Verse. 902 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَلِتَصْغٰۗى اِلَيْہِ اَفْـــِٕدَۃُ الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِالْاٰخِرَۃِ وَلِيَرْضَوْہُ وَلِيَقْتَرِفُوْا مَا ہُمْ مُّقْتَرِفُوْنَ۝۱۱۳
Walitasgha ilayhi afidatu allatheena la yuminoona bialakhirati waliyardawhu waliyaqtarifoo ma hum muqtarifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولتصغى إليه» عطف على غرورا أي الزخرف «أفئدة» قلوب «الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا» يكتسبوا «ما هم مقترفون» من الذنوب فيعاقبوا عليه.

113

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الصغو في اللغة معناه: الميل. يقال في المستمع إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت أنه يصغي، ويقال: أصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في البعض، ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى. فقوله: {وَلِتَصْغَى } أي ولتميل. المسألة الثانية: «اللام» {وَلِتَصْغَى } لا بد له من متعلق. فقال أصحابنا: التقدير: وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شياطين الجن والإنس، ومن صفته أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وإنما فعلنا ذلك لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون أي وإنما أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف مقبولاً عند هؤلاء الكفار، قالوا: وإذا حملنا الآية على هذا الوجه يظهر أنه تعالى يريد الكفر من الكافر أما المعتزلة فقد أجابوا عنه من ثلاثة أوجه. الوجه الأول: وهو الذي ذكره الجبائي قال: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر، كقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ } تفسير : [الإسراء: 64] وكذلك قوله: {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ } [الأنعام: 113] وتقدير الكلام كأنه قال للرسول: فذرهم وما يفترون ثم قال لهم على سبيل التهديد ولتصغى إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون. والوجه الثاني: وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ستؤل عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال. قال القاضي: ويبعد أن يقال: هذه العاقبة تحصل في الآخرة، لأن الإلجاء حاصل في الآخرة، فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل، ولا أن يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب، بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل إلى أن يقبلوا الأباطيل ويرضوا بها ويعملوا بها. والوجه الثالث: وهو الذي اختاره أبو مسلم. قال: «اللام» في قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } متعلق بقوله: {أية : يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } تفسير : [الأنعام: 112] والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ } الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء هو مجموع هذه المعاني. فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب. أما الوجه الأول: وهو الذي عول عليه الحبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي. فأحدها: أن «الواو» في قوله: {وَلِتَصْغَى } تقتضي تعلقه بما قبله فحمله على الابتداء بعيد. وثانيها: أن «اللام» في قوله: {وَلِتَصْغَى } لام كي فيبعد أن يقال: إنها لام الأمر ويقرب ذلك من أن يكون تحريفاً لكلام الله تعالى وأنه لا يجوز. وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال: هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف، لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز وحمله على «كي» حقيقة فكان قولنا أولى. وأما الوجه الثالث: وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب: لأنا نقول: إن قوله: {يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير. وإذا عطفنا عليه قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فهذا أيضاً عين التغرير لا معنى التغرير، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحاً. وظاهره حسناً، وقوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز، أما إذا قلنا: تقدير الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شأنه أن يوحي زخرف القول لأجل التغرير وإنما جعلنا مثل هذا الشخص عدواً للنبي لتصغى إليه أفئدة الكفار، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي، وحينئذ لا يلزم على هذا التقدير عطف الشيء على نفسه. فثبت أن ما ذكرناه أولى. المسألة الثالثة: زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطاً للحياة، فالحي هو الجزء الذي قامت به الحياة، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم، وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة «لا» ذلك الجزء. إذا عرفت هذا فنقول: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم، لأنه قال تعالى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فجعل الموصوف بالميل والرغبة هو القلب، لا جملة الحي، وذلك يدل على قولنا. المسألة الرابعة: الذين قالوا الإنسان شيء مغاير للبدن اختلفوا. منهم من قال: المتعلق الأول هو القلب، وبواسطته تتعلق النفس بسائر الأعضاء كالدماغ والكبد. ومنهم من قال: القلب متعلق النفس الحيوانية، والدماغ متعلق النفس الناطقة، والكبد متعلق النفس الطبيعية، والأولون تعلقوا بهذه الآية، فإنه تعالى جعل محل الصغو الذي هو عبارة عن الميل والإرادة القلب، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب. المسألة الخامسة: الكناية في قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ } [الأنعام:113] عائدة إلى زخرف القول، وكذلك في قوله: {وَلِيَرْضَوْهُ }. وأما قوله: {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } فاعلم أن الاقتراف هو الاكتساب، يقال في المثل: الاعتراف يزيل الاقتراف، كما يقال: التوبة تمحو الحوبة. وقال الزجاج: {ليقترفوا} أي ليختلفوا وليكذبوا، والأول أصح.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ} تصغى تميل؛ يقال: صغوت أصْغُو صَغْواً وصُغُوًّا، وصَغَيت أصغى، وصَغِيت بالكسر أيضاً. يقال منه: صغِي يَصْغَى صغًى وصُغِيًّا، وأصغيت إليه إصغاء بمعنًى. قال الشاعر:شعر : تَرَى السَّفيهَ به عن كلّ مُحْكَمَة زَيْغٌ وفيه إلى التشبيه إصغاءُ تفسير : ويقال: أصغيت الإناء إذا أملْته ليجتمع ما فيه. وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض. ومنه صَغَت النجوم: مالت للغروب. وفي التنزيل: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4]. قال أبو زيد: يقال صَغْوُه معك وصِغْوُه، وصَغاه معك، أي ميله. وفي الحديث «فأصْغَى لها الإناء» يعني للهرة. وأكرموا فلاناً في صاغِيته، أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده. وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها إلى الرجل كأنها تستمع شيئاً حين يَشُدّ عليها الرَّحْل. قال ذو الرُّمَّة:شعر : تُصْغِي إذا شدّها بالكُورِ جانِحةً حتى إذا ما استَوَى في غَرْزِها تَثِبُ تفسير : واللام في «ولِتَصْغَى» لام كَيّ، والعامل فيها «يوحِي» تقديره: يُوحِي بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى. وزعم بعضهم أنها لام الأمر، وهو غلط؛ لأنه كان يجب «ولْتصغ إليه» بحذف الألف، وإنما هي لام كي. وكذلك {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ} إلا أن الحسن قرأ «ولْيرضوه وليقترفوا» بإسكان اللام، جعلها لام أمر فيه معنى التهديد؛ كما يقال: ٱفعل ما شئت. ومعنى {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي وليكتسبوا؛ عن ابن عباس والسّدِّي وابن زيد. يقال: خرج يقترف أهلَه أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الأمرَ إذا واقعه وعمِله. وقَرَفْتني بما ادّعيت عليّ، أي رميتني بالرِّيبة. وقَرف القُرْحة إذا قَشَر منها. واقترف كَذِباً. قال رُؤْبَة:شعر : أعيا اقترافُ الكذب المقروفِ تقوى التّقِي وعفّةُ العفيفِ تفسير : وأصله ٱقتطاع قطعة من الشيء.

البيضاوي

تفسير : {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} عطف على {غُرُوراً} إن جعل علة، أو متعلق بمحذوف أي وليكون ذلك {جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً}. والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا: اللام لام العاقبة أو لام القسم كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون أو لام الأمر وضعفه أظهر، والصغو: الميل والضمير لما له الضمير في فعلوه. {وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم. {وَلِيَقْتَرِفُواْ} وليكتسبوا. {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} من الآثام. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً} على إرادة القول أي: قل لهم يا محمد أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل، و «غير» مفعول {أَبْتَغِى } و {حُكْمًا} حال منه ويحتمل عكسه، و {حُكْمًا } أبلغ من حاكم ولذلك لا يوصف به غير العادل. {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن المعجز. {مُفَصَّلاً} مبيناً فيه الحق والباطل بحيث ينفي التخليط والالتباس. وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات. {وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ} تأييد لدلالة الإِعجاز على أن القرآن حق منزل من عند الله سبحانه وتعالى، يعلم أهل الكتاب به لتصديقه ما عندهم مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يمارس كتبهم ولم يخالط علماءهم، وإنما وصف جميعهم بالعلم لأن أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمل. وقيل المراد مؤمنو أهل الكتاب. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم {مُنَزَّلٌ } بالتشديد. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} في أنهم يعلمون ذلك، أو في أنه منزل لجحود أكثرهم وكفرهم به، فيكون من باب التهييج كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }تفسير : [الأنعام: 14] أو خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لخطاب الأمة. وقيل الخطاب لكل أحد على معنى أن الأَدلة لما تعاضدت على صحته فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ} بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده. {صِدْقاً} في الأخبار والمواعيد. {وَعَدْلاً} في الأقضية والأحكام ونصبهما يحتمل التمييز والحال والمفعول له. {لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ} لا أحد يبدل شيئاً منها بما هو أصدق وأعدل، أو لا أحد يقدر أن يحرفها شائعاً ذائعاً كما فعل بالتوراة على أن المراد بها القرآن، فيكون ضماناً لها من الله سبحانه وتعالى بالحفظ كقوله: {أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ }تفسير : [يوسف: 12] أو لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها. وقرأ الكوفيون ويعقوب {كلمة ربك} أي ما تكلم به أو القرآن. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لما يقولون. {ٱلْعَلِيمُ} بما يضمرون فلا يهملهم. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ} أي أكثر الناس يريد الكفار، أو الجهال أو أتباع الهوى. وقيل الأرض أرض مكة. {يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن الطريق الموصل إليه، فإن الضال في غالب الأمر لا يأمر إلا بما فيه ضلال. {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، أو جهالاتهم وآراؤهم الفاسدة فإن الظن يطلق على ما يقابل العلم. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون على الله سبحانه وتعالى فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة وتحريم البحائر، أو يقدرون أنهم على شيء وحقيقته ما يقال عن ظن وتخمين. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي أعلم بالفريقين، و {مِنْ} موصولة أو موصوفة في محل النصب بفعل دل عليه أعلم لا به فإن أفعل لا ينصب الظاهر في مثل ذلك، أو استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر {يُضِلَّ} والجملة معلق عنها الفعل المقدر. وقرىء {مَن يَضِلُّ} أي يضله الله، فتكون من منصوبة بالفعل المقدر أو مجرورة بإضافة أعلم إليه أي: أعلم المضلين من قوله تعالى: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ }تفسير : [الأعراف: 186] أو من أضللته إذا وجدته ضالاً، والتفضيل في العلم بكثرته وإحاطته بالوجوه التي يمكن تعلق العلـم بها ولزومه وكونه بالذات لا بالغير. {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحللون الحرام، والمعنى كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه. {إِن كُنتُم بِآيَـٰتِهِ مُؤْمِنِينَ} فإن الإِيمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله سبحانه وتعالى واجتناب ما حرمه. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وأي غرض لكم في أن تتحرجوا عن أكله وما يمنعكم عنه. {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } مما لم يحرم بقوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }تفسير : [المائدة: 3] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {فَصْلٌ} على البناء للمفعول، ونافع ويعقوب وحفص {حَرَّمَ} على البناء للفاعل. {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} مما حرم عليكم فإنه أيضاً حلال حال الضرورة. {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ} بتحليل الحرام وتحريم الحلال. قرأ الكوفيون بضم الياء والباقون بالفتح. {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} بتشبيههم من غير تعلق بدليل يفيد العلم. {إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ} بالمجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام. {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} ما يعلن وما يسر، أو ما بالجوارح وما بالقلب. وقيل الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} يكتسبون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِتَصْغَىٰ } عطف على (غروراً): أي تميل {إِلَيْهِ } أي الزخرف {أَفْئِدَةُ } قلوب {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ } يكتسبوا {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } من الذنوب فيعاقبوا عليه.

ابن عطية

تفسير : {ولتصغى إليه} معناه لتميل يقال صغى يصغى وأصلها يصغى بكسر العين لكن رده حرف الحلق إلى الفتح ويقال صغى يصغو وأصغى يصغي ويصغى و {أفئدة} جمع فؤاد و "يقترفون" معناه يواقعون ويجترحون، وهي مستعملة أكثر ذلك في الشر والذنوب ونحوه، والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال على أنها لام كي، فإما أن تكون معطوفة على {أية : غروراً} تفسير : [الأنعام:112]، وإما أن تكون متعلقة بفعل مؤخر تقديره فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة قاله الزجّاج، ولا يحتمل أن تكون هذه اللامات على هذه القراءة لام الأمر وضمنها الوعيد، وتبقى في "لتصغى" على نحو ما جاء من ذلك في قول الشاعر: شعر : ألم يأتيك الخ.............. تفسير : إلى غير ذلك مما قد قرىء به، قال أبو الفتح قرأها الحسن بالتسكين في الثلاثة وهي لام كي وهي معطوفة على قوله {أية : غروراً} تفسير : [الأنعام:112] التقدير لأجل الغرور "ولْتصغى" وإسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال قوي في القياس. قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن تحمل قراءة الحسن بسكون اللامات الثلاثة على أنها لام الأمر المضمن الوعيد والتهديد، والخط على هذه القراءة "ولتصغ" ذكر أبو عمر الداني أن تسكينه في اللامات الثلاثة وكذلك قال أبو الفتح وذكر أن الحسن إنما يسكن اللامين الثانية والثالثة. قال القاضي أبو محمد: وذلك يخالفه خط المصحف في "ولتصغى". قال القاضي أبو محمد: ويتحصل أن يسكن اللام في {ولتصغى} على ما ذكرناه في قراءة الجماعة، قال أبو عمرو: وقراءة الحسن إنما هي "لتصغي" بكسر الغين، وقراءة إبراهيم النخعي "لتُصغي" بضم التاء وكسر الغين من أصغى يصغي، وكذلك قرأ الجراح بن عبد الله، وقوله تعالى: {أفغير} نصب بـ {أبتغي}، و {حكماً} نصب على البيان والتمييز، و {مفصلاً} معناه مزال الإشكال قد فصلت آياته، وإن كان معناها يعم في أن الله لا يبتغى سواه حَكماً في كل شيء وفي كل قضية فإنَّا نحتاج في وصف الكلام واتساق عليهم بأنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم كل الآيات. وحكمه بأن جعل الأنبياء أعداء من الجن والإنس، و {حَكَماً} أبلغ من حاكم إذ هي صيغة للعدل من الحكام والحاكم جار على الفعل فقد يقال للجائر، و {حَكَماً} نصب على البيان أو الحال، وبهذه الآية خاصمت الخوارج علياً رضي الله عنه في تكفيره بالتحكيم، ولا حجة لها لأن الله تعالى حكم في الصيد وبين الزوجين فتحكيم المؤمنين من حكمه تعالى. وقوله تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق}. يتضمن الإشهاد بمؤمنيهم والطعن والتنبيه على مشركيهم وحسدتهم، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم "منزّل" بالتشديد، والباقون بالتخفيف، "والكتاب" أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنس التوارة والإنجيل والزبور والصحف، ووصفه أهل الكتاب بالعلم عموم بمعنى الخصوص وإنما يريد علماءهم وأحبارهم، وقوله {فلا تكونن من الممترين} تثبيت ومبالغة وطعن على الممترين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلِتَصْغَى} تميل تقديره "ليغرُّوهم غروراً ولتصغى"، أو اللام للأمر، ومعناها الخبر، قلت للتهديد أحسن.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلِتَصْغَىٰ}: معناه: لِتَمِيلَ، قال الفَخْر: والضميرُ في قوله: {وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} ـــ يعود علَىٰ زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله: {وَلِيَرْضَوْهُ} والاقترافُ: معناه الاكتساب. وقال الزجَّاج: و {ليقترفوا}، أي: يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ. انتهى. والقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ؛ على أنها لام كَيْ معطوفة علَىٰ غُروراً و {حُكْماً} أبلغُ من حاكِمٍ؛ إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائِرِ، و {مُفَصَّلاً}: معناه: مزالُ الإشكال، والكتاب أولاً هو القرآن، وثانياً ٱسْمُ جنسٍ للتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والصُّحُفِ. وقوله تعالى: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}: تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين. قلتُ: وقد تقدَّم التنبيهُ علَىٰ أنه صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يْمُكِنُ منه الشَّكُّ. وقوله سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً...} الآية: {تَمَّتْ}؛ في هذا الموضع: بمعنى: ٱستمرَّتْ وصحَّتْ في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب «السِّيرة» مِنْ قولهم: وتَمَّ حَمْزَةُ عَلَىٰ إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلماتُ: ما أنزل علَىٰ عباده، و {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِ}: معناه: في معانيها.

ابن عادل

تفسير : في هذه اللاَّم ثلاثة أوْجُه: أحدها: أنها لام "كَيْ" والفِعْل بعدها مَنْصُوب بإضمار "أن" وفيما يتعلَّق به احتمالان: الاحتمال الأول: أن يتعلَّق بـ "يُوحِي" على أنَّها نَسَق على "غُرُوراً" و "غُرُوراً" مفعول له، والتقدير: "يوحي بَعْضُهم إلى بَعْض للغُرُور وللصَّغْو"، ولكن لما كان المَفْعُول له الأوَّل مُسْتَكْمِلاً لِشُروط النَّصْب، نُصِب، ولما كان هذا غير مُسْتكملٍ للشُّروطِ، وصل الفعل إليه بِحَرف العِلَّة، وقد فَاتَه من الشَّروط كونه لم يتَّحِد فيه الفَاعِل، فإنَّ فاعل الوحي: "بَعْضُهم"، وفاعل الصَّغْو: "الأفئدة" وفات أيضاً من الشُّروط صَريح المصدريَّة. والاحتمال الثاني: أن يتعلَّقِ بِمَحْذُوف متَأخِّر بَعْدَها، فقدَّره الزَّجَّاج، ولِتَصْغى إليه فَعَلُوا ذَلِك، وكذا قدَّره الزَّمَخْشَرِي، فقال: ولِتَصْغى جَوَابُه مَحْذُوف، تقديره: وليكون ذَلِك جَعَلْنا لكُلِّ نبي عدُواً على أن اللاَّم لام الصَّيْرُورة. والوجه الثاني: أن اللاَّم لام الصَّيْرُورة وهي الَّتِي يعبِّرون عنها بِلام العاقِبَة، وهي رأي الزَّمَخْشَري، كما تقدَّم حكايته عنه. الوجه الثالث: أنها لام القَسَم. قال أبو البقاء: "إلا أنَّها كُسِرتْ لمَّا لم يؤكد الفِعْل بالنُّون" وما قَالَه غير مَعْرُوف، بل المَعْرُوف في هذا القَول: أنَّ هذه لام كَيْ، وهي جوابُ قسم مَحْذُوف، تقديره: واللَّه لتَصْغَى فوضع "لِتَصْغَى" موضع "لَتَصْغَيَنَّ" فصار دواب القَسَم من قَبِيل المُفْرَد؛ كقولك: "والله ليقومُ زيد" أي: "أحْلِفُ بالله لَقيامُ زيد" هذا مَذْهبُ الأخْفَش وأنشد: [الطويل] شعر : 2289 -إذَا قُلْتُ قَدْنِي قَالَ بِاللَّه حَلْفَةً لِتُغْنِيَ عَنِّي ذَا إنَائِكَ أجْمَعَا تفسير : فقوله: "لتُغْني" جواب القَسَم، فقد ظَهَر أن هذا القَائِل يَقُول بكونها لام كي، غاية ما في الباب أنَّها وقعت مَوْقِع جواب القَسَم لا أنَّها جوابٌ بِنَفْسِها، وكُسِرَتْ لمَّا حُذِفَتْ منها نون التَّوكيد، ويدلُّ على فساد ذلك، أنَّ النُّونَ قد حُذِفَتْ، ولامَ الجواب بَاقِية على فَتْحِها، قال القَائِل في ذلك: [الطويل] شعر : 2290- لئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ تفسير : فقوله: "لَيَعْلَمُ" جوابُ القَسَم الموطَّأ له باللاَّم في "لَئِنْ" ومع ذلك فَهِي مَفْتُوحة مع حَذْفِ نُونِ التَّوْكِيد. والضَّمِير في قوله: "مَا فَعَلُوه" وفي: "إليه" يَعُود: إمَّا على الوَحْي، وإمَّا على الزُّخْرُف، وإما على القَوْل، وإمَّا عَلَى الغُرُور، وإمّا على العداوة؛ لأنَّها بمعنى: التَّعَادي. ولتصغى أي تميل وهذ المادَّة تدل على الميْل، ومنه قوله - تعالى -: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم:4]، وفي الحديث: "فأصْغى لها الإنَاء" وصاغِيَةُ الرجل: قَرَابَتُه الَّذِين يَمِيلون إليه، وعين صَغْوى أي: مائِلَة، قال الأعْشَى: [الطويل] شعر : 2291- تَرَى عَيْنَهَا صَغْوَاء فِي جَنْبِ مُؤقِهَا تُرَاقِبُ فِي كَفِّي القَطِيعَ المُحَرَّمَا تفسير : والصَّغَا: مَيْلٌ في الحَنَك والعَيْن، وصغت الشمس والنجوم: أي مالت للغُرُوب. ويقال: "صَغَوْتُ، وصَغِيتُ وصَغَيْتُ" فاللاَّم واو أو ياء، ومع الياء تُكْسَرُ عين المَاضِي وتُفْتَحُ. قال أبو حيَّان: "فَمَصْدر الأوَّل صَغْوٌ، والثَّاني صُغيُّ والثالث صَغاً، ومضارِعُها يَصْغَى بفتح العين". قال شهاب الدِّين: قد حَكَى الأصْمَعِيُّ في مصدر صَغَا يَصْغُوا صَغاً، فليس "صَغاً" مُخْتَصاً بكونه مَصْداً لـ "صَغِي" بالكَسْر. وزاد الفرَّاء: "صُغِياً" و "صُغُواً" بالياء والواو مُشَدَّدتين، وأما قوله: "ومُضارِعُها، أي مُضارع الأفعال الثلاثة: يَصْغَى بِفَتْح الغين" فقد حكى أبُو عُبَيْد عن الكسَائِي: صَغَوتُ أصْغُو، وكذا ابن السِّكِّيت حَكَى: صَغَوتُ أصْغُو، فقد خَالَفُوا بين مُضارعِها، وصَغَوْتُ أصْغُو هو القياس الفَاشِي، فإن فعل المُعْتَل اللاَّم بالواو قِيَاس مُضَارعه: يَفْعُل بضمِّ العَيْن. وقال أبو حيَّان أيضاً: "وهي - يعني الأفعال الثلاثة - لازمة" أي: لا تتعدَّى، وأصْغَى مثلْها لازم، ويأتِي متعدِّياً، فتكون الهَمْزَة للنَّقْل، وأنشد على "أصْغَى" اللا‍َّزم قول الشاعر: [البسيط] شعر : 2292- تَرَى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ زَيَغٌ وَفِيهِ إلى التَّشْبيه إصْغَاءُ تفسير : قال شهاب الدِّين: ومثله قول الآخر: [البسيط] شعر : 2293- تُصْغِي إذَا شَدَّهَا بالرَّحْلِ جَانِحَةً حَتَّى إذا اسْتَوَى فِي غَرْزِهَأ تَثِبُ تفسير : وتقول: أصْغَى فُلان بأذُنه إلى فُلان, وأنْشِد على "أصْغَى" المتعدِّي قول الآخر: [البسيط] شعر : 2294 - أصَاخَ مِنْ نَبْأةٍ أصْغَى لَهَا أذُناً صِمَاخُهَا بِدَخِيسِ الذَّوْقِ مَسْتُورُ تفسير : وفي الحديث: "فأصْغَى لها الإنَاء" وهذا الذي زَعَمه من كَوْن صغَى، أو صَغِيَ، أو صَغاً يكون لازماً غير مُوافَقٍ عليه، بل قد حَكى الرَّاغب أنه يُقَال: صَغَيْتُ الإنَاء وأصغَيْتُه [وصَغِيت بكسر الغَيْن] يُحْتَمل أن يَكُن من ذَوَات اليَاءِ، ويُحْتَمل أن يكُون من ذَواتَ الواوِ، وإنَّما قُلِبَت الواوُ ياءً؛ لانكسار ما قَبْلَها؛ كقَوِي، وهُو من القُوَّة. وقراءة النَّخْعِي، والجَرَّاح بن عبد الله: "ولِتُصْغَى" من أصغَى رباعياً وهو هُنا لاَزِم. وقرأ الحسن: "وَلْتَصْغى وليَرْضَوْه ولْيَقْتَرِفوا" بسكون اللاَّم في الثَّلاثة، وقال أبو عمرو الداني: "قراءة الحَسَن إنَّما هُو: "ولِتَصْغِي" بكَسْر الغَيْن". قال شهاب الدِّين: فتكون كقراءة النَّخَعِيِّ. وقيل: قرأ الحسن: "ولتصغي" بكَسْر اللاَّم كالعامَّة، ولْيَرْضوه ولْيَقْتَرِفوا بسكون اللاَّم، خرَّجوا تَسْكين اللاَّم على أحَدِ وَجْهَين: إمَّا أنها لام كي، وإنَّما سُكِّنَتْ إجراءً لها مع بَعْدها مُجْرى كَبِد، ونَمِر. قال ابن جِنِّي: "وهو قَوِيٌّ في القِيَاس، شاذٌّ في السَّماع". والثاني: أنَّها لام الأمْر، وهذا وإن تَمشَّى في "لِيرْضَوْه ولِيَقْتَرِفوا": فلا يتمشَّى في: "ولِتَصْغى" إذ حرف العلة يحذف جزماً. قال أبُو البقاء: "ولَيْست لام الأمْر؛ لأنه لَمْ يَجْزِم الفعل". قال شهاب الدِّين: قد ثبت حَرْف العِلَّة جَزْماً في المُتَواتِر، فمنها: {أية : أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} تفسير : [يوسف: 12] {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [يوسف:90] {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى:6] {أية : لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} تفسير : [طه:77] وفي كُلِّ ذلك تَاويلات سَتَقِف عَلَيْها - إن شاء الله تعالى - فلتكن هذه القراءة الشَّاذَّة مثل هذه المَوَاضِع، والقولُ بكون لام "لتصغى" لام "كَيْ" سُكِنت؛ لِتَوالي الحَرَكات واللاَّمين بَعْدَها لامَيْ أمْر بعيدٌ وتَشَهٍّ. وقال النَّحَّاس: ويُقْرأ: "ولْيَقْتَرِفُوا" يعني بالسُّكُون، قال: "وفيه مَعْنى التَّهْديد". يريد: أنَّه أمر تَهْديد؛ كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت:40] ولم يحك التَّسْكِين في "لِتَصْغَى"، ولا في "لِيَرْضَوه". و"مَا" في "ما هم مُقْتَرِفون" مَوْصُولة اسميَّة، أو نكرة مَوْصُوفة مصدريَّة، والعَائِد على كلا القولَين الأولين مَحْذُوف، أي: "ما هم مُقْتَرِفُوه". [و] قال أبُو البقاء: "وأثبت النُّون لما حُذِفَت الهاء" يريد: أن الضَّمير المتَّصِل باسم الفاعل المُثَنَّى والمجموع على حَدِّه، تُحْذَفُ له نُون التَّثْنِيَة والجمع، نحو: "هَذَانِ ضَارِبَاه" و "هؤلاء ضَارِبُوه" فإذا حذفَ الضَّمِير، زال المُوجِب, فتَعُود النُّون, وهذا هو الأكْثَر, أعني: حّذْف النُّون مع اتِّصال الضَّمِير, وقد ثَبَتت؛ قال القائل: [الطويل] شعر : 2295- وَلَم يَرْتَفِقْ والنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ جَمِيعاً وأيْدِي المُعْتَفِينَ رَوَاهِقُهْ تفسير : وقال القائل في ذلك: [الطويل] شعر : 2296- هُمُ الفَاعِلون الخَيْرَ والآمِرُونَهُ ......................... تفسير : والاقْتِرَاف: الاكْتِساب، واقترف فُلان لأهْله، أي: اكْتَسَب، وأكثر ما يُقَال في الشَّرِّ والذَّنْب، ويطْلَق في الخَيْر، قال - تعالى -: {أية : وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} تفسير : [الشورى:23]. وقال ابن الأنْبَارِيِّ: "قَرَفَ واقْتَرَفَ: اكتسب" وأنْشَد في ذلك: [الطويل] شعر : 2297- وإنِّي لآتٍ مَا أتَيْتُ وَإنَّنِي لِمَا اقْتَرَفَتْ نَفْسِي عَلَيَّ لَرَاهِبُ تفسير : وأصل القِرْفِ والاقْتِرَاف: قِشْرُ لحاء الشَّجر، والجِلْدَةُ من أعَلَى الحرج وما يؤخَذُ منه قَرف، ثُمَّ استُعِير الاقْتِرَاف للاكْتِسَاب حَسَناً كان، أو سِّيئاً وفي السيّئ أكثر اسْتِعْمالاً وقارف فلان أمْراً: تَعَاطى ما يُعَاب به. وقيل: الاعْتراف يُزِيل الاقْتِرَاف، ورجل مُقْرِف، أي: هجين: قال الشَّاعر: [الرمل] شعر : 2298- كَمْ بِجُودٍ مُقْرِفٍ نَالَ العُلَى وشَريفٍ بُخْلُهُ قَدْ وَضَعَهْ تفسير : وقَرَفْتُه بكذا: اتَّهَمْتُه، أو عِبْتُه به، وقارف الذَّنْب وعَبَره، إذا أتَاه ولاصقَهُ، وقارف امْرَأتَهُ، إذا جَامَعها، والمُقْتَرِف من الخَيْل: الهَجِين، وهو الَّذي أمُّه برذونة، وأبُوه عَرَبِيّ. وقيل: بالعَكْس. وقيل: هُو الَّذي دان الهجنة وقَارَفَها، ومن حَدِيث عُمَر - رضي الله عنه -: كتب إلى أبِي مُوسى في البَراذِين ما قَارفَ العِتَاق مِنْهَا، فأجْعَل لَهُ منهما واحِداً، أي: قَارَبَهَا ودَانَاهَا، نقله ابن الأثير. فصل في تقدير الآية قال ابن الخِطِيب [قال أصْحَابنا] تقدير الآية الكَرِيمة: وكذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نِبِيِّ عدوّاً من شَيَاطين الجِنِّ والإنْس، وصفته: أنَّه يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْض زُخْرُف القَوْل غَرُواً، وإنَّما فَعَلْنا ذلك لِتَصْغَى إلَيْه أفْئِدة الذين لا يُؤمِنُون بالآخرة أي: أوْجدنا العداوة في قَلْب الشَّيَاطين الذين من صفتهم ما ذَكرْنَاهُ، ليكون كلامهم المُزَخْرَف مَقْبُولاً عند هؤلاء الكُفَّار. قالوا: وإذ حَمَلْنا الآية على هذا الوَجْه، يظهر أنَّه - تبارك وتعالى - يُريد الكُفْر من الكَافِر. أجاب المُعْتَزِلَة عنه من ثلاثة أوْجُه: الأول: قال الجُبَّائي: إن هذا الكلام خرج مَخْرج الأمر، ومعناه: الزَّجْر؛ كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} تفسير : [الإسراء:64] وكذا قوله: "وَلِيَرْضَوْه، ولِيقْتَرِفُوا" وتقدير الكلام: كأنَّه قال للرَّسُول - عليه السَّلام -: "فَذرْهُم وما يَفْتَرُون" ثم قال لَهُم على سَبِيل التَّهديد "ولِتَصْغَى إلَيْه أفْئِدَتُهم، وليَرْضَوه وليقترفوا ما هُم مُقْتِرَفُون". الوجه الثاني: قال الكَعْبِي إنّ هذه اللاَّم لام العاقبة، أي: ستئول عاقبة أمرهم إلى هذه الأحْوال. قال القَاضِي: ويبعُد أن يقال: هذه العاقبة تحصُل في الآخِرة؛ لأن الإلْجَاء حَاصِل في الآخِرَة. قال: فلا يجُوز أن تِمَيل قُلُوب الكُفَّار إلى قُبُول المَذْهَب البَاطِل، ولا أن يَرْضَوْه، ولا أنْ يقترفوا الذُّنُوب، بل يَجِبُ أن تُحْمَل على أنَّ عاقبة أمْرِهم في الدُّنْيَا تئول إلى أنْ يَقْبَلوا الأبَاطِيل، ويرضوا بها، ويَعْملُوا بها. الوجه الثالث: وهو الذي اختاره أبو مُسْلِم، قال: اللاَّم في قوله: {ولِتَصْغَى إلَيْه أفْئِدَةُ} متعلِّق بقوله: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} والتَّقْدير: أن بَعْضَهم يُوحِي إلى بَعْض زُخْرُف القَوْل ليغُرُّوا بذلك، {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ} الذُّنُوب، ويكون المُرَاد أنَّ مَقْصُود الشَّياطين من ذلك الإيحاء: هو مَجْمُوع هذه المَعَانِي. والجواب عمّا ذكره الجُبَّائي من وُجُوه، ذكرها القَاضِي: أحدها: أن الواوَ في قوله: "ولِتَصْغَى" تقتضي تَعَلُّقَه بما قبْلَه، فحملُه على الابتداء بَعيدٌ. وثانيها: أن اللاَّم في قول: "ولِتَصْغَى" لام كَيْ، فيبعد أن يُقَال إنَّه لام الأمْر، ويَقْرُب ذلك من أنْ يَكُون تَحْرِيفاً لِكَلام اللَّه - تعالى -، وأنه لا يَجُوز، وأمَّا قول الكَعْبِي: بأنَّها لام العَاقِبَة، فضعيف؛ لأنهم أجْمَعُوا على أن هذا مَجَازٌ، وحَمْلُه على "كي" حَقِيقةً أوْلى، وأمَّا قَوْل أبِي مُسَلم، فهو أحسنُها، إلاَّ أنْ قوله: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} يقتضي ان يكُون الغَرَض من ذلك الإيحاء: هو التَّغْرير، وإذا عَطَّفْنَا عليه قوله: {ولِتَصْغَى إليْه أفْئِدَة} فهذا أيضاً عَيْن التغرير، لا معنى التغرير؛ لأنه يَسْتَمِيل إلى ما يكون بَاطِنُه قَبِيحاً، وظاهره حَسَنَاً. قوله: {ولِتَصْغَى إليه أفْئِدَة} عين هذه الاسْتِمَالة فلو عَطَفْنَأ عليه، لَزِم أن يَكُون المَعْطُوف عين المَعْطُوف عَلَيْه، وأن‍َّه لا يجوز، أمَّا إذا قُلْنَا: تَقْدير الكلام: وكذلك جَعَلْنَا لكُلِّ نَبِيّ عُدُوّاً من شَأنه أن يُوحِي زُخْرُف القَوْل؛ لأجل التَّغرير، وإنما جَعَلْنا مثل هذا الشَّخْص عَدُواً للنَّبِي؛ لتصْغَى إليه أفْئِدَة الكُفَّار، فَيَبْعُدوا بذلك السَّبَبِ عن قُبُول دَعْوة ذلك النَّبِيِّ، وحينئذٍ لا يَلْزَم منه عَطْف الشَّيء على نَفْسِه، فما ذَكَرنَاه أوْلى. فصل في معنى الإنسان قالوا: الإنسان شيء مُغَاير للبَدَن، ثم اخْتَلَفُوا: منهم من قال: المُتَعلَّق الأوَّل هو القَلْب، وبواسطته تتعلَّق النَّفْس؛ كسائر الأعْضَاء، كالدِّمَاغ، والكَبِد، ومنهم مَنْ قَال: القَلْب متعلِّق النَّفس الحَيَوانيَّة، والدِّمَاع متعلَّق النَّفْس النَّاطِقَة، والكَبِد متعلَّق النَّفْس الطَّبِيعيَّة، والأوَّلون تمسَّكوا بهذه الآية الكريمة؛ فإنه - تبارك وتعالى - جَعَل مَحَلَّ الصَّغى الذي هُو عِبَارة عن المَيْل والإرادة: القَلْب، فدلّ على أنَّ مُتعلِّق النَّفْس: القَلْب.

ابو السعود

تفسير : {ولتصغىٰ إِلَيْهِ} أي إلى زُخرُفِ القولِ وهو على الوجه الأولِ علة أخرى للإيحاء معطوفةٌ على غروراً وما بـينهما اعتراضٌ وإنما لم ينصَبْ لفقد شرطِه إذ الغرورُ فعلُ الموحي وصغْوُ الأفئدةِ فعلُ الموحىٰ إليه أي يوحي بعضُهم إلى بعض زُخْرفَ القولِ ليغرِّرَهم به ولتميل إليه {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} إنما خصَّ بالذكر عدمُ إيمانِهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمانُ بها وهم بها كافرون إشعاراً بما هو المدارُ في صغْو أفئدتِهم إلى ما يلقى إليهم، فإن لذّاتِ الآخرةِ محفوفةٌ في هذه النشأةِ بالمكاره، وآلامُها مزينةٌ بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراءَ تلك المكارهِ لذّاتٍ ودون هذه الشهواتِ آلاماً وإنما ينظُرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادىءَ الرأي فهم مضطرون إلى حبّ الشهواتِ التي من جملتها مزخْرَفاتُ الأقاويلِ ومُموَّهاتُ الأباطيل وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحالِ ناظرين إلى عواقب الأمورِ لم يُتصوَّر منهم الميلُ إلى تلك المزخرَفاتِ لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتِها. وأما على الوجهين الأخيرين فهو علةٌ لفعل محذوف يدل عليه المقامُ أي ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا، والمعتزلةُ جعلوا اللامَ لامَ العاقبةِ أو لام القسَم أو لامَ الأمر وضعفُه في غاية الظهور {وَلِيَرْضَوْهُ} لأنفسهم بعد ما مالت إليه أفئدتهم {وَلِيَقْتَرِفُواْ} أي يكتسبوا بوجب ارتضائِهم له {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} له من القبائح التي لا يليق ذكرُها. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} كلامٌ مستأنفٌ واردٌ على إرادة القولِ، والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلامُ أي قل لهم: أأمِيلُ إلى زخارف الشياطينِ فأبتغيَ حكماً غيرَ الله يحكمُ بـيننا ويفصل المحِقَّ منا من المبْطِل؟ وقيل: إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلْ بـيننا وبـينك حكَماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرَنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. وإسنادُ الابتغاءِ المنكرِ إلى نفسه صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في قوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } تفسير : [آل عمران، الآية 83] مع أنهم الباغون لإظهار كمالِ النَّصَفةِ أو لمراعاة قولِهم: اجعلْ بـيننا وبـينك حكماً. وغيرَ إما مفعولُ أبتغي وحكَماً حالٌ منه وإما بالعكس، وأياً ما كان فتقديمُه على الفعل الذي هو المعطوفُ بالفاء حقيقةً كما أشير إليه للإيذان بأن مدارَ الإنكارِ هو ابتغاءُ غيرِه تعالى حكماً لا مطلقُ الابتغاء. وقيل: حكماً تميـيزٌ لما في (غيرَ) من الإبهام كقولهم: إن لنا غيرَها إبلاً. قالوا: الحكَمُ أبلغُ من الحاكمِ وأدلُّ على الرسوخ لما أنه لا يُطلق إلا على العادل وعلى مَنْ تكرَّر منه الحكمُ بخلاف الحاكم وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} جملةٌ حاليةٌ مؤكدةٌ لإنكار ابتغاءِ غيرِه تعالى حكماً، ونسبةُ الإنزالِ إليهم خاصةً مع أن مقتضىٰ المقامِ إظهارُ تساوي نسبتِه إلى المتحاكِمَيْن لاستمالتهم نحوَ المُنْزَل واستنزالِهم إلى قبول حكمِه بإيهام قوةِ نسبتِه إليهم، أي أغيرَه تعالى أبتغي حكَماً والحالُ أنه هو الذي أنزلَ إليكم. وأنتم أمةٌ أمِّية لا تدرون ما تأتون وما تذرون فإن القرآنَ الناطقَ بالحق والصوابِ الحقيقُ بأن يُخَصَّ به اسمُ الكتاب {مُفَصَّلاً} أي مبـيناً فيه الحقُّ والباطلُ والحلالُ والحرام وغيرُ ذلك من الأحكام بحيث لم يبْقَ في أمور الدينِ شيءٌ من التخليط والإبهامِ فأيُّ حاجة بعد ذلك إلى الحَكَم؟ وهذا كما ترى صريحٌ في أن القرآنَ الكريمَ كافٍ في أمر الدينِ مغنٍ عن غيره ببـيانه وتفصيلِه وأما أن يكون لإعجازه دخْلٌ في ذلك كما قيل فلا، وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ} كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت القولِ المقدَّر مَسوقٌ من جهته سبحانه لتحقيق حقِّيةِ الكتابِ الذي نيط به أمرُ الحَكَمية وتقريرِ كونِه منزلاً من عنده عز وجل ببـيان أن الذين وثِقوا بهم ورضوا بحَكَميّتهم حسبما نُقل آنفاً من علماء اليهودِ والنصارى عالمون بحقيته ونزولِه من عنده تعالى، وفي التعبـير عن التوراة والإنجيلِ باسم الكتابِ إيماءٌ إلى ما بـينهما وبـين القرآنِ من المجانسة المقتضيةِ للاشتراك في الحقية والنزولِ من عنده تعالى مع ما فيه من الإيجاز، وإيرادُ الطائفتين بعنوان إيتاءِ الكتابِ للإيذان بأنهم علِموه من جهة كتابِهم حيث وجدوه حسبما نُعت فيه وعاينوه موافِقاً له في الأصول وما لا يُختلف من الفروع ومُخبِراً عن أمور لا طريقَ إلى معرفتها سوى الوحي. والمرادُ بالموصول إما علماءُ الفريقين وهو الظاهرُ فالإيتاءُ هو التفهيمُ بالفعل وإما الكلُّ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً فهو أعمُّ مما ذكر من التفهيم بالقوة، ولا ريب في أن الكل متمكنون من ذلك، وقيل: المرادُ مؤمنو أهلِ الكتاب، وقرىء مُنْزلٌ من الإنزال، والتعرضُ لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام، والباءُ في قوله تعالى بالحق متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكنّ في مُنزّلٌ أي ملتبساً بالحق. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي في أنهم يعلمون ذلك لما لا تشاهِد منهم آثارَ العلم وأحكام المعرفة، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآنِ أو في أنه منزلٌ من ربك بالحق فيكونُ من باب التهيـيجِ والإلهابِ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام، الآية 14] وقيل: الخطابُ في الحقيقة للأمة وإن كان له صلى الله عليه وسلم صورةً، وقيل: الخطابُ لكل أحدٍ على معنى أن الأدلةَ قد تعاضدت وتظاهرت فلا ينبغي لأحد أن يمتريَ فيه، والفاءُ على هذه الوجوهِ لترتيب النهي على نفس علمِهم بحال القرآن.

القشيري

تفسير : وكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فَرَضُوا لأنفسهم أخَسَّ الأنصباءَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولتصغى اليه} الى زخرف القول علة اخرى للايحاء معطوفة على غرورا وانما لم ينصب لفقد شرطه اذ الغرور فعل الموحى واصغاء الافئدة فعل الموحى اليه اى يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول ليغروهم به ولتميل اليه {افئدة} قلوب {الذين لا يؤمنون بالآخرة} واما المؤمنون بها فلا يتصور منهم الميل الى تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها {وليرضوه} لانفسهم بعدما مالت اليه افئدتهم {وليقترفوا} اى يكتسبوا بموجب ارتضائهم له {ما هم مقترفون} له من القبائح التى لا يليق ذكرها وهى ما قضى عليهم فى اللوح المحفوظ يقال اقترف فلان ذنبا اذا عمله ومالا اذا اكتسبه. وفى الآية اشارة الى ان البلايا للسائرين الى الله هى المطايا وان اشد البلاء شماتة الاعداء فلما كانت رتبة الانبياء اعلى كانت عداوة الكفار لهم اوفى وفى ذلك ترقيات لهم وتجليات: قال الحافظ شعر : جه جورها كه كشيدند بلبلان ازدى ببوى آنكه درك نوبهار باز آيد تفسير : والاشارة فى شيطان الانس الى النفس الامارة بالسوء وهى اعدى الاعداء ولهذا قدم ذكره على الجن ههنا بخلاف المواضع الاخر وليعلم ان عداوة النفس واصحاب النفوس اشد واصعب من عداوة شياطين الجن فان كيد الشيطان مع كيد الانسان ضعيف وارباب القلوب لا يصغون الى زخارف اقوال اصحاب النفوس بل كلما تشتد عداوة الاعداء يقوى ايمان الاولياء شعر : وفا كنيم وملامت كشيم وخوش باشيم كه در طريقت ما كافريست رنجيدن تفسير : وانما يتسلط الشيطان على ابن آدم بفضول النظر والكلام والطعام وبمخالطة الناس ومن اختلط فقد استمع الى الاكاذيب. وعن بعض الشيوخ ان الشيطان اشد بكاء على المؤمن اذا مات من بعض اهله لما فاته من افتتانه اياه فى الدنيا واذا عرج بروح المؤمن الى السماء قالت الملائكة سبحان الذى نجى هذا العبد من الشيطان يا ويحه كيف نجا. فعلى المؤمن ان يحترز من وساوسه وحديث نفسه ايضا كيلا يفتضح عند الله وعند الناس فانه روى ان الوسواس الخناس يخبر بما وقع فى قلب ابن آدم وحدث به نفسه وان لم يخبره لغيره كما حكى ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ذكر امرأة فى نفسه فجعل الناس يتحدثون به فيما بينهم. واعلم ان قرين المرء من الجن اذا اسلم سلم من شره ومن الجن قوم مؤمنون منتفعون بعلوم كل البشر محبون ـ حكى ـ عن ابراهيم الخواص قال حججت سنة من السنين فبينا انا امشى مع اصحابى اذا عارضنى عارض من سرى يقتضى الخلوة وخروجا عن الطريق الجادة فاخذت طريقا غير الطريق الذى عليه الناس فمشيت ثلاثة ايام بليالهن ما خطر على سرى ذكر طعام ولا شراب ولا حاجة فانتهيت الى برية خضراء فيها من كل الثمرات والرياحين ورأيت فى وسطها بحيرة فقلت كانها الجنة وبقيت متعجبا فبينا انا اتفكر اذا انا بنفر قد اقبلوا بسيماهم سيما الآدميين عليهم المرقعات الحسان فحفوا بى وسلموا علىّ فقلت وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فوقع فى خاطرى انهم من الجن فقال قائل منهم قد اختلفنا فى مسألة ونحن نفر من الجن قد سمعنا كلام الله تعالى من محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وسلبتنا نغمة كلامه جميع امور الدنيا وقد عين الله لنا هذه البحيرة فى هذه البرية قلت وكم بيننا وبين الموضع الذى تركت فيه اصحابى فتبسم بعضهم وقال يا ابا اسحق لله عز وجل عجائب واسرار الموضع الذى انت فيه لم يحضره آدمى قبلك الا شاب من اصحابهم توفى ههنا وذاك قبره اشار الى قبر على شفير البحيرة حوله روضة ورياحين لم ار مثلها قبل ثم قال بينك وبين القوم الذين فارقتهم مسيرة كذا وكذا شهرا او قال كذا وكذا سنة فقلت اخبرونى عن الشاب فقال قائل منهم بينما نحن قعود على شفير البيحرة نتذاكر المحبة اذ بشخص قد اقبل الينا وسلم علينا فرددنا عليه السلام فقلنا له من اين اقبل الشاب قال من مدينة نيسابور قلنا له ومتى خرجت منها قال منذ سبعة ايام قلنا له وما الذى ازعجك على الخروج من وطنك قال سمعت قول الله تعالى {أية : وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} تفسير : [الزمر: 54]. قلنا له ما معنى الانابة وما معنى الاسلام وما معنى العذاب فقال الانابة ان ترجع بك منك اليه والاسلام ان تسلم نفسك له وتعلم انه اولى بك منك والعذاب الفرقة ثم صاح صحية عظيمة فمات فواريناه وهذا قبره رضى الله عنه قال ابراهيم فتعجبت مما وصفوا ثم دنوت من قبره واذا عند رأسه باقة نرجس كأنها رحى عظيمة وعلى قبره مكتوب هذا حبيب الله قتيل الغيرة وعلى ورقها مكتوب صفة الانابة فقرأت ما هو على النرجس مكتوب فسألونى ان افسره لهم ففسرته فوقع فيهم الطرب فلما افاقوا وسكنوا قالوا قد كفينا جواب مسألتنا قال ووقع علىّ النوم فما انتبهت الا وانا قريب من مسجد عائشة رضى الله عنها واذا فى وعائى باقة ريحان فبقيت معى سنة كاملة لم تتغير فلما كان بعد فقدتها رضى الله عنه وعنهم وعن جميع الصالحين.

الطوسي

تفسير : العامل في قوله {ولتصغى} قوله {يوحي} وهي لام الغرض وتقديره يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول ليغرونهم ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وتكون الهاء في قوله {إليه} عائدة الى القول المزخرف، ولا يجوز أن يكون العامل فيها جعلنا، لان الله تعالى لا يجوز أن يريد منهم أن تصغى قلوبهم الى الكفر ووحي الشياطين، اللهم الا ان يجعلها لام العاقبة كما قال {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}تفسير : غير ان هذا غير معلوم أن كل من أرادوا منه الصغو صغى، ولم يصح ذلك أيضا في قوله {وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} لانه غير معلوم حصول جميع ذلك. وعلى ما قلناه يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض ويكون مرادا كله للشياطين. وقال الجبائي: ان هذه لام الامر، والمراد بها التهديد، كما قال {أية : واستفزز}تفسير : وقال {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : قال لان علامة النصب والجزم تتفق في سقوط النون في قوله {وليرضوه وليقترفوا} وهذا غير صحيح، لانها لو كانت لام الامر لقال {ولتصغ} بحذف الالف وما قاله انما يمكن ان يقال في قوله {وليرضوه وليقترفوا} فأما في قوله {ولتصغى} فلا يمكن، فبان بذلك أنها لام كي. وقال الزجاج والبلخي: اللام في {ولتصغى} لام العاقبة وما بعده لام الامر الذي يراد به التهديد، وهذا جائز غير أن فيه تعسفا. ومعنى (صغا) مال و {لتصغى} أي لتميل، وهو قول ابن عباس وابن زيد، تقول: صغوت اليه أصغى صغوا وصغوا وصغيت أصغي بالياء أيضا وأصغيت اليه اصغاء بمعنى قول الشاعر: شعر : ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه الى التشبيه اصغاء تفسير : ويقال أصغيت الاناء اذا أملته لتجمع ما فيه فاصله الميل لغرض من الاغراض. وقوله {وليقترفوا} عطف على {ولتصغى} والاقتراف اكتساب الاثم، ومعناه وليكتسبوا الاثم - في قول ابن عباس وابن زيد والسدي - ويقال: خرج يقترف لاهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الامر اذا واقعه وعمله وقرفتني بما ادعيت علي أي رميتني بالريبة، وقرف القرحة أي أقشر منها، واقترف كذبا قال رؤبة: شعر : أعيا أقتراف الكذب المقروف يقوي البغي وعفة العفيف تفسير : وأصله اقتطاع قطعة من الشيء ولام كي تنصب باضمار (أن) مثل (حتى) غير أنها قد تظهر مع اللام، ولا تظهر مع (حتى) لان (حتى) محمولة على التأويل، ومعناها (الى أن) لما فى (حتى) من الاشتراك. وليس في اللام حمل على تأويل حرف آخر. وقال البلخي: الاقتراف الادعاء والتهمة، يقول الرجل لغيره: أنت قرفتني أي نسبتني الى التهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} عطف على محذوف كما ذكرنا او عطف على غروراً {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ} يكتسبوا {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} حتى يتميّزوا من المؤمنين ويخلصوا ايمان المؤمنين بايذائهم ايّاهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} يعني أفئدة المشركين تصغي إلى ما توحي إليها الشياطين وترضاه. والإِصغاء الميل. يقول: ولتصغى أي: ولتميل إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة. {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون، أي سيعملون ما هم عاملون. قوله: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً} أي: مبيَّناً فصَّل فيه الهدى والضلالة والحلال والحرام. قوله: {وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ} يعني أهل الدراسة من أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحقّ {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} أي من الشاكّين [أن هذا القرآن من عند الله وأن الدارسين من أهل الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ]. قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً} فيما وعد {وَعَدْلاً} فيما حكم. وقال الحسن: صدقاً وعدلاً بالوعد والوعيد الذي جاء من عند الله. {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}. فيما وعد، كقوله: (أية : لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) تفسير : [سورة ق:28-29]. قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي لا أسمع منه ولا أعلم منه. قوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} لأن المشركين كانوا يدعونه إلى عبادة الأوثان. {إِن يَتَّبِعُونَ} بعبادتهم الأوثان {إِلاَّ الظَّنَّ} أي: ادَّعوا أنهم آلهة بظنٍّ منهم. {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي إِلا يكذبون. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ} أي: فهو أعلم أن محمداً على الهدى وأن المشركين هم الذين ضلَّوا عن سبيله. قوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} [يعني ما أدرك ذكاته]. قال الحسن: وذلك أن مشركي العرب كانوا يأكلون الميتة والدم والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، فحرَّم الله ذلك كله إلا ما أدرك ذكاته. قال الله: (أية : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) تفسير : [المائدة:3] قال: {إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}.

اطفيش

تفسير : {ولتَصْغِى إليه أفئدةُ الَّذينَ لا يؤمنُونَ بالآخِرةِ} عطف على غرورا إذ جعلنا غروراً مفعولا من أجله، عطفا على المعنى، لأن المعنى للغرور، ويسمى فى غير القرآن عطف توهم، وإنما جئ بلام الجر ولم يقل: وإصغاء أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة إليه بنصب إصغاء عطفاً على غرور، لأن فاعل لتصغى، وفاعل عامل المغرور غير متحد فجر، بخلاف فاعل غرور وفاعل عامله فمتحدان، والجملتان بين غرور أو لتَصْغى معترفان، وإذا لم نجعل غروراً مفعولا من أجله لم يعطف عليه لتَصْغى، وعلى كل حال يجوز أن يعلق بمحذوف، أى وجعلنا لكل نبى عدوّاً لتصغى أو أوجدنا ذلك لتصغى، أو فعلنا ذلك لتصغى أو نحو ذلك، وإن يعطف على محذوف متعلق بجعلنا الذى ذكر فى الآية، أى ليغروا ولتصغى. إنما يصح التعليق بالجعل المذكر بواسطة العطف على محذوف، أو بالجعل المقدر مثله، إذ جعلنا الكلام منسحباً إلى قوله: {يوحى} بأن جعلنا يوحى حالا من شياطين، وصغوا الأفئدة إليه كفر، وهو مع ذلك مراد لله تعالى، وكذا الرضا به فى قوله: {وليرضوه} والمعتزلة منعوا ذلك، فجعلوا اللام للصيرورة أو للقسم، كسرت لما لم يؤكد الفعل بعدها بالنون، أو لام الأمر التهديدى، ويردّه أن لام جواب القسم لا تكسر، أكد الفعل بالنون أو لم يؤكد، ولو زعموا أنها كسرت هنا فرقاً بينها وبين لام الابتداء، وهذا أيضا مبنى على جواز دخول لام الابتداء على المضارع بلا تقدم لئن، أو دخول لسوف أو السين عليه، ولو كانت لام الأمر لحذفت الألف وثبوت حرف العلة مع الجازم ضرورة، وقيل: لغة ضعيفة يعتبر أهلها عمل الجازم بعد تقدير الضمة، ولكن لضعفها لا يخرج عليها القرآن، ثم إنه أين نظيرها فى القرآن؟ ودعوى أن الألف للإشباع تكلف بلا داع، ثم إن حذف النون فى ليرضوه يضعف جعل اللام فى لتصغى لام جواب القسم، لأن العطف عليه، وادعاء أن النون حذفت تخفيفا تكلف، والصغو والصغى الميل، أى ولتميل إليه أفئدة، يقال: صغا يصغو كدعا يدعو، وصغا يصغى كعلم يعلم، ولتميل إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فيتبعوه. {وليرْضَوْه} لأنفسهم ديناً {وليقْتَرفُوا} يكتسبوا ويتناولوا {ما هُم مُقْتَرفُون} إياه، وفسر الزجاج الاقتراف بالكذب، وهو تفسير بالمعنى المراد فى الآية، وإلا فليس الاقتراف فى اللغة الكذب، بل الاكتساب كما قال جل وعلا: {أية : ومن يقترف حسنة} تفسير : ومع كونه تفسيرا بالمعنى يضعف من وجه آخر أيضا، وهو ليس المراد اقتراف ألسنتهم، بل المراد كسب السيئات فى القلب أو باللسان أو بالجوارح.

اطفيش

تفسير : {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} ولتميل إِلى الزخرف أَو إِلى إِيحائه أَو إِلى الغرور أَو إِلى تعاد الأَنبياءِ عطف على غرورا إِذا جعلنا غرورا مفعولا من أَجله اتحد فاعل الغرور وفاعل عامله فنصب، اختلف فاعل الصغو وفاعل عامله فجر باللام، ففاعل الإِيحاء بعض وفاعل الصغو أَفئدة كما قال {أَفئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} وإِن جعلنا غرورا مفعولا مطلقاً أَو حالا علقنا اللام بمحذوف أَى فعلنا ذلك الزخرف أَو الإِيحاء أَو كليهما لتصغى، أَو يقدر مؤخرا أَى لتصغى إِليه جعلنا لكل نبى عدوا، ويجوز ذلك أَيضا إِذا جعلنا غرورا مفعولا من أَجله، وفى الآية إِرادة الله الكفر للكافرين، لأَن الحاصل أَنه جعل العدو للصغو إِلى ذلك، والصغو إِليه كفر، والمعتزلة جعلوا اللام للعاقبة خروجا عن أَن يريد الكفر فوقعوا فى أَنه كان فى ملكه عاقبة لم يردها وهذا عين الكفر، وأَجابوا أَيضا أَن اللام لام القسم، ويرده أَن لام القسم مفتوحة وزعموا أَنها كسرت لئلا تلتبس بلام الابتداءِ ويرده أَنه لا لبس هنا، وأَن المضارع فى جواب القسم يؤكد بالنون إِن لم يفصل بينه وبين الام، وعدم توكيده إِما ضرورة وإِما قليل فلا يحمل عليه، وأَجابوا أَيضا بأَنها لام الأَمر للتهديد، وكذا فى اللامين بعده، ويرده ثبوت الأَلف فى تصغى، نعم يقويه قراءَة حذفها وقراءَة الحسن بتسكين اللامات الثلاث ودعوى أَن الجازم حذف الضمة المقدرة فقط، أَو أَن الأَلف إِشباع تكلف، وكذا الحمل على قراءَة نرتعى ونلعب، وقراءَة يتقى ويصبر {وَلِيَرْضَوْهُ} الهاء لما عادت إِليه هاء إِليه، أَى وليرتضوا ذلك لأَنفسهم {وَلِيَقْتَرِفُوا} يكتسبوا، وفسره الزجاج بيكذبوا وهو تفسير معنى لا تفسير لغة، وفسره بعض بيعيبوا أَو يتهموا، وهو تفسير معنى لا لغة وكلاهما بعيد {مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} من الذنوب، ووجه ذلك الترتيب أَنه يكون الخداع أَولا فالميل فالرضى بالفعل المعبر عنه بالاقتراف. قال أَبو حيان: وهذا فى غاية الفصاحة، ولعله أَراد البلاغة، ولما طلب منه صلى الله عليه وسلم كفار قريش أَن يجعل بينهم وبينه حكما من علماء اليهود أَو النصارى ليخبرهم بما فى كتابهم من أَمره صلى الله عليه وسلم نزل قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِى حَكَماً}.

الالوسي

تفسير : {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} أي إلى زخرف القول، وقيل: الضمير للوحي أو للغرور أو للعداوة لأنها بمعنى التعادي، والواو للعطف وما بعدها عطف على { أية : غُرُوراً } تفسير : [الأنعام: 112] بناء على أنه مفعول له فيكون علة أخرى للإيحاء وما في البين اعتراض، وإنما لم ينصب لفقد شرط النصب إذ الغرور فعل الموحي وصغو الأفئدة فعل الموحى إليه. وهو على الوجهين الأخيرين علة لفعل محذوف يدور عليه المقام أي وليكون ذلك جعلنا ما جعلنا. «وأصل الصغو ـ كما قال الراغب ـ الميل يقال: صغت الشمس والنجوم صغوا مالت للغروب وصغيتُ الإناء وأصغيته وأصغيت إلى فلان ملت بسمعي نحوه، وحُكِي صغوت إليه أصغو وأصغى صغواً وصُغِيَّاً؛ وقيل: صغيت أصغى وأصغيت أُصغي». وفي «القاموس» «صغا يصغو ويصغي صغواً وصَغِىَ يصغي صغاً وصُغِياً مال». وذكر بعض الفضلاء أن هذا الفعل مما جاء واوياً ويائياً فقيل: يصغو ويصغى؛ ويقال: في مصدره صغيا بالفتح والكسر. وزاد الفراء صغياً وصغوا بالياء والواو مشددتين، ويقال: إن أصغى مثله. والمراد هنا ولتميل إليه. {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي على الوجه الواجب. وخص عدم إيمانهم بها دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان بها وهم بها كافرون ـ قال مولانا شيخ الإسلام ـ «إشعاراً / بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره وآلامها مزينة بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات ودون هذه الشهوات آلاما وإنما ينظرون ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي فهم مضطرون إلى حب الشهوات التي من جملتها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل، وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحال ناظرين إلى عواقب الأمور لم يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها» اهـ. والآية حجة على المعتزلة في وجه. وأجاب الكعبـي بأن اللام للعاقبة وليست للتعليل بوجه وهو خلاف الظاهر. وقال غيره: إنها لام القسم كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون. واعترض بأن النون حذفت ولام القسم باقية على فتحها كقوله: شعر : لئن تك قد ضاقت على بيوتكم ليعلم ربـي أن بيتي واسع تفسير : بفتح لام ليعلم، نعم حُكِي عن بعض العرب كسر لام جواب القسم الداخلة على المضارع كقوله: شعر : لتغني عن ذا إنائك أجمعا تفسير : وهو غير مجمع عليه أيضاً فإن أناساً أنكروا ورود ذلك، وجعلوا اللام في البيت للتعليل والجواب محذوف أي لتشربن لتغني عني. واستشهد الأخفش بالبيت على إجابة القسم بلام كي. وقال الرضي: لا يجوز عند البصريين في جواب القسم الاكتفاء بلام الجواب عن نون التوكيد إلا في الضرورة. وعن الجبائي أن اللام هنا لام الأمر، والمراد منه التهديد أو التخلية واستعمال الأمر في ذلك كثير. واعترض بأنها لو كانت لام الأمر لحذف حرف العلة. وأجيب بأن حرف العلة قد يثبت في مثله كما خرج عليه قراءة {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } و {إِنَّهُ مِنَ يَتَّقِى وَيِصْبِرْ} فليكن هذا كذلك. ويؤيد أنها لام الأمر أنه قرىء بحذف حرف العلة. وقرأ الحسن بتسكين اللام في هذا وفي الفعلين بعده. فدعوى إن ضعف كونها للأمر أظهر من ضعف الوجهين الأولين غير ظاهرة. «واستدل أصحابنا بإسناد الصغو إلى الأفئدة على أن البنية ليست شرطاً للحياة فالحي عندهم هو الجزء الذي قامت به الحياة، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم، وقالت المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء، والإسناد هنا مجازي». {وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم بعدما مالت إليه أفئدتهم {وَلِيَقْتَرِفُواْ } أي ليكتسبوا، قال الراغب: «أصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجرة والجليدة عن الجرح وما يؤخذ منه قِرَف، واستعير الإقتراف للإكتساب حسناً كان أو سوءاً وفي الإساءة أكثر استعمالاً، ولهذا يقال: الاعتراف يزيل الاقتراف، ويقال: قرفت فلاناً بكذا إذا عبته به واتهمته؛ وقد حمل على ذلك ما هنا» وفيه بعد. ومثله ما نقل عن الزجاج أن المعنى فيه وليختلقوا وليكذبوا {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } أي الذي هم مقترفوه من القبائح التي لا يليق ذكرها. وجوز أن تكون {مَا } موصوفة، والعائد محذوف أيضاً. وأن تكون مصدرية فلا حاجة إلى تقدير عائد.

ابن عاشور

تفسير : عُطف قوله: {ولتصغى} على { أية : غروراً } تفسير : [الأنعام: 112] لأنّ {غروراً} في معنى ليغرّوهم. واللام لام كي وما بعدها في تأويل مصدر، أي ولصغى، أي مَيل قلوبهم إلى وحيِهم فتقوم عليهم الحجّة. ومعنى {تصغى} تميل، يقال: صَغَى يَصغى صَغْياً، ويَصْغُو صَغواً ــــ بالياء وبالواو ــــ ووردت الآية على اعتباره ــــ بالياء ــــ لأنّه رسم في المصحف بصورة الياء. وحقيقته المَيل الحسي، يقال: صَغى، أي مال، وأصغى أمال. وفي حديث الهِرّة: أنّه أصغى إليها الإناءَ، ومنه أطلق: أصغى بمعنى استمع، لأنّ أصله أمال سمعه أو أذُنه، ثمّ حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال. وهو هنا مجاز في الاتّباع وقبول القول. والَّذين لا يؤمنون بالآخرة هم المشركون. وخصّ من صفات المشركين عدمُ إيمانهم بالآخرة، فعُرّفوا بهذه الصّلة للإيماء إلى بعض آثار وحي الشّياطين لهم. وهذا الوصف أكبر ما أضرّ بهم، إذ كانوا بسببه لا يتوخّون فيما يصنعون خشية العاقبة وطلَبَ الخير، بل يتَّبعون أهواءهم وما يُزيَّن لهم من شهواتهم، معرضين عمّا في خلال ذلك من المفاسد والكفرِ، إذ لا يترقَّبون جزاء عن الخير والشرّ، فلذلك تصغى عقولهم إلى غرور الشَّياطين. ولا تصغَى إلى دعوة النَّبيء صلى الله عليه وسلم والصّالحين. وعطف {وليرضوه} على {ولتصغى}، وإن كان الصّغْي يقتضي الرّضى ويسبّبه فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء وأن لا تكرّر لام التّعليل، فخولف مقتضى الظاهر، للدلالة على استقلاله بالتّعليل، فعطف بالواو وأعيدت اللاّم لتأكيد الاستقلال، فيدل على أن صَغى أفئدتهم إليه ما كان يكفي لعملهم به إلاّ لأنَّهم رَضُوه. وعطْفُ {وليقترفوا ما هم مقترفون} على وليرضوه كعطف وليرضوه على {ولتصغى}. والاقتراف افتعال من قرف إذا كسب سيئة، قال تعالى بعد هذه الآية: { أية : إنّ الذين يكسبون الإثم سيُجْزون بما كانوا يقترفون } تفسير : [الأنعام: 120] فذكَرَ هنالك لِـ {يكسبون} مفعولا لأنّ الكسب يعمّ الخير والشرّ، ولم يذكر هنا لـــ {يقترفون} مفعولاً لأنّه لا يكون إلاّ اكتساب الشرّ، ولم يقل: سيُجزْون بما كانوا يكسبون لقصد تأكيد معنى الإثم. يقال: قرف واقترف وقارف. وصيغة الافتعال وصيغة المفاعلة فيه للمبالغة، وهذه المادة تؤذن بأمر ذميم. وحكوا أنَّه يقال: قَرف فلان لِعِيالِه، أي كسب، ولا أحسبه صحيحاً. وجيء في صلة الموصول بالجملة الاسميّة في قوله: {ما هم مقترفون} للدلالة على تمكّنهم في ذلك الاقتراف وثباتهم فيه.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلآخِرَةِ} (113) - وَيُوحِي هَؤُلاَءِ الشَّيَاطِينُ، بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، القَوْلَ المُمَوَّهَ لِيَغُرُّوا بِهِ المُؤْمِنينَ، وَيَصْرِفُوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَلِتَمِيلَ إِلَيهِ قُلُوبُ الكَافِرِينَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، لأَنَّهُ المُوَافِقُ لأَِنْفُسِهِمْ إذْ هُمْ يَمِيلُونَ إِلى حُبِّ الشَّهَوَاتِ التِي مِنْ جُمْلَتِهَا الأَقَاوِيلُ المُزَخْرَفَةُ، وَالأَبَاطِيلُ المُمَوَّهَةُ، فَيَرْضَوْنَ ذَلِكَ لأَِنْفُسِهِمْ بِلا بَحْثٍ وَلاَ تَمْحِيصٍ فِيهِ، وَيَرْتَكِبُونَ مِنَ المَآثِمِ وَالمَعَاصِي مَا هُمْ مُرْتَكِبُونَ بِغُرُورِهِمْ. لِتَصْغَى - لِتَمِيلَ إِلَى زُخْرُفِ القَوْلِ. لِيَقْتَرِفُوا - لِيَكْتَسِبُوا مِنَ الآثَامِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن من يؤمن بالآخرة لا يقرب منه الزخرف أبداً ولا يميل إليه. وإن زُينت له معصية فإنه يتساءل: كم ستدوم لذة هذه المعصية؟ دقيقتين، ساعة، شهراً؛ وماذا أفعل يوم القيامة الذي يكون فيه الإنسان إمّا إلى دخول الجنة وإمّا إلى دخول النار. إذن فمن يؤمن بالآخرة لا تتقبل أذنه ولا فؤاده هذا الزخرف من القول، ولا يتقبله إلا من لا يؤمن بالآخرة، وهو لا يعرف إلا الدنيا، فيقول لنفسه: فلتتمتع في الدنيا فقط، ولذلك لو استحضرَ كل مؤمن العقوبة على المعصية ما فعلها، وهو لا يفعلها، وهو لا يفعلها إلا حين يغفل عن العقوبة. وإذا كنا في هذه الدنيا نخاف من عقوبة بعضنا بعضاً، وقدراتنا في العقوبة محدودة، فما بالنا بقدرة الرب القاهرة في العقوبة؟! ولذلك نجد الذين يجعلون الآخرة على ذكر من أنفسهم وبالهم إذا عرضت لهم أي معصية، يقارنونها بالعقاب، فلا يقتربون منها. {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}. والإصغاء هو ميل الأذن إلى المتكلم؛ لأنك قد لا تسمع من يتكلم بغير إصغاء، وحين يسير الإنسان منا في الطريق فهو يسمع الكثير، لكن أذنه لا تتوقف عند كل ما يسمع، بل قد تقف الأذن عندما يظن الإِنسان أنه كلام مهم. ولذلك يسمونه التسمع لا السمع، وهذا هو الإصغاء. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: من تسمع غانية - أي امرأة تغني بخلاعة - ولم يقل: "من سمع"، والإنسان منا قد يسير ويذهب إلى أي مكان والمذياع يذيع الأغاني، ويسمعها الإنسان، وآلة إدراك السمع منطقة وليست مفتوحة؛ فهو لا يتصنت، وآلة إدراك الانطباقية أو الانفتاحية مثل العين؛ فالعين لا ترى وهي مغمضة، إنها ترى وهي مفتوحة، والعين تغمض بالجفون أما الأذن فليس لها جفون يقول لها: لا تسمعي هذه، وهذه اسمعيها. إذن فالسمع ليس للإنسان فيه اختيار، لكن التسمع هو الذي له فيه اختيار. {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] كأن فيه شيئا ينبع طلب السمع فيه من الفؤاد، أي يوافق ما في الأعماق، وشيئا آخر يمر عليه الإنسان مر الكرام غير ملتفت إليه. والأفئدة هي القلوب، صحيح أن الآذان هي التي تصغي، لكن القلوب قد تتسمع ما يقال، وكأن النفس مستعدة لهذه العملية؛ لأنها لا تؤمن بأن هناك آخرة وعندما استعداد لأن تأخذ لذة الدنيا دون التفات للآخرة. ولذلك ينقل الحق سبحانه الإصغاء من الأذن إلى الفؤاد وهذا إدراك. {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ..} [الأنعام: 113] ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة: {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] وقد يصغي إنسان، ثم تتنبه نفسه اللوامة، ويمتنع عن الاستجابة. لكن هناك من يصغي ويرضى وجدانه ويستريح لما يسمع، ثم ينزع للعمل ليقترف الإثم. وهذه ثلاث مراحل: الأولى هي: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ}. ثم المرحلة الثانية: {وَلِيَرْضَوْهُ}، ثم المرحلة الأخيرة: {وَلِيَقْتَرِفُواْ} أي يرتكبوا الإثم، وهذه المسألة حددت لنا المظاهر الشعورية التي درسها علماء النفس فالإدراك؛ "لتصغى"، والوجدان؛ "ليرضوه"، والنزوع؛ "ليقترفوا". وقبل أن يولد علم النفس جاء القرآن بوصف الطبيعة البشرية بمراحلها المختلفة من إدراك ووجدان، ونزوع والشرع لا يتدخل عند أي مظهر من مظاهر شعور المرء إلا عند النزوع إلا في حالة واحدة حيث لا يمكن فصل النزوع عن الوجدان وعن الإدراك؛ لذلك يتدخل الشرع من أول الأمر، وهو ما يكون في عملية نظر الرجل إلى المرأة؛ لأنك حين تنظر تجد نفسك: تحبها وتعشقها تفتن بها، ومحرم عليك النزوع، فحين تتقدم ناحيتها يقول لك الشرع: لا. ولأن هذا أمر شاق على النفس البشرية، ولا يمكن فصل هذه العمليات؛ لأنه إن أدرك وَجِد، وإن وَجِد نزع، فأمر الحق بالامتناع من أول الأمر: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ..} تفسير : [النور: 30] {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ..} تفسير : [النور: 31] إذن فقد منع الإدراك من بدايته ولم ينتظر حتى النزوع، لماذا؟ لأن الإدراك الجمالي في كل شيء يختلف عن الإدراك الجمالي في المرأة. الإدراك الجمالي في المرأة يُحدث عملية كيماوية في الجسم تسبب النزوع، ولا يمكن فصلها أبداً. {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}. وساعة ما نقول: "ما" ويأتي الإبهام فهذا دليل على أن هناك أموراً كثيرة جدًا. ولذلك يقول الحق: {أية : ..فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78] أي أنه أمر لا يمكن أن تحدده الألفاظ، مثله مثل قوله: {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}. أي أن كل واحد يقترف ويكتسب ويعمل ويرتكب ما يميل إليه؛ فهناك من يغتاب أو يحسد أو يسرق وغير ذلك من شهوات النفس التي لا تحدد؛ لذلك جاء لها باللفظ الذي يعطي على العموم. وما دامت المسألة في نبوّة واتباع نبوّة، وفي أعداء شياطين من الإنس والجن ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً إذن فهذه معركة، وحتى يتم الفصل فيها لابد من حاكم يحكم. فأوضح الحق: يا محمد أنا أرسلتك، ولك أعداء وسيكيدون لك بكذا وكذا ويبذلون قصارى جهدهم في إيذائك ومن اتبعك، فإياك أن تبتغي حكما غيري؛ لأني أنا المشرع وأنا من أحكم، وأنا الذي سوف أجازي. لماذا؟ لأن الخلاف على ما شرع الله، ولا يستقيم ولا يصح أن يأتي من يقول مراد المقنن كذا، أو المفسر الفرنسي قال كذا، والمفسر الإِنجليزي قال كذا، لا، إن الذي يحكم هو من وضع القانون، ومراداته هو أعلم بها، والحق الواضح هو أعلم به، وسبحانه هو من يحكم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها. " تفسير : أي إياك أن يقول واحد: إن النبي قد حكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بظاهر الحجة، وقد يكون واحد من المختصمين قوي الحجة، والآخر لا يجيد التعبير عن نفسه. إذن فالحكم هو الله لأنه هو الذي قنن، ومادام هو الذي قنن وهو الذي يحكم بينكم، فليطمئن كل إنسان يتخاصم مع غيره؛ لأن القضية يفصل فيها أعدل العادلين وأحكم الحاكمين. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ} [الآية: 113]: تزيين الباطل بالأَلسنة غروراً. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الآية: 122] قال: قال المشركون: أَما ما ذبح الله لكم، يعنون الميتة، فلا تأْكلون. وأَما ما ذبحتم أَنتم، فهو لكم حلال. فقال الله عز وجل: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الآية: 122]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} [الآية: 110] سأَلت قريش محمداً، صلى الله عليه وسلم "أَن" يأْتيهم بآية، حلفوا له ليؤمنن بها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} قال" ضالا فهديناه، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ}. فهو الإِيمان. {كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ}. يعني في الضلال، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أَبداً [الآية: 123]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} [الآية: 124]. قال: عظماؤها. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الآية: 126] قال: "الرجس" م لا خير فيه. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ} [الآية: 129]. يقول: يا معشر الجن قد كثر من أَغويتم {مِّنَ ٱلإِنْسِ} .

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ} معناه تَميلُ والأَفْئِدَةُ جَمعُ فوْادٍ. ويقالُ: صَغوتُ إِليهِ، وأَصْغَيتُ إِليهِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} معناه يَتَوافَقُوا وَيَعْمَلوا.

الجيلاني

تفسير : {وَلِتَصْغَىۤ} ولتميل {إِلَيْهِ} وتوجه نحوه {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ} لأنفسهم ما يزخرفون به لكون جبلتهم عليه {وَلِيَقْتَرِفُواْ} ويكتسبوا بسببه {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] مكتسبون من العقائد الزائفة والآثام. قل لهم إن أرادوا أن يتصالحوا ويتحاكموا معك بعدما ظهر لك تنسيبهم وتغريرهم إنكاراً عليهم: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ} المستقل بالحكومة والتصرف {أَبْتَغِي} أطلب {حَكَماً} عادلاً يفصل بيني وبينكم أيها المعاندون المكابرون {وَ} الحال أنة {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً} مبيناً موضحاً مغنياً عن التحاكم والترافع {وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي: علمه إن أنصفوا، ولم يعاندوا ولم يكابروا {يَعْلَمُونَ} يقيناً بشهادة كتبهم {أَنَّهُ} أي: القرآن {مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ} ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} بلا ميل إلى الباطل أصلاً {فَلاَ تَكُونَنَّ} يا أكمل الرسل {مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] في أنهم عالمون بحقية القرآن وموافقته لكتبهم، إلا أنهم يكابرون في تحريف كتبهم، ويعاندون بادعاء تكذيب القرآن ظلماً وعدواناً. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} أي: انتهت وتناهت، وبلغت الغاية القصوى بيان كلمة التوحيد برسالتك يا أكمل الرسلح إذ ظهرت في تبيينها وكشفها بما لا يظهر به أحد من الأنبياء؛ إذا الأنبياء إنما يظهرون توحيد الصفات والأفعال دون توحيد الذات، وأنت تظهر به حيث ورد في شأنك: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]، و{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ}تفسير : [الفتح: 10]. وقلت: "حديث : من رآني فقد رأى الحق ". تفسير : وقلت: أيضاً: "حديث : رأيت ربي في ليلة المعراج"تفسير : ، وغير ذلك الآثار والأخبار الدالة على التوحيد الذاتي. لذلك أتمت مكارم الأقوال والأخلاق {صِدْقاً وَعَدْلاً} ومتى تمت وبلغت {لاَّ مُبَدِّلِ} ولا محول {لِكَلِمَاتِهِ} إذ ختم وتم أمر الرسالة والنبوة وسد باب الوحي {وَ} بعد ذلك ظهر أنه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقواله {ٱلْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] بشؤونه وتجلياته إلى ما شاء الله. {وَ} متى تحققت يا أكمل الرسل بمقام الشهود والمشاهدة {إِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} المتوحد بالذات والصفات والأسماء {إِن يَتَّبِعُونَ} أي: ما يتبعون ويقتفون {إِلاَّ ٱلظَّنَّ} الفاسد والوهم الكاسد، والظن لا يغني عن الحق الصريح شيئاً {وَإِنْ هُمْ} أي: ما هم في ظنونهم الكاذبة وأوهامهم الباطلة في الاعتقادات والأحكام {إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] يخلطون ويلبسون على نفسهم حسداً وعناداً.