياطين} أي أشرار {الإنس والجن} المتمردين منهم، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه، أم يكون نوعه إليه أميل، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله: {يوحي بعضهم} أي الشياطين من النوعين {إلى بعض} أي يكلمه في خفاء {زخرف القول} أي مزينه ومنمقه. ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل، زاده بياناً بقوله: {غروراً} أي لأجل أن يغروهم بذلك، أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ، والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع. ولما كان أول الآية معلماً أن هذا كان بمشيئة الله وجعله، أيد ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيهاً لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن، ويجر قطعاً إلى اعتقاد العجز، فقال: {ولو شاء} ولما كان في بيان أعدائه صلى الله عليه وسلم والمسلطين عليه، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه، لا لهوانه، فقال {ربك} أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة، أن لا يفعلوه {ما فعلوه} أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها. ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير، سبب عنه قطعاً قوله: {فذرهم} أي اتركهم على أيّ حالة اتفقت {وما يفترون *} أي يتعمدون كذبه واختلافه، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك، فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة، فإنها في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية. ولم كان التقدير: ذرهم لتعرض عنهم قلوب الذين يؤمنون بالآخرة وليسخطوه، وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون، فترفع بذلك درجاتهم، عطف عليه قوله: {ولتصغى} أي تميل ميلاً قوياً تعرض به {إليه} أي كذبهم وما في حيزه {أفئدة} أي قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب، وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم، ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي أصل الغرور {وليرضوه} أي بما تمكن من ميلهم إليه {وليقترفوا} أي يفعلوا بجهدهم {ما هم مقترفون *} وهذه الجمل - كما نبه عليه أبو حيان - على غاية الفصاحة، لأنه أولاً يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضى فيكون فعل الاقتراف، فكأن كل واحد مسبب عما قبله.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإِنس. قال: يا نبي الله وهل للإِنس شياطين؟ قال: نعم {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً}؟ ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : تعوذ شياطين الانس والجن. قلت: يا رسول الله وللانس شياطين؟ قال: نعم " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الإنس والجن} قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم، فيلتقي شيطان الإِنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا وأضلله بكذا. فهو قوله {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} وقال ابن عباس: الجن هم الجان وليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون فمنهمم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإِنس . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يوحي بعضهم إلى بعض} قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإِنس، فإن الله تعالى يقول {أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم}تفسير : [الأنعام: 121]. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله {شياطين الإِنس والجن} قال: من الإِنس شياطين ومن الجن شياطين. {يوحي بعضهم إلى بعض} . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {زخرف القول غروراً} يقول: بوراً من القول. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {زخرف القول غروراً} يقول: بوراً من القول . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {زخرف القول غروراً} قال: يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهمم . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الابانة وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الانس كفار الإِنس {زخرف القول غروراً} قال: تزيين الباطل بالألسنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {زخرف القول} قال: زخرفوه وزينوه {غروراً} قال: يغرون به الناس والجن . وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: الزخرف المزين حيث زين لهم هذا الغرور كما زين إبليس لآدم ما جاء به، وقاسمه إنه لمن الناصحين . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولتصغى} لتميل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس {ولتصغى إليه أفئدة} قال:تزيغ {وليقترفوا} قال: ليكتسبوا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} قال: لتميل إليه قلوب الكفار {وليرضوه} قال: يحبوه {وليقرفوا ما هم مقترفون} يقول: ليعملوا ما هم عاملون . وأخرج الطستي وابن الأنباري عن ابن عباس أن نافر بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {زخرف القول غروراً} قال: باطل القول غروراً قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أوس بن حجر وهو يقول: شعر : لم يغروكم غروراً ولكن يرفع الال جمعكم والدهاء تفسير : وقال زهير بن أبي سلمى : شعر : فلا يغرنك دنيا ان سمعت بها عند امرىء سروه في الناس مغرور تفسير : قال: فأخبرني عن قوله {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون} ما تصغي؟ قال: ولتميل إليه. قال فيه الفطامي: شعر : وإذا سمعن هما هما رفقـة ومن النجوم غوابر لم تخفق أصغت إليه هجائن بخدودها آذانهن إلى الحداة الســوّق تفسير : قال: أخبرني عن قوله {وليقترفوا ما هم مقترفون} قال: ليكتسبوا ما هم مكتسبون فإنهم يوم القيامة يجازون بأعمالهم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: شعر : وإني لآتي ما أتيت وإنني لما اقترفت نفسي عليّ لراهب
ابو السعود
تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً} كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من عداوة قريشٍ له عليه الصلاة والسلام وما بنَوْا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل والأفاعيلِ ببـيان أن ذلك ليس مختصاً بل هو أمرٌ ابتُليَ به كلُّ من سبَقك من الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أشير إليه بذلك منصوبٌ بفعله المحذوفِ مؤكدٌ لما بعده وذلك إشارةٌ إلى ما يفهم مما قبله أي جعلنا لكل نبـيَ عدواً والتقديمُ على الفعل المذكورِ للقصر المفيدِ للمبالغة أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي جعلنا في حقك لك عدواً يُضادُّونك ويضارُّونك ولا يؤمنون ويبغونك الغوائلَ ويدبّرون في إبطال أمرِك مكايدَ جعلنا لكل نبـيَ تقدمَك عدواً فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤُك لا جعلاً أنقصَ منه. وفيه دليلٌ على أن عداوةَ الكفرةِ للأنبـياء عليهم السلام بخلقه تعالى للابتلاء {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ} أي مَرَدةَ الفريقين على أن الإضافة بمعنى مِنْ البـيانية، وقيل: هي إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف والأصلُ الإنسُ والجنُّ والشياطينُ، وقيل: هي بمعنى اللام أي الشياطين التي للإنس والتي للجن، وهو بدلٌ من عدواً والجعلُ متعدَ إلى واحد أو إلى اثنين وهو أولُ مفعوليْه قُدِّم عليه الثاني مسارعةً إلى بـيان العداوةِ، واللام على التقديرين متعلقةٌ بالجعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدواً، وقوله تعالى: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان أحكامِ عداوتِهم، وتحقيقُ وجهِ الشبهِ بـين المشبهِ والمشبَّه به، أو حالٌ من الشياطين أو نعتٌ لعدواً، وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى فإنه عبارةٌ عن الأعداء كما في قوله: [الطويل] شعر : إذا أنا لم أنفعْ صديقي بودّه فإن عدوِّي لم يضُرَّهمو بغضي تفسير : والوحيُ عبارةٌ عن الإيماء والقول السريعِ، أي يُلقي ويوسوس شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ، أو بعضُ كلَ من الفريقين إلى بعض آخَرَ {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} أي المموَّهَ منه المزيَّنَ ظاهرُه الباطلَ باطنُه. من زَخْرفه إذا زيّنه. {غُرُوراً} مفعول له ليوحي أي ليغُرّوهم، أو مصدرٌ في موقع الحال أي غارّين أو مصدرٌ مؤكد لفعل مقدرٍ هو حال من فاعل يوحي أي يغرُّون غروراً {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ} رجوعٌ إلى بـيان الشؤونِ الجاريةِ بـينه صلى الله عليه وسلم وبـين قومِه المفهومةِ من حكاية ما جرى بـين الأنبـياءِ عليهم السلام وبـين أُممِهم كما ينبىء عنه الالتفاتُ، والتعرُّضُ لوصف الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم المُعرِبة عن كمال اللطفِ في التسلية أي ولو شاء ربُّك عدمَ الأمورِ المذكورةِ لا إيمانَهم كما قيل فإن القاعدةَ المستمرةَ أن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف عند وقوعِها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ وهو قوله تعالى: {مَّا فَعَلُوهُ} أي ما فعلوا ما ذكر من عداوتك، وإيحاءِ بعضهم إلى بعض مزخرفاتِ الأقاويلِ الباطلةِ المتعلقةِ بأمرك خاصة لا بما يعمّه وأمورَ الأنبـياءِ عليهم السلام أيضاً كما قيل فإن قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} صريحٌ في أن المرادَ بهم الكفرةُ المعاصِرون له عليه الصلاة والسلام أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتِك من فنون المفاسد بمشيئته تعالى فاترُكْهم وافتراءَهم أو ما يفترونه من أنواع المكايدِ فإن لهم في ذلك عقوباتٍ شديدةً ولك عواقبُ حميدةٌ لابتناء مشيئتِه تعالى على الحِكَم البالغة البتة.
القشيري
تفسير : كلمَّا كان المحلُّ أعلى كانت البلايا أوفى، والمطالبات أقوى، فلمَّا كانت رتبُ الأنبياء - عليهم - السلام - أشرفَ كانت العداوة معهم أشد وأصعب.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} اى كما جعلنا لك عدوا كأبى جهلٍ وغيره من كفار قريش {جعلنا لكل نبى} قبلك {عدوا} وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ان عداوتهم وما ينبنى عليها مما لا خير فيه من الاقاويل الكاذبة والافاعيل الباطلة ليس مختصا به عليه السلام بل كما ابتلى هو وامته بكيد الاعداء ابتلى جميع الانبياء واممهم {شياطين الإنس والجن} اى مردة الفريقين على ان الاضافة بمعنى من البيانية وهو بدل من عدوا. والشياطين جمع شيطان وهو يطلق على كل عات متمرد من الانس والجن والشيطان من الجن اذا اعياه المؤمن وعجز عن اغوائه ذهب الى متمرد من الانس فاغراه على المؤمن ليفتنه. وعن مالك بن دينار انه قال شياطين الانس اشد علىّ من شياطين الجن وذلك انى ان تعوذت بالله من شياطين الجن ذهبت عنى وشياطين الانس تجيئنى فتجرنى الى المعاصى عيانا {يوحى بعضهم الى بعض} كلام مستأنف مسوق لبيان احكام عداوتهم وتحقيق وجه الشبه بين المشبه والمشبه به. والوحى الكلام الخفى والقول السريع الذى يلقى سرا اى يلقى يوسوس شياطين الجن والانس او بعض الجن الى بعض وبعض الانس الى بعض {زخرف القول} اى المموه منه المزين ظاهره والباطل باطنه يقال فلان زخرف كلامه اذا زينه بالكذب والباطل {غرورا} مفعول له ليوحى اى ليغرّوهم {ولو شاء ربك} عدم ما ذكر من العداوة والايحاء {ما فعلوه} اى ما ذكر فاعيد ضمير الواحد الى الاثنين باعتباره {فذرهم} اى اذا كان ما فعلوه فى حقك بمشيئته تعالى فاتركهم {وما يفترون} وافتراءهم اى كفرهم وسائر مكائدهم فان لهم فى ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته تعالى على الحكم البالغة البتة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {شياطين}: بدل من {عدو}؛ إذ هو بمعنى الجمع، أو مفعول أول لجعلنا، و {عدوًا}: مفعول ثان، والضمير في {فعلوه}: للوحي، أو للعداوة، و {غرورًا}: مفعول له، أو مصدر في موضع الحال {لتصغى}: عطف على غرورًا، أو متعلق بمحذوف، أي: فعلنا ذلك لتصغى...الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: في تسلية نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: وكما جعلنا لك أعداء من الكفار، {جعلنا لكل نبيٍّ عدُوًّا} من شياطين {الإنس والجن} أي: من مردة الفريقين، وشياطين الإنس أقبح؛ لأنه يأتي في صورة ناصح، لا يدفع بتعوذ ولا غيره. {يُوحِي} أي: يُوسوس، {بعضهم إلى بعض}، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه، يُلقى إليه ذلك الشيطان {زخرف القول} أي: أباطيله، أي: قولاً مزخرفًا مُزَوَّقًا {غرورًا} أي: لأجل الغرور، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه، وكل شيء بقدره وقضائه، {ولو شاء ربك} هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء، {فذرهم وما يفترون} على الله من الكفر وغيره، فلا تهتم بشأنهم. وإنما فعلنا ذلك الإيحاء {لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} فيغتروا به، {وليَرضَوهُ} لأنفسهم، {وليقترفوا ما هم مقترفون} أي: وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحي من الجن أو الأنس، وفي الآية دليل لأهل السنة في أن الله خالق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، فالمعصية خلقها وقدرها، ولم يَرضهَا، { أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ }تفسير : [الأنبيَاء:23]. الإشارة: كما جعل الله لكل نبي عدوًا من شياطين الإنس والجن؛ جعل للأولياء كذلك؛ تحويشًا لهم إليه، وتطهيرًا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته، قال في الحِكَم: "إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكنًا إليهم، أراد أن يُزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء ". وقال في لطائف المنن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يُسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا، وتكمل فيهم المزايا، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أسدى إليكم نعمًا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له "تفسير : . كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، ويتعلق بالملك الحق. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: آذاني إنسانٌ فضقت به ذرعًا، فرأيتُ يُقال لي: مِن علامة الصديقية كثرةُ أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعضهم: الصيحة من العدو، سَوطٌ من الله يزجرُ بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. هـ. وقال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي الله عنه: ( عداوة العدو حقًا: اشتغالك بمحبة الحبيب حقًا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب). وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له: لا تشتغل قط بمن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك؛ فإنه هو الذي حركه عليك؛ ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغلوا بأذى من آذاهم، فدام الآذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. هـ. وهذا كله إنما يكون في البدايات، كما قال الشاذلي رضي الله عنه: ( اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا).. فإذا تمت أنوارهم وتطهرت من البقايا أسرارهم، حكَّمهم في العباد، وأذلهم لهم، فيكون العبد المجتبى سيفًا من سيوف الله، ينتصر الله به لنفسه؛ كما نبه على ذلك في لطائف المنن. وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام؛ تشريعًا لما ذكرنا، وتحذيرًا من الانتصار للنفس، وعدم تمحض النصرة للحق. وعند الرسوخ في اليقين، والأمن من مزاحمة الصدق غيره، وقع الإذن في الجهاد، هذا بالنسبة إلى الصحابة الكرام، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكامل من أول نشأته، وإنما ذلك تشريع لغيره، وترفيع لرتبته. والله تعالى أعلم. ولما طلبوا من يحكم بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، أنزل الله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً}.
الطوسي
تفسير : التشبيه في قوله {وكذلك} يحتمل أن يرجع الى أحد أمرين: أحدهما - أن يكون تقديره جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الانبياء. الثاني - جعلنا تمكين من يعادي الانبياء وتخليتنا بينهم وبين اختيارهم كتمكين غيرهم من السفهاء. وانما جعلهم اعداء على أحد معنيين: أحدهما - بأن حكم بأنهم أعداء، وهو قول ابي علي. الثاني - بأن خلى بينهم وبين اختيارهم ولم يمنعهم من العداوة. ويجوز ان يكون المراد بذلك أن الله تعالى لما أنعم على انبيائه بضروب النعم وبعثهم الى خلقه وشرفهم بذلك، حسدهم على ذلك خلق، وعادوهم عليه، فجاز أن يقال على مجاز القول بأن الله جعل لهم اعداء كما يقول القائل اذا أنعم على غيره بنعم جزيلة فحسده عليها قوم وعادوه لاجلها: جعلت لك أعداء. وقيل المعنى أمرنا الانبياء بمعاداتهم فكأنما جعلناهم أعداء الانبياء. وهذا القول من الله تعالى تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) في أنه أجراه مجرى غيره من الانبياء، ولا يجوز على قياس ذلك أن يقول: جعلنا للكافر كفرا، لان فيه ايهاما. وقوله {شياطين الإنس والجن} قيل في معناه قولان: أحدهما - انه أراد مردة الكفار من الفريقين الانس والجن، وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد. الثاني - قال السدي وعكرمة: شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن الذين هم من ولد ابليس. ويحتمل نصب {عدوا} وجهين: أحدهما - على انه مفعول {جعلنا} وشياطين الانس بدل منه. الثاني - على أنه خبر {جعلنا} في الاصل ويكون هنا مفعول {جعلنا} كأنه قال جعلنا شياطين الانس والجن عدوًّا. وقوله {يوحي بعضهم إلى بعض} معناه يلقي اليه بكلام خفي، وهو الدعاء والوسوسة. وقوله {زخرف القول} معناه هو المزين يقال زخرفه زخرفة اذا زينه و {غرورا} نصب على المصدر. ثم أخبر الله تعالى أنه لو شاء ربك أن يمنعهم من ذلك ويحول بينهم وبينه لقدر على ذلك، لكن ذلك ينافي التكليف، ولو حال بينهم وبينه لما فعلوه. ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يتركهم وما يفترون أي وما يكذبون بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه ولا يمنعهم منه بالقهر، فان الله تعالى سيجازيهم على ذلك. وهو تهديد لهم كقوله {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : دون أن يكون ذلك أمرا واجبا أو ندبا أو اباحة كما يقول القائل لصاحبه: دعني واياه، ويريد بذلك التهديد لا غير. وروي عن أبي جعفر عليه السلام في معنى قوله {يوحي بعضهم إلى بعض} ان الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيُلقي اليه ما يغوي به الخلق، حتى يتعلم بعضهم من بعض.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذَلِكَ} اى كما جعلنا لك عدوّاً من قومك {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً} يعنى لا تحزن على معادات قومك فانّ سّنتنا على وفق حكمتنا جرت بجعل العدوّ للكلّ نبىّ ليكون تكميلاً لهم واصلاحاً لامّتهم وسبباً لامتياز المنافق منهم عن الموافق واظهاراً لفضائلهم على السنة حسّادهم، فانّ فضل المحسود كثيراً يظهر على لسان الحاسد واحتجاجاً على طالبى الدّين بمعاداة المعاندين، فانّ معاند الانبياء لا يظهر بمعاداته الا اتّباعه الهوى وارادة الدّنيا وادباره عن الآخرة، لانّ الانبياء لا يعارضون احداً فى امور الدّنيا بل يدعون النّاس فى كمال الشّفقة الى الآخرة، وهذا تسلية للرّسول (ص) وسائر المؤمنين، والعدوّ ضدّ الصّديق يستوى فيه الواحد والكثير والمذكّر والمؤنّث ولذا ابدل عنه الجمع {شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} اعلم، انّ الانسان وجملة عالم الطّبع واقع بين العالمين العلوىّ والسّفلىّ كما سبق ولاهل كلّ من العالمين جهة تسلّط وتصرّف فى الانسان، وعالم الطّبع والعالم السّفلىّ مهوى الشّياطين والجنّ ودار الاشقياء وجحيمهم، والعالم العلوىّ القريب من عالم الطّبع مقرّ الملائكة ذوى الاجنحة دون المقرّبين، فانّ عالمهم اعلى من ذلك والانسان قابلٌ لتصرّف اهل العالمين وله امكان التّوجّه الى كليهما، فمن توجّه بسوء اختياره الى السّفلىّ وقبل تصرّف الشّياطين والجنّة وتمكّن فى ذلك القبول ولم يبق له جهة استعداد قبول تصرّف الملائكة صار مظهراً للشّياطين ومتحقّقاً بهم بحيث لم يكن فى وجوده الاّ الشّيطان وكان فعله فعله وامره امره وخلقه خلقه وقوله قوله كما قيل بالفارسىّ: شعر : جون برى غالب شود بر آدمى كم شود از مرد وصف مردمى هرجه كويد او برى كفته بود زين سرى نه زان سرى كفته بود تفسير : وان كان مع ذلك باقياً عليه بعض اوصاف الانسان كان شيطان الانس وان لم يكن كان شيطان الجنّ، ويحتمل ان يكون المراد بشياطين الجنّ، الجنّة الّتى تؤذى من طريق الباطن وعلى اىّ تقدير فالمقصود التّعريض بالحبتر والزّريق كما فى الخبر، ومن توجّه بتوفيق الله الى العالم العلوىّ وقبل تصرّف اهله وتمكّن فى ذلك بحيث لم يبق له استعداد تصرّف الشّيطان صار مظهراً للملائكة بل لله وكان فعله وقوله وخلقه ظهور افعال الملائكة واقوالهم واخلاقهم كما قيل: شعر : جون برى را اين دم وقانون بود كرد كَارآن يرى خود جون بود يس خداوند برى وآدمى از يرى كى باشدش آخر كمى تفسير : وعن الصّادق (ع): من لم يجعله الله من اهل صفة الحقّ فاولئك شياطين الانس والجنّ {يُوحِي} اى يلقى او يوحى من طريق الباطن شياطين الجنّ الى شياطين الانس {بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} حسن القول الكاذب بتمويهه {غُرُوراً} وحى غرور او للغرور او غارّاً {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} فلا تبتئس بما فعلوا فانّه بمشيّتنا وفيه مصالح وحكم لكم {فَذَرْهُمْ} من غير تعرّض لهم بالرّدّ والقبول {وَمَا يَفْتَرُونَ} ليقولوا ما يريدون حتّى يجرى حكمنا ومصالحنا.
الحبري
تفسير : وفي قَوْلِهِ:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً}. نَزَلَتْ في رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله [عَلَيْهِ وَآلِهِ]، وَفي أَبِي جَهْلٍ.
فرات الكوفي
تفسير : {وكذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نبيٍّ عَدُوّاً شَياطينَ الإنْسِ وَالجِنِّ112} [وبالاسناد المتقدم في ح157 عن ابن عباس من رواية الحبري]: وفي قوله: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً} نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم و[في:ح] أبي جهل.
اطفيش
تفسير : {وكذَلكَ جَعلْنا لكلِّ نبىٍّ عدوّاً شَياطِينَ الإِنْسِ والجنِّ} كما جعلنا لك شياطين الإنس والجن أعداء، جعلنا لكل نبى قبلك شياطين الإنس والجن أعداء، قال الله تعالى له ذلك، لعلمه صلى الله عليه وسلم أن له من الجن أعداء، كما أن له من الإنس أعداء، كالشياطين الذين يلغون ليلة الجن، وكالشيطان الذى تبعه بشعلة ليلة الإسراء، فاصبر لهم ولا تضعف فى الدين كما صبر الأنبياء قبلك، وارض بقضائى كما رضوا، فإن عداوتهم ولو نكرة لتقدم الحال، وعدوّاً مفعول ثان مقدم، وشياطين مفعول أول مؤخر، وإنما قلت لك ذلك لأن عدوّاً نكرة والأصل فيها أن يخبر بها من المعرفة لا العكس، لأن معنى الوصف معتبر فى عدوّاً، فكأنه قيل: معادين أى أعداء، لكونه بمعنى الجمع صح الإخبار به عن شياطين، فإن عدوّاً يطلق على الواحد فصاعداً، والأصل فى الوصف غير صلة أل أن يكون هو الخبر ولو تقدم. ويجوز أن يتعلق له بمحذوف وجوباً مفعول ثان، وعدوّاً مفعول أول، فيكون شياطين بدلا من عدوّاً بدلا مطابقاً، واعتبار الوصف هى فى عدوّاً أظهر منه فى شياطين، ولو بقى عدوّاً على لفظ المفرد، وإلا فشياطين أيضا فيه معنى الوصف، لأن معناه متمردين فى الشر، أو بعداً عن الخير، وهذه الصفات موجودة فى الإنس والجن، بل هى فى الإنس أعظم، فشيطان الإنس أعظم من سبعين شيطاناً من الجن. قال مالك بن دينار رحمه الله، وهو من أصحابنا الأباضية الوهبية: أهل الدعوة شياطين الإنس أعظم علىَّ من شياطين الجن، وذلك أنى إذا تعوذت من شياطين الجن ذهبوا عنى، وشياطين الإنس تجيئنى فتجبرنى إلى المعاصى عياناً، يعنى إذا ذكرت الله ذهبت شياطين الجن وفى السؤالات: يقال للمنافقين يا شياطين. وأما إبليس فلا، إلا للمشركين، والمعتزلة لما منعوا وصف الله بجعل الشر وخلقه أوَّلوه بالحكم، أى حكمنا بعداوة شياطين الإنس والجن لكل نبى، تقول: زيد يعدل عمراً إذا حكم بأنه عدل لا بمعنى تصييره عدلا. والحديث المتقدم عن مالك بن دينار ذكره الزمخشرى، وهو صريح فى أن الشيطان من الإنس، كما أنه يكون من الجن، وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء، وبه قال مجاهد وقتادة، ومثله ما قال أبو ذر: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل تعوذت بالله من شيطان الإنس والجن؟" فقلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شيطان؟ قال: "نعم هم شر من شياطين الجن" تفسير : رواه الشيخ هود بلا سند، وكذا البغوى، ورواه الطبرانى بسنده، وكذا فى لفظ الشيخ هود أن أبا ذر رحمه الله قام إلى الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس" تفسير : إلخ وليس فى آخرهم شئ من شياطين الجن. قال أصحاب ذلك القول: شياطين الإنس أشد كما فى الحديث، لأنه إذا عجز شياطين الجن عن أحد استعانوا عليه بشياطين الإنس، وتفسير الآية عليه ظاهر هو الصحيح، فشياطين فى الآية جمع يشتمل شياطين الإنس وشياطين الجن، ولذلك أضيف للإنس والجن، فالإضافة للتبعيض، أى شياطين بعض من الإنس وبعض من الجن، فهو كقولك: شياطين الإنس وشياطين الجن. وقال عكرمة، والضحاك، والكلبى، والسدى، وابن عباس فى رواية عنه: الشياطين من الجن فقط، وعليه فالإضافة للإنس والجن فى الآية لمجرد الملابسة لا تعرض فيها للتبعيض، ولو صلح التبعيض بالنسبة للجن، لكن لا يراد فى الآية لأنه قد جمع مع الإنس، والمعنى على هذا الشياطين الذين يلابسون الإنس والجن بالوسوسة، يوسوسون الجن كما يوسوسون الإنس، تارة يوسوس الجنى، وتارة يوسوس الإنسى، هذا هو الظاهر. وقال الكلبى: قسم إبليس والعياذ بالله شياطينه قسمين: أرسل قسما إلى الإنس، وقسما إلى الجن، فإذا التقوا أعلم هؤلاء ما يقولون، وأعلم هؤلاء ما يقولون، فذلك قوله: {زخرف القول غروراً} وكل من الشياطين وباقى الجن من ذرية إبليس، واسم الجن يشملهم، وقيل: الجن ليسوا من أولاد إبليس، والشياطين أولاده، وهذا قول من زعم أن إبليس من الجن، وأنه ليس أولهم، والصحيح أنه أولهم وأبوهم، والجن كلهم شيطانهم وغيره أولاده. {يُوحى} يوسوس ويتكلم فى خفاء، والجملة مستأنفة أو حال من شياطين {بعْضُهم إلى بَعْضٍ} أى يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس بالإغراء إلى الشر، ووجه آخر أن شياطين الإنس يوسوس بعضهم إلى بعض، وشياطين الجن يوسوس بعضهم إلى بعض، وإلى شياطين الإنس، ولفظ يوحى بعضهم إلى بعض صالح لذلك، وأيضا إذا فسرنا الوحى هنا بالمناجاة فقد يناجى الشرير من الإنس الشرير من الجن، إذا كان يتفكر فى الشر، وأيضا يناجى الكهان من الإنس الشياطين، وكذلك من يلتحق بالكهان من الأشرار، وعلى أن الشياطين من الجن فقط، فالمعنى أنهم يتناجون قد فعلت كذا وكذا من الشر فى الجن أو فى الإنس. {زُخْرفَ القَوْل} مموه القول، أى القول الباطل القبيح فى الباطن، الحسن فى الظاهر، فإضافة زخرف إضافة صفة لموصوف، أى القول الزخرف {غروراً} مفعول لأجله منصوب بيوحى، أى يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروا به، أو حال من زخرف، أى حال كون ذلك الزخرف أو القول ذا غرور، أو حال من بعضهم، أى غارين، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أوشك الشياطين أن تجالس الناس فى مجالسهم وتفقههم فى الدين. وعن عبد الله بن عمر: أن شياطين أوثقها سليمان بن داود فألقاها من وراء البحر أوشك أن تظهر حيث يقرأ الناس القرآن، وعن أبى موسى الأشعرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "أن إبليس اتخذ عريشاً على البحر، فإذا أصبح ندب جنوده فقال: أيكم فتن مسلماً ألبسه التاج، فيجئ أحدهم فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى سب آخر، فيقول: سوف يصطلحان، ثم يجئ آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى عق والديه، فيقول: سوف يبرهما، ثم يجئ آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى زنى، فيقول: أنت، ثم يجئ آخر فيقول: لم أزل اليوم برجل حتى سرق، فيقول: أنت، ثم يجئ آخر فيقول: لم أزل برجل حتى شرب الخمر، فيقول: أنت،تفسير : ، قال بعضهم: فأعظمهم عنده منزلا أعظمهم فتنة، ومراده أنت أهل للتاج. {ولو شَاء ربُّك ما فَعلُوه} ولو شاء ربك عدم ما فعلوه، أى ما فعلوا زخرف القول، أو ما فعلوا إيحاء زخرف القول، أو ما فعلوا التعادى، أو ما فعلوا ما ذكر من معاداة الرسل، أو ما فعلوا الغرور، أو ما فعلوا ما ذكر كله، وهذه الأوجه كلها فى هاء إليه أيضا، وفى هاء ليرضوه، وفى الآية رد على المعتزلة، إذ زعموا أن الله لا يشاء الكفر ولا يريده، وزعموا أن هذه مشيئة إكراه. {فَذَرْهم وما يفْتَرون} فاتركهم وافتراءهم، واتركهم والافتراء الذى يفترونه، فما مصدرية أو اسم موصول، وافتراؤهم هو كفرهم ومعاصيهم، إذ زعموا أنها حق، والمعنى لا يهمنك، ومن زعم أن المعنى اترك قتالهم، قال: نسخ بآية السيف، قال قتادة: كل ذر فى كتاب الله منسوخ بالقتال.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ} مثل جَعْلنَا هؤلاء المشركين أَعداءَك يا محمد {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ} قبلك مفعول ثان {عَدُوًّا} مفعول أَول، وهو جماعة كما يستعمل للمفرد، أَلا ترى إِلى قوله {بعضهم} وقوله "أية : ما فعلوه" تفسير : [النساء: 66] وقوله {شياطين} بالجمع، قال: شعر : إِذا أَنا لم أَنفع صديقى بوده فإِن عدوى لم يضرهم بغضى تفسير : {شَيَاطين الإِنسِ وَالْجِنِّ} بدل من عدوا، أَو هو الأَول وعدوا ثان، والكل متعلق بجعلنا، أَو حال من عدوا، والشيطان المفسد العاتى من الإِنس أَو من الجن، فلكل نبى شياطين من الإِنس وشياطين من الجن، وشيطان الإِنس أَعظم من سبعين شيطاناً من الجن، وشيطان الجن إِذا أَعياه المؤمن استعان عليه بشيطان الإِنس فيفتنه، قال مالك ابن دينار: شيطان الإِنس أَعظم عليَّ من شيطان الجن، إِن تعوذت بالله أَو ذكرت الله ذهب، وشيطان الإِنس يجرنى إِلى المعاصى عيانا، والجن كلهم من أَولاد إِبليس، إِلا أنه يرسل طائفة إِلى الإِنس ليغووهم ولذا أضيفوا إِليهم فقيل شياطين الإِنس، وطائفة إِلى الجن كذلك، وعن ابن عباس: الجن هم الجان وليسوا شياطين، والشياطين ولد إِبليس ولا يموتون إِلا معه، والجن يموتون، ومنهم مؤمن ومنهم كافر، وذلك كما قيل الإِضافة بمعنى اللام، وقيل للبيان، وقيل إِضافة صفة لموصوف، أَى الإِنس والجن والشياطين، والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أَصاب مَنْ قبله من الأَنبياء فيصبر كما صبروا، ويقال: المصيبة إِذا عمت هانت، وحجة فى أَن الله خلق الكفر وشاءَه كما خلق الخير وشاءَه، وفيها رد على المعتزلة سواء قلنا جعلنا صيرنا أَو خلقنا أَو أَثبتناه وعلى الوجهين لجعلنا مفعول واحد هو عدوا، وإِعراب الباقى كما مر، وزعمت المعتزلة تخلصا من أَنه تعالى خلق المعاصى أَن المعنى: كما خلينا بينك وبين أَعدائك خلينا بين الأَنبياء قبلك وأَعداءَهم، ولم نمنعهم ليحصل الثواب والعقاب، أَو أَن الجعل بمعنى طريق التسبب حيث أَرسلنا الأَنبياءَ فحسدهم الكفرة، أَو أَن المراد: كما أَمرناك بعداوة قومك من المشركين أَمرنا من قبلك بعداوة المشركين، أَو كما أَخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بها أَخبرنا الأَنبياءَ قبلك وحكمنا، وذلك باطل وخلاف ظاهر الآية وتكلف بلا داع إِليه سوى التعصب لمذهبهم الباطل {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} حال من شياطين، أَو مستأْنف أَو نعت لعدو يرسل فى الإِخفاء أَحد النوعين إِلى الآخر {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} ملبسه من الباطل يسر شيطان الجن إِلى شيطان الجن قولا فى إِغواءِ المؤمنين وفى زيادة إِغواءِ غير المؤمن، يقول شيطان من الجن لآخر منهم: أَغويت صاحبى بكذا فأَغوه أَنت به، وكذا يقول له الآخر، وإِما على أَن الشيطان بعض من الإِنس وبعض من الجن، فالذى من الجن يوسوس الذى من الإِنس، فذلك بعض إِلى بعض، ولو لم يتم من الجانبين، وقد يطلق الزخرف على المزين الذى هو الحق، والمراد الأَول لقوله {غُرُوراً} أَى لأَجل الغرور، أَو غارًّا، أَو ذا غرور، أَو يغرون غرورا {وَلَو شَاءَ رَبُّكَ} أَن لا يفعلوا فيكونوا مؤمنين، ومفعول المشيئة هو مضمون الجزاء على القاعدة كما رأَيته، وقدر بعضهم ولو شاءَ ربك إِيمانهم، وهو تفسير معنى، أَو تفسير صناعة بأَن اعتبر ما علق به فعل المشيئة سابقا قبل هذا وقال لو شاءَ ربك، وفيما يأْتى لو شاءَ الله لأَن ما هنا بعد ذكر العداوة فناسب أَن يذكر أن يربيه يمنعه ويحميه وما يأتي بعد ذكر العداوة فناسب أّن يذكره بعنوان الأُلوهية المنافية للشرك {مَا فَعَلُوهُ} أَى ما فعلوا ما ذكر من معاداة الأَنبياءِ وإِيحاءِ الزخارف، أَو ما فعلوا الإِيحاءَ، أَو ما فعلوا الغرور فى حقه صلى الله عليه وسلم وفى حق إِخوانه من الأَنبياء عليهم السلام، وفى هذا أَيضا رد على المعتزلة {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} اترمهم مع ما يفترونه، أَو مع افترانهم، أَو اتركهم واترك افتراءَهم أَو ما يفترونه من الكفر وما دونه من المعاصى مما زين لهم، أَى ما عليك إِثمهم، فقد بلغت وليس حسابهم أَو توبتهم عليك، وهذا مما يقوله الله له ولو بعد نزول القتال ولا نسخ لهذا بآية القتال كما زعم بعض.
الالوسي
تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} كلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما [كان] يشاهده من عداوة قريش وما بنوا عليها من الأقاويل والأفاعيل، وذلك إشارة إلى ما يفهم مما تقدم، والكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر مؤكد لما بعده، والتقديم للقصر المفيد للمبالغة، و {عَدُوّاً } بمعنى أعداء كما في قوله: شعر : إذا أنا لم أنفع صديقي بوده فإن عدوي لم يضرهم بغضي تفسير : أي مثل ذلك الجعل في حقك حيث جعلنا لك أعداء يضادونك [ويضارونك] ولا يؤمنون ويبغونك الغوائل ويَجْهدون في إبطال أمرك جعلنا لكل نبـي تقدمك فعلوا معهم نحو ما فعل معك أعداؤك لا جعلاً أنقص منه. وجعله الإمام على هذا الوجه عطفاً على معنى ما تقدم من الكلام، ولعله ليس المراد منه العطف الاصطلاحي، وجوز أن يكون مرتبطاً بقوله سبحانه: و { أية : كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 108] أي كما فعلنا ذلك جعلنا لكل نبـي عدواً وفيه بعد. وأياً ما كان فالآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة من أنه تعالى خالق الشر كما أنه خالق الخير، وحملها على أن المراد بها وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائهم / لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر خلاف الظاهر. ومثله قول أبـي بكر الأصم إن هذا الجعل بطريق التسبب حيث أرسل سبحانه الأنبياء عليهم السلام وخصهم بالمعجزات فحسدهم من حسدهم وصار ذلك سبباً للعداوة القوية، ونظير ذلك قول المتنبـي: شعر : فأنت الذي صيرتهم حسداً تفسير : وقيل: المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين كذلك أمرنا من قبلك من الأنبياء بمعاداة نحو أولئك أو كما أخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بذلك أخبرنا الأنبياء بعداوة أعدائهم وحكمنا بذلك والكل ليس بشيء، وهكذا غالب تأويلات المعتزلة. {شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} أي مردة النوعين كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد على أن الإضافة بمعنى من البيانية؛ وقيل: هي إضافة الصفة للموصوف والأصل الإنس والجن الشياطين، وقيل: هي بمعنى اللام أي الشياطين [التي] للإنس والجن. وفي «تفسير الكلبـي» عن ابن عباس ما يؤيده فإنه روى عنه أنه قال: إن إبليس عليه اللعنة جعل جنده فريقين فبعث فريقاً منهم إلى الإنس وفريقاً آخر إلى الجن. وفي رواية أخرى عنه أن الجن هم الجان وليسوا بشياطين والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا معه والجن يموتون ومنهم المؤمن والكافر، وهو نصب على البدلية من {عَدُوّاً} والجعل متعد إلى واحد أو إلى إثنين وهو أول مفعوليه قدم عليه الثاني مسارعة إلى بيان العداوة، واللام على التقديرين متعلقة بالجعل أو بمحذوف وقع حالاً من {عَدُوّا } قدم عليه لنكارته، وجوز أن يكون متعلقاً به وقدم عليه للاهتمام، وأن يكون نصب {شَيَـٰطِينَ } بفعل مقدر. وقوله سبحانه: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام عداوتهم أو حال من {شَيَـٰطِينَ } أو صفة لعدو، وجمع الضمير باعتبار المعنى كما في البيت السابق، «وأصل الوحي ـ كما قال الراغب ـ الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة أيضاً»، والمعنى هنا يلقي ويوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض كل من الفريقين إلى الآخر. {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ } أي المزوق من الكلام الباطل منه. وأصل الزخرف الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زخرف، وقال بعضهم: أصل معنى الزخرف الذهب، ولما كان حسناً في الأعين قيل لكل زينة زخرفة، وقد يخص بالباطل {غُرُوراً } مفعول له أي ليغروهم، أو مصدر في موقع الحال أي غارين، أو مصدر لفعل مقدر هو حال من فاعل {يُوحِى } أي يغرون غروراً، وفسر الزمخشري الغرور بالخداع والأخذ على غرة، ونسب للراغب أنه قال: يقال غره غروراً كأنما طواه على غره ـ بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء ـ وهو طيه الأول. {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} رجوع كما قيل إلى بيان الشؤون الجارية بينه عليه الصلاة والسلام وبين قومه المفهومة من حكاية ما جرى بين الأنبياء عليهم السلام وبين أممهم كما ينبىء عنه الالتفات، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام المعربة عن كمال اللطف في التسلية، والضمير المنصوب في {فَعَلُوهُ } عائد إلى عداوتهم له صلى الله عليه وسلم وإيحاء بعضهم إلى بعض مزخرفات الأقاويل الباطلة المتعلقة بأمره عليه / الصلاة والسلام باعتبار انفهام ذلك مما تقدم وأمر الأفراد سهل، وقيل: إنه عائد إلى ما ذكر من معاداة الأنبياء عليهم السلام، وإيحاء الزخارف أعم من أن تكون في أمره صلى الله عليه وسلم وأمور إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفيه أن قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} كالصريح في أن المراد بهم الكفرة المعاصرون له عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو عائد إلى الإيحاء أو الزخرف أو الغرور، وفي أخذ ذلك عاماً أو خاصاً احتمالان لا يخفى الأولى منهما، ومفعول المشيئة محذوف أي عدم ما ذكر ولا إشكال في جعل العدم الخاص متعلق المشيئة، وقدره بعضهم إيمانهم. واعترض بأن القاعدة المستمرة أن مفعول المشيئة عند وقوعها شرطاً يكون مضمون الجزاء كما في علم المعاني وهو هنا {مَّا فَعَلُوهُ} وتعقب بأنه هٰهنا ذكر المشيئة فيما تقدم متعلقاً بشيء وهو الإيمان كما أشير إليه ثم ذكر في حيز الشرط بدون متعلق فالظاهر أنه يجوز أن يقدر متعلقه مضمون الجزاء وأن يقدر ما علق به فعل المشيئة سابقاً، ولا بأس بمراعاة كل من الأمرين بحسب ما يقتضيه الحال. والمذكور في المعاني إنما هو فيما لم يتكرر فيه فعل المشيئة ولم يكن قرينة غير الجزاء فليعرف ذلك فإنه بديع، والأولى عندي اعتبار مضمون الجزاء مطلقاً، وإنما قال سبحانه هنا {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } وفيما يأتي { أية : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } تفسير : [الأنعام: 137] فغاير بين الاسمين في المحلين لما ذكر بعضهم وهو أن ما قبل هذه الآية من عداوتهم له عليه الصلاة والسلام كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي لو شاء منعهم عنها فلا يصلون إلى المضرة أصلاً يقتضي ذكره جل شأنه بهذا العنوان إشارة إلى أنه مربيه صلى الله عليه وسلم في كنف حمايته وإنما لم يفعل سبحانه ذلك لأمر اقتضته حكمته، وأما الآية الأخرى فذكر قبلها إشراكهم فناسب ذكره عز اسمه بعنوان الألوهية التي تقتضي عدم الاشتراك فكأنه قيل هٰهنا: إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتك من فنون المفاسد بمشيئة ربك جل شأنه الذي لم تزل في كنف حمايته وظل تربيته فاتركهم وافتراءهم أو وما يفترونه من أنواع المكايد ولا تبال به فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته سبحانه على الحكم البالغة البتة.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة، وتكون للرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه، وتصلبّهم في نبذ دعوته، فأنبأه الله: بأنّ هؤلاء أعداؤه، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم، فما منهم أحد إلاّ كان له أعداء، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبيء عليه الصلاة والسلام بِدْعا من شأن الرّسل. فمعنى الكلام: ألَسْتَ نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا ــــ إلى آخره. والإشارة بقوله: {وكذلك} إلى الجعل المأخوذ من فعل {جعلنا} كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً } تفسير : [البقرة: 143]. فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل {جعلنا}. وقوله: {عدواً} مفعول {جعلنا} الأوّل، وقوله: {لكل نبي} المجرور مفعول ثان لــــ {جعلنا} وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به، لأنّه الغرض المقصود من السّياق، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة الله في أنبيائه كلّهم، فيحصل بذلك التَّأسِّي والقُدوة والتّسلية؛ ولأن في تقديمه تنبيهاً ـــ من أول السمع ـــ على أنه خبر، وأنه ليس متعلّقا بقوله: {عدواً} كيلا يخال السّامع أنّ قوله: {شياطين الإنس} مفعول لأنّه يُحَوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو، وذلك ينافي بلاغة الكلام. و{شياطين} بدل من {عدواً} وإنَّما صيغ التّركيب هكذا: لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى الله عليه وسلم فمن أعرب {شياطين} مفعولاً لــــ {جَعل} و{لكل نبي} ظرفاً لغواً متعلِّقاً بــــ {عدوّا} فقد أفسد المعنى. والعَدُوّ: اسم يقع على الواحد والمعتددّ، قال تعالى: { أية : هم العدوّ فاحذرهم } تفسير : [المنافقون: 4] وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: { أية : فإن كان من قوم عدوّ لكم } تفسير : في سورة النساء (92). والشّيطان أصله نوع من الموجودات المجرّدة الخفية، وهو نوع من جنس الجنّ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : واتبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان } تفسير : [البقرة: 102]. ويطلق الشّيطان على المضلّل الّذي يفعل الخبائث من النّاس على وجه المجاز. ومنه «شياطين العرب» لجماعة من خباثهم، منهم: ناشب الأعور، وابنُه سعد بن ناشب الشّاعر، وهذا على معنى التّشبيه، وشاع ذلك في كلامهم. والإنس: الإنسان وهو مشتقّ من التأنّس والإلْف، لأنّ البشر يألف بالبشر ويأنس به، فسمّاه إنساً وإنساناً. و«شياطين الإنس» استعارة للنّاس الّذين يفعلون فعل الشّياطين: من مكر وخديعة. وإضافة شياطين إلى الإنس إضافة مجازية على تقدير (مِن) التبعيضية مجازا، بناء على الاستعارة التي تقتضي كون هؤلاء الإنس شياطين، فهم شياطين، وهم بعض الإنس، أي أنّ الإنس: لهم أفراد متعارفة، وأفراد غير متعارفة يطلق عليهم اسم الشّياطين، فهي بهذا الاعتبار من إضافة الأخصّ من وجهٍ إلى الأعمّ من وجهٍ، وشياطين الجنّ حقيقة، والإضافة حقيقة، لأنّ الجنّ منهم شياطين، ومنهم غير شياطين، ومنهم صالحون، وعداوة شياطين الجنّ للأنبياء ظاهرة، وما جاءت الأنبياء إلاّ للتحذير من فعل الشّياطين، وقد قال الله تعالى لآدم: { أية : إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك } تفسير : [طه: 117]. وجملة {يوحى} في موضع الحال، يتقيّد بها الجَعل المأخوذ من {جعلنا} فهذا الوحي من تمام المجعول. والوحي: الكلام الخفي، كالوسوسة، وأريد به ما يشمل إلقاء الوسوسة في النّفس من حديث يُزوّر في صورة الكلام. والبعض الموحي: هو شياطين الجنّ، يُلقون خواطر المقدرة على تعليم الشرّ إلى شياطين الإنس، فيكونون زعماء لأهل الشرّ والفساد. والزّخرف: الزّينة، وسمّي الذهب زُخرفاً لأنَّه يتزيَّن به حَلياً، وإضافة الزخرف إلى القول من إضافة الصّفة إلى الموصوف، أي القول الزُخرف: أي المُزَخْرَف، وهو من الوصف بالجامد الّذي في معنى المشتق، إذ كان بمعنى الزيْن. وأفهم وصف القول بالزُخرف أنّه محتاج إلى التّحسين والزخرفَة، وإنَّما يحتاج القول إلى ذلك إذا كان غير مشتمل على ما يكسبه القبول في حدّ ذاته، وذلك أنّه كان يفضي إلى ضُرّ يحتاج قائله إلى تزيينه وتحسينه لإخفاء ما فيه من الضرّ، خشية أن ينفر عنه من يُسوله لهم، فذلك التّزيين ترويج يستهوون به النّفوس، كما تموّه للصّبيان اللُّعب بالألوان والتذهيب. وانتصب {زخرف القول} على النيابة عن المفعول المطلق من فِعل {يوحى} لأنّ إضافة الزّخرف إلى القول، الّذي هو من نوع الوحي، تجعل {زخرف} نائياً عن المصدر المبيِّن لنوع الوحي. والغرور: الخِداع والإطماع بالنّفع لقصد الإضرار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : لا يغرنَّك تقلّب الذين كفروا في البلاد } تفسير : في سورة آل عمران (196). وانتصب {غروراً} على المفعول لأجله لفعل {يوحى}، أي يرحون زخرف القول ليَغُرّوهم. والقول في معنى المشيئة من قوله: {ولو شاء ربك ما فعلوه} كالقول في { أية : ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله } تفسير : [الأنعام: 111] وقوله: { أية : ولو شاء الله ما أشركوا } تفسير : [الأنعام: 107] والجملة معترضة بين المفعول لأجله وبين المعطوف عليه. والضّمير المنصُوبُ في قوله: {فعلوه} عائد إلى الوحي. المأخوذ من {يوحى} أو إلى الإشراك المتقدّم في قوله: { أية : ولو شاء الله ما أشركوا } تفسير : [الأنعام: 107] أو إلى العداوة المأخوذة من قوله: {لكل نبي عدواً}. والضّمير المرفوع عائد إلى {شياطين الإنس والجن}، أو إلى المشركين، أو إلى العدوّ، وفرع عليه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتركهم وافتراءَهم، وهو تركُ إعراضضٍ عن الاهتمام بغرورهم، والنكدِ منه، لا إعْراض عن وعظهم ودعوتهم، كما تقدّم في قوله: {وأعرض عن المشركين}. والواو بمعنى مع. {وما يفترون} مَوصول منصوب على المفعول معه. وما يفترونه هو أكاذيبهم الباطلة من زعمهم إلٰهية الأصنام، وما يتبع ذلك من المعتقدات الباطلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي عدواً، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين، وهو قوله {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 31] فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين، وصرح بذلك في قوله {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكْمْ} تفسير : [البقرة: 14] الآية. وقد جاء الخبر بذلك مرفوعاً من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره والعرب تسمي كل متمرد شيطاناً سواء كان من الجن أو من الإنس كما ذكرنا أو من غيرهما، وفي الحديث "حديث : الكَلب الأَسْوَد شَيْطَان"تفسير : : وقوله، شياطين بدل من قوله {عَدُوًا}، أو مفعول أول {جَعَلْنَا}، والثاني {عَدُوًا} أي جعلنا شياطين الإنس والجن عدواً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 112- وكما أن هؤلاء عادوك وعاندوك وأنت تريد هدايتهم جعلنا لكل نبى يبلِّغ عنا أعداء من عتاة الإنس وعتاة الجن الذين يخفون عنك ولا تراهم، يوسوس بعضهم لبعض بكلام مزخرف مُمَوَّه لا حقيقة له، فيلقون بذلك فيهم الغرور بالباطل، وذلك كله بتقدير الله ومشيئته، ولو شاء ما فعلوه، ولكنه لتمحيص قلوب المؤمنين. فاترك الضالين وكفرهم بأقوالهم التى يقترفونها. 113- وإنّهم يموّهون القول الباطل ليغروا أنفسهم ويرضوها، ولتميل إليه قلوب من على شاكلة أولئك العتاة الذين لا يذعنون للآخرة، ويعتقدون أن الحياة هى الدنيا، وليقعوا بسبب عدم اعتقادهم باليوم الآخر فيما يقترفون من آثام وفجور. 114- قل لهم - أيها النبى - هذا حكم الله بالحق بينتهُ الآيات الساطعة، فلا يسوغ أن أطلب حَكَماً غيره يفصل بينى وبينكم، وقد حكم سبحانه فأنزل الكتاب الكريم حُجة لى عليكم، وقد عجزتم أن تأتوا بمثله، وهو مبين للحق وللعدل، وإن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه منزل من عند الله مشتملا على الحق، كما بشرت كتبهم. وإن حاولوا إخفاء ذلك وكتمانه، فلا تكونن - يا أيها النبى - أنت ومن اتبعك من الذين يشكّون فى الحق بعد بيانه. 115- وإنَّ حُكْم الله قد صدَر، فتمت كلمات ربك الصادقة العادلة، بإنزال الكتاب الكريم مشتملا على الصدق، وفيه الميزان الصادق بين الحق والباطل، ولا يوجد من يغير كلمات الله وكتابه، وهو سبحانه سميع لكل ما يقال، عليم بكل ما يقع منهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَيَاطِينَ} (112) - وَكَمَا جَعَلْنَا هؤُلاَءِ وَأَمْثَالَهُمْ أَعْدَاءً لَكَ يَا مُحَمَّدُ، يُخَالِفُونَكَ وَيُعَانِدُونَكَ، وَيُعَادُونَكَ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِكَ أَعْدَاءً مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ (شَيَاطِينُ الإِنْسِ هُمُ الكُبُرَاءُ وَمَنْ يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الهُدَى بِالوَسْوَسَةِ وَالإِغْرَاءِ وَالمُخَادَعَةِ)، وَيُلْقي بَعْضُ هؤلاءِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ إِلى بَعْضِ القَوْلَ المُمَوَّهَ الذِي يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَسْتُرُونَ بِهِ قُبْحَ بَاطِلِهِمْ، وَيُؤَدُّونَهُ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ لاَ يَفْطَنُ إِلى بَاطِلِهَا كُلُّ وَاحِدٍ، حَتَّى يَغُرُّوا النَّاسَ وَيَخْدَعُوهُمْ وَيُمِيلُوهُمْ إِلَى مَا يُرِيدُونَ، كَمَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لآدَمَ وَحَواءَ لِلأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نَهَاهُمَا اللهُ عَنْهَا، وَكَمَا يُوَسْوِسُ شَيَاطِينُ الإِنْسِ لِمَنْ يَجْتَرِحُونَ السَّيِّئَاتِ، فَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ اللَّذَّةِ، وَالتَّمَتُّعِ بِالحُرِّيَّةِ، وَيُمَنُّونَهُمْ بِعَفْوِ اللهِ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ لاَ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ إِذْ خَلَقَ النَّاسَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِقَبُولِ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالخَيْرِ وَالشَّرِّ. زُخْرُفَ القَوْلِ - بَاطِلَ القَوْلِ المُزَوَّقَ المُمَوَّهَ. غُرُوراً - خِدَاعاً وَأَخْذاً عَلَى غِرَّةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَكَذَلِكَ} إشارة من الحق سبحانه وتعالى إلى الرسل والأنبياء ليعطي الأسوة للرسول بإخوانه السابقين له في موكب الرسالات، فلست بدعا - يا محمد - في أنك رسول يُواجَه بأعداء، فكل رسول من الرسل ووجه وقوبل بهؤلاء الأعداء. وهل فَتّ أعداء الرسل في عضد مَن أرسل إليهم وأضعفوا قوتهم وأوهنوا عزائمهم وأثنوهم عن دعوتهم؟ أو ظل الرسل أيضا صامدين؟.. إنهم صمدوا وأيدهم الله ونصرهم وإذا كنت أنت خاتم الرسل، وسيد المرسلين، والمعقب على رسالات سبقتك ولا معقب على رسالتك فلابد أن يكون الأعداء الذين يواجهونك مناسبين للمهمة التي تؤديها. وإياك أن تظن أن المقصد في هذه العداوة أننا تركناهم أعداء لمجرد العداء، لا، بل نحن قد أردنا هذه العداوة لصالح الدعوة؛ لأن الإنسان إذا ما كان في منهج خير وأهاجه الشر يتحمس لمزيد من الخير. ولذلك لا تجد الصحوات الإيمانية إلا حين يجد المؤمنون تحديا من خصومهم، هنا تجد الصحوة الإيمانية قد استيقظت لأن هناك خصوما يتحدونها، ولو لم يكن هناك خصوم لبقيت الصحوة فاترة. وهذا ما نراه حين يوجد من خصوم الإسلام من أي لون من ألوانهم مَن يتحدى أي قضية من قضايا الدين. في هذه الحالة نجد حتى غير الملتزم بمنهج الإسلام يغار على الدين. إذن فالعداوة لها فائدة، وإياك أن تظن أن في أي مظهر في الوجود يُغلب الله على مراداته في كونه، والشر له رسالة لأنه لولا أن الشر موجود ويصاب الناس من أذاه لما تحمس الناس للخير، فالذي يجعلنا نتحمس للخير هو وجود الشر، وأوضحنا من قبل أن الباطل جندي من جنود الحق: لأن الباطل حين يعض ويعربد في الناس يتساءل الناس متى يأتي الحق لينقذنا، وأنك ساعة ترى مريضا يتألم إياك أن تظن أن الألم قد جاءه دون سبب، بل الألم جندي من جند الشفاء. وكأن الألم يقول لمن يصيبه: يا إنسان تنبه أن عطبا في هذا المكان فسارع إلى علاجه. ولذلك نجد أعنف الأمراض وأشرسها وأخبثها، هي الأمراض التي تأتي بلا ألم يسبقها، ولا تظهر أعراضها إلا أن يستعصي شفاؤها، وهكذا نرى أن الألم جندي من جنود العافية. وحين يكون لك عدو في الحارة أو في البلدة وعيونه مركزة عليك فأنت تخاف أن تقع منك هَنة وعيب حتى لا يشنّع عليك؛ لذلك تسير على الصراط المستقيم لأنك لا تريد أن تنصره على نفسك. والشاعر القديم، الذي أعجبه الشعر فشطره. يقول لك: شعر : عداي لهم فضل عليّ ومنة فعندي لهم شكر على نفعهم ليا فهم كدواء والشفاء بمرّه فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا همُ بحثوا عن زلَّتي فاجتنبتها فأصبحت مِمَّا دنس العرض خاليا وهم أججوا جهدي ولكن ببغضهم وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا تفسير : لذلك لابد أن تنظر إلى كل شيء بحكمة إيجاد الحكيم له فقد شاء الحق أن يوجد الأعداء للدعوة الإسلامية حتى تنتصر وتقوى. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] وجعل الحق سبحانه وتعالى الأعداء للأنبياء، مهيَّجين ومثيرين للنبي ولأتباعه؛ لأن الأمر إذا حصلت فيه معارضة من مخالف أججت في نفس المقابل قوة حتى لا يهزم أمامه ولا يغلب أمام منطقه. ولذلك قال الحق: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} لأي أنهم لم يتطوعوا بالعداوة إنما هو تسخير للعداوة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً}. وكيف يجعل الله لكل نبي عدوا؟ إنه يفعل ذلك بما أودع في الناس من الاختيار، وما داموا مختارين فالذي اختار الهدى يكون نصيراً للنبي، والذي اختار الضلال يكون عدوا للنبي. إذن فهم لم يكونوا أعداء بطبيعتهم، وإنما بما أودع الله فيهم من الاختيار. وإذا كان الله هو الذي أودع الاختيار فقد أراد أن يحقق مشيئته في قوله: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ..} تفسير : [الأنفال: 42] ولو شاء الله الا يكون للنبوة أعداء لفعل ذلك؛ لأن له طلاقة القدرة، ولكن ذلك سيكون بالقهر، والله لا يريد قهراً للعقلاء، وإنما يريد أن يذهبوا إليه بمحض اختيارهم؛ اي وهم قادرون على الا يذهبوا. وكلمة "عدو" في ظاهرها أنها مفرد، ولكنها تطلق على الواحد، وتطلق على الاثنين، وتطلق على الجماعة، فتقول: "هذا عدو لي"؛ و"هذه عدو لي"؛ ولا تقل "عدوة"، وتقول: وهذان عدو لي، وهاتان عدو لي، لأن كلمة "عدو" تطلق على الذكر والأنثى وتقال للمفرد وللمثنى، وللجمع. اقرأ قول الحق: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 77] واقرأوا قول الحق: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123] ولم يقل أعداء، إذن فكلمة "عدو" تطلق على المفرد والمفردة، والمثنى والمثناة، وعلى جمع المذكر والجمع المؤنث. لكن بعض الذين يحبون أن يكونوا مستدركين على كلام الله. يقول الواحد منهم: كيف يقول: "فإنهم عدو لي"، أو "اهبطو بعضكم لبعض عدو"؟! ويقول سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ.. } تفسير : [الأعراف: 22] والشيطان عدو، وهم عدو. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ..} تفسير : [آل عمران: 103] ونقول له: أنت قد فاتك أن الذي يتكلم هو الرب الأعلى. والعداوة نوعان، فإذا تعدد العدو، وجمعته مصلحة واحدة في معاداة المعادي يكونون وحدة في العداوة فهم عدو واحد لاجتماعهم على سبب واحد في العداوة. لكن إذا تعددت أسباب العداوة فالأمر يختلف، فقد يكون لك عدو لأن مظهرك أحسن منه، وعدو آخر لأنك أذكى منه، وعدو ثالث لأنك أغنى منه. فلتعدد الأسباب صار كل واحد منهم عدوًا برأسه وجمع على أعداء لتعدد سبب العداوة. {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ..} تفسير : [سورة الأنعام: 112] وشياطين الإنس والجن كما يقول النجاة بدل من عدو و"شياطين" جمع شيطان وهو اللعين المطرود، البغيض، سواء أكان من الإنس أم من الجن. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} والوحي - كما نعرف - هم إعلام بخفاء، ولماذا يوحي بعضهم إلى بعض؟ لن غلبة الحق لا تجعلهم قادرين على أن يتجاهروا؛ لذلك يتآمرون مع بعضهم البعض، لكن الناس المحقين في قضية يتحركون في علانية. ولا يستخفون من الناس. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} ومن الذي يوحي؟ ومن الذي يوحى إليه؟ ليس لنا دخل بهذا الموضوع، إنما الوحي: هو إعلام بخفاء، إن كان إلهاماً في النفس، أو إن كان بالإشارة أو بالدس، أو إن كان بالوسوسة، أو إن كان بواسطة رسول نحن لا نراه، كل ذلك أساليب الوحي الشامل للخير والشر. وإذا كان الوحي من شياطين الجن فهل يوحون إلا بِشَرً؟ نعم. وكذلك هناك شياطين من الإنس يوحون أيضاً بشرّ. مصداقاً لقوله الحق: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} وزخرف القول، المقصود به أنهم يدخلون على المسائل بالتزيين، فيزينون للناس الشهوة، ولذلك سماها ربنا "وسوسة"، ونعلم أن المعاني حين يؤخذ لها ألفاظ تؤخذ من الأشياء الحسيّة، والوسوسة هي صوت الحلى، وقد اختار الله لما يفعله الشياطين من الإنس والجن للفظ الموحى بالمعنى المراد لأن وسوسة الحلى تغري بالنفاسة وعظم القيمة، والوسوسة طريقها هو الخفاء. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} وهم شياطين من الإنس والجن، إنس يوحي لإنس بأن يزين له المعصية والشهوة، وكثيراً ما يقع ذلك. وجنّي يوحي لجنّي؛ لأن الجن مكلَّف أيضاً. وكذلك يوحي الجن للإنس. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} الزخرف. هو الشيء لمزين ظاهره لكن باطنه فاسد، ولذلك قال عز وجل: {أية : وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا..} تفسير : [الزخرف: 35] أي أموراً مزخرفة ظاهراً، لكن ليس لها عمق أو عمر أو نفاسة. {يوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً..} [الأنعام: 112] وذلك ليغروهم ويخدعوهم ليفعلوا ويقترفوا المعصية، وإن لم يأتوا للمعصية بكلمات تزخرفها وتزينها فلن يستطيعوا أن يدخلوا بها على الناس؛ لذلك يعرضون ويبدون محاسن المعصية في ظاهر الأمر، مثال ذلك أنك لا تجد من يقول لآخر: اشرب الخمر لتصاب بتليف الكبد مثلا!! ولكن هناك من يقول: احتس الخمر ليذهب همك وتنشط نفسك ويكثر فرحك. {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} أي ليغروهم؛ بإظهار فائدة موهومة فيه، ويسترون عن الناس مضرّة هذا الشيء ومهالكه. ويتابع سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} إنّ الحق سبحانه وتعالى هو الذي أعطى خلقه اختياراً في أن يكونوا مؤمنين أو أن يكونوا كافرين، مهديين أو ضالين، في نور أو في ظلمة. ويأتي الوقت الذي يثيب فيه سبحانه أو يعاقب؛ لذلك فهو - جل شأنه - لا يرغمهم على فعل ثم يعاقبهم عليه؛ لأنه هو العدل. ولذلك نجد من يقول: لماذا العقاب ولا شيء في الكون يقع على غير مشيئة الله؟ ونقول: نعم كل شيء من فعل الله؛ لأن سبب الاختيار من الله. وسبحانه هو الذي خلق الاختيار. فالكافر لا يقدر أن يؤمن إلا أن شاء الله, لكن المطلوب منه أن يؤمن لأن طبيعته صالحة للكفر وصالحة للإيمان. إذن خلق الله الإنسان مختاراً في أن يفعل أو لا يفعل في بعض الأمور، فالذي ينظر إلى أن كل فعل من الله أي ليس بطاقة من عبد، نقول له: صح رأيك. ومن يقول: إن هذا الأمر من العباد نقول له أيضاً: صح موقفك؛ لأن ربنا خلق الإنسان صالحاً لأن يحصل منه كذا. فإن أردت الحقيقة تجد كل فعل يأتي من الله، فأنت - على سبيل المثال - لم تخلق القوة التي لليد لترتفع، ولا خلقت القوة للأصابع لتنقبض. وإذا أردت أن تقبض يدك. فما هي العضلات التي تتحرك لتفعل الانقباض؟ أنت لا تعرف. إنّك تقبض يدك بمجرد إرادة منك أن تقبضها، والذي خلق لك هذه القوة يأمرك ألا تستعملها في قهر الآخرين،ولكن عليك أن تستعملها فيما يفيد الناس. واليد صالحة للضرب وللعمل الطيب وأنت لم تخلق الطاقة التي في اليد، ولا خلقت الانفعال فيها لإرادتك. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أي لو شاء عدم فعله لفعل؛ لأن له طلاقة القدرة فلا يقدر أحد أن يخرج عن مراده أبداً. ونحن نرى السماء والأرض وكل ما دون الإنسان مسخراً، ثم لماذا نأخذ أمثلة من السماء والأرض والنبات والجماد والحيوان؟ خذ المثال من نفسك. أنت فيك أشياء ليس لك سيطرة عليها، واختيار لك عليها، ألك اختيار أن تمرض؟ . لا. ألك اختيار أن يقع عليك حجر وأنت تمشي؟. لا. ألك اختيار في أن يصيبك سائق سكران؟. لا. ألك اختيار في أن تموت او لا تموت؟. لا. لقد جعل الله فيك الأمرين الأثنين: قهرك في أمور. والقهرية تثبت له - سبحانه - القدرة وطلاقتها، وجعلك مختارا في أشياء، والاختيار يثبت صحة التكليف. ويتابع الحق مذيلاً الآية: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} لأن افتراءهم وكذبهم وزعمهم الباطل لن يغير من حقيقة الأمر شيئاً، وهم يرون أن افتراءهم يعوق الدعوة، لا، فقد صار افتراؤهم وكيدهم وعداوتهم للنبي وقوداً مهيّجاً للدعوة؛ لأن يخلص الدعوة من الشوائب ويصهر المؤمنين بها ويخرج منهم خصال الشر ويملأهم بخلال الخير. {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ..} تفسير : [الرعد: 17] ولو لم يكن هناك مهيّجات لهذه المسائل لدخل الدعوة العاطل والباطل ولاندس فينا من لا يعرف قيمة الإيمان؛ لذلك يمحص الله بالأعداء وبالقوم الذين يقفون أمامها حتى لا يكون في حملة الدعوة احد من ضعاف العقائد وضعاف الإيمان، وهم الذين يخرجون هرباً من مسئوليات الإيمان ولا يبقى إلا أصحاب الرسالة الذين يخلصون الصدق مع الله وينقيهم الله بواسطة الأعداء. ولذلك قال: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47] فمن الحكمة أنه - سبحانه - ثبط عزيمتهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والخروج معكم. {أية : وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} تفسير : [التوبة: 46] وهنا يقول الحق: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} وزخرف القول هو لون من الأداء له سُمَّاع، ومن يسمعونه قد لا يؤثر في قلوبهم ولا في نفوسهم، ومرة أخرى يسمعونه ويكون عندهم ميل وليس عندهم عقيدة ثابتة راسخة إلى هذا القول. وكيف يسلك هؤلاء الناس: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ..}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} معناهُ مُزيّنٌ مُحسَّنٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الولاء إنهم قد أبطلوا بالأعداء بقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} [الأنعام: 112]، إلى قوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114]، الإشارة فيها: إن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا، وإن أشد البلاء شماتة الأعداء، فلما كانت رتبة الأنبياء - عليهم السلام - أعلى كانت عداوة الأعداء لهم أدنى جعلنا بهم أولى، فقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} [الأنعام: 112]؛ فشياطين الإنس نفسه الإثارة بالسوء وهي أعدى الأعداء؛ ولهذا قدَّم ذكره على الجن هاهنا بخلاف المواضع الأخرى؛ ليعلم عداوة النفس، وأصحاب النفوس أشد وأصعب من عداوة شياطين الجن، فإن كيد الشيطان مع الإنسان كان ضعيفاً؛ فلصعوبة الابتلاء جمع الله تعالى بين الكيد في عداوة الأنبياء وللأولياء حتى قال: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام: 112]، بوزرهم به؛ لتزيد مقاساة شدائد أذيتهم في دفعة مراتب قربهم وكماليتهم في العبودية، وفنائهم في الأوصاف الربوبية، وبقائهم بالأخلاق الإلهية. {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112]، حتى عداوة شياطين الإنس والجن إنما هي بمشيئته لا بمشيئتهم، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] من زخرف القول، فإن للأنبياء فيه ما ذكرنا، وفيه للمؤمنين والكافرين ما ابتلاه، كما قال تعالى: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [الأنعام: 113]؛ يعني: وليبتلي بزخرف قوله: المؤمنين والكافرين، واكتفى بذكر أحد الفريقين عن الآخر، فيصغي إلى زخارفهم الكافرون الذين لا إيمان لهم بأن سوى هذه الدار داراً أخرى فيغترون بزخارفهم، وهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113]. وأمَّا المؤمنون فلا يصغون إلى زخارف قولهم ولا يغتروا بقولهم، ولا يهنون لما أصابهم من عداوتهم في سبيل الله تعالى، فيقوى بهم إيمانهم، ويزداد قربهم، ويتبدل أوصافهم الذميمة بالأخلاق الحميدة، ويحسن تفردهم للحق وتجردهم عن الخلق، ويقولون: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} [الأنعام: 114]؛ أي: أنا بالذي أطلب غير الله وغير محبته حاكماً من الدنيا والآخرة يحكم على أن أكون بحكمه، {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً} [الأنعام: 114] مبيناً للطالبين الصادقين طريق الحق من الباطل، مبلغاً بنور هداه العبد المحب إلى محبوبه ومولاه، {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الأنعام: 114]، أي: هداهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال، {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} [الأنعام: 114]؛ يعني: كوشفوا بحقائق القرآن أنه جذبة الحق منزل إلى المحبين؛ ليجذبهم إلى محبوبهم، {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] الذين يشكون في أن القرآن جذبة الحق أم الأخلاق يتمسكون به وهذا نهي التكوين، فكمن قال في الأزل: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} فما كان منهم فافهم جيداً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم- وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك، ويحاربونك، ويحسدونك، فهذه سنتنا، أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق أعداء، من شياطين الإنس والجن، يقومون بضد ما جاءت به الرسل. { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق،ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة،فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا، ولهذا قال تعالى: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف { أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك، { وَلِيَرْضَوْهُ } بعد أن يصغوا إليه، فيصغون إليه أولا فإذا مالوا إليه ورأوا تلك العبارات المستحسنة، رضوه، وزين في قلوبهم، وصار عقيدة راسخة،وصفة لازمة، ثم ينتج من ذلك، أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون، أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة، فهذه حال المغترين بشياطين الإنس والجن، المستجيبين لدعوتهم،وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة، فإن كانت حقا قبلوها، وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات ردية، وألفاظا غير وافية، وإن كانت باطلا ردوها على من قالها، كائنا من كان، ولو ألبست من العبارات المستحسنة، ما هو أرق من الحرير. ومن حكمة الله تعالى، في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه، أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى. ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه. فإنه -حينئذ- يتبين من أدلة الحق، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب، التي يتنافس فيها المتنافسون.
همام الصنعاني
تفسير : 846- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ}: [الآية: 112] قال: إن من الجنّ شياطين ومن الإِنس شياطين يوحِي بعضهم إلى بعض. 847- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر: وقال قتادة: حديث : بَلَغنِي أَنَّ أَبَا ذَرّ قام يوماً يُصلِّي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعوذ أبا ذر من شياطين الإِنس والجن" فقال: يا نبي الله، وإنَّ مِنَ الإِنْسِ لشياطِين؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم . تفسير : 848- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ مَنْصُورٍ: أن ابنَ مَسْعُودٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِن أَحدٍ إلاَّ وقد وُكلَ به قَرِينُه مِنَ الْجِنِّ، قالوا: وَلاَ أنت يا رَسُولَ اللهِ! قال: وَلاَ أنا، ولكن أَعانني الله عَلَيْه فَأَسْلَمَ، فَلاَ يأمُرُني إلاَّ بخير ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):